• ليست عقدة كولن باول وبول بريمر وقادة القوات الأمريكية في العراق، الذين تهالكوا على مجرد لقاء يجمعهم بالمرجع الأعلى السيد السيستاني دام ظله، فلم يعودوا إلا بخفَّي حنين، حتى رحلوا عن العراق بحسرتهم، ومضوا يجرون ذيول خيبتهم. ولا هي عقدة أحمد الكبيسي الذي ما انفك يهاجم الوهابية ويتنكر للأموية، ويستميت في خلق صورة تنأى به عن التطرف والتعصب والغلو، ويسعى جاهداً في صنع قالب ورسم إطار يظهره خياراً أخيراً للأقلية السنية في العراق، عندما تفشل محاولاتهم العودة إلى الحكم، وتحبط مساعي فرض الأحلام بقوة السلاح، حين يخيب الإرهاب وييأس التفجير. وهو يوظف ـ في هذا السبيل ـ ما وَسعه، ويستخدم ما أمكنه، غير موفِّر مديح علاوي والثناء على الخالصي وتزكية مقتدى، بأمل اجتذاب بعض شرائح الشيعة، وتسويق شخصه، دون أن يبذل شيئاً من “رأس المال” حذر الإفلاس أمام جمهوره وقاعدته! ولكنه ـ مع هذا كله ـ ما إن يصل إلى السيد السيستاني حتى تراه تشنَّج وتلوى، وهاج وماج، ووقع في ما يخرجه عن وقاره ويفقده اتزانه، ويذهله عن خطته ومشروعه، فيهدم ويخرب بيده كل ما بناه!

    ليست هي عُقدة هؤلاء فحسب… ولكنها عقدة طائفة أخرى، من داخل البيت الشيعي، أو المحسوبين عليه.

    تيار قوَّض السيستاني مشروعه، وحطَّم آماله، حين سدَّ الفراغ الذي خلقه حزب البعث، وملأ الشغور الذي تظافرت على صُنعه أربعة عقود من القتل والتنكيل والاضطهاد والتهجير، ما خلَّف ساحة تفتقد أوليات معرفة الدين والتزام الشرع، وكان القوم يحسبون أن حضورهم سيشكل البديل، وآليتهم المنظمة المموَّلة، هي الأقدر على ملئ الفراغ واستثماره.

    فبعد غلبة خطاب الحركية والثورية في الساحة الشيعية، والمعطيات العملية الوجدانية التي يستشعرها كل مؤمن جراء القهر الذي عاناه، والظلم الذي نزل به، مما رفد مقولات السياسيين ودعَمها، إلى جانب ما زرعوه في الأذهان ودسوه في العقول، من “رجعية” مرجعية النجف، وأن حوزتها “حوزة حيض ونفاس”، ومكررات التراث.. كانوا يحسبون أنهم سيكونون الملجأ الوحيد في الساحة، والخيار الأثير لدى العامة والخاصة. وإذا بالسيد الجليل، يتقدم بوقار العلم والتقى، ويمضي بخطى ملؤها الثقة والطمأنينة، مُزداناً باسترسال ينطلق من استشعار المسؤولية والعمل بالتكليف، متمتعاً بحكمة تأتي من نور يقذفه الله في القلوب وتشرق به البصائر… تحرك شيئاً يسيراً، بمقدار ما تتطلب الضرورة وتقتضي الحاجة، فأسقط بكلمة وقوِّض بإشارة صرحاً ما زال يقوم عليه عشرات آلاف المحازبين والعاملين والمجندين، وأبطل بخطوة، وأنهي بالتفاتة وإيماءة، كيداً ومؤامرة رصدت لها المليارات! سحب البساط من تحت أقدامهم، وتقدم يظلله الإخلاص، وتبعثه البصيرة واليقين.

    جن جنون القوم، وفقدوا كل رشدهم وصوابهم، فنسوا كل همومهم وعزموا على إسقاط النجف الأشرف وإنهاء مرجعيتها! جمعوا أمرهم، ونظموا صفوفهم، وأوقفوا الفوضى التي كانت تحكم ساحتهم والارتجال الذي دمغ أداءهم من هول ما نزل بهم…

    رسموا فكرة ووضعوا خطة، استراتيجية كبري، وتكتيكيات مقطعية… أرسلوا الحيدري خلف طريدتهم، بخطاب سافر وإعلان فجٍّ وَقح، حمله حمق في الأداء وصفاقة في البيان.. هتك السفيه الحرمات، وأهان الحاقد المقدسات، ولعلهم أرادوه “انتحارياً” يفتح ثغرة في الساتر الأول لجبهة الحق، فوطأ الأخرق بقدميه لغماً زرع في طريقه، وأرخى مسمار الأمان من قنبلة حملها بيده… فلحق ـ سريعاً ـ بسلفه الضال المضل فضل الله، وراح إلى غير رجعة.

    ثبت أن لا جدوى من المواجهة العلنية، فعاد القوم إلى خطتهم وطريقتهم السابقة، وغاية جهدهم وأملهم، أن لا تسحر شخصية السيد السيستاني أتباعهم، ومنتهى سعيهم أن لا يتأثر محازبوهم بحضوره ويعيشوا التناقض في نفسياتهم ويلمسوا بالوجدان تهافت مزاعم طالما غررت بهم، وأكاذيب انطلت عليهم، بأن مرجعيتهم ـ هي دون غيرها ـ المجاهدة، وهي وَحدها المعايشة لأحداث الساحة، والمتلمسة لآلام الناس وحاجاتهم، والمتصدية للشأن العام!

    ثم جاءت القاصمة الماحقة، المستأصلة المجتَّثة، حين أعلن السيد السيستاني الجهاد الكفائي، وسرت فتواه في الشعب بما صعق العدو وأذهل الصديق، وتلقاها الناس بلهفة بعثت فيهم الحياة بعد يأس مما في أيدي الحركات الإسلامية والمشروع البديل! كانت فتوىً أعادت أمجاد “ثورة التنباك” و”العشرين”، وأظهرت عزَّ الحوزة والمرجعية، ومكانتها في الأمة، وأثبتت أنها هي التي حفظت التشيع وحاطت الشيعة وقادتهم على مرِّ التاريخ.. لا الحركات والأحزاب السياسية اللقيطة، ولا القيادات المتطفلة والزعامات المزيفة.

    سقط في يد القوم، حتى أني أعرف سيداً (ما كان كاذباً، فصار اليوم كذوباً)، خرج ليمجد بالفتوى، وينفي التضاد والتعارض، وينكر أصل الاختلاف، ناهيك بالخصومة والعداء، وهو الذي نذر نفسه لحرب مرجعية السيستاني، وكان يجاهر بمناصبته والعمل على إسقاطه! انقلب اليوم، فلا مناص من ركوب الموجة، والتماهي مع هذا السيل الجارف، متناسياً مقولة أن “بريطانيا لا تعيّن مرجعية الشيعة”! وأن فلسفة التصدي لمرجعية الخارج دون الداخل كانت “عدم وجود من يحمل هذا العبئ هناك”! فكل من لا يؤمن بولاية الفقيه، غير مستوفٍ لشرائط الفتوى والتقليد، وإن كان الأعلم والأجود استنباطاً!

    ولكني لم أكن أعرف حجم اضطراب هذا التيار ومدى ضياعه، حتى رأيت الذي أرسلوه أخيراً، قَسْقَسوا به فأهاجوه، أهتَشُوه وحرَّشوه.. فكتب “أنيس نقاش” في إحدى مواقع التواصل الاجتماعي: “لو كان ماوتسي تونغ هو مرجع تقليد العراقيين لكنا بألف خير، ولكانوا حسينيين فعلاً”! فلما اعترضه أحد متابعيه بأن الحشد الشعبي الذي أوقف المؤامرة العظمى على العراق، إنما كان بكلمة من المرجعية. ردَّ بأن: “كلمة المرجعية لا تكتمل إلا بطرد الأمريكان من العراق”. معرِّضاً بأن السيد السيستاني لم يفت بالجهاد وحمل السلاح ضد الاحتلال الأمريكي.

    شنشنة نعرفها من أخزم، مقولة سابقة ومعزوفة مهترئة طالما غنى عليها اليسار ورقصت بها الشيوعية… ظننا أن الوجدان البشري قد طواها وتخطَّاها، بعد أن ركنها أصحابها وأودعها أهلها رفوف التاريخ، وبرهن العمل وأثبتت التجربة فشلها وبطلانها، وإذا بـ”إسلامي” يستعيدها من باب الثورية، ويدعو لإحيائها إذكاءً “للجهاد” في الأمة! إنها مقولة الدين الثوري، التي نظَّر لها “علي شريعتي” في عصرنا وأعاد صياغتها عن مصدرها الأم (الشيوعية) ضمن شعاره المدوِّي: “إما أن تكون حسينياً (مجاهداً بسيفك)، أو زينبياً (ثائراً بصوتك)، وإلا فأنت يزيدي في خدمة الشيطان”… ومن هذا المبنى قسَّم التشيع إلى: علوي وصفوي، وألحق علماء الطائفة الذين لم “يثوروا” على الحكام، بالتشيع الصفوي، ورماهم بخدمة “ثلاثي الفعل الشيطاني”: الزيف والسلطة والمال (بالفارسية: ذر وزور وتزوير). ويبدو أن الأخ أنيس نقاش أصبح شريعتي الهوى، ولا أدري هل يُثبت هذا التقاء الرجلين على جذر شيوعي يجمعهما، أم على أصل الجهل الذي تراه في كل متوغل في الدين من غير أهله وذوي الاختصاص فيه…

    وقد وفَّر السيد الخميني رحمه الله وكفانا المؤونة في الرد على هؤلاء من أدعياء الإسلام الثوري (ولا أخالهم سيزايدون على الخميني في جهاده وثوريته!)، في بيانه التاريخي الذي سطره حسماً للخلاف حول مناهج وطرق الاستنباط في الحوزة العلمية الشيعية، بين “حركي” مطالب بتحررها من وضعها القائم، و”تقليدي” متَّهم بالرجعية، يلتزم الأصول والأسس الموروثة، وفيه:

    «ليس ثمة ترديد في أن الحوزات العلمية والعلماء الملتزمين كانوا على مدى تاريخ الإسلام والتشيُّع أهم الحصون الراسخة للإسلام في قبال الهجمات والانحرافات والتحريفات. ولولا الفقهاء الأعزاء لما عُلِم أيُّ العلوم كانوا سيحمِّلونها الناس اليوم باسم علوم القرآن والإسلام وأهل البيت. إن جمع وحفظ علوم القرآن الكريم، وآثار وأحاديث النبي الأعظم صلى الله عليه وآله، وسنة وسيرة المعصومين عليهم السلام، وتدوينها وتصنيفها وتنقيحها، في ظروف شحَّة الإمكانيات، وسطوة سلاطين الجور والحكام الظلمة، وما يبذلون من طاقات في سبيل محو آثار الرسالة.. لم يكن بالعمل الهيِّن. ونحن اليوم ـ بحمد الله ـ نرى نتيجة تلك الجهود في الآثار والكتب المباركة، مثل”الكتب الأربعة” وكتب أُخرى للمتقدِّمين والمتأخِّرين، في الفقه والفلسفة والرياضيات والنجوم والأُصول والكلام والحديث والرجال والتفسير والأدب والعرفان واللغة وشتى حقول العلوم المتنوِّعة. لعمري، إذا لم نُطلق على هذه الجهود والمعاناة “جهاداً في سبيل الله”، فماذا عسانا نسميها؟! إن الحديث ليطول في البعد العلمي لخدمات الحوزة العلمية، مما لا يسعه هذا المختصر، وبحمد الله فإن الحوزات غنيَّة ومتجدِّدة بلحاظ منابع وطُرق البحث العلمي والاجتهاد، ولا أتصوَّر وُجود طريقة أنسب للتحقيق المعمَّق في جوانب العلوم الإسلامية غير تلك التي كان عليها السَّلَف من العلماء. ويشهد تاريخ ألف سنة من تحقيق وتتبُّع العلماء الواقعيين للإسلام على ادعائنا في نماء بذرة الإسلام المقدَّسة، وغدوِّها شـجرة وثمرة.. (إلى أن يقـول:) أما بخصـوص أسلوب الدراسة والتحقيق في الحوزات، فإنني أتبنى الفقـه التقليدي واجتهاد “الجواهري”، وأرى حُرمـة التخلُّف عن ذلك». نظر: صحيفة النور ج21 ص88 ــ 101

    من الطبيعي أن يجهل أنيس نقاش هذه الآفاق، وهو الغريب عن ديننا وعالمنا، عاش قومياً يسارياً، مناضلاً، فسجيناً، ثم طليقاً، فرئيساً لمركز دراسات استراتيجية، إعلامية وأمنية، وما زال يخوض نشاطاً وفعاليات سياسية، جعلت منه طبلة كل جوقة، ومزمار كل حفلة، أو قل أدام كل مائدة وكأس كل وليمة، لا تطيب ولا تلذ إلا به، ولا يكتمل الرسم العابث في اللقاءات التلفزيونية إلا بضربات ريشته ولطخات أصباغه، ولا يستمتع المشاهدون إلا بتحليلاته، ولا يتفكهون إلا بعياراته الثقيلة، التي تحكي عالماً يعيشه أو يحلم به، يسقطه على الحدث، فيزايد ويغالي ولا يبالي، فهو لا يدفع من جيبه ولا يخسر من رأس ماله (تماماً مثل الكبيسي)، مراهناً على مشاهدين متحمسين، يتحرَّقون لتحقيق الأماني، وهذا صوتٌ يرجو لهم أخرى يحبونها: نصر من الله وفتح قريب، فلم لا يقبلون ويأنسون، وكيف لا يُعجَبون؟!

    لا أدري كيف يمكن لإسلامي أن يدعو إلى تقليد “ماو”؟ ماذا أكل هذا الرجل وماذا شرب طيلة حياته؟ من أي مال نبت لحمه ودمه؟ سواء أيام انخراطه في حركة فتح، أو حين مرافقته لكارلوس في عملية فيينا، أو في السنين التي قضاها سجيناً إثر محاولته اغتيال شابور بختيار والحكم عليه بالحبس المؤبد؟ أتراه كان يأتم بأبي عمار وهو يصلي التراويح في ليالي شهر رمضان؟ أم يسترشد ويستلهم من إشراقات وديع حداد وفيوضات “الحكيم” جورج حبش؟ أ كان كارلوس يتناول لحوماً مذكاة ولا يرتاد إلا مطاعم تلتزم الذباحة الشرعية؟ ترى كم يحتاج الأخ أنيس من وقت ليستدل على صفحة دعاء الندبة أو الزيارة الجامعة في مفاتيح الجنان؟… أم تراك تحسب أن هذا هيِّناً عابراً؟ ليس من معايير التقييم ولا في موازين الجرح والتعديل؟… أمِن هذا المجهول (في أحسن الأحوال) يؤخذ الدين ويحدد مرجع التقليد؟! هذا ما كان ينقصنا، أن يفتينا النقاش في ديننا، ويرشدنا إلى المرجع الذي يكفينا!

    لا يمكن ليساري يكافح ويناضل ويبذل روحه من أجل رغيف خبز يسد رمقه، أن يعرف قيمة هذه الدنيا وينزلها منزلتها الحقيقية، فدنيا يبيعها علي عليه السلام بشسع نعله، لا يدركها أنيس نقاش، وعالم أهون عنده من عفطة عنز، يراه “ماو” قضيته الأولى والأخيرة التي يموت ويحيا في سبيلها! لا يمكن لشخص نذر حياته وكفاحه ونضاله (في أحسن الفروض وأكثر المحامل تسامحاً) في سبيل قيم ومبادئ، تقف عند الدنيا وتنتهي عند سقفها وسطحها الأعلى، أن يفهم مراجع وصلحاء كالشيخ الوحيد الخراساني و السيد السيستاني يرونها بقضِّها وقضيضها “قنطرة”، ويعدّونها بكل ما فيها “نومة”، وأن الآخرة هي الحيوان، وأن اليقظة والانتباه يبدأ بعد الموت، وأن الكرامة الحقة هي في جنة عرضها السماوات والأرض، ورضوان من الله أكبر.

    لا أخال هذا التعس إن كان في عهد الإمام الحسن عليه السلام، إلا من الذين طعنوه وكفروا به! بل لا أحسبه لو أطلقت يده ومُـكِّن أنه كان سيقر حزب الله على الصبر عند مجزرة فتح الله، وعدم الرد على فاجعة جسر المطار؟! ولا أظنه كان سيقبل قرار الأمم المتحدة رقم 1559 في وقف إطلاق النار لإنهاء حرب عام 2006، والإنسحاب إلى ما وراء الليطاني، والتعهد بوقف عملياته ضد إسرائيل… فهذه كلها في القاموس الثوري والمرجعية الماوية كفر وزندقة!

    لقد خلع الرجل بدلة العمل الشيوعي (الأوفرهول) وصار يضع ربطة عنق ويرتدي أفخر الماركات العالمية، ويفترض أنه حرق الكتاب الأحمر، وانخرط في تنظيم ديني إسلامي يتبنى أشد صيغ الخضوع والانقياد لعالم الدين، أي ولاية الفقيه، التي تتجاوز التقيّد بالأحكام الشرعية لتمتد إلى التزام الموضوعات التي يشخصها القائد وإن كانت خلاف قناعة العامل وعكس رؤية المقلِّد… ومثل هذا الشخص المرتهن في فكره وقراره وسلوكه ونشاطه، لا يحق له رسم التكليف للآخرين، ولا سيما إذا كان ينطلق من الطعن في رموزهم والاستخفاف بمقدساتهم.

    ليس في العربية لفظ يحكي صوت “ماو”… فقرنته بمواء الهر، للتناسب اللفظي والمعنوي، تنزيهاً لمؤمن تقمّصه، فلا أنسب مستبصراً إلى عواء الكلب.

  • لا أخال منصفاً يقرأ أدعية الجوشن الكبير وأبي حمزة الثمالي والبهاء والمناجاة الخمس عشرة وتسبيحات السحَر وغيرها من تحف وكنوز مبذولة في “مفاتيح الجنان”، أو يعيش آفاق إحياء ليالي القدر في مساجد الشيعة، ويطَّلع على أجواء محافلهم العطرة بالذكر، المفعمة بنشوة الأنس، العبقة بروعة العشق، الممتزجة برقَّة الدمع ورهافة الحس… ثم لا يقر ويذعن بسمو مراتب التوحيد عندهم، ورُقيّ التنزيه، وكمال نفي التشبيه والتعطيل في عقيدتهم، وعظمة المعارف الإلهية وألقها في مدرستهم، وتفوّقهم في ذلك على جميع الفرق والمذاهب الإسلامية، ناهيك بباقي الملل والنحل، التي تحسدهم على هذه الجواهر، وتتحسر على خلو تراثها من هكذا ودائع خلَّفها لنا أئمتنا صلوات الله عليهم، بينا هم في جدب وإملاق، وقحط وإفلاس، يتمنون عشر معشار ما لدينا، فلا يجدون.

