• لا أزعم أنني عبدُ بني النسلة الطاهرة الميمونة، ومملوك ثمرة تفاحة الفردوس المباركة، النفحة القدسية والذوات النورية والعناصر الملكوتية لمحال معرفة الله، سادتي الأئمة الأطهار عليهم السلام، ولا أنا خادم في بيوت تصدر عنها إرادة الرب في مقادير أُموره بعد أن تهبط على أهلها، يديرونها ويُعمِلونها بولايتهم المطلقة، أقطاب الخلق والوجود وسادة الكائن والموجود. فمقام العبودية لهم يدور في ذرى الشموخ ويحوم على قمم الرفعة، ما لا يدركه إلا سلمان وأبوذر والمقداد وعمار وجابر وحبيب وعابس وبرير، وشرف الخدمة في بيوتهم حكر على أمثال قمبر وجون وفضة، عارف كامل، وشهيد في كربلاء، وناطقة بالقرآن… بل أنا عبد ذراريهم وبنيهم، ولا أقصد من “بنيهم” الطبقة الأولى أمثال علي الأكبر والعباس وزينب والمعصومة والسيد محمد بن الهادي والقاسم بن الكاظم وعبدالعظيم الحسني، ومن في عداد هذه النخبة السامية والكوكبة المتألقة.. إنما أقصد أبناءهم الذين يتصلون بهم بثلاثين أو أربعين جدّاً، الجيل الحالي من السادة الذين نعيش معهم ونعاشرهم في حياتنا اليومية كإخوة لنا في الإيمان… أنا عبد لهؤلاء الأماجد، العالم منهم وغير العالم، الورع المتقي منهم وغير الورع، ما دام على الإيمان ومذهب الحق في تولي أجداده والتبري من أعدائهم. أما المنحرف عنهم، المستخف بولايتهم، المضيِّع لعقائدهم، المتميِّع المتهتك في معارفهم، الضال المضل عنهم، فحكمه حكم المنتحل مذهب غيرهم، مشمول بـ “إنه ليس من أهلك”، فما النسب فيه إلا قالب معار وهيكل مودع وثوب يُرتدى، يُسلب شرفه وتسقط عنه قيمته متى خان الأمانة وفرَّط في الوديعة، تستُرد منه العارية ويُنتزع الثوب ويُخلع الرداء، فجوهر شرف النسب النبوي، وكُنه فضل الحسب الفاطمي، هو الولاية لعلي، من هنا قال الصادق عليه السلام: “ولايتي لأميرالمؤمنين أحبُّ إليَّ من ولادتي منه”، فإذا زال الكُنه والجوهر وأُفرغ القالب والهيكل، لم تبق لحامله كرامة ولا لمنتحله قيمة. فمن لم يتصل بحبل المودة ويتمسك بعروة الإيمان والعقيدة، انقطع عنه شرف النسب وخرج كما خرج أبولهب.. وهذا الضال المضل والحبتري ومومس الأحساء وطالح إيرلندا وشامي لندن الذين باعوا دينهم للحداثة وتخلَّوا عن ولائهم للمال والشهرة والرئاسة، شواهد ناطقة تكشف مدى التعس والشقاء، أن يولد المرء من نسلهم، ثم ينسلخ عنهم وينقلب على عقبيه مسخاً بغيضاً!

    نعم، نحن نميِّز السادة عن غيرهم، ونفضل العلويين على أية عشيرة أو سلالة أخرى، نجلُّهم ونعظمهم، لأنهم اختاروا لأنفسهم العزة وانتخبوا بإرادتهم شرف النسب وجلالة الحسب! كما اخترنا نحن أن ننحدر من أنساب وسلالات أخرى! فالله سبحانه وتعالى لم يقهر عباده ولم يجبرهم على شيء، حتى في القضايا التكوينية، وما يظهر قدراً خُطَّ لا إرادة للإنسان فيه ولا خيار، كالأُمور الخلقية، من صورة وهيئة ولون وعرق ومحل ميلاد ووطن، وكذا الملكات والقدرات والسجايا والطباع، هذه كلها انتظمت في الإنسان وأخذت مكانها في وجوده ونشأته الدنيوية ترتُّباً على خيارات وقرارات متقدمة اتخذها عن سابق إرادة ومشيئة… هناك في “الذر”، قيل له وعُرض عليه ما سيلاقيه هذا النسل من ظلم وقهر واضطهاد، وتشريد ونفي عن الأوطان والبلاد، وتعذيب وتنكيل يبلغ البناء عليهم في الجدران والاسطوانات! فرضي بذلك كله مقابل شرف الانتساب لعلي وفاطمة، ولم نفعل نحن، فهل نتساوى؟! هكذا تجلَّى القبول والرفض هناك، وظهر في هذا العالم تفاوتاً في الأنساب والأوطان والأعراق والألوان والطاقات والقدرات، قبحاً وجمالاً، فقراً وثراء، ذكاءً وغباء، سعادة وشقاء، وكل ما يحسبه السذَّج قهرياً، ويظنه العوام لا إرادياً!

    لقد اتخذت المخلوقات في نشأتها الأُولى أو السابقة (عالم الذر) قرارات وخيارات ارتسم وفقاً لها النظام الأتم، ودار على أساسها ناموس الحياة الدنيا، وجرت طبيعة الأشياء هنا. وهكذا سيكون الأمر في النشأة القادمة، سواء في البرزخ أو المعاد والقيامة، سيحشر الناس في طبقات وأصناف وأُمم وجماعات، وأشكال وهيئات، وسيحلون في مواضع ومواقع، سواء من غرف الجنة وقصورها، أو دركات جهنم وأطباقها، وفقاً لخياراتهم في هذه الحياة الدنيا، وبناء على انتخابهم وإرادتهم الحرة فيها، هكذا سيشقى ويخسر جمع، ويفلح ويفوز آخرون… وسنرى هناك، المهرج عودة في هيئته القادمة خنزيراً يقبع أو كلباً ينبح، فإذا احتجَّ واعترض قيل له هذا ما اخترته بمشيئتك وانتخبته بإرادتك، فإذا جحد وأنكر، شهدت عليه جوارحه ونطقت بما جنى وفعل، وما كان منه في عالم الدينا، وكيف رسم بيده وشكَّل برغبته هيئته التي حُشر عليها وظهر هنا فيها، كم زيَّف في دين الله ودلَّس، وكذَّب وحرَّف، وأفسد وشوَّه، وغرَّر بالناس وأغواهم ما استطاع، فاستحق هذا الجزاء، إنه القالب الذي صنعه لنفسه والهيكل الذي اختاره لنشأنه. وكذا سيحشر الحبتري مسخاً أعمى يضج بالشكوى وينادي “رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً؟ قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى”، إنه يختار بإرادته وتمام حريته العمى لقادم خلقته، وينتخب قعر جهنم مسكناً لحياته القادمة ومنزلاً لمعاده، وهو الآن، في كل يوم ولحظة، ومع كل مقولة ضلال يفوه بها، وكل تسجيل وتصوير ينشره، يهتك فيه حدود الله ويقحم حرماته، يسجر ويسعِر نيراناً ستشويه في جهنم، ومع كل فتنة يُأججها ليستقطب الأضواء ويتمتع بالشهرة ويحظى بإعجاب ثلة من السفلة التافهين، يحصب ويحشُّ ويُذكي النيران التي ستصليه هناك!

    لقد ميَّز بنو علي وفاطمة أنفسهم واختاروا أشرف نسب وأرفع حسب، فميَّزهم الله، فوجب علينا إعزازهم وإكرامهم وتوقيرهم.. وهذا لا يمس العدالة الإلهية في شيء، ولا يخل بالمساواة التي جاء بها الإسلام ألبتة، فلكلٍّ مورده ومحلُّه، وهو من أوضح الواضحات. أما مقولة الحبتري بأن “روح القرآن” تتعارض مع تمييزهم، و”إن أكرمكم عند الله أتقاكم” تعكس هذه الروح (وكأن القرآن أُنزل عليه فأحاط به واندك فيه حتى تلمَّسته روحه وعاشته وانصبغت به، فغدت تحسساته واستمزاجاته وحياً، وما تمجُّ ذائقته أو تستحسنه تنزيلاً محكماً!)، الذي يلغي التفاضل العائلي والتميُّز النسَبي.. فمن الوهن والتهافت ما لا يصدر إلا عن غارق في الجهل، أو مريض معقد يحتال في التقاط إثارات تلفت إليه الأنظار، ولعمري، لو كان الاستدلال بهذه الكيفية، والاستنباط على هذا النحو، لكان صدام الذي عدَّ شهر رمضان في الأشهر الحرم من الفقهاء، ولكان القذافي الذي ألغى “قل” من سور التوحيد والكافرون والفلق والناس لأنها خطاب خاص لرسول الله ليس علينا أن نكرره كلما تلونا السورة.. هو الأعلم على الإطلاق!

    إن التميّز العرقي والتفوق النسبي حقيقة نطقت بها الآيات، بل قررت أن التناسل والسلالة هي وعاء النبوات والولايات، والمعدن الطبيعي لظهور الكمالات وتفجُّر الخيرات، ومن هنا كان الاصطفاء {إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض}، وعنها تحدثت الروايات، وهذا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فتغشاهم ظلمة، فيضجون إلى ربهم ويقولون يا رب اكشف عنا هذه الظلمة. قال: فيقبل قوم يمشي النور بين أيديهم، قد أضاء أرض القيامة، فيقول أهل الجمع: هؤلاء أنبياء الله؟ فيجيئهم النداء من عند الله: ما هؤلاء بأنبياء. فيقول أهل الجمع: فهؤلاء ملائكة؟ فيجيئهم النداء من عند الله: ما هؤلاء بملائكة. فيقول أهل الجمع: هؤلاء شهداء؟ فيجيئهم النداء من عند الله: ما هؤلاء بشهداء. فيقولون: من هم؟ فيجيئهم النداء: يا أهل الجمع، سلوهم من أنتم؟ فيقول أهل الجمع: من أنتم؟ فيقولون: نحن العلويون، نحن ذرية محمد رسول الله، نحن أولاد علي ولي الله، نحن المخصوصون بكرامة الله، نحن الآمنون المطمئنون، فيجيئهم النداء: اشفعوا في محبيكم وأهل مودتكم وشيعتكم، فيشفعون فيُشفَّعون. وقال الرضا عليه السلام: النظر إلى ذريتنا عبادة. فقيل له: يا بن رسول الله، النظر إلى الأئمة منكم عبادة، أم النظر إلى جميع ذرية النبي؟ فقال: بل النظر إلى جميع ذرية النبي عبادة. 

    وقد بنى العلماء على هذا وأسسوا، كما ذهب الشيخ المامقاني في مرآة الرشاد والكمال والمقداد السيوري شارح الباب الحادي عشر للعلامة الحلي فقال: يجب تعظيم الذرية النبوية العلوية ومودتهم، لقوله تعالى: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى}، ولقول النبي: أكرموا أولادي، صالحهم لله وطالحهم لأجلي. وقوله صلى الله عليه وآله: أربعة أنا شفيع لهم يوم القيامة: المكرم لذريتي، والساعي لهم في حوائجهم، والباذل لهم ماله، والمحب لهم بقلبه ولسانه. فما يدلُّ على لزوم تعظيم كلِّ الذرية، الصالح والطالح قوله “صالحهم لله وطالحهم لي”، ويدل على ذلك آية الاصطفاء وقوله تعالى: {فمنهم ظالم لنفسه}، وما قاله الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله: اللهم إنهم عترة رسولك، فهب مسيئهم لمحسنهم. وجمعاً بين الأخبار يقال: إن الطالح إذا لم يصل إلى مرحلة التبرِّي من الأئمة الاثنى عشر فإنه يكرَّم ويعظَّم لأجل رسول الله، وأما إذا لم يكن من المذهب الحق فإنه يُتبرّأ منه. فعن الإمام الصادق، قال: مَن خالف دين الله ووالى أعداء الله وعادى أولياء الله فالبراءة منهم واجبة كائناً من كان من أيِّ قبيلة كان. وقيل: الصالحون هم الأئمة المعصومون عليهم السلام، كما يدلُّ عليه آية المظاهرة {وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين} أنه أميرالمؤمنين عليه السلام، والطالحون (العصاة من) أولاد الأئمة، فيكرمون لرسول الله.

    قال النبي صلى الله عليه وآله: إنَّ لله عز وجل ثلاث حرمات، فمن حفظهن حفظ الله دينه ودنياه، ومن لم يحفظهن لم يحفظ الله دنياه ولا آخرته: حرمة الإسلام وحرمتي وحرمة رحمي. وقال: إني شافع يوم القيامة لأربعة أصناف ولو جاؤوا بذنوب أهل الدنيا: رجل نصر ذرِّيتي، ورجل بذل ماله لذرِّيتي عند المضيق، ورجل أحبَّ ذرِّيتي باللسان والقلب، ورجل سعى في حوائج ذرِّيتي إذا طردوا وشُرِّدوا. وعن الإمام الصادق عليه السلام: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أيها الخلائق، أنصتوا فإن محمداً يكلِّمكم، فينصت الخلائق، فيقوم النبي صلى الله عليه وآله، فيقول: يا معشر الخلائق، من كانت له عندي يد أو منَّة أو معروف فليقم حتى أُكافيه. فيقولون: بآبائنا وأُمهاتنا، وأي يد وأي منَّة وأي معروف لنا؟ بل اليد والمنة والمعروف لله ولرسوله على جميع الخلائق. فيقول لهم: بلى من آوى أحداً من أهل بيتي أو أبرًّهم أو كساهم من عري أو أشبع جائعهم فليقم حتى أُكافيه. فيقوم أُناس قد فعلوا ذلك، فيأتي النداء من عند الله: يا محمد يا حبيبي، قد جعلت مكافأتهم إليك، فأسكنهم من الجنة حيث شئت، فيسكنهم في الوسيلة، بحيث لا يحجبون عن محمد وأهل بيته. وفي حديث طويل يعرض فيه حمران بن أعين عقائده على الإمام، فيقول له الصادق: أصبت يا حمران. ثم قال: يا حمران، فمن خالفك على هذا الأمر فهو زنديق. فقال حمران: وإن كان علوياً فاطمياً؟ فقال أبوعبدالله عليه السلام: وإن كان محمَّدياً علوياً فاطمياً

    ويكفيك في الوقوف على الخصوصية والتميُّز، بل خطر الأمر وعظمة الخطب، أن تعلم أنَّهم، ولا سيما الزهراء عليها السلام، يتابعون شؤون بنيهم ويهتمون لهم، حتى ليبلغها ما يجري بين الضرائر من بناتها من نزاع ومنافسة، فيشق عليها، كما في الحديث: لا يحلُّ لأحد أن يجمع بين ثنتين من ولد فاطمة، إن ذلك يبلغها فيشقُّ عليها، قلت: يبلغها؟ قال عليه السلام: إي والله!

