• كثيراً ما يردد بعضهم عبارة: تنقية المعتقدات، وتنزيه الشعائر الدينية (ولا سيما الحسينية) من الخرافات! وما زالت المقولة تتكرر والدعوى تُجتر، حتى صارت نغمة يعزفها كل متنطع سفيه، وأهزوجة ينعق بها كل أهوج سخيف. ويغرق بعضهم في الحمق ويغلبه الأفن والخرق، فتخاله طينة ربضة أو حمأة مدَّت بماء حتى ذهب تماسكها، فلا يرجو الخزَّاف منها جرَّة ولا يأمل آنية… لا لقوله في دنيا العلم قدر وقيمة، ولا لرأيه عند العقلاء شأن واعتبار، مهما مجَّده المأجور من الإعلام، وهلَّل له أنصاف المثقفين من العوام.

    ولست أدري، ولا يدري غيري، ما هو مقصودهم ـ بالتحديد ـ من الخرافة؟ ولا أظنهم يعلمون ما يقولون أو يفقهون ما يهذون ويهرفون، فهم وإن ادَّعوا الثقافة، وتلبس بعضهم بزي أهل العلم، إلا أن يعاسيب الوهم تطن في آذانهم وذباب الجهل يحوم فوق رؤوسهم، وطيور الخواء تعشعش في صدورهم، وقد استقرت غربان الشؤم والفساد على أذرعهم، وغدت تنطلق من سواعدهم، فيرسلونها وهم يطلقون الكلام على عواهنه، ويصدرون الأحكام بلا روية ودون تحقيق ودراية، فيقع الخلط بين السقيم والصحيح، والغث والسمين، والرث المرقع والجديد، والأخطر: بين الحق والباطل.

    وعلى الرغم من وَفرة المصادر وكثرة التداول، لم أقف على تعريف علمي دقيق للخرافة كمصطلح، إذا أطلقه متحدث أو سطره كاتب أو استعمله مفكر ومحلل، دلَّ على معنى بعينه، يخرجه عن الاستعمال الخاص، الذي لا يسمح للناقد بالملاحقة والمحاسبة، فسرعان ما يواجهك مُطلِقه بأنه لم يرد هذا المعنى بل ذاك، وأقفل عليك باب الردِّ والاحتجاج!..

    منهم من ألحقها بالأسطورة، وقال في تعريفها: قصة قصيرة ذات رسالة أخلاقية، غالباً ما يكون أبطالها وُحوشاً أو جمادات. وقيل: فنٌّ قصصي خرافي، تمثِّل الحيوانات فيه الشخصيات الرئيسة، ولكن بصفات إنسانية وطاقات إلهية (كما أساطير اليونان). وقيل: جملة الأفعال أو الألفاظ أو الأعداد التي يُظن أنها تجلب السَّعد أو النَّحس، يتعلَّق بها العرَّافون ويصدقها الجهلة وضعاف العقول. ومن هنا ربطوها بالتشاؤم والتفاؤل، وخلطوها بالتطيُّر. وعرضها آخرون ببساطة: حديث باطل لا يمكن تصديقه.

    ولعل الصورة تتبلور في عرض صاحب دائرة المعارف، وهو من قادة النهضة العربية، إلى جانب جمال الدين الأفغاني ورفاعة الطهطاوي وناصيف اليازجي، وقل إن شئت طلائع التغريب ومؤسسي الفكر الالتقاطي الهجين، مع فارق يميز أولئك الرواد الأوائل عن أتباعهم المعاصرين، هو احترام أنفسهم، والتزام المنهجية العلمية في أطروحاتهم، والتخصص في الحقول التي يخوضون فيها، والجد والاجتهاد في عملهم، مما يفتقد اليوم في أدعياء الحداثة ولا تراه في الإصلاحيين المعاصرين. يقول بطرس البستاني: خُرافة معناها بالإفرنجية في الأصل شدة التمسك بالدين أو الغلو فيه، ولكن تُوُسِّع فيها في العربية والإفرنجية حتى صارت تدل على اعتقاد أمور منافية للدين الصحيح، أو الواقع، أو ما لا يقبله العقل السليم… وقد ترجم بعض المترجمين الميثولوجيا بالخرافة، فقالوا بدل ميثولوجيا اليونان مثلاً خرافات اليونان. وخرافة (اسم) رجل من بني عُذرة، استهوته الجن (أي اختطفته) على زعم بعضهم، فلما رجع أخبر بما رأى، فكذَّبوه، حتى قالوا لما لا يُـصدَّق: حديث خرافة، وعليه قول بعض الجاهلية: “حياة ثم موتٌ ثم بعث، حديث خُرافة يا أم عمرو”.

    فهل يمكن لأحد من مهاجمي شعائرنا أن يحدد ويجيب: ما هي الخرافة وأين هي في ديننا ومنه؟.. فإذا تمسكوا بمنطلقهم الديني، ولم يتخلوا عن هويتهم الإسلامية، ثم التحقوا بمحكِّمي العقل ونسبوا أنفسهم إلى النازلين على حكم الفكر، فأي عقل ترى يصدِّق بوجود الجان والعفاريت ولا يراها خرافة، مثلها مثل الغيلان التي تستوطن المغارات وتسكن رؤوس الأشجار في الأدغال والغابات؟ كيف للمنطق أن يحكم بحقيقة الملائكة بأجنحتها مثنى وثلاث ورباع، ولا يدرجها في أساطير من قبيل العنقاء الـمُغرِب (طائر الفينيق) أو التنين الذي ينفث ألسنة اللهب في فحيحه؟ كيف لذي لب أن يذعن بالتِقام الحوت ليونس ولبثه عليه السلام في بطنه ثلاثة أيام، ولا يراها حكاية ليل وحديثاً مستملحاً منسوجاً على منوال “نبتون” إله البحار و”نريوس” ملك الأعماق؟ لم لا تكون قصة السامري وحكم “لا مساس”، خيالاً مستوحىً من لمسة “ميداس” (التي تقلب كل شيء جماداً من ذهب)؟ وكذا العجل ذي الخوار، وَهْم بعَثه “السنتور الإغريقي” (نصفه الأعلى إنسان والأسفل حصان) يحمل قوسه ويتنكب كنانته؟ ولم لا يكون شق القمر سحراً أو خرافة مستلهمة من “ارتميس” (وهي “ديانا” عند الرومان) ربة القمر، لمع ثغرها من بسمة، فظهر شقاً وحسبناه معجزة وخرقاً؟ وكذا البراق، دابة السماء التي أقلَّت رسول الله صلى الله عليه وآله، فأسرَت به إلى بيت المقدس، ثم عرجت به في السماء إلى سدرة المنتهى، كل ذلك في ليلة، خرافة تحاكي “بيغاسوس”، الحصان المجنَّح، مطيَّة “بيلروفون” و”هرقل”؟.. وبإمكاني سرد مئات الموارد العقائدية والشعائرية التي تدرج في ديننا كضرورات ومسلَّمات وثوابت، وهي ليست من المستقلَّات العقلية، بل لا يمكن للعقل بما هو عقل، التسليم بها والإذعان لها، والطريق إليها نقلي: قرآن أو حديث، قد يأنس به العقل ويقرُّه، وقد لا يفعل؟

    من هوان الدهر أن عبَدة الرموز السياسية والأوثان الحزبية، الذين يزعم أحدهم أن قائده نطق لحظة خروجه من بطن أمه وهتف: يا علي! ويقول آخر أن مرجعه الضال المضل نسخة عن رسول الله! … يرموننا بالغلو والتخريف إذا قلنا بكرامة لسيد الشهداء ونسبنا بطولة للعباس! ومثقفو إيران الذين يوقدون ناراً في آخر أربعاء من عامهم، ويطفرون عليها حتى تتخطاهم شرور العام القادم وهم يناجونها: “زردي مَن أز تو، سرخي تو أز مَن”، أي: وَهبتك صُفرتي (أمراضي وآفاتي)، فهبيني حُمرتك (طاقتك وقوتك)، ثم يلتزمون الخروج من دورهم يوم الثالث عشر من عامهم الجديد تشاؤماً من العدد، برجاء أن لا تدخل بيوتهم المحن ولا تحل فيها البلايا (وبالمناسبة، هذه طقوس متأصِّلة، وما زالت قائمة بعد خمسة وثلاثين عاماً من قيام الجمهورية الإسلامية! ويحضرني أن آية الله السيد حسين الشاهرودي كان يصر على عدم تعطيل الدرس على الرغم من فرار الطلبة من قم وزحفهم على البراري والأرياف، ويقول لهم تنزُّلاً: إذا كان العدد 13 شؤماً في واقعه، فقد زال هذا الشؤم بيُمن ميلاد أميرالمؤمنين في الثالث عشر من رجب.. دون جدوى!) … هؤلاء الخرافيون حتى النخاع، الأسطوريون حتى الثمالة، يعيبون على الشعائر الحسينية ويرمونها بالخرافة!

    بالله، أين الخرافة في طقوسنا وشعائرنا الدينية والحسينية؟

    هل بطولات علي الأكبر وعمه أبي الفضل العباس في كربلاء خرافات؟ هل يستكثرون أن ذاك الفتى قتل سبعيناً في حملة واحدة، وهذا البطل صرع مئة أو مئتين كشفهم عن المشرعة، أو أباد ألفاً وألفين وهو يردُّهم عن معسكره؟… أي استغراب في هذا يبعث الاستهجان وعدم التعقل، ويسجَّل في الاستحالة حتى يُعد خرافة!؟ والحال إن تاريخ عاشوراء حين يتناول مبارزة الأقران كبكر بن غانم وعبدالله ابن عقبة وعمرو بن نفيل، ويحكي أدوار رؤوسهم كحكيم بن الطفيل وزيد بن الرقاد في المعركة، يسرد الأمر في سياق طبيعي جداً، هذا يبارز فيقتُل، وذاك يكمن فيطعن ويبتُر، ثم يسجل البطولة الهاشمية بما هو شأن جميع الحروب والمبارزات. إنما المقتلة العظيمة كانت تقع في الغثاء من الجند، الأوباش الذين حشدهم المال، والطغام الذين جمعهم الطمع في الغنائم، وإن كانت سيفاً مكسوراً أو درعاً مهشّمة أو لجام فرس نافق، وحتى لو وقع في الأسلاب على ثوب خلِق وآنية تالفة! أو من الحشو الرعاع الذين ساقهم جُبنهم وحمَلتهم مخاوفهم فالتحقوا بالركب حذر أن يدرجوا في عداد المعارضين والثوار… فإن الرعب يستحوذ على قلوب هؤلاء من أيسر خطب، والوهل والفزع يحكمهم ويغلبهم لأقلِّ سبب، فكيف إذا رأوا بأس الأبطال وشجاعة الضياغم والفرسان، مما لم يعرفوه في حياتهم، فزئير العباس وزمجرته كانت تجمد الدم في عروقهم، ومشهد الليث الغضب تشل الحركة في أبدانهم، وإن تحرك شيء فيهم، فرعشة الأيدي ورجفة القوائم واصطكاك الركَب، ما يتركهم في بهت وذهول، ينتظرون منيّتهم، فيأتي السيف على المرعوبين المصعوقين كمنجل يحصد، بل كريح تعصف، تحيل ساحتهم صعيداً جُرزاً. وفي بعض القراءات إن الذعر ملكهم وغلبهم فأعانوا العباس على أنفسهم، ذلك أنهم زُلزلوا حتى أضاعوا طريق الفرار، ما جعل الميمنة تنقلب على الميسرة، والقلب على الجناحين، ويشتبك الجند برفاقهم ويقتل بعضهم بعضاً. هذا ناهيك بالمدد الغيبي الذي يرسل آلاف الملائكة مردفين، ينصرون أهل الحق ويبثون الرعب في جبهة الباطل، فيرونهم مثليهم رأي العين… بالله أيّة استحالة عقلية في هذا تسمح بإدراج هذه السيرة في الخرافات والأساطير؟

    ولو قيل لهؤلاء الحداثيين الإصلاحيين إن رجلاً واحداً حلّق في السماء، ومن هناك، قتل مئة وأربعين ألفاً بضغطة قابس ألقت القنبلة الذرية من طائرته على هيروشيما، لما عدُّوا ذلك أسطورة ولا خرافة، لأن معطيات الحس وقوانين عالم الشهود توافقه وتدعمه. بل لو قيل لهم إن جندياً أمريكياً واحداً نفذ خلف خطوط العدو وبلغ معسكراً في الأدغال ليستنقذ فصيلاً من رفاقه الأسرى لدى كتيبة قوامها مئات الجند المدججين بالسلاح والمدافع الرشاشة والمركبات الآلية، لصدَّق ذلك وأذعن له، لأن فيلماً سينمائياً (رامبو) قرَّب له الصورة وطوَّع له الفكرة فدخلت ذهنه الصلد وتقبلها بيسر… ولكنه يعجز عن تصديق بطولات كربلاء، بل يرفض مجرد تصوُّرها ووضعها في دائرة الاحتمال والإمكان، فينزهها عن الأساطير والخرافات! فالتعس خرج من قوله تعالى: “الذين يؤمنون بالغيب”، وحبس عقله على ما يدركه بحواسه.

    هكذا تراه يزعم إن شعائر زفاف القاسم من الأساطير والخرافات! وما هي إلا محاكاة لمأساة، وتوظيف لإحدى ضروب الفن وأساليب التعبير والتصوير، مما يجري في المدرسة الرومانسية أو السريالية منذ مئات السنين متواصلاً حتى عصرنا الحاضر! يستنطق المسرحُ مشهد الحسرة، ويصوِّر ألم الفجعة واللوعة، مما تشهده عند موت كل شاب لم ينعم بزواج، ولا سيما إذا قضى شهيداً، فيقام في تشييعه زفاف رمزي، وتنقلب جنازته حفلاً يحكي هذا الحرمان… وهذا مطَّرد في كثير من البلدان، سارٍ في أغلب الملل والنحل والأزمان، يرثون شهداءهم الشبان، ويحملون في تشييعهم الورود ويوقدون الشموع، ويلقون النثار وكأنه عرس وزفاف؟! فأين الأسطورة إذا حاكى المؤمنون ذلك ووظفوه في مصاب ابن الحسن؟ وأين النزعة الخرافية في هذا، لست أدري؟!

    ولعمري، فإن هذا يكشف سر نصب الإصلاحيين وعدائهم الدفين لشعائر العزاء، فهم يرمون المؤمنين بالتخلف والرجعية وتشويه صورتنا في أعين الغرب والأمم المتحضرة إذا طبَّروا ومارسوا شعيرة الإدماء، وحينما يعمدون إلى ممارسة فنية عصرية كمسرحية زفاف القاسم، يتجاهل القوم الرسالة والمغزى والعطاء الرمزي لهذا الأداء، ويغدون أخباريين متشرعين توقيفيين، يسألون عن النص ويقفون عنده! فيثيرون الشبهة من باب ثبوت وقوع الحادثة في كربلاء، ويتمسكون بها لإشعال معركة في هذه الجبهة، عسى أن تبعث الشكوك فتصرف بعض من يمارسها!؟.. الحقيقة إنهم يريدون طمس العزاء وإنهاء كربلاء، وقلب شعائر الحسين محاضرات وندوات تدعوا لأحزابهم وتروج لأشخاصهم وتلهج بمدح رموزهم!

    وما زلت أفاتح مَن ألقى منهم وأواجه فأسأله عن هذا التعبير الوقح، والإفك والفرية، وكيف يجرؤ كبراؤهم وخطباؤهم على إطلاقه دون مبالاة وبلا كلفة: خرافات عاشوراء! “كبرت كلمة تخرج من أفواههم، إن يقولون إلا كذباً” وتدليساً لا يكون إلا من صدور ملأها الحقد والغل، وأحناء انطوت على حزازة وضِغْن! أو من رعونة بلغت النهاية، وطيش وَصل الغاية، لا يقدِّرون لخطير قيمة، ولا يحسبون لمقدَّس حرمة!.. فأراهم يعجزون عن الرد ويتهربون من العد، حتى ما وجد أحدهم مفرّاً إلا أن يقرن استلام المنبر في الحسينيات والتبرك والتمسح بتلك الأعواد، وعقد الخيوط وربط العلق بعروته، من البدع والخرافات؟ مثلها مثل تعليق حدوة الحصان لجلب الخير والخرزة الزرقاء لدفع العين!

    وطالما كنت أقرن بين ظهور حركة الإصلاح الديني في إيران بروَّادها: شريعت سنكلجي وعلي أكبر حكمي زادة وأحمد كسروي، وكيف تزامنت مع ظهور الوهابية في نجد أو أعقبتها بفترة وجيزة، وقد توافقت معها في الفكر والعقيدة!

    إن ديننا صحيح سليم كله، ومذهبنا تام كامل بجميع تفاصيله، لا عيب فيه ولا نقص، لا خطأ في بنائه، ولا فساد في قوامه، ولا عجز في عطائه، ولن تجد فيه ثلمة أو ثغرة، ولو بقدر رأس إبرة، ناهيك بصدع أو شرخ وخرق! كل عقيدة ورأي وفكرة، كل ممارسة وسلوك، كل فعل وترك، كل حركة وسكنة، أمر بها أو نهى عنها مذهب أهل البيت، تستند إلى جبال راسيات من الأدلة الشرعية، عقلية ونقلية، تتصاغر قبالها قمم الجبال، وتنحني أمامها هامات الأساطين، ويخسأ في مواجهتها كيد الشياطين، حتى تندس الأفاعي في جحورها، والذئاب في أوجارها، وتتكسَّر أمواج الضلال على صخورها، وتتفرق الرياح وتسكن العواصف الهوجاء… نحن النمرقة الوسطى، بها يلحق التالي، وإليها يرجع الغالي: ولاية وبراءة، عبادة ورجاء شفاعة، لا إفراط ولا تفريط، اعتدال ووَسطية تحكي الحق، لا تلك التي تجاري الغرب وتتزلف لسلطاته وتستعطي هباته وتدخل في عملائه. نحن أتباع سادة الوجود، منهم نأخذ ديننا، وبيُمنهم نبلغ رزقنا، وبهم نتوجه إلى ربنا…

    وهناك فئة منا، جهلة سفهاء، عاشوا التغريب، ونزعوا إلى الالتقاط، فرأوا في ديننا ما يوجب الإصلاح، وفي شعائرنا أساطير وخرافات… رفضت الأمة نهجهم ولفظت وجودهم، أقصتهم ونبذتهم، فتركَّبت العقد في نفسيتهم، وتعمقت الوحشة في كيانهم، فتمادوا في باطلهم وألقوا القياد لشيطانهم، حتى صاروا يدعون إلى التغيير والتبديل والانقلاب، حسداً ونقمة، عسى أن ينتقض الوضع القائم، وتُسلم الناس القياد إليهم، فيملكون ويسودون.