    إن بعض التأمل في فقرات مختلف أدعية “مفاتيح الجنان”، هذا السفر النـفيس الذي التزم مؤلفه رحمه الله أن لا يسطر فيه إلَّا ما عمل به وطبَّقه بنفسه، فلم يقل ما لم يفعل، ولا أمر بما لم يأت… يكفي لمعرفة مدى سخف وبطلان الدعاوى التي تقذف الشيعة بالشرك وترميهم بالغلو، ويكشف كم هي مقولة ظالمة ونسبة نكراء وفرية وبهتان عظيم. ولا أريد أتباع الفرق الأخرى المخالفة والمعادية لأهل البيت وشيعتهم، فهؤلاء لهم أسبابهم التي لا يخفونها ومقاصدهم التي لا ينكرونها، فلا عجب، بل أريد المنتسبين لنا والمنتحلين هويتنا. من أضراب فضل الله وتلميذه الوقح، والحيدري وربيبه السمج… هذا يهزأ بالحديث عن أستاذ يرى كلَّ أو جُل تراثنا إسرائيليات، وذاك يهذي اقتداءً بخبط معلِّم لا “يعقل” الروايات؟!

    إن الآلية المعتمدة، والفن والصناعة المعمول بها في الأخذ بأحاديث الدعاء واعتبار نصوص المزار، وكذا أغلب المستحبات، تعدُّ أقل تشدداً وصرامة من تلك المعمول بها في الفقه والعقيدة، ما يعني بمفهوم الموافقة وقياس الأولوية، سقوط الأولى من رأسها عند مَن ينفي الثانية ويُسقطها، وهي التي اعتمدت وصارت معتبرة بشرائط أكثر تشدداً وضوابط أكثر صرامة، لذا لا شيء معتبر عندهم من “مفاتيح الجنان”، وكل ما في هذا الكتاب روايات غلاة موضوعة، وإسرائيليات مدسوسة، وأحاديث “صفوية”، وتأليفات رجعية، وجعليات “منعنديَّة”! إذ لا مناص من الالتزام باللوازم ولا مفر من النزول على التبعات.. فلا يمكنك أن تنادي بأمر وترفع الصوت بدعوى، ثم تقفز على نتائجها وتتبرأ مما يترتب عليها، بحجة عدم القصد والإرادة، وذريعة توجّه العناية إلى غيرها بالخصوص. كمن يريد إخراج أو طرد شخص من قاعة، فينظر إليه ويرى أنه يرتدي عباءة صفراء، فيأمر بخروج كل من يرتدي عباءة صفراء، فيخرج المقصود ويتحقق المراد، ولكن يخرج معه كثيرون غيره، يرتدون ما يرتدي، يشملهم الأمر ويلحقهم الحكم، وإن لم يكن الآمر يريدهم، وما كان المخرج الطارد يقصدهم (فرضاً)! إنهم يريدون نفي وإبطال أحاديث الولاية، وجحد فضائل الأئمة، وإسقاط مناقب آل محمد، ولكنهم يسقطون ـ في طريقهم ـ أحاديث ونصوص الأدعية أيضاً، فالشيخ عباس القمي انطلق من أسس علمية ثابتة ومقررة في علم الحديث والأسانيد والرجال والجرح والتعديل، أفضت إلى مبان وأصول وقواعد سمحت له وأفسحت لقبول واعتبار دعاء أبي حمزة الثمالي، ونفس تلك المباني والأصول والقواعد تلزمه بقبول واعتبار زيارة عاشوراء والجامعة الكبيرة ودعاء التوسل… وكما يقال في التعبير العصري: “إنها سلَّة واحدة، خذها أو دعها”، إنه مبنى وقاعدة تفضي إلى نتيجة وثمرة. هذا إذا أرادوا البناء وفق قواعد ومبادئ وأصول علمية، لا الانطلاق من مزاجية وذوقية وشخصانية تستبعد أمراً وتستحسن آخر، حسب ما يروق لها ويطيب، فترحب بما تريد وتذعن لما تهوى، ثم تنفي ما تكره، وترفض ما تشمئز منه و تزهد فيه، لا لشيء يفرضه قانون ويلزم من قاعدة، بل لأهواء تلبس لباس الفكر، ثم يطلق على هذا التفكير السقيم: “عقل”.. فلا “يتعقّله” الأنوَك، فيطرحه، هكذا!

    فانظر أين ستنتهي بنا الأسس التي يسعى هذا النهج اللقيط، نهج العصرنة والحداثة البتراء، لإرسائها، ويعمل على تحكيمها في تراثنا، ومم سيحرمنا بعد أن ينسف أحاديث، هي نفائس ودرر وكنوز وثروة، تشكل المادة الأساسية والعنصر الأول والأخطر في بناء وتكوين معارف الدين؟ ثم الباب والسبيل الأعظم لمناجاة الله تعالى ومخاطبته، الذي يعبر عنه بـ “القرآن الصاعد”؟

    إنه نهج يريد مراقد أئمتنا مقابر متربة، لا يطيق الزائر أن يمكث فيها لدقائق حتى ينصرف عازماً على عدم العود.. بحجة أن هناك عجوزاً ـ كما يزعم ويتباكى ـ لا تستطيع أن تقيم عودها من فرط الجوع، هي أولى بالأموال التي تصرف على تشييد العتبات المقدسة وتزيينها وتذهيبها، وتبذل لرفادة الزوار وتهيئة الأجواء الأنسب لأدائهم مناسكهم؟ والمفارقة أن هذا الفاجر، شهد وأدرك حتى علم باليقين، ووقف بالحس والدليل حتى رفع اليمين، على النهب والإثراء، والترف والبطر الذي عاشه معلِّمه الهالك، وأورثه أولاده وأصهاره وأعوانه من بعده، واطَّلع عن قرب على حجم التركة المالية والعقارية التي خلَّفها، والإمبراطورية القارونية التي غدت رقماً في السوق يضارب وينافس أعظم رأسماليي المنطقة، بينما المتسولون على أبواب مبراته وجمعياته، يمدون أيدي الاستجداء ويلوون أعناق الاستعطاف، يلتمسون الكفاف من التعليم والطبابة والإعاشة، فلا ينالون شيئاً إلا بالإذلال، وبعد ارتهانهم عبيداً يسخَّرون للدعاية والإعلان، وتحويلهم أبواقاً تحمد الهالك وتمجده. فإذا تجاوزنا هذه الحالة الفردية ونظرنا في العطاء العام لهذا التيار وما قدمته مدرسة الحركية الإسلامية، ومنهج الحداثة والعصرنة، فالعراق ببابك، والفساد المالي الذي مارسه قادة حزب الدعوة، والأموال التي سرقوها من حقوق الشعب الفقير في شهر واحد تعادل كلفة بناء وتذهيب جميع قباب المراقد وأبنية العتبات المقدسة في العالم، وما سطوا عليه وانتهبوه منذ أن وصلوا الحكم وتسلَّطوا على البلاد، يعادل مجموع الأخماس والحقوق الشرعية التي وصلت الحوزات العلمية والمرجعيات الشيعية منذ عصر الشيخ الطوسي إلى يومنا هذا آلاف المرات!

    لو علم هذا الغريب عن ديننا، الأجنبي عن مذهبنا، المتطفل على فقهنا وعقائدنا، أن الفقراء هم أكثر الباذلين على تشييد المراقد والعتبات المقدسة، وأن غاية رجاء أحدهم وأقصى مناه أن يغنيه الله ويغدق عليه بثروة تتيح له المساهمة في هذا الخطير… لخرَس وبكُم. ولو عاش الحقائق الإلهية مرَّة وتلمَّس الروحانية لحظة، لانكشفت له قيمة المال مقابل الدين، وعرف الحاجة إلى تشييد معالم وبناء مواقع ومحطات ترشد الناس إليه، وإقامة صروح وعمارة بيوت تجمع الناس حول أئمته، وتجتذبهم إلى ما بعد الحجر وما يلي الجدار ويتعدى البناء ويتجاوز الزينة، وعرف البخس في المقارنة… لصمُت وأبلَم. ولو تدبر في مشهد نحو مليوني هدي تذبح في منى وتنحر ثم تلقى تحت الأقدام في كل عام، والمسلمون في أفريقيا (أو في بيروت كما أدعى) يقاسون المجاعات، في أداء يراه الجهول من أمثاله هدراً وإتلافاً وإسرافاً قل نظيره، وهو منسك إبراهيمي حنيفي محمدي إلهي واجب… لكفاه في وصول رسالة عن قيمة المال وخطبه، وبلاغ عن خطر الغرائز ومحل الشهوات والرغبات في عالم يهدف بناء الأرواح، ورسالة ما جاءت إلا لإعمار القلوب وسمو الأنفس. وكذا لو تأمل في سيرة الأئمة الأطهار، حين يبذل أحدهم أربعة آلاف دينار (ذهب) لشاعر مدحه ونشر فضائله، أو حتى عشرة آلاف لسائل واحد، وهو مبلغ يمكنه أن يعالج مشكلة مئات غيره، ويخرجهم من فقرهم… لعرف أن الدين والعقيدة والإمامة والولاية أهم وأولى وأخطر من المال والطعام والماديات الغارق فيها والمعقد منها. ولو تأمل هذا الجاحد، وتدبر ذاك المعترض، وأحسن الناقد النظر، لرأى أن مقولة “كاد الفقر أن يكون كفراً”، و”لو تمثل لي الفقر رجلاً لقتلته”، تتوجه إلى معلِّمهم الأول الضال المضل، وورثته وبطانته من الوصوليين المستأكلين بالدين، البطرين المفسدين المستكبرين… لا المرجعية الأصيلة والعتبات المقدسة التي تحفظ أصل الدين.

    إنهم يريدون مذهباً بلا شعائر ولا مزارات، ولا ضرائح ولا مقامات، وديناً بلا أدعية تزكي النفس وتنعش الروح، وعبادة بلا نصوص تهز تلاوتها العرش ويقرع صداها ورجعها سمع الملكوت، ودعاء بلا أذكار وتراتيل تتلهف الملائك وتتقطع شوقاً لسماعها… يريدون أن يضيعوا علينا ويفقدونا مفاتيح تتساقط أمامها مغاليق السماء، فلا تشرع للداعين الأبواب، ولا يسبح المسبحون ويرقى السالكون إلى تلك الآفاق والرحاب.

    ومن رحمة الله تعالى بأتباع الحق ولطفه بأهل الإيمان، وعناية الحجة عليه السلام برعيته ومواليه، أن مقولات هذه التيارات الإضلالية بقيت رهينة نطاقاتها الحزبية الضيقة، فإذا أرادت أن تتمدد وطمحت أن تتوسع، لم يسعها ذلك ولا أمكنها إلا بالكذب والاحتيال، والتنكر لأفكارها وإخفاء آرائها، ومجاراة الساحة الإيمانية في عقائدها ومحاكاتها في شعائرها، ثم تعمد إلى بث سمومها من خلال هذا التحايل، ودس ضلالاتها عبر هذا التوغل. والبشرى أن محاولات القوم ومساعيهم لم تكن حتى الآن إلا زوبعة في فنجان، وقرقعة جوفاء، وأصواتاً لا يتجاوز نشازها حناجر مطلقيها ولا يبلغ مداها جدران دورهم الخاوية… وإلا فإن الشيعة ماضون في زيارة أئمتهم وتعظيم العتبات المقدسة، مواظبون على إقامة المآتم وإحياء الشعائر الحسينية، بكاءً ولطماً وجزعاً، تماماً كما يلتزمون نشر المصاحف على رؤوسهم في ليالي القدر، والتضرع إلى ربهم في أدعية السحر، والبكاء في المناجاة والاستغفار من الذنوب، والتوبة عن المعاصي، وتلاوة الجوشن ودعاء التوسل، والزيارة بالجامعة الكبيرة… معرضين عن مقولات الإضلاليين صفحاً، وضاربين بها عرض الجدار.

    من المعلوم أن الحركات السياسية والتيارات الفكرية تلجأ في تكتيكاتها الحركية إلى تقديم عناصر هوجاء ونماذج رعناء، صارخة في حدتها، متطرفة في مواقفها، تمثل فئران تجارب، وبالونات اختبار لما تريد أن تنشر وتروّج، تصدم بهم الواقع وتقحم السواتر وتثير الزوابع، ولا تلبث هذه العناصر أن تتحول إلى أكباش فداء، وجرذان محترقة، إن هي فشلت، فانفجرت بفرقعة، أودت بها وأعدمتها وأنهت دورها التافه وطوت طورها السخيف… أعرف جيداً أن عودة وصنوه عسر، مجرد عرائس على هذا المسرح، وأن هناك من يديرهم ويحركهم من وراء الستار، تماماً كما كان فضل الله والحيدري، حتى هلك ذاك، ووئد هذا ودفن حيّا! وأنهما أقل من أن يتناولهما أحد بردٍّ، وأهون من أن يقرعهما بجواب… ولكني أردت أن يفتضح الجبان الذي يختبئ وراء إصبعه، ويرسل جراءه تعبث بالساحة العلمية وتشغل الأوساط الإيمانية بشيطنات يمارسها هؤلاء الصبيان..

    “والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه، والذي خبث لا يخرج إلا نكداً”…

  • جامعة المصطفى العالمية، هي مشروع الحداثة والعصرنة البديل عن الحوزة، الذي يقوم عليه النظام في الجمهورية الإسلامية، ويهدف إلى تقويض الحوزة العلمية وتعطيل المرجعية الشيعية، وفي الأقل الأدنى، إخضاعها لسلطة الدولة، وإنهاء استقلاليتها التاريخية الممتدة نحو ألف عام ونيف… وعندما تنهض هذه الجامعة بتكريم علَم وشخصية مثل العلامة السيد جعفر مرتضى العاملي، فهي ـ في الحقيقة ـ تعمد لما يزكيها هي، وتسعى لما يغير النظرة إليها، وتحتال لما يورثها بعض الشأن ويكسبها القيمة والاعتبار في أوساط علماء المذهب، وفي نفوس عامة المؤمنين الموالين.

    أما السيد جعفر فقيمته وفضله أقرَّ به وسجَّله قمم الهرم العلمي للشيعة في هذا العصر، مراجع الطائفة وأساطينها، وفحول المذهب، وأفذاذ رجالاته، كالميرزا التبريزي والشيخ بهجت قدس سرهما، والشيخ الوحيد الخراساني والسيد صادق الروحاني دام ظلهما، وغير هؤلاء من العظماء، الذين لا أريد أن أحملهم عبئاً وأخلع عليهم شرفاً تحفظوا على المجاهرة به، وتوقفوا عن إعلانه، لمصالح ارتأوها وأمور قدَّروها… وقد سجَّله قبل أولئك وهؤلاء: الحقُّ جل وعلا، وكرامٌ كاتبين، وصحيفة أعمال، ونطقت به قيم الشرف والغيرة والإخلاص والنزاهة، مقابل الانحطاط والزيف والدجل، والاتجار بالدين تارة، والاستئكال بالمذهب أخرى، وبالقومية والعروبة ثالثة، وبالوطنية رابعة، وبالحداثة والتنوير والتطوير، ونبذ الماضي ومكافحة التراث و”تقليد الأموات”، وكل العار الذي جمعه الغرض الذي رماه السيد جعفر مرتضى وهو يدافع عن سيدة نساء العالمين، ويذود عن حمى العقيدة والدين.

    إن النقطة الأهم في أداء السيد جعفر والمفخرة الأبرز في سيرته هي ما عمد إليه من المجاهرة في مواجهته الباطل، والشجاعة في تصديه للضلال، ثم التضحية التي حرمها ولم يوفق لها جملة من زملائه وأقرانه.. فالدنيا بذُرى مغرياتها وقمم زينتها: الرئاسة والسلطة، المال والشهرة، والقوة والمكنة.. كلها كانت مبذولة للسيد جعفر، في متناوله وطوع إشارته وتحت تصرفه، وقد جاءته من أوسع الأبواب وأسهلها، طيّعة ممتثلة، بل منقادة متوسلة، فهو ابن الثورة المدلل في قم وطهران والأقرب إلى حزب الله في لبنان، الذي يفتقر ـ من جانبه ـ وجهاً علمائياً في رتبة السيد ودرجته، وكل المطلوب منه أن يُبهِم في ردوده على الضال المضل، ويتجنب التحديد والتعيين وكل ما يسمح بتطبيق شخص فضل الله على معالم الضلال ومواقع الانحراف التي كشفها السيد وهاجمها، ما ينتهي إلى التموضع وخلق جبهات واصطفافات لا يطيقها الحزب (وآخر التمنيات و”الأبواب”، بل الضغوط والإرهاب، كان المشاركة في تشييع جنازته!)، فأبى الكريم الشريف، وأعرض النزيه العفيف. أصر أن لا ينخدع بتسويلات الشيطان، ولا يخدع هو الناس بسكوته وإغماضه، ولا يسمح بحمل خطابه على وجوه، وتمسَّك بالتصريح والتحديد والتشخيص، ما ينفي الريب ويقطع الشك، ويضع النقاط على الحروف، فأتم الحجة على الساحة كلها، وأسقط المسؤولية عن نفسه، ولن يتحجج بعدها أحد بجهله بما كان يدور، ولن يعتذر أحد عن اصطفافه مع الضلال وتموضعه ضد الزهراء عليها السلام وصريح العقيدة الإمامية بخفاء الحقيقة والتباس الأمر عليه.

    شخصياً، لست على وفاق مع السيد جعفر مرتضى، بل أنا على خلاف معه في بعض آرائه ومواقفه، العلمية والسياسية (لا اجتهاداً مني وتنظيراً، بل تبعاً للأعلم)، ولكنني لا أملك إلا الاعجاب بهذا الطود الأشم، وتعظيم هذه القامة الشامخة، وإكبار الشجاعة والنزاهة، فأنحني لأُقبل يداً سطرت “مأساة الزهراء” و”خلفيات المأساة” و”كربلاء فوق الشبهات” و”الشهادة الثالثة” و”ظلامة أبي طالب” وغيرها من الأعمال الخالدة التي سدَّت فرَجاً في المكتبة الشيعية، وملأت فراغات، وأثرت الحقل، كـ “الصحيح من سيرة النبي” و”سيرة أميرالمؤمنين”، وجعلت صاحبها مرجعاً مأموناً (من حيث العدالة والتخصص)، لا يمكن لأي باحث في الشأن الشيعي أو دراسة حول الشيعة وعقائدهم وقضاياهم في هذا العصر، أن تتجاوزه وتتجاهله. 