    إننا نوالي بني فاطمة ونعظِّمهم ونوقرهم، لأننا عقليون دون شيطنة، وقرآنيون دون فصل الكتاب عن السنة، ثم لأننا متشرعون متعبِّدون، نعيش بين الخوف والرجاء، نرجو النجاة ونفكِّر في المعاد، فإذا تنزَّهنا عن الكبر ًوتواضعنا للعلم، لم نأب الخضوع للسادة الأماجد، بل افتخرنا بموالاة خير السلالات وأشرف البيوتات، وسادة الخلق ورؤساء البشر! كيف وقد جعلهم الشارع من ملاكات الحق وأماراته، فإذا رأيتهم في كفَّة علمت أنها المرضية الناجية، ففي روايات النهي عن القيام ورسم معالم الظهور الشريف وفتن آخر الزمان، يتكرر هذا الملاك ويبرز كشاخص مرجِّح، ويرتسم كجرس إنذار يضرب وناقوس خطر يقرع، في قول المعصوم: “إلا من اجتمعت بنو فاطمة معه، فوالله ما صاحبكم إلا من اجتمعوا عليه”.

    وبعد، فالأزمة في الحبتري الخبيث وأضرابه من المتجرئين على الله ودينه وحدوده، قبل الجهل، أزمة إيمان واعتقاد، ثم تقوى وورع، وتهذيب وأخلاق… ما زال الفرد يتكامل ويسمو، فتضمر الأنا فيه وتتقلَّص، وتتصاغر الذات وتتراجع، كلما تقدَّم في الطريق، فقطع شوطاً وبلغ منزلاً وارتقى درجة، فإذا بلغ القمة في هذا السلَّم الروحاني والمعراج الملكوتي، واستوفى تمام سعيه في تهذيب نفسه وأدرك ذروة كماله، تلاشت الأنا فيه واضمحلَّت، فذاب واندكَّ في الذات الأزلية، وعلم أنه هباء لا يمثِّل قيمة، وصفر لا يساوي شيئاً.. هذه هي مدارج المؤمنين العارفين، وهذا هو مسلك العلماء وطريقة الصلحاء، يبدأون بإنكار ذواتهم والتذلل لسادتهم وأولياء أمرهم وأرباب نعمتهم، فيعلنون عبوديتهم، وينادون في إذن زيارتهم: “عبدك وابن عبدك وابن أمتك، الذليل بين يديك، والمصغَّر في علو قدرك”، ثم يتقدمون ويرقون، وكلما تقدم أحدهم، استشعر في نفسه الصغار والهوان، ورأى أنه أقل الخلق وأدنى الخلائق، فخلع أردية الكبر والغرور، وأزاح أغشية الأوهام، ونزع إلى التذلل والعبودية، حتى تزول عنه “الأنانيات” ويبلغ الذروة التي تجعله أشرف من الملائكة وسائر الكائنات.

    يغلب الوجد المؤمن الموالي، ويمسه الشوق، ويزهر فيه الحبُّ، فيتدفق منه الخير، ليضوع عبقاً وينشر أريجاً،  ويقول حُسناً، وينظم في سادته مدائحاً وينافح عنهم ويدافع… ويحرج صدر المنافق بدَوْر الكتمان، ويضيق بكفره ذرعاً، فيتميز غيظاً وينفجر غضباً، ليطفح نتناً، ويصبّ حقداً ويدفق شراً…

    أنا عبد بني علي وفاطمة، وليكن الحبتري عبد مَن شاء وأسير مَن أراد، شهرة ومال، وإمرة وخفق نعال، فهذا الشيطان لن يكون سيداً على أية حال. 

    إذا فخرت بنو الإسلام يوماً▪️على من ليس من آل الرسول

    قضيت لها كما أقضى عليها▪️بأن خيارها ولد البتول

  • ما إن تجد حزب الدعوة، الفرع أو النسخة “الشيعية” لحركة الإخوان المسلمين، يندفع بالهجوم على شخص بعينه، يتقصَّده بالتهم والافتراءات ويلاحقه بالأكاذيب والإشاعات، يكافح ويكابد ويستميت في معارك لإسقاطه، فاعلم أن في الرجل خيراً… فهذا من أتم موارد “تُعرف الأمور بأضدادها”. وهكذا كل شخصية نزيهة تراها في مجموع المنظومة السياسية العراقية، ولا سيما في السلطة الحاكمة، ستكون نشازاً، وبدعاً في هذا الفضاء الملوَّث والجمع المنحرف الفاسد، وستراهم لا يطيقونه ولا يتحملون وجوده، وسيسعون بكل طاقاتهم، ويجهدون بكل ما آتاهم الشيطان من بأس وقوة، أن يُقصوه وينبذوه، ولكن “إن كيد الشيطان كان ضعيفاً”.

    السيد علاء الموسوي منذ تعيينه رئيساً لديوان الوقف الشيعي في العراق وهو يتعرَّض لهجمة مدروسة وحرب ممنهجة، ينهمر عليه من خلالها سيل متدفِّق من أخس أساليب الطعن وأرذل طرق التشويه، لا لشيء، إلا لكونه خارج منظومة الفساد، وليس من نسيج القماش الذي يواري السرقات ونهب المال العام! إن العهر لا يطيق الشرف والنزاهة، والقذارة لا تجتمع مع النظافة والطهارة، وانحطاط السوقية لا يطيق ترفُّع الالتزام ورفعة النُبل وشموخ الإيمان. إنه رقم يشكل، بمحض وجوده وترفّعه، ناهيك بأفعاله وقبل إقداماته الإصلاحية، فضيحة للقوم تهتكهم، وعُرياً يكشف سوءاتهم، فكيف وقد بدأ العمل وراح يقوِّم الإعوجاج ويضبط الهدر، ويوقف الانتهاب والاختلاس؟!

    وعلى الرغم من أنني لم ألتق الرجل منذ نحو عشرين سنة، لكنني متابع لنشاطه الحوزوي، ودوره الاجتماعي، فهو من القلائل النوادر الذين ترفعوا عن الخوض في الشأن السياسي، وامتثلوا أمر أو رغبة المرجعية بتنزيه العمامة عن هذا اللوث، وترك هذا الميدان لسائر المؤمنين من غير أهل العلم.. فكان منصرفاً لشأنه في الدرس والبحث، مع النهوض بدور كبير على صعيد الخدمة الاجتماعية ومبرة الأيتام التي أسسها ويقوم بتمويلها وإدارتها، فهو من أسرة ميسورة، وطالما كان، من أيام وجوده في قم وحتى انتقاله للنجف، باذلاً لا قابضاً، معطياً لا آخذاً، بلا مَنٍّ يُبطل ما يقدِّم، ولا أذىً يجرح ويمتهن من يتلقَّى، ومما سجلته في حينها، أن عطاءاته سواء للفقراء أو لطلبة العلم، لم تكن لتسويق مشروع وترويج شخصه، ولا تستهدف خلق جماعة وتكوين كتلة، مما كان يمارسه أقرانه في قم (في نطاق الحوزة العربية) أمثال فاضل المالكي وكمال الحيدري الذين فضحهما الله. كان السيد علاء من المشهود لهم بالتقوى والعدالة والعفة والنزاهة، بالإضافة إلى الفضل والجد في التحصيل. وهذه حقيقة يعرفها ويشهد بها كل من عاش في الحوزة واتصل بأجوائها واختلط برجالاتها.

    هكذا لم يجدوا في سيرته من مطعن إلا أنه هندي! والرجل لم يتسوَّر “الأشيقر” ولا تسلَّق غيرها من العشائر، بل معتزٌّ بأصله مفتخر بنسبه، فهو سليل بيت علم وأدب، وخير ونعمة، هاجر بعض أجداده إلى الهند لتبليغ الدين ونشر المذهب، وعلى أياديهم السمحاء وبجهودهم المباركة استبصر جمع كثير من أهل تلك البلاد (بلغوا الملايين، لعل فيهم أجداد بعض من يكيدون به ويحاربونه اليوم!)، ما زال أحفادهم يدينون بالفضل لهذا البيت حتى بعد رجوعه إلى موطنه وعودته إلى أصله في النجف الأشرف. هذه المنقبة والمفخرة صارت في ثقافة حزب الدعوة مطعناً، وغدت في خطاب الحداثة والتنوير الإسلامي عاراً! فصاروا يغمزون ويلمزون بأنه “هندي”، وفي فقهاء الطائفة وأعلامها من يتمنى أن يقايض جده السيد باقر كلَّ فقهه ونتاجه العلمي بقصيدة: “لا تراني اتخذت لا وعلاها بعد بيت الأحزان بيت سرور”، أو يفعل ذلك مع “كوثرية” عمه السيد رضا الهندي قدس الله سرهما. فإذا فرغوا من هذه وعجزوا أن يثيروا الساحة الإيمانية الملتزمة بقيم ومبادئ الدين، النازلة على أحكام الإسلام، والمحتكمة إلى مبادئه، التي تنبذ العنصرية، وتتقزز من أرباب القومية، وتتحسس من مثيريها، فلم يجدوا لحملتهم أثراً، ولم يجنوا منها إلا العار والخيبة.. عادوا ليستخرجوا من ملفاتهم القديمة خطاباً للسيد اجتزؤه وقطَّعوه على طريقة “لا تقربوا الصلاة”، وأرسلوا حملة جديدة بأن السيد علاء يكفِّر المسيحيين!

    حفنة من الصعاليك، وزمرة من الأراذل الأوباش، لا يبالون المس بتعيِّن عنوان التكفيريين في النواصب الذين يقتلون أهلنا، وإرساله علَماً فيهم، ولا يكترثون بتوجيه السهام إلى المذهب وإدارتها لتنهال على الطائفة، وإشغال الرماة في الإعلام عن الهدف الأصلي وهو التكفير الإرهابي، ثم كأنهم لم يقرأوا الآية الثالثة والسبعين من سورة المائدة! ولعمري، لعلنا نشهد يوماً يعترض فيه القوم على “لا إله إلا الله” لأن النفي فيها موغل في البراءة، ممعن في الرفض، فللإنسانية آلهتها التي علينا أن نحترمها ولا نمسها!

    الموتورون من السيد علاء الموسوي كثر.. منذ أن أقطع الاحتلال الأمريكي حزب الدعوة أوقاف الشيعة بطلب وإلحاح وإصرار غريب من المخابرات البريطانية المشاركة في التحالف الدولي الذي أسقط النظام البعثي، تولي حسين بركة الذي (يحمل الجنسية البريطانية) الأوقاف بتزكية وتوصية بريطانية خاصة، فتسلَّط الرجل وتمكَّن من كنوز لها أول وليس لها آخر، هكذا أُطلقت يدٌ لم تعرف الشرف والأمانة، بل يمكنك القول عُرفت بالغدر والخيانة، فأطلق بدوره أيدي حزبه وجماعته لتمتد وتتوغل… سرق وسرقوا ولم يكتفوا، ونهب وانتهبوا ولم يشبعوا، امتلأت جيوبهم وأتخمت أرصدتهم ولم تمتلئ عيونهم. استشرى الفساد بأقبح الأشكال وأخس الصور، ما فجَّر فضائح دوَّت في الآفاق وأزكمت الأنوف، أحرجت أربابه، فسحبوا الغطاء عنه وأرجعوه إلى لندن ليدير منها “دار الإسلام”! هكذا عزلته الدولة العراقية وطردته، ولكن دون محاكمة ولا محاسبة، وإن قيل أن وراء طرده خلاف نشأ في حينها بينه وبين جماعة فضل الله حول الحصص، ونزاع احتدم حول نسبة ونصيب كل فرع من تلك الشجرة الخبيثة من أموال العراق المستباح. لا أن الضغط الإعلامي أثَّر، ولا بسبب رفع المخابرات البريطانية الغطاء عنه! وعلى أية حال فإن ذلك لم يعالج الداء ولم ينقذ الأوقاف، فقد وقف الرئيس التالي للديوان السيد صالح الحيدري عاجزاً أمام جماعة عشعشت ووضعت بيوضها، وقد فقس بعضها وكبر أفراخها، حتى غدت مافيات وعصابات، وشبكة عريضة ومعقدة من المصالح المتقاطعة التي لن تسمح لأحد أن يمسها، ناهيك بأن ينال منها ويزيحها.

    تفاقم الأمر واستفحل، فتدخلت المرجعية وانتزعت الموقع من الأحزاب، ورشحت له السيد علاء الموسوي. ومع إن طبع الهدوء والرصانة يغلب أداء السيد، وأسلوبه المتزن المتعقِّل يقيد حركته ويبطِّئ من خطوات الإصلاح، فلم يشن الرجل حملة طرد واسعة، ولا تبديل جذري في الطاقم المدير، ولا عمد إلى النهج الإنقلابي والتطهير، إلا أن القوم الذين يعرفون جرائمهم وما ينتظرهم في الغد، إن مضى السيد واستمر العمل على هذا النحو الجديد، يهولون لأصغر الخطوات، ليستعظم التالي ويكف عن التقدم!

    نحن نعلم أن المستهدف في الأداء العام للصعاليك ليس السيد علاء الموسوي، بل المرجعية الشيعية، وأن القوم لا يطيقون أن يعود موقع خطير مثل الأوقاف (وإن كان في صميم الأمور الحسبية) لهذا الكيان، الذي كان وما زال نائياً قصيّاً عن الساحة، ومع ذلك صار هو الرقم الأول فيها على الإطلاق، الذي أجبر الشرق والغرب على إعادة رسم خارطة الشرق الأوسط، والتخلي عن مشروع داعش، بفتوى واحدة عبأت الجماهير وكونت الحشد الشعبي… فكيف إذا توسع نطاق تدخله، ولم يكتف بعد الآن بمقاطعة الحكومات الفاسدة، وبالمعارضة الصامتة، كما فعل مع نوري المالكي، بل عمد إلى تقويمها وردعها، ولجأ إلى الضرب على يدها وتأليب الجماهير على إسقاطها؟!

    هكذا يزول وجه الاستغراب، وينقضي العجب من مصدر السهام التي تتخذ السيد علاء الموسوي مرمىً وغرضاً، وكيف ما زالت تستوي في كبد قوس حزب الدعوة من كنانة لندن، وجعبة “أبي ناجي”! فبعد سليم الحسني ها قد جاء أو عاد حسين الشامي… إنها أوامر وتعليمات “دار الإسلام” تصدر من بريطانيا!

    من يحسن قراءة الأحداث بعمق يجمع الوعي والبصيرة مع العلم والإيمان، ويجيد رصد وملاحظة الظواهر، سيقف عند الشعائر الحسينية والزيارة الأربعينية، وما يواكبها من تحول روحي وأخلاقي لا نظير له في الأمم على مر التاريخ… ويدرك أن العراق أصبح بعين الله، وأنه غدى في العناية الخاصة للمولى عجل الله فرجه… ومن أنجاه واجتاز به مرحلة المفخخات والإرهاب، وعهد الاحتلال الداعشي، سينجيه من الإسلام البريطاني ومن صعاليك حزب الدعوة.

  • في سياق الحرب الإعلامية المحتدمة بين السعودية وإيران، وقد راح كل طرف يقلِّب دفاتره القديمة ويبحث عن حربة يطعن بها خصمه وورقة يدين بها عدوَّه، بثَّت قناة الميادين الإيرانية فيلماً تسجيلياً أنتجته، يتناول حادثة انفجار بئر العبد في الضاحية الجنوبية لبيروت عام 1985 بالتوثيق والتحليل، وفي المقابل ستبث الـ MBC السعودية قريباً فيلماً حول فجائع قمع الثورة الخضراء التي أعقبت انتخابات 2009 في إيران.

