• بزغ الفجر وامتد الشفق، ثم عاد واستدار على نفسه، فتقعَّر أسفله وضاق في قاعه، وانفرج أعلاه واتسع، وصنع قدحاً. وقد استجمعت الشمس أشعتها ولملمت ظفائرها، ثم هوت من برجها مُـساحة مُذابة، وانسكبت في قدح الفجر سُـلافاً سالَت من عصر، صَبوحاً يصل السمَّـار فيها ليلهم بالنهار. صرنا نتعاطى الشمس ونشربها حميّاً! وأنا أرتـشف منها حَبَبَ الكأس وأتمزمز بمرير المذاق، فإذا ارتويت منها، ما اكتفيت، حتى سألتها فأجابتني والتمست فما خذلـتني، فطوَّحت بي ودارت برأسي حتى ناولتني الدواء وسقتني الترياق من يد الطبيب، وأخذتني لأدخل الحضرة وأرى وجه الحبيب.

    في تلك الصبـيحة: رأيت الخيزران بعد أن قفَّ وقبَّ وجَفجَفَ وقَفِل، وصلُح لصنع الناي وترجمة الآهات حكايات وأشعاراً، والزفرات والأنات ألحاناً وأسفاراً.. رأيت هشـيم الخيزران قد أزهر، ورأيت الورد تفتَّح على قفيل أعواد القصب! نعم، ساحت الشمس وانصهرت، وغدت صَبُوحاً في القَدَح، ونَضَرَ القَفر، وعلى يابس عود الخيزران، أشرق زَهرٌ وانفتح.

    قد أبصرتُ يقيناً وتراءى لي النور، وتلألأ الفجر مشرقاً وضَّاءً، كما الأصداف في الماء الزلال، وجوهرة تتراقص فيها الأضواء وألوان الطيف، فتختطف الأنظار عن الشموع والقناديل، وتبهت السرج والمصابيح.

    أفقت عن طيف، كأني رأيت الشمس في منامي تعلو رمحاً! 

    : الشمس تعلو رمحاً؟

    : نعم، هذا ما رأيت، واقعاً لا في الخيال! والسحب تركض من وَجَلٍ وخوف، والنجوم في طيش واضطراب.

    كم مهول رؤية الشمس على رأس السنان، ترتل من آي القرآن “أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً”؟

    قد ترى الماء يسيل من صماء صيخد عذباً لا أُجاجاً، وترى النبت يـبسق عنها، فتورق وتزهر وتثمر. وقد ترى أرضاً تتزلزل وبركاناً يتفجَّر وإعصاراً يضرب ويهدر ونجماً يهوي وقمراً ينشق وشمساً ترجع. وقد ينفلق البحر فترى كل فرق كالطود العظيم، وتنقلب العصا حية تسعى تلقف ما يأفكون. وترى في الكهف رقوداً من سنين، تحسبهم أيقاظاً يتقلَّبون ذات الشمال واليمين، وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد، فتعجب حتى تولي منهم فراراً وتملأ رعباً… ولكن عزَّ أن ترى الشمس على رأس السنان! لن ترى الشمس ترتل آيات القرآن!

    أدرها أيها الساقي وابتدئ بي.. هلمَّ، وتولَّني بمزيد رعايتك، ودَع صحبي وقدِّمني. حنانيك، اسقنيها شَمُولاً تعمُّني بعصفها، وتُقْهني عن غيرها. أأُخي ارفق بي وقدِّمني الساعة.. فالسبق على الموارد والعيون حقٌّ للظماء، والأولى أن يُفسَح للعُطاشى ويُقدَّموا على سواهم. إن صحبي ليسوا في الغرام مثلي ولا هم على حالي، فلا تبالي… إن هؤلاء الندامى يسعهم الصبر ويطيقون الانتظار.

    لا تؤخذنَّ بسماحة هذي الوجوه ونضارتها، ولا يغرَّنك لطفها ورقتها، ولا تتوهمن من ملاحتها بطراً أو ترفاً.. إنها وجوه عركتها السنون بمِحَنِها وصقلها الدهر بصروفه وعتَّقتها الأيام بمصائبها. هذه الوجوه السمحاء النضرة التي ترى، طالما تحمَّلت خذلان الأقربين وتعنيف المحبين وجـفوة الأوطان وجَور الأهلين. وطالما قاست من ظِنَّة الشكاكين وسهام المتصيِّدين المتربصين وكيد الحاسدين، ولسع سياط الشامتين والمستهزئين. وجوهٌ طالما اكتوَت بفساد العلماء المتهتكين وعانت من الجهلة المتنسكين، وابتليت بالعوام المتفقهين، والفقهاء من وعاظ الـسلاطين! لقد قُتل هؤلاء الأخلاء السُجَراء مئات المرات بطعنات غدر المجاملين المتملِّقين، وأُخذوا بخِسَّة الوصوليين المتسلِّقين، وتجرَّعوا المرارة حتى الثمالة من كاسات ذل الـقاعدين وجزع الخروعين الرعاديد المرعوبين. لقد ضجروا مما تحمَّلوا وسئموا مما كابدوا… إنما الرقة التي ترى هي من فيض أرواح سَمَت وأنفُس عَظُمَت، فصبغت الوجوه بأنوارها، ومسحت عليها من طبعها، فأزهرت ولَطُفَت وشفَّت ورقَّت. رقة تحكي النُبل لا الترف، ولطف يعود إلى الشرف لا السرف. إنها ملاحة الزهد وصباحة التقى وجمال العفَّة وزهرة الطهر والنجابة.. إنهم يا صاح من “الأوَّلين” و”السابقين السابقين”… إنهم السائحون العابدون، الراكعون الساجدون، الماشون على الأرض هوناً، الآمرون بالمعروف، الناهون عن المنكر… هؤلاء هم العارفون العاشقون، الأخلاء المتحابُّون، الخُلصاء المتآخون، “ثلة من الأولين وقليل من الآخرين”. وإن تراهم يميدون من نشعة، ويترنَّحون من سُـكر، فحالهم ليس ما ترى، كما هي وجوههم غير ما تنظر:

    ورحنا وفي أفعالنا صحوة الحِجى @ وإن كان في ألبابنا نشوَةُ السكرِ

    كيف لجريح مثخن أن لا يقيم على السهر؟ مَن لي بسامر أصل معه ليلي بالسحر؟ سيطول هذا الحديث ولن يأتي على نزر مما أُعاني! فإذا بزغ الفجر ولاح النور، وأنا لم أفرغ من بث شكوىً تؤرقني، وبوح أنّاتِ جوىً تعتصر أضلاعي، ولم أنشر قصة حبي… دهمني الظلام! جثمت الظلمة وأطبقت…

    طوبى للعُمي بعد الـشُّــل والكُسح، وسعداً للأضراء بعد الصُّم والصلُخ، والبشرى للمكافيف بعد البُهم والخُرس والبُكم!.. ها قد جثمت الظُلمة وأطبقت، فلتـقـر عيون العُمي وتهنأ!

    أوَ تقر عيون كفَّت وذهب ماؤها فبصرها؟ إنها لا تعمى الأبصار ولا تكفُّ العيون، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، فتذهب العقول وتغشى البصائر وتكف الأفهام وتموت الألباب. طوبى للعُمي، فهم والبصراء في ظلمة هذا “المنزل”، وفي دهماء هذه “المدينة” وبهمتها… سواء! وأنت أيها الساقي، هنيئاً لك كَلَلُ الشاربين من أهل الديار وملل السكارى من سكُّان هذا الحي، فـقد أعفَوك من رهق مجاراتهم وأراحوك من نصَب متابعة طلباتهم… ولست أدري.. أدلالٌ ذاك منهم أم مَلال؟ أم تجنٍّ على الطريقة، وضلال وانحلال؟ أما أنا، فماض في شرابي، لا أُطيق صبراً ولا أُحسن تجمُّلاً، ولا أُريد نجاة ولا أنشد سلامة!

    أُريد أن أفنى وأتلاشى وأندك في مَن أهوى فلا يبقى منّي شيء! أُريد أن أموت وأحيا، أُدفن وأُنشر، أُذرى وأُبعث، فلا تبقى مني حتى «السويداء»! إيه يا صاح، اسقني.. فلا طِبَّ لهذا الداء المدنف العياء، ولا لهذا المرض المخامر المضني شفاء. لا شيء يدمل هذي الجراحات القديمة الغائرة، ويبرئ هذي الكلوم ويرأق نزفها.. إلا هذه الحميَّا. اسقني، فأنا جزوع انفصمت عُرى احتمالي ووَهَى جأشي، ونضب معين صبري ونفد، وَبِتُّ في أضيق من سَـمِّ الخـياط وآزف من بياض الميم. اسقني فقد تداعت حصون مناعتي وتهدَّمت أركان عصمتي.. فأنا في غربة موحشة. أنا غريب في هذي الديار، رغم الصحب والأقران، والندامى والخلان… إنني في غربة!

    أهلكني الصبر وأمضّني… إن لي والصبر أحقاداً وضغائن، وتِرَاتٍ وثارات!

    ما زالت حرقة «آدم» وحسراته على فراق الجنان تستعر في حنايا صدري وتكوي أضلاعي. ما زلت أنزف من ضربة «قابيل»، وأحتمل وزره، وأتحمَّل كلفة تبعة فعلته. ما زلت أنظر إليه مع المظلوم «هابيل».. وأتجرع الغُصص بحسرة يكتنفها إشفاق، وغضب يقودني إلى إطراق، فخوف وتشاؤم يغالب أملاً ورجاء، من عاقبة أخ، ومصير نَسلٍ وذرية عظيمة ستنحدر منه. كنت هناك، أُكابد واُعاني… عشت كل الآلام، وتلقيت الجراحات، وتجرَّعت المحن والويلات وقاسيت البلاءات. كنت شقيق «يوسف» في الجب، يعلِّمني النجوى والشكوى، وأسرار الصبر، وكيف يكون الابتلاء والاجتباء، ويلقّني أدب الرضا والتسليم وثقافة الانتظار والفرج… عسى أن يدلي مُدل دَلوَه. وشقيق «يحيى» في «نهر الأُردن»، يهدي ويبشِّر، يعمِّد ويطهِّر، حتى حُمِل رأسه إلى بغي من بغايا بني إسرائيل، وأنا أحوم فوق منديل يجلل الطبق، وحين أُزيح وطرح لتتشفى العاهر من مرأى الرأس القطيع، هويت مع الغطاء وطرحت جانباً، مُهمَلاً تدوسني الأقدام، ويسحقني العجز ويُمرِّغني الألم.

    كنت مع «النيـل» أحمل «التابوت» برفق وأناة، أرجو هبوبه أن لا تعصف وتخرق، وأتوسل إليها أن تكون نسائم رخاء، فلا يغدف هذا العظيم ولا يجيش، وأن تترقرق أمواجه فـتسوق التابوت يتهادى إلى «فرعون» ليلتقطه. و«النيل» ماضٍ كما أشاء، لا أدري أكان يسبقني بإرادته، وما الأمر بيننا إلا توافق والتقاء؟ أم كان يطاوعني ولاء؟ لا يصرُّ أن أُلقمه “عروساً” من أجمل قيان مصر قرباناً يسكِّن غضبه، فلا حاجة، إذ هو مثلي “مُوَال” يتقطَّع حباً ويجيش عـشقاً! وكنت مع «موسى» أمجُّ المراضع وألفظها، وأُدوِّي بالصياح حتى يضج الـقصر، فلا يسكن عن مرضعة تقرُّ عينها ولا تحزن. وقد لازمته وصاحبته بعد التابوت والقصر، في الثورة والنصر.. وهائماً يبحث في «سيناء»، يتحرَّى الخطاب، ويتمنى الرؤية، ونظرة إلى الأحباب. وعلى «الجُلجُلة» لُقِّنتُ الصمت عن الشـكوى وتعلَّمت كتمان الألم! هناك كنت أقرع الناقوس وأُنـذر مع «عيسى»، أحمل الصليب، وأذود عنه ما أمكنـني من العصي والحجارة والسياط، وأُشاطره ما يتحمل عن البشرية من آلام وأوجاع وتبعات خطايا وآثام.

    إنه عهد وميثاق أمضيته منذ اليتم مع «محمد» في «بني سعد»، إذ زهدت فيه المرضعات.. يخرج بغنم «حليمة»، وقد سرت “النسمة المباركة” حيثما حلَّ “القرشي اليتيم”، فاعـشوشب المرعى في مضاربهم بعد جدب ومحول، وأسمنت الأغنام بعد هزال ورعام، ودرَّت الألبان بعد شحص ومكود. إنه عهد العشق المعمَّد بالدم، وميثاق الحب المؤكَّد بالـروح، وقَـسَم بعـزم وحسم، أمضيتـه مـع «الأب» و«الجد» من المهد، لأُوفيه لـ «السبط» مع «المهدي». كنت مع السحابة أسبح وأزهو، ومع الأطيار أرفرف وأرنو… أُظلل له عن الشمس وأقيه من حرِّها. وعلى باب «ثور»، كنت أتدلَّى وأهتمش مع العناكب في الليل الحالك، أحوك ستراً وأنسج واقية تواريه في الغار وتصرف عنه الأنظار. في «أُحد» شققت جيبي وأعولت إعوال الثكلى، حتى رأيت «اليـعسوب» يذود عنه ويقيه بنفسه، فقرَّت نفسي وسكَن روْعي وعلمت أن نداء الموت الذي دوَّى في الميدان لم يكن إلا حرباً نفسية أو امتحاناً. كم يهون أن ترى الحدث ماضياً وتقرأه تاريخاً وخبراً، فتقلِّب صفحة أو اثنتين، لتتجاوز الكدر وتتخطى الحزن.. ولكني عشته وانفعلت به واندككت فيه، فانتقَلَت إليَّ الآلام وسَرَتِ المعاناة، تهد أركاني وتذوي كياني.

    في «الكوفة» كنت أنتظر لألتقط، فأسمع من رَجعَ آهاتٍ تلَجلَجَت في الحلق من “شجىً” أليم، وأستشعر نداوة عبرات أسالها “قذىً” مقيم.. فكأني حملت شيئاً فخفَّفت عن «مولاي» وداويت جرحاً! إذ لم يَضِعِ الصدى في فضاء البئر، ولم تختلط النداوة بمائه، يمتص الجدار هذا ويخفي القاع ذاك، فيضيع عن البشرية، فلا تعرفه بعد الرشا والدلو والجدران، إلا الجنُّ والغيلان!

    لقد حضرت انتفاضة الجياع المظلومين وثورة الفقراء المُعدَمين، ورأيت صَولَتهم على «قارون» عصره، حين قام نافجاً حضنيه بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع! كما شهدت غضبة الطاغوت وسطوة بطانته المستأثرة، تنكِّل بالصحابة: تكسر أضلاع هذا، وتفتق بطن ذاك، وتطرد وتهجِّر وتنفي.. هكذا طويت صحراء المنفى مع «أبي ذر»، وكَوَت قدمي حصاه اللاهبة، تدوسها وتقلّبتها مع ابنته حتى «الربذة»، ومعنا جميعاً كل ما تبقّى في ذلك العهد من عزٍّ ومضاء، وشرف وكرامة وإباء… والناس تواسيه وتقول: يا «أبا ذر» أبشر فهذا قليل في الله تعالى. وهو لا يعبأ بشيء مما نزل به، ويمضي يبشِّر أو يُنذر، ويقتنص الفرصة ليبث أخطر رسالة حملها ويبلغ أعظم خطاب عرفه، يداري فيه جانب “القربان” يظهر البلاء والامتحان!: “ما أيسر هذا، ولكن كيف أنتم إذا قـتل «الحسين بن علي» قتلاً أو ذبحاً، والله لا يكون في الإسلام أعظم قتيلاً منه، وإن الله سيسل سيفه على هذه الأُمة لا يغمده أبداً، حتى يبعث «قائماً» من ذريته فينتقم من الناس. وإنكم لو تعلمون ما يدخل على أهل البحار، وسكان الجبال في الغياض والآكام، وأهل السماء من قتله، لبكيتم والله حتى تزهق أنفسكم! وما من سماء تمر بها روح «الحسين» إلا فزع له سبعون ألف ملك، يقومون قياماً ترعد مفاصلهم إلى يوم القيامة، وما من سحابة تمر وترعد وتبرق إلا لعنت قاتله، وما من يوم ألا وتُعرَض روحه على «جدِّه» صلى الله عليه وآله فيلتقيان”.

    مع «عمار» تلقيت ركل الغلمان وضربهم، مثلما رأيت الخضراء تبكي وتنعى، والغبراء تندب وتنتحب، وهي تنظر وتشهد كيف يفتـقون بطن وليٍّ “ما أقلَّت ولا أظلَّت ذا لهجة أصدق منه ولا أبَرّ”! كالسحب كنت أهطل وأُدمي، أبكي وأسبح، لأطوي الفيافي والقفار… وكالبحار، كنت أتمدد لأحتضن الشواطئ، أضمها وأغسلها، ثم أنحسر عن جرف خلا من كل الهموم الرابضة، وأعود بكل الآلام المستلقية هناك! كما «الأشتر» ومعه كنت أُجاهد وأُقاتل، تدفعني نيتي فتسوقني، ويسبقني عزمي فيقودني.. أبى السُكرَ من زهرة الحياة الدنيا أو الافتتان بحطامها، وأصرَّ أن يخلع أثواب الغفوة وينضو أغلال الأسرِ ويقطِّع قيود الخوف، ويخف فلا يخلد ولا يثقله إلى الأرض شيء. ينطلق في الميادين يطلب الشهادة فلا يصيبها، ويخوض السوح يطارد الموت فلا يدركه.. فيوقعه متعثراً، وينزله كخبط عشواء بكل مَن برز إليه ولقيه ووقف في دربه! يفرّقه في أعداء «مولاه» بِعَدل، وينشره في جموعهم، فلا يغادر نغلاً. وكأنه أبى إلا أن يشارك “خازن النيران” فعله بعد اسمه، فكان يحـصد لجهنم ويملأ، فيتلـقاهم «مالك» هناك ويزجُّهم في دركاتها، وينادي: هل من مزيد!

    كنت مع التمار «ميثم»، أشدو وأُناغي للعروج. وعلى مقصلة الشهادة ألهج بمدح «مولاي»، أُغنّي، ولعرسي أترنّم… ماذا تقول يا هذا وماذا تزعم؟ أين أنت عما أنا فيه؟ آه لو تدرك شيئاً أو تعلم… إنها غصص مرارة “صبر الله” في حلقي ما ساغت منذ كانت، وشجى حرقة وحسرة ما جازت وما زالت منذ عَرَفتني وعرفتها. ما زال رَشحُ سَمِّ «جعدة»، ولوعةٌ تقطِّع كبد «السبط المجـتبى» تلهب أحشائي وتمزق أمعائي، وتضرب وجهي بصفرة وتصبغ محياي بذبول… فيسألني من يراني عن علِّتي ومرضي؟! إنني مثخن بالجراح، مثقل بالمحن، مهدود الأركان، مضعضع الأعضاء، مُدمى القلب، مفطور الكبد، مشلول الجوارح، منهـوك القوى…

    إنني مرابـط في «كربلاء» مذ خُلِقَت، فدخلت باء العقد من الكرب في باء البلاء… كَرُبَتِ الأرض وانعقدت البقعة على البلاء، فلا انفصام ولا فكاك. ظهرت الرزايا وبانت أم توارت فكأنها ليست هناك! إنني مقيم فيها مذ أناخ الركب، وَقْفٌ عليه وعليها، مستوطن مجاور هاتيك الديار، هائم على وجهي أقبِّل ذا الجدار وذا الجدار. أشم الثرى وأطوف في الأكناف إنها مذبح «القربان» إنها أرض من الجنان.

    في صبيحة اليوم الذي ساحت الشمس وانصهرت، وغدت صَـبُـوحاً في القَدَح…. نَضَرَ القَفر، وعلى يابس عود الخيزران الـقـب، أشرق زَهرٌ وانفتح.