    قال تعالى: “لا تؤتوا السفهاء أموالكم”… السفيه لا يؤتمن على مال، فسرعان ما يبدده ويضيعه ويتلفه، وفي قياس الأولوية: لا تأمنه على دينك، فيهتك أحكامه ويطمس معالمه، ويمحق نتاجه وعطاءه، ويضيعه كما ضاع هو وضلّ.

  • من أقبح عمليات المصادرة التي يعمد إليها الحداثيون الإسلاميون، وصوَر”رمتني بدائها وانسلّت”التي يمارسونها، قيامهم برمي التيار الديني التقليدي، والناهضين بشعائر العزاء الحسيني، بتهمة خدمة الإنجليز، وقذفهم بتحقيق غايات الاستكبار العالمي! والحال إن الشبهة تدور حول القوم قبل غيرهم والتهمة تعلق بهم دون سواهم، وما زال الخبير الحصيف يشير إلى أنهم ربائب الإنجليز بل صنائعهم، وإن خفيت هذه الحقيقة في الحقب الماضية في طيات ضرورة العمل السري، ودارتها التعقيدات التي تلتفُّ بقضيتهم وتكتنف أنشطتهم، ما خدم النأي بأنفسهم عن دائرة الاتهام، فوجهوا الأنظار إلى مكان آخر، وانسلُّوا بمكرهم ودهائهم وغلبوا بإعلامهم وتنظيمهم… فإن الحال اليوم لم تعد كذلك، بشهادة الواقع الذي نرى ونشهد، من تمسك أمريكا وبريطانيا والقوى الغربية بهم كخيار وأولوية، وتبنِّي الغرب ودعمه لهم، سواء في مصر (الإخوان المسلمين) أو العراق (حزب الدعوة) أو غيرها من البلاد المبتلاة بويلاتهم!

    وكثيراً ما يكرر الخُرق الحمق، السفهاء السخفاء، أكذوبة مختلقة وفرية ملفّقة، تروي قصة السفير البريطاني في العراق الذي شوهد يتبرع بالأكفان سراً، لتوزع على المطبرين! وفي آخر الصور والسيناريوهات المتداولة لهذه الدعوى الهزليَّة، يقول رقيع أنوَك، تقطر السفاهة من تقاطيع وجهه، ويسيل لعاب الهوج من فمه:“ركن سيارته الرولزرويس في زقاق يداريها، وناول قائد موكب التطبير الأكفان”!… ومع إن زخرف القول هذا يحمل معه أدلة بطلانه، ويشهد على افترائه وإفكه بنفسه، إلا أنني كثيراً ما سمعته من مثقفين وقرأته في مقالات متعلمين يدَّعون الوعي والتنوير وينادون بالإصلاح والتطوير، حتى درج على الألسن ودخل في احتجاجات القوم واستدلالاتهم! وناهيك بأنهم لا يقدمون على روايتهم دليلاً ولا يذكرون لقصتهم مصدراً ولا يعينون أشخاصاً ولا يحددون مكاناً، مما يسمح بالتحقيق ويتيح التثبت، أو يشرع باب ذلك، فإما أن يخلص الباحث المحقق إلى نتيجة أو لا يفعل! … فإن تهافت الدعوى بيِّن لا يخفى، وأقلُّه أن يتساءل المرء: ترى، أليس للسفير البريطاني عملاء وأجراء يقومون له بهذا الدور ويأدُّون عنه هذه المهمة السرية؟ فإذا انحصر المنفذ في شخصه الكريم لدواعي التكتم والإخفاء، ألم يكن له أن يترك سيارته الرولزرويس ويستقل واحدة أخرى غير مميزة لا تكشفه؟! فيا لله وللأذهان الفطنة والعقول اللقِنة، يا للأفئدة اليقظة والذكاء الملتهب! (ومثل هذه وعلى غرارها، ما زلنا نسمع قصة يرويها دعاة الوحدة الإسلامية، تحكي أن السفير البريطاني ـ أيضاً! ـ دفع لأحد الخطباء مبلغاً كبيراً زعم أنه وفاء نذر ليقرأ مجالس عزاء الزهراء عليها السلام، يريدون أن عرض ظلامة الزهراء إثارة طائفية وتأجيج مذهبي يخدم الانجليز!)

    أما الوجه الآخر والصورة الثانية، وهي عكس هذه الدعوى، أي سعي حكومات الجور والاستكبار العالمي الذي مكَّنهم من بلاد المسلمين، ومعهم المدارس الدينية المعادية للتشيع، والتيار العلماني واللاديني، سواء الإلحادي أو الإباحي، في منع الشعائر الحسينية وحظرها، أو التضييق عليها والحد من انتشارها، مما عاشه ويعيشه كل شيعي ويشهده بالعيان ويلمسه بالوجدان’ فمسكوت عنه، مغفول عن شواهده وأدلته!

    إن المشكلة والمعضلة هي في العقليات والأزمة في النفسيات’ عقليات جهولة تدعي التحرر وتزعم الإصلاح، ونفسيات مهزومة ضعيفة، تراها تنادي بالحرية وتسم الآخر بالقعود والجمود والرجعية، فإذا خلى أحدهم إلى الحكام والأسياد، وامتثل أمام أهل القوة والثراء، خضع وضرع، وذلَّ وخنع. ولك أن تنظر في مشهد يصور حواراً عرضياً بين التسخيري وحارث الضاري يظهر فيه الثاني يقرِّع الأول ويتهمه ويهينه، والثاني يلوي عنقه ويلوذ بالصمت، لتقف على الذلة والهوان الذي يحكم هؤلاء، وكم يتصاغرون أمام الأعداء، وقد عنت وجوههم وخُزِمت أنوفهم، فإذا تولوا بني جلدتهم وقابلوا أهل مذهبهم تجبروا وتكبروا، وطاروا وتغطرسوا!

    في عام 1987صدر باللغة الفرنسية كتاب”حياة أميرة عثمانية فى المنفى”الذي صار من أكثر الكتب مبيعاً في العالم، وقد تمت ترجمته إلى أكثر من 30 لغة. وهو للكاتبة كينيزي مراد ابنة الأميرة التركية سلمى خيرى رؤوف، ابنة السلطانة خديجة حفيدة السلطان مراد الخامس، الذى تولى الملك لفترة قصيرة وتمت الإطاحة به على يد السلطان عبدالحميد الثاني سنة 1876م، والدها الراجا أمير، حاكم دولة بادالبور في الهند…

    وقد سردت الكاتبة رواية مطولة تناولت فيها سيرة والدتها الأميرة سلمى، متتبعة الكثير من الأحداث السياسية الكبرى بين أعوام 1918حتى عام 1942تاريخ وفاة الأميرة العثمانية. وقد اعتمدت أسلوب التقصي والبحث والاستماع لشهادات أشخاص عرفوا والدتها أو جدتها السلطانة خديجة، أو والدها الراجا أمير الذى عاش ما بين 1910ـ1991، وكل من كانت له صلة بحياة والدتها، وقد استغرق الكتاب عامين من التوثيق وجمع المعلومات، وأربع سنوات في التدوين والتأليف.

    وفي الكتاب مشاهد وصور كثيرة تحكي حقيقة العلمانيين والإصلاحيين في روحياتهم، وآلية تعاملهم مع أسيادهم ثم مع قومهم، وصور أخرى تحكي حقيقة موقف الإنجليز من الشعائر الحسينية، ولا سيما التطبير، وثالثة عن حقيقة نظرة الآخرين وقراءتهم لنا، ومن ثم موقع هذه النظرة والقراءة في بناء عقيدتنا وسلوكنا، بين الإهمال وعدم الاعتناء، وبين المراقبة التي تورث أثراً وتخلِّف فعلاً! ومما جاء في قصة الأميرة العثمانية التي تزوجت أميراً هندياً شيعياً، مقطع تسرد فيه طقوس عاشوراء والشعائر الحسينية التي تمارس في بلاد الشيعة في الهند’ وهي في الشرفة الخاصة في الإمامبارا (الحسينية) الرئيسة في لكنو مركز الشيعة في ذلك العصر:

    “لقد ناضلت سلمى بكل قواها، وكانت في البداية تتطلع باحتقار: ذلك هو الهذيان الشيعي الهستيري اللامعقول، ومن حسن الحظ أنه لا مثيل له عندنا نحن أهل السنة! كانت تقاوم الرجفة المتسللة خفية إلى جسمها لتضغطه، وتستنفذ موارد عقلها النقاد، ولكن عبثاً، فهي لم تعد تطيق دفع الدموع التي تسيل من عينيها وتعميها. ولكن لماذا؟ وماذا يهمنا من أمر الحسين؟ فهي لم تفكر بتقديسه بشكل خاص، ولو أن المسيح أو بوذا هما اللذان كان الجمهور يحتفل بهما بهذه الحماسة، إذن لبكت على الأرجح مثلهم”.

    “’… امتلأت الشرفة بحشَم الراني عزيزة. ومنذ الساعات الأولى للصباح أقبلن عليها بسرعة، حتى لا يفوتهن شيء من الاحتفال… وكانت سلمى تود أن تعفى من ذلك، ولكن مقام الشرف، المحاذي للراني عزيزة، يعود إليها، كواجب، وعندما تظهر الراني بحلَّتها السوداء، فإنها لا تستطيع إلا القبول بدعوتها الخرساء.

    ومن بعيد كان يأتي صوت المزامير الجنائزية، وها هي الفيلة تتقدم مجللة بالسواد، ومعها سحابة من غبار، وعلى ظهورها يهزُّ حملة الأعلام، ألوان الدول الأميرية، وكذلك يهزون الأعلام التي غنمت في حقول المعارك، لتنقل بورع من جيل إلى جيل. ثم تأتي مجموعة الجمال، بخطواتها البطيئة، وعليها الفرسان، وهم يحملون الأعلام المقدسة المطرَّزة بآيات من القرآن، وفوقها يد برونزية كبيرة مفتوحة. أفتراها يد العباس، أخي الحسين غير الشقيق، الذي ذهب ليأتي بالماء للمحاصرين الذين أجهدهم العطش، فإذا به تقطع يداه الاثنتان؟ أم تراها الأصابع الخمسة لليد نفسها، رمز الخماسي الشيعي: محمد، وفاطمة ابنته، وصهره علي، وولداه الحسن والحسين؟ ترى من يستطيع الجواب؟ وماذا يهم ذلك كله بالنسبة إلى الجمهور الذي يزدحم؟

    ويلاحظ الإنسان بين ما يراه، شيئاً له علاقة باللون، فأفراد الجوقة يلبس كل منهم جاكيتة حمراء، أما العمامة فهي من الموسلين الأسود، ونراهم يمرون ويبسطون شكواهم المأتمية، وهي شكوى رتيبة، ملحَّة، ليفسحوا المجال للزولزيناخ (تقصد: ذو الجناح) حصان الحسين، الرائع، الوحيد، والمصبغ سرجه بالدم، وتراه يمشي والرأس هابط، وهو منهك وبائس. وينفعل الجمهور لهذا المشهد، فيندفع ليلمسه، باعتباره آخر رفيق للإمام. ثم يزدحم الجمهور مرة أخرى ليلمس”التازيات”العليا، وهي نماذج لقبر الحسين بكربلاء، مصنوعة من الشمع الملون، أو من الورق المذهب والفضي، وليمسَّ المهد المحمَّر الذي كان فيه ذلك الطفل المقتول، والأعلام المصبوغة بدماء الشهداء، فهو بحاجة إلى أن ينفعل بما عانوه أثناء النزاع، ويتصوَّر تضحيتهم. وعلى حين أن بعض الحفظة (القرَّاء) يقلدون ويغنون موت الأبطال، فإن الجمهور يئن ويتألم ضارباً صدره بالأيدي أو بالسياط.

    ولكن ها هم الآن النادمون، وفيهم الرجال الناضجون والمراهقون والأطفال، عراة الجذع، يمسكون بأيديهم سياطاً من السلاسل تنتهي بخمسة أمواس أُرهف حدُّها حديثاً. ووقف هؤلاء أمام الشرفة، ويهتف الجمهور: إمام حسين! ويجيب: يا حسين! وباندفاع واحد، تقع السلاسل على الظهور العارية، فتقص اللحم قصاً، وينبجس الدم. يا حسين! ثم يضربون أنفسهم أكثر فأكثر بالسياط على نسق الهتاف، فتصبح الجروح أعمق، ويسيل الدم، وينزل الدم على السيقان، ويشكل بقعاً سوداء على الأرض. يا حسين! ينهار رجل ويقع، أصفر كالموت، ثم رجل آخر، كطفل تقريباً، وسرعان ما يحملونهما على حمالات مرتجلة، وتتضاعف الضربات، ويجلد النادبون أنفسهم بعصبية، لاهثين، أُعموا وأُصِموا عن كل ما هو غير عذابهم، ومحاولتهم اليائسة، في إعدام الجسد، والوصول إلى”الحال”الذي ينشئون فيه وِحدة مع الواحد.

    ترى هل سيتوقفون عن فعلهم هذا يوماً؟ إن سلمى تلتف على نفسها، وأعصابها متوترة، لا تستطيع أن تزيح بصرها عما تشاهد، وفي فمها طعم الدم، وإحساس بالتقزز، ترى هل هي مقبلة على الإغماء؟ وإلى جانبها الراني عزيزة، لا يتحرك فيها شيء، وتغمس شفتيها في كأس من الشاي، على حين أن تبعها يشرح المشهد، ويعلِّق عليه، ويمص كمية من السكاكر، ومعاجين الفواكه. وتنهض سلمى تريد أن تخرج. وبيد قوية وحتى من دون أن تدير رأسها، ترغمها الراني على الجلوس: لم ينته المشهد بعد، يجب أن تري كل شيء، حتى الأخير. قالت ذلك كما لو أنها تصدر أمراً، والعينان نصف مغلقتين، وابتسامة غريبة ترتسم على شفتيها.

    أما في الخارج، فإن الجماهير سكتت، وابتعد أولئك الذي كانوا يعذبون أنفسهم، ريثما يستعيدون أنفاسهم، ويمسحون جروحهم، قبل أن يعودوا إلى احتفالهم المشؤوم، تحت شرفة أخرى، حيث توجد نساء أخريات ليشاهدنهم بفضول، وهن يقضمن قطع الحلوى.

    إمام حسين! وهذه المرة لم نعد تجاه هتافات مجد ولا حرب، بل نحن أمام همس وارتجاف طويل، مشوب بالاحترام والخوف، وظهرت مجموعة صغيرة من الرجال، وسيوفها مشهرة، فيسكت الجمهور، بينما كانوا هم يستغرقون في التأمل.

    وبحركة دقيقة تضرب السيوف الجماجم، فتجرح فروة الرأس، ويسيل الدم على العيون والأنف، فيعمي ويخنق، وبصمت ترتفع الأذرع وتضرب من جديد، فتزداد كمية الدم السائل. فلا يكاد الإنسان يتبين من الوجوه شيئاً غير العينين، اللتين كأنما خرجتا من مكانهما أو جحظتا. أما الجماهير المذهولة فإنها تحبس أنفاسها. وفي الضربة الثالثة للسيف، انهار الرجل ككتلة لا حياة فيها، والوجه على الأرض، والجمجمة مفلوقة.

    ويدوِّي صفير حاد، فإذا بجماعة من الجنود تشق الصفوف بضربات سياطها، واندفعت فجرَّدت السلاح من أولئك المخبلين، ووضعت القيود في أيديهم، ودفعتهم إلى عرباتها العسكرية، وتحركت هذه قبل أن يفسح المجال للجمهور المندهش، للقيام بأي رد فعل. وتعلَّق الراني: كان من الواجب أن يتوقع هؤلاء ما حدث، فقد منعت الحكومة هذه المشاهد، فهناك موتى أكثر مما يجب في كل عام، ولكن ماذا نستطيع أن نمنع على أولئك الذين يريدون أن يموتوا. إن هذه الفلسفة لا معنى لها أبداً بالنسبة إلى سلمى، التي كبا لونها، واستبدت بها رغبة التقيؤ، فمضت إلى المبصقة المرصعة”.

    ثم تنتقل الرواية لتنقل مشهداً آخر يتبع هذا السابق:

    “أية فكرة غريبة أن يختار هذا المساء لكي يدعونا! أو لا يعرف السير هاري بأن هذا اليوم يوم حزن كبير؟! وسخر أمير من هذه الدعوة قائلاً: ربما كان هذا نوعاً من المزاح الإنكليزي! ففي مساء هذا اليوم، اختار أن يلبس لباسه الأوروبي، ذلك أن الدعوة ليست استقبالاً رسمياً، بل هي عشاء بين أصدقاء، وهو يشعر بالراحة أكثر مع هذا اللباس. وبالمقابل فإن سلمى تضع ساريها، وهو من نوع الحرير الثقيل الأزرق من بيناريس، أما الغارارا، مهما تكن فخمة، فتكون في غير محلها لأنها تقليدية أكثر مما يجب، ولعلها خرجت من دائرة الاستعمال، وفي المدن الكبرى أصبح المسلمون المتطورون يهملونها، لصالح اللباس الهندي، كاشفين بذلك عن أفق واسع يقدِّره أمير، من حيث هو رجل حديث وعلماني.

    وبدأت السهرة بداية حسنة’ ولكن لماذا بدأ الحضور يتحدثون في السياسة؟ إن السير هاري الذي وجدته منذ قليل رجلاً ذكياً، بل ورائعاً، يبدو الآن كثير التفاخم، مفرط الثقة بكفاءته، ولا نراه يتحدث الآن حول شهر محرم، ويتجرَّأ أمام هؤلاء الأمراء المسلمين، بنعت الإسلام كله بالتعصب، لا الشيعة وحدهم. أما الراجا جهراباد الذي يتباهى بأنه يعرف بصورة أرقى من أي إيقوسي (اسكتلندي)، المصدر الصحيح لأي نوع من أنواع الويسكي، فإنه لم يكذبه، ولكن ما خطب راجا ديلواني ونواب شاربور؟ إن هذين الجنتلمانين اللذين تمثَّلا كل العرَّات البريطانية، ما زالا مع ذلك يلبسان زوجتيهما البرداة التقليدية تماماً، وقد لزما الصمت، ممتعضين، أمام ملاحظة الحاكم السير هاري ويغ.