    من هنا علينا أن نفهم الضجة التي افتعلتها جماعة الضال المضل على تكريم العلامة العاملي، ونعي خلفية الهستيريا التي وقعت فيها فئة محدودة محصورة متقوقعة على صعيد أعداد الأتباع والمقلدين (فهم في الكويت كلها مثلاً لا يتجاوزون العشرين عدّاً ونقداً!)، وكذا الحضور والامتداد الاجتماعي، ولكنها فاعلة ومؤثرة على صعيد الإعلام والنفوذ في الحكومات والارتباط بمواقع السلطة ودوائر صنع القرار.

    هناك خلاف ونزاع، وصراع ونزال، داخل المدرسة الحداثوية نفسها، وهو يحتدم بين تيارين:

    تيار متدين (عقائدياً وسلوكياً) يعيش المسؤولية ويمارسها بإيمان وإخلاص، لا يريد أن يصدق أنه أداة في المشروع الحداثوي الكبير (الإصلاحي، الشريعتي، العصراني، سمه ما شئت)، وهو يُبقي على أفكاره الشيعية ويحافظ على معتقداته الأصيلة في نطاقه الشخصي، ويسعى ـ بحذر ـ لتوسيع هذا النطاق فيشمل أهله وعياله وأصحابه، وحيثما تمكن واستطاع. وإن كان عمدة هذا التيار هم القاعدة والكوادر المتوسطة والشباب، لكن القيادة والكوادر العليا لا تخلو منهم. وقد توسع هذا التيار وتمدد بشكل كبير حتى اكتسح الساحة خلال السنوات الأربع الأخيرة، منذ تعرض الشيعة للحرب المذهبية، ودخول حزب الله وعموم الحركات الموالية للجمهورية الصراع ضد الوهابية والتكفيرية، وخوضها المعارك من منطلقات عقائدية ولائية.

    إن هذا التيار يلتمس خطاباً ويبحث عن تنظير ويتحرى مادة فكرية تأمن خلفية عقائدية وغطاءً شرعياً لحركته، بما يحقق تطلعات ساحته الخاصة (المحازبين) وحاضنته العامة (كافة الشيعة)، التي نحت في هذه الفترة نحو التدين والالتزام، وتقلص تأثير الفكر السياسي والشعارات الحداثوية فيها وعليها، لصالح القيم والمعارف الدينية الأصيلة، ولا سيما الولائية… هناك مجاهدون مرابطون في الثغور، وشهداء يسقطون كل يوم في الجبهات، يحتاجون إلى خطاب يسكِّن هواجسهم ويبدد قلقهم، وغطاء ينفي الشكوك والريب من نفوسهم، ويربط على قلوبهم بأن شعار الدفاع عن العتبات المقدسة، و”نفديك يا زينب”، وما إلى ذلك، ليس تكتيكاً سياسياً وتكسّباً أدار البوصلة وغيَّر مؤشرها تجاه أعداء آل محمد، بعد أن كانت نحو إسرائيل حصراً وحكراً، بل حقائق من صميم العقيدة وصحيحها، وثابت المذهب وجوهره.

    نعم، هناك من يتفهم مقتضيات الدفاع المتقدم المسبق، ويعيش بالوجدان أن العدو قادم إلى عقر دارنا إذا لم نبرز له في مواقعه، وننفر إليه ونغزوه قبل أن يغزونا، ولكن هؤلاء، والآخرين الأقل وعياً، الذين لا يقرأون الحدث بهذه الاستراتيجية، بحاجة إلى نفحة روحية وأجواء أخلاقية ومظلة شرعية من صميم المذهب وأصيل الفكر الإمامي الشيعي، البعيد عن التقاطيات شريعتي، وضلالات ربائب مدرسته الذين كانوا حتى الأمس القريب يساوون بين الموالي والناصبي ما دام يقاتل إسرائيل، فيعظمون الرنتيسي وياسين ومشعل وهنية، وإذا بسفاح هؤلاء ولقطائهم يفجرون أنفسهم ويستهدفون الأبرياء العزّل في الضاحية الجنوبية!

    من هنا انعطف السيد نصرالله مؤخراً، وهو الذي يشعر بعبئ المسؤولية ويدرك ثقل التبعات، وتنقض ظهره جسامة الخطب ووحشة الطريق، وقدّم لعناصره ورجال حزبه وللساحة الشيعية عموماً، آية الله العظمى الشيخ بهجت قدس سره كمرشد روحي للحزب وموجِّه عقائدي له شخصياً (وقد فعل ذلك بأثر رجعي!)، ما زرع في نفوس المجاهدين وأهليهم، ولا سيما ذوي الشهداء، الثقة والطمئنينة، وأورثهم راحة كبيرة، فهم تحت مظلة فقيه لا يطال جامعيته للشرائط شك، عالم أصيل من صميم البيت الشيعي، منزّه عن انحرافات وضلالات تجعلهم ـ في واقعهم ـ في جبهة بعيدة عن أئمتهم، وتلحقهم بمنكري الفضائل والمشككين في المصائب والمفرطين بالعقائد، وما يجمعه عنوان “خصماء آل محمد” والعياذ بالله. فالشيعي على استعداد للبذل والعطاء إذا كان في سبيل الحسين والزهراء وزينب وأبي الفضل العباس، لأنه يعشق هؤلاء ويهيم في حبهم وولائهم، ثم هم سلام الله عليهم كفلاء بالوفاء له ومجازاته في قبره ومعاده، وهذا ما لا يوليه لغيرهم (كائناً من كان)، ولا يرجو أن يتلقاه من سواهم شفاعة، وغرفاً في الجنة، ومقامات ورضواناً!

    من يعيش الساحة ويواكبها يشعر بهذه الحالة ويلمس هذه الحقيقة، حقيقة تغير الناس وانجذابهم للدين من باب الولاء لأهل البيت، ابتداءً من احتشادهم في مجالس عزاء سيد الشهداء واستعدادهم للبذل في سبيلها، وانتهاء بساحات الجهاد وتقديم فلذات أكبادهم قرابين على مذبح الولاء والدفاع عن مقدسات أهل البيت. ولعلها من فعل وبركات ثقافة زيارة الأربعين المليونية التي أذهلت العدو، فكيف بالصديق؟ وسرها الذي سرى في الأمة وعم جميع أبناء الطائفة.. اللهم إلا من ران على قلوبهم وختم الله على سمعهم وأبصارهم فهم لا يفقهون ولا يدركون.

    ويقابل هذا التيار الجارف، حفنة من المتاجرين بالدين، المستأكلين بالمذهب، اللاهثين وراء الثراء والشهرة، لا تعنيهم إلا مصالحهم الشخصية في جمع الأموال وتضخيم حساباتهم في البنوك! والشيعي لا يطيق ولن يسمح أن يستشهد ابنه في سبيل هؤلاء الأوغاد، ولا يريد أن يستثمر حركته الحثالات، ويتاجر بجهده الطغام، ويتسلق على تضحياته اللئام.

    تيار من السياسيين والمعممين، لو كانوا يتمتعون بأقل درجات الإحساس بالمسؤولية، ويملكون أدنى مراتب الكرامة والرجولة، لغيَّبوا أنفسهم عن الساحة واختفوا إلى حيث لا عودة، وأقدموا على الانتحار وأسدال الستار على هذا العار. ذلك بعد أداء مثل الحضيض، على يد ما قدم فضل الله للأمة من تلاميذ: الجعفري والمالكي وهذا اللفيف! ولكنها العاهرة التي تحاضر في العفة، والراقصة التي تعظ فتنهى عن التبرج، وتزجر على هتك الحجاب! وإذا كانت المأساة والفاجعة في العراق تأخذ الصورة الواضحة في الفساد المالي والانهيار السياسي، فهي في بقية الأقاليم تأخذ طريقها لتبلغ هذه النهايات، وعما قريب سيدوي بوق فضيحتهم، ويضرب النفير العام لاستئصال شأفتهم.

    في هذا السياق تأتي حربهم على السيد جعفر مرتضى.. العالم المتزن الوقور، والمحقق الموضوعي العادل، والحر الذي كان في بداية فتنة فضل الله من المدافعين عنه! حتى بان له ضلاله بالدليل وانكشفت شيطنته بالحس، فانقلب عليه، ومال أولاً إلى نصحه، ثم إلى أمره بالمعروف ونهيه عن منكره، فمواجهته والتصدي له. وكل ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة، فلن تجد في جميع مؤلفاته، ولا سيما التي تصدى فيها لهذا الضليل لفظة سب وشتم واحدة، ناهيك بإسفاف وبذاءة، ما هي إلا مناقشات علمية واستدلالات واحتجاجات شرعية… لكنها طغمة لا تعرف العلم، وعصابة لا تطيق الحوار، وشركة تجارية لا تتحمل الرأي الآخر وتحسبه منافسة. ثم سكر المال والسلطة، وقد اجتمع إليه الفزع من زوالها، وطغى عليه الخوف من انكشاف واقعهم الفاسد، وكل ما يشكل مقدمات سقوط العرش ومصادرة الأموال وطي الفرش!

    وبعد، فلن يفهم أحد وجه الجمع بين شعارات الوعي الإسلامي والحركية والتقدمية والجهاد والمقاومة، والتطلع إلى رمز حي متفاعل مع معطيات الزمان والمكان، التي تبجح بها المعمم الضليل حياته كلها وتنطع، وبين إصرار أتباعه على عبادة رمة بالية في قبر! واللهث وراء حفظ صنم حطمته معاول المرجعية العليا، وحرقته ونسفته في اليمِّ نسفاً… إلا إذا عرف واقع تلك الشعارات وحقيقتها، وأنها لم تكن إلا السبيل إلى “مجد” حققه كرجل أعمال، وتجارة ومال، ضارب واستثمر حتى كوَّن إمبراطورية مالية تبدأ بالعقارات والأسهم، ولا تنتهي بالأسواق المركزية ومحطات الوقود والمطاعم والفنادق والأنشطة السياحية والخدمات الطبية، وفهِمَ هلع حاشيةٍ ورثته، ورعب عصابةٍ لاذت به، قامت معه نافجة أحضانها من كبر وغطرسة، متردية بين نثيلها ومعتلفها، ومضت تخضم مال الله خضم الإبل نبته الربيع! حتى أتخمت بالأرصدة المليونية، وأُبشمت من ريع المبرات، ما وَسَم الجباه منهم بميسم العار، ولطخها بخزي لا ترحضه البحار، ولكن ما الحيلة في أسقاط أوباش، محدثي نعمة صاروا في موقع المنح والإنعام، من خزائن ملؤوها بالنهب والاختلاس، بعد عهود التسوُّل والاستجداء؟!

    إن الأزمة ليست في تكريم سيد جعفر مرتضى أو بخسه حقه، إنها في سؤال يصك سمع كل ذي دين ووجدان: هل ذهب الشهداء في إيران، ويذهبون في كل ساعة في العراق وسوريا ولبنان، في سبيل هذا الفكر اللقيط، ومن أجل تعظيم هذا الضلِّيل الخبيث؟! ولا المعركة في نباح ياسر عودة ونفاق أبي زكريا وكل أجير مرتزق، ولا في ملئ شوارع الضاحية بلافتات و”بانرات” صور الهالك، يعثر بها المشاة فيركلونها، وتشمئز منها نفوسهم فيبصقون عليها.. ولكنها في ميدان العلم والاحتجاج الذي مرَّغ فيه السيد جعفر مرتضى أنوفهم بالتراب، وجبهة أخرى مرجأة مؤجلة، يتحرق الموالون في انتظارها، ولا يسعنا إلا أن نتمثل قول الرصافي:

    فيا علج أقصر عن نهيقك أنه، أضلَّ كإضلال الخوار من العِجْل.

    أنزِّه عنك السيف في قتلك الذي، تحتَّم لكن يا مخنَّث بالنعل.

  • بعد الشيخ علي المشكيني، كان جوادي آملي هو ثاني علماء السلطة والنظام في الجمهورية الإسلامية الذين اعترضوا على مرجعية السيد القائد، وقد اتهمه الثوريون (ثوريو ما بعد الثورة!) في حينها ورموه بأنه أرادها لنفسه، ليكون هو المرجع الديني، والسيد القائد هو المرجع السياسي، وما سوى ذلك مما طرحه وبرَّر به موقفه، هو دعاوى فارغة لزوم التغطية على الهدف، وذرائع تسوِّغ المعارضة وتبيح الاحتجاج، فلا التواضع العلمي للرجل هو ما أوقفه، ولا الأسس والأحكام الشرعية التي يتجاوزها هذا التصدي، ولا هتك التقاليد الحوزوية وتسجيل سابقة في إقحام عنصر من خارج الحوزة ونطاق المرجعية فيها هو ما أقلقه… هكذا رموه، فأُقصي الآملي وزوي، وبعد عقد ونيف من الإقصاء والحصار، والبعد عن الساحة والحذف من الميدان، جاءه “الفرج” من طاقة فُتحت له فجأة، و”يد” مُدَّت إليه على حين غِرَّة، فنطق كفراً بعد أن سكت دهراً!

    ولو تتبع المرء الحالة لوَجد عجباً عُجاباً من هذه “اليد” والكف التي في نهايتها، من دورها وفعلها في الساحة الشيعية!… لا أحد يدري من أين تأتي وأنَّى تظهر؟ كيف تتحرك وتعمل أو تتجاهل وتهمل؟ متى تُبسَط فتحرِّك وتعين وتآزر، ولماذا تُقبض أو تُمسِك وتتوقف؟ لمَ رفعَت هذا وصفَّقت له هنا، ثم صفعت ذاك وخنقته هناك؟.. ترسم الخطط وتدبر الأمر وتحيك وتتآمر، تحفر الأحابيل وتنصب الشراك، تحمل صرر الدراهم والدنانير، وصكوك الضِياع والإقطاعات، وأحكام الولايات وكُتب التعيينات، كما تلوِّح بالأصفاد والقيود والأغلال، ثم المدى والخناجر ورصاصات الاغتيال، وقوارير تديف السم الزعاف، لمن يراد له أن يموت حتف أنفه أو عرضاً من مجرَّد رعاف!

    وما زالت تمتد وتمد.. تهيج مواقع النزاع الفكري وتذكي الصراع العقائدي الذي يفتعله الحداثويون الشيعة، ثم تغطيهم وتدعمهم وتساندهم، فإذا سقط أحدهم وأخفق، امتدَّت “اليد” لتسعف الضحية وتنتشله من الغرق.

    ما زالت تفعل ذلك منذ الفتنة الأولى التي أشعلها محمد حسين فضل الله، وهو براغماتي وصولي من الطراز الأول، لاعب سياسي ضليع وتاجر في الدين وضيع، ما عرف المبدئية في حياته، ولا مارس الصدام والتحدي والثورية يوماً، بل كل حركته تكتيك ومناورة ولعب على الحبال، تقدُّم وانسحاب، كرٌّ وفر، معاملات وصفقات، ما يقتضي أن يتراجع أمام حائط الصدِّ المتين الذي شجَّ الارتطام به رأسه وصدعه، والانحناء للعاصفة التي ذهبت به واقتلعته، ولا سيما أن المواجهة كانت تدريجية، أتيح له وقفها في مراحلها الأولى قبل وصولها إلى الحكم عليه بالضلال والخروج من المذهب، لكن من غريب الحال وعجيبه أنه مضى في مشروعه معانداً مكابراً، غير مبال بخسائر فادحة نالت من وجوده، ودمار طال بنيانه من أساسه، بلغ تقويضه وانهياره!… كانت هناك “يدٌ” تمسك بعضده، وشفاهٌ تهمس في أذنه، تغشي بصره عن أضراره، وتزيِّن أو تقلب له وَاقعه، وتصوِّر له مستقبله كما يرجو ويتمنى! حتى هلك ومحق! ومما سجله المراقبون أن هذا الخناس نفسه، جاء الشيخ نوري همداني، وهو من المذبذبين الذين اصطفوا مرة ضد فضل الله وأخرى معه، وما زال يتقلَّب في موقفه، جاءه يهمس في أذنه ويستفزه، يذكي العصبية والحمية في نفسه: “أ تطيق معارضة المراجع؟ ما أظنك ستتحمل هجوم الحوزة عليك”؟

    فلما هلك الضال المضل، أعلنت “اليد” النفير العام، وجمعت القاصي والداني، حرَّضت وحشدَت، أملَت على المغلوبين المخدوعين وأكرهتهم، وساقت الأشرار الفاسقين نحو المشاركة في تأبينه ودفعتهم، فاحتفوا جميعاً بجنازته وأحفُّوا بنعشه… حتى أحيته وبعثته بعد موته، وأعلنت أن مثل هذا لن يقبر، بل سيبقى، من المنظرين إلى يوم يبعثون!

    وما زالت “اليد” تلهب الفتنة، وتذكي وتسعِر أوارها…

    من هنا أتى حب الله ليقحم الحوزة العلمية بتمرد وكِبر وغطرسة تأنف الخضوع لها حتى في زيها! وأطل السمج الرقيع قصير من نتَن الفساد وأسَن الاستئكال وخسَّة الغدر والخيانة والجاسوسية، ثم ظهر كمال الحيدري من أعماق الجهل المركَّب وحضيض الالتقاط وموبوء النفس، و”اليد” تأسس للأول “مرفأ الكلمة” وتسخِّر له ما يحتاج من إمكانيات، وتمكِّن الثاني من الإفتاء والافتراء، فلا فرق في قاموسهم، ولا غضاضة من هذا العبث والإسفاف، أما الثالث فساقته بطيلسانه وصولجانه، وقدَّمته بطبول تقرع وأبواق تنفخ، فلم يقو الأهوج على الصمود شهراً وبعض شهر، وهوى بالإهمال والإعراض، وسقط دون مواجهة تذكر! ولم يسقط فحسب، بل أسقط معه قناة الكوثر، وذهب المؤمنون في مقاطعتها، وتبنوا بوعي وبصيرة إلهية ـ دون فتوى وحكم ـ حرمة متابعتها، فتحركت “اليد” وسخَّرت له قناة الميادين (ميزانيتها 40 مليون دولار من أموال صاحب الزمان وضعت بتصرف العلماني اليساري التونسي غسان بن جدو، الذي وظف مرتزقاً جزائرياً ليعلم الشيعة دينهم! والجميع يختلس ويثري، ويعبث ويهدر، ثم يحارب المذهب الحق بأموال المذهب!)… كل ذلك حتى تنقذ بذرة الشر، وتعيد غرسها في سجيل أنفس المرضى والمعقدين.