    رباه.. كيف لتوجُّعات متكتِّمة وأنين، وتألُّم مكبوت وحنين، كيف لصيحات خافتة ونداءات ضعيفة خفيضة، لا تكاد تحس ولا تسمع، أن تعلو وتصعد وترتفع وتضج، فتنتشر في الفضاء وتملأ الآفاق، لتقرع الآذان وتصك سمع الإنس والجان؟! كيف لقطرات زاكية من دماء الأطهار، شربتها الأرض بقعاً صغيرة مترامية، ثم عادت بلقعاً، أن تفور وتتفجر، حتى تغمر أمواجُ الدماء السهولَ والوديان، وتنذر بالعصف والطوفان!؟ تسيل السهول وتجري بالدماء، وتتلاطم الأمواج وتتدفق في واد بعد واد، وتصبـغ الحمرةُ الأرض وتسري لتـطال الأُفـق وتطمو على السماء، وتضرب الشفق بلونها القاني وتخلفه مُدمىً ما بقيت أرض، وأشرقت شمس ولاح فجر.@

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    @ من فصل في كتاب «القربان»

  • عندما كانت مجسَّات الإنذار المبكر في بصائر الواعين ومدرَكات الغيارى على الدين، تشير إلى أن إيران بصدد تقويض الحوزة العلمية وتدمير المرجعية الشيعية، وهدم معالم المذهب وأركانه، أو مسخ حقائقه وإفراغها من جوهرها، وأنها ـ بذرائع الإصلاح والعصرنة ـ ستخرج بدين جديد، فالفكر الحاكم هناك شريعتي إخواني دعوجي، وأنَّ ظواهر مثل فضل الله والحيدري وحب الله واليعقوبي وعودة وقصير، ليست عفوية ولا تلقائية، وأن هناك يداً تدير وتدبر، ومنهجاً معدّاً وخطة تمضي قدماً، وأن الأدوار في هذا الخطير موزعة والمهام مقسَّمة، بما يفرغ التشيع من محتواه الحقيقي ويخلق مذهباً جديداً لا يحكمه التراث (الذي يرونه مليئاً بالإسرائيليات!)، ولا يخضع للضوابط العلمية وأصول الاستنباط (التي يرونها رجعية تجزيئية، لا تنظر إلى الدين نظرة شمولية عصرية، ولا تتمتع بقراءة فلسفية للحياة وتطورها!)… كان بعض الإخوة الولائيين، يرفض هذا التحليل والقراءة، فلا يجاريها ولا يلتزم بمقتضياتها من مواجهة هؤلاء الذين يبثون الضلال وينشرون الانحراف، وكان بعضهم الآخر يعترض على من يقوم بالتصدي لهم، ليصطف مع القوم وفي جبهتهم، يزعم أنه يحافظ على لُحمة البيت الشيعي، ويخشى على الساحة التشرذم والصراع الداخلي!

    قبل أيام فقط، لم يجد قائد الجمهورية الإسلامية السيد علي الخامنئي حرجاً ولا غضاضة، بل اندفع بشجاعة لافتة وموضوعية مستغربة وتوجَّه إلى أتباعه في الحوزة بالقول إن الثورة الإسلامية لم تنجح في صناعة مجتمع إسلامي أو حتى دولة إسلامية بعد! وقال بالنص: “نحن لا نملك اليوم مجتمعاً إسلامياً ولا دولة إسلامية، إنما نجحنا في إطلاق ثورة إسلامية مكنتنا من تأسيس نظام إسلامي. لحدّ الآن وُفِّقنا، وهذا مهم جداً، لكن نحن بحاجة إلى تأسيس دولة إسلامية وإدارة إسلامية للبلد، وهذا ما لم نحققه حتى الآن بل يفصلنا عن هذا الهدف مسافة كبيرة”… وهذه حقيقة يلمسها كل من يقرب من إيران، من لحظة دخوله المطار وتلقي ضابط الجوازات الذي يتفنن في إهانته وتحقيره وتأخيره، ما كأنه قادم للرضا عليه السلام فله كرامة الزائر، أو سائح فله حرمة الضيف، وكلاهما يدير عجلة اقتصاد بلده ويرفدها، وانتهاء بمظاهر الفساد والانحلال الأخلاقي، مروراً بكوارث التضخم والغلاء والبطالة وهبوط قيمة العملة وتفشي الرشوة، مع كل آفات الأنظمة الاستبدادية، من احتكار السلطة وقمع المعارضة، وإيداع المنافسين السجون والمعتقلات والإقامة الجبرية حتى دون محاكمة!

    ولكن الغريب، أنه مع هذا الفشل الذريع، الذي يقر به قائد الجمهورية الاسلامية نفسه، ويعترف أنه ما زال ـ بعد ثمان وعشرين سنة من الحكم المطلق والسلطة الفردية والقبضة الحديدية ـ يراوح حيث تركه الخميني، لم يتقدم خطوة!.. تراهم في جبهة أخرى يمضون غير شاعرين بمصيبة هذا العجز، ويتقدمون غير عابئين بإصلاح الفساد واستدراك الفشل… يتقدمون في ضرب الحوزة ومحاربة التراث وتقويض المرجعية بما يظهر بوضوح ويرتسم بجلاء أنه خطة معدَّة واستراتيجية نافذة، لا تعوقها العوائق ولا تلحظ العجز والموانع، وكأنها من الأولوية والتقدم ما يرفعها إلى الأخطر الذي دونه كل شيء، فلا يمكن تعطيله أو تأجيله بحال!

    هكذا أُعلن عن تدشين الخطوة العملية الأولى (بعد عشرات الخطوات النظرية التي مهَّدت الأرضية) في طريق هدم التراث وتزييفه، بالإعلان عن إنجاز مشروع “تصحيح” كتاب «مفاتيح الجنان»، وإصدار نسخة محرفة من كتاب الدعاء الأول في نطاق التداول الشيعي! وأقصد بالخطوة الأولى، مما يأتي ضمن استراتيجية إيران والسياق الذي يريد الهيمنة على الساحة الشيعية العالمية، وإلا فهناك متميع سبق إلى بتر «مفاتيح الجنان» وتقطيعه، لكنه بقي ضمن التداول الحزبي المحدود، فلم ينتشر ولا أثَّر في تداول الأصل. ولعل تقرير وكالة «تسنيم للأنباء» التابعة للحرس الثوري، يرسم أبعاد المأساة، ويتيح للحصيف قراءة ما ينتظرنا من كوارث! وقد جاء فيه: “شدَّد أحد “كبار مراجع التقليد الشيعة” الإيراني آية الله العظمى ناصر مكارم شيرازي، خلال لقاء رئيس وخبراء مركز الأبحاث الإسلامية في مدينة قم، على ضرورة تجميع المصادر الشيعية وصيانتها، وقال إنهم قد بدأوا مشروعاً مهماً لغربلة كتاب «بحار الأنوار» واستخلاصه. وأكد أنهم في حوزة قم يعملون بشكل جاد على تدوين طبعة جديدة من كتاب «بحار الأنوار» وعرض “فهم جديد” من أحد المصادر الرئيسية للفقه الشيعي للناس. وأوضح أنهم ومن خلال هذا المشروع الكبير يحاولون غربلة الأحاديث والروايات الضعيفة والزائفة، وأنهم انتهوا من طباعة 6 مجلدات من أصل 110 مجلدات من هذا الكتاب العملاق. ولفت شيرازي النظر إلى أن “الطبعة الجديدة” لكتاب «بحار الأنوار» ستحل العديد من المشاكل الحالية، دون أن يوضح أكثر عن ماهية هذه المشاكل أو الروايات التي تم حذفها. وشدد على ضرورة تعديل العديد من مصادر الفقه الشيعي والكتب الأخرى في هذا المجال وفق متطلبات العصر الحاضر. وأشار إلى أشهر كتب الدعاء الشيعي أي «مفاتيح الجنان». وقال إن «مفاتيح الجنان» لا يناسب العصر الحديث، وإنه يجب عليهم أن يعيدوا كتابته وأن يطبعوا نسخة حديثة وجديدة لهذا الكتاب”.

    وهنا كارثتان تسابق إحداهما الأخرى: الجهل بعظمة «البحار» وقيمته العلمية وكنوز المعارف المبثوثة فيه والدرر المودعة في أعماقه، ثم كارثة مسِّ التراث والعبث في متون الكتب وتغيير أصولها! مما يرزي بأبسط ضوابط العلم، ويجافي أوليات البحث والتحقيق والدراسة، وهو ـ في الميزان العلمي الأكاديمي ـ يفوق في قبحه طمس الآثار الحسية وهدم الصروح والمباني الأثرية، مما عمدت إليه الوهابية في مكة والمدينة! فأنت لك أن لا تعمل برسالة كتاب، وترفض فكرة أو أفكاراً يحاول أن يثبتها ويروجها، ولكن ليس لك بتاتاً أن تقوم بتغيير متنه، فتحذف ما لا تستسيغ وتبتر ما لا يروق لك، أو تضيف ما تهوى وتقحم ما تحب، ثم تعيد طبعه منقوصاً أو مزيداً! ولك أن تتصور الضجة التي ستثيرها والأزمة التي ستخلقها طباعة كتاب لطه حسين أو عباس العقاد أو مصطفي الرافعي، مع حذف فصل منه أو أجزاء لا تروق للناشر المعاصر!… إنها خيانة عظمى لا مبرر لها في أي منطق وثقافة، اللهم إلا خطاب العوام الجاهلين، أو السلاطين المستبدين، وفراعين تنادي: “لا أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد”.

    من بديهيات البحث والتحقيق العلمي، ومن قواعد الشرف والأمانة فيه، أن لا يتلف الباحث ولا يمسح أو يطمس أثراً، وهنا، لا يلغي نصاً، ولا يزوِّر ويزيف فيُخفي حديثاً! له أن لا يعمل به، فيتركه ويُرجعه إلى أهله، فما لم يثبت عنده اعتباره من الأحاديث الشريفة، ولم يشكِّل له حجة شرعية أو عقلية، قد يثبت عند غيره من العلماء، بل قد يعود هو بعد سنين، حين يزداد علماً وفهماً، وينمو فكراً ويتكامل عقلاً، ليعمل ويأخذ بما رفضه بالأمس. وهذا متكرر في سيرة علمائنا، مطرد لا ينكر… فماذا يصنع ونصنع إذا أعدم الأعمى المصادر التي نستقي ويستقي هو منها؟ وطمس الحمار وأتلف المنابع التي نأخذ ويأخذ عنها؟! والتعبير ليس فورة غضب ولا زلة قلم، بل هو استشهاد بآية شريفة، تنطبق على من يحمل أسفاراً من كنوز آل محمد ولا يعرف قيمتها، ويملك عيناً ولكنها لا تبصر الأنوار التي تشع منها، وقد سقط آلاف الشهداء على مدى التاريخ، وأفنى عظماء الطائفة وأساطين المذهب أعمارهم حتى تصل هذه الأحاديث إلينا، وحافظوا عليها بأمانة وشرف طالما طبع سيرة علمائنا… فكيف السبيل حين يصبح الماء غوراً، لا نستطيع له طلباً؟.. من أين تأتينا الجمهورية الإسلامية بماء معين؟

    إن الأمر أشبه بعامل سفيه ومستخدَم جاهل دمَّر مصنعاً كبيراً للأدوية، بحجة أنه شاهد في مختبراته أو مستودعاته قوارير السموم، بل رأى الصيادلة يصطادون العقارب والثعابين ويغامرون بالتقاطها لاستخلاص سمومها!… والصيادلة والأطباء يصرخون فيه ليكفَّ ويمسك، وينادون أنهم أدرى بما يجري هنا، وهو لا يصغي ولا يبالي، وما زال يُعمِل معوله، ويوغل في الهدم والتدمير!

    ولست أدري كيف يطيق العلماء والفضلاء السكوت عن هذه الكارثة غير المسبوقة في تاريخ الشيعة، وقد نسب إلى السنة أنهم أعادوا طبع بعض كتب الصحاح الستة منقوصة مبتورة، حذفت الأحاديث التي تثبت ولاية أميرالمؤمنين وفضائل أهل البيت وتدين أعداءهم، ولكن قيل إن علماءهم أوقفوا المشروع، ورجَّحوا أن يتاح للشيعة الاحتجاج بهذه الكتب، وأن يتحملوا مؤونة تفنيد مدلولها ويتجشموا عناء إبطال مؤداها ولو بتكلُّف وتعسف، على أن يمسوا كتبهم ويحرفوها!.. وها هي الجمهورية الإسلامية تعلن بلا أدنى حياء أو خجل، بل تفاخر وتباهي أنها تدلس وتزيف في المتون العلمية!

    ولمن يراهن على الغيب والقدر، وينتظر الفرج من ملك الموت عليه السلام، أن يقبض أرواح هؤلاء ويخلصنا من شرورهم، متصوراً أنها مرحلة ستنتهي، وحقبة لا بد أن تنقضي… ليعلم أن حركة الضلال والإضلال لن تتوقف، وسيمضي القوم بها حتى بعد أن يحين أجل مديرها ومدبرها، ويهلك راعيها وحاميها، هذا فضل الله مات، فماذا كان من الحال بعده غير مزيد الانتشار وتفشي الضلال؟ فالشيطان سيجد مُعقَّداً متغطرساً آخر يسكنه، والرجيم سيعثر على مغرور متكبر ثان ليقترن به ويملي له، وهكذا… وإن صح أن ننتظر مدداً ونرتقب غيباً ينقذ الدين من هؤلاء، فنحن موعودون بالنصر، مبشَّرون بغلبة أهل الحق ولو بعد حين، ولكن هذا لا يلغي الأسباب الطبيعية التي علينا الأخذ بها، ولا يسقط تكليفنا في التصدي والدفاع، كلٌّ على قدره وحسب دوره، بما تمكَّن واستطاع…

    وكذا الذين ما زالوا يظنون الأمر عارضاً عابراً، ولا يدركون حجم القضية، فيرموننا بالارتهان لنظرية المؤامرة، وأننا أسرى أوهام وخيالات تنسج صوراً كبيرة عن أحداث جزئية صغيرة! وأننا نبالغ في الخطر، نهوِّل اليسير ونعظِّم الحقير… هذه الأجنحة قد ظهرت، وهذا الجسم “المختَلف عليه” قد أقلع وحلَّق، فهل من غير البلادة والغباء (أو العمالة والانتساب المبطن للقوم) أن يصرَّ بعضهم أنها عنزة (وإن طارت)؟! لقد ظهر وبان صحة الموقف وسلامة التحليل، وتبين بُعد نظر وبصيرة الذين قرأوا الأمر وفهموا المخطط من بداياته، وتلقوا تغيير مناهج الحوزة ومتونها التحصيلية، ثم محاربة الشعائر الحسينية، وقدَّروا القضية بحجمها الحقيقي، كرأس جبل جليدي، يخفي العظائم والويلات، ويداري نطاقه الأكبر تحت السطح، وهكذا ما أعقب ذلك من ظهور حركات ونشوء تيارات، وتدفق سيل الانحراف، وهبوب رياح الضلال والالتقاط، عصفت بالساحة، وجرفت ما جرفت من الحطام، أرغت وأزبدت، حتى وصلت إلى الإنتاج الفعلي، وصارت في طور الظهور والتحقق… فهل من سبيل لإنكارها؟ هل من شك بعدُ في المؤامرة وأهدافها؟ هل من ساذج يقول بأنهم لا يرمون التراث، ولا يتناوشون الحوزة والمرجعية؟

    لم تكن القضية يوماً التطبير فحسب، ولا النزاع على أنه يشوِّه المذهب أو لا يشوِّهه، ولا همَّ القوم “تنزيه” الشعائر الحسينية، ونفي “الخرافات” عنها… بل كان الباب الذي توهموه أيسر المداخل وأهونها لبلوغ مشروعهم الكبير، الذي يريد نسف الحديث، من الكتب الأربعة إلى البحار فما يليها، ويرمي تقويض أدوات الاستنباط وطرق الاستدلال التي عليها حوزاتنا ومراجعنا العظام، ويهدف طمس معالم التشيع وكل شعيرة تميزه عن غيره من المذاهب، بل يريد عرض دين مُحدَث ومذهب مبتدَع جديد. وقد وظفوا لهذا الخطير أُجراء واستخدموا عمالاً: فضل الله وعودة لنشر الإباحية والانحلال، الحيدري وحب الله لهتك العلم وتمييع أصوله، قصير لضرب الشعائر وترويج الأكاذيب، وهذا ناصر مكارم يتولى التحريف والتزييف المعلن، فأصدر بدائل عن «مفاتيح الجنان»، و«بحار الأنوار» و«فرائد الأصول» و«تفسير الميزان»، ما هي إلا “مفاتيح” لمعامل إنتاج السكر التي قبضها ثمناً لدينة حين باعه للسلطان، و”بحار إتجار” لا أنوار، و”فرائد” تسيُّبٍ وفوضى لا أُصول، واختلال أو تطفيف ميزان، لا تفسير قرآن.

    هذا مشروع القنبلة النووية الذي قصم ظهر الاقتصاد واستنزف إنتاج النفط لربع قرن ونيف، يذهب أدراج الرياح، والشعب يرزح تحت أعباء الفقر والبطالة، والفساد الأخلاقي يفتك بإيران، والحس القومي الفارسي ينخر جذور الإسلام هناك، وخيار القائد البديل يترنح بمرض الهاشمي الشاهرودي وتعيينه (بعد إعلانه مرجعاً) موظفاً في النظام! والإقليم ملتهب بحرب اليمن، والصراع الدولي في سوريا، والمكاره تجثم على شعب البحرين من ثورته، والنزاع مع السعودية إلى تصعيد واحتدام، وانفصال كردستان وظلال تحالفها مع إسرائيل تخيم على المنطقة، والإرهاب يضرب ويفتك في كل مكان…

    والجمهورية الإسلامية تحشد وتعبئ لحرب الشعائر الحسينية، وتستنفر قواها وطاقاتها لإنتاج بدائل عن «بحار الأنوار» و«مفاتيح الجنان»! لا تبالي أن تتمزق الجبهة الداخلية، ولا تكترث أن يتشرذم الشيعة، ولا يعنيها أن يتنازعوا فيفشلوا وتذهب ريحهم… صدق أبوالأسود الدؤلي إذ قال:

    وترى سفيه القوم يتركُ عِرضَهُ @ دنِساً ويمسَحُ نعلهُ وشِراكَها

  • كثيرة هي القراءات السياسية التي تعرض لحال حزب الله وتنظُر في أدائه، ترصد مواقفه وتتابع خطواته وتلاحق انتصاراته وإخفاقاته، وتجهد في فهمه وإدراك ما يعيشه اليوم بعد نحو ثلاثة عقود ونيف من تأسيسه، كانت وما زالت حافلة بل ملتهبة، احتل فيها الصدارة وموقع المحورية في الساحة اللبنانية، والإقليمية أحياناً.

    شخصياً لست ضليعاً في هذا الفن (التحليل السياسي)، وإن أكثرت القراءة ونوَّعت المطالعة، وأطلت المراقبة والمتابعة، وتجربتي السياسية الفاشلة زوتني عن هذه الساحة، ولا تسمح لي بالعودة، لذا لا أراهن على فهمي للأحداث وانتزاعاتي من المواقف، كما أرى جُلَّ المحللين والسياسيين، حتى القادة والمسؤولين في الساحة الشيعية، هم على شاكلتي، إن لم يكونوا أسوأ حالاً مني، لكن قاتل الله الجهل المركب والمكابرة التي تأبى عليهم الاعتراف، فالتوبة والاستغفار، ومن ثم التوقف وعدم الاستمرار! كنت أثق بالسيد الخميني، كعالم رباني، ذي إخلاص وزهد وورع، ووعي وبصيرة، أحسبه مُلهماً أو محدَّثاً من غيب مهيمن، فلما مضى إلى ربه، ما عدت أرى إلا شياطين، أو جهلة سفهاء غلبهم الغرور، يتقلبون في ظلمات، ويخبطون خبط عشواء، ما زالوا يأخذون أتباعهم إلى المهالك ويُلقونهم في المصائب، فلا يكادون يتخلصون من معضلة ويجتازون أزمة ويفرغون من محنة، حتى تنزل بهم أخرى. جل إنجازهم إحكام قبضاتهم على مناصبهم، والاستغراق في وهم عدم استغناء الساحة عنهم.