    : وأنت يا أمير، أنت الذي أعتبرك أنا فكراً عقلانياً، ما رأيك في الموضوع؟

    : إن شعبنا ما زال جاهلاً أيها السير، ولهذا فإنه يغالي في التعلق بدينه، إذ لا مرجع له غيره ليستند إليه… وسكت!

    ويتجابه الرجلان بالنظرات، فيتردد الحاكم، ثم ينحاز إلى الضحك!

    : يا عزيزي لو أن الذين يطالبون بالاستقلال كانوا يشبهونك، فلن نتردد في الرحيل، مطمئنين إلى أن بلدينا يبقيان صديقين، يشتركان في المصالح نفسها، وفي المثل الأعلى نفسه، أما مع المتطرفين الذين يقودون الآن ما يسمى بالحركة الوطنية، فإن علينا واجب حماية شعبك من نفسه. ولكن شاباً يجلس في آخر الطاولة كانت سلمى قد لاحظته، لأنه الوحيد الذي يلبس الشيرواني، بدأ يتدخل في الحديث:

    أيها السير، لقد أُعجبنا بوجوه الحيطة التي اتخذتها لمنع المجابهات الإسلامية ـ الهندية، ولكن هل فكرت بأن عيد الفصح سيأتينا خلال يومين، فهل حددت مسيراته بأسلاك شائكة؟ وقد تكلم الرجل بأكبر الأدب والتهذيب، وبأشد صور البراءة، ولكن الحاكم احمرَّ وجهه وأجاب بجفاف: ليس لهذا أي دخل في الموضوع.

    وتعض سلمى شفتيها، وتنظر إلى الشاب الذي يجلس في آخر الطاولة، وتبتسم له، وتنطلق إلى النقاش بصوت عذب: يا صاحب السعادة، أصحيح أن النادمين في أسبانيا ينزلون إلى الشوارع ويضربون أنفسهم حتى يسيل الدم احتفالاً بذكرى موت المسيح؟ كما يحيون هنا ذكرى موت الحسين؟ وبدأ السير هاري يتأتئ استنكاراً”.

    شخصياً لا أفرق كثيراً بين الحثالات المعاصرة التي تحارب الشعائر الحسينية، وبين هذه الطبقة المترفة الغارقة في العمالة، فالقواسم المشتركة تغلب والمنطلقات واحدة، غاية ما هناك أن الحركة في ذلك العصر كانت تتطلب هذا التعالي والانقطاع، من واقع الطبقية والأجواء الحاكمة على المكان في تلك الحقبة، وهي اليوم تتطلب عناصر من عامة الشعب، بما فيهم المعممين، يدخولون في الساحة ويعايشونها، ويركوبون الموجة الجماهيرية، لعلمهم أنهم لن يبلغوا غايتهم إن لم يفعلوا ذلك، وسيبقون نخبة لا تؤثر في أحد ولا تنتج ولا تغير.

    لا أدري هل الأجدر هنا الاستشهاد بسورة “الكافرون”، أم بقوله تعالى:”ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم، قل إن هدى الله هو الهدى”.

  • من أوائل الذين تصدوا للضال المضل محمد حسين فضل الله علناً، وهو الذي أطلق عليه ونبزه بـ “البيروتي”، معرِّضاً بالبيئة التي ادعى الفقاهة في أكنافها وصار مجتهداً وَفق ضوابطها وأجوائها، وقد تولى ـ في خطابة متفوقة ـ دفع مقولاته وردها، ونقض آرائه وإبطالها. وهي مأثرة لن نغفلها وفضل لن نجحده، كما إنه أول من وَظَّف الخطابة الحسينية لمواجهة فساد حزب الدعوة وشن الحرب على مؤسساته، لم يكن الأمر في فهم الشيخ وقراءته استفزازاً، ولا كان إفشاءً مداناً وإذاعة منهياً عنها، لم يكن يراها هتكاً للتقية، ولا غياباً للحكمة والكياسة، ولا قفزاً على الذوق وفقداً للباقة، ولا علة للفرقة والنزاع وسبباً لتشرذم المؤمنين وفشلهم، ولا كان يراها صعبة على تعقُّل الناس وعسيرة على فهمهم وسابقة لزمانهم… بل كانت تكليفاً شرعياً أدَّاه، ومسؤولية رسالية نهض بها، وبالتالي سيدفع ثمنها.

    لم يكن قد دخل في نفق طلب المرجعية والسعي لها بعد، ولا كانت نفسه قد سوَّلت له التصدي لها، ومن هنا، لم يكن قد أخذ للأمر عدته ولا هيأ له أسبابه… كان مجرد خطيب حسيني، حسن البيان، لا يخلو من علم وفضل، مسترسلاً في نهجه، تصنع الأحداث بتفاعلاتها مواضيع خُطَبه، وترسم الساحة بحاجاتها تكليفه، دون تخطيط بعيد المدى وتدبير مبيَّت، هذا ما نفرضه في أي مؤمن عامل، ونحمله عليه، ما لم ينحرف وينجرف، فيُلزمنا حينها بنظرة مريبة، ويحملنا على قراءة تستجلي الغوامض وتلاحق خلفيات تصرفاته ومواقفه.

    والأمر من السهل الممتنع: عندما تنتفي الأغراض وتزول الأمراض، ترتفع الموانع وتنجلي الغشاوة، تظهر الحقائق وتسفر أدلتها وحججها، فتأتي البصيرة وتحِلُّ الهداية، فيتشرف العامل بنصرة الدين، والدفاع عن الزهراء وعن شعائر عزاء الحسين، وعن المرجعية والحوزة العلمية، وفي المقابل، عندما تحكم الأهواء وتغر الأماني وتغلب الدنيا، ترى هذا اللوث واللعب، وتشهد سلب التوفيق والاستدراج للهلاك… لم يكن الشيخ قد جمع ذيله وشد حيازيمه للرئاسة، لا شمَّر لها عن ساعد ولا حسر عن ساق، فاصطف في تلك الجبهة الإلهية، ولكن عندما غلبه هواه وسقط في شرَك الشيطان، لحق بالجبهة الأخرى، وصار يحمل معولاً يضرب في شعائر العزاء، ويهد أركان الدين. ولكل مجرم وجريمة لائحة طويلة من التبريرات والتحايلات التي تلتف على الحقيقة وتزين الباطل بلبوس الحق. وبالتعبير الديني: لم يكن الرجل قد وَرد مورد الهلاك ولا تسنم موقع الإهلاك، كما في الحديث: “من طلب الرئاسة هلك”. و”إياكم وهؤلاء الرؤساء الذين يترأسون، فوالله ما خفقت النعال خلف رجل إلا هلك وأهلك”. و”ما ذئبان ضاريان في غنم قد تفرق رعاؤها بأضر في دين المسلم من الرئاسة”. ولك أن تلحِق حديث: “ملعون من ترأس، ملعون من همَّ بها، ملعون من حدَّث بها نفسه”. وكان التعس قد هلك من قبل وغرق حين تناول الطُعم الذي أُلقي إليه، فعرض قبل سنتين فذلكة تغلق قضية فدك وتنهيها! يحسب أن ذلك يبلغ به آماله ويجعله رقماً مفروضاً لا يمكن تجاوزه. هكذا أنفق أعز ما يملك ليصد عن سبيل الله ويبرر لغاصبي الزهراء (تماماً كما فعل فضل الله وانطلق لعالميته تحت رعاية الشيطان وأوليائه)، ثم عادت عليه حسرة حين أخلفوا وَعدهم، وأهملوه ولم يقدِّروا له قيمة، فانثنى يتسول على أعتاب دولة أخرى!

    وقد وقع هذا الموسم في انتقائية عجيبة والتقاطية غريبة بعيدة عن موضوعية الباحث ناهيك بعدالة المستنبط! فتراه يتمسك برواية (من طائفة، لا خلاف في تمامية مدلولها) تأمر بالتقية وتمنع الإذاعة، ويتجاهل طائفة تقابلها وتعارضها، بل يقفز على آيات قرآنية وأحكام فقهية مسلَّمة ومفروغ منها ومن خلفيتها الدليلية، تدعو إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدفاع، والمواجهة والغلظة والحدة والشدة، بل إلى الهتك والوقيعة، والسب والشتيمة! ولا أريد أن ينحى الاحتجاج والاعتراض منحى شخصياً فأسوق من خطبه السابقة عشرات الموارد التي تنقض وتسقط دعواه المستجدة المحدثة قولاً وفعلاً!

    هل هذه هي الروح الأكاديمية والذهنية القانونية (بعد أن عُدم الحوزوية)؟ هل هكذا تبنى المفاهيم والأفكار؟ هل هذه أصول الفن والصناعة؟ هل هكذا ترسم المواقف وتحدد التكاليف؟ هل هذا هو ما يرقى بالوعي ويأخذ بيد المجتمع إلى التكامل العلمي والروحي؟!

    لا يعارض متشرع عاقل فكرة مداراة الآخر ومراعاته، ولا سيما إخواننا أهل السنة، والتزام القوانين التي تمنع هتك مقدسات الدين، وحفظ اللحمة الوطنية في مختلف البلاد، فهذه من آداب العشرة التي نستلهمها من أئمتنا، ومن الزين الذي أمرونا به، ومن العرف والثقافة والتلقائية التي نشأنا عليها… لكنني في دهشة من الخلط والتحايل، من التوظيف السقيم والإسقاط الفج، من التدليس والاستخفاف بالعقول، ولا سيما حين يجتمع الأمر مع مزاعم العلم والثقافة، ويُـقرن بدعوى البديل عن المجالس الحسينية التقليدية.

    لتعقب ذلك طامة في تسطيح القضايا وتقديمها بعرض ساذج وفكر شعبي تافه، تخال ـ وأنت تسمعه ـ أنك في ديوانية تجتر خطاب المسلسلات التلفزيونية الاجتماعية، أو في مقهى سوقي رخيص، ملغم بعيون الأمن ومصادر المباحث، تسترق السمع وترفع التقارير، فيتبارى الحضور في إسماعهم ما يطيب لهم، وتشنيف آذانهم بما يرضي أسيادهم!

    من السذاجة والتسطيح بمكان تصوير الفتن المذهبية والطائفية التي تعصف بساحتنا اليوم وليدة كلمة ألقاها أخرق، وفعل مارسه أحمق، ثم الاستغراق ـ بعد ذلك ـ في النصح والإرشاد، وتسنم موقع الشفيق الرؤوف، والواعظ العطوف… الأُمور أكثر تعقيداً وأبعد غوراً من هذا بكثير، لا توجد حركات ارتجالية في الساحة السياسية، لا طفرات بريئة هنا ولا ظواهر وأحداث عفوية هناك، الساحة منضبطة وتحت السيطرة، تمسك بأزمتها أنظمة حكم متمرسة ودوائر مخابرات متخصصة، تقبض على خناقها وتتحكم بأنفاسها، تحدد مَن يعارض، وفي أي درجة يرتفع صوته، ومتى يظهر وكيف يختفي ويغيب، ووفقاً لذلك تضغط وترخي، ومن هذا وذاك تظهر التموجات وتنشأ الحركات، والسذج يحسبونها عطاء أيديهم ونتاج غرسهم، والأغبياء يعزون الأمر ويرجعونه إليهم!

    إن الأحزاب والمنظمات السياسية معروفة بأدوارها، مكشوفة بمواقعها، مشخصة بمطامحها وآمالها، ومجتمعاتنا وسكان بلادنا بأسرهم مُحصَوْن ومصنفون ومفروزون فرداً فرداً، بالأسماء والعناوين والمهن والوظائف، بالمداخيل والإمكانيات، بل بالاتصالات والارتباطات، وأصبح كل فرد يحمل بيده ويزرع في بيته أداة تكشف حاله وتعري واقعه، فمَن عساه أن يتحرك ويخرق، ويعصي ويتمرد؟ فإذا تجاوز أحد النطاق الذي يفسحه النظام والدائرة التي تخليها له أجهزة الأمن أو القنوات السياسية التابعة له، تناوشته البلايا وطوقته المحن، لتئد فكرته وتجهز على حركته! ولعل أخبث ما روَّج له الإعلام في الأعوام الأخيرة، استهجان نظرية المؤامرة والنكير على من يطرحها، بأنه اتكالي عاجز، يعزو فشله إلى الآخر ويبرر لإخفاقة بنظرية موهومة يعلق على مشجبها الأعذار!

    حتى الثورات الشعبية التي اجتاحت تونس ومصر وليبيا وسوريا، وكانت شبكات التواصل الاجتماعي أداتها، وهي مبذولة للجميع، يعيش كل فرد واقعه الذي لا ينكر في ممارسة النشاط من خلالها، يرفض الدكتاتوريات ويحارب الفساد، ما يورث الدعوى مصداقية محسوسة ويخلق في النفوس قناعة بأنها ليست ألعوبة… ما هي إلا حركات مرسومة ومسارب ممهدَة وطرق مرصوفة وفق أجندة المدبر الأكبر، وسمه إن شئت الاستعمار، أو الاستكبار العالمي، أو قوى الشيطان، أو الصهيونية، أو الماسونية، لا غضاضة ولا تشاح. ولا أريد بهذا أن أنفي أي خرق وفتق في هذه المنظومة الشيطانية، فهناك ـ في المقابل ـ منظومة إلهية ورعاية ربانية، فيد الله تعالى ليست مغلولة، بل مبسوطة مطلقة، ولكن عبر وَليه المنتظر حصراً وحكراً، ودون ثبوت انتساب الحركة إليه أو رضاه عنها، العيُّوق وخرط القتاد. ما يفضي إلى نتيجة مؤداها: لا فلتان في الساحة ولا فوضى، لا حركة إلا في نطاق وتحت غطاء قوة عظمى، إما ولاية الحجة عليه السلام ورعايته، أو أنظمة الجور وأذرعها.

    إن الفتنة الطائفية والمذهبية ورقة استراتيجية ثمينة جداً يدخرها هؤلاء، وتمسك بها منظماتهم السرية ومواقع سلطاتهم وأجهزة مخابراتهم، وتوظفها قرارات سياسية تعمل في نطاقات أعلى حتى من دول المنطقة وحكوماتها! قد يجهل العوام هذه الحقيقة، وهم المأخوذون بنشرات الأخبار والأفلام التسجيلية والتعبئة الإعلامية التي تمارسها فضائيات وإذاعات موجَّهة بحرفية وإتقان لتخلق القناعات في نفوس العوام، وتصنع عقولاً جمعية تخدم مشاريعها، فتغيب عنهم الحقيقة في خضم الزخم المتراكم من التغذية الفكرية الفاسدة، والهيمنة الإعلامية المضللة، والتلقين العلمي المعوج… ولكن هل يُعذَر شيخ يدعي الوعي والحداثة، غارق في السياسة، مواكب للعصر ومعايش للساحة، أن يجهل هذه اللعبة، ويلحق بالإعلام الاستكباري في إضلال الناس وتلقينهم نفس الخطاب؟!

    ما هذه السذاجة في الفهم والتسطيح في العرض؟

    إن القنوات الفضائية التي تزرع الطائفية وتبث الحقد والكراهية، ومواقع التواصل الاجتماعي التي تغرد وتعلق في الفيس بوك وتويتر، تثير الأجواء وتشحنها، وكذا الشخصيات التي تدير هذا الحراك بأسماء حقيقية أو مستعارة، تقرع طبول الحروب وتنفخ الأبواق ونفير الإرهاب… كلها عناصر موظَّفة ومرتزقة يستأكلون، يحركهم قرار ويسكتهم آخر، ومنشأ القرارين هو السياسة والمصالح العليا للسلطات والأنظمة الحاكمة. ولو عاد التفاهم بين السعودية وإيران (على سبيل المثال)، لزال هذا الاحتقان بين ليلة وضحاها، وأخمدت هذه النيران المستعرة من فورها، وسترى حينها ما صُوِّر علَّة للنزاع وطرح سبباً للشقاق، ما أخذ المصوِّر في النصح لمنعه والوعظ لتركه… فقِّاعة تتلاشى من تلقاء نفسها، وزبداً تسخر منه رمال الشاطئ، أو غثاءً أحوى، سكن وتبدد بعد أن توقف المطر وانقطع المدد. فلا سب الصحابة يغدو خطباً، ولا هتك المقدسات يجدي في الاستفزاز نفعاً، ولا التكفير يفجر المساجد والحسينيات ويقتل المصلين والمعزين، وسترى الجميع يتجاهل الإثارات ويغضي عن الأخطاء ويتنكر للمعضلات! ولن ينجح طرف في استفزاز الآخر، والشاذُّ الخارج عن منظومة السلطات والحكومات سيخاطب نفسه ويكلِّم الجدران، ولا يصنع أكثر من زوبعة في فنجان، حتى ينزل به الجنون، أو يوسم به، فيُسخَر منه ولا يلتفت إليه!

    ولعمري، إن جاز التحليل الذي يغفل ويقفز على العلة الأصلية للفتنة المذهبية، وأصر الشيخ على إرجاع الداء ونسبته إلى سلوكيات شواذ في البيت الشيعي تستفز القوم وتألبهم علينا، فإن الرأي الآخر الذي يعزو الأمر إلى النشاط السياسي والعسكري، ولا سيما ما تفعله إيران وحزب الله في سوريا ولبنان، هو أولى أن تطاله التهمة وأجدر أن تعلق به الإدانة! وهذا الرأي أقوى حجة وأمتن استدلالاً، فإن ما يهم الدول والحكومات (التي تحرك التكفيريين) هو النفوذ والسلطان، والحزب يهدد نفوذهم وإيران تنازعهم سلطانهم، هذا هو الاستفزاز الحقيقي، وهذه هي الإذاعة وهتك التقية المغلَّظ في النهي عنها، لا أداء أخرق لفضائية شيعية لا وَزن لها ولا امتداد في أي موقع من بلاد الشيعة، ويعرف الجميع أنها تتبع مرجعية مزيفة لا تعترف الحوزة العلمية بها… فكيف لم يطل نقد الشيخ واعتراضه، أو موعظته وإرشاده، هؤلاء؟!