    وفيلم “نجا” يمثل ـ أول ما يمثل ـ رقماً مبتذلاً في الدجل، ولوناً مقيتاً من ضروب العبث بدماء الأبرياء الذين قضوا في تلك الفاجعة الأليمة شهداء، وتوظيفاً رخيصاً لتلك الجريمة الفظيعة النكراء، ثم سقوطاً وفضيحة كبرى على صعيد حقائق التاريخ، والأخلاق والالتزام، والمهنية الإعلامية، وأصدق القول أن التاريخ تكتبه الحكومات بأقلام عمالها، وأضاف: وتسجيل المرتزقة وفذلكة المستأكلين على موائدها.

    وقد وقع المعدُّ في مشكلة أسقطت عمله، ومعضلة أزرت بإنتاجه، حين عجز عن معالجة ازدواجية وتناقض عاشه الإخراج بين الشخصية المفترضة للضحية، الموافِقة لدعوى الفيلم ومرتكَزه، ومقتضى هدفه ورسالته (إدانة السعودية بمحاولة اغتيال فضل الله)، أي الثوري المجاهد، والعنيف المناضل، الذي أسس حزب الله ورعاه، ووجهه للعمليات الإستشهادية، وقاده لأداءٍ صرع مئات من عناصر المارينز، وخطف عشرات من الأجانب، أو ـ في الأقل الأدنى ـ بارك هذه العمليات ومثَّل المرجعية الدينية ووفَّر الغطاء الشرعي لها. وبين الشخصية الأُخرى التي تصوِّره رجل إنسانية ومشاريع خدمية رعوية، وتعرضه مسالماً يرفض العنف والقوة، وتسوِّقه حوارياً منفتحاً، ومفكراً متحرراً، بل متسيِّباً، لا يحمل أية أصالة ولا يمثل أية أصولية، ولا يلتزم بأدنى حدود التعاليم والمثُل، ولا تقيِّده أية مبادئ وقيم، ولا حتى شريعة أو طريقة، بل هو نهج مبتدع، قوامه صيغة حركية غاية في البراغماتية والتلوُّن، ما لا يبقي على شيء من الدين، إلا اسمه، ومن الحكم الشرعي إلا شكله ورسمه! كان فضل الله بأُطروحته (المستلهمة من حزب الدعوة) وسيرته العملية (المتماهية مع حركة الإخوان المسلمين) يشكل النقيض والوجه المعاكس للإسلام الذي حمله الخميني، ويمثل البديل “المعقول” الذي يسوّق له الغرب، وتتقبله العلمانية، وتريده دوائر المخابرات الكبرى، مقابل الخمينية ومدرسة الثورة الإسلامية التي كانت تواجه (آنذاك) العالم بشرقه وغربه، وتحارب جميع الأنظمة الحاكمة والمتسلطة على الشعوب المستضعفة، وتعمل على إسقاط كل المنظومات السائدة، سواء السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية!

    وبن جدو اليوم يعيد فتح صفحة طويت، ويجدد صفقة خسرت، ويجتر أداءً سقط فيه الإعلام الغربي من قبل فتركه إلى خيار آخر…

    لقد سعى الإعلام الغربي في بداية الثمانينات ليصور فضل الله مجاهداً، ويجد له موقعاً متقدماً في الساحة، ولا سيما قيادة حزب الله، الذي كان في خضم فوضى التأسيس، وارتجال المواقف، وتلقائية السياق في ذاك الحين، ما يوحي بفوضى، ويعكس تسيُّباً يسمح بنفوذ الرجل وتبوُّئه مقام قيادة الحزب، وبالتالي إمساك الغرب ومخابراته بخناق هذا المشروع الجديد، فإما خنقه ووأده، أو إطلاقه تحت رعايته وإدارته (كما فعل مع القاعدة وداعش).. لكن الأحداث لم تسعف هذاالخيار، والرياح جرت بغير هذه الآمال، فانقلب الأداء سريعاً إلى الجبهة الأخرى وراح يستميت في منع القيام والتأسيس، ويمضي في الحرب والتقويض.

    وما لم يقله الفيلم، مما كان يلمسه بالعيان ويدركه بالوجدان كلُّ من عايش تلك المرحلة، أن فضل الله كان يشكِّل العائق الأكبر والمانع الأول أمام انطلاق حزب الله وقيامه! وقد وقف سداً منيعاً أمام الترويج لمرجعية السيد الخميني ودخول المؤمنين اللبنانيين في تقليده، أو انخراطهم في تشكيلات حزب الله وانتظامهم في خلاياه. وفي حين حرَّر الشيخ علي الكوراني المجاميع التي تتبعه وأعلن انحلال حزب الدعوة ودعاهم للانخراط في التشكيلات الجديدة والناهضة تحت مسمى حزب الله، وكتب في ذلك ونظَّر، ونشر “طريقة عمل حزب الله”… تمسَّك فضل الله بأتباعه وتشبَّث بالمجاميع التي كانت تحت إمرته (ولا سيما اتحاد الطلبة)، وأبى أن يفرِّط بارتباطه ودوره القيادي مع الكوادر والعناصر العاملة في بعض أجنحة الدعوة. لقد كافح مستميتاً للحفاظ على كيانه، حتى إذا اضطُر وأُكره، تحت ضغوط تمادي المد الثوري، واكتساح التيار الخميني، ما كاد أن يجرفه ويودي به.. انحنى للعاصفة وسبح مع الموجة، وأمر أتباعه بالنفوذ وكلَّفهم التوغل! فقد كان يخطط منذ ذلك الحين ويعدُّ لمشروعه الخاص ومملكته الشخصية. ومن هنا كان يهزأ بمقولة الشهيد الصدر ويسخر من دعوته : “ذوبوا في الإمام الخميني كما ذاب هو في الإسلام”، وكان يعزوها إلى ظروف الحصار التي أزرت بوعي الصدر وسلبته القدرة على قراءة حكيمة للواقع، معبراً تارة بأنها دعوة لعبادة الشخص وتعظيم ذات الخميني، فطرح في المقابل فكرة ومقولة أنه مع “خط البطل، لا بطل الخط”، وأُخرى بأن حزب الله مشروع تخريب ودمار، وموت وهلاك، لا بناء فيه ولا تخطيط ولا مستقبل، ومن هنا فلا حياة له ولا استمرار.

    ولعل الجيل الجديد، لفرط التغييب وسطوة الإعلام وغلبة التلقين وطغيان الانقياد، يستغرب أن تطويع الرجل، أو تحييده وإزاحته عن طريق نهضة حزب الله، وإنهاء منازعاته وإثارته للفتن، اقتضى في بعض المراحل واضطر ذوالفقار إلى أن يتعامل معه بالقوة ويتناوله بالزجر والتقريع وليِّ الأُذن، ولزم في مراحل أخرى، أن يُفسَح له ويغض الطرف عن استيلائه على أموال المقاومة، حين كان يأتي المغترب مغتراً بالاسم والعنوان، ليلتقيه ويسلِّم عليه، ويسلمه تبرعه للمقاومة، التي كانت تعيش ضنكاً وعوزاً شديداً، فيستولي الخؤون على الملايين بحجة أنه يشكل المقاومة المعنوية، وأن بث الفكر والوعي هو جبهة مقاومة أيضاً!

    الرجل الذي صوَّرته قناة الميادين الإيرانية بطلاً مجاهداً تحاول السعودية تصفيته، كان في الحقيقة جباناً رعديداً، لم يعش الجهاد في حياته كلها لحظة، ولم يعرف التضحية مرَّة! لا في عراق البكر وصدام، ولا في لبنان المارونية السياسية، لا في نفسه وشخصيته، ولا في أبنائه وذريته، لم ينله كلْم من أنظمة الجور وأعداء “الحركة الإسلامية”، ولا رأى معتقلاً أو سجناً أو عقوبة أنزلته بها الحكومات الكافرة التي ينظِّر لحربها ويهذر بإدانتها ويلغو بسبِّها، حتى ولا توقيفاً إدارياً لأيام ريثما يتم إبعاده! لم يعرف الرجل منفىً أو غربة في مهجر، كما لم يعانِ من ملاحقة أو مطاردة، لا صدرت بحقه مذكرة ضبط من سلطة قضائية، ولا ثمة تقرير أمني يدينه بنشاط ضد أية دولة! وبينما قضى الشيخ راغب حرب ثم السيد عباس الموسوي شهداء في قلب الجنوب على يد العدو الإسرائيلي الغادر، كان الرجل يتغنى بالجهاد ببيروت، ويتاجر بالمقاومة على طريقة “اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا ها هنا قاعدون”، وبينما المجاهدون يعيشون ويقضون هم وأبناؤهم في الجبهات، لا تجد واحداً من أبناء فضل الله أو جماعته إلا في أفخر القصور والمصايف والبساتين والاستراحات، يتنقلون بسياراتهم الفارهة ورجال الحماية يحيطون بهم، كأن العالم بأسره يريد أن ينقض عليهم!

    لا وقاحة وجرأة على التزييف كاتهام السعودية بالسعي لتصفية فضل الله! وهو رجل الوهابية الوفي الذي نقل وصاغ كلَّ عقائدها ومقولاتها وأدرجها في قالب فكري طبعه ووسمه بخاتم التشيُّع، وأبى أن يوفر من إباحيته وتهتكه شيئاً إلا حرمة التدخين، حتى وافق القوم وجاراهم في كل ما شذوا به عن سائر الفرق الإسلامية! وما زال “الشيعي” الوحيد الذي تُستثنى جميع كتبه من المنع، بل من مجرد الرقابة والحاجة إلى الترخيص للعرض والترويج في المملكة العربية السعودية! وما زالت دار الملاك مشغولة طوال العام بطباعة الكتب المدرسية السعودية، التي تخصها السفارة بحصة وافرة منها، كما تفعل مع مؤسساته الخيرية وتخصص لها نسبة من أضاحي الحج، لتقسَّم على الفقراء، وإذا بك تجد أكياس الذبائح وأكفانها، في حاويات مطعم الساحة لفترة طويلة بعد كل موسم! وبعد، فالرجل ما حج أو اعتمر إلا ضيفاً على الملك، يستقبل في صالات الشرف، وينزل الأجنحة الملكية في مضافات مكة وجدة والمدينة، بل ما ركب الطائرة هو والوفد المرافق له إلا بتذاكر مصروفة من السفارة السعودية.. إن التيار الشيعي الوحيد الذي يحظى برعاية استثنائية من الأنظمة الخليجية المرتكزة على تعليمات موحدة ترعاها المملكة العربية السعودية، هو تيار فضل الله، ومع أن نسبته في الكويت لا تتجاوز أعشاراً من 1%، إلا أن أكثر من 90% من المساجد التي رخِّصت للشيعة في العقد الأخير، منحت لهذا التيار! ثم يأتيك بن جدو كافراً بالنعمة ومتنكراً للفضل والإحسان، ليزعم أن السعودية أرادت اغتيال فضل الله، بل ويظهر ابنه في الفيلم ليؤكد هذا السياق، جاحداً فضل سادته، وعاضاً اليد التي طالما أحسنت إليه وإلى والده!

    سيأتي يوم ينبري فيه إعلامي حُر، ليسجل فيلماً وثائقياً مهنيّاً، لا يسفِّه نفسه ولا يستخف بمشاهده، يطرح الحقائق ويعرض فضل الله كما هو: رأسمالي ناجح، وتاجر حاذق، وظَّف الدين للثروة، وعاش للرئاسة والشهرة، وترك إرثاً متنامياً من الأسهم والعقارات، والمطاعم السياحية ومحطات الوقود. وإن سقط الباحث في وهج الإعلام وغلب المستطلع ضجيجه، فرأى جانباً فكرياً في الرجل، فسيعكس أرتالاً من الكتب، سوَّد بها نقاء الدين، وشوَّه وزيّف ما شاء له وأملى الشيطان الرجيم. أما الثورية والجهاد فدونها في الرجل خرط القتاد. وفي هذا الفيلم ستظهر وثائق الممتلكات والعقارات، وصور الأرصدة في البنوك، والشيكات والصكوك، وينكشف أن ما قاله مصطفى ناصر في شهادته كان منقوصاً ومبتوراً، وأن سركيس نعوم، ابن “النهار” بما تعنيه من موقع في المصفوفة والمنظومة العالمية، كان يؤدي رسالة ودوراً تمليه الماسونية، ويعكس الصورة التي تريدها لهذه الشخصية.

    لم ينج من فيلم غسان بن جدو إلا الثمانون الذين استشهدوا في المجزرة ظلماً وعدواناً، هؤلاء أدركوا الفتح عند ربهم، وما هلك إلا فضل الله، الذي عاش بعد التفجير خمسة وعشرين عاماً قضاها في الفساد والإفساد، ونشر الضلالات ومحاربة فقه آل محمد وعقائدهم، ثم خلف من بعده صبيان فسقة كعودة وموتورون متصنعون كشفيق، ما زالوا يمدون قبره ويرفدون حفرته ويحصبون نيرانها بما يذكي وقدتها ويسعِّر جحيمها، ولو كشف لهم الغطاء، لأحسوا ـ وهم في بيوتهم ـ بوهجها وصَلاها، ولسمعوا حدَمتها وزفيرها، ولرأوا اليحموم يتصاعد من زاوية مسجد الحسنين، والدخان الأسود يملأ المكان، وسحب الغضب الإلهي تحطُّ وتحوم، وتظلل وتستحوذ على كل ذلك الفضاء المشؤوم.

  • تداولت الأوساط الإيمانية مؤخراً تسجيلاً بالصوت والصورة للسيد العلوي البروجردي ينقل فيه قصة له مع العلامة الطباطبائي صاحب تفسير الميزان، والسيد العلوي من الأعلام الذين يتسالم القاصي والداني على وثاقته، ولا يرتاب أحد في صدقه وصحة نقله، والقصة تتعلق بزيارة قام بها السيد مع جمع للعلامة في بيته. يقول: طرقنا باب البيت (بيت العلامة الطباطبائي)، فحضر بنفسه وفتح لنا الباب، دخلنا وجلسنا في الغرفة المجاورة للمدخل، ويحضرني أنهم أتوا لنا بالشاي، طُرقت الباب (الداخلية)، فقام السيد بنفسه، إذ لم يكن هناك خادم، ويبدو أن امرأة أعدت لنا الشاي، فقام السيد وتناول منها الصينية (الخوان)، وكانت يده (قدس سره) تعاني من الرعاش، فقمت أنا وأخذت الصينية منه، وقدمت الشاي للحضور.