    لذا فإن التحليلات السياسية المتداولة في الإعلام، وحتى في دوائر صنع القرار، هي مجرد تخمينات ورجم بالغيب، جلُّها تعكس ما يشتهي المحلل، وتصوِّر ما يرجو ويتمنى، وبقيتها موجَّهة، تشكِّل نطاقاً ودوراً ومرحلة في الأداء السياسي، تمهد الأرضية، وتمد البساط، أو توقد الموقد وتنصب أثافي القدر الذي تنضج فيه الطبخة، وتعدُّ المائدة، لتؤكل وتلتهم! اللهم إلا ما يدور في النطاق الأضيق، بين قادة القوى العظمى، أو في المحفل الماسوني الأعظم الذي يتحكَّم بالأمر، ويتولاه بالفعل، لا بالشكل والصورة، ويوظف البقية أدوات ويسخِّرهم واجهات! ولا يغير من هذه الحقيقة وجود تحليلات متينة، تقوم على آلية علمية ومهنية، تبدو موضوعية، تبني على أرقام وإحصاءات، وتنتزع من شواهد محسوسة ومعطيات ملموسة، وترتكز على معلومات لا تبذل أو تتوفَّر إلا في دوائر خاصة، وليست في متناول غير”الكبار”… فهذه أيضاً تندرج في سياق الشيطنة التي تستحوذ على كل شيء في عالم السياسة.

    لذا لست أدري، أو لست جازماً: هل أصاب الحزب في دخول الحرب في سوريا، أم أنه استُدرج وخُدع؟ هل كان خطر استيلاء التكفيريين على سوريا، ليشكلوا مع إسرائيل كفَّي كماشة تعتصره وتخنقنه ثم تزحف إليه لتجهز عليه، حقيقياً، ليعمل بـ”ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا”؟ أم أن الحزب هو الذي استفزَّهم وأثارهم ودفعهم إلى استهدافه؟ وإلا فهم مجرد مشروع ”عربة نقل”، أو”جرافة” يغلي فيها مرجل الأحقاد، تتقدم بوقود عقائدي يستمد من نُصْب دفين، وقد أعماها التعصُّب واستحوذ عليها الحقد، لتدمِّر وتفجِّر وتنشر الأهوال حيثما مرَّت وبلغت.. سخَّرها الأمريكان لشق الطريق وتمهيدها، فإذا أدركت غايتها، كانت من الإنهاك والإرهاق والتهلهل والانشقاق، ما يسمح بل يوجب أن تُستبدل وتُزاح، ليتسلَّم الأمر علمانيون من صنائعهم وليبراليون على شاكلتهم، لا يعنيهم الشيعة إلا بمقدار تصادم المصالح وتنازع النفوذ والسلطة، فلا تعود الحرب عقائدية ولا المستهدف فيها الهوية؟ ثم هل كانت المصلحة سارية في جميع المقاطع والجبهات، وما زالت تقتضي ضخ مزيد من الدماء وتقديم الشهداء؟ أم كان يكفيه مجرد إعلان موقف مؤيد، داعم ومساند دون أن يلحقه بذل وفعل، كما فعلت حركة أمل وسائر قوى المقاومة في لبنان (البعث، والقومي السوري، والقوميون والناصريون)؟ أليست لعبة قذرة ومكيدة خطرة، استُدرج إليها الحزب وأُقحم فيها، لينوب عن الروس في الحرب، فهم أصحاب المصلحة الحقيقيون في بقاء النظام السوري، واستمرار تواجدهم في المياه الدافئة؟ فكان الأولى أن يرسلوا هم أبناءهم ليقتلوا، ويضحوا بمدخراتهم ومواردهم ويدمروا اقتصادهم، في سبيل الحفاظ على مصالحهم ووجودهم الاستراتيجي، وهذا ما كانوا سيفعلونه إن لم يبادر حزب الله ويملأ الفراغ منذ البداية، كما اضطروا للدخول أخيراً حين عجز الحزب واستنزف في النهاية؟

    وهنا قراءة بأنهم كانوا على مقاعد المتفرجين ينتظرون هذه اللحظة لينقضوا على المغانم، ويجنوا ويحصدوا ما نبت من دماء أبنائنا وتضحياتنا؟! وها هم ينزلون بأعداد من الشرطة العسكرية ليطبقوا الخارطة التي توافقوا عليها مع أمريكا وتركيا وإسرائيل، وخلقوا مناطق عازلة، من قبيل الجنوبية المحاذية لإسرائيل، من درعا إلى الجولان، لا يمكن للجندي السوري أن يتواجد فيها بأكثر من سلاحه الفردي!  فهل هذه قراءات منطقية معقولة، أم هي متحاملة أو سطحية ساذجة؟

    بل هناك من يسأل: هل من الصحيح البناء على استراتيجية الصراع مع إسرائيل، وقد تغيرت معادلته من زوالها إلى مشروع الدولتين؟ وانسلخ المبدأ الديني والمنطلق المقدس وتحول إلا مجرد شعار وورقة ضغط ومناورة؟! في واقع كشف خيانة حماس، وأثبت خطأ دعمها وتدريب كوادرها؟ أم أن تغيير المنطلقات والعودة بها إلى دينية عقائدية تلحظ عداء اليهود المتأصِّل لـ”بني هاشم”، وقد كان أحبارهم ينتظرون النبوة الخاتمة في “بني إسرائيل”، أمر في حكم المستحيل؟ فالواقع السياسي اليوم لا يطيق خطاباً دينياً بهذه الحدود، وقد تنازل الحزب عن ولاية الفقيه في لبنان، نزولاً على التعددية والتنوع الديني والمذهبي، فطوى صفحة “لبنانستان” (كإقليم تابع للجمهورية الإسلامية الإيرانية) إلى الأبد، وصار ينادي بالوطن ويتغنى بالأرزة، وانخرط في مشروع الدولة؟

    ثم هل المصلحة هي في الاصطفاف مع النخب السياسية اللبنانية من أحزاب بنيت على ركام الإقطاع، فشكَّلت بدائل مستنسخة له من محدثي النعمة وراكبي الموجة، أو زعامات من بقاياه، من حملة ويلاته ورموز فظائعه، من المعتقين في العمالة للاستعمار والاستكبار؟ مقابل الشعب الفقير المستضعف، المسحوق بالفقر والعوز، المضطر إلى الهجرة وترك الوطن؟ المبتلى بافتقاد أو تردِّي الخدمات الأولية من ماء وكهرباء وتعليم وصحة؟ ضحية النهب والفساد الذي يمارسه ويعيشه هؤلاء؟ أم أن العكس رهان خاسر لا يعمل به عاقل، ونحن في عصر لا موضع فيه للمبدئية، ولا محل للثورية! فلا سبيل أن يقود الحزب حركة شعبية تكتسح وتجرف الطبقة السياسية الفاسدة، وتعيد تأسيس البلاد على قواعد العدالة الاجتماعية وقيم المساواة وضوابط الشفافية، ما سيرحب به المسيحي قبل المسلم والسني قبل الشيعي! فهي معادلة مستحيلة! ولكن ألم يعودنا الحزب على المستحيلات؟

    لا أعرف الجواب الحق على هذه الأسئلة، والرأي الصواب في هذه الوقائع والأحداث، ولا أظن أحداً يعرفه، وإن كنت أُرجِّح جانباً على آخر، في نطاق قناعتي الشخصية وتكليفي الخاص، الذي لا أسمح لنفسي أن أعممه ولا أتحمل مسؤولية تطبيقه. ولكن هناك دائماً ـ كما أسلفت ـ من يرجم بالغيب ويغامر ويدَّعي، فيقحم الميدان، يسوق أمامه الرعيان أو يقود خلفه السفهاء والعميان!

    وهكذا الحال في الحدث الأخير الذي ظهر في الصفقة التي أبرمها حزب الله مع داعش، وقضت بنقل مئات المقاتلين من جرود لبنان إلى الحدود العراقية السورية. ما اعتبره إخوة الإيمان والجهاد في العراق المنكوب، غدراً، وأدرجوه خيانة وغشاً… هل هو كما يصفون ويتلقون؟ وأن الحق كان أن يخوض الحزب مع الجيش اللبناني معركة تقضي على هذه الكتيبة المحاصرة، وتبيد الشرذمة اليائسة البائسة، وتدفنهم حيث هم، بدل نقلهم لمواجهة العراقيين؟ ثم هل كان الصراخ والتباكي عند محاصرة قافلتهم من قبل الأمريكان أمراً ضرورياً؟ وقد خرجوا من عهدة الحزب وشرف الالتزام بعهده (وفي حكَم نهج البلاغة عن أميرالمؤمنين عليه السلام: الوفاء لأهل الغدر غدر عند الله، والغدر بأهل الغدر وفاء عند الله!)؟ لست أدري، ولا أنا في وارد الحكم على أمر أفتقد كامل معطياته، وتقييم أداء ملتهب بالنار والدماء، والعرق والعلق، وأنا حلس داري، لا أعرف غير مسجدي وحسينيتي ومكتبتي!

    ولكني ـ في المقابل ـ أعرف شيئاً آخر، يمكنني بسط القول فيه والتمسك به، وسوق ما شاء الله من الأدلة عليه، وأنه العلة التي قدحت والشرارة التي أشعلت، وتسببت في ترتيب سلسلة العلل وتواليها، ما أفضى إلى تدهور شعبية الحزب، وتلاحق البلاءات والمحن عليه، وهو سرُّ حلول النكبات التي”قلبت” القلوب وصرفتها عن حب قائده… أعرف القواصم التي تعرض لها الحزب، ولا عاصم ينجيه ولا كهف يأويه! وأعرف النقمة الإلهية وتحقق الوعيد القرآني الخطير: “فذرني ومن يكذب بهذا الحديث، سنستدرجهم من حيث لا يعلمون، وأُملي لهم إن كيدي متين”.

    لقد فرَّط حزب الله في أقدس المقدسات، وقطع الحبل الذي يوصله بولي الله الأعظم، وتخلَّى عن السبب المتصل بين الأرض والسماء، وركَن إلى عدته وعديده، وراهن على قوته وصواريخه… وهنا وقع في الخطأ الأكبر في مسيرته، والخطيئة القاتلة في تاريخه.

    إن حرمة الزهراء عليها السلام وظلامتها أعظم ـ بما لا يقاس ـ من حرمة الربا مثلاً، فكيف لا يأذن من هتكها واستخف بها بحرب من الله ورسوله؟.. عندما يفتي مراجع الشيعة العظام، وتحكم الحوزة العلمية بقمم أساتذتها وأعلامها، بضلال فضل الله، وتموج الجماهير المؤمنة غيرةً على سيدة نساء العالمين، تضطرم غضباً وسخطاً على هتك حرمتها، وتتحرق لهفة للانتقام من المستخف بها، ثم يتجاهل حزب الله كلَّ هذا ويتلقاه بتعالٍ وازدراء، وكأن لا أحد هنا غيره ودولته، فلا خطب في قاموسه إلا لحمٓلة السلاح، ولا شان إلا لأرباب الحُكم والسلطة، ولا قيمة إلا لقوارين المال، ولا مراقبة إلا لإمبراطوريات الإعلام… والأمة في تقييمه، وربما في واقعها، مستضعفة مغلوبة على أمرها، وجماهيرها مثل حوزتها ومرجعيتها، فبمن يعبأ ولمن يكترث؟! هكذا أصدر الحزب بيانه المشؤوم في هلاك الضال المضل، ثم لم يكتف حتى أعاد تمجيده ـ بلا داعٍ ولا مقتضٍ ـ في احتفال بنت جبيل، في ذكرى حرب تشرين، غير مراقب ولا متأثّم، لا حذر ولا خائف، أن تطرقه صاعقة تقصمه… فماذا عساه أن يلقى من المنتقم الجبار، ومن وليه الأعظم، سيفه الذي لا ينبو، غير ما تأذَّن به من الحرب، ودعى إليه من التحدي والبِراز؟! وأدنى ذلك وأقله قطع النصرة والمدد، وأن يوكَّل الحزب إلى نفسه. وأرى أن هذا الإبطاء والإمهال كان مراعاة لحرمة الدماء وخفر ذوي الشهداء، وإلا فالصاعقة ما كانت لتطرق إلا وتبيد، فلا تبقي ولا تذر!

    وعندما يتنكَّر الحزب لأصول وثوابت عقيدتنا في عزاء الحسين، وينخرط في معركة دنيئة، وهابية علمانية في أصلها، لمحاربة الشعائر الحسينية (تحت شتى العناوين وبمختلف الذرائع)، فماذا يرجو من صاحب العصر والزمان، وولي الدم، المنتظر للثأر؟.. وهو الراعي الأول لمجالس عزاء جده سيد الشهداء؟ يرعاها بجميع أشكالها وأنماطها، ويوليها العناية بقدر إخلاص أصحابها وعشق روَّادها… غير السخط والغضب؟

    أحسِب الحزب أن الشعائر الحسينية أُلعوبة مثل الانتخابات النيابية والتحالفات السياسية؟ أم هي ورقة تلقى على مائدة صفقاته، وتُقدَّم لإثبات حضاريته ومدَنيته وقابليته للانخراط في مشروع الدولة؟ هل فاجعة يهتز لها العرش مذ وقعت، وما زالت صرخة واعيتها تصك سمع الملكوت، تصلح أن تكون مادة لتملق السادة الأرباب، وسلعة لكسب ودهم ورضاهم؟! كيف يلتزم الحزب بحكم جزئي صغير، يتمثل بامتناع رجاله عن وضع ربطة العنق، فيتمسك به ولا يتخلى عنه، ثم لا يمانع أن ينسف ركناً أساساً من أركان التشيع، واسطوانة قام عليها، ومعلماً طالما ميزه؟! والحرب لا تقف عند التطبير ومساعي منعه، بل بالتدخل وتخريب جميع المجالس، حيث تطال أيديهم وتبلغ سلطتهم، هناك سعي لقلبها سياسية تخدم أهدافهم، وحرص لمنع دورها في الرثاء والعزاء!

    لم تكن صفقة داعش هي التي قصمت ظهر حزب الله، ولا الأخطاء السياسية المشهودة هي السبب… ما هذه كلها إلا حزمة قشٍّ، أضيفت إلى أثقال سابقة، سوَّل لهم الشيطان حملها، وأضلهم السامري بالركون إليها والعمل بها، وهي قاصمة مهلكة، تنوء بها البشرية جمعاء، ولم يسلم من شؤمها وبلائها كل من تعرض لها وتعاطى بها.. ولعل هذا الإمهال الذي رأينا في مآل الحزب، يعود إلى غفلة الجمهور المأخوذ، وحرمة دماء الشهداء وإخلاص المجاهدين، وإلا فأسباب السخط والغضب قائمة منذ أمد، وحاكمة من لحظة ووقوع الكبيرة والجرأة الخطيرة، “ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة، ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون”.

    ويبقى الأمل في حالتين والرجاء يلوح من أمرين:

    الأول: إعلان السيد حسن نصرالله أن حزب الله يتخذ الشيخ بهجت قدس سره مرشداً روحياً، وهو فقيه جامع ومرجع أصيل وعارف كامل، وما على الحزب الآن إلا أن يستأنس برأيه وينزل على حكمه في قضية الزهراء عليها السلام (وليراجع كتاب «البرهان القاطع» في أجوبة المسائل العقائدية)، وأن يستطلع آفاق الخطْب الفظيع الذي وقع فيه فضل الله، واقتضى أن يذهب الشيخ بهجت في تبجيل السيد جعفر مرتضى فيخاطبه قائلاً: “لو ألقيت عمامتك عن رأسك، فلن تسقط إلى الأرض، لأن الملائكة سترفعها إلى السماء، لنصرتك الزهراء عليها السلام”! وكذا عليه أن يسترشد برأي الشيخ قدس سره في جواز التطبير ونصرته للشعائر الحسينية، ويرتب الأثر في توجيه قاعدته للكف عن الاستغلال والمسخ، فإن عجزوا كان الاستخفاف والاستهزاء الذي لم يرَ المؤمنون نظيره حتى من الملحدين واللادينيين، فصاروا يلقونه من إخوانهم في المذهب والدين، (وإن كان أغلب الناشطين هنا هم من المتسلقين المتَّجرين في حزب الله، لا المجاهدين الحقيقيين، وهي ملحوظة غريبة!)، ولا سيما الزهو والتفاخر بالجهاد، ووصم الموالين بالقعود، وهم يعلمون ما يفعل ليوث الجيش الشعبي، وتبلغهم بطولات وصولات فرسانه وتضحياتهم، وكلهم حسينيون من أصحاب المجالس، ومن المطبرين والمشاية أو الخدام في مواكب الأربعين.

    الثاني: الرهان على موقفه الموفَّق في قضية ياسر عودة، حين أشار للمحازبين بالضوء الأخضر وأفسح لهم لردِّ هذا الساقط وردعه، والدفاع عن دينهم ومقدساتهم بما يمليه الواجب الشرعي عليهم.. وما مقولات هذا الخبيث إلا اجترار لآراء فضل الله وتكرار لترهاته. وهذا يكشف عن دين وعقيدة، ويشير إلى غيرة وحمية، يمكن التعويل عليها والانطلاق منها إلى ما يصحح الوضع المأساوي القائم، ويعيد تموضع هذا التيار في المكان الشرعي الصحيح والموقع العقائدي الأصيل، بما يزحزحه عن أسباب السخط ومواضع الغضب، وينجيه من الهلاك الدنيوي قبل الأخروي.

    أخي العزيز السيد حسن…

    إذا خرج النشاط السياسي لأي حركة شيعية عن المنظومة الشيطانية، وانفصل عن السلطات والأنظمة التي تدير الدنيا الدنية، فاعلم أنه لا يمكن لها تغيير المعادلة الدولية، ولا تعديل الخارطة الإقليمية، ولا حتى إعادة ترسيم تموضع القوى المحلية، دون تدخُّل الناحية المقدسة، فالأمور طراً بيد المولى صلوات الله عليه… ولا يمكن لمستخف بآلام أمه الزهراء، مشكك في مصابها وجاحد لمقامها، أن يكون مرضياً عنده، ويحظى بفرصة الخدمة في رحابه وشرف اللحوق بركابه. ولا لمحارب لعزاء جده، متحايل على مجالسه، مخادع يريد توظيفها لزعامته، من باطل أهوائه أو سقيم أفكاره، لا يمكنه أن يحظى برعايته، ناهيك بخاصة عنايته. لتقُل مراكز الدراسات ما تشاء، ولتركِّب القوى الفاعلة معادلاتها على الأرض بما أُوتيت من قوة، لتقم الدول وتسقط الأنظمة، ولتنتصر الجيوش وتخسر الأحزاب… لن يخالف ذلك كله حرفاً واحداً في مصحف فاطمة، ولن يتجاوز قدراً وإرادة أخلى لها المولى، وكانت في سابق علمه!

    مع هلال محرم… أسأل الله أن يرزقك وإيانا بصيرة تتجلى معها الحقائق، فترى الكعبة وقد شقت جيبها، بل تصدَّعت من فجعتها بحبيبها، فإذا أرسلت طرفك إلى السماء رأيت المجرات تستل خيوط انتظامها في أبراجها ومداراتها من عباءة فاطمة، ثم رأيتها صلوات الله عليها، تلقيها من الهول وتندفع نحو مصرع حسينها نادبة صارخة، فتنقلب السماء وتتناثر النجوم، ويتدكدك العرش ويطوى الفرش…

    فليتك تأمر الحزب أن يكف عن أذى المؤمنين في دينهم وعقائدهم وشعائرهم، بل يكف عن أذى ولي الله الأعظم، وتدرك أن المكابرة هنا والعناد فيها الشقاء والهلاك، وهذه نذر توقظ، ورسل تتم الحجة، وها هي كفريات تسقط الغدير على الواقع السياسي المريض تترى من معمميكم، وأنا أسجل الفقرة الأخيرة من مقالتي… ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم. 