    إنني شخصياً لا أرى هذا ولا ذاك استفزازاً، ولا أعزو الفتنة لأي طرف شيعي، ولن أبرِّر للتكفيريين وألتمس الأعذار للإرهابيين من سلوك إخوة لي في العقيدة والدين، مهما اختلفت الآراء وتباينت المواقف بيننا، فالقرار مبيَّت، والفتنة المذهبية وَرقة قذرة تلعبها القوى الكبرى، ولو انسدت جميع الذرائع، فلم ينبس شيعي بحرف، ولم يطلق في الدفاع عن نفسه رصاصة… فسيجدون من عملائهم من يفعل، ويمكن لعود ثقاب واحد أن يشعل حريقاً يلتهم غابة أو مدينة.

    وتستمر المأساة، فالرجل لم يكتف في الخلط والخبط على هذا الصعيد، حتى قفز من تلك المقدمات الواهية ليخلص إلى نتائج متداعية تبعث على الشفقة والرثاء لحاله، فقد أسقط مزاعمه وتخيلاته على أمر الشعائر الحسينية أيضاً وألحقها بمقصده الأول، وتصوَّر أو صوَّر لمستمعيه حالة تبلغ الشين والوهن تسببها بعض أنماط من الشعائر!

    بالله يا شيخ! مَن من الحسينيين الشيعة (لا الصوفيين السنة) يمارس الزحف على الزجاج؟ ومَن يغرس السيوف في بدنه ويعلق الأقفال؟ ثم ما حجم هذه الممارسة وما هو نطاقها؟ حتى تستدعي هجوماً وتقتضي مواجهة؟ ترى مَن أذاع هنا وأساء وشوَّه أكثر من منبرك وخطابتك؟! فالأمر لا يتجاوز تسجيلاً مصوَّراً وتراً لم يشفع، وحالة واحدة خاصة لم تتكرر! حتى أنني لاحقت وتحريت فلم أخلص إلى نتيجة حول مكان أداء هذه الطقوس وهوية القائمين عليها (ما ينفي علنيتها وشعائريتها)، ومدى ارتباطها بنا أو تسللها إلينا؟ وكنت أحسبها في الهيئات الحسينية التي أدخلت النمط المستجد من اللطم المسمى بالشور، المقترن بالمؤثرات الصوتية والأداء الصاخب، الذي بدأته هيئات من شباب البسيج الإيراني تتبع الحكومة هناك، وقاده منشدون بارزون أمثال محمود كريمي وعبدالرضا هلالي! وقرأه بعضهم وسجّله التفافاً على الهيئات الأصيلة الحرة المستقلة، ومصادرة للنمط التقليدي المتوارث لشعيرة اللطم. (ولعلي أفصِّل وأبين في مقالات آتية أبعاد هذه المؤامرة إن دعت الحاجة).

    هل يقتضي أمر الزجاج والأقفال هذا الهجوم وهذا التركيز؟ أم هي مقولة إياك أعني فاسمعي يا جارة؟.. غلبته هيبة القامات، وصرعته الوحشة من التصدي لها، فاعتبر من مصيبة جاره وما نزل بغيره، فضنَّ وشحَّ بالثمن الذي دفعه، فصار يحوم حول الحمى، يحسب أن ذلك ينجيه من السقوط ويكفيه الطرد والتصنيف؟!

    ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين. 

  • قبل اتفاقية الجزائر التي وقعت عام 1975 بين نائب الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين وشاه إيران محمد رضا بهلوي، تحت إشراف رئيس الجزائر هواري بومدين (وهي التي ألغاها صدام عام 1980 بعد قيام الجمهورية الإسلامية، تمهيداً لإشعال الحرب عليها)… كان النزاع بين البلدين على أشده، وكان للصراع أدواته وأسلحته، وأهمها دعم الشاه للقوى الكردية والإسلامية المعارضة للنظام الحاكم في العراق، مثل الملا مصطفى البرزاني، وحزب الدعوة الإسلامية… وقد أعان النظام العراقي معارضيه على نفسه بسياساته القمعية وممارسته التمييز والتنكيل والاضطهاد الطائفي بأبشع صوره وأوسع أشكاله، ولا سيما منذ تولى حزب البعث السلطة في انقلاب السابع عشر من تموز عام 1968… وكان التهجير سياسة واستراتيجية ارتكز عليها النظام، فعمد إلى موجات تسفير جماعية، أبعد فيها شريحة عريضة من الشعب بحجة “التبعية”، وهم العراقيون من الأصول غير العربية (الإيرانية والهندية والأفغانية)، وما لبثت هذه السياسة أن امتدت إلى جميع المعارضين، فشملت غير التبعية أيضاً، ولا سيما في تسفير الثمانين الذي طال مليون مواطن عراقي، في خطوة مهد فيها النظام لحربه على إيران، واتخذت من حادثة تفجير المستنصرية التي اتهم فيها حزب الدعوة حجة وذريعة…

    وفي خضم ذلك فـرَّ جملة من قادة حزب الدعوة وكوادره العليا من العراق إلى دول الجوار، فلجأ أبوحسن هادي السبيتي إلى عمان (الأردن)، ومحمد حسين فضل الله إلى بيروت، وطالب الرفاعي إلى القاهرة، ثم لحقهم مهدي الآصفي وعبدالزهرة عثمان (أبوياسين، عزالدين سليم) وسامي البدري إلى الكويت، ومرتضى العسكري ومحمد علي التسخيري ومحسن الأراكي ومحمد سعيد النعماني وغيرهم إلى إيران، وقد أُلحق جل من هاجر إلى إيران ووُظف للعمل في القسم العربي لـ “دار التبليغ”، وهي مؤسسة إعلامية ثقافية كبيرة كان يديرها ناصر مكارم شيرازي وسيد هادي خسروشاهي ولفيف من الحداثيين في حوزة قم، وهي من مؤسسات مرجعية السيد شريعتمداري، وقد كانت متهمة بأنها تابعة للسافاك، وتوفر غطاءً لنشاطه في الحوزة، وقد أوكل إليها النهوض بالفكر التنويري والإسلام التجديدي، في إطار وخطاب يقابل أو يسحب البساط من تحت أقدام دعاة الإسلام الثوري، الذي كان نهج السيد الخميني ومشروع أتباعه (المعروف بخط الإمام). وهي المؤسسة التي تناولتها جملة من الفتاوى التي سطرها السيد الخميني في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من رسالته العملية تحرير الوسيلة، من قبيل: لو قامت قرائن على أن مؤسسة دينية كان تأسيسها أو إجراء مؤونتها من قبل الدولة الجائرة ولو بوسائط، لا يجوز للعالم تصديها، ولا لطلاب العلم الدخول فيها، ولا أخذ راتبها، بل لو احتمل احتمالاً معتداً به لزم التحرز عنها، لأن المحتمل مما يهتم به شرعاً، فيجب الاحتياط في مثله. (انظر: الشرط الرابع: أن لا يكون في إنكاره مفسدة/المسائل: 16، 17، 18، 19)

    وكان للدعاة المنخرطين في دار التبليغ، الذين كانوا يصدرون مجلة الهادي (بالعربية) في منتصف السبعينات، دوراً سلبياً ولعله معادياً للثورة وخط الإمام، وقد استمروا في اللمز والغمز بأن أيد شيوعية تقف خلف الثورة، حتى بعد الانتصار وسقوط الشاه… ولكن ثبات الثورة وصمود الجمهورية الفتية أمام العالم بأسره، غيَّر موقف القوم وقلبه، دون أن يجْدِهم هذا التغيير كثير نفع، فالقلوب كانت مشحونة ضدهم، وذكرى مواقفهم المعادية للخميني وثورته كانت ماثلة بآلامها ومراراتها.

    ومضى الأمر على هذا المنوال، حتى رحل السيد الخميني إلى ربه، وانتقلت السلطة إلى قيادة جديدة تبنَّت سياسة تقلص البون الشاسع الذي يفصلها عن القائد السابق، سواء في العلم أو الشعبية، وغيرها من مواصفات القيادة، فعمدت إلى الجذب والاحتواء مع مَن يلحق الجزَرة، والعصى الغليظة مع من يأبى ويعارض… فلم تكتف بإغفال ماضي حزب الدعوة فحسب، بل قرَّبته وأدنته وكأنه من لحمة الثورة وصميمها! وأوكلت إليه أدواراً في منتهى الأهمية والخطر. وذلك لأسباب خفية وغامضة عجز كثيرون عن فهمها؟! لعل التلاقي الفكري في أمر الحداثة، والمشرب الواحد للفريقين في التجديد الديني يكون إحداها، لكن الأمر في مجموعه وتفصيله غريب ومريب.

    من هذا الموقع الجديد، استطاع حزب الدعوة أن يستدرج القيادة الإيرانية إلى معركة الشعائر الحسينية، ويقحمها في فتنة أشغلتها طويلاً بلا طائل، وكبدتها خسائر بلا جابر! وهو ما يباهي به الشيخ التسخيري ويفاخر، فقد أعلن أنه هو الذي أقنع القيادة الإيرانية بإصدار فتوى حظر التطبير (التي عبر عنها زميله مرتضى العسكري بأنها قدمت الإسلام ودفعته إلى الأمام ألف عام!)، وقال إنه هو الذي عبأ الطلاب والمهاجرين في بلاد الغرب ليراسلوا مكتب القيادة الإيرانية ويشكوه آفات التطبير وما يورثه من شين على الدين ويسببه من وهن للمذهب… فصدر حكم الحظر، وتبعته سلسلة أحكام وأوامر قمعت المطبرين ونكلت بهم، وزجتهم في السجون والمعتقلات، وطالت بعضهم بالنفي والتسفير، وحشدت حملات إعلامية شعواء، ما زالت تتوالى لم يخمد أوارها منذ ذلك اليوم المشؤوم، ٢٩ ذي الحجة 1414، الموافق 9/6/1994، وما زالت مؤسسات إيران الثقافية والإعلامية والسياسية، وأحياناً الأمنية، تخوض حرباً طاحنة، وتجدد في كل عام معارك حامية مع الهيئات الحسينية الشيعية في جميع بلاد العالم، وقد صرفت في هذه الحرب المؤلمة ما لا يحصى من أموال، وهدرت أعز الطاقات، وبددت أثمن الإمكانيات! وما زال التسخيري لم يشف غليله من الشعائر، وحزب الدعوة لم يستوف دينه من العزاء الحسيني!

    وبعيداً عن المقومات الشرعية والمعطيات الفقهية والخلفية الدليلية لهذا القرار وهذه الحرب الجائرة، فإن الأمر وفق رؤية علمية حيادية، وتقييم موضوعي يتتبع الشواهد والأرقام، يكشف كم كان القرار فاحشة وساء سبيلاً، وكم كانت خشية الإملاق هنا خِطئاً كبيراً، أورث غلّاً ضرب أطنابه في النفوس، ورزع أحقاداً لن تقتلعها أجيال من الصدور! ويمكن التثبت من طيش الموقف وجنون الفكرة بملاحقة الأمر على صعدي: حقيقة تشويهه للمذهب، وإمكانية تنفيذ الحظر وإعماله.

    وإذا كان الأول أمراً خارجياً يصعب حسمه والبت فيه والوقوف على إجابة رياضية حاسمة بنعم أم لا على واقعه، فتقول طائفة إنه مسيء وموهن، وترد أخرى إنه يورث المذهب عزَّة وهيبة وقوة، فإن الأمر الثاني جلي في فساده، بيِّن في فشله وإخفاقه، فالحظر لم يحقق أهدافه والمنع لم يطبق ولم ينفذ، فلا شك في أنه لم يحد من ممارسة التطبير، بل لعلَّه روَّج له وساهم في انتشاره، ليصبح شعيرة عامة بعد أن كان أداءً نخبوياً محدوداً، تنهض به فئة من جماعة، وصفوة من قلة!.. وإذا به يتحول إلى شعيرة جماعية وحالة شعبية، وهذه حقيقة محسوسة، تنهض بإثباتها الأرقام قبل أي شيء آخر:

    التطبير في الكويت كان يقام في بيت صغير من بيوت الدعية، بأعداد محدودة لا تتجاوز عشرين رجلاً، جلهم من المقيمين العراقيين والإيرانيين، وكلهم شيرازيون… أما اليوم فقد أصبحت أعداد المطبرين تعد بآلاف الشباب الكويتي المؤمن، المتفاني في الولاء، والمتسابق على تعميقه في روحه، المتطلع بحرقة وإخلاص إلى بثه في مجتمعه، وهم ليسوا حزبيين ولا أتباع فئة مغلقة محدودة، بل هم نسيج الطائفة الطبيعي، من مقلدي المراجع العظام الخوئي والخميني والتبريزي والسيستاني والوحيد والروحاني والحكيم وغيرهم، والشعيرة الآن تقام في عدة أماكن منها: الحسينية الكربلائية (الدعية) / حسينية بن نخي (صباح السالم) / هيئة أئمة البقيع (الرميثية) / حوزة الرسول الأعظم (بنيد القار) / حسينية سيد الشهداء (القادسية) / حسينية بوحمد (الدعية) / حسينية الحائري (شرق) / هيئة شباب صاحب الزمان (بنيد القار)/ مضيف الإمام الرضا (الصوابر)/ حسينية الإمام علي (الدعية) / حسينية دار الحسين (سعد العبدالله) / الحسينية الزينبية (بنيد القار) / بيت السقاي (الدعية) / مجلس أنوار آل محمد (صباح السالم).

    والحالة الكويتية متكررة بتفاصيلها في باقي بلاد الخليج، فالتطبير لم يكن يمارس في الأحساء والقطيف والمدينة المنورة أصلاً، ولكن بعد حرب القوم على هذه الشعيرة والمنع بالقهر والقوة، وما ظهر من نفوذ حزب الدعوة وهيمنته على القرار في إيران، وهو حزب يعرف الجميع أنه يبيّت النية للقضاء على الشعائر من رأسها، وفي استراتيجيته ودستوره مسخ الحسينيات وتسخيرها لفكره ومصالحه، أو اجتثاثها إن عجز وأعيته الحيلة، كونها مواقع ومحطات “عاطفية” تعيق المسيرة الجهادية والتوعوية التي يقودونها!.. من هنا توجَّس المؤمنون وخافوا على دينهم وشعائرهم، وقاموا ببناء السور الأول الذي يصد الغزاة ويدفع المهاجمين، فأصبح التطبير يقام في تلك البلاد المباركة في كثير من الأماكن منها: موكب عشاق الحسين (سنابس)/ موكب أنصار سيد شباب أهل الجنة (الخويلدية)/ موكب عرس الطف (الاوجام)/ الموكب الزينبي (الشويكة)/ موكب صوت الحسين (القديح)/ موكب أهل البيت (سيهات)/ موكب السبط الشهيد المحسن بن فاطمة (تاروت)/ موكب تطبير عشاق الحسين (أم الحمام)/ هيئة عابس والحر والشهيد (صفوى)/ موكب أم البنين (حلة محيش)/ موكب عشاق محمد (تاروت)/ موكب عشاق الحسين (البحاري)/ موكب صلاة العاشقين (سيهات)/ موكب عشاق الحسين (العوامية). والشعيرة تقام أيضاً في الأحساء والمدينة المنورة، في مواكب ضخمة وأعداد كبيرة، يعرف المؤمنون أماكنها ومواقيتها.

    وكذا لم يكن التطبير يقام في سوريا (موطن السيد محسن الأمين غفر الله له) أصلاً، أما بعد المنع فصار يقام في منطقة السيدة زينب عليها السلام، وكان يشارك فيه قبل الحرب الأهلية القائمة هناك آلاف المطبرين، وكان أبرز الهيئات: موكب أنصار الحسين (يخرج من مؤسسة أهل البيت، بقيادة السيد محمد رضا شبر رحمه الله). أما الآن فالمواكب تناهز العشرين، أحصيت منها: هيئة خدام الطفل الرضيع/ هيئة قتيل العبرات/ هيئة خدام أم البنين (أمام المقبرة، بقيادة حسين رزوق)/ هيئة جنود الإمام المهدي عجل الله فرجه/ هيئة الزهراء عليها السلام/ هيئة أنصار الحسين/زهيئة خدام العقيلة/ هيئة خدام الحسين/ هيئة أهل البيت/هيئة علي الأكبر/ هيئة السيدة زينب/ هيئة لواء ابي الفضل العباس (كوع السودان، بقيادة أبوعجيب)/ هيئة كفيل زينب (قصر الضيافة، بقيادة علي ماميتا)/ هيئة عقيلة بني هاشم (حي الصادق، بقيادة سامر الروماني)/ هيئة أبي الفضل العباس (حسينية الكتاب والعترة، بقيادة حسن مرعي)/ موكب شباب علي الأكبر (الحسينية الحيدرية القديمة، جعفر فتاح)، وجل منتسبي هذه الهيئات والمطبرين فيها هم من المجاهدين الذين يحملون السلاح ويتولون الدفاع عن حرم السيدة عليها السلام، وقد رحل كثير منهم شهداء في هذا الطريق… وفي هذا العام خرجت للمرة الأولى مواكب ضخمة للتطبير في منطقة حمص ـ كفر عبد، التي توافدت المواكب عليها من عدة قرى مجاورة.

    أما في لبنان فقد كان التطبير وقفاً على موكب واحد عظيم يقام في النبطية المحروسة، وآخر أصغر في بيروت الخندق الغميق (يديره الشيخ مرتضى عياد)، أما اليوم فهو يقام بعشرات الآلاف، أمكنني أن أحصي منها: حسينية الموسوي (بيروت، برج البراجنة)/ موكب الغبيري (المشرفية، حركة أمل)/ حسينية سيد الشهداء (بيروت، الصفير، شيرازية)/ موكب الشحيمي (برج البراجنة)/ بيت الشيخ جميل حمود (بيروت)/ حسينية حاريص (الجنوب)/ موكب يانوح (قضاء صور)/ موكب الغازية (قضاء صيدا)/ موكب جباع (قضاء النبطية)/ موكب القصيبة (قضاء النبطية)/ موكب عنقون (قضاء الزهراني)/ موكب الصرفند (قضاء صيدا)/ موكب الجوادين (صير الغربية، قضاء النبطية)/ موكب جرجوع (قضاء النبطية)/ موكب حبوش (قضاء النبطية).