    التفت العلامة الطباطبائي رضوان الله عليه إلى العلامة المداح (أحد الحاضرين مع ضيوفه) وقال: ما دمت قد حضرت هنا، يطيب لي أن تقرأ لنا مجلس عزاء. قام المداح واستوى على كرسي في تلك الأنحاء وراح يقرأ. ويحضرني أنه أخذ يقرأ في مصيبة علي الأكبر، وقد اختار أبياتاً من قصيدة معروفة للشاعر إيرج ميرزا، التي مطلعها: “رسم است هركه داغ جوان ديد، دوستان رأفت برند حالت آن داغديده را”… (جرت العادة أن يرفق الأصحاب بحال من فقد فتى في ريعان الشباب). ومضي في قراءته، حتى وصل هذا البيت: “بعد از پسر، دل پدر آماج تير شد، آتش زدند لانه مرغ پريده را” (بعد الابن، صار قلب الأب مأوىً وغرضاً للسهام، لقد أضرموا النار في عش الطائر المدهوش). عندها طلب العلامة الطباطبائي من المداح الإعادة، وقال: أعد. فأعاد المداح هذا البيت، ثم طلب منه ذلك ثانية وثالثة ورابعة! والعلامة مستغرق في بكائه ودموعه تتقاطر على لحيته. استمر المجلس حتى أنهى المداح قراءته، وعاد ليجلس على الأرض. والعلامة الطباطبائي ما زال يكرر البيت الأخير ويمضي في بكائه وهو يضرب على فخذه! وبينما كان في هذه الحال، قال، ولعل الخطاب لم يكن موجهاً إلينا، لكنه على أية حال قال: ليت إيرج ميرزا يقايضني هذا البيت من الشعر بتفسير الميزان! وكانت نزعة التحقيق والملاحقة العلمية قوية فينا في تلك الأيام، فسألته: سيدنا، هل تعرف إيرج ميرزا؟ هل نظرت في أشعاره؟ لأن إيرج ميرزا كان شاعراً متهتكاً أو خليعاً (غير ملتزم)، قال: نعم، لدي ديوانه، مع ذلك، ليته يقايضني بيته هذا بتفسيري الميزان! ثم التفت العلامة وقال لي: لا يمكنني أن أتصور مولاي سيد الشهداء سيهمل أو لا يعتني بمن أنشد هذا البيت بحق علي الأكبر. انتهت القصة، وتمت الترجمة.

    أردت أن أقدم لساحتنا العربية ترجمة لهذا التسجيل والتوثيق الثمين، فيذكو في الأرجاء عرفٌ، وينتشر عبير، ويضوع عبق، بعد هذا النتن والزنخ والعطن الذي تعيشه الساحة، وما صار يزكم الأنوف ويعطل العقول ويغشي الأبصار من فعل المعتدين الضلّال.. عسى أن يخرج القارئ من أجواء اللوث التي ابتليت بها الساحة من إملاءات الشيطان ومكائد أوليائه، ميثاق نكرة لا أصل له ولا فصل، انتضى على المذهب سيف عداوته، وسدد سهامه نحو مستضعف مغلوب على أمره، أُخذ بزبرج قوله وأُسر بمغالطات ومصادراته، وهو خالي الوفاض ومنزوع السلاح، فانطلت عليه الحيلة ووقع في المكيدة. أردت أن أفتح نافذة على هواء نقي ونسائم منعشة، تزيح أجواء اللوث والدعارة وفضاء العهر والفجور الذي يخلقه وينشره مومس الأحساء، وقد ذهب بها في السفه والحمق عريضة، وراح يبارز طواحين الهواء! أما صخب التهريج والضجيج بلا حجيج، مما يمارسه القرد الحبتري، هو وقرينه عودة البيروتي، وثالثهم صاحب الدف وضابط الإيقاع القصير، فكأنه خلفية ثابتة للمشهد، لا تنفك ما دام المدد يصلهم من كبيرهم والغطاء يجللهم من أصل الزيغ ومنبع الإفساد.

    العلامة الطباطبائي، الفيلسوف الأبرز في زماننا، ورجل المدرسة “العقلية” الأول بلا منازع، الذي يرجع كل ظاهرة في الكون والحياة إلى موقعها العقلي، ويدرجها في موضعها من هذه المنظومة التي تكاد لا تُخترم، وهو بعد، المفكر المبدع الذي لا يملك الحداثويون والتنويريون إلا تعظيمه وإجلاله… يقايض أحد أكبر كتب التفسير، عشرين مجلداً حوَت أنفس العلوم وأشرف المعارف، وتكلفت سهر سنين متمادية وجهوداً مضنية من حياته العزيزة، يبيعها ببيت شعر واحد في عزاء علي الأكبر!.. من هنا يضوع المسك ويفوح الشذا، وتهب غدوات الجنان، تضمّخ من ألقى السمع وفتح الله منه المشام على نسائم الروح والريحان ونفحات الكمال وصَبا السمو والرفعة.

    ولمن يتساءل عن السر والسبب، ويعيش الاستغراب من فرط بُعده عن هذه الأجواء، وانغماسه بلوث الماديين ودنس الدنيويين: كيف يقايض علامة جليل، فيلسوف عقلائي، عملاً علمياً متيناً، ونتاجاً فكرياً ثميناً، يقايضه ببيت من الشعر؟! إن الرجل ببساطة “مؤمن”، والعالم الرباني “عارف”، يدرك أن إياب الخلق إليهم، وحسابهم عليهم. وهو لا يبالي بالدنيا ولا يكترث بما سيقال عنه فيها، إنه ينظر إلى العالم الحقيقي، هناك حيث المعايير هي الحب والولاء، وصدق التعبير والوفاء. هناك يضمحل الكم ويتلاشى المقدار أمام النوع والكيف، ويصبح تدبر ساعة خير من عبادة سنة كاملة، ويغدو بيت شعر أو دمعة مراقة في عزاء سيد الشهداء، خير من مئة مبرة ترتهن أيتام آل محمد، وألف مطعم ساحة ومحطة وقود وبورصة أوراق مالية أدخلت خمس آل محمد وجعلته في استثمارات المترفين البطرين، ونهباً للفاسدين والسارقين.

    لقد كان العلامة قدس سره، مؤمناً معتقداً… وأدعياء العقلنة والتنوير ودعاة الحداثة والإصلاح الذين يخوضون في الساحة اليوم، ليس فيهم مؤمن معتقد واحد، كلهم كاذبون، يتاجرون بالدين ويخوضون معركتهم لمجرد العناوين، لا أحد منهم يحمل همَّ الإسلام ولا منهم من يعنيه التشيع، كل ما هناك مشروع سياسي يؤمِّن لهم رواتبهم ومكاسبهم، ويكفل استمرارهم في مناصبهم. ولو اقتضت دنياهم عكس ما يطرحون، لفعلوا وانقلبوا، وصاروا ولائيين أكثر من الوحيد الخراساني والسيد هاشم البحراني.

    وأملاً في مشاركة ذاك المجلس الملكوتي المعظم، أعرض باقي أبيات القصيدة، مع ترجمتها، لعلي أوفق في استدرار دمعة من عين قارئ فأحظى:

    رسم است هر كه داغ جوان ديد، دوستان رأفت برند حالت آن داغديده را (قضت الأعراف أن يرفق الأصحاب بحال من فقد فتىً في ريعان الشباب)

    يك دوست زير بازوي او گيرد از وفا، وآن يك ز چهره پاك كند اشك ديده را (يغلب الوفاء صاحبه فيحتمله من عضده، ويمسح آخر دموعه عن وجهه)

    آن ديگري بر او بفشاند گلاب وشهد تا تقويت كند دل محنت كشيده را (وآخر ينضح وجهه بماء الورد، ليشد أعصابه ويقوي قلبه في مصابه)

    جمعي دگر براي تسلاي او دهند شرح سياهكاري چرخ خميده را (وجمع يواسونه وهم يعددون له غدر الزمان وانتكاس عجلة الأقدار)

    القصه هر كس به طريقي ز روي مهر تسكين دهد مصيبت بر وي رسيده را (هكذا يقوم كلٌّ بدوره في تسكين جرحه والمصاب الذي حلَّ به)

    آيا كه داد تسليت خاطر حسين چون ديد نعش اكبر در خون تبيده را (فمن تراه واسى الحسين حين رأى جثمان الأكبر معفراً بدماه؟)

    آيا كه غمگساري واندوه بري نمود، ليلاي داغديده ي محنت كشيده را (تُرى من أظهر الأحزان والهموم وشارك ليلى المصابة آلامها؟)

    بعد از پسر دل پدر آماج تيغ شد، آتش زدند لانه ي مرغ پريده را (بعد الأبن، صار قلب الأب مأوىً وغرضاً للسهام، لقد أضرموا النار في عش الطائر المدهوش)

  • بعد خمس سنوات متتالية من مشاركة الضال المضل محمد حسين فضل الله في معرض كتاب النجف الأشرف، بكتب أملاها عليه الشيطان وأوحى له بأباطيلها إبليس، سجَّل فيها تخرُّصاته، وسطر ما شاء له الشقاء من حسد لآل محمد وحرب على الولاء من خفاء، فسوَّد صفحات بذل عليها من تبرعات المستغفلين للأيتام، أو من أموال الخمس التي “جناها” بصفقات مع الأثرياء والتجار، من ملتمسي الرخص ومتحرِّي الميوعة في الدين… تم هذا العام حظر مشاركته، فتوقف نـزِّ القيح، وأقلعت الحمَّى، وطهر بعض اللوث.

    لا أدري مَن هو الغيور الموفَّق الذي نهى عن هذا المنكر، والشريف النزيه الذي تصدَّى لهذا العبث الفكري والعقائدي، فأزال النجَس، الذي ليس له أن يقرب “البيت”، وأوقف الهتك المؤلم لحرمة جوار أميرالمؤمنين عليه السلام، وحال دون أن يتسرب هذا الصديد من تلك البؤرة القذرة، ويسري العفن من ذلك الجرح الملتهب الموبوء، الذي لُفظ منذ عقدين ونيف من حوزة قم وطُرد، وبتر فاسد عضوه واجتُثَّ غاسق جرحه على يد جراحين مهرة وحكماء بصراء، مثَّلوا بحق حصون الدين وشكَّلوا قلاع الشريعة، فرضوان الله على الميرزا جواد التبريزي والشيخ بهجت، وأدام الله ظلال الوحيد الخراساني وصادق الروحاني ولطف الله الصافي وموسى الزنجاني..

    ويكفيك في معرفة حجم الإنجاز هنا وبركته، أن ترى كيف تصايح القوم وتنادوا، فطفر كل شيطان من وكره، وأطل برأسه من مغرزه، وكأنه نفير عام، فلم يبق آكل جيف ومقتات على وضر، من غربان وبنات آوى وضباع، ممن يصله المدد الشهري من “المبرات”، ممن انتظم في حلقة التهتك والفساد، إلا راح يزمجر وينعب، ويعوي وينهق، فصرت تسمع الصراخ من كل حدب وصوب، أينما حلَّت الخسة والرذالة، وحيثما شاع الفجور وراجت الخلاعة، فلم ينفرد هذه المرة ميثاق، بل لتحق بالركب الكاتب، وانضم إلى القطيع، جديد في عالم الصعاليك: الغلام ذي الوردة الحمراء، الذي كان حتى الأمس القريب يندس في جُحره ويتنكر لانتمائه ويتبرأ من تقليد إمامه، فقد اشتد ـ كما يبدو ـ عوده، وغدا مهيَّـئـاً للنزال، فمرحى!

    كان أول من ردَّ على الفتنة التي أشعلها فضل الله عام 1993 بالتشكيك بظلامة الزهراء عليها السلام هو السيد ياسين الموسوي فكتب “ملاحظات على منهج فضل الله”، وهو كتاب علمي تجنَّب أيَّ مسٍّ شخصي أو تجريح، وفي تاريخ 14/5/1997 (7 جمادى الثانية 1417)، ألقى فضل الله في الندوة التي كان يعقدها كل سبت في مكتبه في منطقة السيدة زينب، وهو في طريقه صائب النحاس، وتسوُّل المقسوم من أموال الرجل، حتى عمَّه الشؤم فأفلس! في تلك المحاضرة التي كان عنوانها العفو في الإسلام، قسَّم الهالك الناس أقساماً، وقال إن هناك من يضر به العفو، فلا يصلحه إلا العنف والقوة، وذكر مواصفات هؤلاء، ثم سئل عن سيد ياسين، من أي الأقسام أو الأنواع هو؟ فقال: إنه ممن يضره العفو! لم يتباطئ أتباعه المثقفون الواعون، المتحررون المنفتحون، فراحوا يعدون العدَّة ويهيئون الأسباب، حتى كمن خمسة منهم للسيد ياسين وهو في طريق عودته من الزيارة والصلاة في مرقد السيدة ومعه طفله الصغير، وتعرضوا له بالضرب المبرح، الذي أُدخل على إثره المستشفى ونزلت به إصابات بليغة، وقد منعه الإرهاب والتهديد بالعنف، والسطوة والقهر والنفوذ، وهو الغريب اللاجئ، الفار من بطش صدام، من الشكوى وملاحقة حقه بالقضاء.

    ولما مات فضل الله نشر موقع في الفيس بوك كتاب الجنازة الماسونية للشيخ محمد كاظم الغروي، فلم يطق القوم إلا رفع شكوى جمعوا لها وحشدوا التواقيع ليُحظر الحساب الذي نشر الكتاب!

    ولو نظر المراقب في ردودهم على العلامة السيد جعفر مرتضى، وهو الذي لم يتعرض لشخص الرجل بأدنى إساءة، وكل ما فعله هو نقد أفكاره وإبطال آرائه، باستدلالات علمية متينة ومفحمة… لرأى عجباً عجاباً من درجة الأخلاق ومدى سعة الصدور واستعداد العقول للحوار وتقبل الآخر، ولعرف كيف ربَّى الرجل أتباعه وعلى أية خسة وبذاءة أنشأهم…

    فعن أيِّ حرية رأي يتكلمون؟ وعن أيِّ بحث علمي يتحدَّثون؟ إنها موعظة العاهرة الشمطاء في العفة، وزهد من غلبته الحمَّى في الطعام، وتوبة الأثرم عن عزف الناي ونفخ المزامير!

    والمعضلة هنا أنك لا تدري من أي منطلق تحاججهم وتخاصمهم؟ هل هم دينيون ينزلون على حكم الله ورسوله وشريعته؟ أم علمانيون دنيويون، يحتكمون لواهي نتاج الفكر البشري الذي لا يأبى المثلية الجنسية حرية شخصية؟

    هل في الإسلام مساحة للقهر والإكراه أم لا؟ هل فيه إلزام عند عدم الامتثال عن طوع وقناعة أم لا؟ لا أدري ما يفعل أحدهم إذا لم تقتنع ابنته بالحجاب مثلاً؟ ألا يكرهها عليه؟ هل سيسمح لها بالخروج سافرة متبرجة، أم سيحول أمام “حريتها” الشخصية ويجبرها على التستر؟ ترى هل إكراه طفل على الصلاة من العقل في شيء؟ وهذا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: “مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر”، هذا عند السنة، وعندنا عن أبي جعفر عليه السلام: “فإذا تم له سبع سنين.. قيل له: صلِّ، ثم يترك حتى يتم له تسع سنين، فإذا تمت له… أُمر بالصلاة وضرب عليها”؟! هل الإسلام يدعو إلى العنف الأُسري وهو يشرِّع لضرب المرأة في قوله تعالى: “واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً”، هل المرأة حيوان أو دابة، حتى تروَّض وتُطوَّع بالضرب؟ ألا يشترط في الصلاة نية القربى؟ كيف يُكره عليها الصبي ويضرب؟ أين العقل هنا والمنطق؟ وأين التمدن والتحضر؟!