  • الجهاد ضروب وأشكال، حمل للسلاح وقتال بالسيف، وصدح بالحقيقة ببيان فيه للناس هدى، أو كلمة حق أمام سلطان جائر، أو بذل للجهد في تحصيل ما يحفظ الدين ويدرأ عنه شبهات المضلين، وهو الأعظم الأخطر، الذي يجعل مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء، ولا سيما حين ينطلق من مكامن الأصالة ويستوفي شروط الإخلاص، يطلب وجه الله، لا يروم شهرة ولا يرغب في رئاسة، ولا يريد من الناس جزاء ولا شكوراً، فيكون من الأكبر، لا الأول الأصغر.

    لم تعش ساحتنا الإيمانية حرباً على العقائد وتكالباً على التشويه والتحريف والتزييف في عهد وزمن، كما تلاقي اليوم وتعاني، فلو تدبرت في واقعنا لرأيت أن الغالبية العظمى وما يفوق 90% من روافد الثقافة ووسائل الإعلام الديني (قنوات فضائية، إذاعات، دور نشر ومكتبات، صحف ودوريات، مواقع ألكترونية في الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل الاجتماعي) تتبع مرجعيات باطلة، وأدعياء علم ودين مزيفين، وتخدم التيار الإضلالي المنحرف، الذي يرفع شعار الحداثة ويدعي الإصلاح. لم يبق لنا إلا جزء قليل وهامش ضئيل من المساجد والمنابر، ثم عاشوراء والشعائر. هذا من حيث الكم والحجم، أما النوع والكيف، فإن الهجمة الإضلالية لم تبلغ يوماً هدم الأسس والمناهج التي تقوم عليها المعارف الدينية، وتجفيف المصادر والمنابع المتمثلة في تراث آل محمد، ما بلغته اليوم… فالأمر لم يعد عُقدة أسانيد ومعضلة دلالات تستقي من سوء التعقُّل والالتقاطية، وتتفرَّع عن الجهل والتخبُّط، أو تستمد من اعوجاج الفهم وسقم المزاج والمنهاج، ما يسقط شطراً من هذا الكنز ويحرم المذهب من درر وجواهر لم تحفظ لتصل إلينا إلا بخوض اللجج وسفح المهج، يتلفها ويهدرها برعونة الأطفال وطيش الأغرار، أو بمجون العهَّار ووقاحة الفسقة وجرأة الفجار… بل بلغ جحد الكتب الأربعة من رأسها، ونسبة التراث الملكوتي الذي منَّ الله علينا حين أنزله من عليائه فجعله في بيوت، على مرأى من الأنظار وفي نطاق الأسماع ومتناول الأيدي والأفهام، نسبته إلى اليهودية والمجوسية ورميه بالوضع والكذب! وانتهى إلى الاستهزاء بأُصول تشييد معارف الدين والسخرية من أسس استنباط أحكامه، ووصل حدَّ الدعوة العلنية لنبذ أعلامه، مراجع الدين العظام، وملاذ الأمة وملجأ الأيتام، بل نفي انحصار الحق فيه، ومساواته بغيره، والقول جواز التعبِّد والتقرب إلى الله بأي مذهب كان!

    إن هذا الوضع العصيب يقرع ناقوس الخطر، ويدوِي صور النفير العام، وينادي بالتعبئة ويستنهض كلَّ همة…

    وهنا وقفة مع آليات العمل وأساليب الحركة وطرق المواجهة وكيفية أداء الدور في هذا الخطير، التفاوت في ذلك والاختلاف فيه، صعوبة تشخيص الواقع في هذا الشوط، وعسر رسم التكليف المناسب لهذه المرحلة… وقد قضى بعضهم عمره في هذا الميدان، وصرف حياته في هذا السبيل، يعمل مع علماء أبرار تتوقد الغيرة في نفوسهم، وأساتذة كبار تتوهج البصيرة من نهجهم، انخرط في هذه الجبهة، وولج معهم دهاليزها الضيقة بعد دروبها العريضة، قطع مفاوزها المهلكة، وكابد عقباتها الكؤود، وتوغَّل في مساربها الملتوية الوعرة، وخاض معارك ضارية محتدمة، أطفأت فتناً وأخمدت نيراناً، قصمت ظهور أئمة ضلال، وشتَّتت جمع أحزاب، وأعضبت قرون شياطين، فتمرَّس ما شاء الله في هذا، وحصَّل خبرة رسَّخت ملكة، وأورثت حكمة وفطنة، وأضفت حصافة وحنكة، حريٌّ بالعاملين في الساحة اليوم، فتياناً وفرساناً، أن يقتبسوا ويستلهموا منها، ويستعينوا بها في صولاتهم وجولاتهم.

    يدور العمل في مواجهة الضلال والقيام لله في نصرة الدين بين مثنى وفرادى، زرافات ووحدانا… هناك مَن يطيق العمل الجماعي والائتلاف في فرق تتظافر ومجموعات تتناصر، قوىً تنسق وتنظِّم، بما يحفظ الطاقات من الهدر والجهود من الضياع، ويعمل على جودة الأداء وإتقانه، وسداد الراي ورجحانه. وهناك مَن لا يطيق ذلك، فينهض بالأمر منفرداً ويمارس دوره مستقلاً. وبين هذا وذاك علينا التنبه أن القضية يحكمها أمران:

    الأول: أن لا ولاية لأحد ولا نظارة على الساحة الإيمانية، إلا في حدود النصح والإرشاد، دون الإملاء والتطويع والأرغام. لا قائد ولا زعيم يقود تيار الحق وجبهة الولاء في هذه المعركة، والعاملون هنا لا يستقون التوجيهات من أحد، ولا يتلقون التعليمات من آمر، اللهم إلا الأحكام الشرعية والضوابط الفقهية، وكليات وعمومات يؤكدها الفقهاء ويباركها المراجع العظام…

    ليس لأحد أن يحصر مواجهة الضلال ومقاومة الانحراف في نمط من العمل بعينه وأسلوب دون غيره، ولا أن يقصي مؤمناً عن موقعه، ويسلبه حقه في شرف الدفاع عن مذهبه، بحجة تشخيصات وقراءات توصَّل إليها هو، ترى أن المحاولة هنا تسيء إلينا، والصولة هناك لا تخدم قضيتنا، والحركة في هذا النطاق تهدر طاقاتنا وتبدد إمكانياتنا، والاندفاع في ذاك الأمر يفتح علينا ما يشغلنا عن الجبهات الأصلية، وما إلى ذلك من “اجتهادات” في قراءة الواقع، ووجهات نظر ورؤى في فهم الحدث، يسعى أصحابها إلى تعميمها وفرضها على غيرهم لما يحسبون في أنفسهم من تقدم في العلم وتفوُّق في الفهم والوعي! والحال إن ما يملكونه من أدلة يستشرفون بها الواقع ويرجحون بها قراءة بعينها، إنما تصلح أن تخلق فيهم ـ دون غيرهم ـ القناعة، وترسم لأشخاصهم ـ لا للآخرين ـ التكليف، ناهيك بأن تصبغ الساحة بطابعها، مع تعدد مشاربها وتنوع مصادرها وسعتها وامتدادها… من الكبر الخفي والغرور الشيطاني أن يجزم أحدنا أن السبيل في موضوع ما، هو هذا الذي أقول ولا غير، ومن الجهل بمكان عدم افتراض القصور في المعطيات الموضوعية التي تفضي بأحدنا إلى تكوين قناعة ما في أمر خارجي، وإن خلقت له حجة شرعية سمحت له بالحركة أو التوقف، وانتهت به إلى تحديد آلية خاصة بذلك ونمط بعينه دون غيره، ولكن أن يرقى ذلك إلى جزم وقطع يسقط الخيارات الأخرى التي توصَّل إليها آخرون، وينفي رؤية شيء من الخير فيها.. فهذه كارثة روحية لأصحابها، قبل أن تكون خسارة فادحة للساحة والجبهة التي يعمل فيها أنصار الأصالة والولائيون المتصدون للضلال.

    ما دام النشاط في نطاق الحدود والضوابط الشرعية، فليس لأحد أن يمنعه، والقراءة التي يحسب صاحبها أنها عميقة واعية، حكيمة متزنة، قد تكون في الحقيقة والواقع ضحلة ساذجة، وجهولة مندفعة، والحرب المسعورة التي تشن على التشيع الأصيل، والهجمات المتلاحقة التي لا تتوقف على المذهب الحق، لا تسمح بالتضييق والتشديد وما يورث الحكر والحصر، لا تهاوناً في المعايير وتفريطاً في ضوابط الجودة، بل احتراماً لحقِّ الآخر وخوفاً من تبعات مهلِكة، ذلك أننا لا نخيط ثوباً أو نبني بيتاً أو نصنِّع مركبة وآلة هنا، حتى يمكن الجزم والبت على نحو رياضي، بل هي أفاق إنسانية، وحركة نفسية تستنهض الغيرة والحمية، وتفاعل اجتماعي يتلمس الخطر على الهوية، الحاضرة والمستقبلية، ثم سعي روحي يرجو الأجر والثواب، ويطلب التكامل عبر أعظم أبوب الجهاد.

    إنها حرب، والحرب تحتاج استنفار كلِّ القوى وتعبئة سائر الطاقات، فالدين دين الجميع وواجب نصرته والدفاع عنه يتوجه إلى كافة القطاعات والأفراد دون استثناء، الكبار والصغار، العلماء والعوام، الرجال والنساء، وشرط العلم والقدرة الذي ينجِّز الأمر هنا متحقق في كلٍّ بحسبه… فالعالم المتخصص مُطالبٌ بدراسات تُبطل وتفند مقولات القوم، وتحقيقات تدفع تشكيكاتهم، ثم تقديم مادة متكاملة ومعالجة وافية في كل موضوع، تربط على القلوب وتثبت الإيمان وتنتشل أيتام آل محمد وتنقذهم من براثن الإضلاليين ومخالب المبتدعين وأنياب المتجرين. وطلاب العلم الأقل رتبة، الذين لا يمكنهم خوض غمار البحث والاحتجاج، عليهم نقل وتبليغ مادة تلك الدراسات والتحقيقات، نشرها وبثها، والنهوض بدور إعلامي يكمِّل ما صرف فيه الأساتذة الكبار أعمارهم وبذل العلماء الأعلام لإخراجها غاية جهدهم، فلا تبقى حبيسة الكتب ونطاق الحوزات والنخب.

    هكذا تنادي المسؤولية الخطيب والشاعر والرادود والكاتب، ليمارس كلٌّ دوره عبر منبره وأبياته وقلمه، وتستنهض المثقف بسعة اطلاعه، وتستنجد بكل مؤمن وترسم تكليفه بحسبه، وفقاً لقدراته وطاقته… قد يعجز بعضهم عن المجاهرة بموقفه، فلا بأس بدور خفي واسم مستعار، وقد يضيق وسع آخر عن المساهمة بأي نحو، فيكفي اصطفافه في جبهة الحق، فلربما كان تكثير السواد علَّة في هداية ضال، وسبباً في وَهْي نفوس الضلَّال وكسر همم المنحرفين الفجار، فالأولوبة لمنع أن ينجر الصراع بأي نحو إلى جبهتنا الداخلية، فيقول صاحب الاثنتين لصاحب الواحدة لست على شيء! إن المرفوض المدان هو السلبية المطلقة التي تبخل حتى بمداخلة “إعجاب” على مواقع التواصل الاجتماعي تزيد عدد أنصار الحق وتشجِّع كاتبها على المزيد، أو بتسجيل اعتراض على منحرف ينشر الضلالات، ولربما ردعته أو أثَّرت في متابع غافل. والظلم الفاحش هو في التهاون والميوعة التي تعجز عن مقاطعة متجر أو مطعم يعود ريعه لإمام الضلال ومؤسساته، فلا يبالي المؤمن أن يرفد عجلة الحركة التي تهدم دينه وتوهي مذهبه وتقوِّض عقائده بالمال، فلا يقاطع مؤسسات القوم مع ما تتوفر عنها من بدائل.

    قد تتمكن تغريدة ساذجة في “تويتر” أو فقرة عابرة في “فيسبوك”، أو تسجيل مرئي من دقائق لمقطع يبث دفاعاً ويفنِّد شبهة، من انتشال مؤمن بسيط عثر في شباك القوم، وتنقذه من الهلاك، فتفعل ما لم تفعله كتب علمية عظيمة، نقضت مقولات الضلال وقوَّضتها بالأدلة الدامغة والححج التامة، ودحضتها ببراهين محكمة! إن الجبهات متعددة، والمخاطبون متفاوتون، ويكاد الأمر في الحكمة الجارية “لولا الأذواق لبارت السلع”، يسري هنا ويحكم، ففي بعض الأساليب التي تزدريها الأعين، والردود التي تستخف بها وتحتقرها النفوس، حاجة طائفة من المؤمنين، وسبيل نجاة جماعة من الموالين، فـ “لا تستح من إعطاء القليل، فإن الحرمان أقل منه”. 

    إنَّ تحفُّظ بعض نخب الموالين على فتح الباب أمام كافة العاملين وإن كانوا من “العوام” وتركه مشرعاً لخوضهم هذي الغمار، ينطوي على هفوة وينشأ من غفلة عن أن المعركة لم تعد علمية فحسب، وأن العدو تجاوز الإطار الأكاديمي أو الفني التخصصي في المادة التي يطرحها في إغواءاته ونطاقات وميادين احتجاجه (ولعله لم يكن كذلك يوماً)، ودخل في الترويج بل التهريج الإعلامي، ومن الخسران والغبن تركه متفرداً في الميدان مستأثراً بالساحة، وإخلائها من العوائق والسدود، بما يتيح له التقدم ما شاء واستطاع. كما أنهم يغفلون وهم يخلطون ولا يميزون بين أمرين: حفظ الدين الحق في صدور العلماء وكتبهم ونطاقهم، وبين حفظه بين الناس وفي الأمة وحركتها الاجتماعية. ولو انحصر أمر النهوض للدفاع عن الدين وحفظه، بالعلماء والملتزمين، لما بلَغنا منه شيء، وفي رواية شكوى الأصحاب من المفضَّل، درس بليغ يفتح باب “حملة الأسرار” على طبقة، وينفيها عن أخرى (كما ذهب السيد الحجة الكوهكمري قدس سره، انظر تقريرات بحثه «النجم الزاهر في صلاة المسافر» للسيد أبي الحسن التبريزي ص 103)، ففي الحديث عن عدة من أهل الكوفة كتبوا إلى الصادق عليه السلام فقالوا له: إن المفضَّل يجالس الشطار وأصحاب الحمام وقوماً يشربون الشراب، فينبغي أن تكتب إليه فتأمره أن لا يجالسهم. فكتب إلى المفضل كتاباً وختمه ودفعه إليهم، وأمرهم أن يدفعوا من أيديهم إلى يد المفضَّل، فجاؤا بالكتاب إلى المفضَّل، ومنهم زرارة وعبد الله بن بكير ومحمد بن مسلم وأبو بصير وحجر بن زائدة، ودفعوا الكتاب إلى المفضل، ففكه وقرأه. فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم، اشتر كذا وكذا، واشتر كذا وكذا، ولم يذكر فيه قليلاً ولا كثيراً مما قالوا فيه. فلما قرء الكتاب دفعه إلى زرارة ودفعه زرارة إلى محمد بن مسلم حتى دار الكتاب على الكل، فقال المفضل ما تقولون؟ قالوا: هذا مال عظيم حتى ننظر ونجمع ونحمل إليك، ثم ندرك الأنزال بعد نظر في ذلك. وأرادوا الانصراف، فقال المفضل حتى تغدوا عندي. فحبسهم لغدائه ووجه المفضل إلى أصحابه الذين سعوا بهم، فجاؤا فقرأ عليهم كتاب أبي عبدالله عليه السلام، فرجعوا من عنده، و(كان قد) حبس المفضل هؤلاء (الأصحاب) ليتغدوا عنده. فرجع الفتيان و(قد) حمل كلُّ واحد منهم، فحضروا واحضروا ألفي دينار وعشرة آلاف درهم قبل ان يفرغ هؤلاء من الغداء! فقال لهم المفضل: تأمروني أن أطرد هؤلاء من عندي؟ تظنون أن الله يحتاج إلى صلاتكم وصومكم. 

    وفي مقابل هذا الانفتاح وإخلاء السبيل، على كل منا أن يعي قدراته وإمكانياته، ويدرك حدوده والنطاق الذي يحسن ويجيد العمل فيه.

    إن الجبهة العلمية والنطاق الفكري الذي يدحض مقولات القوم، ويدفع أباطيلهم، ويبطل حجج المنحرفين ويعرِّي زيفهم، لا يسقط الأدوار الأخرى ولا يعطِّلها، فالمعركة أكبر والجبهة أعم وأوسع من أن تحصر في نطاق، لا يلبث أن يلتهمه العدو بمغالطاته ويقضي عليه بتهريجه وإسفافه! لكلٍّ الحق في العمل وفقاً لقناعته ودرجته وسطحه، وعلينا أن نفهم ونهضم أن التعددية والاختلاف فطرة وطبيعة، وندرك أن الاستبداد الذي نمقت من الحاكم والظالم، قد يظهر على أيدينا وممارساتنا في مشهد طرد المؤمنين وحكر العمل على النخب.

    الثاني: أن لا ننتظر نتيجة ولا نرقب ثمرة، بمعنى أن لا يكون مرتكز العمل ومنطلقه هو النجاح في الوصول إلى الغايات… فالدفاع عن المذهب عبادة، والصدح بالحق يمثِّل حالة روحية يرجى لها النماء والتكامل، ويرقب الأجر الجزاء الأخروي، ويمكن تشبيه الأمر ببذل المال، فدفع الصدقات وإسداء المعروف إلى الفقراء، لن يعالج الفقر في المجتمع، ولن ينهي العوز والحاجة، وستبقى المجتمعات طبقات والناس فئات، والبشرية شعوباً وقبائل، ولن يُنفى الفقر تماماً إلا على يد المولى عجل الله فرجه، في زمن العدل الإلهي وحكومة المهدي، عندما يرث الله الأرض ومن عليها، عندها سيتحقق دعاء “اللهم أغن كل فقير وأشبع كل جائع واكس كل عريان واشف كل مريض …” الذي نتلوه في أيام شهر رمضان، كل ما هناك أن يحظى الباذل بالأجر ويعيش آفاق العبادة ومعاني التكافل التي يرميها هذا الواجب أو المندوب. هكذا سوف يبقى الإغواء ويستمر الضلال ويدوم توليد البدع، ولن يتوقف كيد الشيطان في خلق صور الزيف والانحراف… كل ما هناك أن يدوِّن أحدنا اسمه في عداد الناهين عن أخطر منكر، والآمرين بأعظم معروف، والناشرين فضائل آل محمد، فيدخل في السجل المبارك، ويلحق بلائحة المدافعين عن المذهب الحق، ويكون ممن انتصر الله بهم لدينه، والأهم الأخطر، أن ينأ بنفسه، ويزحزحها عن نار لائحة القابعين على مقاعد المتفرجين، ناهيك بالمنضمين والملتحقين باللوائح الأخرى، ولا سيما الشقاء الأعظم والدرك الأسفل في قائمة محاربي الحق وانصار الباطل والضلال.