    أما في العراق فحدِّث ولا حرج، فالأمر بلغ حدوداً غير مسبوقة في تاريخ الشعيرة وتاريخ العراق على السواء (بلغت أعداد المطبرين هذا العام مليون نسمة وفق بعض التقديرات)، وعلى الرغم من أن العتبات المقدسة تتبع ـ رسمياً ـ إدارة الأوقاف التي كانت تحت سلطة حزب الدعوة وأتباع فضل الله والحكومات الفاسدة (لم تعد كذلك اليوم ولله الحمد)، إلا أن السلطة الثانية في إدارة العتبات المقدسة والمتمثلة بالمرجعية الدينية، رجحت كفَّتها وغلبت بزخمها الجماهيري الكاسح، وفرضت رأيها وموقفها، فشرعت أبواب العتبات لهيئات التطبير، ومئات آلاف المتشحين بالأكفان، الشاهرين سيوف العرفان، النازفين دماء العشق والولاء، بل سهلت لهم الأمر وأخذت له عدته بفرش أرضية الأفنية والصحون الشريفة بالنطوع اللازمة، وكسوة جدرانها بالأغطية التي تقيها الدماء… ولكننا لن ندرج الوضع هناك رقماً مقابل الحظر الإيراني، فالحق والإنصاف أن المانع في العراق كان النظام البعثي لا سواه، والحظر كان سارياً إبان حكم صدام، ومع سقوطه وهلاكه تحرر الناس وانطلقوا في ممارسة هذه الشعيرة وبلغوا منها هذه الحدود.

    أما الهند وباكستان فالموقف في تلك البلاد تجاه هذه القضية أقرب إلى الهزل منه إلى الجد! إذ ما إن بلغ المؤمنين خبر حظر التطبير عبر وسائل الإعلام، حتى خرجوا في مظاهرات صاخبة لم توفر هتافاتها سباباً ولعناً، وما كانت الجماهير تنفضُّ قبل إحراق دمى تمثل وترمز إلى القيادة الإيرانية! وفي يوم الثالث من محرم (بعد أربعة أيام من إصدار الحكم الإيراني)، أُبلغ الناس ـ عبر وكلاء إيران ـ بأمر جديد يستدرك الأمر الأول، ويعلن أن المنع والحظر متوجه للداخل الإيراني لا الخارج الهندي والباكستاني! ما خلق مفارقة ومغالطة صارخة، وكشف عن خلل واضطراب في المباني والأحكام، جعل علَّة التصدي للمرجعية تتوجه للخارج دون الداخل، بينما أحكامها تتوجه للداخل دون الخارج، وهي معضلة عجز عن حلها جميع جهابذة النظام وفلاسفته حتى الآن!

    ومع كوني متموضعاً في هذه المعركة، أتخذ طرفاً وأتخندق في جبهة، لا أسمح لنفسي بالحياد، وأخاف ربي أن ألحق بمحاربي العزاء… إلا أنني أتوجه إليهم بالنصح والإرشاد، وأقصد العقلاء في الجمهورية الإسلامية، وهم كثر، وهو ما يفرضه حق الأخوَّة في الدين والمذهب، لا أبالي ولا أكترث بالناهضين بحملة تشويه الشعائر الحسينية، من المهرجين والمرتزقة الذين لا دين لهم، فهؤلاء سيكفُّون إذا كفَّت الحكومة وينقلبون إذا انقلبت، وستراهم ـ حينها ـ يعدون التطبير علامة جهاد وتضحية، ورياضة للبذل، وإعداداً للفداء والعطاء! وخذ ما شئت من ألفاظ الإطراء…

    تُرى يا إخوتي الكرام، هل من العقل والحكمة إلهاب الساحة سنوياً بهذه الفتنة المهلكة، وإشغالها بهذا السجال العقيم؟ هل من ثمرة لهذه المعارك العقائدية والفقهية غير بث الشقاق والفرقة والنزاع، وزرع الغل والأحقاد؟ ألم تتضح لكم استحالة النيل من هذا الأمر؟ ألم تثبت التجربة بالحس والشهود ناهيك بالحجة والبرهان، أنه كان قراراً خاطئاً، ما زال يفضي إلى نتائج عكسية؟ ألم يأن لكم أن تتراجعوا وترعووا، وتأمروا أتباعكم وموظفيكم بالكف؟ ولا سيما في ظل حرب ضروس تطال الطائفة بالقتل والتنكيل والحصار والتهجير، والمذهب بالتكفير والمروق من الدين؟ بالله من هو المستفيد من إشعال هذه النار وإذكائها في كل عام؟! المطبرون يقلدون مراجع يبيحون الأمر ويرون استحبابه، فأين المنكر هنا؟ فإن أبيتهم إلا النهي عنه، ترى أليس من شرائط النهي عن المنكر الاستطاعة واحتمال الأثر؟ ألم يثبت عملياً عجزكم؟ إن السياسة والكياسة التي طوعت مشروع النووي الإيراني لينسجم مع سياسة العالم الكافر المحارب، أولى أن تُعمَل مع إخوة في الدين والمذهب، وفي شأن خاص يمس مقدساتهم وعباداتهم.

    إن الشيعة في العالم يحبون إيران، بصرف النظر عن نظام الحكم فيها، ملكياً كان أم جمهورياً، علمانياً كان أم إسلامياً، ذلك للصورة الحاضرة في الأذهان والماثلة للعيان: البلد الشيعي الأكبر في العالم، والوحيد (قبل تحرير العراق) الذي يحكمه شيعة، يمارس فيه الشيعي شعائره الدينية، ويظهر معتقداته دون خوف ولا تقية. هذه حقيقة واضحة وجلية… ولكن الحقيقة الأُخرى التي على المسؤولين في إيران أن يعوها ويدركوها، هي أن الشيعة يحبون التشيع أكثر من حبهم لإيران، يحبون دينهم أكثر من هذا أو ذاك العنوان، إنهم يحبون أهل البيت ويوالونهم أكثر من أي شيء في الدنيا، ولا يسمحون لشيء أو كائن أن ينافسه وينازعه على قلوبهم.

  • من شفق عاشوراء وبلَجِ فجرٍ شقَّ الدجى وأزاح الظلام، سوف أستل الخيوط البيض، تلوح في أفق مكفهر، مزيج كآبة وترح، مع كمد وحنق وغضب، تنتشر بإبطاء وعناء، كأنها تنهض مثقلة من ألم وداء، ولما تتماثل للشفاء، تنازع لتنفصل عن سواد ليل غمرها وأغرقها في أحزان السماء على هول كربلاء… سوف أنسج أكفاني، وأدرج نفسي مقبلاً نحو فنائي في ذات محبوبي، وخلاصي من قيد أهوائي وأغلال ذنوبي. هذا فجر عاشوراء يبدد ظلمة الذلة والخنوع، ويقشع أغشية الجهل والظنون، ويرتسم جلياً في أفق الأحرار، وفي متناول أيدي البصراء ومدى أنظار العرفاء، مهما تواضعت سطوحهم وتدنت درجاتهم، ولكنها تعمى القلوب التي في الصدور.

    ومن حمرة الشمس، تسطع بقهر وشموخ، تضرب الأفق وتصبغ السماء، أستمد محبرتي وأعدّ مدادي، وأكتب بدمي القاني أنشودة عزائي، وأخط عريضة عتقي، وأنقش صحيفة ولائي… أحمل اليراع بيد لزمت قبضتها قامتي (سيفي)، منتصباً بعزة وإباء، أبقاني في شرف هويتي وصدق ما عاهدت الله عليه: محمدي علوي حسيني مهدوي، لم أنقلب على عقبي ولم أبدل تبديلاً.

    باليد التي شقت جيبي ولطمت صدري جزعاً، سأقبض على قضبان سجن نفسي، فأخلعها أو أحنيها وأثنيها، فأصنع فرجة تخرج منها روحي وتتحرر، تنطلق وتتقدم… فإذا ارتقت وسمت، ودنت من قاب قوسيها (لا قوسيّ ساداتها)، قرع السمع نداء: طوبى للمحلقين… فأتمم طقس عاشوراء، وأتهيأ لأرقى الجزع وذروة العزاء: الإدماء!

    أفرغ من صلاتي وانفتل من محرابي، أعكف إلى روضة عشقي ومذبح قرباني، لأستلم في الحسينية الركن منها والمقام، وأطوف أشواط الولاء وأيمم شطر كربلاء… أجلس باستواء، أدعو وأترنم بزيارة عاشوراء، ثم أرفع قامتي لأطبع عليها قبلة الشكر والامتنان، وأختم آيات الوفاء والعرفان، ثم ألحق بجموع العاشقين، وألج ساحة الجهاد الأكبر: تحرير النفس وانتشالها من رين الدنيا وغلبة الأهواء.

    أهوي بقامتي على رأسي فأقتل الأنا وأصرع زيف المنى، أريق دمي لتتحرر روحي، أضرب بسيفي لأتخلص من أهواء نفسي وتسويلات شيطاني…

    قد أكون في ظاهر فعلي دموياً وعنيفاً، ولكني لست أشراً ولا بطراً، لا أسفك دماً حراماً، ولا أبتلى بقتل نفس محترمة، أو أتسبب في حبس بريء، لا أتاجر بالجهاد (الأصغر) ثم أعقد الصفقات، لا أدخل في معارضة ثم أندسُّ في صفوف الحكومات، سأبقى حلس داري، أنتظر إمامي لأشهر سيفي وأجرد قناتي، لا أبالي أن أوسم بالقعود وأنا على بينة من أمري وبصيرة من ديني، لن أنخرط في أحزاب تتجر بالولاية وأنا في حزب الله على اليقين، ولن أهتف تحت رايات ضلال وانحراف، وأنا أطفر من جزع تحت راية الحسين الحمراء! لن أكون قنطرة لأباطرة المال الفاسدين، ولا جسراً لقياصرة السلطة المستبدين، ولا أسطوانة يبني عليها الضلال عروشهم باسم المذهب والدين… لن أخرج من الجنة محاباة لخدين، ولن أدخل النار نيابة عن قرين، ولن أصبح بوقاً لقائد مسكون بالعقد، ولا جندياً في جيش يستأكل بالمذهب، ولا ورقة يلقيها سياسي على مائدة قماره أو يناور بها في جبهات صراعه.

    ستبزغ شمس الغد عن هامات فلقتها قامات، وأكفان مضرجة صبغتها دماء، وأنفس راضية مطمئنة، تحررت من لوث الماديات، وتخلصت من قيود الهوى وحطام الدنيا، وانطلقت للقاء سادتها بأشرف هوية وقد تسنمت أعلى وسام… وفي الجبهة الأخرى: مغبونون وظفهم الرجيم، فتركوا موبقات الأرض كلها ولاحقوا شعائر عزاء الحسين! أصغَوا لوساوس الشياطين وعملوا بإملاءات الأباليس، وأغفلوا صرخات فجعة السماء، فخرجوا من صفوف الشيعة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. 

  • في جلسة خاصة جمعتني بأحد أقطاب المسيحية، أُسقف يتسنم أعلى الرتب الكهنوتية، ضليع في اللاهوت، متخصص في الأديان، أمتنع عن ذكر اسمه لأن شرط الجلسة واللقاء كان عرض الخواطر وتبادل خلجات النفس وهموم الدين، بعيداً عن السجال والاحتجاج وتسجيل النقاط، ما يقتضي الكتمان وعدم الإذاعة والإعلان… أسرَّ لي أنه في عجب وإعجاب، وحيرة وذهول من أمرين في الإسلام، الأول عام، يشمل جميع المسلمين، هو صيام الصغار، ولا سيما في مواسم الصيف ومع امتداد النهار. أما الثاني، الذي يختص به الشيعة، فهو البكاء، والمبادرة إلى إسبال الدموع وسكب العبرات، ثم مراتب الحزن المتقدمة والمتعالية من صيحة وتفجع ولطم وجزع! كان يقول: هذا هو الأعظم عندي… إننا نستميت فلا نستدر من الأعين دمعة، ونتهالك فلا نستقطر عبرة، وذلك في الجمعة العظيمة، (السوداء الحزينة، التي يعتقدون أن المسيح صلب فيها، يعقبها أحد القيامة)، نعبئ كل طاقاتنا فلا نطيق ولا نبلغ أكثر من رسم مسحة كآبة على الوجوه، فإن دمعت عين من بين الجموع، عددنا ذلك نجاحاً وسجلناه فتحاً! وأنتم ما إن يذكر اسم الحسين، قبل إنشاد الأشعار وتلاوة المراثي، حتى يجهش الحضور بالبكاء، الذي يبلغ النشيج والإعوال بيُسر وتلقائية دون كلفة وبلا مؤونة! حقاً إنها روحية تحسدون عليها، حالة لا نظير لها في سائر الأديان والمذاهب، وأنا متتبع وملاحق وراصد لهذا الأمر!

    الحق إنها ثروة عظيمة وكنز إلهي ثمين، وهبة ومنَّة وفضل يؤتيه الله من يشاء، يعرفه كل من يتمتع بالروحانية، ويحمل همَّ تهذيب النفس، ويسعى إلى تكميلها والسمو بها، ولو كان يملك مجرد إطلالة على عالم السير والسلوك لعرف خطر الأمر ومعناه… هؤلاء يعرفون ويثمنون قيمة البكاء، ويستبشرون بإراقة الدمع، ويرون أن الانفعال الروحي يصل ذروته، والتوازن النفسي يبلغ أدق مراتبه عند البكاء، وما تفيض الدمعة إلا عن جوىً وحرقة عشق وغلبة لوعة، وهذه غنيمة وعلامة، يقفون عند بواعثها ومداليلها، من رقة القلب وسلامة الروح وتمكُّن الحق من النفس، وغلبة الخير، واندحار الغلظة والجلافة، وهزيمة القسوة، ونفي الوقاحة، وكل ما يستولي على قلب الصلف النطف والصدر الشنف، وفي المجموع: اندحار الماديات أمام المعنويات، وغلبة القيم والمثل والمبادئ، على الشهوات، وغايتها النشوة والسعادة، ما يعيد ـ في النفس ـ قراءتها وفهمها وتعريفها، إلى وَضعها في إطارها الصحيح، وإدراجها في التصنيف الأصيل، لا المنخدع بزبرج الدنيا، المنغمس في لذاتها، المحروم من الالتذاذ بالمعنويات والسعادة بالروحانيات؟

    إنها ثروة اختص الله بها الشيعة دون غيرهم، كنز لا تجد درره وجواهره إلا هنا، جُل في شرق الأرض وغربها، تفحَّص الملل والنحل، قلِّب الأديان السماوية وغير السماوية، حقق في المدارس والأفكار والنظريات، تجدهم يلتقون على صلاة تتفاوت كيفيتها، وصيام يختلف زمانه ونطاقه، وحج تتعدد قبلته… وقد تقف على محل للبكاء وموضع له في مناهجهم، ولربما تراه في ممارسة بعضهم وسلوك نخبة منهم، لكنك لن تجده شعيرة جماعية وسمة عامة إلا عند الشيعة! هنا باب جلاء القلوب ومنهل طهارة الأرواح، هنا نهر العشق الإلهي الذي يُعمَّد فيه المؤمنون في كل عام، وكل شهر ومناسبة، بل في كل يوم وساعة! هنا النجباء أتباع البكائين، الذين ما إن يطرق مسامعهم اسم أو ذكر وِتر الله في أرضه، ورُزء النبي في سبطه، ومصاب البتول في ولدها، حتى تفيض أعينهم مما عرفوا من الحق.

    وبعد كل هذا وذاك، ترى مؤمناً في دائرة التدين ونطاق الالتزام يغفل عن هذه الثروة، وإسلامياً يدعي التشيع والولاء يسعى لإتلاف هذا الكنز وتبديد هذا الإرث؟ كيف ينحدر ويهوي بعضهم إلى مصاف الماديين والنواصب؟ ويسقط في ذلك القرار الآسن ويقبع هناك، فلا يدرك قيمة الدمعة، بل يحارب البكاء ويكافح لصرف الموالين عن الاغتسال بهذا الماء القراح، والارتماس في هذا البحر الزلال؟ لست أدري!

    غالباً ما يداري الحداثويون الالتقاطيون خطتهم ويخفون أفكارهم وتوجهاتهم في أمر الشعائر الحسينية، لا يظهرونها جهاراً ولا يعلنونها صراحة، بل يتحايلون ويعملون بالتقية (التي يدينونها في خصومهم وهم يسجلونهم في القاعدين)، ويلجأون إلى تكتيكات تنحني للعاصفة، ومناورات تركب الموجة، وذلك حرصاً على إبقاء الناس وجذبهم (فالشيعي لا يطيق النيل من معتقداته، وينفر من الذين يحملون خطاب الوهابية ويكررون مقولاتها!)، وخوفاً على شعبيتهم، وحذراً أن ينفض الناس من حولهم، تراهم يلتفون ويناورون (كما قناة المعارف التي حجبت الحلقة التي تحدث فيها السيد صباح شبر عن شعيرة الإدماء والتطبير ولم تبثها)، ويدسون سمومهم في عسل يغفل عنه العوام…

    وهناك قلة منهم تجاهر وتعلن.

    سيد عبدالله الغريفي هو من هذه القلة، من الأكثر جرأة وتحدياً لعزاء سيد الشهداء، ولعل هذه المعرة والدنية التصقت به ونالته وتلبست به وغمرته، من حمق وخُرق يغلبه، أو من طول صحبة وملازمة لإمام الضلال وعنوان الإضلال الهالك محمد حسين فضل الله لا غفر الله له… فقد نُشر بالأمس خطاب لهذا التعس يتناول فيه العزاء الحسيني، لا في بعض مظاهره وأشكاله وتفريعاته وأنماطه، بل في أصله وأساسه وعمدته ومرتكزه، أي البكاء والرثاء، وهو من المشرع قولاً وفعلاً وتـقريراً، المنصوص المتفق على تأكيد استحبابه، والمتسالم على شعيريته، ومما لا يختلف فيه أحد، إلا جاحد مكابر، أو معاند جاهل.