    ماذا عن اتفاق فقهاء الإمامية على حرمة بيع وشراء واقتناء، وحتى مجرد قراءة كتب الضلال. بل وجوب إتلافها (إلا لمتخصص يريد دفعها والرد عليها)؟ هل يرى القوم أن الشهيد الصدر والسيد الخميني والسيد السيستاني من الفقهاء الرجعيين أيضاً؟ فإذا لم يقرأوا حتى الرسائل العملية للمراجع العظام، ألم يسمعوا أن الرجل الذي أسس الثورة وقاد الجهاد، ونظَّر لفكرة عداء أمريكا والصهيونية، أمر بقتل رجل بسبب كتاب نشره؟ هل قتل سلمان رشدي من الحرية والمنطق في شيء، وفقاً لمعاييركم التي تدينون بها حظر العتبة العلوية كتب إمامكم الضال؟ هل يواجَه القلم ويُرد على الكتابة بالقتل والإعدام؟

    الحرية عندنا مفهوم مقدس، قوامه التحرر من أسر الشيطان وعدم الارتهان للشهوات والغرق في الملذات والماديات والأهواء، ولا تكون إلا بتحكيم العقل وكسب العلم الذي يأمر بالشريعة، ويرى في الامتثال لها والخضوع لأحكامها أعظم قيمة، فالطاعة تجعل الإنسان مثل الله، يقول للشيء كن فيكون. أما ما يتوهمونه من الانفتاح على مداخل الضلال، والأخذ في دروب الباطل ومسالكه، فهو ليس من الحرية في شيء، إنه ارتهان وأسر وغرق في الهوى، ومن أخطر مكائد الشيطان “وإن كيد الشيطان كان ضعيفاً”.

    ومن غريب ما يسجَّل هنا، أنَّ لائحة الكتب الممنوعة في معرض طهران للكتاب، تبلغ أكثر من سبعمئة عنوان (مما قدمته دور النشر العربية المشاركة، والمسبوقة بطبيعة البلاد والمعرض، وإلا فالممنوعات أكثر من هذا بكثير)! ولم نسمع لهذه الضفادع نقيقاً هناك، ولا صدر من آسن مستنقعها نقد على هذا أو اعتراض؟! لماذا لا يبكون الحرية وينتفضون للفكر والتعددية، ولا يطالبون بها حيث سطوة أقرانهم ونفوذ رفاقهم (أم تراهم يبكون ـ في الحقيقة ـ سقوط المالكي وتضعضع كيان الفساد وبداية خطى الإصلاح في العراق)؟ حتى راحت تبربر سخلة أو تيس بالأمس، بتغريدة قرن فيها بين سفك دماء بريئة لأكثر من أربعين مؤمناً زائراً لمشاهد الفواطم والرؤوس في مقبرة الباب الصغير بدمشق، قضوا بتفجير انتحاري دموي مفجع، وبين منع كتب صاحبه! فقال الأخرق: “البارحة اغتيل فكر السيد فضل الله بمنع كتبه بمعرض أُقيم بمدينة العلم بالنجف. اليوم داعش يغتال زوار (هكذا) عراقيين بمدشق، الفكر الظلامي واحد”! ولعمري، هل يستخف هذا السفيه ويستهين بدماء الأبرياء، أم يرفع صاحبه إلى السماء؟ لست أدري، ولكن المصيبة مع هذا الغلو والجمود والتحجُّر، والمأساة مع الصنمية وعبادة الوثن وتقديس الرمز، أكبر من أن تعالج بمقالة أو كتاب، وتُقتلع بحجة ودليل، إنها كارثة ليس لها إلا سيف الحجة عجل الله فرجه.

    العزاء أن كتب فضلة الشيطان والحبتري وهذه الأضراب لا تُقرأ، وإذا قُرأت فهي لا تؤثر، ومنطلقي الشخصي في ميدان التصدِّي للضلال، لا يتحرى النتائج ولا يلاحق الثمرات، فأولياء إبليس من أتباع هؤلاء دخلوا في حزبه عن سابق اختيار، فالشقي شقي في بطن أمه، في أذنه وقر، لا يسمع الحق ولا يطيق الطُّهر. والنجباء الأطهار، في كتاب وديوان، لا يزيدون ولا ينقصون، لو صببت على أحدهم الدنيا بما فيها، ما كان ليترك ولاء آل محمد إلى غيرهم، أو يتخذ وليجة دونهم، وما زال يرى زخرف القول والغرور الذي يبثه الضال المضل، ترهات لا تستحق أن يتوقف عندها عاقل ناهيك بأن تؤثر عليه… إنما أنبري وأقحم هذا الميدان إفراغاً للذمة وعملاً بالتكليف، وأملاً في أن أحظى بشرف “واجعلني ممن تنتصر به لدينك، ولا تستبدل بي غيري”، وإلا فكل بلدة فيها جبانة ومجمع للقمامة، وليذهب كلٌّ ليلاقي حتفه ويهلك، فقد تمت الحجة وأُقيمت البيِّنة.

    هذا وإن كان للانتصارات طعمها، وما تورثه من بلج وفرح، كيف لا وهي “أخرى تحبونها”، كما وقع قبل أيام، حين نالتهم الخيبة من جمع حشدوا له ما استطاعوا، أرسلوا الدعوات، وشحذوا الهمم وجندوا الطاقات، وصرفوا وبذلوا، شمروا عن ساعد وكشفوا عن ساق، فإذا تمخَّض الجمل، ولد فأراً! لم يحضر ندواتهم أحَد، وكان الحضور مع المنظمين لا يتجاوز العشرين! ثم لم يستفيقوا من هذه الخيبة، وبينما كانوا يترنحون من هذه الصفعة، أتتهم ضربة المعرض في النجف الأشرف! فالحمد لله أولاً وأخيراً.

    “ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون”. 

  • في كتابه “المكاسب المحرمة” ج1 ص 376، في معرض الاستدلال على اختصاص الحرمة بغيبة المؤمن (الشيعي) دون سواه، بمن فيهم إخواننا السنة، يقول السيد الإمام الخميني:”… فغيرنا ليسوا بإخواننا وإن كانوا مسلمين، فتكون تلك الروايات مفسِّرة للمسلم المأخوذ في سائرها، بأن حرمة الغيبة مخصوصة بمسلم له أُخوَّة إسلامية إيمانية مع الآخر. ومنه يظهر الكلام في رواية المناهي وغيرها. والإنصاف أنَّ الناظر في الروايات لا ينبغي أن يرتاب في قصورها عن إثبات حرمة غيبتهم، بل لا ينبغي أن يرتاب في أن الظاهر من مجموعها اختصاصها بغيبة المؤمن الموالي لأئمة الحق عليهم السلام. مضافاً إلى أنه لو سُلِّم إطلاق بعضها وغضُّ النظر عن تحكيم الروايات التى في مقام التحديد عليها، فلا شبهة في عدم احترامهم بل هو من ضروري المذهب كما قال المحققون. بل الناظر في الأخبار الكثيرة في الأبواب المتفرقة لا يرتاب في جواز هتكهم والوقيعة فيهم، بل الأئمة المعصومون، أكثروا في الطعن واللعن عليهم وذكر مساوئهم. فعن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: إنَّ بعض أصحابنا يفترون ويقذفون من خالفهم. فقال الكف عنهم أجمل. ثم قال: يا أبا حمزة، إنَّ الناس كلهم أولاد بغاة ما خلا شيعتنا. والظاهر منها جواز الافتراء والقذف عليهم، لكن الكف أحسن وأجمل، لكنه مشكل إلا في بعض الأحيان ، مع أن السيرة أيضاً قائمة على غيبتهم، فنعم ما قال المحقق صاحب الجواهر إن طول الكلام في ذلك كما فعله في الحدائق من تضييع العمر في الواضحات”. 

    وفي كتابه “كشف الأسرار” ص126يقول قدس سره في معرض رده لشبهة عدم النص القرآني على الإمامة:”من مجموع ما تقدم يتضح أن مخالفة الشيخين للقرآن لم تشكِّل للمسلمين خطباً ولا خطراً! والمسلمون إما كانوا منخرطين في حزب الشيخين ومؤيدين لهما، أو كانوا معارضين لهما، ولكنهم لا يجرؤون على إعلان أو اتخاذ موقف أمام أولئك الذين تصرفوا مثل هذه التصرفات تجاه رسول الله وتجاه ابنته، وحتى إذا كان أحدهم يقول شيئاً، فإن كلامه لم يكن ليؤخذ به. وجملة الكلام أنه حتى إذا صرَّح القرآن بذلك (بالنص على ولاية أميرالمؤمنين)، فإن كلام الله لم يكن ليردع هؤلاء ويجعلهم يتراجعون عن هدفهم، فيتخلون عن الرئاسة ويتركون الاستيلاء على السلطة. غاية الأمر أن أبا بكر كان سيعالج الأمر بوضع حديث (في رد الآية القرآنية)، كما فعل مع آيات الإرث (في قضية فدك). أما عمر فلا يستبعد منه أن يقول إن الله أو جبريل أو النبي قد أخطأوا في إنزال هذه الآية، فيلقى تأييد السنيين وتراهم يتبعونه في ذلك، ويقدمون قوله على القرآن وحديث رسول الله”.

    ترى هل هذا الرأي والقول هو إثارة للفتنة الطائفية؟ وشق لعصى المسلمين ووحدتهم أمام الكفار والاستكبار العالمي؟ أم كلام الشيخ الوحيد الخراساني دام ظله، حول وجوب إباحة المكان في القبر، ومسوغات النبش ووجوبه في حال الغصب؟ وتطبيقه هذه الكبرى على دفن الشيخين في بيت رسول الله دون إذن ورضى أهل البيت؟! ثم إلزام أبي بكر بدعواه أن ما ترك رسول الله هو صدقة، وبهذا تكون داره ملكاً لجميع المسلمين، فهل استأذن الجميع في الدفن؟ وكيف أن ملزوم قوله هو وجوب نبش قبره؟…

    فليُجب الموتورون الذين تباكوا على الإسلام، وتصايحوا خوفاً وانتفضوا حرصاً عليه، من كلام الوحيد الخراساني، فقيه آل محمد حقاً، ونائب المهدي صدقاً، ووكيل إمام العصر والزمان بحجة وبرهان لا بقهر وسلطان… انتفضوا وكأنهم حماة الحمى وفرسان الهيجا، ورجال الثورة وأبطال سوحها وقادة ميادينها، وما هم إلا أوغاد سفلة من الأسقاط المتسلقين، وحثالات خاسئين من الدهماء الوصوليين، لم يُصَب أيٌّ منهم في طريقها بوخزة شوكة، ولا طاله في جولة من معاركها كلْم أو مضرَّة، ولا عانى يوماً من غصَّة أو لوعة، بل قضوها في رفاهية من العيش، وادعين فاكهين، يتربصون بها الدوائر، حتى إذا مضى قائدها إلى ربه، انثالوا عليها من كل حدب وانهالوا من كل جانب وصوب، فصارت الأذناب أرؤساً، والأعقاب مقادماً، والطغام والخشاش سراة وأعاظم! هكذا غدا الضلال مذهباً وصار النفاق ديناً، وها هم اليوم ينظِّرون للثورة الإسلامية ويتبجَّحون بالحرص عليها، ويتباكون على مبادئها وشعاراتها!…

    فليجيبوا إن استطاعوا على سؤال، وليقدموا إن تمكنوا الرد والجواب: هل يشكِّل كلام الخميني مادة للفتنة المذهبية أم لا؟ وما الفرق بينه وبين كلام الوحيد من حيث وحدة ملاك التحفُّظ والإدانة؟

    إذا كان مدَّعو الحرص على الوحدة الإسلامية، المتشدِّقون بشعارها والملتفون بلوائها، المستميتون على منع الفتنة الطائفية، والمتهالكون على الأُخوَّة الدينية، الحريصون على التصدي لكل ما يعكِّر صفوها، حتى أوغلوا في إطلاقات لا تقيِّد، وأسرفوا في تعميمات لا تخصِّص، وشملوا بحُكمهم”كلَّ”قول وفعل يثير الفتنة، و”أيَّ”شخص يقف خلفها،“أياً”كان عنوانه، و”مهما”بلغ شأنه ومقامه، في تعريض لا يخفى وكناية أبلغ من التصريح. ما كشف أن المستهدف من معركتهم المحتدمة منذ أمد، ليس التيار الشيرازي ولا حبيبه في بريطانيا، فما هو إلا عنوان مشير.. ها هم يتطاولون على المرجعية الأصيلة، ويتناوشون قمتها ويستهدفون رأسها، ويتعدون على صاحب الكرسي الأول في الحوزة، ورأس الهرم العلمي للشيعة! إنها فرصة سنحت لمشروعهم الأساس، ومزن يرجون منه هاطلاً قبل أن يجوزهم، ويمر عن أرض فلحوها بفؤوس الخيانة، وغرسوها ببذور الفتنة، عسى أن تلقح وتنتج ما يردي الأصالة، ويُجهز على العلم والفقاهة، ويبيد حملة الأُصول والفروع، فيتقوَّض كيان الحوزة، وينتهي وجود المرجعية، فيخلو لهم الميدان، وتطلق من خلالهم يد الشيطان.

    إنني أتحدَّى: إذا كان مهاجم المرجعية الأصيلة، والمتباكي على مقدسات إخواننا السنة، من صلب أبيه، فليسجِّل إدانته للخميني كما فعل مع الوحيد! ولا يخفى أن التعبير هنا لا يراد منه الطعن في النسب وطهارة المولد، فهذا شرف وُهب لكل موال، لا يسلب منه إلا بالانقلاب والنكوص، إنما هو تعبير يرمي إلى الرجولة والفحولة، ويتحدَّى أن يخلو”البطل المزعوم”من لين ورخاوة.

    الحقيقة إن أي طالب علم مهما تواضع سطح تحصيله، بل كل عاقل متزن، يحسن الفهم ويجيد تلقي الأُمور، خال من العُقَد، بعيد من الأغراض والأمراض.. سوف يميز بين مقام البحث العلمي، ومقام الإفتاء والدعوة إلى العمل وترتيب الأثر، فلا الشيخ الوحيد أفتى بنبش قبري الشيخين، ولا أمر بذلك، بل أنا حاضر شخصياً في داره، وهو يرد على مُطالب له بفتوى تجيز الرد على بعض السنة في أطراف إيران بالعنف، بأنَّ عِرض السني وماله ونفسه حرام كحُرمة الشيعي، وقد كرر: إنني أُفتي بهذا. وكذا السيد الخميني رحمه الله، لم يرد من طرحه إثارة فتنة ولا تأجيج صراع ولا إذكاء نار خامدة. وهكذا سائر علمائنا الذين تناولوا الدفاع عن العقيدة وتصدوا لبيان الحقائق في التاريخ، وبسط القول في التولي والتبري، وما يقتضيه ذلك من عرض المطاعن، حتى صُنِّـفت كتب مختصَّة بذلك… لم يرد أيٌّ منهم الفتنة، ولا قصد أحد إثارتها. ومنهم الشهيد الصدر في كتابه ”فدك”، فقد عرض لما تناوله الوحيد مؤخراً وحلَّل في ذلك وفصَّل. لكن يبدو أن القوم لا يؤمنون بالخميني ولا يعترفون بالصدر، اللهم إلا في ما يمضيه علي شريعتي من أفكار، ويوافق سيد قطب من آراء، وفي ما يدر معايشهم ويبسط سلطة أحزابهم. ولعمري لقد اتخذوا القرآن من قبل عضين، يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، فالغيب في مدرستهم شأن العوام وعقيدة المتخلفين ومادة للتندر، والمعجزة مقولة العجزة وفكرة الرجعيين وأضحوكة ومهزلة، وإحكام عقد الولاية وإنزال المعصومين مراتبهم التي رتبهم الله فيها غلو وإفراط، وهكذا باقي صفات المتقين، بل العباد المربوبين، فهم يرون أنفسهم ـ من وحي الشيطان ـ أسياداً، بل آلهة وأرباباً!