    وبين هذا وذاك، كانت إملاءات “اليد” تحرك ناصر مكارم ليبث سمومه ويقذف قيأه، فلم يبلغ تأثيره ولم تنطل أكاذيبه حتى على عمال معامل السكر التي ابتاعها بدينه! وتطلق ذئاب الصحافة من أوجارها، تهتك معتقدات الشيعة وتستبيح مقدساتها دون أية مراعاة لمشاعر المؤمنين وحقوقهم، محتجة بأنها مقدسات موهومة، فلا حرمة في الواقع لها، تماماً كما يفعل النواصب عند النيل من إمام زماننا، يحتجون أن المهدي لم يولد، وأن سبابهم لن يتوجَّه في الواقع إليه.

    والغريب الملفت أن محور نشاط هذه “اليد”، ومدار حركتها والجامع بين سائر الناعقين في ركابها، والمنحرفين المنخرطين في جماعتها، هو التعرض لقضية الزهراء عليها السلام بنحو وآخر! حجد فضائلها والتشكيك في أنواع ظلاماتها وأقسام المصائب التي صبَّت عليها، والطعن في التراث المنقول عنها وعن أبنائها، ثم إنهاء قضيتها وتبرئة قتلتها… هناك خيط من مغزل خبال، وحبل من مسد يربط هذه الأحجار، ويجمع الدباب التي دحرجها من قبل أسلافهم في عقبة هرشى، وينظمها في طوق يغُل أعناقهم ومقامع تهشم وجوههم بعد أن تسود عن قريب.

    حتى إن “اليد” التي أثارت كل هذا وفعلت كل ذاك، رعت الضلال وأعانت الضُلَّال، لم تتمالك عبق الولاء يفوح، وأنوار الحق تسطع من بيان الوحيد الخراساني، يدعو إلى إحياء الفاطمية والوفاء للزهراء وقضيتها، فسوَّلت لبعض الأخيار أن يحتفلوا بذكرى شهدائهم في يوم استشهاد الزهراء، بما يضعف موكب العزاء الذي يتقدمه المرجع الأعلى وصاحب الكرسي الأرفع في الحوزة العلمية!

    وما زالت “اليد” في هذا وذاك، حتى وَسوَسَت أخيراً فاستزلت علَماً كالشيخ جوادي آملي، ودفعته ليفتري على الزهراء عليها السلام وينبري لينسج على لسانها ما يحلو له، ويقوِّلها ما يحب ويهوى! فيهرف بما يـعدُّ تناول الخطبة الفدكية إثارة للطائفية، ويهذي بما يحسبها خطأ أو نافلة لا ينبغي الانشغال بها مقابل شكر الله وحمده على ما منَّ به علينا من حكومة “علي” وهزيمة السقيفة في هذا العصر! (وللرجل تصريح سابق عام ٢٠١٢، يدين فيه النظام البنكي في الجمهورية الإسلامية ويعلن أن البنوك هناك ربوية، وهي في حالة حرب مع الله، وأن أرباح هذه البنوك ومعاملاتها حرام. ولكن في تصريحه الأخير يعلن أنها حكومة علي والغدير لا السقيفة! وتراه يساوي بين العاملين في هذا النظام وأصحاب سيد الشهداء!) والخطاب في مادته وأدلته أقل شأناً وأوهى قدراً من أن يُردَّ عليه أو يُلاحَق، ومن التهافت والسقوط ما يكفينا مؤونة الجواب، لكن ما ينبغي النظر فيه والرد عليه هو المنطلق والوجهة التي أخذت الشيخ في هذا المنحى، وأسقطته في هذا الغَوْر السحيق.

    إن هذا الخطاب يأبى على المظلوم ويصادر حق المحق بالصدح بحجته وبيان ظلامته، وإن كان مع التزام الآداب والأحكام الشرعية، والتقيُّد بالوسائل العلمية والجدال بالتي هي أحسن، ويقطع الطريق على انتشال أيتام آل محمد من الغرق في أمواج الوحدة الزائفة، والإبقاء عليهم طعمة نيران الاتجار السياسي، وتسخيرهم لإنماء ملك هذا، وإنقاذ حكم ذاك!.. بحجة كلمة حق ومصحف يُرفع على قناة يتلو: الحذر من إثارة الطائفية وتأجيج الفتنة المذهبية!

    ماذا لو طبق أحدهم موارد النزاع الطائفي على القتال في سوريا، وطالب بقطع دابره وإنهائه بالانسحاب من القتال هناك؟ ثم نسب ذلك إلى الزهراء عليها السلام وقوَّلها تحليله ورؤيته السقيمة هذه؟! ماذا لو عزا أحدهم الفتك التكفيري والتفجيرات الإرهابية إلى أداء الشيعة السياسيين والتيارات التي تتبع إيران، وأرجعه إلى رد الفعل على توليهم مقاليد الحكم والسلطة هنا، ونصرتهم نظاماً جائراً هناك؟ وطالب بالتخلي عن كل ذلك في سبيل وئد الفتنة ووقفها؟ ثم نسب رأيه وقراءته للأحداث، وحمَّل اجتهاده أحد المعصومين؟

    إن الفتنة الحقيقية هي في الإضلال الذي يُلبس على العوام ويخدعهم، فيصرفهم عن مادة فلاحهم في أخراهم، ويبعدهم عن سبيل نجاتهم في معادهم، أي التمسك بحبل الله، ولاية آل محمد، العبادات والأعمال التي تزكي أرواحهم، وعلى رأسها العقائد، فهذه هي التي تبني صوَرهم البرزخية وتشكل أبدانهم الأخروية المعادية، فلا يمسخون كأعدائهم قردة وخنازير، ويحشرون عمياً وقد كانوا في هذه الدنيا مبصرين؟!

    الفتنة في عصرنا بدأت في ضال مضل يبكي وهو يقرأ دعاء كميل، أغوى السذَّج وأغرى البسطاء، ونجَمَ قرنها أمس بمفسِّر للقرآن، يصلي على النبي إذا ذكره غالباً بالبتراء! يقوِّل الزهراء ما لم تقله وينسب إليها بملئ فمه ما يعجز هو ومن معه عن إثباته، لا بما يحمل من برهان، ولا بما يزعم من عرفان… اللهم إلا أن يخرج من مذهبنا ويدين بغير ديننا، ويقول بمقولة الصوفية، بأن الولاية العظمى مقام مشاع لكل سالك، ومنزلة تتاح لكل وَارد، وأنه ارتاض وسلك حتى بلغ ووَرد، فصار ينطق عن الهوى وحياً يوحى!

    وسيبقى الصراع سجالاً، وستتلقى الساحة “حيدرياً” بإصدار جديد ونسخة مطوَّرة، و”آمُلياً” بشكل مختلف، وشيطاناً وليداً في كل حين، وبين هذا وذلك سترى كيف ينجم قرن: “راضي” و”رضا” في الأحساء، و”عودة” و”طالب” و”خشن” في لبنان، وطغام من هذا القبيل هنا وأوضار ونفايات هناك… شياطين تلهي الساحة وتشغلها، حتى تُفتضح “اليد” المحركة، ويعرف القاصي والداني كيف يعمل “أبومرَّة” وكيف يغزل ويحيك ويدبر ويصنع كل هذه الفتن.

  • في سلسلة محاضرات قيمة، هي آخر عطاء السيد محمد باقر الصدر رحمه الله قبل استشهاده، تناول فيها السنن التاريخية في القرآن كمورد للتفسير الموضوعي للقرآن الكريم… عرض هناك إلى وجود حشرَين وحسابين في المعاد، أحدهما فردي والآخر جماعي! وهو سبق فكري، والتفاتة أو انتزاع مبتكر، بالنسبة إلى مطالعاتي وتتبعي، فلم أقع على الفكرة من غيره. نعم، ذكرها المفسرون في مواردها القرآنية، كقوله تعالى: “كل أمة تدعى إلى كتابها”، فقال العلامة الطباطبائي فيها: “ويستفاد من ظاهر الآية أن لكل أمة كتاباً خاصاً بهم كما أن لكل إنسان كتاباً خاصاً به”… لكنه وغيره من المفسرين، لم يطيلوا الوقفة هنا، ولم يأسسوا لمفهوم وفكرة، وكنت ممن تلقى المحاضرات سماعاً عن أشرطة مسجَّلة، قبل أن تجمع وتطبع في كتاب سموه “المدرسة القرآنية”. وعلى الرغم من أنني كنت في عنفوان الشباب، وفورة النشاط الحركي والثوري، إلا أن ذلك لم يحل دون وقفة عميقة، وتفكر وتأمل، جاء من أُنسي بالمطالعة وولعي بها، مما نفتقده في هذا الجيل من المؤمنين الحركيين، الذين أنسوا بالصحف عن الكتب، والتهوا بالمجلات عن الدراسات، وانشغلوا بالنشرات الحزبية الضحلة عن المصادر والمراجع والموسوعات! ولعمري، فهي تربية القيادات الجاهلة والزعامات الخاوية والأحزاب الهزيلة، وهذا هو نتاج البعد عن الحوزة والتعرّب عن الحواضر العلمية الأصيلة. وتراهم اليوم لا يطيقون قراءة أكثر من فقرة من جملتين لا تتجاوز حروفها السبعين! فهذا عطاء تويتر، وتبعات الغرق في فيسبوك، حتى تجد الكتاب يسقط من يدي أحدهم، عاجزاً أن يفهم أو يلاحق فكرته ورسالته، فيبقى كما كان: صفر اليدين، ويعود إلى الشطائر واللفائف، بدل الوجبات الغنية والغذاء الذي يسند قوامه ويشيد بنيته!

    استوقفني الأمر كثيراً، حيث بلور الشهيد الصدر فكرة الوجود والكيان المجموعي أو الاجتماعي أو الفئوي الذي يجمع أفراداً يلتقون في صلات وعلاقات قائمة على مجموعة من الأفكار والمبادئ المسندة بمجموعة من القوى والقابليات، وأن هذا الجمع الذي يعبِّر عنه القرآن الكريم بالأمة، له أجل، وله حياة وحركة، ثم له حشر وحساب، وهو قوله تعالى “لكلِّ أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون”، و”وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم * ما تسبِقُ من أمة أجَلَها وما يستأخرون”…

    هناك حشر فردي، وكتاب وحساب فردي تشير إليه الآية الكريمة: “وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه، ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً”، وهناك حشر جماعي، وكتاب وحساب جماعي يشير إليه قوله تعالى: “وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون * هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون”، إذن هناك استنساخ وتسجيل وتدوين في كتاب، وهذا الكتاب ليس “تاريخ الطبري” (التعبير للشهيد الصدر)، وهو لا يسجل الوقائع الطبيعية، والأحداث الفسيلوجية الفيزيائية، بل يحدِّد ويسجل ما كانت تفعله الأمة كأمة، والمجتمع كمجتمع، والجماعة المتضامنة والفئة المتحازبة، التي تستقي من مشرب ومورد واحد، وتلتقي على فكر وعقيدة ومبدأ مشترك، وتجتمع على موقف وتتحرك تحت راية وتخضع لولاية وقيادة عليا، حركة كتلة وحزب وتيار وجماعة، بصرف النظر عن جزئيات وهامشيات، قد تتخللها متبنيات مختلفة لأحدهم أو لبعض آحاد هذا الجمع، ومذاهب ورؤى متباينة لبعض أفراده، فالملحوظ في الكتاب الجماعي هو سيرة وحركة التيار ككل، وعمل الجماعة ومواقف الفئة، كحزب وفئة، هناك حيث يتنازل الفرد للجماعة، لأي سبب كان، يتخلى عن فكره وعقيدته، وينصاع للمجموع، ويلتحق بالراية ويخضع للولاية.

    يقول الشهيد الصدر: هناك إحضاران بين يدي الله سبحانه وتعالى، الإحضار الفردي يأتي فيه كل إنسان فرداً فرداً… وهناك إحضار آخر، إحضار للفرد في وسط الجماعة، إحضار للأمة بين يدي الله، كما يوجد هناك سجلَّان، كذلك يوجد إحضاران. ترى كل أمة جاثية، كل أمة تدعى إلى كتابها.

    والسؤال الخطير الذي ينقدح في الذهن حول هذه الفكرة القرآنية: كيف للعدالة الإلهية أن تؤاخذ الإنسان بعمل قومه وجريرة مجتمعه، وتأخذه بجرم لم يقترفه بنفسه، ولا تزر وازرة وزر أُخرى؟ وما يزال المفكر في هذا حتى يأخذه التدبر والتأمل إلى مواقع دقيقة وتفريعات عميقة، يتبين معها أن الأمر يتجاوز التقاعس عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسكوت عن الظلم، والركون إلى الظالمين، ما يُدخِل الساكت في نطاقهم وبالتالي الحساب على ملاكهم والاشتراك في ذنبهم. بل يتجاوز حتى مسألة الرضا والموافقة التي تُلحق الراضي بالفاعل، وتُشرك الفرِح بالمباشر!

    إن الأمر في الجمع بين الكتابين، ثم الحشرين والحسابين، الفردي والمجموعي، وما ينتظرنا في المعاد، أكثر عمقاً من هذا وأكثر دقة من ذاك…

    إن المؤمنين في غالبيتهم، ولا سيما العاملين منهم، تبعٌ منقادون، يفتقدون الاستقلالية، سواء الفكرية أو العمَلية، لا يتمتعون بالقدرة على تكوين الفكرة ورسم الرأي وتشخيص الموقف، ومن يقدر منهم على ذلك، تراه عاجزاً عن تنفيذ رأيه وتطبيق قناعته، فينساق ـ في مقام العمل ـ مع المجموع ويميل إلى إملاءات العقل الجمعي… هكذا ترتسم صورة واقعنا: غالبية تابعة منقادة، وقلة مستقلَّة، وأقل القلة تضع لنفسها نهجاً وتخطَّ درباً، فالعلم في كساد، والوعي في استلاب، فلا علم يسمح بهذا الألق، ولا فكر يعين على هذا التحرر والإبداع، ثم يأتي أوحدي زمانه ونادرة دهره ليكون “أمة” في نفسه، قادراً، بعد الحرية الفكرية، على تنفيذ مشروعه، ورسم نموذج إبراهيمي يحطم الأصنام ويستنقذ أمته من عبادة الأوثان.

    الغالبية تتبع القوى الاجتماعية والسياسية الفاعلة في الساحة، سواء سجلت أسماءها وملأت استمارات انتساب، أو لم تفعل، فهم منتمون إلى أحزاب، منخرطون في منظمات، أي أنهم في واقعهم يتبعون رايات، يستقون منها المواقف، ويأخذون الأفكار والمعتقدات، ويكونون ما يتوهمونه “قناعات”.

    وصلني بالأمس تسجيل مرئي لأحد الإخوة الكرام الذي عرفته، وعرفته الساحة الإيمانية، نموذجاً للبساطة والبراءة، والشرف والنزاهة، سليل بيت ما زال في خدمة الدين والمذهب، عبر أكثر الأبواب مشروعية وأصالة، وبُعداً في الفكر عن الالتقاط، وفي السلوك عن الاتجار، أي الحوزة العلمية، ثم الخطابة الحسينية وإقامة مجالس عزاء سيد الشهداء. لم يتلوث والده بحزبية ومصالح سياسية، ولم يستأكل بدين أجداده، كما لم يتنازل عن عقيدته ويفسح للطعن في الموروث المقدس الذي تضمخ عبر عشرات القرون بعبق الأصالة، فخُطَّ بمداد العلماء وتعمَّد بدماء الشهداء. هذا هو عطاء هذا البيت الطيب، وهذا هو واقعه وتاريخه. والرجل شبل من ذاك الأسد، وفحل من ذاك الصلب، نشأ على الأصالة والولاء، ولم يعرف في حياته الالتقاطية والتغريب والتهجين والتحديث، وقد أصر والده رحمه الله على عدم إدخاله المدارس العصرية، ليحافظ على تلك الطهارة وذلك النقاء، حتى أنك لِتقرأ ما يخطُّه بيراعه وينقشه بقلمه، عليك أن تستعين بمحلل شيفرات ومفكك ألغاز! رجل تقليدي أصيل في كل شيء، حتى في بساطة معيشته وروحيته وأخلاقه…

    ترى ما الذي أودى بمثل هذا المسكين لينصر ــ وهو في أواخر عمره ــ الضال المضل؟ من أين جاءه الشيطان وأغواه ليسقطه في قعر الضلال ويلحقه بمعسكر الإضلال؟… إنها تبعات الانتساب إلى تيار، لوازم الحزبية والانخراط في جماعة، والعمل تحت راية!

    وقد يتوهم هو أو غيره، بأنه استدرك وقدَّم بأنه يعتقد بظلامة الزهراء وكسر ضلعها وإسقاط جنينها (فكأنه نجى في كتابه الفردي)، لكنه عاد وانتصر للضال المضل واحتال، وعمد إلى الكذب والتزوير ليدافع عن منكِر ظلامة الزهراء وجاحد فضائلها! لقد كذب، وهو يعلم أنه كاذب، حين عدَّ السيد السيستاني مرجعاً أعلى، بينما هو يطعن به في مجالسه الخاصة ولا يبقي له بقية! ودلَّس حين استشهد بموقفه، ونسب إليه الحياد في قضية الزهراء، وهو يعلم حقيقة رأيه وفلسفة سكوته! تدثر بالحرص على وحدة الساحة وتجنيبها المهاترات، وهو يعلم في قرارة نفسه أن باعثه على هذا الخطاب ليس ما ادَّعاه، كيف وهو الذي أودى بالساحة ومزَّقها شر ممزق وجعلها أضحوكة المخالفين ومحل تندر غير المتدينين في قضية سيادة آل النمر!

    سقط المسكين في كتابه الجماعي وسيخزى في حشره مع هذه المجموعة الملعونة… نفث الشيطان على لسانه، فألحقه بفضل الله والراضي وقصير والحيدري والسلمان والمالكي واليعقوبي، والمتردية والنطيحة، وما عفَّ السبُع عن نتن جيفته ولفظته الضباع حذر سمومه! أقرَّ بذلك أم أنكره، رضي به أم أباه.

    وفكرة الكتاب والحشر والعقاب الجماعي (التي طرحها الشهيد الصدر) وملازمتها العدالة الإلهية تتجلى هنا، فهؤلاء، المنخرطون في الجماعات والمنتسبون للتيارات، سوف يسقطون، إن عاجلاً أو آجلاً في حفرة الراية التي يحفون بها ويعدون خلفها ويطفرون تحتها، سوف يتبنون نفس الأفكار وينخرطون في نفس الجبهات التي يدفعهم إليها صاحب الراية. لن يكتفوا بالرضا القلبي وتبعة السكوت عن الباطل والإغضاء عن الفساد، حتى يدخلوا فيه، يلبسهم ويتقمصهم، فيتبنونه وينادون به… سوف تنعدم الغيرة والحمية فيهم، وتزول العزة والكرامة، ويسقط الشرف وتضيع النزاهة، سوف يتحولون إلى عبيد خانعين، يفتقدون رجولة النقد وفروسية الاعتراض وشيمة الحرية وطبع الأحرار، وسوف يتهاونون في المقدسات التي يهتز لها العرش، ولا يبالون بالعظائم التي تندك لهولها الجبال، ولا يكترثون بالحق والصدق، والقيم والمبادئ، ويستخفون بعلة الإيجاد، الذين ما خلق الله العوالم إلا لهم وفي محبتهم، ثم يقيمون الدنيا على كلمة مسَّت زعيمهم، ويملؤون الساحة صخباً وضجيجاً على أمر حقير تافه… هكذا يرتسم الشقاء، ويستحق القوم الجزاء.