    والغريب في الرجل أنه يقضي عامه كله في صمت مطبق، يجاري القبور ويغلب الأطلال، فإذا جاء المحرم ورأى المؤمنين ينشرون رايات العزاء (إذ هو في غطاء عما يجري في السماء ونشر قميص الحسين هناك)، أو حل الأربعين وزحفت جموع الزائرين، رفع عقيرته وقذف جوفه هذا الهراء. وقل إن شئت: سكت دهراً ونطق كفراً. أتراه عِرق يجري من النفاق، ونزعة تغلب من الشيطان، تستحوذ هنا ويضرب هناك؟ لست أدري! هل هي أوامر وإملاءات حزبية لا يملك إلا تنفيذها؟ لا يمكنني أن أجزم… لم تستفزه حالة شعبه، ولا استنهضته مآسي بلده، ولا أقض مضجعه مئات الذين ضاقت بهم السجون، وآلاف العاطلين عن العمل، وكلهم حصائد غرسه وجني زرعه، وجلهم أتباع قيادته ومستلهمي فكره، هو الذي شحنهم وألَّبهم وحرضهم، فلما اصطلمتهم البلية، لم يسعفهم بأقل نجدة، بل حرمهم وأمر بحرمانهم، وأوصد في وجوههم باب اللجأ، ومنع سبيل التوسل، وسدَّ كوَّة الخلاص، وأغلق نافذة النجاة! فبدل اغتنام محرم ومجالس أبي عبدالله للتوسل والدعاء لهم بالخلاص والفرج، وتوظيف الدمعة وانكسار القلب في جلب عطف سادتنا ودرِّ خيرهم علينا، تراه يخرج مكابراً قائلاً: “برزت في الآونة الأخيرة دعوة خطيرة جداً يتبناها خطباء المنبر ومسؤولو حسينيات تقول: إن موسم عاشوراء يجب أن يكرَّس للنعي والبكاء، وأن يقلل قدر الإمكان طرح المفاهيم والمواعظ، فالهدف الأساس لموسم عاشوراء هو إنتاج الحزن والدمعة… نرفض هذا الاتجاه بقوة ونحذر منه، كونه يصادر أهداف عاشوراء، ويعطل دور المنبر في بناء الأجيال العاشورائية الواعية”… هكذا تمخض الجمل فولد فأراً! بالله أين عسى المرء أن يتوجه إذا نزلت به البلايا وحلَّت النكبات وأحدقت الهزيمة؟ إلى مَن يلجأ إذا استنفذ وُسعه وأعيت حيلته وظهر عجزه؟ هل من سلاح غير الدعاء؟ هل من سبيل غير التوسل؟ هل من باب غير التشفع بأولياء الله؟ ثم هل من طاعة وتقدمة وشفيع أعظم من الدمعة والبكاء على الحسين؟

    هذه هي الجبهة الحقيقة التي يهدفون، والغرض الأصلي الذي يرمون، والغاية النهائية التي يلاحقون! وهم لا يتجرأون على طرحها، فيتناولون التطبير والشبيه، ويثيرون الشبهة على الدمام والإطعام، لكن الحقيقة التي يجبنون عنها، هي ما نطق به الغريفي وكشفها بسذاجته وخُرقه، وكان قد طرحها فضل الله من قبلُ وأعلنها بوقاحته وتهوره (معتمداً على رهان استُدرج إليه، ثم بان له كم غُرر به، ولات حين مندم!): أصل الشعائر وإقامة المآتم. يريدون أن يجعلوا الحسينيات أشبه بحلقاتهم الحزبية: محاضرات ودروس تنظيمية، وتلقين مفاهيم وأفكار التقاطية، وتناول شؤون وأخبار سياسية… لا نوح ولا بكاء، ناهيك بجزع وإدماء. 

    لعمري، لماذا لا يحترم هؤلاء إرادة الناس، ويستخفون بقناعاتهم؟ وهم ـ في المفترض ـ دعاة وَعي وتعقّل وتنوير، وحملة راية حرية وديمقراطية وتعددية؟!

    إن ما يربط السواد الأعظم من الناس بالحسين هو الحب (العاطفة)، والحاجة (يتطلعون إليه كشفيع ووسيلة تقضى به الحاجات وتتحقق النذور)، وهذا باب يُدخل الملايين سنوياً في الالتزام، وينقلهم إلى التعمق في الدين والبصيرة في أحكامه ومعارفه… والمسيرة المشهودة خير دليل، والخط التصاعدي للحالة الدينية في الأمة يثبت هذه الدعوى، ولا أظن سمجاً سيدعي أن هذا من نتاج الأحزاب وعطائها أو الزعماء وجهودهم! فلهؤلاء الصور والملصقات، والسرقة والفساد، والرئاسة والإثراء.

    وفي أحسن الفروض وعلى خير المحامل: إنهم كطبيب أو أخصائي تغذية يحاضر في أهمية وَجبة الصباح، وكيف أنها مسمار البدن، ويسهب في بيان خطرها ودورها في رفد الجسم بالطاقة وإعانته على العمل والإنتاج… ثم يختار شهر رمضان لطرح فكرته هذه! أو كمن لفته إقبال الناس على أداء زكاة الفطرة والتزامهم بها دون الخمس وباقي الحقوق المالية، فنادى برفع مقدارها وزيادة مبلغها! لا يدري أنه لو فعل، لما التزم الناس، وأن السر في هذا المقدار الضئيل هو رحمة الله التي تريد للمؤمنين تطهير أموالهم وقبول صيامهم وتأمين سلامتهم حتى قابل..، هكذا الشعائر وكربلاء، عاطفة وبكاء، تجتذب جميع الشرائح وكافة الطبقات، الملتزم وغير الملتزم، العالم وغير العالم، الغني والفقير، والكبير والصغير. فإذا أراد أحد المس بهذا الأساس والنيل من هذا العمود، سقط البنيان من رأسه وتقوض سقفه على سكنته!

    إن أمامكم العام بطوله وعرضه، ولكم السنة من أولها إلى آخرها، لماذا لا تجمعون الناس وتثقفونهم بالمفاهيم التي تريدون، وتتركونهم في هذه العشرة يجلون قلوبهم ويبكون ويطهرون أرواحهم ويتزكون؟ لماذا عجزت المراكز والجمعيات والصروح التي شيِّدت لتنافس الحسينيات، عن اجتذاب الناس وحشد هذه الأعداد؟ لماذا تتطفلون على محافل تسِمونها بالتخلف والرجعية، نذرتهم أنفسكم لمحاربتها وتقويضها؟

    ثم بالله يا أيها الدعاة، ماذا يشين الدمعة وماذا يعيب البكاء؟ حتى يجلس أحدكم يسمع إنشاداً يبكي الجماد، وهو جامد كنصب أبي الهول، لا يبكي ولا يتباكى، ولا ينكس رأسه، وكأنه عار يأبى ركوبه! ما لكم كيف تحكمون! من قال لكم إن الدين هو السياسة التي تمارسون؟ أكاد أجزم أن هؤلاء المستغرقون في “وَهم” الحركية والجهاد، لا يعرفون شيئاً عن الجهاد الأكبر وغرباء عن تهذيب النفس! بل لا معرفة لهم بالقرآن وسير الأنبياء! ترى ما هو النشاط السياسي والفعالية الاجتماعية التي كان يمارسها يحيى بن زكريا (الذي كثيراً ما يقرن ذكره بسيد الشهداء عليه السلام)، وما هو العطاء الذي قدمه هذا النبي العظيم لأمته وللبشرية جمعاء؟! ماذا كان يفعل وما هي سيرته؟ حتى بلغ من تحنن الله عليه أنه إذا قال: يا رب! ناداه الله عز وجل: لبيك يا يحيى! كما في الكافي الشريف في معنى وحناناً من لدنا وزكاة؟

    إنني أدعو إلى البحث والتحري والتحقيق، في سيرة يحيى عليه السلام، فمن وجد شيئاً من النشاط السياسي والاجتماعي الذي تنادي به الأحزاب فليدلّني عليه ويرشدني إليه، فأستدرك وأتراجع. ولا تنقض دعواي بشاهد وتر، فهذا لا يقارن بالكمِّ الهائل الذي تزخر به الأحاديث الشريفة، ومن قبلها القرآن الكريم، حول سيرة نبي الله يحيى.

    في حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن يحيى بن زكريا أتى إلى أمه فقال يا أماه انسجي لي مدرعة من شعر وبرنساً من صوف حتى آتي بيت المقدس فأعبد الله مع الأحبار والرهبان. فقالت له أمه حتى يأذن نبي الله. فقال زكريا يا بني ما يدعوك إلى هذا وإنما أنت صبي صغير فقال له يا أبت أما رأيت من هو أصغر سناً مني قد ذاق الموت؟ قال بلى. استجابت له أمه، فتدرع المدرعة على بدنه ووضع البرنس على رأسه ثم أتى بيت المقدس فأقبل يعبد الله عز وجل مع الأحبار حتى أكلت مدرعة الشعر لحمه، وبكى حتى أكلت الدموع لحم خديه وبدا للناظرين أضراسه! فاتخذت له أمه قطعتي لبود يوريان أضراسه وتنشفان دموعه. وكان زكريا عليه السلام إذا أراد أن يعظ بني إسرائيل يلتفت يمينا وشمالاً، فإن رأى يحيى لم يذكر جنة ولا ناراً.

    هذه سيرة نبي عظيم، مدحه القرآن وأثنى عليه كما في حديث الرضا عليه السلام: إن أوحش ما يكون هذا الخلق في ثلاثة مواطن يوم يولد فيخرج من بطن أمه فيرى الدنيا، ويوم يموت فيعاين الآخرة وأهلها، ويوم يبعث فيرى أحكاماً لم يرها في دار الدنيا، وقد سلم الله يحيى عليه السلام في هذه الثلاثة المواطن وآمن روعته فقال: سلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً، وقد سلم عيسى بن مريم على نفسه في هذه الثلاثة المواطن فقال: والسلام عليَّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً.

    هذا عطاء البكاء والدمعة، وهذه سيرة الأنبياء (ما دام القوم يستهجنون التركيز على الأئمة)، وهذا بيان القرآن (ما داموا يرفعون شعار: كونوا قرآنيين لا محدثين)… فعلى ماذا يستندون؟! هل هم أحرص على الدين من الأنبياء والأئمة؟ هل هم أقدر على فهم الإسلام وسبر غوره واستنباط مفاهيمه وأفكاره من الفقهاء والعلماء المنقطعين إلى البحث والدراسة، المكبين على التربية والتزكية؟

    ومن نافلة القول إننا لا نريد نفي قيمة المفاهيم الدينية والفكر الإسلامي، وضرورة تحين فرص تعليم الشباب وتثقيفم، ولكن لكل مقام مقال ولكل مناسبة خطاب، وهذا موسم عزاء، تنشر فيه السماء رايات الحزن وتعقد الملائكة والأنبياء والأئمة المآتم، ونحن نأتم بهم ونجاريهم، فإذا فرغنا من هذا الواجب، عمدنا إلى غيره في سائر أيام العام.

    وبعد، فنحن نعرف عدونا جيداً، نعرف من يحاول استدراج الساحة إلى الفتنة، نعرف من يحرك ويثير الأجواء ويكرر الرسائل السابقة ضد الشعائر الحسينية، نعرف فضل الله الضال المضل وتياره المريض الذي يقتات على الالتصاق والتطفل، ويحاول استدراج وإقحام مَن انشغل عنا هذا العام، ونعرف مساعيه في جر الساحة وإلهائها عن واجبها الأصلي: العزاء!

    ونصيحتنا: لا تقربوا هذه الشجرة، ولا تصغوا إلى شياطينكم، فتبدوا سوءاتكم وتنكشف عوراتكم وليس ثمة ورق تخصفونه عليها، فأنتم مطرودون من جنة الولاء، منغمسون في هذه الدنيا الدنية، منشغلون بالاتجار والصفقات.. اتركونا نمضي إلى ما خلقنا له، دعوا الدين لأهله، وانصرفوا أنتم لشأنكم، وعلى الغانيات جر الذيول.

    “أفمن يشرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله، أولئك في ضلال مبين”.

  • ليست كربلاء كغيرها، هذا ما تشعر به إذا دخلتها وبدأت تعيشها: تستنطق معالمها وتحاكي فضاءها… قد تعيش رضا الطاعة وفرحة التوفيق إلى الزيارة، وأنس اللقاء ولذة الجوار، لكنها لذة تكدرها مرارة، وأُنس يشوبه ضيق وهمٌّ، وفرحة يحيط بها حزن وترح، ورضا يعتريه توثب ويكتنفه اضطراب.. وأنت تجهل العلة، وتنكرها في شيء من أسباب عيشك وتوالي أحداث نهارك!

    لا سكون هنا ولا استقرار، ثمة ما يهيج ويقلق، ويورثك حزازة وكمداً… وقل إن شئت كرباً.

    هنا تدرك وُجداناً وتعلم يقيناً بأن “الأمر” لم يتم ولم ينقضِ، والإضبارة لم تغلق ولم تنتهِ، والملف لم يطوَ بعدُ… ما زال مفتوحاً يفيض، ومعلَّقاً ينتظر ويرتقب، ومنشوراً يُـقرأ ويتلى ليلاً ونهاراً، ويردَّد ويذكر على مدى الأيام ومدار العام، لا يوفر حتى الأعراس والأعياد والأفراح ناهيك بمناسبات وفواتح الترحم على الأموات! فإذا فرغ قرّاء ونادبون قام آخرون، وعقدوا المجالس وتلوا السيرة وسردوا القصة وعدّدوا الجناية والظلامة وعرضوا لائحة الاتهام وأحصوا أسماء الجناة، وأنشدوا ورثوا، وانتزعوا الدمعة والزفرة والصرخة، فأي عيش بعد هذا يطيب، وأي صفو ترجو وتروم؟ وقد صارت الحياة مناحة وانقلبت الدنيا صيحة، سرت إلى باقي العوالم، جان وملائك، وسكان سماوات وملكوت، وعرش بعد فرش، أم هي سبقت عندهم وجاءتنا من هناك؟ لست أدري!

    هنا وِتر في نفسه، فرد في قضيته، أوْحدي لا ثاني له، لا نظير ولا مثيل.. وهنا ذحل وثأر لم يُأخذ، وتِرة معلَّقة، وهي من الرفعة والسمو والذروة ما جعلها “وِتر الله وثأره”، لا “دم” قريش ولا وتر بني هاشم… جريمة ومصرع، وراية حمراء مرفوعة، وأجواء تهيمن على الشجر والحجر، والهواء والماء، فإذا هبت ريح انتشرت الراية وخفقت، فأرسل نشرها في الفضاء سحراً وعمَّم طاقة وثقلاً، ينفي المسرات ويطرد الأفراح، فلا يلتذ أحدٌ بشيء، لا دهن ولا طيب، لا شواء ولا طعام!

    ليس هذا مرقداً ومزاراً! ليست هذه البقعة المقدسة والعتبة العالية مثل نظيراتها في بغداد وسامراء وخراسان، ولا حتى في المدينة المنورة والغري الأغر! على الرغم من هامة عرشية فلقت في محرابها، وجنازة ملكوتية شكت أكفانها بالسهام، وأكباد تقطعت من مرارة السم، وجثمان مكبل بالقيود وهو في نعشه على أكتاف حمالين يريدون له الهوان…

    هنا شيء آخر.. ما كأن الأمر تمَّ وانقضى، والحسين قتل واستشهد! وإن نادى المنادي: هذا ضريحه ومشهده؟!

    ما زال الأمر مُرجأً مؤجلاً… الحسين حيٌّ، ما زالت عروقه تنبض وجوارحه تتحرك، وإن كانت جروحه لا تنزف حذر أن تتلقى الأرض الدماء فتقوم قيامتها، حتى رفع ما أريق وعرج ما انسكب ليسكن الخلد، وقد اقشعرت له أظلة العرش مع أظلة الخلائق، وبكته السماء والجنان وسكانها، وكيف لسكان الجنان الذين أذهب الله عنهم الحزَن أن يبكون؟ هذا أيضاً مرجئ فهمه! ومع كل خفقة تسمع وَجيباً تخاله سيُهمد إن تكرر ثانية الوجود، وينهي إن عاود الحياة، من لوعة المصاب وغصَّة الاكتئاب، فيحتجب عن سمعك وتُصمُّ عنه أُذنك، لتمضي وتعيش إلى حين أجلك! ولكن ما زالت أنفاس الذبيح تتصاعد، وأنت تشعر بها مع كل شهقة، كأنها تخلي الفضاء من الهواء وتكتم أنفاس الخلق هنا، وتملأ صدورهم ضيقاً! فإذا زفر بالصعداء، تنفسوا معه وعادت إليهم أرواحهم الحبيسة في اللوعة والمليئة بالحسرة…

    إنه حيٌّ لا عند ربه كما الشهداء، وهو سيدهم، بل هنا، على هذه العرَصات وفي هذه الأنحاء، كأنه لم ينتقل إلى برزخ ولم يهاجر إلى آخرة، ولم يعرج كما المسيح إلى سماء، بل بقى بين ظهرانينا، يتحمل آلامنا، ويتولى هدايتنا، ويبث في قلوب شيعته ومحبيه الحياة، ويضخ في أرواحهم إكسير الحق والمعرفة، ويعلمهم ويشرع لهم سبل وأبواب الخلود، فيتلقونه ويتشربونه، فيبكون ويلطمون ويجزعون.. هكذا يلتقون ويتَّصلون به وبجوهر قضيته، ويستلُّون من فاضل طينته ما يربطهم بسنخه وطبيعته، بالشرف والطهر، كل الطهر والشرف…

    يغيب الأمر ويتراجع حضور المشهد في انشغالات السفر ولوازم الحِلِّ والترحال، فتنصرف لشأنك شيئاً، ولكنه لا يلبث أن يعود مع كل سكنة وهدأة! وكل تشرّف وزيارة، وأنت تتلو: “أشهد أنك قتلت ولم تمت، بل برجاء حياتك حييت قلوب شيعتك، وأشهد أن هذه التربة تربتك وهذا الحرم حرمك، وهذا المصرع مصرعك”… وأمثال هذه النصوص النورانية التي تسطر ملحمة النزاع بين خلود المخلوق الكامل وامتناع الموت عليه، مع موت مقدر في هذه النشأة وخضوع لخالق يفعل ما يشاء، والخلط الذي قد يأخذك إلى الغلو، ويحرمك من ورود رويِّ هذه العين والنهل من عذْب هذا المشرب. فإذا تلوت زيارة عاشوراء، وقفت على بيان عسكري صاعق، فقرات تكاد تكون منفصلة، يتلوها خطاب ملؤه غضب الله وسخطه، وفجعة العرش وهلع سكان الملكوت الأعلى، ولحن يحكي نتائج معركة، وتقرير يدرج الحدث في موقعه التاريخي الصحيح، ممهوراً بخاتم تكويني وعهد قاهر رباني، يأبى أن يقع في عاشوراء وذكراها تحريف وتزييف، مهما كاد الباطل وناصب جهده!