    قد لا تنجح كتابة تغريدة، أو صوت ضعيف في مجلس مغلق، أو منشور من صفحة واحدة، أو رسالة ألكترونية ترشد إلى رابط، في إنهاء الضلال والقضاء على البدع والانحرافات، ولكنها قد تنقذ مؤمناً واحداً، أو بيتاً وأسرة! وكذا قد لا تفلح المقاطعة في تعطيل مؤسسات الضلال التجارية التي تدر الملايين، ولكنها تحفظ المقاطع نفسه من السقوط في أعظم أثم وأخطر جريمة!… فإن لم تفعل هذا ولا ذاك، فهي ولا شك تأخذ المؤمن إلى آفاق التميز والسمو والتعالي عن هذا الغثاء والهمج الرعاع، والالتحاق بركب الأحرار والنجباء، الذين ينزلون مقدساتهم منزلة عظيمة خطيرة، وينظمون حركتهم الاجتماعية ومواقفهم السياسية على ضوء معطيات عدائها أو نصرتها أو خذلانها للمذهب الحق، لا على حسابات مكاسبهم الشخصية الخاصة ومصالحهم الدنيوية.

  • لم يباغت أدعياء العلم والفقاهة شيء فيذهلهم، ولم يبهت المراجع المزيفين حدث فيصرعهم، ولم يملأ قلوبهم الغل والحسد ويشحن صدورهم الغيظ والحنق، بعد دهشة فتوى السيستاني وصدمة الاستجابة لها… ألا تحقيق النصر وتحرير الموصل! لقد أفقدهم الاعتراف الشعبي قبل الحكومي والدولي، بدور وفضل المرجع الأعلى وفتواه التاريخية، وشكره والثناء عليه والدعاء له، ومن ثم ترسيخ موقعيته وتكريس قيادته وزعامته، أفقدهم رشدهم وصوابهم، لذا لا عجب أن تراهم يترنحون ويتخبطون، لا يدرون ماذا يصنعون؟ أيقرون ويعترفون؟ فهي نهايتهم! أم يكابرون ويعاندون؟ فهي فضيحة ترسم خاتمة شيطنتهم وتأتي على أمد عبثهم وإفسادهم!..

    أُدرك ذلك وأتفهمه جيداً، ولكني لست أدري كيف أصبح يفكر هؤلاء وماذا صار يعتريهم حتى سقطوا في هذه المخازي ووقعوا في مثل هذه الفضائح؟! أين أخذتهم وساوس وتسويلات الشيطان وبلغ بهم الحسد؟ كيف استولى عليهم الجهل والخرق، فحسُن عندهم السفَه وزان الحُمق؟ حتى صدَّق أحدهم نفسه وأقدم على خطوة هتكته فلم تُبقِ، وفعلة أسقطته فلم تذر… هذا السيد الشيرازي، مرجع اللقاءات والصوَر، ينشر لنفسه صورة إلى جانب صورة المرجع الأعلى ويسطر تحتها عبارة يشكر فيها الشعب العراقي على استجابته لـ “فتواهما” بالجهاد، ويهنئه بتحقيق النصر ببركة هذا الامتثال والالتزام! فلحقه الحبتري بقلبه الأسود، الذي لا يطيق ذكر المرجع الأعلى، ولعله يحذر أن يحمل على الاعتراف بمرجعية منقوصة غير تامة بالفلسفة! ويصدر بياناً يهنئ فيه الشعب العراقي بالنصر، وينوِّه بنفسه بأنه أول من أفتى بالجهاد وحكَم به! وقد جاراه في ذلك السيد المدرسي، الذي توقف عن التغريد للنساء أو عليهن لساعات، أصدر فيها بياناً تجاهل فيه هو الآخر مرجع الأُمة، لكنه ”أفتى” جُزِي خيراً بوجوب الإهتمام بعوائل الشهداء، فكان السابق المبادر، فلا يقولن أحد أنه مسبوق أو مقصِّر، ها قد أضنى الرجل نفسه فأفتى، وأتعب يده وأنهكها فكتب!… مهزلة لا يدري المرء على أي فصولها يضحك ويقهقه، ومن أي مواضعها يسخر، وبأي معطياتها يستخف ويهزأ؟!

    إنه هوس الظهور والنجومية، وداء الأضواء والشهرة، تفشَّى في عصرنا بفضل أو بلعنة وسائل الإعلام والفضائيات وأدوات التواصل الاجتماعي، وفَّرت للمفلسين في سوق الفضيلة صنعة، وأتاحت للحوانيت الفارغة من العلم والإخلاص سلعة، وهيأت للمتاجر الخاوية بعد الدين من الحياء بضاعة. الحياء الذي ما زال في بوار وركود وكساد، جعل كل هذا وذاك يهون أمام ما يطالعنا به “العلامة المربي”… الذي يظهر ويحضر في الفضائيات وفي “اليوتيوب” و”الفيس بوك” و”تويتر” و”الانستغرام”، وفي موقع “السراج”، وعلى رفوف المكتبات، وأرصفة الباعة المتجولين، ثم في لافتات الإعلانات في الشوارع، وآخراً وليس أخيراً، على أعمدة إنارة الطرقات! والبشرى أنني فتحت الثلاجة اليوم فلم تظهر علي صورة “مربي الأجيال”، وكنت أبحث عن مربى الجزر!

    بالله ما هذا الهراء والإسفاف؟ هل أُعدمت الأمة الفحول والأبطال، ونزل بها الجدب والشظف وقحط الرجال، حتى صار هذا الشيخ نجماً وغدى رمزاً تنتشر في شوارع مدن العتبات المقدسة لافتات “جواهره”؟ بعد أن كانت تضيء بأنوار كلام أئمة الهدى عليهم الصلاة والسلام؟ ولست أدري، وأنا أعرف فيه بصيص فهم وعلم ودين، وبعض وقار واتزان، كيف صدَّق هو نفسه، وسمح ورضي أن يعلو ويرتفع ليتبوَّأ هذا الموقع ويغدو “ملهم” الأمة ومنارها؟ هل صدَّق حقاً أن المعرفة اختمرت فيه وتعتَّقت فانصبَّت حكمة تُنافس أحاديث آل محمد؟ أو أنَّ الأفكار اعتُصرت وضُغطت في قصار أقوال غدت جواهر تتلألأ، خفتت أمامها أنوار تعاليم الأئمة الأطهار؟ فصدَّق الرجل أنه ينثر حكَماً، ويسطر بقصار أقواله مآثراً، وأن الساحة، ولا سيما النشْأ، عطاشى يتحرَّقون لسابق إرشادات “لقمان” العصر، كما يتشوَّقون لجديد إبداعات “نائب الخضر”؟! وأن الأجيال تتطلَّع للاقتداء بسيرته والتأسي بطريقته، كما تتلهف لإطلالته والتمتع بجمال مرآه وحسن طلعته؟ أليس في بطانته من يُخلص له النصح ويردعه عن هذا التهور والطيش؟

    وفقاً للموازين العلمية ومعايير تقييم العلماء وضوابط تصنيفهم، الرجل في الطبقة الرابعة أو الخامسة، إن عددنا الأولى للفقهاء والمراجع العظام، والثانية لأساتذة السطوح العليا، والثالثة للفضلاء المحصلين، والباحثين المحققين، وهو بذلك واحد من آلاف، لا يتفوق بعلم يستأثر به، ولا يتقدَّم بتقى وورع يميزه، لا عبقرية هنا ولا نبوغ، اللهم إلا الإمكانيات المالية ودعم السلطات والحكومات الذي يستمده بمكر ودهاء، ويحظى به أحياناً من قوى تشكِّل أضداداً متنازعة، وأحزاباً وقوىً متصارعة! ناهيك بتجار وأثرياء يخرقهم بخازوق “جواهره” الفارغة ويجذبهم ببريق مجوهراته المطلية الزائفة، ويمعن في إغراقهم في الجهالة، ويحرص على إبقائهم بعيداً عن ومضات البصيرة والهداية، لتستمر منه الغواية ومنهم البذل والعطاء بلا نهاية.

    من جواهر البحار، إلى جواهر الشيخ بهجت، إلى جواهر الشيخ حبيب.. هذا طريق الاستئكال، ودرب الاتجار، واضح بيِّن، جلي ليس بخفي. فالإلهي لا يدعو إلى نفسه، والرباني لا يروِّج إلا لربه، لا يمحور حول شخصه مريدين، ولا يجمع في ركابه مستغفلين، ولا يحشد تحت رايته مغترين… هكذا “ارتقى” الرجل في سلَّم “المجد” وتدرَّج: لم يكتف بدور إمام جماعة راتب يرعى المصلين في مسجده، يتولى تربيتهم وتعليمهم وتزكيتهم، فقفز إلى “مربٍّ فاضل” يستقطب الجماهير من كل حدب وصوب، لكنه لم يكتفِ ولم يرتوِ، فطفر ليصبح علَماً في الإعلام وصاحب فضائية كبرى تخاطب الملايين، فلم يشبع ولم يقنع… رسمت له لوحات والتقطت صوَر وطبعت ملصوقات ونشرت إعلانات، كلها تسوِّق لشخصه وتلتف حول ذاته وتصبُّ في “الأنا”! تلك المتلونة المتقلبة التي يدعي راعيها الولائيات ثم يحضر في عزاء فضل الله ويشارك في تأبينه! يتمثل عارفاً إلهياً لكنه يلتمس السبيل إلى لقاء الله مباشرة عبر اسمه، لا متوسلاً بالحسين كما يفعل العوام! ويرى أن “علياً يبكي من بُعد السفر ومن قلة الزاد، فكيف بنا نحن” (على طريقة الضال المضل واستظهاره من عبارات دعاء كميل وقوع المولى في المعصية)؟ وفي الخفاء الذي يتعمدون تسريبه إلى السذج البله، ولا سيما النساء، لغطٌ يشغل مريديه حول لقائه المولى، وشبهة سفارة من الناحية المقدسة (وقد واجهني أحدهم في أمر لوحات جواهر الشيخ حبيب فقال: ألا تحتمل أنها بإذن أو بأمر المولى!؟)، ثم أوامر وتوجيهات بالصمت والكتمان، فالساحة لم تنضج لتتقبل هذه الحقيقة، ولم ترقَ لتتحمل هذا الدور بعد، كما وصلت أنت أيها المريد المحظوظ وفعلت!… والمآل المرتقب الذي انتهى به مطاف من سبق، هو طرح مرجعية متميزة، عصرية روحانية، في وجهها نور المكياج وهالة إضاءة الإخراج، ودعوة لنصرة زعامة قادمة طوت مراحلها الأولى وصارت الساحة تطالبها وتدعو إليها، وإلا فالرجل غير طالب ولا راغب! هذا هو المسار والمآل، اللهم إلا أن يردعه النقد ويوقفه التعريض، وتمنعه المواجهة، ويزجره التوبيخ والتقريع، ومن يفعل فهو ينقذ الرجل ويحسن إليه، قبل أن ينقذ الأمة ويدافع عن المذهب ويخدم الطائفة.

    الفكرة سهلة والمعادلة بسيطة: هناك سعي لنشر الدين والعقيدة، وحرص على تحقيق الأهداف الإلهية، واجتهاد في تطبيق الشريعة المحمدية، وترويج الأخلاق الإسلامية، وهذه الحركة تقتضي ظهوراً وتستلتزم للعاملين شهرة وتخلق لهم عناوين وتوجد اعتبارات… العلماء الربانيون، والرساليون المخلصون، والعاملون المجاهدون، يسعون أن يوجهوا خطابهم، ويجمعوا الناس حول رموز الدين نفسه، ويسوقوا المؤمنين تجاه عناوينه، فتضمحل أشخاصهم، وتتصاغر شخصياتهم، فيبارك الله في أعمالهم. وهناك من يمحور الحركة ويأخذ الفعل ويسوق النشاط ليدور حول شخصه، يستميت في جذب الناس إليه، ودعوتهم إلى نفسه… إنها “الأنا” التي يوظف أربابها الدين لها، ويستأكلون به في سبيلها، ويتهالكون على الظهور والشهرة، ويتطلَّعون إلى المزيد، حتى ينازعوا أولياء الله مقاماتهم وينافسوا الرموز التي نصبها الله مناراً لعباده وأركاناً في بلاده، ولن يعدموا المسوغات، ولن تخلوا جعبهم من الأعذار والتبريرات.

    قد تكون الأفكار المنحرفة مجرد شطحات زلَّ بها الرجل وعثر، لا تشكِّل مسوغاً ولا تبني حجة لمواجهته، ولا تكشف أو تنذر بخطر كامن يحمله وينطوي عليه، ولكنك ستخرج من هذا التلقي الساذج إذا جمعته بتاريخ وسوابق، وحالة عامة معاشة مشهودة من السلبية المفرطة، التي تحمل رسالة نقض وخطاب إدانة لجهود التصدي للضلالات، تقول إنها فتن علينا تجنبها والإعراض عنها، وأن المدَّعى من النهج الروحاني والسلوك العرفاني “يترفع” عن الخوض في هذه الخلافات، وكأنها شخصية أو دنيوية مرفوضة، لا دينية مطلوبة، تشكل جبهات حق إلهية انبرى لها قمم الهرم العلمي للشيعة، وتصدت له نخب العلم والفضيلة! فلا موقف للرجل ولا رأي، لا على نحو الرد والاحتجاج، ولا على نحو المبادرة وتناول الفكرة بمعزل عن الصراع، بما يحصِّن النشأ ويربيه على الولاء. ولو كانت سلبية قاعدٍ لا يبالي بشيء، منزوٍ في داره لا يعنيه التبليغ، أو معقَّد يائس من التأثير والنتيجة.. لهان الخطب وحمل على محمله. لكنها سلبية داعيةٍ من الطراز الأول، خائض في لجج الساحة وأعماقها، مغامر في صميمها وأرجائها.

    من التشكيك بمصاب الزهراء ومقامات أهل البيت، إلى التصريح بنسبة كل أحاديث الشيعة (بما فيه الكتب الأربعة) إلى اليهودية والمجوسية، إلى مقولة المذهب القرآني التي تقوض الدين من أساسه وتهدمه من أصله، إلى مساواة مذهب أهل البيت بمذهب أبي حنيفة في الحجية ومعذورية العمل، إلى محاربة الشعائر الحسينية والاستخفاف بها، إلى عد التوسل بالأولياء شركاً، واستنكار تشييد العتبات المقدسة، والزعم أن اللعن والبراءة بدعة صفوية مدسوسة في تراثنا وعقائدنا، والطعن بمراجع الدين العظام ورميهم قاطبة بعدم جامعية الشرائط.. هذه كلها ومعها أضعاف مضاعفة من الضلالات التي تعصف بالساحة، لم تشكِّل للرجل منكراً يجب النهي عنه، ولا باباً للمعروف ينبغي الأمر به، ولا خطراً يقتضي المواجهة، لا بالشدة كما فعل بعض العلماء، ولا باللين كما فعل بعض آخر، بل هو يمر عليها مرور اللئام على الفضائل، والكرام على التوافه والفضلات والنوافل، كمن يخوض في ساحة ملتهبة، ويلج ميداناً كله ألغام وانفجارات وقصف جوي ومدفعي ورصاص وقناصة، فيتجاوزه من أوله إلى آخره دون أن تعلق بثوبه دُخنة أو تلطخه سُخمة، ناهيك بأن يصاب أو يجرح ويكْلم، ثم يزعم أنه مثال نهج الحق وكشف الصدق!.. هذا أخطر ما يفعله الرجل ويمارسه.

    لن تسمح الساحة الإيمانية أن يعلو منارها هذه النماذج، رفقاً بأنفسهم، وبالسذج البسطاء الذين يصدقونهم ويتبعونهم، حين يفيقون قريباً من غفوتهم ويستيقظون غداً من نومتهم، فإما أن يكرروا مأساة جماعة من المؤمنين شاء حظهم العاثر وطالعهم التعس أن ينفتحوا على الدين ويتعرفوا على الالتزام من باب الشيرازية وعبرهم، فتناولوا من فاسد طعامهم وآسن شرابهم، فما لبثوا أن انقلبوا علمانيين وارتدوا عن أصل الدين، أقفلت أفهامهم وسكرت أبصارهم من فرط ما رأوا في أجواء هذا التيار من وَهْي وابتذال، وسخف وجهالة وتسفيه للعقول والأفهام، ولا سيما من معمميهم، والقُفة التي يحملها “معاش” على رأسه فعجزت أن تداري مسترسل قُصَّته، ومحاضراته في الجامعات خير مثال… وإما أن يكتب لهم الوعي وتغلبهم البصيرة، فيلعنون شيطاناً غرهم ورسَّخ فيهم الجهل ليخدعهم، سخِّرهم كرة يلعب بها، ودمية من عرائس تتراقص على مسرح مجده، وكيف قدموه على أصالة مبذولة أمامهم ونقاء نشأوا عليه فصرفهم عنه، أغشتهم “جواهر”مزيفة خاوية، وأعماهم ظهور أجوف، وصيت وشهرة لا تُشترى في عالم الحقائق بدانق… إنها ومضة تريد أن تتم الحجة عليهم وتقطع الطريق على أعذارهم من غياب أي صوت منبِّه، وأي مقابل يقطع هذا السيل المسترسل من الإغواء، فليحققوا بأنفسهم وليخلصوا إلى النتائج التي تنتهي إليها أبحاثهم ودراساتهم. ألا هل بلغت، اللهم اشهد.

  • في مثل يوم أمس الرابع من تموز، مات فضل الله، الشخصية الغريبة الغامضة والرمز الملتبَس المريب، ذو الروحية الملوَّثة الموبوءة، بل المسكونة الممسوخة، النرجسي الحالم والأناني المضطرب، المهووس بالمجد واللاهث خلف الشهرة.. ثم المغلوب بالعجز والمحكوم بالإخفاق، ما مكَّن العقَد في روحه وأصَّل الأمراض في نفسه، وحمله على طرق كل باب، والتماس كل وسيلة، وتسوُّل كل مانح واستجداء أي باذل.. كانت قرابته من آل الحكيم (أولاد خالته)، قد أزرت به غيرة وفَرَت كبده حسداً وحسرة، بيت مرجعية ورئاسة، لا دينية روحية فحسب، بل دنيوية أيضاً، فهم زعماء، يفد إليهم أركان الدولة ويقصدهم شيوخ العشائر، بل يتقرب منهم رؤساء الدول وقادة مختلف البلاد. وهو نكرة حقير، تافه ذليل، منزو في السراديب مع رفاق السوء، أو متسكِّع على شاطئ الكوفة يقرأ المجلات المصرية.. حتى غلبته العُقد وتمكَّنت منه وتعمَّقت فيه، فصرعته (وبالمناسبة، هي نفس عقدة مومس الأحساء مع سيد علي وأبناء عمومته في الدمام، وعقدة العسر من سيده الحبتري الذي كان يسخِّره مطية لشهرته وسلَّماً لنجوميته، وعقْدة آخرين من صعاليك الحركة الإسلامية سأتعرض لبنيتهم السايكولوجية لاحقاً إن شاء الله).