    إنه أمر في غاية الأهمية ومنتهى الخطورة، أن نعرف ونتثبت ونحسن اختيار الجماعة التي ننتسب إليها، التيار الذي نحسب عليه، الحزب الذي ننتمي إليه، المرجع الذي نقلده، المسجد الذي نصلي فيه، الحسينية التي نعزي فيها، الصندوق الخيري الذي نساهم فيه، الأصحاب الذين نعاشرهم… والبلاء والطامة أن أغلب الناس يحسبون أنهم مستقلون، لا ينتسبون إلى تيارات ولا يتحزبون في جماعات، والحال إنهم غارقون في الانتماء، منغمسون في الاتباع، مندفعون في الولاء، ينصرون الباطل، ويدافعون عن الضلال، ويجرحون قلب إمام الزمان وهم يصطفون في جبهة غاصبي حقه ومنتحلي نيابته، وأدعياء ولايته!

    والساحة، على سعتها وهرج منابرها، لا تسمح بكلمة صواب تسدِّد، ولا تطيق قولة حق ترشِد، أو صعقة تُحيي، وصفعة توقِظ، وصيحة تنبِّـه… فيمضي القوم في غيهم، ويرتكسون في ضلالهم، حتى يسقطوا في هذه الحفرة الشيطانية، لا يعون المأساة التي يعيشون إلا عندما تأتي سكرة الموت، وهناك لا جدال ولا مراء، تبلى السرائر وتنطق بأنهم كانوا يعرفون الحقيقة في شروط الانقياد والاتباع، وبطلان الشهدات، وأنهم كانوا يدلسون وما زالوا يزيفون، حتى تلبسهم الباطل وانخرطوا في الضلال. وينشر أمام كل منهم كتاب جماعته وما سجل فيه الرقيب العتيد، فينادي: وما شأني أنا حتى أؤاخذ وأُحاسب؟! فإذا تمت الحجة، يعقبها بحسرة: يا ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً…

  • هناك مفاهيم وأفكار أخذ بها المؤمنون ونشأوا عليها، ودخلت في بنيتهم الدينية ومرتكزاتهم العقائدية، حتى صارت من مسلَّمات دينهم وبديهيات ثقافتهم، وهي في الأعم الأغلب من المشروعية والصحة بمكان، فقد جاءت من قراءات علمية، وانبثقت عن قيم ومبادئ شرعية، واستندت إلى أدلَّة عقلية، وترتبت على أسس ومبان متقدِّمة سبق الفراغ من حُجِّيتها… منها فكرة خطر الاتحاد والوئام وقبح الفرقة والنزاع بين المؤمنين، وهو أمر عقلي قرآني، راسخ لا يمكن لأحد أن ينكر ضرورته ولزومه، ناهيك بأن ينادي بخلافه. ومنها مقولة ومفهوم الأخذ بالأسباب في جعل الأشياء وكوْنها، وما يبتنى على ذلك من فكرة “حاجة” الإمام المعصوم و”افتقاره” في قيامه إلى العدة والعدد، وأنها عِلة امتناعه عليه السلام عن النهوض، والإحجام عن رفع رايته. وهناك فكرة الوحدة بين الفرق الإسلامية وما لازمها من سوء فهم أو اتجار، مما سيوقع المنغمسين فيها ويلقيهم يوم الرجعة في الهلكات وينزل بهم النكبات، بعد أن أزروا بعقيدة البراءة وخلطوا فيها أيما خلط… وكثير من هذه المفاهيم التي يدين بها الناس ويتسالمون عليها، ترتبط وتتعلَّق بالعقيدة المهدوية، أو تمسها وتسري إليها بنحو وآخر.

    إن التعاطي مع هذه الأفكار وتلقِّيها كحقائق علمية مطلقة، قد يخلق اضطراباً في فهم المؤمنين، عندما يطالها في بعض المواقع شك وتعلق بها شبهة أو يثار حولها سؤال، ما يورث خللاً في عقيدتهم، ثم ارتباكاً وتزلزلاً في أدائهم، ولك أن تقف على حجم المأساة إن باغتهم الظهور الشريف (وأمره كالساعة يأتي بغتة) وتحقق في حياتهم قبل معالجة هذا الداء، والفراغ منه إلى علم ويقين، وبصيرة بكُنه الدين! ويتأكد خطر الأمر بملاحظة أننا نعيش فقراً في بحث قضية المهدي على هذا الصعيد، فإن جُل الدراسات تتناول إثبات وجوده عليه السلام بشخصه، ودفع شبهات المنكرين، والتماس الحجج التي تبرر طول عمره، ثم علامات ظهوره، ومعالم دولته.. ولا بحوث في منطلقاتنا نحن تجاهه عليه السلام، ولا دراسات حول ركائز رؤيتنا له ولحركته، وآلية التعامل معها ومعه! والحال أنه قد تكون بعض المفاهيم خاطئة، وتوجد قراءات تعارضها وتخالفها، أو تقيِّد من إطلاقها وتحد من تعميمها، لكنها تعيش غربة وتعاني تغييباً، لغلبة الإعلام وسطوة العقل الجمعي والأنس بالمألوف والوحشة من الجديد. وكذلك الحال على صعيد تهذيب النفس والإعداد الروحي للظهور، وسبل الارتباط بالمولى عليه السلام، مما تكفَّله تراث عظيم من الأدعية والزيارات وسائر الآداب والمستحبات… ترانا نقف من رسالتها الفكرية على مسافة، ويفصلنا عن خطابها العقدي بون، وجل ما هناك نفحات وأجواء وحالة روحانية، وهي مطلوبة مباركة ولا شك، لكن الفكرة والعقيدة يجب أن تكون سابقة وملازمة ولاحقة لكل عبادة ورياضة.

    وتتأكد ضرورة هذا الاتجاه في المباحث المهدوية، في ظل فوضى وعبث يمارسه المتطفلون والأدعياء، وقد عشنا مؤخراً فتنة دعوى “سلمية” الحركة وتغليب “الرحمة” التي تحف قيام المهدي وتحكم سيرته المنتظرة. مبدأ إنساني أصيل مقرر في محلِّه، وقيمة دينية راسخة في النفوس ومتمكنة من القلوب، بنى عليها أحدهم مفهوماً أطلقه في غير محلِّه ووَظَّفه لخاص غرضه!.. والرجل خالي الوفاض، لا يدري ماذا يقول بعد القصص والحكايات، لم يبرع في فقه وأصول، ولا أجاد في كلام وحكمة، ولا أحسن في تفسير ودراية، ولم يبدع في شيء من فنون الحوزة وصناعات العلم، فبماذا عساه أن يظهر على أتباعه ومريديه بعد الابتسامة الصفراء والتمثيل في الدعاء؟ ماذا لديه ليقدمه لجمهوره وقد كبر الادعاء وتضخمت الأنا وتورمت الذات؟ وبلغ الأمر حد التصدُّع والانفجار؟ فإذا وقع، انكشف الخواء وملأ التشظي الفضاء ـ بعد أفئدتهم ـ بالهواء، أو الهراء!.. هكذا أشعل الرجل فتنة زلزلت عقائد جماعته وأفسحت لشبهة ستورثهم بعد حين الضلال فالهلاك!

    في سبيل ظهور إعلامي وتسويق تجاري واستعراض دعائي، يرضي شرق النفس أو شيطان الغرب، ويحسن ذكره في “إرشيفهم”، وصورته في “ألبومهم”، عمد المزيف إلى استغلال مفهوم وتوظيف فكرة، ولم يبال بتشويه الحقيقة والقفز على مواقع “القوة” و”النقمة” الثابتة في أصيل ديننا أحكاماً وممارسات، سواء في عهد رسول الله أو في الوعيد الإلهي عند القيامة ويوم الجزاء… وما زال الأداء الشيطاني يستدرج أتباعه ويملي لهم، حتى لبسهم التلبيس، وسكنهم إبليس، فراحوا يلاحقون هذه الفكرة مفتضحة البطلان، ويستدركونها بسلسلة إصدارات، عسى أن ترتق فتقاً يلزمها، وتقيم أوَدَاً يحكمها، والإصدارات على شاكلتين: تافهة تخاطب العوام (من سنخ الإثارة الأولى التي أسست لهذا الانحراف)، وأخرى لا تخلوا من علم، أو سعي لركوب حافلة العلم والسير على درب التحقيق… فبعد كرَّاس عبير الرحمة، وما نزل به أو بان من خوائه، لم يطوِ القوم الصفحة ويتداركوا الفضيحة بإغلاق الملف، لتحمله الساحة الإيمانية على زلة وشطحة، بل كابروا وأخذتهم العزة بالإثم، فراحوا يخادعون أهل الفضل، ويزينون لبعض المحققين (وهم بين مستغفَل ومتمصلح مستأكل)، لينتزعوا منهم تأييداً للفكرة الشاذة ونصرة للرأي الآفن، بذريعة أن صورة المهدي المنتظر مشوَّهة في أعين الغرب لروايات العنف والدموية التي تتسم بها حركته، حتى إن بعض المؤمنين يعيش خوفاً من “بطش” الحجة، فيمتنع عن الدعاء له بالفرج!.. تماماً كما فعل ويفعل أعداء التطبير، وهم يهوِّلون لبعض الفضلاء وينقلون لهم صوَراً كاذبة أو مضخمة حول سلبيات هذه الشعيرة، لينتزعوا منهم كلمة تنصر موقفهم بحجة تشويه المذهب! 

    ما زال التيار الذي أسس وأطلق “منظمة العمل الإسلامي” السباقة إلى حمل السلاح وممارسة العنف، مصراً على دعم فكرة سلمية الدعوة المهدوية، متشبثاً بمقولة القفاز المخملي والوردة الحمراء، مقابل العرَق والعلَق (الدم)، والسيف الذي يثخن في الأعداء فلا يُروى حتى يبيدهم ويفنيهم عن بكرة أبيهم، ويزعمون اللين والعفو والسماح، مقابل نبش قبور الطواغيت وإخراجهم لصلبهم على جذوع النخيل. ويبشرون بتكرار خطاب ونداء صدر الدعوة: اذهبوا فأنتم الطلقاء، مقابل هتاف: أمت أمت، وشعار: يا لثارات الحسين… وما زالت هذه الجماعة تلتقط كل شاذ وتتبناه، تنشر كتابه وتوزع إصداره، وكأن الآذان صمَّت والأبصار كلَّت وغشيت! فظهرت خطوات الشيطان وارتسمت، كيف استدرجهم اللعين واستزلهم، حتى صاروا يرسمون للإمام المعصوم تكليفه، ويحدودن لحركته ضوابطها، ويضعون معايير تقييمها، وبالتالي تقييمه واتخاذ الموقف تجاهه!

    وهنا رسالة إلى العلماء الحقيقيين، لينهضوا برفد الساحة وتسليحها وتحصينها بالدراسات المعمقة التي تستوعب جميع جوانب القضية، وينبروا لمنع تفشي هذا الداء، ويكافحوا ليمنعوا الوباء، ويسدوا الثغرة التي يتوغل منها هؤلاء، الذين يمحورون الدين حول أشخاصهم، ويوظفونه لخدمة بيتهم، ولا يبالون أن تتقوض دعائم البنيان، وتتداعى أخطر المعتقدات، ولا يكترثون بهتك واستباحة أقدس المقدسات، ما دام الأمر يمضي في سبيل ظهورهم، ويخدم طريق شهرتهم ودوام ملكهم، واستمرار استغفالهم العوام وارتهانهم البسطاء من الشيعة!

    إن رؤيتنا وفكرتنا عن المهدي عليه السلام وحركته، تنطلق وتجري على صعيدين: الأول عقائدي، فرغ العقل من إثباته، وترسَّخ أصولاً للدين لا تتغير ولا تتبدل.. فلن نذعن لمن ينادي بغير التوحيد، ويقول بالثنوية مثلاً، ولن نركن إلى من ينقض النبوة ويجحد الإمامة، ويبطل منها العصمة والعلم والولاية، أو يحط من منزلة الإمام ويبخسه مراتب رتَّبه الله فيها… نحن على بيِّنة من أمرنا وعقيدتنا، نعرف إمامنا، وهو الحجة بن الحسن العسكري صلوات الله عليه لا غير، لا بهائي ولا بصري، لا قحطاني ولا صرخي، وهو عالم بما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة، معصوم لا يزل ولا يخطئ، قادر مكين عظيم بقدرة الله وعظمته، فهو وجه الله وعينه ولسانه ويده المبسوطة القاهرة، وكل دعوى تنال من ثوابت عقيدتنا، باطلة لن تلقى من الشيعة إلا الرفض والإعراض.

    أما على صعيد السيرة والشريعة، فمستقانا للأحكام هو الإمام، له أن يقرر ويبطل ما يشاء، ولا يشاء إلا ما شاء الله… حتى لو كان الأمر من ضروريات الدين، كالصلاة والصيام، فلو فرضنا ـ جدلاً، ومن باب فرض المحال ـ أنه أمرَ بنقله من رمضان إلى شوال، أو أمرَ بتركه من أصله، يجب أن يطاع، ولو أمرَ بتغيير مواقيت الصلاة أو عدد ركعات الفروض أو بإلغاء بعضها، بل بإلغائها من رأسها، وَجب امتثال أمره، وهكذا لو أمرَ بهدم المسجد وتغيير المقام وتحويل القبلة وزيادة القرآن، فلا يرد عليه إلا جاهل ولا يعارضه إلا جاحد.. ولا مندوحة في ذلك اليوم للتحجج بالجهل والغفلة، ولا سعة لالتماس الأعذار. لذا علينا تربية أنفسنا وأهلنا وإخواننا، وتوطينهم على الطاعة، وتأديبهم على الخضوع المطلق التام، والارتكاز في فهم الدين والانطلاق في الالتزام به من الإمام، هو الأصل والمحور والقطب والمدار الذي تنتظم إرادة الرب في وجوده، وتهبط مقاديره على قلبه، ويصدر ما فصِّل من أحكام العباد.

    الإمام مطاع بلا شرط… لو قتل وأجرى الدماء حتى “رأينا” ذلك إسرافاً وإفراطاً، أو امتنع وأمسك حتى حسبنا ذلك تضييعاً وتفريطاً، فالأمر له والحكم له، هو المولى وهو السيد والحاكم، وما علينا إلا الطاعة المطلقة والإذعان والتسليم، لا نشك ولا نتردد.

    من هنا نعود إلى التربية التي نشأنا عليها من رسوخ بعض المفاهيم، ونرجع منها إلى الأصالة التي أرادها لنا أئمتنا، وتولونا بالتربية لننشأ عليها، فمفهوم الوحدة بين المؤمنين ـ مثلاً ـ ليس من المقدسات التي تقتضي تضييع الحقوق وإغماض الحقائق والسكوت عن الظلامات، ولا سيما ظلم المعارف الإلهية الحقة، وما يفضي إلى إفساد العقائد والإضلال.. وهذا الإمام يتعمد أن يوقع الخلاف بين شيعته، فقد روى زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن مسألة، فأجابني فيها، ثم جاء رجل آخر فسأله عنها، فأجابه بخلاف ما أجابني، ثم جاء آخر فأجابه بخلاف ما أجابني وأجاب صاحبي، فلما خرج الرجلان قلت: يا بن رسول الله، رجلان من العراق من شيعتكم قدما يسألان، فأجبت كل واحد منهما بخلاف ما أجبت به صاحبه؟ فقال: يا زرارة، إن هذا خير لنا ولكم، فلو اجتمعتم على أمر لصدقكم الناس علينا، ولَـكان أقل لبقائنا وبقائكم؟ قال: ثم قلت لأبي عبدالله عليه السلام: شيعتكم لو حملتموهم على الأسنة أو على النار لمضوا، وهم يخرجون من عندكم مختلفين؟ قال: فأجابني بمثل جواب أبيه. ومن ذلك ما رواه سالم بن أبي خديجة عن أبي عبدالله عليه السلام قال: سأله إنسان وأنا حاضر فقال: ربما دخلت المسجد وبعض أصحابنا يصلَّي العصر وبعضهم يصلَّي الظهر، فقال: أنا أمرتهم بهذا، لو صلوا على وقت واحد لعُرِفوا، فاخذوا برقابهم. وعن أبي الحسن عليه السلام قال: اختلاف أصحابي لكم رحمة. وقال: إذا كان ذلك جمعتكم على أمر واحد. وعن موسى بن أشيم قال: كنت عند أبي عبدالله عليه السلام فسأله رجل عن آية من كتاب الله، فأخبره بها، ثم دخل عليه داخل فسأله عن ذلك، فأخبره بخلاف ما أخبر به الأول، فدخلني من ذلك ما شاء الله. إلى أن قال: فبينما أنا كذلك إذ دخل عليه آخر فسأله عن تلك الآية، فأخبره بخلاف ما أخبرني وأخبر صاحبي، فسكنت نفسي وعلمت أن ذلك منه تقية. ثم التفت إليَّ فقال: يا ابن أشيم، إن الله فوَّض إلى سليمان بن داود، فقال: هذا عطاؤنا فامنن أو أمسِك بغير حساب، وفوض إلى نبيه صلى الله عليه وآله فقال: ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا، فما فُوِّض إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقد فوِّض إلينا.

    فالاختلاف إذن قد يكون حسناً وخيراً ورحمة، وليست الوحدة مفهوماً مقدساً نتهالك عليه ونستميت دونه كما هو راسخ في الأذهان… بل علينا أن نفسح لحركة المصلحين، ونتفهم ونعيش آداب التعدد والاختلاف، مع نبذ الغل والتباغض بين المؤمنين.