    إنَّ ما صدر من الوحيد هو عطاء البحث العلمي الذي لا يمكنه أن يغفل الحقائق، ولا يسعه أن يتجاوز الأدلة.

    كيف خفيت عليهم بديهيات الفهم والإدراك، فأساءوا وتجنوا وافتروا، لست أدري. أتراه الخبث والدهاء؟ فلو صدق منهم الحرص على الوحدة، وحقَّت فيهم الرغبة في منع الفتنة، وأخلصوا في الخوف على دماء الشيعة، لتجاهلوا الأمر وتكتموا عليه ودفنوه في محلِّه، أو لرجعوا إلى قائله لتوضيحه وبيان حقيقته (والغريب الملفت، أن كل الضجة صدرت من”شيعة”! فلم يرصد للمواقع والمرجعيات السنية وقوفاً على الأمر ولا عكوفاً، لأنها تعلم خلفيته، أي الحوار والاحتجاج، وهو ليس في صالحها). لكنهم قوم لا يعرفون الصفو والصدق ولا الشرف والأمانة، نشأوا على اللوث والكدر وتغذوا من العسر والعكر، فلا يطيقون العيش إلا في الفتن، وقد ترعرعوا من الصيد في هذا الأسن، فلا يبالون أن يتشوه المذهب، ولا يكترثون أن يتهدده كيد الأعداء وتربصهم، كل ذلك انتقاماً لوكالة سقطت ومجد موهوم صار موطأ الأقدام، وعزٍّ كاذب ظهر حيناً، فاندثر من فرط الغرور، وزال من طيش ورعونة، ليتراكم عليه الوضر! أو هو من حسد يعيشه كبيرهم الذي يملي لهم ويرشدهم لما يفعلون، لزعامة ما طلبها الشيخ يوماً، ومحبة له قذفها الله في قلوب المؤمنين، ما للقوم فيها نصيب، اللهم إلا في جيوب المتمصلحين، وواهي حلوم السفهاء المغترين!

    إنه دين يا هذا، الدين الذي خرجتم عنه وبعتموه بحطام زائل من مال وشهرة ورئاسة، حين أظلم الحقد أرواحكم وأعمى الغي بصائركم فضللت عن سبيل الهدى. الدين الذي تعبثون به وكأنه”طين”، تشكِّلونه كيف ما يطيب لكم، وتصنعون منه تماثيل لأشخاصكم، وأوثاناً تستقطب الرعاع وتستضعفهم، أو كأنه”تين”تلتهمونه وتقتاتون عليه… ليقوم دينكم وينتشر مذهبكم، فيصبح سيد قطب علماً للمؤمنين ويضحي تفسيره مصدراً لمعارف القرآن الكريم، وقد نسب فيه شرب الخمر لأميرالمؤمنين! ويغدو من الطبيعي أن يتساوى في قاموسكم الترنم بالعود واللهو بالمعازف، مع التهجد بالأذكار والتنفل بصلاة الليل! ويمسي الشذوذ وتصير الميوعة موهبة ومفخرة في أوساطكم، لا تتأثَّمون من الوقوع فيها وممارستها، ولا تستنكفون أو تستحون من نسبتها إلى قواد ساحتكم ومديري دفة حركتكم! هكذا حتى يُحكِم التقاطيٌ دعيٌ طرده زنيم حبتري ميثاقه مع الضلال، فيطالب بما يفوق نسبة تراثنا إلى الإسرائيليات، وكأنه سباق يسارع العدَّاء فيه إلى حفر النيران، يحسب أن “تويتر”و”فيس بوك” هي الميدان، وأن الجمع المتابع هو كتاب الحسنات والميزان! وويل لمن كفَّره نمرود! 

    والحق أني ما كنت أحسب أن الظُلمة التي يعيشون تبلغ بهم هذا الحد من البغض والكراهية لهذه الشيبة المقدسة، وما كنت أظن أن في أداء الشيخ الوحيد دام ظله ما يقطِّع قلوبهم ويفري أكبادهم ويورثهم كل هذا الغل والشحناء؟! وإن كنت ألمس في أدائهم خطوات طائشة وتصرفات رعناء ومواقف موغلة في الخطأ، ترجع وتعود إلى عُقَد مستحكمة، نشأت فيهم من فرط الفشل وتلاحق الهزائم، وما زلت أرى في سلوكهم ضياعاً وتيهاً، من ضآلة الإنتاج مع وفرة الإمكانيات وعظمة القدرات.. ولكن أن يبلغ الأمر هذي الحدود، فهذا من العجيب الغريب، وقد قيل قديما لله در الحسد ما أعدله، بدأ بصاحبه فقتله!

    لقد لعنهم الشيخ بما افتروا وغيروا الكلم عن مواضعه، وقد رأيت اللعنة نزلت قبل أن يلفظها المقدس بلسانه، ذلك أن محض تصديهم لهذا الأمر ووقوعهم في هذا الأداء هو غضب نزل بهم وعقاب لخبث سرائرهم.. أن يعمد أدعياء الثقافة والتنوير، والوعي والحركية، إلى التهريج، ويقفزوا على الحقائق بهذا الشكل السافر، ويمارسوا لغة إعلامية لا تراها إلا لدى الأطفال، أدخلتهم في خطاب العوام من أوسع الأبواب، وأسراف في ازدراء العقل وابتذال الوعي بهذا الشكل المفتضح… فهذا يعني أن اللعنة قد حلَّت بهم، والسخط قد شملهم.

    لا شيء يقتل “الرسالي” ويفشل ”الحركي” ويفضح دعوات الإصلاح، ويزري بحركات التقدمية والتطوير، مثل تخليها عن منطلقاتها وتجاهلها لمرتكزاتها، ومجاراتها العوام في معركة وميدان طالما زعمت أنها تريد انتشالهم وإنقاذهم منه، فإذا بها تسقط في قعره وتتردى في حضيضه!

  • الكتابة نفحة، فرشْح…

    يختلج في الروح أمر، يقلّبه الفكر ويتدبر فيه، حتى إذا اعتمرت به النفس، واختمر في خوابيها، فنضج واستوى، صُبَّ في الكؤوس ودار بين الندامى..

    هكذا سال المداد وخطَّ اليراع، نقش كلمات وساق فقرات، صاغ منها كتاباً، أرجو فيه الفائدة وأحتسب الأجر، وأسألكم لذلك الدعاء.

  • عندما عُرضت بعض محاضرات ومؤلفات الدكتور علي شريعتي على السيد الإمام الخميني (حين كان في النجف الأشرف) لتقييمها وتحديد الموقف الشرعي منها ومن صاحبها، أجاب قدِّس سره بأن رائحة الشيوعية تفوح منها. ثم بعد عدة سنوات حين أرادوا ترجمة كتاب الحكومة الإسلامية (وهو بحث في ولاية الفقيه) للإمام الخميني، وعُرض الأمر على الشيخ الآصفي، رفض ذلك محتجّاً بأن أنفاساً شيوعية تتصاعد من هذا الكتاب!

    ومن هوان الدهر ومفارقاته الساخرة، أن عجلة الأقدار دارت، وتقلَّبت الدنيا من حال إلى حال، حتى صارت “الآصفية”، منهج مهدي الآصفي الحداثي (حزب الدعوة) وآراء آصف محسني الضلالي، تلتقي مجتمعة بعقائد علي شريعتي اليسارية وتنسجم مع فكره المشوب بالماركسية، فتصادران معاً ثورة الخميني وتستوليان على جمهوريته الإسلامية في وَضَح النهار وعلى رؤوس الأشهاد! حزب الدعوة الذي قضى صباه وشبابه في محاربة علي شريعتي (ضمن صراع المخابرات العراقية مع السافاك)، عاد الآن في كهولته وشيخوخته ليحتضن تياره ويتبنَّى تراثه وينادي بمقولته الشهيرة: “إما أن تكون حسينياً تجاهد بالسيف (السلاح)، أو زينبياً تقارع الظالمين بالكلمة (الإعلام)، وإلا فأنت يزيدي (في حزب الشيطان)”، ويتخذها شعاراً ودثاراً!.. والمفارقة الأُخرى أنَّ ولاية الفقيه (حكومة رجل الدين) التي هي من أكثر معالم المشروع الديني “رجعية” في قاموس القوم، وأشدها تنافراً مع دعاوى التحرُّر والتقدمية ونبذ الدكتاتورية، وكلِّ القيم التي ينادي بها التيار الدعوجي الشريعتي… غدت المفردة الوحيدة المستثناة من النقد في أدائهم الحداثي الإصلاحي! فامتنعوا عن التعرُّض لها والتعريض بها بأي نحو كان، وجنَّبوها ما ينزلونه بسواها من معالم الدين وعقائده، من المباح عندهم والمستباح.

    لقد أصبحوا اليوم وهم في ذروة التباكي على الدين “العصري”… يجترُّون خطاب اليسار الملحد ويكررون مفردات الشيوعية! تضج منابرهم، وتعبَّـأ ساحاتهم، الواقعية والافتراضية، بعقد المقارنة بين الجهاد والبكاء على الحسين، وبين جبهات القتال ومواكب الزيارة والعزاء، وصاروا ينادون بشتى العبارات، في السر والعلن، والجهر والخفاء، بأن الشعائر الحسينية هي معالم رجعية وطقوس مخدِّرة، تشوِّه الدين وتصرف الناس عن مقاصده، لذا سيعملون على مكافحتها باسم تهذيبها، وإنهائها تحت غطاء تطويرها.

    “الحسين لا يريد منك لبس السواد، ولا الجزع والبكاء، ولا اللطم والإدماء، ولا يحتاج إلى موائد الإطعام، ولا السير إلى مشهده مئات الكيلومترات، ولا طقوساً يُعاب بها علينا… الحسين يريدك أن تشهر سيفك وتثور، وتقارع الظالمين كما فعل هو حتى قضى وصحبه وأهل بيته شهداء”…

    مقولات ساحرة وشعارات برَّاقة ونداءات رنانة، يمكن إسقاطها على كلِّ عبادة، ومحاكاة مداليلها لكلِّ شعيرة من شعائر الدين، من صلاة وصيام وحج وغيرها… فيقول الناقض: “إنَّ الله سبحانه وتعالى لا يريد منك ركوعاً وسجوداً يصنع منك كهيئة نقر الدجاج، بل يريد صرخة في محراب النضال وأذاناً بحيَّ على الجهاد. والإسلام لا يريد منك إمساكاً عن الطعام والشراب في شهر من كلِّ عام، بل انعتاقاً من اللذات وانصرافاً إلى الزهد الذي يصنع أرضية القيام في روحك، ويزيح عن طريق الثورة عوائق الترف، ويخرجك من الانغماس بالشهوات والتثاقل إلى الأرض. والشريعة الغراء لا تريد منك حجّاً وإحراماً تنزع فيه ثيابك وأنت متلبِّس بإعانة الظلمة والركون إليهم، ولا تطلب منك سعياً بين الصفا والمروة، بل تريد مسارعة إلى الحركة والعمل بما يُسقط أنظمة الجور، ويفضي إلى انعتاق الأُمة من سلطة أذناب الاستعمار، وهي لا تدعوك إلى طواف حول الكعبة يحكي دوامة التيه وحلقة ذكرٍ راقصٍ يتحرَّى لحظة وَجد صوفية، بل تحثُّك على الالتفاف بالقيادة والحوْم في فلكها وامتثال أمرها”…

    بإمكان أي بيان ساحر وخطاب إعلامي مُغالطٍ مُصادِر أعور، يسلِّط الضوء على جانب ويغفل باقي الجوانب، أن يسحب البساط من تحت أية شعيرة، ويُبطِل أو يسفِّه أي طقس وعبادة، لتعود مقولة كارل ماركس حيَّـة من جديد: “الدين أفيون الشعوب”، تنبعث وتتمثَّل في كل ما ينادي به القوم ويسعون!

    ولا يعنيني ما يفعل المنافقون الطلقاء، من أمثال مهرِّج بيروت والقصير الدجال ومومس الأحساء… فهؤلاء مرتزقة أُجراء، متطفِّلون على الحركة والجهاد، متوغلون طارئون، لم يعرفوا في حياتهم سيفاً ولا بندقية، ولا شاركوا في اعتصام أو مظاهرة، ولا عانوا اعتقالاً أو مطاردة، ولا قاسوا أحكاماً بالحبس أو النفي، ولا التهجير والإبعاد، أو أي شكل من أشكال الاضطهاد، ما زالوا في رفاهية من العيش وَادعين فاكهين آمنين… طالما خاض هؤلاء الحروب، لكن من مقاعد النُظَّارة، وكثيراً ما انخرطوا في الجبهات، لكن في معاركنا الداخلية، ومن مواقع إثارة الفتن وافتعال الأزمات بين الإخوة، أو تلك التي تتحيَّن لحصاد المكاسب وجني الثمار من حطام الدنيا التي يعبدون: مالاً وسلطة وشهرة… فلا شأن لنا بهم، ولا قيمة تذكر لهم، فهم سيتحوَّلون بين ليلة وضحاها، وينقلبون في غضون ساعات، كما فعلوا من قبل، وستراهم غداً كما رأيتهم بالأمس، يـسِمون غير إبلهم ويرِدون غير مشربهم، وسوف تظهر فيهم حسيكة النفاق ثانية وثالثة. ومهما رأيتهم يجلجلون ويصرخون، ويتعرَّقون من الانفعال ويزبدون، فلا تسمح لهذا التصنُّع أن يستغفلك، ولا لهذا التمثيل المسرحي أن يغويك ويستزلَّك… فما هو إلا تلبيس إبليس، لا ينطلي على الواعين الأكياس. 

    إنما يعنيني الأبناء الحقيقيون للخميني، وأُبالي بالذين بذلوا أموالهم وخاطروا بأنفسهم وأهليهم، وأكترث بمن قدَّموا في طريق الثورة وضحوا في سبيلها وكابدوا.. فالحسرة على الصادقين، والأسف على المخلصين، أن يلحقوا بركب الالتقاطيين وينغمسوا في فكر “الدعوة”، ويكرروا شعارات شريعتي وضلالات فضل الله!

    ما لكم كيف تحكمون؟ هل إماميون اثنا عشريون أنتم أم زيديُّون؟ لا تنعقد الإمامة عندكم إلا للقائم بالسيف؟ ألا تعترفون بالحسن السبط إماماً إذ قعد؟ ألا توالون السجاد والباقر والصادق والكاظم والرضا والجواد والهادي والعسكري ما داموا لم يشهروا السيف وينهضوا بالجهاد؟! أين تذهبون، وماذا يراد بكم؟

    عندما يتباهى “الأصيل” ويختال بـ “أين المطبرون عن ساحات الجهاد”؟ فإنه يُفسح لـ “اللصيق” أن يسخر ويستهزئ بزوَّار الأربعين قائلاً: “ما عندك مشروع وَعْي ونهضة أُمة، فمن الطبيعي أن تقتصر على التمَّن والچاي، وتمارس نرجسيتك، إنك مخلص لاسم الحسين فقط”… ماذا تفعلون وأي أبواب غضب الله على أنفسكم تفتحون؟ ألا تحسبون أنكم ميِّـتون يوماً فملاقون ربكم؟ ألا تتَّعظون مما جرى على صدام وحسين كامل وكل من انبرى للشعائر الحسينية بالحرب والعداء؟ وهو على مراتب وفي درجات، ولعلَّ فعل بعض الشيعة لا يقل قبحاً وفظاعة عن أفعال أولئك الأوغاد.