    هكذا أشعلت المنافسة نفسه وأوغر الحرص صدره وألهبت الكراهية جوانحه، وهيأته مرتعاً خصباً للشيطان، وملعباً رحباً لجنوده، وميداناً فسيحاً لأعوانه، يصولون ويجولون، يغزلون وينسجون، يقطعون ويخيطون، حتى صنعوا الشخصية التي يريدون والمثال الذي يرغبون! ولا سيما أن بواعث الحسد وأجواء المنافسة تلك قد حاصرته أينما توجَّه، وتلقته حيثما انصرف.. كان يرى السيد الصدر يأخذ طريقه، أو قل تأخذه الأقدار في طريق المجد والشهرة، وتتقدم به على الرغم من حداثة سنه وصغر عمره، والرجل ما يزال قابعاً في حضيضه، رهين نطاقات ضيقة وآفاق محدودة محصورة. لم يكن حزب الدعوة يجاري طموحه ولا يبلغ ما يشبع غروره، واتضح أن التعويل عليه استثمار بعيد المدى وطويل الأمد، وهو في عجلة من أمره، تحدوه خفَّة وتستنهضه سرعة، مندفع لا يطيق التريُّث، ومتهالك لا يتحمل التؤدة، لذا ترك الحوزة سريعاً وعاد إلى بلاده، جوهرة الشرق الأوسط في ذلك الحين، ومنطلق المشروع الغربي، ورأس الجسر الذي سينقل إلى العالم العربي التعس المغلوب كل ما في ذلك العالم من إلحاد ولا دينية، وانحطاط وتسيُّب وإباحية، بغطاء التطور والمدنية، والعصرنة والحرية، والحداثة والتعددية… عرض فضل الله نفسه كخيار يحقق أهدافهم، واقترح أن يكون رجلهم الذي يؤمن مصالحهم، وأخذ في الانفتاح بكل اندفاع، وراح في تسويق نفسه ببذل ما يريدون، وتقديم التنازلات بكرم وجود، ومنح ”الخصومات” بلا حدود، وتوفير العروض بلا شروط ولا قيود…

    من هنا وقع الخيار وتحققت الموافقة عليه، ودخل الرجل في “المنظومة” والتحق بالمحفل… ولكن هذا لم يكن ـ وحده ـ السر في شدَّة العناية التي تلقاها وحجم الدعم الذي حظي به فضل الله، ولا الوجه في سرعة صعود سهمه، والعجلة في تكريسه وتألق نجمه.. بل كان لظهور الخمينية، وتأجج الظاهرة الثورية، وتصدُّر الحركة الشيعية المشهد وتقدمها في الساحة الإسلامية، بل العالمية، دوره الذي أذكى حرص القوم على صنع بديل واتخاذ عميل، وزرع عامل الاضطراب وغرس عنصر القلق الذي سيمزق تلك الجبهة، حين يخلق في الطائفة مذهباً جديداً ويطرح بدعة محدثة، على غرار الخطة المرسومة والحركة المخابراتية التي أخرجت البهائية، ولكن بأداء يتلافى أخطاءها ويستدرك أسباب فشلها، وبفكر يعاكس أُطروحتها، من الإغراق في الروحانية الغيبية إلى المبالغة في المادية الحسية… ما يقطع الطريق على أي تكرار للمشهد الحاضر من العصيان الشيعي والتمرُّد الثوري، بعد أن تتكفَّل الحرب الصدامية بإنهاء الظاهرة وإسقاط الفكرة آنياً.

    هكذا بدأ نجم فضل الله بالصعود!… من نشاط خيري إنساني، إلى اجتماعي سياسي، إلى ديني عقائدي، فمرجعي قيادي.

    وكان لا بد له من الهدم قبل البناء، بل كان يكفيه الهدم.. ومعه بدأ دوره الفتنوي وأداؤه التأزيمي الذي ما زال محور الصراع في البيت الشيعي منذ ربع قرن ونيف، تمكن خلالها من تصدُّر المشهد في افتعال الجبهات واختراع الخلافات، وقيادة الساحة إلى اصطفافات أورثت الشقاق والنزاع، بلغت في بعض الحالات الخوض في الدماء، وانتهت في كثير من مواقعها مصداقاً لـ: “فتفشلوا وتذهب ريحكم”… هذه باختصار شديد سيرة الرجل وترجمة “العلَّة” في الكارثة التي ألمت بالمذهب والبلاء الذي حلَّ به، وما زال يعصف بالساحة منذ كان يطلق عليه “محمد حسين تفاحة”.

    بالأمس هلك رأس الفتنة، وقُبِر السبب في سلسلة مصائب حلَّت بساحة علماء الدين والحوزات العلمية ورجالات الطائفة.. وإن عمَّت بموته المؤمنين الفرحة، وغمر الموالين السرور، وتباشروا بخلاص الطائفة من أحد أئمة الضلال وأركان الغواية، الذي عاث في المذهب ما شاء له الشيطان فساداً، وأسس للزيغ واللبس منهاجاً، وحقَّق للشك والجهل فتحاً، صار يعود عليه توسعاً وخراجاً.. إلا أن ذلك لم ينه فصول قضية كبيرة تقف خلفها الماسونية، ولا يمكن أن تطوي صفحة نشرها الشيطان وأسس لها وراهن عليها بخبرة وحرفية.

    وهنا حق أن نقف وقفة، ونحن نشهد استمرار ذلك النهج عبر خطوات مدروسة وأدوات منتخبة ووسائل مختارة، وأساليب غاية في التعقيد، تنم عن كيد ودعم شيطاني غير محدود، وسعي وإصرار ماسوني غريب مريب، أبرزها، أو محاورها: تمييع مفهوم التقليد، ونقله من جواز البقاء على الميت إلى الابتداء به، ما يعالج إشكالية في العمل وأساساً في البناء، ثم إطلاق الفروع لذلك الأصل الفاسد والتشعُّبات والارتدادات لذلك الانفجار الجرثومي الخبيث، عبر قناة فضائية، ونماذج من أضراب الحبتري وخاسر عورة ومومس الأحساء وعسر الميثاق وغيرهم، ما عمَّم الغطاء ووسَّع النطاق، بما تجاوز حاجز الحيطة والحذر، وأزال قبح الباطل وغيّب استهجان المنكر، فصار القوم يجاهرون بضلالاتهم ويفاخرون بانحرافاتهم ويزهون باصطفافاتهم، وقد كانوا حتى الأمس القريب يمضون أذلة خاسئين، أو ثعالب مخادعين وضباعاً مراوغين!

    وبعد، فإن من أخطر محاور الكيد والخداع وأكثرها خبثاً وشيطنة، إقحام الشيرازية في المعركة وإدخالهم ورقة مبتذلة في الصراع… والشيرازية في الحقيقة مدرسة التقاطية موازية لتيار الحداثة وتكاد تكون صورة مكررة أو نسخة عن أي نموذج فيه، تلتقي معه في الكُنه والجوهر وتوافقه في أصوله وأسسه، ولا سيما في أصلَيْ: مصادرة المرجعية وتزييفها وتشويهها، ثم العمل بالنهج السياسي، و”البراغماتية” التي لا تتقيد بشريعة ولا تُبقي على قيمة. ولا تختلف معه إلا في التكتيكات وأدوات الحركة ووسائلها، وهي من المتغيرات لا الثوابت عند الجماعتين، بل كل الجماعات الالتقاطية المنحرفة، فلا فقه لازم ولا مبدأ ملزِم. فما يظهر من نهج وحدوي إسلامي عام هنا، قد ينقلب إلى ولائي مذهبي إذا اقتضى الظرف وتطلَّبت المعركة. وفي المقابل لا تستبعد أن ترى النهج الولائي الطائفي هناك، ينسلخ عن سمته ويتخلى عن تكتيكه الشعائري الحسيني، وينهض بحملة للتبرع بالدم في ذكرى سيد الشهداء، وقد بدأ بميلاده تمهيداً لعاشوراء استشهاده، كما يتخلى في سبيل مقولة الحب والحياة والسلم والوئام واللاعنف في الإسلام عن حقيقة البراءة ونطاقها العملي، ويتنكر لما ينتظر أعداء الله من تنكيل وانتقام، في رجعة المهدي وقيامه عليه السلام. بل قد يفرز التيار الشيرازي ويفصل جناحاً كاملاً (المدرسي)، يخصصه للمجاهرة بالمقولات الانحرافية الانحلالية، والمناداة بنفس الآراء التي يقدمونها ذرائع للطعن في جبهات أخرى! وليس من صدفة أو فراغ أن لا تجد في التيار الشيرازي (قاعدة وقيادات) ولا تسمع منه كلمة طعن واحدة في فضل الله، ولا في ضال مضل آخر، حتى الفراخ التي فقست عن بيوض الضلال، وترعرعت في عشه كالعورة والحبتري والكاتب، تراهم يتعايشون معهم في وئام، وفي أحسن الأحوال يقفون على الحياد، وكأن جرائم هؤلاء لم تمس مقدسات الشيعة، ولا تعرضت شيطنتهم لحرمات المذهب، ما داموا لم يقربوا من آل الشيرازي الكرام، فتكون الطامة وتقوم القيامة ويشتعل الفتيل الذي يحرق كل قيمة وحكم شرعي وخلُق!

    في ذكرى انثلام وعاء الضلال وإهراق مائه وذهاب مادته، وهلاك رأس الفتنة ومنبت قرن الشيطان، نعيش حالات ونشهد صوراً تبدو في غاية الشذوذ والجنوح، يظهر فسادها وبطلانها بجلاء ووضوح، ما يورث بعض النفوس الدهشة ويبعث فيها الاستغراب والحيرة… فالقوم ما انفكوا يطفرون حول قبره ويطوفون بحفرته، يعظِّمون جيفة منتنة، ويوقِّرون رمَّة بالية، وما زالوا يتشدقون بترهات بان سخفها وانكشف عقمها، وسجَّل القاصي والداني وَهْي أدلتها وتداعي حججها، وقد تجاوزها زمن الحداثيين أنفسهم، وتخطتها مرحلتهم، وغدوا بحاجة إلى رمز جديد يعظِّمونه، ونصب آخر يلوذون به ويعبدونه!

    لقد تمت الحجة وأقيمت البينة، التي قد يقال إنها كانت غائبة أو لم تكن بهذا الجلاء والوضوح في بداية الفتنة، وأُشبعت شبهات الرجل بحثاً، وقُتلت نقضاً ودحضاً، ما أجهز عليها وأنهى كل بريق زائف يتراءى فيها، وما عاد الظماء يلاحقون سرابها، وقد كدرت وزال كلُّ زلال موهوم فيها، استخف العطاشى يوماً، وفرغت فانكشف خواؤها، فنبذها جياع كانوا يؤمونها طوراً ويقتاتون من طعامها حيناً… فكيف يعود أربابها لتكرارها ثانية ويعيدون تسويقها ثالثة؟ كأبقار تجتر، أو أباعر تعيد ما أودعت أجوافها، فلم تهضمه أو تتقبله وتمتصُّه حتى أمعاؤها، ها هي تعيده إلى أفواهها لتمضغه ثانية وتلوكه ثالثة، أو لتستفرغه قيئاً تتقزز منه وتعف عنه حتى الحيوانات الضارية والسباع المتوحشة، فيتناوله حداثيٌّ إباحي متهتك، يدعي التعقُّل ويتأنَّق بالتمدن؟! ولو سئل عاقل عن عجائب الزمان وغرائب سلوك الإنسان، لما تعدى ظاهرة تمجيد هذا التافه، وبقاء الالتفاف حول راية الضلال هذه، واستمرار القوم في كيل آيات التعظيم والتفخيم، ومزاعم القداسة والطوباوية التي يُرفع إليها، فيجهدون أن تلصق بعضها ويلحقه جزء منها، بلا جدوى!

    لكنّ المراقب الضليع والخبير الحصيف لو تدبر في هذه المشاهد ودرس الحالة، فأعادها إلى سياقها التاريخي، وقرأها امتداداً لحركة عبادة الشيطان وتكريس الإضلال والإغواء، لوجدها سنة تاريخية وسيرة طبيعية في حركة المجتمعات البشرية، وجولات الفكر الإنساني في أطوار التخلُّف ومراحل الانحطاط…

    ويمكن تقسيم أتباع الهالك وتصنيفهم في ثلاث جماعات وتوزيعهم على ثلاث فئات:

    هناك عابثون خليعون، وماجنون متهتكون، يتخذون الدين لعباً والالتزام لهواً، يبحثون عن الرُخَص، ويلاحقون المعاذير والفرَص، يضطرهم المجتمع ويقهرهم المحيط وتحرجهم البيئة، أو يضغط عليهم الضمير والنفس اللوامة، فيأتون إلى رحاب الدين كرهاً ويدخلون عالم الالتزام رغماً.. هؤلاء يحتالون على كل حجة، ويقلبون كل دليل وبيِّنة، ويلوون عنق الحقيقة، ويلتفُّون على الواقع، حتى تنسجم أحكام الدين مع أهوائهم وتوافق رغباتهم، ولا تتعارض الشريعة مع شيء من ملذاتهم، أو تحد من شهواتهم، ويغدو الدين عندهم صورة وشكلاً، وأمراً عابراً، يقبع بعيداً، في هامش الحياة، فإذا ألح بحضوره وغلب بفرض نفسه، وجدوا في فقه فضلة الشيطان وعقائده ما يسلك بهم كل دروب الدنيا، ويأخذهم إلى أقصى ما يرجو أحدهم ويتمنى، بلا كلفة ولا مؤونة، ولا عناء أو مشقة، ممهوراً بمهر: “الإسلام دين يسر”!

    وبعد، فإنك تجد في أتباع هذا التيار حمقى وأغبياء، استغفلتهم العناوين البراقة للحداثة والعصرنة، وأغرتهم دعاوى الإسلام الحركي، ومقولات المرونة والتطور.. وما إلى ذلك من عبارات رنانة تورث أحدهم الحيرة، فيحسبها من العمق وبُعد الغور، ما يقصر فهمه عن بلوغه، ومستواه العلمي والثقافي عن إدراكه!

    ولكن الغالبية العظمى التي تتجاوز 95% من عابدي الوثن ومعظِّمي هذا الصنم، هم من المتكسِّبين المتجرين… إنهم في الحقيقة يعظمون أنفسهم، ويهتفون بأشخاصهم، فالعائد من كلِّ تبجيل لذلك الهالك يصبُّ في جيوبهم، وريع كلِّ تفخيم وتعظيم يضخم أرصدتهم، فالمجرم المقبور في سقر، رهين سموم وحميم، وظل من يحموم، لا بارد ولا معين… والقوم هنا يتنعمون بأموال احتطبها، صارت وقوداً لحفرة النيران التي يتقلب فيها الآن، وأجذالاً تذكيها وتسعرها، وحصباً يأججها كلما خبت وهمدت.

    إنها رسالة “أصنام التمر” التي يعمد إلى صنعها أقوام، لا إيماناً بها ولا حباً فيها أو تعظيماً لها، بقدر ما هي رافد يمدهم بالمال، وطريق يأخذهم إلى الجاه والسلطة، وباب يحقق لهم الصيت والشهرة… المفارقة أن عبادة الصنم وتعظيم الوثن والطواف حول الأموات، وأخذ الأحكام والأفكار والمواقف الشرعية من الرفاة، صار منهج الحداثيين العصريين، المنادين بنبذ الماضي ومواكبة الزمان! وكذا التعصب والغلو في الأشخاص ورفعهم إلى القداسة والخلود الدنيوي صار عنوان تيار حطم ما استطاع من الدين بحجة التحرر من تراث الأموات.. وعاشت رجعية التقدميين!

  • “خط الإمام” … مصطلح شاع في الثمانينات في خضم صراع الثورة مع الأحزاب السياسية والمدارس الفكرية الحاضرة في الساحة آنذاك، يشير إلى الخصائص والمميزات التي تحملها الخمينية كفكر ومدرسة، والمعالم التي تميزها عن تلك الحركات والتيارات. ويمكن تلخيص الفروق والخصائص في محاور ثلاثة كان نهج الخميني يرتكز عليها وينفرد بها:

    1/ الجمع بين الفقاهة والعرفان. فهو يتبع المدرسة والحوزة التقليدية، وما يعبر عنه بـ ”فقه الجواهري”، سواء في طريقة البحث وآلية الاستدلال واستنباط الأحكام، أو في الخلوص إلى النتائج وتبني المعارف الدينية. ومع أُنسه وميله الواضح إلى المشرب العرفاني، إلا أن ذلك لم يشطح به إلى “طريقة” دون “شريعة”، فهو فقيه إمامي إثني عشري ينزل على مسلّمات الطائفة ويقول بعقائدها دون زيادة أو نقيصة، ما تحكيه وتلخصه رسالة عملية تمثل مرجعية تقليد تفتي بجميع أحكام الشريعة من الطهارة إلى الديات، ترجعها إلى أدلة مستقاة من الكتاب والسنة، وفقاً للأصول والقواعد السائدة، دون إعمال للذوق وإقحام للفلسفة أو القراءات الصوفية والتأويلية الشاذة للدين، لا لآراء ابن عربي موقع في الفقه والعقيدة، ولا لأشعار المولوي دور في بنائها.

    2/ الثورة والجهاد. من أهم معالم “خط الإمام” أنه ثائر مجاهد قائم، يتبنى طريق الرفض العمَلي وممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بجميع درجاته ومراتبه، ينادي بالثورة على حكام الجور، ويطالب بإسقاط الأنظمة المستبدة والحكومات الظالمة.

    3/ التصدي للضلالات العقائدية، والنهضة والقيام بوجه المضلين، ومواجهة دعوات المبتدعين.

    ولعل المعلمَيْن الثاني والثالث ينبعان من نفس العين: الغيرة والحمية والنفس الأبية. فهي متى ما حضرت في امرء لنازعٍ ديني، ونمت حتى ملكت روح مؤمن من منطلق إلهي، غلبه إباء الضيم وصبغته الغيرة والغضبة لأحكام الله وحدوده، وذروتها العقيدة ومقدسات الدين والمذهب. تدفع هناك لرفض الظلم وطلب العدالة، وجهاد الاستكبار ومقاومة الاستعمار.. وتأخذ هنا للقيام في وجه أصحاب البدع ومستعملي الرأي المخترع، والتصدي لانحرافاتهم وضلالاتهم.

    أصل تراه يطبع سيرة الرجل ويصاحبه حياته كلها، ظهر في كتاب “كشف الأسرار” الذي ألفه وهو في بداية العقد الرابع من عمره، حين عطَّل درسه وأوقف بحثه وجمد نشاطه، وتفرغ للرد على ما جاء في كتاب “أسرار هزار ساله” لحكمي زاده، عمد فيه إلى نقض وردِّ شبهات الفكر الوهابي الناهض حينها في إيران بقيادة رواد الإصلاح الديني وعلى رأسهم أحمد كسروي (وهي بالمناسبة نفس شبهات وأفكار الحداثيين اليوم: تحفُّظ على تعظيم النبي وآله، في أشخاصهم وآثارهم، تهمة القبورية والهدر والإسراف في تبجيل العتبات المقدسة، والشرك في زيارة الأولياء والغلو في التوسل بهم، ورفض الشعائر الحسينية وتسفيه الناهضين بها، ومهاجمة الحوزة وعلماء الدين، ولا سيما المراجع العظام). ويتجلى في أواخر حياته بحُكمه الصاعق الذي أصدره وهو في العقد الثامن من عمره على امرأة كانت الإذاعة الإيرانية تجري لقاءً معها بمناسبة ميلاد الزهراء، قالت إن الزهراء عليها السلام غدت تاريخاً ماضياً، ولم تعد تصلح قدوة لنساء زماننا، وأنهن بحاجة لشخصية معاصرة، حاضرة بينهن، يلمسن عطاءها ويعشن قيم المثال ومعاني القدوة فيها، وأتت على ذكر ممثلة يابانية تلعب دور امرأة مكافحة في مسلل يحكي قصة اجتماعية إنسانية، تدعى “أوشين”، كان التلفزيون يبثه آنذاك.. حكم الخميني بإعدامها إذا ثبت قصد الإهانة منها، وكذا حكم على مذيع اللقاء ومخرج البرنامج!.. مروراً بفتواه التاريخية على سلمان رشدي لجسارته على رسول الله ونيله من مقامه الأسمى في كتابه الشهير “آيات شيطانية”.

    مواقف شديدة وردود أفعال حادة وقاسية، تهمل المشروع السياسي وكأنها تزري به وتستخف بقيمته، وتقفز على الطور والمرحلة التي تعيشها الثورة والجمهورية الإسلامية وكأن لا خطب لها ولا خطر، حرباً كانت ينبغي التفرغ لها وعدم التشويش على أهدافها واستراتيجيتها، وتجنُّب كل ما يشغل ويصرف عنها، أم مرحلة إعادة إعمار، وعودة لبناء جسور الدولة مع العالم، والوقوع في ما يشكِّل خرقاً للدبلوماسية وهتكاً للسمعة وإفساحاً للدعاية المعادية للطعن في الإسلام وتصويره دموياً عنيفاً.