    وكذا فإن نقص القوة ليست هي علة غيبة المهدي، ولا السبب في امتدادها، ولا هي حاجة علينا السعي لتأمينها “له”! كما يرى بعضهم ويذهب في “الإعداد” (أو التستر به) ما يهلك الأنفس ويودي بالتقية ويهدم جوانب أخرى بناها الأئمة لحفظ شيعتهم.. ففي قصة “تل المخالي” أبلغ بيان، فقد جاء أن الخليفة أمر العسكر، وهم تسعون ألف فارس من الأتراك الساكنين بسامراء، أن يملا كل واحد مخلاة (ما يجعل فيه العلف ويعلق في عنق الدابة) فرسه من الطين الأحمر، ويجعلوا بعضه على بعض في وسط برية وَاسعة هناك، ففعلوا. فلما صار مثل جبل عظيم صعد فوقه، واستدعى أبا الحسن الهادي عليه السلام واستصعده! وقال: استحضرتك لنظارة خيولي، وقد كان أمرهم أن يلبسوا التجافيف (الدروع المانعة) ويحملوا الأسلحة، وقد عرضوا بأحسن زينة وأتم عدة وأعظم هيبة (ممنياً نفسه أن يرهب الإمام ويرعبه!). فقال له أبوالحسن عليه السلام: وهل تريد أن أعرض عليك عسكري؟ قال: نعم. فدعا الله سبحانه، فإذا بين السماء والأرض من المشرق إلى المغرب ملائكة مدججون! فغشي على الخليفة، فلما أفاق قال أبوالحسن عليه السلام: نحن لا ننافسكم في الدنيا، نحن مشتغلون بأمر الآخرة، فلا عليك شيء مما تظن!

    الإمام ليس بحاجة إلى عسكر وعدة، لا تعوزه طائرات ولا صواريخ ولا قنابل نووية… ولا يعني هذا إنكار الآيات والروايات والأحكام التي تدعو إلى إعداد القوة وإرهاب العدو والتماس ما يدفع شره، لكن الحقيقة التي يجب أن يعيها ويعيشها كل مؤمن هي أن السماوات والأرض، بما وبمَن فيها، هي طوع بنان المولى وإشارته، وبعد الردود الكلامية والاستدلالات الاحتجاجية التي تقيم عقائدنا على أسس وركائز علمية لا يدنو منها شك ولا يقربها ريب، علينا أن نعي أن الغيبة والظهور وحركة كل إمام هو من الأسرار الإلهية، المكنونة في كتاب مسطور وعمود من نور، يشق إلى عنان السماء، يتصل بالعرش وينكشف على إرادة الله ومشيئته المودعة في قلب وليه، وأن نوطِّن أنفسنا على نهج يرقى بمعرفتنا وإيماننا إلى رتبة “كليب تسليم” الذي حدَّث عنه سدير الصيرفي إمامه، فترحَّم عليه صادق آل محمد.

    إننا بحاجة إلى بصيرة في الدين، ونظرة متقدمة متفوِّقة، تستقي وتنطلق من رؤية “خضرية”، إذا جاز التعبير، تلتمس الرشد وتستطيع الصبر، تتبع ولا تعصي الأمر، وتمضي بخضوع وامتثال، فترى الخير في خرق السفينة وإن جهلت عزم الملك على غصبها، وترضى بقتل الغلام دون أن تحيط علماً بحال أبويه والخشية من أن يرهقهما طغياناً وكفراً، وترحب بإقامة الجدار دون اتخاذ الأجر، وإن خفي عليها أمر الكنز الذي ينتظره يتيمان مستضعفان!.. بهذا التسليم نضمن السلامة من الهلاك في فتن وملاحم آخر الزمان، لم لا؟ والملقى إليه القياد هو ومنه…

    العقول العشر تبغي كمالها 🔸 وليس عليها في التعلُّم من عار

    همام لو السبع الطباق تطابقت 🔸 على نقض ما يقضيه من حكمه الجاري

    لنكّس من أبراجها كل شامخ 🔸 وسكّن من أفلاكها كل دوَّار

    أيا حجة الله الذي ليس جارياً 🔸 بغير الذي يرضاه سابق أقدار

    ويا من مقاليد الزمان بكفِّه 🔸 وناهيك من مجدٍ به خصَّه الباري

    أغث حوزة الإيمان واعمر ربوعه 🔸 فلم يبق فيها غير دارس آثار

    وأنقذ كتاب الله من يد عصبة 🔸 عصوا وتمادوا في عتوٍّ وإضرار

  • إثر التصريح الأخير للشيخ الرفسنجاني حول عزم مجلس الخبراء انتخاب وَلي للعهد في إيران، تلاحقت ردات فعل مختلفة، وبرزت مواقف وتحليلات متفاوتة.. وبين مستبشر ومتخوِّف، وحزين وسعيد، تأكَّد لبعضهم التحليل الذي أُثير من قبل، حول التزام إيران تعديل نظامها وإسقاط ولاية الفقيه من دستورها، كشرط أصر عليه الغرب لفك الحصار عنها وعودتها إلى المنظومة العالمية، وأن الأمر سيتم وفق خطة مرحلية، تبدأ بشورى فقهاء تُفقد الموقع صبغته الحالية، وتحوِّله إلى شكل أكبر من مضمون، وتشريف أكثر من ممارسة سلطات وإعمال صلاحيات، ثم يصار إلى التعديل الدستوري والإلغاء. وعلى أية حال، سواء صح ذلك ووَقع الإصلاح والتطوير، أم لم يصح، وقدِّر أن تبقى ولاية الفقيه تحكم الجمهورية الإسلامية… فهي مناسبة لعرض وُجهة نظر يحملها قطاع كبير، إن لم يكن الأكبر بين النخب الشيعية (علمائية وغير علمائية)، وبيان رأي ما زال حمَلته يتحفظون على طرحه والمجاهرة به، ويمتنعون من كشفه ورفع الصوت به، حذر مفاسد قد تفوق المنافع، وخيفة “سيوف إخوان بها هاماتنا أبداً نقيفة”.

    في الأيام الأخيرة من حياة الإمام الخميني قدس سره، وَقعت قضية عزل الشيخ المنتظري والتراجع عن تعيينه وَلياً للعهد من بعده.. وهو انتخاب لم يرضه الخميني من أول الأمر (كما صرَّح)، لكنه لم يرد التدخل في حينها بما ينال من العمل المؤسساتي للدولة، فسكت حتى كانت قضية مهدي الهاشمي، فتم عزل الشيخ من قبل مجلس الخبراء الذي انتخبه وعيَّنه. ومما أثير في تلك الظروف، بمناسبة تداول مسألة انتخاب وتعيين الفقيه الولي، ضرورة أن يضم مجلس الخبراء أعضاء غير إيرانيين يمثلون الشيعة في العالم، حتى يتحقق صدق انتخاب الأمة لقائدها، ولا يبقى القرار للشعب الإيراني وَحده… ومما قيل حينها أن يتم ذلك ويجري عبر الأحزاب والمنظمات الموالية للجمهورية الإسلامية في مختلف البلاد الشيعية، ما دام الانتخاب الشعبي متعذراً. وعلى الرغم من عدم تحقق هذا الطلب والرجاء، إلا أن وَلي الفقيه الإيراني بقي هو الأكثر نفوذاً بين الإسلاميين والحركيين في سائر بلاد الشيعة، مثل لبنان وباكستان والخليج، وإن انحسر اليوم في العراق وتلاشى، حتى تحول إلى دور مخابراتي، فمن أين لباقي الشعوب مثل السيد السيستاني؟! وكيف لها أن تلتف حول قيادة مستحقة تنتشلها من هذا الارتهان، والمخابرات ترفع الصبيان والغلمان، وتدعم المماليك والخصيان، من المرتزقة المستأكلين، والدهاة المتربصين، والعبيد المنقادين صماً بكماً عمياً؟

    ومن هنا، من دور إيران ونفوذها على إخوتي وأهلي وبلدي وسائر الشيعة في العالم، حقَّ أتوجه إلى أعضاء مجلس الخبراء الموقر برجاء، وأتقدم إليهم بالتماس، عسى أن يراعوه فيكفوا عنا أذىً كثيراً، ويلتزموه فيدفعوا بلاءً عظيماً، ما زلنا نعاني منه منذ ستة وعشرين عاماً…

    نرجو أن يقع الانتخاب على قيادة لا تتدخل في ديننا وعقائدنا، ولا تحارب شعائرنا التي نستمدها من تراث مقدس أمضاه أساطين الطائفة، وأقرَّه فحول العلماء، فأخذناه عنهم، بحجج شرعية تامة، وسنحمله بدورنا للأجيال القادمة بوعي ومسؤولية… نريد قيادة تفقه جيداً وتعرف أن ليس في مذهبنا خرافات وأساطير، والهامش الضئيل من الخطأ الذي لا يُنكر (والراجع إلى عدم العصمة)، تتم معالجته في الحوزات وبين العلماء وفي إطار الاجتهاد، ويعرض بعد ذلك على الأمة بلغة علمية لا تهريجية، وبخطاب فقهي شرعي، لا تحريضي فتنوي.

    سادتي الكرام! نرجو أن تنتخبوا فقيهاً في أعلى درجات العدالة والتهذيب، خالياً من العقد والأمراض النفسية، بعيداً من الكبر والغرور والخيلاء، ثم لا يحتال على هذه الآفات ويلتف عليها بتسويلات توسس له بأنها عزة نفس وأنفة وغرور مقدس! لا نريد صدراً ضيقاً حرجاً، لا يطيق المعارض ولا يتحمل المخالف، ولا جباراً ينادي: ما أُريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد.. قيادة تنهي حالة التملق والنفاق التي تحكم ساحتنا، وتقطع الطريق على المتزلفين، وتحثو التراب في وُجوه المدَّاحين، وتعرف خطر لاثمي أعتاب البلاط، ومزيِّني فساد الطغاة، ثم تفسح للمخلصين، وتطلق الطاقات البناءة فيهم، وتضع عنهم ما يكبلهم والأغلال.

    وبعد، هناك حقيقة علمية وإيمانية ترتكز على نظرية الفيض، وفكرة القناة التي يأتي من خلالها الخير وينزل المدد الإلهي… فإن الرحمة الرحيمية والعناية الخاصة والنصرة المدخرة لأهل الحق، إنما تأتي حصراً عن طريق إمام الزمان، وبيُمن الحجة بن الحسن صلوات الله عليه ورهن إشارته ورضاه، يرسلها فتنصبُّ وتنحدر عن طريق نوابه في رعيته ووكلائه في أوليائه وشيعته، الفقهاء العدول جامعي الشرائط.

    إن ما يجري علينا اليوم، بعيداً عن الحرب الإعلامية ومتطلباتها التي تملأ أسماع الناس زخرفاً وأقوالاً خاوية، وأعينهم زيفاً وصوَراً وَهمية، بعيدة عن الحقائق والوقائع، وتورثهم غروراً، سواء في سوريا ولبنان، أو اليمن والبحرين، وأفغانستان وباكستان وآذربيجان، أو الكويت والقطيف، أو غيرها من مواقع الصدام الساخنة، وآخرها نيجيريا.. من مآس وفجائع، ودفع أثمان بلا مثمن، وتكبُّد وَيلات بلا عائد، هو من تبعات إعراضنا عن قناة الفيض! حتى إيران التي نراها منتصرة بصمود نظامها واقتصادها وتطوير سلاحها وصواريخها، وامتداد نفوذها السياسي، وغدوها رقماً هو الأول في خارطة الشرق الأوسط الجديد… هذا كله لا يعدو ـ في حقيقته ـ ما كان عليه الشاه، سواء في الدوْر الإقليمي أو في المنظومة النووية التي تقف عند حد الأغراض السلمية!

    لست أحمِّل طرفاً شيعياً مسؤولية الأزمات والحروب والمعارك، بل أراها في أغلب المواقع مفروضة، أُكرهنا عليها، وما على المضطر إلا ركوبها.. كما لست سوداوياً في نظرتي، ولا متشائماً أبث القنوط وأنشر الإحباط، بل أنا متفائل مستبشر، لكن لا من منطلق المغالبات الجوفاء والبطولات التي تبارز طواحين الهواء، بل اعتماداً واتكاءً على رؤية غيبية، ومن منطلق عقائدي، يقول إن لنا وَلياً يرعانا، وإماماً غير ناسٍ لذِكرنا، يقودنا من مغيَّبه، وهو محيط بأنبائنا، لا يعزب عنه شيء من أخبارنا، ولولا ذلك لنزل بنا اللأواء (الشدة وضيق المعيشة)، واصطلمنا (استأصلنا) الأعداء… ولكن المطلوب والأداء الصحيح يقرره خطاب الناحية المقدسة: “فاتقوا الله جل جلاله، وظاهرونا على انتياشكم (أنقاذكم) من فتنة قد أنافت (طالت وارتفعت) عليكم، يهلك فيها من حم (قرب) أجله، ويحمى عنها من أدرك أمله… اعتصموا بالتقية من شب نار الجاهلية، يحششها (يوقدها ويهيجها) عصب أموية، يهول بها فرقة مهدية، أنا زعيم بنجاة من لم يرم فيها المواطن، وسلك في الطعن منها السبل المرضية، إذا حل جمادي الأول من سنتكم هذه، فاعتبروا بما يحدث فيه، واستيقظوا من رقدتكم لما يكون في الذي يليه، ستظهر لكم من السماء آية جلية، ومن الأرض مثلها بالسوية، ويحدث في أرض المشرق ما يحزن ويقلق، ويغلب من بعد على العراق طوائف عن الاسلام مراق، تضيق بسوء فعالهم على أهله الأرزاق. ثم تنفرج الغمة من بعد ببوار طاغوت من الأشرار، ثم يستر بهلاكه المتقون الأخيار.. فليعمل كل امرء منكم بما يقربه من محبتنا، ويتجنب ما يدنيه من كراهتنا وسخطنا. فإن أمرنا بغتة فجأة حين لا تنفعه توبة ولا ينجيه من عقابنا ندم على حوبة، والله يلهمكم الرشد، ويلطف لكم في التوفيق برحمته”.

    بالله مَن له أن يقرأ العلامات ويحسِن تطبيق الأمارات (يستنبط ذلك من آلاف هذه النظائر والإرشادات)؟ فيخلص إلى نتائج تبين لنا ماذا يريد منا إمامنا: أين نمضي ومتى نتوقف وكيف نصنع في الفتن والملاحم والأزمات؟.. غير فقيه ضليع أفنى عمره في استقصاء ودراسة الروايات، فوقف على معانيها ومداليلها وتأويلها، وأتقن الجمع والتوفيق بين متعارضاتها؟ هو أعلم العلماء وأقربهم إلى المولى عجل الله فرجه؟!

    أوَّل ما علينا فعله هو اللجوء إلى “النواب”، فهم الأقرب إلى المولى، والبحث من بينهم على الأعلم الأتقى… فنكون قد استقبلنا مهبط الرحمة، ولم ننزوِ ونأوِ إلى جبل نتوهم أنه يعصمنا، نحسب فيه الخلاص، بعيداً عن سفينة النجاة، وربانها ينادينا ليستنقذنا من الجهالة وحيرة الضلالة! إن قول رسول الله صلى الله عليه وآله وَحي يوحى، ودستور لا يتخلَّف عنه فرد أو جماعة إلا خسرت صفقتهم وردت أيديهم في أفواههم وعضَّت أصابعهم ندماً وحسرة: “ما وَلَّت أمة قط أمرها رجلاً وفيهم أعلم منه إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالاً حتى يرجعوا إلى ما تركوا”. ليس لمجلس الخبراء الموقَّر أن يجتهد مقابل النص، فيتوهم الخير في تقديم المفضول على الفاضل، ثم يشكر الله على التوفيق لهذه الطامة! نحن شيعة إمامية، لسنا معتزلة ولا أشاعرة، ضوابطنا الفقهية والعقائدية وَاضحة جلية، لا تحتمل التأويل ولا تطيق التبديل، ودين الله لا يصاب بالعقول، ولا يفتقر إلى آراء البشر الواهية!

    وما جرى في بداية الثورة في إيران، بل ما يجري اليوم في العراق شاهد حي ماثل على هذه الحقيقة، كيف استطاعت ثلة عدمت العدة والتدريب والتنظيم والإدارة والمال والإعلام، وتصنف في أقل درجات القدرة والكفاءة، أن توقف زحف داعش التي يعجز اليوم العالم مجتمعاً عن مواجهتها ووقف تمددها؟! وقد فر الجند وانهزم الجمع، واختفت السيطرات في بغداد وأخليت نقاط المراقبة والتفتيش، فغدت العاصمة خالية من أية قوة عسكرية، بل أي مظهر للسلطة والحكومة! وكان يكفي أن تتقدم مركباتهم وآلياتهم ليحتلوا المدينة دون مقاومة، ويسقط النظام دون عناء يذكر.. لكن شيبة في النجف الأشرف، فقيهاً لا يملك إلا يراعاً ودواة، لاق مداده وخط في قرطاس فتوى الجهاد، فانصبت العناية الإلهية من خلال فتواه، واتصلت الرعاية المهدوية عبر موقفه، فمُلأ القوم رعباً ولاذوا بالفرار وولوا الأدبار!

    يحضرني أن المرحوم آية الله العظمى السيد الكلبيكاني عرض على القوم بعد فراغه من أداء الصلاة على جنازة السيد الخميني رحمه الله أن يتولى هو الأمر، ثم يعين لهم مَن يشاؤون، يوكل له إدارة الدولة والقوات المسلحة وكافة السلطات، حتى لا يفقد النظام الإسلامي مشروعيته، في حالة شبيه بما فعله المحقق الكركي مع الشاه طهماسب لما سلَّمه الملك. ما كان السيد قدس سره يطمع في مال ولا ينقصه جاه، إنما أراد أن تبقى قناة الفيض متَّصلة، وباب الرحمة الإلهية مفتوحاً، والرعاية المهدوية مستمرة.. لكنهم أبوا ورفضوا، وجرى ما جرى.

    وها نحن اليوم أمام مناسبة جديدة لتصحيح الفلتة وتقويم الزلة، فرصة تنقذ الشيعة وتنجي الأمة…

    إن الشيعة الذين يعانون ويكابدون ويدفعون الثمن، سـواء أ كانوا من الحزبيين والمنتمين إلى التيارات السياسية والجهادية التي تخوض الحروب والمعارك في مختلف البلاد والجبهات أو لم يكونوا… يغتمُّون لكل سجين ومعتقل، ويتألمون ويكابدون مع كل مطارَد وشريد مضطهد، ويتحسرون مع كل هزيمة وخسارة، وتخفق قلوبهم مع كل خبر عن شهيد يسقط، وتذرف أعينهم مع أمه وأبيه وعياله، وتلزم أيديهم ـ مع ذوي المجاهدين ـ قلوبهم مع كل إشاعة، ويرفعونها مبتهلين بالدعاء والتضرع إلى الله بالنصر والظفر لإخوانهم ولعودتهم سالمين غانمين.. يفعلون ذلك سواء كانت الحروب التي يخوضها الإخوة حقيقية ومحقة، أو باطلة وَهمية، تسخِّرهم وتجعلهم وَرقة على مائدة قمار الدول الكبرى والأنظمة الحاكمة!