    كل شيء هنا يحدثك ويخبرك بأن الخطب ما زال فظيعاً والحدث صاعقاً والهول قائماً…

    حق لجند إبليس وجبهة الطاغوت خوفهم وحذرهم! حق في قاموس البغي والطغيان أن يحزوا رأس الحسين ويفصلوه عن بدنه! ويقطعوه أوصالاً، ويجيلوا عليه خيلهم حتى تطحن جناجن صدره، فلا تبقي منه شيئاً، ولعلهم عمدوا إلى حرق المخيم لتطاله النيران، فيحال رماداً تذروه الرياح، فلا يعود في شخصه ويرجع في جسمه! كانوا يعرفون أنه لا يموت، وأن الروح إليه ستعود، وستبقى ماثلة شاهدة، تصبغ المحيط بلونها القاني الأليم والأسود الحزين، فكانت الحيلة التالية أن يمنعوا الناس من القدوم هنا، حتى لا يعيشوا هذا الفضاء، وتسري إليهم هذه الأجواء، وتلتقي أرواحهم وتصافح أرواح الأنبياء.

    هنا في كربلاء تشعر أن أمراً معلقاً ما زال ينتظر الانقضاء، ينوء بثقله على كل صدر، ويجثم على كل نفس، مزيج حزن وكآبة، وغضب يهيج للثأر والانتقام مع خلَفه المهدي المنتظر، ونار تستعر، تأخذك إلى ما خلقت لأجله وانحدرت نجيباً لتطاله وتناله، وعفّت أمك وشرف أبوك ليخلفانك، فتكون: ممن يزور كربلاء، ويقيم العزاء على سيد الشهداء…

  • كثيراً ما تعمد أجهزة المخابرات (وكذا الأحزاب الإسلامية) إلى وَاجهات تتستر خلفها، ولافتات تختفي وَراءها، تداري قبحاً طالما عرفت به، أو تَنفّر الناس وتحسّسهم، بل خوفهم منها، تنشئ بذلك النطاق الذي تحتاجه لحركتها، وتخلق الميدان الذي يلزم لفعلها ونشاطها، فتنفذ في الساحة عبر هذه الواجهات وتتوغل في المجتمع من خلال: مراكز دراسات، لجان بحوث وعمل، وحدات متابعة وإحصاء، مؤسسات إعلامية، جمعيات ثقافية، منظمات حقوقية وإنسانية، ولربما مساجد وهيئات!

    “مركز الإسلام الأصيل” هو إحدى هذه الواجهات.. هذه هي حقيقة هذا المركز وخلفيته.

    والعمل “الحركي” الإسلامي كان وما زال ويبدو أنه سيبقى على ضربين: فاعل ولاعب.

    الأول ينخرط في الجهاد والنضال، يحمل السلاح ويأخذ بأسباب التأثير العملي، وعناصر التطويع الفعلي، وعوامل التغيير الحقيقي، كالعنف والقوة، رداً ودفعاً، يقحم ساحات المقاومة وينبري للمواجهة، يخوض المعارك ويشهد الحروب، فيصاب ويجرح وتنزل به العاهة والإعاقة، وقد يستشهد، أو يُأسر فيعدم، أو يعتقل ويعذَّب فيُحكم ويُسجن، وقد يشرَّد عن الوطن ويقصى عن الأهل والولد، نفياً وإبعاداً، أو هجرة تلتمس في الأرض مراغَماً وسَعة.

    والثاني (اللاعب السياسي) ينقسم بدوره إلى معلِن متجاهر، وآخر مخابراتي متستر، وهذا الأخير ذو تشعبات وفروع كثيرة، أخسها وأرذلها الجناح الجاسوسي في الساحة الإيمانية! فئة ينتخب لها الدون الخسيس، ولا يلتحق بها إلا الرذل اللئيم، توكل إليهم مهام يأنف منها المؤمن، ويترفع الإنسان السوي عنها، ناهيك بالماجد الشريف والنجيب العفيف.. فئة شغلها الشاغل التجسس على الناس، رصد وملاحقة آرائهم، ومراقبة مواقفهم، وإحصاء حركاتهم، وإذا امتد النفوذ وبسطت اليد يوماً أو في مكان، فتمكن “الإسلاميون”: بثوا ـ عبر هؤلاء ـ الرعب في النفوس ومارسوا الإرهاب الفكري، وعمدوا إلى التزييف والتدليس في سبيل تلميع قادتهم ورفع رموزهم وتسويق شخصياتهم، وهيمنة فكرهم وتمرير مقولاتهم، وقمع معارضيهم.

    ومما يوكل إليهم فيؤدونه بمهارة ويضطلعون به بتفوق وامتياز: خلق الفتن في الساحة الإيمانية، وبث الدسائس وإثارة النعرات وتأجيج الخلافات وخلق المعارك وإحداث الجبهات، كل ذلك بما يخدم مصالح الحزب ومشروعه، فإذا اقتضت يوماً الصلح والوئام والهدوء والانسجام، رأيت تلك الذئاب الضارية حمائم سلام! إنه دور”وضيع” ومهمة “قذرة”، هكذا تصنـف في نطاق المؤمنين، ويشار إلى الناهضين بها والقائمين عليها في أوساطهم، فالمؤمنون يكنون احتراماً للمناضلين ويحملون تعاطفاً مع المجاهدين، ذلك أن الشجاعة والبذل والتضحية قيمٌ وكمالات تفرض نفسها على أية حال، وَافقك من يتَّصف ويتمتع بها في الفكر والرأي أم خالفك، فهو يفرض احترامه عليك وينتزع تقديرك له. فأنت تميز ـ على سبيل المثال ـ بين يساري ثائر كـ”جيفارا”، ترك الدنيا (وكانت مبذولة له وفي متناوله) وعاش في الأدغال حاملاً سلاحه، وبين”منظِّر” قابع في مكتبه يتنطَّع ويتفلسف بالهراء، مثل ذاك “الثوري المتخم بالصدف البحري ببيروت، تكرَّش حتى عاد بلا رقبة”، كما يقول مظفر النواب.

    “مركز الإسلام الأصيل” (له أفرع في مختلف بلاد الشيعة ولا سيما دول الخليج)، هو واجهة مخابراتية من النوع الثاني، الجاسوسي القذر.. لم يحمل مديره في عمره بندقية ولم يطلق رصاصة (ودع عنك الاستعراض والتقاط الصور الدعائية)، لم ير معتقلاً وسجناً ولا عرف وتعذيباً ولا قاسى حرماناً، لم يلاحق في حياته بمذكرة توقيف ولا كان مطلوباً لحكومة ولا طارده عدو.

    فـرَّ من الزحف مبكراً وإسرائيل تسرح في بلاده وتمرح، فلم يخض جهاداً ولا شهد مقاومة، وترك الميدان وأخلاه إلى ما يناسب طبعه في التسلق والتملق، وراح يستأكل بالثورة من قم، ويتَّجر بدعوى الجهاد من هناك، منعماً بالمال، آمن السرب هانيء البال. والغريب أنه استطاع أن يتلون ويتقلب، حتى تهرب، فلم يشارك في الحرب المفروضة ولا التحق بالمجاهدين العرب هناك، فلا بات ليلة في مهاجع معكسر الأهواز أو خنادق فيلق بدر، ولا عرف جبهة ولا قاتل في محور، لم تأكله البراغيث في هور الحمار، ولا أرعبته خنازيره المتوحشة، لا تقرفص من صقيع جبال كردستان ولا حذر دببته الغادرة.. وباختصار يلخص الحال، لم يتحمل الرجل في طريق “ذات الشوكة” المزعوم وَخزة، ولا بذل للثورة من دمه قطرة، لا صرف لها من ماله قرشاً، ولا تنغص من عيشه وأقض وَثير فراشه ليلة.. بل قضاها في رفاهية من العيش وَادعاً فاكهاً، منعماً براتب جزيل وإمكانيات المخابرات وصلاحيات العميل، وإغداق مكاتب المرجعيات المزيفة وكرمها من جيب غيرها، من بيت المال وخمس صاحب الزمان ولي أمر المسلمين. كل رصيد الرجل و”عطائه” الثوري ينحصر في كتابة تقارير عن الطلبة اللبنانيين والعرب، ورفعها للمخابرات الإيرانية، ثم مساومة الطلبة وإذلالهم ملوحاً بسلطته ونفوذه ومسموع كلمته! ولا أريد التعرض إلى خفايا شخصيته، وتناول الثغرة الغائرة والخاصرة الرخوة، تلك التي ركَّبت العُقد وعمقت الآفات الروحية والأمراض في نفسيته، وكيف وظفت المخابرات ذلك وسخرته لمشروع الفتنة ورفد الضلال، فالدور القذر يتطلب شخصاً من تلك السنخية والطبيعة، لا يقوى على رفع رأسه والنظر في عين خصمه!

    أما الحوزة والدراسة والفضيلة، فتكفي إجاباته في فضحه، وكشف درجته وسطحه.

    يطالعنا هذا “المركز”ومديره مع اقتراب عاشوراء وبدء موسوم العزاء في كل عام، بحملة منظمة ضد الشعائر الحسينية، عبر مختلف أدوات ووسائل الإعلام، ومادتها طائفة من الآراء والفتاوى، وقل إن شئت من التفاهات والافتراءات، فهي مقولات أجيب عنها ودفعت عشرات المرات وأشبعت بحثاً وقتلت نقضاً ودفعاً، وفتاوى هي أكاذيب ملفقة ودعاوى مفتراة على المراجع العظام، مجرد تهريج ومزايدة، وتملق ونفاق، على طريقة من يرمي سهامه وهو يقول:“اذكرني عند الأمير”.. وقد انتهى الأمر منذ أمد، بعد سجال الاحتجاجات وجولات المناقشات، إلى تعصب وعناد، وحتى لا نساهم معه في فتنته، نقول: إلى قناعات يعمل بها كل مكلف، كأية مسألة خلافية، سواء في الفتوى أو التطبيق، كما هو الحال في ثبوت هلال شوال، أو حكم ستر الوجه للمرأة، أو طهارة أهل الكتاب، وما إلى ذلك، فلماذا الإصرار على إعادة إذكاء النار؟ لماذا يعيد “المركز” إثارة القضية ويجدد إضرام النار الخامدة فيها وكأنه يلتذ بالصدام والمواجهة بين المؤمنين؟ وينتشي من إشغالهم ودفعهم إلى التخندق والتموضع ضد بعضهم؟ وفي أدنى الأمر وأقلِّه، صرفهم عن التفرغ لواجب العزاء إلى هذا النزاع!؟

    هل تراه يرجو حقاً لحملة إعلامية سمجة تخنَّث خطابها تملقاً لربها وممولها، وتضرع موقفها تذلُّلاً ونفاقاً لقائدها وموجهها، أن تصرف مؤمناً محباً لإمامه، ملأ العشق قلبه فصار في الغرام، وفاض به الولاء فبلغ الوجد والهيام، وأخذه الشوق إلى عنان السماء، في معراج تغبطه عليه الملائكة وسير ورقيٍّ تحسده الإنس والجن، يبلغ عناق ساق العرش، واحتضان أعمدة وأركان الفرش، ولثم أقدام سادته القوَّام والأشهاد هناك.. تصرفه وتثنيه عن الجزع والتطبير نزولاً عند هراء حقير، وكذب حبله قصير؟! ألا فأنشد مع المتنبي:

    قُبحاً لوَجهك يا زمانُ فإنه @ وَجهٌ له من كلّ قُبحٍ بُرْقُعُ

    نعم، هناك صغار وسذج وعوام يتراءى لهم السراب ماءً، ويحسبون كل لامع بارق ذهباً، وكل جعجعة طحناً.. يؤخذون بضجيج الإعلام، ويغرر بهم الوهج المصطنع والبريق الذي يخلع على بعض الأشخاص، والرنين الذي يقرن بأسمائهم، والأدوار الخطيرة التي توكلها المخابرات لهم، برعونة وعبث، كإجابة الاستفتاءات وبيان العقائد والأحكام للناس (غير مكترثين بالأخطاء الفاحشة التي تقع منهم، والخلط والخبط الذي يصدر عنهم، وجهالات تضحك الثكلى، آخرها ما نشره “المركز” حول مسألة ثبوت هلال ذي الحجة عند الخلاف بين ما يجري في السعودية وما يثبت عندنا، فقد أفتى الأرعن باسم السيد الخوئي برجوع الباقين على تقليده إلى غيره لمعالجة الأمر! والحال إن السيد الخوئي يفتي بعدم صحة الحج مع العلم بالخلاف!) ما يوحي أن لهم خطباً في العلم وشأناً في الثورة..

    ولكن هذا لا يخدع طلاب العلم في الحوزة ولا مَن عاش الثورة منذ بدايتها، وواكبها عن قرب وسبْق لا يجاريه فيه أحد من هؤلاء الأدعياء، ركَّاب الموجة بعد نهاية الثورة، وفضلاء الفضائيات والإعلام، لا التحصيل والالتزام.. هناك من يعرف الرجال ويميز الأشخاص، ويدرج كلاً في موقعه: في أية مرحلة علمية هو؟ هل يتناسب واقعه العلمي مع ادعائه والدور الذي انبرى له أو أوكل إليه؟ ثم ما هو موقعه في خارطة الثورة ومنظومة الثوريين: هل هو من “السابقين الأولين” ليكون من “المقربين”؟ متى التحق بالثورة وماذا قدم؟ أين كان قبل “الفتح” وأين صار بعده؟ ماذا فعل في سني الفقر والحصار، وزمن الحرب والجهاد؟ أم هو ابن الغنائم والمكاسب وبطل بعد انتهاء الحرب ودخول الجمهورية في الرخاء؟.. هذه أمور ومعايير في التقييم لا ينطلي تزييفها والعبث بها علينا ولا يخدعنا ضجيج الإعلام وصخبه عن الحقيقة.

    وبعد، فإن هذا المركز ومديره لا قيمة لهم ولا خطب، ذلك أن أمرهم خارج عن إرادتنا وفوق طاقتنا، تحركه مصالح عليا لدول وحكومات وأجهزة مخابرات، لا طاقة لنا بها ولا طائل من حربها… فإن هامش تكليفنا تجاهها ودورنا في مواجهتها محدود، ينحصر بعد تفنيد مقولاتها، في كشف وتعرية حالها، وبيان حقيقتها، فإن غلب سلطانها وطغت أموالها وقدراتها، فلا ضير ولا غضاضة، والدور بعد أداء التكليف ليد الغيب، هي التي ستجعل كيدهم في تضليل، وترد بأسهم عن عقيدة المؤمنين وحياض الدين، وترجعه في نحورهم، وتشغلهم عنا وعنه بأنفسهم.

    إنما الخطر الذي يتوجه إلى الشعائر الحسينية يأتي من مكان آخر!..

    فواعجباً! أن تشرع أبواب خدمة سيد الشهداء للقاصي والداني، للكبير والصغير، للعالم وغير العالم، للفقير والغني، وحتى لغير الملتزم كما هي للمتدين الملتزم.. ثم يحرمها المرء؟! ولا سيما بعد طور في الانخراط بها وعهد لا بأس به معها! ترى كم عساه أن يكون شقياً وتعساً حتى يحرم الدخول في هذي الرحاب؟ بل يخرج منها بعد أن دخلها يوماً واغترف من أنهارها وأكل من ثمارها وتفيأ بظلالها ما شاء الله؟.. كان فيها يخدم مولاه ثم انثنى يمدح سلطاناً أو يمجد عالماً أو ينصر جماعة وحزباً، أو جعل من نفسه محوراً وقطباً؟!

    إخوتي وسادتي الأماجد خدام سيد الشهداء: خطباء وكتاب ورواديد وشعراء، أصحاب مآتم ومواكب وهيئات، وكافة العاملين في هذا الحقل الإلهي والراعين هذا الغرس الملكوتي.. ليكن محورنا سيد الشهداء فقط، حسبنا الحسين، لا شعار ولا اسم ولا صورة ولا رسم إلا له وللكوكبة السماوية الملتحقة بركبه، إياكم والشيطان الذي يأتيكم من باب التسويل بأن: “صورة هذا العالم خدمة للشعائر”! و”إنما نمجد هذا الحزب لأنه يسعى في أهداف ثورة الحسين”، و”الالتفاف حول شخصي يقي الناس من الانجذاب لأرباب الضلال وأئمة الباطل”!.. دعونا ننسى أنفسنا، وننسى بذلك كل روافد الأنا أو مخرجاتها من حزب واسم ورمز وعنوان ولافتة تصرف الناظر والقارئ والحاضر والزائر والباكي واللاطم والجازع ـ ولو للحظة ـ عن مخدومه الأصلي وإمامه الحقيقي ومعشوقه الذي لا يقبل الشرك والقسمة، وإن قبلها بكرمه وفضله، فالغبن والغُرم علينا، والخسارة تطالنا نحن لا غيرنا.

    هذا ما يتهدد حسينياتنا وشعائرنا، أما حزب الدعوة وفضل الله ومركز الإسلام القصير، فخطابهم كفيل بسقوطهم، ونجابة المؤمنين رادع عن قبولهم، والأيام أثبتت هذه الحقيقة وبرهنتها بالوجدان.