    ولست أدري ماذا كان أنصار إيران اليوم سيقولون، وماذا سيفعل “الثوريون” الجدد وأين يقفون، لو عاشوا تلك الحقبة وواكبوا تلك الأحداث؟ الوادعون الفاكهون المنعمون المترفون، الملتحقون بها بعد الفتح، المتشدقون بها في عهد العطايا والهبات، وزمن إغداق الأموال وتلميع النجوم وخلق الرموز، الذين يرقصون على جراح الدين في مواقع التواصل الاجتماعي، ويقبعون وراء المكاتب وخلف لوحات الحواسيب، ينقرون المفاتيح بأحرف تفتح لهم أبواب السعير، ويلهون بالهواتف الذكية في لعبة ستوردهم حفر النيران وقعر جهنم، أو ينتصبون أوثاناً خلف المنصات، ويغتصبون منابر الجمعة، ومجالس سيد الشهداء… لو قرأ هؤلاء هذه الأحداث ـ كتاريخ ـ ووقفوا عليها وفقاً لمعاييرهم المخنثة الخانعة، ومنطلقاتهم المتهتكة المتميعة، وعقولهم المؤنثة الذليلة، لصنفوا هذه المواقف مؤامرة رجعية تريد صرف المجاهدين عن الجبهة الحقيقية، وانشغالاً بقضايا هامشية أو جزئية يريدنا الاستكبار العالمي ويدفعنا لنلتهي بها عن العظيمة الخطيرة! ولذهب بعضهم في النكير إلى وصف الخميني بالمدافع عن الخرافات والمستغرق في الأساطير، فإذا تأدَّب واحتشم، نعتها بأكاذيب تاريخية وتلفيقات صفَوِية وطقوس مبتدعة تريد الوقيعة بين السنة والشيعة، وأن السفير البريطاني صرف عليها كما يصرف على إقامة عزاء الزهراء، ويبذل لشراء أكفان المطبرين يوم عاشوراء! وكنت ستجد بعض السذج أو أدعياء الاحتياط والورع اعتبروها فتناً تشق الساحة وتفرق الأمة، فوقفوا على التل، متمثلين: لا ضرعاً فيحلب ولا ظهراً فيركب… ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين.

    رحل الخميني إلى ربه، ومات نهجه واندثر خطُّه، واضمحلت أفكاره وطويت صفحته، غاب هذا الفكر وتلاشى لصالح الحداثة والنزعة الحزبية والأداء السياسي، الذي أصبح حاكماً على كل شيء، فظهر ضربٌ من المتزعمين ونمط من القياديين، لا تجد فيهم شمة من عزة أو غيرة أو حمية، ولا حظ لهم في شهامة وإباء ضيم وأنفة، تولَّوا الإعلام وتصدَّوا لقيادة الحركة الثقافية، ورفدها بالمادة العلمية ورسم وجهتها العمَلية، ما أخذ الساحة إلى سلبية قاتلة تجاه الضلال والمضلين، بل احتضان لهم ودفاع عنهم، في سقوط وانحدار يندى له الجبين، وينزل العار الذي عجزت قوى الشرق والغرب أن تلحقه بالثورة، جاء المتشدقون بها والمنتسبون إليها والمتوغلون فيها، ليعظِّموا الضلال ويوفروا الغطاء لمن يهتك العقيدة ويستبيح المذهب، يهزأ ويسخر، يستخف ويتهكَّم، وقد اتخذ العقائد الشيعية مادة لتهريجه وسفاهته، وراح يدوس تراثنا وقيمنا، ويطأ أدعيتنا وزياراتنا، ويسخر من شعائرنا، ويعبث بمقدساتنا، ويتطاول على كل ذلك ببذاءة وسوقية، ولا من راد أو مستنكر، ناهيك بمانع قاهر أو رادع زاجر.

    لو كان الخميني حياً، لما دنا فضل الله من حمى الزهراء ولا تجرأ أن يقرب من حياضها ويمسَّ قدسها، ناهيك بأن يجحد مقامها ويشكك في مصابها، إن الخميني الذي يقول عن الزهراء بأنها “قادمة من مرتبة الغيب الأحدية.. ويخطئ من يدَّعي معرفة مقامها المقدس من العرفاء أو الفلاسفة أو العلماء.. وكيف يمكن إماطة اللثام عن منزلتها الرفيعة… وكيف لي ولقلمي ولغة البشر أن تتحدث عن سيدة كانت تستنزل جبرائيل من غيب عالم الملكوت إلى عالم الملك وتجعل ما في الغيب ظاهراً في الشهود؟ إن فاطمة عليها السلام قد ظهرت في عالم الشهادة وتجسدت كأبيها وبعلها في صورة بشر ظاهر لتنهض بدورها ورسالتها في عالم الملك..”، لو سمع ـ قُدس سره ـ فضلة الشيطان يقول بأنها امرأة عادية، وأن عدم رؤيتها الحيض هو حالة مرضية أو ضرب من النقص في أنوثتها، وكذا لو سمعه يقول بأنه لا يتفاعل مع الروايات التي تنقل هجوم القوم على دارها وكسر ضلعها… لجاءته صفعة حيدرية تثرم أسنانه وتقطع لسانه، وتورثه البكَم والعيَّ باقي أيامه، فيخرس حتى يهلك ويموت. والخبيث كان يعرف هذا ويدركه، لذا صمت وأخفى، ودارى ووارى، حتى مضى الخميني وانتهى عهده، فأخرج الضال المضل رأسه من مغرس العهر والخنا، وظهر قرن الشيطان من تحت عمامة هي في الحقيقة قلنسوة يهودية أو قبعة غربية، أو كوفية (شماغ) حمراء مرقطة!

    لو كان الخميني الذي يقول: “لو لا الفقهاء لما عُلم أي العلوم كانوا سيحمِّلونها الناس اليوم باسم علوم القرآن والإسلام وأهل البيت عليهم السلام.. إن جمع وحفظ علوم القرآن وآثار وأحاديث النبي الأعظم وسنة وسيرة المعصومين عليهم السلام وتدوينها وتصنيفها وتنقيحها في ظروف شحَّة الإمكانيات وسلاطين الجور والظلَمة وما يبذلون من طاقات في سبيل محو آثار الرسالة لم يكن بالعمل الهيِّن، ونحن اليوم نرى نتيجة تلك الجهود في الآثار والكتب المباركة مثل «الكتب الأربعة».. إذا لم نطلق على هذه الجهود والمعاناة جهاد في سبيل الله، فماذا عسانا أن نسميها؟”… لو كان حياً، لما كان لقصير أن يتحدى مشاعر مئات ملايين الشيعة في العالم في عقائدهم ومقدساتهم، ويأتي بالحيدري يهرف بترهاته، ويفجر بجهالاته، وما كانت قناة الكوثر التي تصرف من بيت مال المسلمين تسوِّق لحبتري يزعم أن علوم الحوزة لا قيمة لها، وأن شرائط التقليد غير متوفرة في أحد من مراجعنا، وأنهم لا يشكلون حجة في التقليد، لأنهم لم يأخذوا بالفلسفة! وأن كلَّ أو أغلب تراثنا وأحاديثنا إسرائيليات، ومن دس النصارى والمجوس! ترى ماذا كان ذلك العالم الرباني الذي ختم حياته بوصية سطر في ديباجتها: “إننا نفخر بأننا أتباع مذهب أسسه رسول الله وأميرالمؤمنين، بأمر من الله.. ونفخر أن الأئمة المعصومين عليهم آلاف التحية والسلام، بدءاً بعلي وانتهاءً بمنقذ البشرية الإمام المهدي صاحب الزمان، الحي الناظر بقدرة القادر، هم أئمتنا”… ماذا كان سيفعل وهو يشهد الحبتري يتبنى وينادي بإن المذاهب كلها سواء، ويمكن للمؤمن أن يتعبد بأيها شاء، فلا فرق بين مذهب أبي حنيفة ومذهب جعفر بن محمد؟!

    لو كان الخميني حياً… لما تسلَّط بن جدو على ملايين بيت المال ليعبث في “الميادين” كما يهوى ويشاء، ويجعلها ساحة للمرتزق أبي زكريا وجوقة المظلين التي يستضيف، من كل متردية ونطيحة وما أكل السبع فلفظه من مرارته أو فساده وزنخه، ليروِّج للباطل وينال من الأصالة ويطعن في الحوزة العلمية والمرجعية الشيعية ما استطاع.

    وبعد، لو كان الخميني حياً… لما كان للكيان الماسوني المندس في الوسط الشيعي أن يظهر على الساحة بهذا الشكل، ويفعِّل أدواته على هذا النطاق وبهذا الحجم، ولا كانت الوهابية المبطنة لترسل ذئابها تنهش في معالم الدين، وكلابها تنبح على المؤمنين العاملين، وما كنت ترى ياسر عورة يحمل دِرَّة جده ومعول خدينه وقرينه، يهوي به على عقائدنا ويثلم في حدودنا وثغورنا، يرمى الجامعة الكبيرة بالشرك والغلو، (وهي التي كان الخميني يزور بها جده أميرالمؤمنين ويتلوها كل يوم في حرمه)، ويزعم أن اللعن في زيارة عاشوراء دسٌّ، ويجحد دعاء التوسل وينسبه إلى الاختلاق والوضع، ويهتك قدس حبيب الله، ويتطاول على حضرة ما بعد سدرة المنتهى، وقاب قوسين أو أدنى، فيرميه بالجهل بمصيره!

    وإن شك أحد في تقدير موقف الخميني وردة فعله على كل ما مضى، فلا أظنه يشك بأنه لو سمع ياسر عورة يهزأ بالرواية التي تتحدث عن دخول الزهراء إلى المحشر وحضورها في عرصات القيامة، وكيف تناول خطاب العرش: “غضوا أبصاركم”، والسوقية التي غمز بها إلى حال ثياب الزهراء ومنظرها! لما تردد بأن الخميني رحمه الله كان سيلاقيه بغير ما لاقى حكمي زاده وأحمد كسروي وغيرهما!.. وها هو القلم يغلبني والتعبير يسبقني لأرمي الخبيث في أصله وأنال من منبته، إذ لا يمكن لنجيب طيب المولد أن يبلغ به الانحطاط وتصل الرذالة إلى هذه الحدود، فإن فعلت، فأنا أريد نسبه المعنوي وانتسابه الفكري العقدي، لا الظاهري الشرعي الذي لا سبيل للطعن فيه إلا ببينة وحجة شرعية.

    إنني أتمثل المشهد في إيران تلك الأيام وأقرأه ببصيرة لا تنال منها غشاوة الأوهام، وأرى البغل معلقاً من إحدى رجليه، بذراع رافعة كبيرة، يتدلى منكوساً، فإذا استوفى الحضور تكبيراتهم، أُرخي الحبل وحُلَّت عقدته، فيسقط على أم رأسه من شاهق… وفي طبيعة العقوبة سرُّ يعرفه من يعرف سرَّ طرده من حوزة بيروتية، آخر ما تعنى به الأخلاق والعفة، ومع ذلك فهي لم تطق عهره… فويل لمن كفَّره نمرود!

  • أموات غير أحياء، حتى يبعثون، وقلوب منكرة وهم مستكبرون… الضال المضل محمد حسين فضل الله، انتصب حياته كلها وثناً يُعبد، وعلا في السفهاء هبلاً يُمجَّد، وسخَّر الحمقى والمغفلين مطايا تُركب، وتقدَّم المتهتكين الخليعين إماماً يُحتذى وكعبة تُقصد، كانوا يجدون في نهجه السلوة والعزاء عن حرج الإلتزام، والمخرج من مشقة التعبُّد والعمل بالأحكام، زيَّن لهم الانحلال ديناً، ولبَّس عليهم الحسيَّـة مذهباً، وزخرف لهم الإباحية شريعة ومنهجاً. وما زال في ظلماته ليس بخارج منها، حتى تقحَّم وتمادى ليجحد مصاب سيدة النساء وينال من قدس الأقداس، أغار ليطمس ناموس الله إرضاءً للأبالسة والأرجاس، غلبه الجهل وركبه “أبومرَّة” ووقبه، وفعل فعلته فيه، سوَّل له ووسوَس، فاستحوذ عليه وأنساه حجمه، اغتر بسطوته وانتعش بقدرته، فاستخف واستهان بجذوة النور التي أُودعت قرط العرش فشعَّ الوجود بالسنا وجلل الكون الضياء، وتغطرس وتبختر فرام كسر أيقونة الملائكة التي تتبرك بها في السماء… فلما بلغ الحِمى ودنا من الحياض، حلَّ به غضب الله، فابتدر تعالى جنوده، ليحتوشوه فيُرْدُوه ويصرعوه، وجَّه إليه العزيز القهار أولياءه، وسدد وأرسل سهامه، فنهض حماة دينه وفرسان شريعته ومعاقل غيرته، راغ عليه الميرزا التبريزي والوحيد الخراساني ضرباً بيمين إبراهيمية حطّمته، كشفت للمغترِّين به وبيَّنت أن الآفلين لا يُعبدون، والصغار في ميزان الحق وعالم الحقائق، مهما زيّف الإعلام وأغوى، وأضل المال وأغرى، لا يكبرون، “وكذلك جعلنا في كل قرية أكبر مجرميها ليكفروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون”، كما أخبرت وعرَّفت قوى الشر التي تقف خلفه، من ماسونية ودول وحكومات ودوائر مخابرات، وأفهمتهم بأن هناك خطوطاً حمراء تسقط معها التقية التي تكف أيدينا وتمسك غضبنا، وأنَّ دون المقدسات أنفس تزهق وأرواح تفدى، وأنَّ في رجال الشيعة غيارى فدائيين، بصراء واعين، لن تنطلي عليهم المكائد الشيطانية ولن تخدعهم التلبيسات الماسونية.

    من هنا، بعد أن خرجوا أو أُخرجوا من الباب، عادوا متسورين الجدار، متوغلين من النافذة، عبر جنازة رعتها الماسونية العالمية، فحشدت لها ما استطاعت، وقد استزل الشيطان بعض المؤمنين الأخيار، فحسبوا أنهم سيركبون الدابة ويقودونها إلى أهدافهم، ويسوقون البهيمة ليحتلبوها في مرابضهم وحظائرهم، وهنا ضرع يدرُّ ثروات، شركات وعقارات وأسهم ومؤسسات وجمعيات وأموال منقولة وغير منقولة تناهز المليارات! ولكن خاب ظنهم، فقد أحكم الهالك وصيته، وضبط الشيطان وديعته! فهو في الحقيقة لم يمت، ما زال يُقلَّد، وما برح يقود ويسوق، وما فتئ يضلُّ ويغوي! هكذا كان الفتى العابث الماجن، ثم الشيخ الضليل الفاجر في حياته ميت الأحياء، مثله في الظلمات ليس بخارج منها، ثم صار في موته حياً، فهو من المنظَرين إلى يوم الوقت المعلوم… لم يمت فضل الله، كما لم يعش لحظة عيشة الأخيار الشرفاء، كان وهو يصلي، يركع لشهواته ويسجد لأهوائه، وكان حين يبكي في دعاء كميل يتحسَّر ويتقطَّع من حسده العلماء ومنافسته الزعماء…

    من هذه السَّبَخة الموات، واليبَس الكنود، ومن هذا القعر الآسن الموبوء، والبئر النزَح القُطوع، يخرج ياسر عودي بين الفينة والفينة ليجتر ما أُلقم من نجْو التهجين وسلح الالتقاط… يهرِّج ويسخر، يتهكَّم ويهزأ، يكذب ويفتري، يسحق العلم ويدوس الفهم، يطفر كقرد ويتهرب كفأر، يُفرغ سموماً يعجز عن بثها النواصب، يهتك مقدسات الشيعة ويستبيح حرمات المذهب، ويستفز أبناء الطائفة ويهينهم ويحقِّرهم، ثم إذا انتفض الرجال ونهضت الغيرة في أنفس الأبطال، راح يبكي الفتنة ويندب السلم ويستنجد بالفكر!

    بائس بذيء يقتات على نثيله وروْثه، وداعر صفيق يعيش على سُحت يتلقاه من نهب أموال الأيتام ودعم حكومات الظلام، وسافل دنيء لا يعرف حرمة ولا يقف عن حد، جنى على نفسه حين فجر في خلاعته وتمادى في وقاحته فتجرأ على رسول الله صلى الله عليه وآله، ففجَّر غضبة محمدية علوية، نهض بها الغيارى من أبناء جبل عامل، الموئل الذي طالما رفد التشيع، ونهض بأعباء حفظه والدفاع عنه، وهذه نتاجات علمائه وعطاءات أبنائه، ما زالت معتمدة كمتون تدريسية في الحوزات العلمية.. وإذا بتافه حقير يريد أن يزيل هذا المجد، ويلوث هذا الفخر، بأداء سوقي مبتذل، وجرأة ووقاحة لم يبلغها العلمانيون والإلحاديون!

    إذا عنى الأمر شيئاً، فهو يعني أن الصراع بين الحق والباطل حقيقة أبدية أو لا نهائية، منذ أن تشعشع نور الله وظهر، فأمر سبحانه وتعالى كلَّ شيء بالسجود والخضوع له (وذروة “الأشياء” كانت الملائكة)، حباً وكرامة، ونهجاً لسموِّها وسبيلاً لبلوغها كمالها، فأبى إبليس واستكبر، وما زال الأمر يتكرر في كلِّ طور ونشأة، وفي كلِّ عالم تقلَّبت فيه الكائنات، من الأظلة إلى الذرِّ فالدنيا… وحتى يوم الوقت المعلوم، كانت وما زالت الحرب قائمة، والمعارك محتدمة ضارية، تدور رحاها بين الحق الذي يجمع الساجدين الخاضعين، والباطل الذي يضمُّ العصاة المستكبرين. هكذا انقسمت الكائنات وتشعَّبت فئات وجماعات، تتبع كلٌّ منها وتنتهي في سعيها وحراكها إلى جهة وتتموضع في جبهة.. وها هي الجبهات تلتهب والمعارك تحتدم. وبعد هذا، فهو يعني أن الشيطان مُنظَر موعود، لا يستسلم ولا يموت، وأن الضال المضل محمد حسين فضل الله هو أحد أعمدته واسطواناته، وهو ما زال يلهث في مضماره ويعدو في ميدانه ويخدم في بلاطه، حتى وهو رمة بالية تقطعه النيران في قبره، فهذه ألسنة لهيب حفرته تتصاعد في الكويت والخليج لتجتذب فراش النار، وهذا شخصه يمتثل في الضاحية، وصنمه ينتصب في البقاع والجنوب، يسجد له من باع دينه وآخرته بحلق اللحية والاستمناء وأكل ثمار البحر ولعب الورق والإفطار قبل سقوط قرص الشمس والعيد دون رؤية الهلال ومصافحة النساء والارتزاق من بيع الخمور.. والأخطر من هذا وذاك، التفريط بالولاء، وبيع النجابة وطهارة المولد، لمجاراته في إنكار فضائل آل محمد وبخسهم مقاماتهم ومراتبهم التي رتبهم الله فيها، ثم التشكيك في مصائبهم وما جرى عليهم.

    إنها حرب، وهما فئتان لا تلتقيان، وجماعتان لا تتصالحان: يتولى الأولى الإمام من آل محمد، ويقود الثانية الشيطان… ولكل مواقعه وأدواته وأسلحته وجبهاته، إنه صراع المساجد والحسينيات والفضائل والعلم والأخلاق، مع الملاهي والمراقص والرذائل والزيف والمخدرات، وسيبقى إلى أن تقوم الساعة. حتى في القيامة الصغرى (الرجعة)، التي سينتصر فيها الحق ويغلب، ويرث الله الأرض ومن عليها، ويمكَّن المستضعفون ويتولون البلاد والعباد.. لن ينتهي الباطل المهزوم ولن يستسلم، بل سيبقى على مكابرته وعناده، ويتحين الفرصة لاغتيال المولى وتقويض دولة الحق، حتى ينفخ في الصور وتقوم الساعة والقيامة الكبرى.