    ثم هل من ظلم لسيد الشهداء وبخس لحقِّه وتضييع لرسالته وتفريط بقيَمه، أكبر من حصر حركته وعطائه في الجانب السياسي والجهادي؟ وكأن الحسين عليه السلام سيفٌ مُشهر وملحمة حربية تُؤثر، مجرد ثورة وقتال، فيُذكر ويعظَّم سلام الله عليه، كما يُكـبَر جيفارا ويُمجَّد عمر المختار!… إنه أيها الكرام مدادٌ سال فسطر أعظم العلوم والحكمة الإلهية، ونبعٌ تدفَّق ففاض بأنفس جواهر وكنوز المعارف الربانية، وأنفاس ملكوتية تردَّدت بين جنبات قدسية، وانطلقت في فضاءات المدينة المنوَّرة وآفاق الكوفة المعظَّمة وربوع مكة المكرَّمة وعرصات كربلاء المعلَّاة، فرسمت أبلج وأروع المناهج العرفانية، وقدَّمت أسمى طرق المعارج التي تسلك بالبشرية نحو قمم الرفعة وذُرى السمو والعظمة، وتأخذ بيد جميع الكائنات إلى كمالها المنشود وغاياتها المرجوَّة. إنه سيرة وصورة تطابقت مع نفس وسريرة، فكتبت أعظم فصول المبادئ والقيم الإنسانية.. وكلها مما يتضاءل أمامها العطاء السياسي حتى يتلاشى أو يتصاغر، بدليل وجداني لا ينكر: أنه ضحَّى بهذا دون تلك، وقدَّمه في سبيل هذه، وهو العالم بأنه لن ينتصر في ثورته، ولن يحقِّق قيامُه حكمَ الله في أرضه!

    كيف يسمح مؤمن لنفسه أن يهتك ويبتذل أعظم مفاهيم الدين وأخطر تعاليمه، باسم الجهاد والثورة والقتال؟.. إن سيد الشهداء كان يمكنه بإشارة من سبابته، بل بالتفاتة من إرادته، وخاطر يخفق مع وَجيب قلبه الذي ينبض حياةً برجائها حييت قلوب شيعته، أن يقلب عاليها سافلها، ويستنزل جنداً من السماء، بل يجمع من شتات الأرض في لحظة، مَن يبيد أعداءه ويفنيهم عن بكرة أبيهم، ويستأصلهم فلا يخلفون خلفاً يقيم دولة الشيطان باسم الإسلام.. لكنه امتنع، فأبلغنا رسالته الأعظم: إن هناك جهاد أكبر، أكبر من هذا الذي قُطِّعت فيه الأيدي وطاحت الرؤوس، فهذا أصغر بالنسبة إلى ذاك. فأين عساه أن يكون إلا في قلب المؤمن؟ يلوذ بعرش الله، بعد أن استوى عليه وَليُّـه وتربَّع؟! امتنع صلوات الله عليه حتى يبلغ البشرية ويعلِّمها إنَّ الحقَّ من العظمة والسمو والرفعة والقيمة ما يتجاوز مظاهر النصر والغلبة ومعاييرها في هذه الدنيا الفانية…

    وهنا اليوم بغلٌ يرمح وحمار ينهق بأن “لو كان حزب الله موجوداً في عام 61 للهجرة لما سُبيت زينب”!..

    بفيك الحصى والكَثكَث أيها الجاهل الأخرق، أين كنت عن ثكنة فتح الله عام 1987؟ وأين عنك قتل النساء تحت جسر المطار سنة 1993؟ وأين كنت عن قذائف المدفعية الصدامية التي دكَّت في الانتفاضة الشعبانية حرم سيد الشهداء عام 1991؟ بل أين أنت الآن عن الجريمة المستمرة منذ 1805 في هدم قبور أئمة البقيع؟ وهي أشد حرمة وخطراً من حرم مولاتنا زينب عليها السلام في الشام؟.. إنَّ الجواب الشرعي والعلمي المنطقي هنا، هو مدى الإمكانية، وظروف الوضع السياسي الذي يقتضي مرة هذا الفعل وأُخرى ذاك، وأنَّ في كتاب الله وسنة نبيِّه وشرع الأئمة الأطهار من آله، أصلٌ أصيل حاكم على الجهاد والقتال، هو التقية، حكمت هنا فحرم القيام ووجب القعود… ولكن لازِمة هذا البيان والنزول على الحق والحكم بالعدل، هو ردع الغوغاء وإسكات الهمج الرعاع، عندها يعود التباكي على قيم الجهاد تبجُّحاً سمجاً، ويظهر الزَّهْو بالبطولات على حقيقته، نفخاً شيطانياً، وترجع الأُمور إلى نصابها، فالمؤمنون يتحرَّون قيادة وراية شرعية يقاتلون تحت ظلِّها، لذا تراهم يلتحقون بالحشد الشعبي لفتوى مرجع جامع أباحت وحثَّت، ويلتحق بجبهاتكم من يؤمن ويثق بأن الأمر دفاع حقٌّ عن العتبات، ونصرة حقيقية للدين، وليست لعبة وأوراقاً تُلقى على مائدة قمار الدول الكبرى، كما فعلوا بفلسطين.

    ولعمري، كأن الشعائر الحسينية (وهم يضعونها بإزاء الجهاد) تجري في راحة ودعة، ورخاء وأمان! وتقام كما كان يعبِّر الضال المضل فضل الله “بدم بارد”؟! والحال إنَّ المواكب والحسينيات هي جبهات وصفوف قتال وخطوط التحام أُولى مع الإرهاب.. وهي تستقبل المفخَّخات بصدور عارية، وتواجه الدواعش دون بنادق ولا سواتر وخنادق. فمَن تراه الأكثر شجاعة وبطولة هنا؟ المقاتل المدجَّج بالسلاح، المتسربل بالدرع المضاد للرصاص، والبيضة والخوذة التي تقيه الشظايا، والمتترِّس في ممرات خفية وأنفاق، والمتقدم، إن تقدَّم، خلف المدرعات، والرامي من بعيد بالمدفعية والصواريخ والراجمات؟ أم الزاحف إلى قبر الحسين حافي القدمين، حاسر الرأس؟ حتى إذا سمع بانفجار طال موكباً سبقه، عاد أدراجه، ولكن ليصطحب أهله وعياله! ولو قارنت أعداد الشهداء الذي قضوا هنا لرأيتها أضعافاً مضاعفة عنها هناك!.. والطامة أنَّ ظلم هذه المقارنة يمتد بامتداد الرعب والإرهاب إلى جميع بلاد الشيعة، فهي كلها اليوم مستهدَفة مهدَّدة، وقد نزل بكلٍّ منها نصيبه من القتل والإرهاب، من العراق إلى باكستان، فالخليج ولبنان، حتى أفغانستان.. فأين الأمان والدعة التي زعمتم أن أرباب الشعائر آثروها على الجهاد؟

    نصيحتي إلى القوم أن يتعلَّموا من سعد الحريري ويتَّعظوا من أدائه!..

    وهو الذي صوَّره إعلامنا ولداً طائشاً، لم يرث من المجد الحقيقي شيئاً، لا علماً ولا كرامة، ما هي إلا دولارات لا يُحسن توظيفها، وليرات يتفنن في تبديدها، وهو منشغل جُلّ وقته باللهو بالألعاب الألكترونية! هذه هي صورة الحريري في أذهان عموم الشيعة… وفي قِباله وبإزائه ينتصب مَن جاءه المجد من أقاصيه، وجمعه من أطرافه، نجابة وشرف في النسب، ونزاهة وطهارة يد، وإخلاص، فتضحية وعطاء بلغ تقديم فلذات الأكباد. ثم كلَّل ذلك كلُّه بفخر النصر وبطولات عجز عنها العرب بجميع زعاماتهم، بما فيهم عبدالناصر وحافظ الأسد نفسه.

    تعال وانظر أين بلغ خطاب هذا، وأين صار ذاك!

    الحريري المفلس من كل متطلَّبات القيادة وأسباب الزعامة، ينتشل طائفته من خطر الضياع بل الإبادة والفناء، وينقذها من دفع الثمن الذي ينتظرها نتيجة الحرب الأهلية في سوريا، والدمار والإرهاب، الذي كان له ولها قصب السبق ودور الرافد الأول في تحريكه وتأجيجه، قبل أن يُـفسَح للإمدادات الإقليمية، فعملت الحديقة الخلفية لسوريا، دورها المدمِّر الذي قوَّض أركان البيت وبلغ به مشارف الانهيار… انسلَّ من كل ذلك وتنصَّل، وتبرأ وتنكَّر من كلِّ ما أشعل ودبَّر، وخرج بخطاب بليغ فصيح، وعميق متقن، رسمه بطلاً وطنياً وفارساً قومياً، وكرّسه أباً شفيقاً عطوفاً، ونصبه قائداً مضحِّياً رفيقاً، بل مسيحاً يخلِّص شعبه من الضياع وينقذ بلده من السقوط!

    ثم تعال وانظر إلى الخطاب المقابل… انحدار يمزِّق أبناء طائفته، وضيق أُفق يشرذمهم في أعزِّ مقدساتهم، وحرج صدرٍ يقسِّمهم ويفرِّقهم في قضية هي أعظم عناوين الوحدة والالتقاء، والمنار الأول للالتفاف واللحمة بينهم!

    وهنا أدعو المثقفين الشيعة، والنخب الفكرية والسياسية لتقرأ خطاب الحريري في ترشيح عون لرئاسة الجمهورية بتمعُّن بعيد عن هراء إعلامنا التافه، ويقارنوا بينه وبين المستوى السابق الذي كان يتلجلج فيه ويتخبَّط، ليكتشفوا ماذا كان يفعل الرجل في باريس، ويدركوا أنَّ السياسة علمٌ وفن، يرفده التعلُّم وعدم المكابرة على التحصيل والتلقِّي، ويصقله التواضع وعدم الغرور.. وإنَّ مَن لا يحصِّل ولا يقرأ ولا يتعلَّم، ينفذ ما عنده، وتفرغ جعبته، فلا يعود يملك ما يقدِّم للناس.

    لقد تبرأت من هؤلاء منذ أن جاهروا وانغمسوا في عداء العقائد الولائية، وتورَّطوا في حرب الشعائر الحسينية، ولكنني على أية حال أحفظ وُداً سابقاً وزمناً وعهداً جمعنا، فأتوجَّه بنصيحة:

    جرِّب أن تخشع للحسين وتخضع، أن تصُفَّ يوماً أحذية المعزِّين في مجلسه، حاول أن تشُقَّ جيبك مرَّة وتضجَّ وتصرخ في مصابه، اسع أن تقلِّد السيد القمي في هذه المفردة، أن تخرج من وقارك وتتخلى عن كبريائك ومقتضيات شأنك ومقامك، فتتجرد من ثوبك، وتجعله نطاقاً تتحزَّم به، لتعرِّي صدرك، وتأخذ في اللطم، حتى إذا مسَّت الحرقة روحك، وبلغ الجوى شغاف قلبك، توجَّه إلى إمامك وخاطبه بفؤاد كسير ولسان كليل: عبدك وابن عبدك، وابن أمَتك، المقر بالرِّق، والتارك للخلاف عليكم.. ثم ذُق ما شاء كرمه وجوده من برد الفهم والمعرفة بلذَّة مناجاته، وعش نشوة الوصل والاتصال بحبل موالاته، وحلِّق ما شئت في رحابه وآفاقه، مع الخليل الذي عثر في كربلاء فسقط وشُجَّ وسال دمه، فأُوحي إليه إنها مواساة لسبط خاتم الأنبياء، والكليم الذي أُلبس حُلَّة الاصطفاء لما عهدوا منه الوفاء، وروح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدائقهم الباكورة.. تعال إلى هذي الرحاب، ستعرف وتفهم ما يُخرج الملايين من بيوتها، وما يجعلها تصرُّ على شعائرها… ستعرف الحبَّ وتقاسي الوجد، ولن تعذل بعدها ولن تلوم.

  • يختلف المراجع العظام في فهم متطلبات الساحة الإيمانية وأولويات الحركة فيها، وأين ينبغي صبُّ الجهد وبذل الإمكانيات وتركيز المساعي وصرف الطاقات؟ تتفاوت رؤاهم ومتبنياتهم فتتبلور في جانب بعينه وتظهر في معلَم دون غيره، يتخذونه محوراً وأساساً لحركتهم، فتراهم ينطلقون في أدائهم المرجعي ونهجهم القيادي من ذلك، حتى يصبغهم بطابعه ويغلبهم بصفته…

    هناك من يرى الجهاد والقيام والثورة والنضال هو سبيل إنقاذ الدين والدواء الناجع لشفائه من دائه، أي تسلط الظالمين وهيمنة حكَّام الجور على مقاليد أُمور المسلمين، وهو ما كان عليه المرحوم السيد الخميني قدس سره. وهناك من ينصرف إلى التربية والأخلاق والرياضة الروحية، ويدعو إلى التهذيب والتزكية، فالجهاد الأكبر وإصلاح النفس هو طريق صلاح المجتمع وإعمار البلاد، وهو ما كان عليه المرحوم الشيخ بهجت قدس سره. وهناك من يرى صوْن العقيدة ورد الشبهات ودفع الطعون والإشكالات التي يثيرها التيار الإضلالي هو الأصل الذي ينبغي التمحور حوله والانطلاق منه، والدور الأخطر الذي يجب أن تؤديه المرجعية، فسلامة المعتقد هي ركيزة كل صلاح وإصلاح، وعلى رأس هؤلاء كان المرحوم الميرزا جواد التبريزي قدس سره، وعليه يمضي اليوم الشيخ الوحيد الخراساني دام ظله. وهناك من يرى في الشعائر الحسينية الجبهة الأعظم التي بدعمها ورفدها يتعزز الدين وتتأمن الحماية للمؤمنين، كما كان دأب الفقيد السعيد السيد محمد تقي القمي قدس سره. وهناك من يرى أن الخدمات العامة والمبرات والأنشطة الإنسانية هي ما ينبغي التصدي له وسدُّ الفراغ فيه. وهناك من يرى الأولوية للنشاط الإعلامي، عبر إيفاد المبلغين وابتعاث الخطباء ونشر المطبوعات وتأسيس الفضائيات…

    ينطبع كلٌّ بطابع ويتشخَّص له عنوان وترتسم صفة، دون أن يعني ذلك ـ بطبيعة الحال ـ إعراضه أو عدم اهتمامه بالجوانب الأُخرى، فالكلام في محور الحركة والصفة الغالبة والأداء الأبرز الذي يخلع على صاحبه الصفة التي يشتهر بها ويسمه بالطابع والعنوان الذي يُعرَف به، فالمرجع الثائر مرتاض أيضاً وأخلاقي وحسيني وعقائدي، وكذا العقائدي، هو إنسانيٌّ وحريص على الأخلاق والإعلام والشعائر ومدافع عن الدين والمذهب، بل مجاهد ثائر إذا اقتضى الأمر وقامت الشرائط، وهم جميعاً منصرفون إلى تربية الطلبة ورعاية الحوزة ورفد الساحة بالعلماء. 