  • في بداية التسعينيات من القرن الماضي، استغل محمد حسين فضل الله وفاة السيد الخميني (1989)، وانتقال السلطة إلى التيار الحداثي الذي احتضن حزب الدعوة وأعاد إليه الروح (فهو صنوه والنسخة العربية لفكر شريعتي على الرغم من التباين التنظيمي، كما كان الحال بين البعثيْن: السوري والعراقي)… فأثار عاصفة وأشعل فتنة في الأوساط الإيمانية ولا سيما الحوزوية، كان محورها: تشكيكه في ظلامة الزهراء والنيل من مقاماتها عليها السلام، وذلك على طريقته ونظريته في صدم الواقع، وقوامها أن يعمد إلى هتك أكبر المقدسات وأخطرها، ليهون الخطب بعد ذلك في حرمة: المرجعية، والعبث بأُسس الاستنباط، والفوضى والخلط في بناء المعارف الدينية.

    وقد انطلق الرجل الذي كان مسكوناً بهاجس تنفُّر الخميني من حزب الدعوة (لعلاقات وطيدة مريبة كانت تربطه بنظام الشاه)، ويعيش كابوس فتواه الشهيرة في قضية “أوشين” (1)! انطلق ليخوض في الفتنة بمنتهى الجرأة والانحلال، وراح في جسارة ووقاحة قلَّ لها النظير، أسقطت في يد شخص مثل السيد جعفر مرتضى الذي كان حتى ذلك الحين يميل إلى الكف عنه ومنع الصدام والمواجهة، يلتمس له الأعذار ويجهد في العثور على محامل خير، ودفعته إلى موقف معاكس شديد، قدَّم فيه دينه على دنياه، ونصرة مذهبه على عصبيات الانتماءات الحزبية والوطنية، والوظيفة الشرعية على المجاملات والعلاقات الشخصية، فالتحق بركب الحق واصطف في جبهة الأصالة، وصار من أبرز الذين عرَّوا فضل الله وكشفوا ضلاله وانحرافه بعد ضحالته وخوائه.

    كان فضل الله يحسب أن الميدان قد خلا له، وأن المذهب بلا راع والعقيدة بلا محام، وأن السلطة والمال ستكفيه ردود الأفعال، وقد ركن إلى قدرته في شق الطريق، والتقدم نحو أهداف طالما خامرت “المشروع” منذ الخمسينات، بداية الانشقاق عن حركة الإخوان المسلمين وتأسيس حزب الدعوة.

    وفي قراءة يتبناها بعض أنصاره اليوم، الذين يستشعرون الغبن والغدر والخيانة، شكَّل الرجل في مدرسة الحداثوية الشيعية رقماً استهلاكيا، لعب دور العنصر الانتحاري الذي استُدرج وغُرر به، وأُرسل ليفجر حقول الألغام ويقحم القلعة بهدم جدرانها وتسلق أسوارها لا بالمكر والحيلة التي كان دأبه عليها! موعوداً بدعم شامل ومساندة عامة، لم يتحقق منها شيء، فقد صار الحداثويون يلوذ بعضهم ببعض، وأخذوا يتنكرون له ويتبرؤون منه، ذلك لما رأوا موقف الحوزة العلمية والمرجعية العليا الصارم والشديد، ولعله المفاجئ للكثيرين الذين تعودوا منها وراهنوا على مقولة “الباطل يموت بتركه”، وكانت قم هي المحور في ذلك الحين، والنجف المثخنة المثقلة، تنفض الغبار وتضمد الجراح، ولم تنهض بعد من حصار وحرب بعثية دامت نصف قرن ونيف!.. وكان بطل الساحة وقائد حملة الدفاع هو الميرزا جواد التبريزي والشيخ الوحيد الخراساني، ثم بقية المراجع العظام: السيد محمد الوحيدي، الشيخ محمد تقي بهجت، الشيخ لطف الله الصافي، السيد صادق الروحاني، السيد محمد الشاهرودي، وغيرهم، مع كوكبة من كبار أساتذة الحوزة العلمية، كالسيد علي الميلاني والشيخ محمد سند والسيد حسين الشاهرودي والشيخ محمد هادي آل راضي والشيخ باقر الأيرواني والسيد أحمد المددي والشيخ حسن الجواهري والشيخ مصطفى الهرندي والشيخ حسين النجاتي، وبعضهم اليوم في طبقة المرجعية.

    وقد فشل فضل الله في تحقيق أهدافه فشلاً ذريعاً، والحقيقة إن الحركة التي قام بها ذهبت أدراج الرياح، فهي لم تحدث خرقاً ولا أورثت صدعاً، لا نالت من البنية العقائدية، ولا مسَّت في المدرسة الفقهية وعموم المعرفية الشيعية شيئاً، ولعلها أدت إلى نتائج عكسية برزت في دراسات علمية معمقة أحكمت البنية الموروثة ورسختها وأصَّلتها، وسدت الثغرات التي نفذ منها فضل الله وتوغل! وأفرزت متفرغين يرابطون على ثغور العقيدة، يسهرون ويراقبون ويتصدون لأي خرق. والأهم أنها استفزت الساحة ونبهتها إلى الوجود المرَضي لهذا التيار، وعرَّته بعد تستر واندساس في أوساط الحوزة وكثير من مواقع القيادة في المجتمعات الشيعية! لذا لم تكن للحركة الوارثة والمتممة (كمال الحيدري) أي تأثير، فما لبث أن سقط ولحق بسلفه سريعاً.

    هكذا استطاعت حوزة قم ونجح الميرزا التبريزي والشيخ الوحيد الخراساني وتمكنا من تحقيق نصر تاريخي على التيار الحداثي الذي كان ينخر في أسس المذهب ودعائم الدين، ويبث سمومه ويزرع خلاياه المسرطنة في الكيان الشيعي، ثم لم يكتف حتى أعلن الحرب وقرر المواجهة العلنية، في ساعة صفر ضربها غروره، وقرار أخرق أملاه طيشه وجبروته… فتلقى صفعة مدوية ما زال يترنح على إثرها، خلَّفته مهزوماً عاجزاً، لا يدري كيف يصنع.

    وبعد عقد ونيف من هذه المعركة، ها هي الضربة الثانية تأتي هذا التيار من مرجعية النجف الأشرف لتصرعه وتطيح به، وقد توجهت هذه المرة إلى وجوده السياسي، وبُعده الحاكم ونفوذه، بعد أن نالت الأولى (القُميَّة) من فكره الإضلالي وعقائده المنحرفة (2)..

    وكان السيد السيستاني عند سقوط النظام البعثي البائد قد ثبَّت أسس النظام العراقي الجديد، وأرسى قواعد الدولة الحديثة في هذا البلد المنكوب، بعد عهود متمادية حكمته بالظلم والجور، والتخلف والعصبية، واضطهاد الأكثرية، والتنكيل بالشيعة تحت كل ذريعة.. وذلك عبر خطوات استراتيجية ومواقف محورية شكلت منعطفات تاريخية، كوضع وتدوين الدستور ثم الاستفتاء الشعبي عليه، والدعوة للانتخابات وإلغاء مجلس الحكم المعين من قبل الاحتلال، وما إلى ذلك من قرارات مصيرية سجلت قدرة وحكمة ودراية لا تجارى… وبعد إنجاز هذا الخطير، انصرفت المرجعية إلى شأنها الديني، وانكبت على نشاطها العلمي، وجل همها إعادة بناء الحوزة، مترفعة عن شؤون الحكم، نائية بنفسها عن الإدارة، مخلية الميدان للتيار الإسلامي الذي طالما زعم الجهاد والتضحية، وادعى لنفسه الحق في الجني والحصاد، والغُنم، والاستئثار بالسلطة (متوهماً أن الحوزة تنافسه وتتحرق مثله إلى حطام الدنيا)!

    وما زالت علاقة المرجعية بالدولة يحكمها تناسب طردي بين النزاهة والإخلاص والأمانة، وإتقان العمل وأداء الخدمات وإنجاز المهام، وبين مباركة المرجعية ورضاها عنها ودعمها لها.. كلما أحسنت العمل حظيت بالدعم والتأييد والمباركة، وكلما أساءت أُبعدت وأُقصيت وقوطعت.

    ومع تردي الأداء إلى الحضيض، والانغماس في الفساد إلى الغرق، تأزمت علاقة الدولة بالمرجعية، وبلغت القطيعة التامة، وصار السيد السيستاني يمتنع عن لقاء أي مسؤول حكومي، ويرفض تقديم أي دعم وإعانة تضفي مشروعية على سياسات الدولة وتخدم إمضاء أدائها، وكان تدخله الأخير بفتوى الجهاد يحمل في واقعه وجهتين، واحدة تصدت للإرهاب وأوقفت التمدد والتوسع التكفيري، وأنقذت العراق من السقوط والرجوع إلى عهود الاضطهاد، وأخرى شكلت صفعة مدوية على وجه الحكومة الفاسدة العاجزة المنهارة (انتهت برحيل رئيسها)، لتأتي المظاهرات الشعبية ضد رجال الدولة والسلطة، تدق المسمار الأخير في نعش التيار الحداثوي وتعلن موته ونهايته المفتضحة.

    وقبل إرشادات المرجعية العليا وأدائها المحنّك ودورها في هذا السقوط، والمظاهرات الكاسحة، والمواقف المتلاحقة التي اضطرت إليها الحكومة لوقف “الثورة الشعبية”، كان أداءُ التيار الحداثوي قد كشف عن نفسه بواقعه المتردي المتخلف، وأظهر بسلوكه الفاسد المشين مدى خوائه وهزاله، وبان للجميع كم هو واهن في نفسه، موهن لعنوانه الديني وشعاره الإسلامي.

    الحقيقة إن الإسلاميين الحداثويين الذين تولوا حكم العراق لم يعكسوا في أدائهم أي نبل وعفة أو زهد وقناعة، بل أظهروا خبثاً وفجوراً وطمعاً ودعارة، نهَم وشرَه وخسة ودناءه، جسَّدت أقبح صور خيانة الأمانة التي أورثت ضياعاً للبلاد والعباد، حتى افتقد من قاموس القوم كل معاني الشرف والنزاهة! الحقيقة الجلية أنهم لم يكونوا في أدنى درجات المسؤولية، وأقل مستويات الكفاءة، ما أودى بمقولات طالما تبجحوا بها، ودعاوى متورمة متضخمة بحجم أهوائهم وعلى قدر ما تورمت الأنا والذات فيهم.

    كم كانوا يشكون ظلم حكومات الجور وفساد الحكام؟ كم كانوا يعارضون الأنظمة القائمة في بلادهم لنخبويتها وانفصالها عن الجماهير وعدم إحساسها بمعاناة الشعب وآلامه؟ كم كانوا يرمونها بالعمالة للاستعمار وخدمة مشروع الاستكبار؟ كم كانوا ينتقدون العلمانيين واليساريين والأحزاب القومية والوطنية وكل من لا ينطلق من الدين؟! كم كانوا يتغنون بالمشروع الإسلامي وبشائر العدالة والمساواة التي يحملها إلى الناس، والعز والرخاء والنزاهة والأمانة وكل قيم الأخلاق ومعاني الإنسانية؟!

    بل كم انتقدوا المرجعية لـ “تخلفها” وعدم اهتمامها بالشأن العام، كم أدانوا كفاءتها، بل حتى نزاهتها في إدارة الخمس والحقوق الشرعية، وهي لا تبلغ 1% من عشر معشار ميزانية الدولة العراقية التي أضاعوا وبددوا، أو نهبوا فأفلسوا!

    ها قد جاءهم الدور وسنحت لهم الفرصة، فماذا فعلوا؟

    منذ سقوط صدام واستلام هذا التيار السلطة في العراق بواسطة الاحتلال الأمريكي، وهو يضرب أسوء مثَل ويسطر أخس نموذج، ويعكس في سلوكه وأدائه حقيقته التي أخفتها الشعارات والدعايات، ويسجل انحطاطاً غير مسبوق في تاريخ العراق الحديث: تكالب على الدنيا لا تجده في العلمانيين واللادينيين، انعدام للأخلاق وتفريط في الالتزام الشرعي لم يقع فيه البعثيون والقوميون، طغيان وعبث وجشع لا سابقة له، ذروة في الفساد واستباحة المال العام فاقت كل جشع ونهم… ثم الاستخفاف بالثمن الذي يدفعه الشعب دماءً يسفكها الإرهاب التكفيري، ومعاناة لا تنتهي من فقدان أوليات أسباب العيش والحياة، من ماء وكهرباء، ناهيك بالصحة والتعليم والإسكان وما صار يعد في العراق ترفاً وبطراً، وهو ينام على ثروة غير متناهية من النفط والزراعة والموادر الاقتصادية الكفيلة بجعله جنة الله على أرضه.

    هذا هو أداء التيار الحداثوي الإسلامي، وهذا هو عطاؤه، ثبت بالحس والوجدان، وظهر نتيجة تجربة وبرهان…                  

    وبعد، فالنهاية و”القضاء” في لغة السياسة والتقييم العلمي، ومقام اختلاف المدارس الفكرية ونزاع النظريات وقل إن شئت صراع الحضارات، لا يعني موت الأجساد وغياب الأشخاص، بل هو فشل وسقوط النظريات، وبطلان المقولات وانتفاء المزاعم وزوال التأثيرات… لقد سقط التيار الحداثي، بشقيه السني (الإخوان المسلمين والوهابية وعموم حركات “الإصلاح” الديني) والشيعي (حزب الدعوة والمجلس الأعلى والتيار الصدري وحزب الفضيلة ومنظمة العمل وكافة الحركات التابعة لقيادة إيران وفكر علي شريعتي) في التجربة سقوطاً ذريعاً، وانتهى به الحال، وأُلقي على صعيد الإدارة والسياسة في مزبلة التاريخ… وقد يعود الاستعمار والاستكبار إلى الاستفادة من هذه القوى، ودفعها لتبوُّء القيادة وتولي السلطة، فهي صنيعتها وخيارها الوحيد، أو المفضَّل، ولكنها لن تعود لتخدع المؤمنين في القناعة بمشروعها، وحسن الظن بها، لقد سقطت الحداثوية فكرياً وسياسياً من الوجدان الشيعي، ولم يعد يؤمن بها إلا أتباعها ومحازبوها ومن هم على شاكلتها.                                                    

    وبقيت المرجعية شامخة بعلمها وبتقواها ونزاهتها وعدالتها… بقيت زاهدة مترفعة عن الدنيا، سواء في المال والمعاش، وطلب الشهرة والأضواء، أو في السعي للسلطة والإمرة… ما زال آية الله العظمى السيد علي السيستاني يلبس الثوب الذي كان يرتديه قبل سقوط صدام، ويسكن نفس البيت (لا تجاوز مساحته مئتي متر مربع)، ويأكل نفس الطعام! ما زال أبناؤه طلبة علم وأساتذة حوزة، يدرُسون أو يدرِّسون، ولا يستنكفون من عباءة مهترئة أو ثوب مرقع ونعل مقطعة! ما زال الرجل الأكثر محبوبية وشعبية في العراق والعالم الشيعي بأسره يفر من الشهرة ويتجنب الأضواء ويمنع نشر صوره ورفع اسمه! ما زال يتجنب مواقع الإمرة والسلطة والحكم، ما زال يقصر تدخله على أدنى الحدود التي يفرضها الواجب الشرعي، ويقتضيها الصالح العام، مقتصراً على ما ينحصر إنجازه به…

    هؤلاء هم رجال الله، ليوث جبهات الجهاد الأكبر وأبطال ساحات فقه آل محمد… ولا عزاء للأدعياء.

    هكذا استطاعت المرجعية أن تعرّي المزيف الخاوي، وتكشف المدعي الكاذب، وتقضي عليه، وتغرس في الوجدان الشيعي صدق قول الصادق عليه السلام: علماء شيعتنا مرابطون بالثغر الذي يلي إبليس وعفاريته، يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا، وعن أن يتسلط عليهم إبليس وشيعته النواصب، ألا فمن انتصب لذلك من شيعتنا كان أفضل ممن جاهد الروم والترك والخزر ألف ألف مرة لأنه يدفع عن أديان محبينا، وذلك يدفع عن أبدانهم. ويثبتون ـ بالعمل ـ صحة قوله عليه السلام: لولا من يبقى بعد غيبة قائمكم من العلماء والداعين إليه والدالين عليه والذابين عن دينه بحجج الله والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته ومن فخاخ النواصب، لما بقي أحد إلا ارتد عن الله عز وجل، ولكنهم الذين يمسكون أزمة قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكانها، أولئك هم الأفضلون عند الله عز وجل. وقول أبيه موسى بن جعفر عليه السلام: فقيه وَاحد ينقذ يتيماً من أيتامنا المنقطعين عنّا وعن مشاهدتنا، بتعليم ما هو محتاج إليه، أشدّ على إبليس من ألف عابد.

    لم يكن بين قم والنجف، أو بين التبريزي والسيستاني تنظيم ولا تنسيق، بل ولا اتصالات وتبادل أخبار..

    عرَّت قم التيار الحداثي وأسقطته عقائدياً، وها هي النجف الأشرف تعرِّيه وتسقطه سياسياً…                                                             _____________

    (1) كانت الإذاعة الإيرانية تجري لقاءات ميدانية مع عامة الناس مناسبة الاحتفال بذكرى ميلاد الزهراء، وقد التقت أمرأة قالت إن مثلها الأعلى في الحياة هي “أوشين” (بطلة مسلسل تلفزيوني كان يتابعه الإيرانيون في ذلك الحين، تصورها القصة عصامية مكافحة)، لا الزهراء عليها السلام، التي قالت إنها تمثل تراثاً وتاريخاً قد مضى، والحياة تتطلب أسوة معاشة معاصرة! فحكم السيد الخميني بإعدامها هي والمخرج والمذيعة التي أجرت المقابلة (وقد درأ الحد بعد ذلك عند ثبوت عدم القصد، واكتفي بالتعزير)، وقد أرعبت الفتوى الحداثويين وألجمتهم، وأدخلتهم في دوامة الاحتيال واللجوء إلى ما يصرف الأنظار عن ضلالاتهم التي تجعلهم عرضة لموقف مشابه!

    (2) لا يعني هذا أن مرجعية النجف الأشرف جارت الحداثيين في انحرافاتهم العقائدية وأغضت عن فكرهم الإضلالي، لكنها رأت الكفاية في تصدي قم، لذا تراها تتصدى اليوم للتيار الإضلالي الذي يحاور تصدير مناهج الحوزة الحكومية في إيران إلى النجف الأشرف، وقد نظم السيد السيستاني جبهة مقابل هذا الغزو، تخندق فيها بشخصه، واعتبر الأمر ثغراً دونه الدفاع!