    ساذج من يحسب أن القضايا العامة والحوادث الواقعة والظواهر التي تحكم حركة الأمم والمجتمعات وتؤثر في مصير البلاد والعباد، هي أمور تلقائية، تظهر عرضاً وتطرأ اعتباطاً، وأنها تتكوَّن بعفوية وتراتبية طبيعية في سياق التفاعل الاجتماعي و”التدافع” والتقاطع الذي يولد الحاجة ويبعث الحركة ويأخذ في اتجاه يفرز هذه القضايا ويشكِّل تلك الأحداث. ومغفَّل من يتعاطى مع التكتلات والتيارات والمنظمات والأحزاب، سياسية كانت أم دينية، التي تنشأ في خضم ذلك التدافع والصراع، من منطلق خطابها وشعاراتها. وغرير من يصدِّق شعارات هذه الأحزاب والجماعات، ويؤمن باللافتات التي تتحرك خلفها، يظن بها خيراً، ويتناغم مع دعواتها والعناوين التي تضعها كمبررات لنشوئها وظهورها، وأهداف ترمي إليها وتتطلَّع لتحقيقها، كالحرية والعدالة والمساواة، وما إلى ذلك من قيم إنسانية تُنهي الفقر والجهل والمرض في المجتمعات، وتأتي بالخير والسعادة والرفاه… إن جلها واجهات لكيانات شيطانية، وأغلبها منظمات وحركات إبليسية.

    إن تيار فضل الله واحد من أخطر ما أسسته الماسونية العالمية، وأخبث ما دعمته حكومات وأنظمة الفساد في العالم، وأبرز ما تكفَّله الشيطان وتعاهده، ووفر له الحماية والرعاية، وكلأه واحتضه، وأتاح له الأدوات وبذل له الإمكانيات ومنحه القدرات التي تمكِّنه من دور وأداءٍ ينذر بهدم الدين ويتيح تقويض المذهب ويتوعَّد بسحق الطائفة ويتهدد بإنهاء وجودها.

    ما دامت قناة “الإيمان” تبث الكفر، بل ما دامت ولما تُغلق وتُحظر، وما دام لقطاء فضل الله يعتمرون العمائم ويجترون قيئه ويفزُّون قيحه ويفصُّون صديده، ويبثون سمومه وينشرون ضلالاته… فلا مناص من الصراع، ولن نخدع بعد اليوم بمقولة: مات الرجل فلماذا المثلة بجثته، وأميرالمؤمنين يوصي: “إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور”؟.. إنهم مدفوعون، قبضوا الأثمان مقدماً، وهم يؤدون ما عليهم تجاه أسيادهم، وما زالوا في هذا، وسيمضون عليه حتى يشكك عوام الشيعة بأوليات دينهم وتتزلزل بديهيات مذهبهم، وينزل بأصل الإمامة ما نزل بعلم المعصوم وعصمته وولايته التكوينية والتشريعية، وما طال مصائبهم وما جرى عليهم من أعدائهم، وهذا ما لن تسمح به حوزاتنا ومرجعياتنا، ومعها جيوش مجيشة من جماهير الإيمان والولاء، يرفعون صرخات الحق والاحتجاج، ويشهرون أقلام المبارزة والكفاح… لقد تركنا لهم دنياهم، وأخلينا بينهم وبين ملكهم وإثرائهم وشهرتهم ورئاساتهم، مقابل أن يتركوا ديننا ويكفوا عنه، فإذا أبوا إلا النيل منه والطعن فيه، سننقل المعركة إلى جبهتهم، وننتقل من الدفاع إلى الهجوم، وسنفضح فساد سياساتهم بعد انحراف عقائدهم، وسيصدر مراجعنا العظام أحكامهم بإبطال أحزابهم ومقاطعة سلطاتهم، ما داموا يسخرونها لمحاربة ديننا.

  • في بداية انتصار الثورة، ومع أول انتخابات رئاسية في إيران الجمهورية الإسلامية، كانت الأنظار تتجه إلى جملة من المرشحين، وكانت الأحزاب والتيارات والقوى السياسية ودوائر المخابرات تعمل على رفع هذا وترجيح كفته، وخفض ذاك وإسقاطه، ومن هؤلاء كان أبوالحسن بني صدر… وكان يُسأل، في ذلك الخضم والأجواء المحتدمة، عن عزمه في ترشيح نفسه؟ فيجيب بأنه لم يقرر شيئاً بعد. وما زال في هذا، حتى زار الإمام الخميني (وكان حينها في مرحلة العزم على ترك الحكم، وإسناده لعدول المؤمنين، ولا سيما من التكنوقراط غير الحوزويين من أمثال مهدي بازركان)، وقد أعاد الصحفيون عليه السؤال وهو في غرفة الانتظار، فكرر جوابه: لم أقرر بعد. ثم عندما فرغ من لقائه بالخميني، وسئل من جديد وهو في طريق خروجه من البيت، أجاب باسماً: نعم قررت أن أخوض الانتخابات! ما أوحى للناس بأنه استأذن الخميني وحظي بمباركته! هكذا اكتسح بني صدر الآراء وحصد نحو 90% من الأصوات! وعندما سئل السيد الخميني عن الأمر؟ نفاه جملة وتفصيلاً، فأمر الانتخابات لم يطرح في اللقاء ولم يتم التداول فيه بتاتاً! ولكن توضيحات الإسلاميين والثوريين الحقيقيين لم تُجدِ نفعاً في بيان الحيلة التي عمد إليها بني صدر، وحُملت على المنافسة والصراع بين الأجنحة، وها هو الخميني يحسمه لصالح طرف، ويرجِّح كفة على أُخرى!

    بتوهُّم تأييد الخميني واحتمال رضاه، صوَّت الناس واقترعوا لصالح بني صدر. هكذا كانت شعبية الخميني عند بداية عهده في الحكم، واستمرت متصاعدة جارفة، حتى أنهى عهده بجنازة سجلت أعظم تشييع في القرن.

    لو قارنا هذين الحدثين بآخرين عاشتهما الساحة في عهد السيد الخامنئي: الانتخابات الرئاسية السابقة التي اضطر فيها النظام لتغيير النتائج حتى يُحال دون إعلان فوز ميرحسين الموسوي أو مهدي كروبي، ولجأ إلى قمع دموي وتنكيل بوليسي ليوقف الثورة الخضراء التي اجتاحت البلاد إثر ذلك، والوضع العصيب الذي حمل القائد على البكاء أمام الناس في صلاة الجمعة. ثم الانتخابات الأخيرة التي فاز فيها الشيخ روحاني وسقط السيد رئيسي، مرشح الخامنئي وخياره… لظهر التردي الخطير في شعبية السيد القائد. حتى اضطر مرشحه إبراهيم رئيسي، في معرض استجداء الأصوات وتسوُّل الشعبية، للاستعانة بمطرب سوقي مبتذل (يدعى «تتَلو»)، عسى أن يكسب مُحبِّيه والمعجبين به إلى جانبه، وهو الذي يتولى النظارة على حرم الإمام الرضا عليه السلام، أقدس المقدسات في إيران!

    إذا كان “حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر” هو الملاك في القيام بأعباء السلطة، وهو الحافز على النهوض بحمل الحكم، والباعث على تبوُّئ مقام الرئاسة، مقابل “إلقاء حبلها على غاربها” عند خذلان الحاضر وانتفاء الناصر، فإن التكليف اليوم ساقط ولا شك عن السيد القائد، والعبء منصرف عن كاهله بلا ريب. والمراد من “حضور الحاضر” هو الرغبة والطوع، لا الإكراه والقهر، ذلك الحضور الذي ما إن ثبت للخميني افتقاده، حتى أوقف الحرب، وتراجع عن كلام ووعود قطعها قبل أيام من هذه الموافقة! فباع ماء وجهه واشترى رضى ربه، تجرع السم وقبل الصلح مع صدام، لمعطيات شرعية تفرض عليه موقفاً يعارض رأيه ويخالف قناعته وميله!.. هكذا يتحرك رجال الله، بل هكذا يفعل حتى رجال الدولة الشرفاء وأصحاب المبادئ، والوطنيين المخلصين من أمثال سوار الذهب وسليم الحص وإسماعيل فهمي ومحمد رياض، يضحُّون بمواقعهم في السلطة التزاماً بمبادئهم ولصالح قضيتهم.

    بعد ثمانية وعشرين عاماً من المحاولة والمزاولة، والسعي والاختبار، والمران والمراس، قُطِعت لتكون تجربة استوفت مداها واستوعبت نطاقها وشملت كلَّ رحابها وأرجائها، وأخذت من فرصتها الكفاية، بل الفائض عن ذلك والزيادة… آن أن يثبت لأربابها ويَـقنعوا ويذعنوا بأن دورهم قد انتهى، وحان أن يفسحوا المجال لغيرهم.

    كانت تجربة قاسية عصيبة من جهة، ومكلفة مريرة من جهات.. وقد لحقها العسر وصاحبتها المشقة والعناء من تكالب العالم بأسره عليها، والأيمان المغلَّظة والعهود التي قطعها أعداؤها على أنفسهم أن يجهزوا على الثورة ويقضوا على الدولة. أما المرارة فهي من إخفاق وفشل ذريع لازم كل ما عمد إليه العهد من مشاريع، ونزل بجميع القضايا المركزية والاستراتيجية التي عمل لها وكابد لإنجازها! بدءاً من الوضع الاقتصادي الذي بلغ حضيضاً لم يصله حتى في زمن الحرب، ناهز الانهيار والإفلاس لولا فك الحصار جزئياً والسماح لإيران بالتقاط أنفاس حالت دون الهلاك. وانتهاءً بالمشروع النووي، الذي عجز عن بلوغ هدفه، وهو دخول إيران في معادلة الردع النووي عبر قدرات عسكرية تثني أي طامع وتصرف أي معتد، فقد تمكنت المقاطعة الصارمة واستطاع الحصار القاسي أن يوقف المشروع ويُكره إيران على شروط الغرب، وما يقال عن الاستخدامات السلميَّة لهذا المشروع هو طرفة سمجة وأكذوبة وقحة يتنطَّع بها المحللون والكتَّاب المرتزقة الذين توظفهم الجمهورية الإسلامية وتستخدمهم في معاركها الإعلامية، فأي انتصار في نتيجة سعى إليها الغرب، بل تهالك عليها؟ وكان قد أباحها من قبل للشاه؟! فهو الذي أسس أول مفاعل نووي في إيران، إذ الأغراض السلمية لم تشكل يوماً تلك المعضلة والأزمة، ولا كان الغرب جاداً في معارضتها بهذه الحدة.. ومروراً بالسياسة الداخلية التي تبنَّت الشدة والقسوة والإقصاء، ما لم يوفِّر حتى الشيخ رفسنجاني، مهندس العهد ومدبِّر ولايته، فغلب الاستبداد والانفراد بدل المشاركة والتعددية التي تصقل الرأي وتجمع القوى، وعمد العهد إلى القهر والفظاظة والغلظة، ما دفع الناس لينفضوا من حول القيادة، اللهم إلا الوصوليين والمتسلقين والمتَّجرين بالدين. ثم السياسة الخارجية التي أفضت إلى سقوط ركن ركين في الثورة، هو الوحدة الإسلامية، وانهيار المنطلق والأساس والمحور والشعار الذي صرفت الجمهورية ما صرفت عليه، فإذا بها تستدرج بدهاء، وتؤخذ على حين غرة لتخوض حروباً طائفية بامتياز. أما ثالثة الأثافي والطامة الكبرى فكانت في رهان العهد، في تصدير ثورته ومدِّ نفوذ دولته، سواء في السياسة والعسكر، أو في الفكر والثقافة، على حركة الإخوان المسلمين (في أوساط السنة)، وحزب الدعوة (في الأوساط الشيعية)، وما تخلل ذلك وصاحبه من الدخول في حروب وصراعات فكرية ومعارك فقهية، شكَّلت كارثة روحية وأزمة أخلاقية وفتنة عقائدية (ولا سيما على صعيد عداء الحوزة العلمية ومحاربة الشعائر الحسينية)، ناهيك بالمعضلة السياسية، فقد ظهر أن الإخوان والدعوة هما خيار غربي، بل صنيعة إنكليزية أُعدت لمثل هذا اليوم وادخرت لهذا الدور، فصارت أموال إيران وجهودها وإمكانياتها تصب وتلتقي مع أهداف أمريكا وأغراضها!

    لا يختلف إثنان في ثراء سيرة الخامنئي السياسية وعمق تجاربه الحركية والنضالية، ولا في قدرته الفائقة على السيطرة والهيمنة، وتميزه البيِّن وعقليته الفذَّة في الإدارة والقيادة، وإن طاله الطعن في صدق النية وناله التشكيك في الإخلاص والنزاهة، فهذا لا يعدو مناورة من خصومه وسعياً كثيراً ما تجده بين المتنافسين، فالإنصاف أن السيد القائد يتمتع منذ توليه القيادة بانضباط سلوكي مشهود على صعيد الالتزام بالعبادات والأحكام الشرعية، ولم يسجل عليه تسيُّب وانحلال، كما لم يوثَّق فساد وإثراء على حساب المال العام، وكل ما يقال عن أبنائه، لا يعدو إشاعات وتهماً لا دليل عليها، وتبقى الآفات الروحية الخفية، والعُقد النفسية المستحكمة، فمن منَّا نجا منها حتى ندين بها ونسجِّلها على غيرنا؟…

    لكن الأمر في “الولاية” وقيادة الشيعة وتزعُّم الطائفة المحقة وترؤس الفرقة الناجية، ليس هذا فحسب… فالمطلوب مرتبة أرقى في التقوى والنزاهة، وحظٌّ أوفر في العلم والحكمة، ودرجة أعلى وحصة أكبر في حُسن الخلق ورحابة الصدر، والأهم الأخطر: لا بد من فقاهة حقيقية، ورتبة متقدمة متفوقة، بل عليا في الاجتهاد، تحقق النيابة عن المولى، وتتيح الاتصال بـ”قناة الفيض”.. فالظاهر أن الرجل وأتباعه بذلوا قصارى جهدهم، وجاهدوا ما استطاعوا، وكافحوا ما وسعهم الكفاح، ولكن بلا طائل ولا مردود ودون جدوى، بينما “غيرهم” ممن لا يملك عُشر معشار قدراتهم ولا يتمتع بـ ١٪‏ من إمكانياتهم السياسية والمخابراتية والمالية والإعلامية، تراه يحقق أضعاف الإنجازات، ويمضي قدماً في الانتصارات، وكأن يد المولى ورعايته تكلؤه، والمدد الإلهي يغيثه وينجده.

    هناك شريحة عريضة من الشيعة ترجو أن تخاطب السيد القائد فلا تحسن ولا تجيد، وتريد أن تنصحه فتخشى أن يغضب ولا يطيق، وتطمح أن تقوِّمه وتهدي إليه أخطاءه وعيوبه فلا سبيل أمامها ولا طريق، حتى أني تداولت مرة مع أحد وكلائه في انحراف بيِّن وخطأ فادح وقع فيه، فأقرني ووافقني، فلما طالبته بإبلاغه ونصحه، وتنبيهه لإخراجه من غفلته، اعتذر بأن هذا يساوي هلاكه ويعني نهايته، وأنه ما انفك في التعامل معه في حيرة بين سطوة السلاطين وعزَّة الملوك، وبين دعاوى الفقاهة وفضاء المرجعية!.. بلسان هؤلاء أتوجَّه إلى سماحة السيد القائد بهذا الخطاب، وكلي أمل ورجاء:

    سيدنا الجليل… احثُ في وجه المداحين التراب، لا تصدق بطانة السوء التي تطوِّقك، وتقارير الحاشية التي تحاصرك.. ودليل صواب هذه النصيحة وصحة هذا القول، واضح جلي، فهي التي قادتك ـ بلثم الأنامل، بل الأقدام ـ إلى هذا التردي وشارفت بك الانهيار، أو قدتها أنت، فسايرَتْك ومالأتك ولم تُخلصك النصح، حسَّنت مواقفك وأطرت أفعالك وبخبخت لك، مدحت وأشادت، ونوَّهت وأثنت، فصدَّقت وخُدعت، ما انتهى بك إلى هذا الإخفاق! كما عليك أن لا تصدق هواجسك وما تحدثك به نفسك، من أنك الأعلم الأفضل، والأورع الأتقى، والأذكى الأوعى، وأن تنحِّيك سيورث الوضع انهياراً، وسيضيع الثورة ويبدد دماء الشهداء! وكأنك إذا رحلت وتركت منصبك سوف تسيخ الأرض بأهلها!… كلا يا سيدنا الجليل، ففي الأمة الخير الكثير، وفي رجالات الشيعة من يفوقك فضلاً وعلماً وورعاً وتقوى، وحصافة ونباهة، وحكمة وبراعة، والأهم من ذلك كله: قرباً من المولى، المالك الأصلي للبلاد، والولي الحقيقي للعباد.

    تعال لتسجِّل رقماً وسابقة في التاريخ، ونموذجاً في الانتقال السلمي للسلطة، والتداول المسؤول المتشرِّع المتخلِّق المترفِّع، الذي ينظر إلى الملك والسلطة كعبء وابتلاء وامتحان… إن الأمة ترجو وتتمنى أن يتجسد على يديك، ويرتسم بفعلك وأدائك، مشهد رباني متألق يعكس عفَّة علماء الشيعة، وترفُّعهم عن الدنيا وحطامها، وانفكاكهم من أسرها، وموقف يثبت أنكم لا تريدون من الرئاسة إلا وجه الله وإقامة حدوده، وأنه لما بان بالتجربة عجزكم، وانكشف بالحس والوجدان مع الدليل والبرهان عدم مقدرتكم، ها أنتم تعزفون عنها وتأخرون أنفسكم وتفسحون لغيركم.

    إذا كانت قدرات وكفاية العارف الكامل والفقية العامل آية الله العظمى الشيخ الوحيد الخراساني مد ظله غير منكشفة لكم بعد، وكانت جلبة العوام وأصوات الغوغاء الناعقة بمقولة المرجعية الصامتة والقاعدة، مقابل السياسية الناطقة، غالبة وقاهرة، تحول دون تقدم الفاضل على المفضول… فهذا السيد السيستاني ببابك، عالم خبير حاذق، وفقه ضليع محنّك، زعيم لوذعي، وحكيم ألمعي، أثبت استحقاقه وكفايته في ميدان الفعل والعمل، دون التبجُّح بالقول والزهو بالادعاء، وقهر الأعداء بإدارة وإرادة وتدبير وقيادة حيِّرت العالم وأذهلته، وأنزلت بسادة التكفير وقادة الإرهاب لوثة عقلية، خلَّفتهم حيارى يتخبَّطون، لا يدرون ماذا يصنعون! ففي الوقت الذي أنهى فيه أعظم مؤامرة على العراق والتشيُّع في هذا العصر بفتواه التاريخية بالجهاد، كان قد أمسك من قبل وتحفَّظ، حتى حفظ المؤمنين عن هدر دمائهم في معارك لا طائل منها، وجبهات وهمية تستنزفهم، تسخِّر الشيعة ورقة على مائدة قمار، تلعب بها القوى الإقليمية والدولية، باسم مقاومة الاحتلال تارة، وقضايا الأمة العربية أخرى!

    شخصياً أقدِّر، وأكاد أعلم وأجزم، أن السيد السيستاني لن يرضى بها ولن يقبلها.. لكنه مسعى ومحاولة، لعلَّ “قناة الفيض” تتَّصل، والرحمة “الرحيمية” تتنزل، فتحلّ البركة ويعمّ الخير، ويتوقف الانحدار في “سفالٍ” حذَّر رسولُ الله صلى الله عليه وآله من ذهاب أمر الأمة فيه، إن هي قدمت وولَّت رجلاً وفيها أعلم منه.