    من هنا علينا أن نجاهر بحقيقة:

    وَاهمٌ مَن يحسب أن النجاة هي في الصلح مع أمريكا أو في التحالف مع روسيا، تائه ضائع مَن يراهن على عطف مخالف ورحمة نظام جائر، مغتر طائش مَن يركن إلى قوة وبأس يستمده من نفسه… نحن أهل الحق وحمَلته، والحق ثقيل لا يستمرأ، لذا نحن غرباء منفردون، لا أحد يحبنا ولا صديق يعطف علينا ويرفق بنا، ليس لنا إلا وَلينا، وليس أمامنا إلا التزام نهجه والتماس الوسيلة إليه وأخذ السبيل والتعلق بعروته، وهي في غيبته: مراجع التقليد الحقيقيين، الفقهاء العدول، نوابه ووكلائه العامُّون.

    على الله في كل الأمور توكلي، وبالخمسة أصحاب الكساء توسلي..

  • في رؤيا تحمل شهادة صدقها، رأى أحد العلماء في المنام سيد الشهداء عليه السلام وبين يديه سجلٌّ فيه أسماء الخطباء الذين يرْثونه، وقد أمر أن يُشطب منه اسم شخص ويدوَّن اسم آخر، وهو أحد المراجع العظام… فلما أفاق أخذ يتحرى عن الشخص الذي محي اسمه من الديوان وهو يعرفه قارئاً حسينياً؟ فقيل إنه عزف عن “القراءة” واشترى سيارة أجرة صار يسترزق ويتكسب بها، ولكن بقي إدراج اسم المرجع في هذه القائمة ـ وهو ليس من الخطباء ـ أمراً أورثه حيرة لم يخرج منها إلا حين قصده وحكى له رؤياه… تعجب المرجع واستعبر، وأبلغه بأنه طالما عاش أمنية أن يكون في عداد قرَّاء العزاء، لكنه لا يحسن الخطابة ولا يتمتع بصوت يعينه على أداء أطوار الرثاء، فعمد مؤخراً إلى جمع عياله كل ليلة الجمعة، وصار يقرأ لهم شيئاً من الرثاء، فيبكيهم!

    من المتفق عليه أن المجالس الحسينية تأسست في الأصل ونشأت كمنابر لإنشاد الرثاء، والندبة والنياحة والبكاء… وحتى الذين يشككون في مشروعية أنماط العزاء الحسيني السائدة اليوم، ويرفعون عنوان الشعائر المنصوصة (والغريب أن أغلبهم من دعاة نبذ الأحاديث والتحرر عن النصوص! ومن أبعد الناس عن التعبُّد التوقيفي!)، يتسالمون أن المجالس إنما أقيمت لهذا الخطير، ولا يسعهم إنكار ندب الأئمة وتشريعهم النوح والبكاء، ففي حديث سفيان بن مصعب العبدي قال: دخلت على أبي عبدالله عليه السلام فقال: قولوا لأم فروة (من بنات الإمام) تجيء فتسمع ما صُنع بجدِّها، فجاءت فقعدت خلف الستر، ثم قال: أنشدنا. قال: قلتُ: “فرُّ، جودي بدمعك المسكوب..” (أي يا فروة، فحذف النداء والهاء للترخيم)، فصاحت وصِحن النساء. وفي حديث آخر قال أبوعبدالله عليه السلام للعبدي: قل شعراً تنوح به النساء. وفي هذا المؤدى جملة من النصوص الشريفة، منها حديث أبي هارون المكفوف الشهير.

    وكان الشعراء بشعرهم وأدبهم، والمنشدون الراثون بأصواتهم وأطوارهم، هم قوام المجلس الحسيني وعماده، وهم مَن ينهض به ويحقق صورته… وعلى إثر التزام الشيعة دعوة أئمتهم عليهم السلام، وقيامهم بتنفيذ وَصيتهم والعمل بأمرهم، تبلوَرت في المجتمعات الشيعية ـ على مَر الزمان ـ وتكوَّنت شريحة وظهرت فئة تخصصت في هذا العمل، ولك أن تعبِّر بـ “صِنف” اتخذ من الإنشاد والإبكاء في عزاء الحسين شغلاً ومهنة، صاروا يعرفون بـ “قُـرَّاء العزاء” أو “الخطباء الحسينيين”..

    ثم تطورت المجالس الحسينية على مرِّ الزمان، فلحق بالشعر والرثاء، تلاوة السيرة وسرد تفاصيل المقتل وما جرى على أهل البيت في كربلاء، وأضيف ذكر الفضائل والمناقب، وبعض الموعظة، وأُدخل شيء من بيان الأحكام الشرعية، وعرض العقائد الصحيحة، ثم قضايا الردود ومسائل الاحتجاج على المخالفين، بما ينفي الشبهات ويركِّز العقيدة في قلوب المؤمنين ويثبت أحقية المذهب، وتوسَّع آخرون فأدخلوا في المنبر الحسيني بيان المفاهيم الإسلامية والقيم الدينية لغرسها في الحضور، وكذا تناول القضايا المعاصرة والحوادث المعاشة، ومعالجة الشؤون الاجتماعية والسياسية… واستمر الأمر وانتظمت صورته، حتى اتخذ المجلس الحسيني شكلاً ثابتاً ونمطاً محدداً استقر عليه، ذلك مع تفاوت في توزيع الوقت والحجم ونطاقات التركيز، وحصة كل جانب من هذه الجوانب وأولويته على غيره.

    وما زال الخطباء يختلفون في ذلك ويتفاوتون، فيولي بعضهم الفروع والأمور التكميلية التي لحقت بالمجلس عنايته ويصرف لها جهده واهتمامه، ويمنحها الوقت والحصَّة الأوفر، على حساب الأصل وهو الإبكاء والرثاء… وصار هؤلاء هم الأعم الأغلب، لكن لم يبلغ الأمر يوماً ـ في أي من الخطباء ـ حد الانسلاخ عن هويته وهوية المجلس الحسيني، فيتخلى عن الإنشاد والرثاء تماماً، ويقلب المجلس الحسيني درساً ومحاضرة! حتى الشيخ الوائلي، وهو رائد التطوير والحداثة في القراءة الحسينية، ولعله أول من بدأ في تغيير صورة المجلس الحسيني في الساحة العربية، بقى خطيباً حسينياً، وناعياً وراثياً ينشد الأشعار ويبكي الناس، وإن انخفض نصيب الرثاء عنده إلى دقائق لا تتجاوز الثلاث أحياناً، من مجلس يمتد ساعة ويزيد!

    وعلى الرغم من هذه الجفوة والانقلاب على الأصل والأساس، إلا أن الرثاء والإبكاء والعزاء حافظ على موقعه في النفوس، وبقيت له مكانته في قلوب المؤمنين، فلم يفلح أحد في عملية التبديل والانسلاخ، ولا استطاع خطيب أن يقلب المجلس الحسيني ويسقطه.

    ولكن في الفترة الأخيرة أخذت تغزو الساحة الشيعية حالة مُحدثة، وتفشَّى داء وظهرت بدعة… فقد صار يرقى المنبر الحسيني في عشرة عاشوراء، أشخاص ليسوا من قرَّاء التعزية ولا من الخطباء! معممين وغير معممين، جلُّهم أدعياء لا حظ لهم من الفضل ولا نصيب، لا يحملون إلا جهلاً وخواء، يلقِّنون حضار المجالس الحسينية أفكارهم ونظرياتهم، ويلقون عليهم دروسهم التي لم يجدوا لها طلاباً ومستمعين، فمالوا إلى هذا الحشد المغلوب على أمره… هكذا سرقوا موقع غيرهم، واختلسوا منبر العزاء الحسيني، وراح كل يبني لنفسه ما تتطلع إليه من مجد، ويشيِّـد لحزبه ما يتمنى من بُنية وصرح، ويروِّج لرموزه ويجتذب لهم ما يحلمون به من أتباع ومريدين!

    بدأ هذا الأمر الخطير في لبنان منذ أمد… يدعون شخصية سياسية أو اجتماعية ليرقى المنبر في المجلس الحسيني، أو يعتلي منصة الخطابة، فيجتر ما سبق للحضور أن سمعوه من الإذاعة حتى ملَّوا، وشاهدوه في التلفزيون فسئموا، وقرأوه في الصحافة فبصقوا على كذبه ودجله. واللبناني أصلاً وطبعاً ـ فرضه وَاقعه الحزبي ـ مشبع بالسياسة، متخَم بالتنظيرات الحزبية، كما هو مبتلى بتهتك بيئته وانحلال مجتمعه، المتنوع في أديانه وثقافاته، ما يجعله متعطشاً للدين الخالص، مفتقداً لنفحة روحانية تنتشله من وَاقعه الموبوء، وساعة نجوى وبكاء، تغسل قلبه من درن ران عليه بما كسب، فكاد ـ لولا حب الحسين ـ أن يكون عن ربه من المحجوبين.

    مؤمنون مستضعفون تركوا بيوتهم، وتجشموا العناء للحضور في مجلس سيد الشهداء، وهو في هذه السنين الأخيرة سعي محفوف بخطر المفخخات الشيطانية، وتهديد الأبالسة الانتحاريين.. فيجازف المحب الموالي ويكابد، التماساً لتلك النفحة، وبحثاً عن ساعة خلوة، يناجي بها ربه عبر باب ما زال يتلقى الفيض والرحمة والبركة منه، عسى أن تفيض عينه بدمعة تغسل ذنوب عامه وتجلي صدأ نفسه وكدرها، وتقلبه نقياً طاهراً… فإذا بعريف “الحفل” يستنزفه بترديد الشعارات، ويناوله المحاضِر فيستهلكه ويضنيه لساعة متواصلة من الهراء، ثم يسلمه إلى الراثي أو الخطيب الحسيني منهكاً، قد غلبه الضجر والسأم، واستسلم للتهويم والنعاس، وإن بقيت فيه بعض طاقة، تلقَّى فيها رسالة خطيرة مؤداها أن ما سمعه في البداية وفرغ منه للتو هو الأصل، وهذا الذي سيأتيه الآن هو الملحق والفرع الذي يمكنه أن يستغني عنه!

    وفي حين أخذت الساحة اللبنانية تكافح هذه الظاهرة وتتمرد عليها، حتى في الدوائر والنطاقات الحزبية، فبعض خطباء حركة أمل يرفضون رقي المنبر إذا سبقهم محاضر، وبعض مجالس حزب الله لا تدعو محاضرين أصلاً، وتقيم العزاء على أصوله التقليدية التي تحقق المأتمية… إلا أن الدوائر الحزبية في بعض بلاد الخليج ولا سيما الكويت بدأت تستورد الحالة، بأسوء صورها وأردئ أشكالها (وكان قد سبقهم قبل أعوام بعض الحزبيين في سيهات، فانتكس المشروع وسقط سريعاً)!

    إنهم يتجاهلون، حقيقة جليّة ومسلَّمة لا يختلف عليها اثنان، تنادي أن لكل حقل ديني رجاله ولكل نشاط تبليغي أهله، من المتخصصين فيه والمتفرغين له: هناك مراجع يفتون ويقودون الأمة، وأساتذة حوزة يدرِّسون ويربُّون الطلبة، وعلماء يتصدون لإمامة الجماعة، وقضاة شرع يفصلون في الخصومات ويقسِّمون التركات، وكتَّاب يسدون النقص في المكتبة الشيعية ويصدرون التأليفات، وشعراء وأدباء يثرون الساحة بنتاجاتهم… وهكذا هناك خطباء ينهضون بمجالس العزاء. ومن نافلة القول أن توزيع حقول العمل يخدم المهن ويصقل الصنعات وينمي العطاءات، وهو طبيعي للعمل والنشاط التبليغي، حالة أفرزتها الحاجة، ووَاقعٌ فرَضه أصل التخصص وضرورة التنوُّع، فإذا انصرف كلٌّ إلى حقله، ونهض العامل بدَوره، تكاملت الحالة الإسلامية وازدهرت وتألقت، وإذا تُرك ذلك وأُهمل، وأغمضه العاملون وأزروا به، تخلَّفت الحالة وتردَّت… مَن تراه سيعتني بالمسجد وجماعة المصلين إذا انصرف إمامهم إلى ملاحقة ظهوره الإعلامي ونشاطه السياسي؟ كم سيبقى له من وَقت يخصِّصه لجماعته، يتابع أحوالهم الشرعية والاجتماعية؟ متى سيحفظ الخطيب الحسيني الأشعار ويتدرب على الأطوار ويُعد المواضيع لمجالسه، إذا انصرف إلى مؤتمرات وندوات سياسية، أو إذا انشغل بتنظيم وإدارة حلقات حزبية؟

    قد يتمكن أحد من جمع أكثر من تخصص ومهنة، والاشتغال بغير دور وصنعة، لا أنفي التميُّز ولا أنكر الإبداع، وهناك اليوم مَن تلتقي فيه موهبتان فيتقلَّد مهنتين، أو ثلاث متقاربة التخصص، فيجمع إلى نظم الشعر الخطابة، ويلحق التأليف والكتابة. وهكذا قد يرغب عالم كبير، ويطمح أستاذ في الحوزة أن يستفيد العوام أيضاً من علمه، فتحدِّثه نفسه برُقي منبر سيد الشهداء، ويتوق إلى ممارسة القراءة الحسينية… فأي ضير في هذا وأي مانع دونه؟ لا بأس ولا غضاضة، إنما الشرط أن لا يحيد عن ضوابط الفن وأصول الصنعة، فإذا انخرط في ركاب محترفيها ولبس زيهم وارتدى ثوبهم وكان منهم، جاز له ذلك وحق. ولكن أن يقلب مجلس العزاء الحسيني درساً، ويستبدل الرثاء بالمحاضرة، ويلغي الإنشاد والإبكاء، فإذا سئل أو اعتُرض عليه، أجاب بأنه لا يحسن النعي ولا يجيد القراءة كما “الملالي”! فهذا عذر أقبح من ذنب، وكان عليه إذاً أن يلزم حدوده ويبقى في مهنته وينصرف إلى شأنه ويترك الحقل لأهله!

    لست أدري ماذا اعترى ساحة التبليغ والإرشاد الديني؟! هل هو من علو الهمة وغلَبة الطموح، وتفجُّر الطاقات وتحسس المسؤوليات؟ أم هي أزمة في القناعة، وفقر في الرضا، أو سقوط في الطمع والحسد؟ حرص على التشوُّف إلى المفقود، وعجز عن الاكتفاء والاستغناء بالموجود؟.. يتوثَّب العامل إلى غير شغله ويقحم غير ميدانه، وأحياناً إلى أكثر من دور وموقع، بل كل الأدوار والمواقع! كاتب يريد أن يكون شاعراً، وأديب يريد أن يكون فيلسوفاً، وخطيب يريد أن يكون فقيهاً، وحاكم يريد أن يكون مرجعاً، وإمام جماعة يريد أن يصبح رمزاً وزعيماً، و”رادود” يريد أن يكون وَاعظاً… لا أحد يقنع بدوره ومهمته، ولا أحد يطيق أن يبقى في حدوده ونطاقه! وأخيراً، ظاهرة جديدة على مجتمعنا: كل معمم يريد أن يكون خطيباً حسينياً. أفلس من المريدين، وفشل في اجتذاب المعجبين، فهو خالي الوفاض صفر اليدين، فرأى أن يقتنص الفرصة من تجمع الناس واحتشادهم على أبواب الحسين!.. يحسب نفسه جهبذاً تترقب الجموع محاضرته النادرة، ليسد في عالم الفكر والمعرفة خُلة وثلمة، فيتبعه منشدٌ يؤدي جانب العزاء، وراث ينهض بالإبكاء، أو لا يتبعه، فيكفي الناس ما لقَّنهم العبقري من عظيم آرائه ونادر إبداعاته، التي اقتضت أن يزاح الخطيب الحسيني عن موقعه، ويستعاض عنه بهذا المتطفل الوارش!

    لعمري لو انصرف كلٌ إلى حقله، وانكب على دوره، فسيرى أن الميادين الأخرى التي يحرص عليها ويتلهف للنهوض بها، مُلئت بمَن هو خير منه، وسُدَّت بمَن يكفيه المؤونة والعناء، هذا والفرض في الحرص على التعدد هو الإخلاص، والمنطلق في هذا المسعى الشعور بالمسؤولية، وإلا فإن المتآمرين على الحسين، وأرباب الدنيا، والمستأكلين بالدين، سيحوطون الأمر ما درَّت معايشهم، ولا عزاء.

    الخطابة الحسينية فن وصناعة، وتخصص ومهنة، لها رجالها وأربابها، وإن تفاوتوا في سطوحهم ودرجاتهم العلمية، ورتبهم في الفضيلة، وقدراتهم في البيان والعرض وأداء الدور وإنجاز المهمة، وحتى في ميولهم العقائدية ومشاربهم الفكرية، إلا أنهم خطباء حسينيون، فيهم سياسيون، ومنهم “تنويريون” و”حداثيون”، كما منهم الخطيب الحسيني الولائي الأصيل..

    من أراد أن ينشر أفكاره وينقلها إلى حُضار مجالس العزاء ورواد الحسينيات، عليه أن يكون خطيباً قارئاً، يرثي الحسين ويعدِّد مصائبه ويبكي الناس عليها، ثم ليقل لهم ما شاء مما يمليه دينه وتسعه ذمته.. ولكن أن يتسوَّر الجدار ويتوغل من النافذة، ويندس ليرقى منبر سيد الشهداء وهو ليس من هذا القطاع، ينشر سماجته وبروده، ويبث سخافته وجموده، فهذا تهديد مباشر لواحدة من أهم معالم التشيُّع، وخطر يتوجه لأعظم وَسيلة وهبة أودعها الله واختص بها الأمة المرحومة والفرقة الناجية، وهي خيانة سيتلقى عليها الخائن صفعة تسقطه، ونكالاً يجلد به الأرض ولو بعد حين…

  • في رحلة العودة من طهران إلى دمشق، بلغ أحد العلماء من الركاب، أن الضال المضل يستقل الطائرة معهم، فقصده وجلس إلى جواره ليحاوره، ولم يكن فضل الله قد أذاع حينها جُل آرائه ولا كشف انحرافاته، ولا اتخذت الحوزة والمرجعية موقفها منه بعد… وفي معرض شكواه من تخلُّف الواقع الشيعي وآلامه من ترديه قال: “انظر مثلاً إلى تعظيم فاطمة المعصومة في قم! ماذا قدمت هذه المرأة للإسلام وأين خدمت الدين حتى تستحق أن يُشيَّد لها هذا الحرم، وتُشدَّ إليها الرحال؟ هل يقتضي النسب، كونها ابنة إمام، كل هذا التبجيل والتعظيم؟… ها أنا سيد، وحيٌّ، لست ميتاً في قبر، فأنا أولى أن أُقصد وأُزار إذاً”! وقد تكررت هذه المقولة منه في غير مناسبة، ونقلها عنه أكثر من ثقة، لم يكن يخفيها ولا ينكرها.