    فإذا أردنا أن ننتزع للسيد السيستاني دام ظله عنواناً على هذا الصعيد فأين عسانا أن نُدرجه وتحت أيِّ سمة وطابع نصنِّـفه؟ من أي العلماء هو؟ وما هو المعلَم الأبرز في أدائه المرجعي ودوره القيادي؟ ما هو الأساس الذي ينطلق منه فيجلِّل باقي جوانب حركته ويغطِّيها؟… قد يختلف المراقبون ويتفاوتون في تقدير تفوق هذه الصفة في شخصية السيد على تلك الخصلة، وتألق هذا المسلك على ذاك المشرب، ولكنهم يجمعون على أن “حفظ الوحدة ومنع الفرقة في الساحة” هو العنوان الأبرز في أداء السيد دام ظله، وأن هذه القضية هي التزامه الأول والمعلم الأهم الذي يرسم طابعه ويبلور أداءه.

    وهنا ـ بالتحديد ـ وقع التيار الحداثي الالتقاطي في خطئه التاريخي الجسيم، حين لم يُحسن، بل أساء قراءة هذه الحقيقة، توهَّمها ضعفاً وعجزاً، أو استجابة للخوف الذي تبثه مؤسساته ومنظماته ودوائر مخابراته، فيجد له الأثر ويلمس من ضحاياه الاستجابة… حسبوا أن السيد السيستاني يخافهم على دنياه ويخشاهم على زعامته، بل أمنه وسلامته! فتمادوا ما شاء لهم الشيطان، وتوسعوا حتى توهموا ـ في لحظة غفلة وساعة خدَر وسِنة، غاب عنها الوعي وافتقدت البصيرة، وحكم الجهل وأطبق ـ أنه يمكنهم رسم معالم الدين، وجعل ترهاتهم أساساً للتصنيف وملاكاً للتحديد، فيُخرِجون من المذهب من يرفضها، ويدخِلون فيه من يوافقهم ويرقص على أنغامها! فالدين في زعمهم الجهول وأدائهم الأجوف حركة وثورة، ومن أبى وحسب أن في هذه المقولة نظر، فقد كفر! والحسين سيف وجهاد، فمن ندب ورثا وبكى، فقد مرق وضلَّ وتاه! وولاية الفقية هي جوهر الإسلام وكُنه الإيمان، ومن عارض وخالف أو توقَّف، فقد فسق وفجر وخان!

    هكذا أوغلوا في انحرافهم دون مراعاة لحُرمة، وأفرطوا في إسفافهم بلا حذر ولا حيطة، وفجروا في خصامهم وهم على ثقة من الحال، قد أمن سربهم، واطمأن جانبهم، وجزموا بأن لا صدّاً سيلقون ولا زجراً سيواجهون، ولا ردٌّ سيأتيهم من المرجع الأعلى!.. معتمدين في ذلك على الضجيج الذي يخلقون، والأجواء التي يبثون، بقوتهم التنظيمية وسطوتهم الإعلامية ويدهم المخابراتية الضاربة، هذا ما لقَّنوه عوامهم، وبثوه في مُحازبيهم والعاملين في منظومتهم. أما على صعيد القادة والكوادر العليا، فقد كانوا يعرفون سرَّ سكوت السيد السيستاني وإعراضه عنهم، ويقفون بدقَّة على فلسفة أدائه المرجعي المتمثل في الحرص على وحدة الساحة ومنع أي خلاف ونزاع. التقى العاملان وتظافرا، فأخذ القوم في التمادي، وانتهوا إلى نتيجة واحدة وخطاب تم تعميمه على مجاميعهم وكتَّابهم وقرَّائهم ومبلِّغيهم ومغرِّديهم: صُولوا وجولوا في الميدان، فلا مانع هنا ولا رادع، زيِّفوا وتقوَّلوا وافتروا، فلا عائق هنا ولا زاجر، لن يثير السيد المرجع هذا الساكن، ولن يعكِّر هذا الراكد، ولن يواجه تياراً بهذا الحجم ويدخل في معركة تفرِّق المؤمنين وتشرذم الطائفة، ولربما خلقت صراعاً وأورثت اقتتالاً، تماماً كما هو الحال في أدائه مع التيار الصدري!.. انطلق الالتقاطيون لا يبالون بأحد ولا يكترثون بشيء، يكيلون التُّهم ويأججون الفتن ويفتعلون المعارك ويشعلون الحروب في البيت الشيعي، وما زالوا في ذلك حتى مالوا على العقائد وانعطفوا على الأُصول، وأخذوا يزيِّفون ويحرِّفون في شعائر الدين، وينالون من أركان المذهب، يخبطون خبط عشواء، ويهرفون بحشو وغثاء، ويغيرون على ما تشتهي الأهواء! فخرجوا في واقعهم عن حقيقة التشيُّع وانفصلوا عن كُنه الولاء، وانحدر الخطاب وتسافل حتى قال المفتونون أنه يمكنهم تغيير القضاء وردُّ البلاء والقيام بما عجز عنه سيد الشهداء، فلو كان حزب الله حاضراً سنة 61 للهجرة لما سُبِيت زينب الحوراء! وعدوا يريدون الاستيلاء على المذهب وإخراج أهله منه، فهم لهم “حسينهم” و”زينبهم”، وللناس الخرافة والقعود ودين الجبناء!.. والسيد السيستاني يرى ويسمع، صابراً محتسباً، يتجرع الآلام، يعضُّ على الجراح.

    طالما انفصلت تيارات عن بدن الأُمة، وانحرفت جماعات عن كيان التشيُّع، وتشعَّبت فرِقٌ وانزوت أحزابٌ عن جسم الطائفة، خرجت من قبلُ الكيسانية وانفصلت الزيدية ونأت الفطحية وشذَّت الواقفية والناوسية والخطابية وغيرها مما يصعب حصره وإحصاؤه، وبقي المذهب واستمر التشيع الأصيل في الإثني عشرية، فأين الانفصاليون الإنعزاليون؟ أين بلغت مذاهبهم وصارت تياراتهم؟ كلها زالت واندثرت، وغدت سطوراً أو صفحات في كتب التاريخ. هكذا الحال في عصر الغيبة، كلُّ مَن انفصل عن المرجعية سقط، وكلُّ مَن افترق عن الأصالة الشيعية ـ المتمثلة بالحوزة العلمية ـ ومال عنها أفلس وأملق، وكلُّ مَن تمرَّد وعصى وخرج عن مجموع الطائفة بفقهها وعقائدها وكيانها، ابتدع واخترع، وشذَّ في النار وجنح إلى الهلاك… هكذا احترق فضل الله واصطلى الحيدري وتفحَّما، وهذه ألسنة اللهب تطال كل من حاول إنقاذهما، أو كابر فدخل حفرتهما، يحسب نفسه الخليل، ستنقلب له برداً وسلاماً، وهو نمرود سقط في نار أشعلها بيده وأسعرها بفعله!

    كان التيار الحداثي يسعى لخرق يعكس المعادلة! ويعمل بغرور عجيب واعتداد غريب، على خلق حالة مستجدة تعيد صياغة المذهب ورسم معالمه وفق أفكاره الالتقاطية، وبما يناسب نهجه الهجين، ويريد للأُمة أن تنقاد لمقولات أهل البدع ومستعملي الرأي المخترع! حتى يُعزل من يرفضها ويُنبَـذ، ويُقصى من يأباها ويُستأصَل، ويُطرد عن الجسم العام مَن يأبى الخضوع لها والاستسلام! وكأن شذوذهم هو الأصل وبدعهم هي الأساس!

    كانوا في غطاء القوة ونشوة القُدرة وسُكر السلطة، ولا سيما في لبنان والعراق بعد إيران، حسبوا أن لا راعي لهذا الدين ولا محامي عن هذا المذهب! وقد بلغت الجرأة والوقاحة بهم أن افترى مرتزق منهم على السيد السيستاني نفسه، فنسب إليه غير فتواه، ثم كرَّر ذلك مرة بعد مرة، يصرح مكتب المرجع وكبار وكلائه بأن السيد ممتنع عن بيان رأيه في مسألة التطبير، والخبيث قصير يعود وينسب إليه التحريم! فلا يكتفي حتى يدلس باسم تابع له يدعى نعمة، يؤسس موقعاً للأحكام الشرعية في وسائل التواصل الاجتماعي يتخذ من صورة السيد السيستاني عنواناً يغرِّر به العوام، ولا سيما النساء، ليفتري من هناك ويهرف بما يشاء! حتى افتضح في الفتنة الأخيرة حين أطلَّ من وكره ونعب بحديث بتَره عن نجاسة الكلب، نزَّه فيه الناصب، ولمز فيه وغمز على الشيخ الأجل وحيد دهره وفريد عصره، ثم اندسَّ ثانية وعاد ليكمن في جحره!

    وما زال صبر السيد حاكماً وأناته غالبة، والقوم ماضون في طغيانهم، موغلون في إفسادهم، حتى بلغ التمادي أن قذفوا المراجع العظام الذين أفتوا بإباحة واستحباب الأنماط التي لا تروق لهم من الشعائر الحسينية، ومعهم ملايين الشيعة الذين يمارسونها، رموهم بالخرافة ونسبوهم إلى أتباع الأساطير!

    بدأ الفصل الأخير في قصة هذا التيار بتصوير مهيب نشر لزعيم الحوزة العلمية في قم المقدسة، آية الله العظمى الشيخ الوحيد الخراساني دام ظله أول محرم الحرام، مدشناً به موسم العزاء هذا العام، ولست أدري هل جبهته الملطخة بالطين هي ما استفزَّ القوم واستثار كل هذا الغل والعداء ضده، أم هو “العلمت” (الهيكل المعدني) المنصوب خلفه؟! أم ما أورثته الصورة في الناظرين من أمواج الحزن وعظمة الخطب؟! حتى ليجهش المؤمن بالبكاء بمجرد النظر إلى هذه الشيبة المقدسة وقد ارتسمت في تقاطيع وجهه آلام كربلاء، وانطبعت الفجعة والجزع، وتمثلت بصمت مهيب كل معاني: “رحم الله تلك الصرخة التي كانت لنا”!

    أرسلوا كلابهم تطرد، وعبَّأوا صبيانهم تقذف وترشق منصب نائب الحجة وشخص زعيم الحوزة، والشيخ الزاهد العابد، المقدس المتألِّه، صامت مُعرِض، يرقب السماء، ولا يحدِّث إلا مولاه… مرتزق في لندن ينبح وينهش، ومهرج في بيروت يعوي ويجهش، ورقيع في الأحساء يرغو ويولوِل كمومس لم ينقدها صاحبها أجرها بعد أن قضى منها وطَره!

    وإذا بجملة واحدة: “تم تعليق إجازته في الأُمور الحسبية والحقوق الشرعية” جاءت رداً على شكوىً وسؤال حول محمد رضا السلمان، تنهي القصة وتنقل المشهد إلى فصل آخر، وتأخذ الحدث إلى منعطف جديد، قوامه الفصل، بعد أن فرز القوم أنفسهم وانعزلوا عن مجموع الأُمة! جملة سجَّل فيها المرجع الأعلى للطائفة موقفه وحدَّد مكانه وجبهته، تقول بوضوح لا يقبل اللبس: إنه في هذا الصف، صفّ المرجعية التقليدية والحوزة العلمية التي يسمها الحداثيون بالرجعية ويرمونها بالصامتة والقاعدة، وجبهة الشعائر الحسينية التي يقذفونها بالتخلُّف ويفترون عليها بالخرافة، وخندق الأصالة التي تحمل تراث آل محمد وتأبى الالتقاط والتهجين الذي يتدثر بالحداثة ويدَّعي زوراً التنوير!

    سُقط في أيدي القوم، فخنسوا وبلدموا…

    إنني أعرفكم جيداً، هذا ما قالته جملة السيستاني، ولكنني صامت مُغضٍ لأنني لا أُريد النزاع بين المؤمنين، وأرى الصراع بينهم وتموضعهم ضد بعضهم فشلٌ يذهب ريحهم وينال من بأسهم ويضعف كيانهم… ولكنكم تماديتم وتجاوزتم كلَّ حدٍّ.

    كما كان لفتوى الجهاد ضد الغزو التكفيري بعد “الصمت” على الاحتلال الأمريكي فعل الإكسير في العراق والأُمة، سيكون لهذه الفتوى دورها الاستراتيجي في إعادة رسم المواقع داخل البيت الشيعي، ولا سيما على صعيد إتمام الحُجة لجموع مستغفَلة من العوام المأخوذين برنين شعارات القوم وإفك إعلامهم.

    ومن أبى إلا الفرز والاختلاف، فلينفصل ويخرج.. الفضلات تُلقى في المزابل، وللوَضَر حاويات القمامة!

    يبدو أننا أمام مرحلة جديدة قوامها الحسم بعد الحلم، والضبط بعد الأناة، والتأديب بعد الصبر، وشواهد المرحلة أخذت تترى، فالسيد السيستاني حين آثر الفقيد القمي قدس سره على نفسه ووهبه القبر المدَّخر له، كان يهب نموذج الفقه الأصيل وعنوان المرجعية التقليدية أعزَّ ما يملك، أو ما سيبقى له من مُلك في هذه الدنيا: بقعة في جوار أميرالمؤمنين، يعرج عبرها إلى الملكوت الأعلى! كان يؤثر على نفسه ذاك المجتهد الذي يتجَّرد من ثيابه ليلطم في عزاء جده صدره العاري، ولا يبالي، وكان يسجِّل إجلاله للعلم والورع الذي يبثه ذلك الفقيه بفتاواه التي يستخفُّ بها الحداثويون الانحلاليون، ويسطر ويسجِّل أنها في صميم الدين، ويعلن أنها من قدس الشريعة…

    بعيداً عن الشخص المعني مباشرة بحكم العزل، فهو أحقر من أن يُلتفت إليه، ولكنَّ سخلة نفشت في حرث قوم أو قضمت من غير مرعاها أشعلت حرباً، وبعيداً حتى عن الحدث الذي دعى إليه، على جسامته وفداحته، فإنَّ حُكم تعليق الوكالة سابقة في نهج السيد السيستاني تشكِّل نذير مرحلة جديدة تطوي الحالية، وبشارة عهد قادم ينهي الماضي القاتم، عهد يحوم في نطاق يعرف المعنيُّون ـ من كبار القوم ـ أبعاده وآفاقه. إنها رسالة مختصرة ولكنها حاسمة باتَّة، وصارمة شديدة، تنهي الفوضى في إدارة الساحة، وتعيد الأُمور إلى نصابها.. فزعامة الشيعة لا ينبغي أن تكون كرة يتقاذفها الصبيان، ومصير الطائفة لن يكون بعد اليوم أُلعوبة بيد الغلمان، وقيادة الحركة الشيعية لا يتولاها معقَّدون وسفهاء، وإذا لم يبادر القوم إلى الانسحاب من الجبهات الخاطئة والمواقع المضلَّة التي أقحموا أنفسهم في نيرانها، وورَّطوا الطائفة في ويلاتها، فإن موقفاً حاسماً سيأتيهم، وحكماً صاعقاً سوف يرميهم، يسحب المشروعية من كلِّ أنشطتهم وفعالياتهم، بل وجودهم. وقد أعذر من أنذر.