    قد يتفاجأ بعض المؤمنين ويصعب عليه تصوُّر أن في الحركات الإسلامية والشخصيات الشيعية، مَن يحسد آل محمد على ما آتاهم الله من فضله! وأن بعض السر في مواقفهم المتشنجة تجاه العقائد الولائية، وما يأخذهم لإنكار الفضائل ومحاربة الشعائر… هو الحسد! ويستغرب إذا علم أنهم يرون الأمر منافسة واستباقاً، يجاذبون آل محمد حبل الفضل، ويكايلونهم بصاع الفخر! ويستنكرون: لماذا يعظِّم المؤمنون أهل البيت؟ يحضرون مجالسهم ويزورون مراقدهم، ولا يزوره هو أحدٌ؟! لماذا تهواهم القلوب ولا تهوي إليه هو؟ لماذا يعشقهم الناس ويهيمون في حبهم ويستميتون في ولائهم، ولا حظَّ له هو في هذا الحب ولا نصيب؟ لماذا يرخصون في سبيلهم الغالي والنفيس، ويضحُّون حتى بالأرواح، بينما هو لا يستميل أحداً إلا بالهبات والعطايا، ولا يصنع “مريداً” إلا ببذل الأموال ودفع الرشا، ولا يجتذب ويكتسب عضواً إلى حزبه إلا بالإغواء والإغراء، بحصة في السلطة أو بشيءٍ من الجاه والشهرة؟

    فإذا تجاوزنا الأسباب الغيبية للحب والولاء ونحَّيناها جانباً، من طهارة المولد والنجابة، والفطرة التي غرسها الله في الأرواح وجبَل عليها الأنفس (مما لا يؤمن به هؤلاء!)، فإن الجواب الماثل أمامهم والسرَّ المنكشف لهم: إنها خصائصهم: عِلمهم، عصمتهم، كمالاتهم، عطاؤهم، معاجزهم… وهذه متى ما انتفت وزالت، انحدروا إلى مصاف البشر العاديين من أمثاله هو، فيمكِن حينها عقد المقارنة وتتاح المفاضلة. عندها ينشط إعلامهم وتتحرك تنظيماتهم، فتسرق قلباً ضعيفاً من هنا، وتختلس نفساً جهولة من هناك، تختطف السذج والمرضى، وتستقطب سقط المتاع والسُّوقة، وتحشد الذين كره الله انبعاثهم فثبَّطهم عن منهج الولاء وأبعدهم عن منهل النقاء، شربوا من آجن، واكترعوا من أُجاج آسن، ليسود عليهم ضالٌّ مُضل، ويحكمهم منحرف متفرعن! وهي مكيدة ما زال الضُلَّال يمارسونها لتبرير حربهم، وهم يخلعون عليها لبوس الدفاع عن الأئمة!: “أيُّ فضل في هبات إلهية وخصال خلقية غير مكتسبة؟”! بهذه المغالطة والمصادرة يسلبون آل محمد المراتب التي رتبهم الله فيها، ويجمعون الناس تحت راياتهم هم، ويدخلونهم في ولاياتهم.

    من هنا حاربوا الشعائر الحسينية بضراوة وقسوة، ووَاجهوها بكل ما آتاهم الشيطان من كيد وقوة، ففي عشرة عاشوراء من كل عام تقصم ظهورهم، وعلى الأربعين يجنُّ جنونهم…

    وقد بدأت الجولة الحالية في المعركة بالترك والمقاطعة، والاستهزاء والسخرية… منذ سقوط صدام وتحرير العراق، ومع التقاط الأمة أنفاسها وعودة الحياة إليها، انتعشت الشعائر الحسينية على اختلاف أشكالها وأنماطها، وكانت تتوج كل عام وتُضمَّخ بمسك الختام: “الأربعين”. وكان الشعار الذي رفعوه في مواجهة الحسين حينها: “لا خير في زيارة تحت وصاية أمريكية”!

    لم يحقق التجاهل هدفاً ولم تُجدِ المقاطعة نفعاً، فقد تركهم الناس (بما فيهم قاعدتهم) وخلَّفوهم منزوين في دوائرهم الحزبية، منعزلين منفصلين عن مجموع الأمة، ويمموا شطر محبوبهم، التحقوا بصفوف الرحمة وانضموا إلى جموع الزائرين… فلم يَجِد القوم بُدّاً من الانعطاف والالتحاق، فاستدركوا ما فات، وعمدوا إلى تشكيل القوافل والحملات، ودخلوا مضطرين في هذا النشاط! ولكنهم لجأوا بشكل مواز وانتقلوا إلى مرحلة جديدة في الصراع، هي التصدي والمواجهة…

    أخذوا ينشرون خطابهم الرث الخلِق، ويبثون رسالتهم المهلهلة البالية: ما هذه النطاقات المحدَثة من الابتداع؟ لماذا السير على الأقدام مئات الكيلومترات؟ ما هذا الهدر والإسراف في الضيافة والإطعام؟ أليست إعانة الفقراء أولى من هذه الموائد؟ هل من العقل والحكمة دفع المليارات في سبيل نشاط يشكل حركة في دائرة مغلقة (كما ثوْر الساقية، والتعبير لأحد كبرائهم)؟ ما هو مردود هذا الاستنفار في الطاقات والموارد؟ ها قد قطع الناس المسافات وتناولوا الطعام وزاروا كربلاء! قرأوا المراثي فبكوا ولطموا، ثم عادوا إلى مدنهم وقُراهم، ماذا حصل ونتج، وماذا تغيَّر؟ ألم يكن من الأجدى صرف الجهود والإمكانيات وتوظيفها في تشييد بنية تحتية لبلدهم المنكوب، بدل الانشغال بهذه الخرافات والاستغراق في شعائر لا تعني إلا الإلهاء، ولا حاصل منها إلا العَناء؟! لماذا لا ينتقل هذا الزحف إلى الجبهات ليحارب ويجاهد، بدل أن يأكل وينام في المضافات، ويبكي ويلطم في الشوارع والطرقات؟!… وكانت آخر رفسات إحدى الدواب التي تجر عربتهم، كأنها تنازع وهي تلفظ أنفاسها قبل أن تنفق: فتوى منع الزيارة وتحريمها على النساء!

    والغريب أن خطاب وإعلام الإصلاحيين كان يتناسى حالة تمثل قمة الشجاعة وذروة الجهاد، ونزعة ترسم أروع صوَر المغامرة والفداء، تستحث الزوار وتجلل مسيرتهم… تناساها القوم وهي كُنه الثورية (التي يزعمونها لأنفسهم)، وتجاهلوها وهي جوهر التحدي (الذي يدَّعونه، وجلهم من الخانعين!)، وهي تتفجَّر من الشيوخ والنساء والأطفال، قبل الشباب والرجال… فلا إشارة إلى الخطر المحدق من الإرهاب التكفيري وتفجيراته العمياء التي تستهدف الزوار وتفتك بهم، ولا ذكر لما يظهر من بأس وعزم في هذه المواجهة البطولية الصامتة، وهذا العناد والإصرار المقدس.. والمؤمنون في طريقهم، يمضي بهم طُهرهم إلى محبوبهم، غير مكترثين بالموت ولا عابئين بحتفهم، ولا ينتظرون شهادات تقدير أو أنواط شجاعة من أحد.

    وفي العام الماضي أضاع الحداثيون الإصلاحيون كل رشدهم وفقدوا كل صوابهم، ودخلوا طوراً جديداً في حربهم، فكأنه حكم الغلمان وسطوة الصبيان، هذا يرفع صورة لزعيمه فيمزقها ذاك، وذاك يعلَّق لافتة تسجل قولاً لقائده، فينزلها هذا! والتهب الموسم عبثاً والمشهد المقدس هرجاً ومرجاً، وارتفعت الأصوات عند سيد الشهداء، مشاحنات وتعديات ومشاجرات، فوضى وصدامات، أذكت النعرات القومية والوطنية، وأفسدت الود وذهبت بالروحانية، ولا حكيم يرشد ولا عاقل يردع… ولم تقف المؤامرة عند هذا الجدال والفسوق والعصيان، بل مالوا على عامة الزوار، تدافعاً لتخريب الصفوف المتراصة لصلاة أو لدخول حرم، وفوضىً في الطوابير المنتظمة بانتظار خدمة أو فرصة لعبادة ونُسك، ولولا لطف الله لوقعت فواجع لا تقل عن كارثة منى، ثم إفساداً لنزعة الأُخوَّة الإيمانية الحاكمة، وتشويهاً للتواد والتراحم والتكافل الذي تحقق في هذه المسيرة الملكوتية، مما ترجوه البشرية وتتطلع إليه في خيالها وآمالها، ويحكيه الفلاسفة في تنظيراتهم حول المدينة الفاضلة، والدولة والمجتمع المثالي في جمهورية أفلاطون، فسجَّل الشيعة بجدارة ونطق أداؤهم الولائي بامتياز: هنا أمة استوعبت المثُل، فخرجت منها الحكمة وتفجَّرت خُلُقاً وسلوكاً، وتمكَّن العدل في أنفس أفرادها حتى غلبتها المودة والرحمة، وتفوَّق فيها الجود والسخاء، وحكم الإيثار ونكران الذات، فراحت تحكي صور الدولة الموعودة والكمال المنتظر في ربوعها!… فجاء أتباع الحداثيين والإصلاحيين، وشوَّهوا ولوَّثوا كل هذا الفخر والنقاء، وسحقوا ودمروا هذا الإنجاز!

    كانت رسالة القوم واضحة وأهدافهم معلنة صريحة، يلتقطها كل كيِّس فطن، ويقرؤها كل واع حصيف: تخريب الشعيرة! العمل على صرف أكبر عدد ممكن من الزوار وثنيهم عن العودة من قابل، ما يزري بهيبة الحدث، ويزيل وَقعه الصاعق، ويزيح أو يقلل حضوره على خارطة الحراك الشيعي، ويسقط نتائجه ومعطياته التي سحقت مقولات الإصلاحيين، بل محقت وُجودهم، وتنذر أن تودعهم دفاتر النسيان، وتركنهم على رفوف سيعلوها بعد حين غبار التاريخ ولعنة المؤمنين!..

    ولكن مكر الله وبأسه أرجع كيد المعتدين إلى نحورهم، ورد خباثتهم عليهم، وعكس الأمور وقلب السحر على الساحر!.. تنفرت الجماهير وقبَّحت سلوكهم، وأدانت أفعالهم، وبرئت منهم، والأخطر أن عامة المؤمنين تنبهوا إليهم وصاروا يحذرونهم (بعد أن كان الوعي بحقيقتهم والبصيرة بحالهم صفة النخبة والخاصة). ومما خفي على القوم أن هذه المواجهات تجعل الشيعة يزدادون اندفاعاً نحو الحسين، وبشعائره تمسكاً وحولها التفافاً! لا رداً على المشاغبين المشوِّهين، ولا جواباً وإرغاماً لهم، فالمؤمنون في شغل عن شيطنات هؤلاء، جل ما ينالهم انزعاج وأذى، يتجاوزونه كما يتخطون وَضَراً وقمامة ألقيت في طريقهم… إنهم يستجيبون لنداء سبق أن أجابوه قبل نشأتهم في هذه الدنيا، حين كانوا في عالم الذر، ويمضون في هذه المسيرة بلغ ما بلغ.

    من هنا، جاء القوم هذا العام بلغة وخطاب جديد، على طريقة “الانحناء للعاصفة، وركوب الموجة”، وكأنهم اكتشفوا كم تسرَّعوا في العام الماضي وتعجَّلوا، وأساؤوا وخرَّبوا، أو أنهم تابوا واهتدوا ورشدوا؟ لست أدري! والأيام ستكشف الحقيقة وتظهرها، وإن ربك لبالمرصاد. وعلى أية حال، فالخير في ما وقع، ساءت النيات منهم أم حسنت، بيَّتوا أمراً ودبَّروا كيداً وأضمروا شراً، أم لم يفعلوا… فالمحصلة موسم مبارك، عظَّم الشعيرة، وعمَّق الولاء لأهل البيت، وزرع الأخوة من جديد بين المؤمنين على اختلاف أوطانهم وبلدانهم، وانتماءاتهم ومشاربهم. في هذا العام رأب صدع وانسدت ثلمة في جدار اللحمة الشيعية، التحقت الحركة الإصلاحية المنعزلة منذ أمد بمسيرة الأمة، ودخل أتباعها ومحازبوها في “الأربعين”، زوَّاراً وخدَّاماً ومعزين.

    حمل الدكتور الطهراني مكنسته وراح يجمع القمامة وينظف مخلَّفات الزوار، ولم يقل له متنطعٌ: لم لا جعلتها بندقية تجاهد التكفير والإرهاب؟ وزحف المهندس الأصفهاني مع الجموع الموالية العاشقة، ولم يعيِّره تافه، ويطالبه بالتوجه إلى جبهات القتال! وأخذ زميله في غسل أقدام الماشين، وتنظيف أحذيتهم بلا استنكاف، بل برغبة وفخر، ولم يرمه بليد بتشجيع البدع وترويج الخرافات؟ واشترى الإيرانيون مقرَّات المواكب ومواقع الحسينيات الموسمية على درب الزيارة، وبسطوا فيها الموائد وأقاموا المضافات، ولم يقذفهم بخيل بالإسراف، ولا وقف في وجههم أخرق وذكَّرهم بعوَز الفقراء، وأولوية تزويج العزاب!… في هذا العام التحق الجميع بالركب الإلهي وانضموا إلى سيل المؤمنين الزاحفين إلى زيارة الأربعين، وحج قبلة العاشقين، انقلب الحداثيون وصاروا حسينيين شعائريين “رجعيين” مثلنا! (ولعلهم يطبرون معنا في السنة القادمة إن شاء الله، وينهون هذه الفتنة أيضاً!)، وقد أُنزلت كل الرايات، ولم ترفع إلا راية الحسين والعباس، واختفت الصور وأزيلت الدعايات، وأقروا جميعاً وأذعنوا وخضعوا، تابوا وأنابوا، فطوبى لهم وحسن مآب.

    إنها عظمة آل محمد…

    طالما وظَّفوا الطاقات، وضخوا من الأموال، وسخروا الإمكانيات، وزيفوا وعبثوا ليطمسوا هذه العظمة باسم الحداثة، وينتزعوها من أهلها باسم التجديد ونبذ الموروث، ثم ها هم ينطوون تحت الراية ويلتحقون بالركب، طائعين أو مكرهين، فلا حيلة لهم ولا سبيل أمامهم غير هذا، وإلا لمضى القطار واجتازهم، ولا محطات أخرى أمامهم، فالقيادة الفعلية والواقعية اليوم هي بيد الحسين صلوات الله عليه، من أراد الفلاح التحق بالركب، ومن تخلف لم يدرك الفتح… معادلة صعبة ومعضلة عسيرة. هكذا خضع الجميع بما فيهم ولاية الفقيه، والأحزاب الدينية الثورية وغير الثورية والمنظمات السياسية كلها، وكذا المرجعيات المزيفة، والحوانيت المتكسِّبة، والرايات والدعوات الشخصية… كلها طأطأت برأسها وخضعت وانطوت، وبخعت وذلت…

     تزاحم تيجان الملوك ببابه

    ويكثر عند الاستلام ازدحامها

    إذا ما رأته من بعيد ترجَّلت

    وإن هي لم تفعل ترجَّل هامُها

    ولا يخلو الحال من مشاهد خجولة وممارسات محدودة لا تستحق الوقوف عندها، سلوك شاذ وصوت نشاز يأتي من نفس ضعيفة استولى عليها الشعور بالدونية، وهِمَّة مريضة سكنَتها عقدة إرضاء الآخر، وروحية مسمومة غلبها الغيظ والحنق من منظر الملايين الزاحفة المزدحمة كجيش عرمرم لا يلوي على شيء، يتموج كمحيط متلاطم، ويتدفق كسيل جارف يكتسح ما يلاقيه، ويطال حتى من تجنَّبه وأوى إلى جبل يعصمه، فلا عاصم اليوم من طوفان كربلاء، سيطاله الموج ويغرقه البحر، ثم يلقيه ويلفظه زبداً يذهب جفاء… ممارسات وكلمات اجتثت من فوق الارض ما لها من قرار: لافتة سخيفة تسخر من نفسها وهي تقارن بين الزيارة وبين الحجاب، وتُفاضل بينها وبين الصلاة. ومشهد انسحاب أرباب شعار “تحرير القدس يمر من كربلاء”، وتكليف طفل متسوّل توزيع لوحات استحى منها صاحبها، تسجل خيبته وتشهد على فشله، فغاب عنها، حتى بعد أن اضطر لتصحيح ندائه وتهذيبه بعض الشيء إلى “وغداً إلى دمشق معاً، ومنها إلى القدس”، دون جدوى! فلا أحد شعر به أو التفت إليه… وموكب لحزب الدعوة يركب شاحنة وسط الراجلين “المشاية” تحمل فرقة تعزف موسيقى جنائزية وألحاناً حزينة! ثم صوَر المرجع المزيف المستأكل بالشعائر، فرأس ماله الصوَر والمقابلات، ودونها يضيع الرجل ويتلاشى، فماذا يصنع؟… لكنها مجتمعة عجزت عن تشويه المشهد، فقد تفوق طهره على لوث الشواذ، وهيمن قدسه على انحطاط النشاز، وغلبت عظمته إسفاف التوافه..

    هكذا تجسد النص والتعبير العرشي: “طأطأ كل شريف لشرفكم، وبخع كل متكبر لطاعتكم، وخضع كل جبار لفضلكم، وذلَّ كل شيء لكم”..

    في الأربعين تتمثل هذه الحقيقة وترتسم للعيان، يلهج بها الزائر العاشق حباً وكرامة، فتشعر أن كل شيء يحكيها ويرددها: ينطق بها الحجر والمدر، ويسبِّح الراكب والراجل، ويشهد الليل والنهار، حتى يذعن المعاند ويقرُّ الجاحد!

    في هذه الشعيرة العظمى يظهر سلطان الحسين القاهر، وترتسم في السماء آيات القيامة التي يستسلم لها الجميع طوعاً أو كرهاً: “وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلماً”، و “لمن الملك اليوم”؟! فيردد عشرات الملايين: لله الواحد القهار.. لذا لجأنا إلى وليه وبابه، وأنخنا رحلنا بفنائه، ونزلنا بعقوته، مجددين العهد والميثاق، ومبايعين على النصرة والولاء.

    انتصر الأربعين وغلب قهر الله، وجرت قدرته، وظهر أمره… والأعين بعد شاخصة إلى الظهور التام والتجلي الأعظم، وانبعاث من الغيبة يقلب البسيطة كلها طُوراً وسيناء، وزوال كل الصروح كما اندك الجبل، وخرَّ موسى صعقاً… يا فرج الله.