• ليست كربلاء كغيرها، هذا ما تشعر به إذا دخلتها وبدأت تعيشها: تستنطق معالمها وتحاكي فضاءها… قد تعيش رضا الطاعة وفرحة التوفيق إلى الزيارة، وأنس اللقاء ولذة الجوار، لكنها لذة تكدرها مرارة، وأُنس يشوبه ضيق وهمٌّ، وفرحة يحيط بها حزن وترح، ورضا يعتريه توثب ويكتنفه اضطراب.. وأنت تجهل العلة، وتنكرها في شيء من أسباب عيشك وتوالي أحداث نهارك!

    لا سكون هنا ولا استقرار، ثمة ما يهيج ويقلق، ويورثك حزازة وكمداً… وقل إن شئت كرباً.

    هنا تدرك وُجداناً وتعلم يقيناً بأن “الأمر” لم يتم ولم ينقضِ، والإضبارة لم تغلق ولم تنتهِ، والملف لم يطوَ بعدُ… ما زال مفتوحاً يفيض، ومعلَّقاً ينتظر ويرتقب، ومنشوراً يُـقرأ ويتلى ليلاً ونهاراً، ويردَّد ويذكر على مدى الأيام ومدار العام، لا يوفر حتى الأعراس والأعياد والأفراح ناهيك بمناسبات وفواتح الترحم على الأموات! فإذا فرغ قرّاء ونادبون قام آخرون، وعقدوا المجالس وتلوا السيرة وسردوا القصة وعدّدوا الجناية والظلامة وعرضوا لائحة الاتهام وأحصوا أسماء الجناة، وأنشدوا ورثوا، وانتزعوا الدمعة والزفرة والصرخة، فأي عيش بعد هذا يطيب، وأي صفو ترجو وتروم؟ وقد صارت الحياة مناحة وانقلبت الدنيا صيحة، سرت إلى باقي العوالم، جان وملائك، وسكان سماوات وملكوت، وعرش بعد فرش، أم هي سبقت عندهم وجاءتنا من هناك؟ لست أدري!

    هنا وِتر في نفسه، فرد في قضيته، أوْحدي لا ثاني له، لا نظير ولا مثيل.. وهنا ذحل وثأر لم يُأخذ، وتِرة معلَّقة، وهي من الرفعة والسمو والذروة ما جعلها “وِتر الله وثأره”، لا “دم” قريش ولا وتر بني هاشم… جريمة ومصرع، وراية حمراء مرفوعة، وأجواء تهيمن على الشجر والحجر، والهواء والماء، فإذا هبت ريح انتشرت الراية وخفقت، فأرسل نشرها في الفضاء سحراً وعمَّم طاقة وثقلاً، ينفي المسرات ويطرد الأفراح، فلا يلتذ أحدٌ بشيء، لا دهن ولا طيب، لا شواء ولا طعام!

    ليس هذا مرقداً ومزاراً! ليست هذه البقعة المقدسة والعتبة العالية مثل نظيراتها في بغداد وسامراء وخراسان، ولا حتى في المدينة المنورة والغري الأغر! على الرغم من هامة عرشية فلقت في محرابها، وجنازة ملكوتية شكت أكفانها بالسهام، وأكباد تقطعت من مرارة السم، وجثمان مكبل بالقيود وهو في نعشه على أكتاف حمالين يريدون له الهوان…

    هنا شيء آخر.. ما كأن الأمر تمَّ وانقضى، والحسين قتل واستشهد! وإن نادى المنادي: هذا ضريحه ومشهده؟!

    ما زال الأمر مُرجأً مؤجلاً… الحسين حيٌّ، ما زالت عروقه تنبض وجوارحه تتحرك، وإن كانت جروحه لا تنزف حذر أن تتلقى الأرض الدماء فتقوم قيامتها، حتى رفع ما أريق وعرج ما انسكب ليسكن الخلد، وقد اقشعرت له أظلة العرش مع أظلة الخلائق، وبكته السماء والجنان وسكانها، وكيف لسكان الجنان الذين أذهب الله عنهم الحزَن أن يبكون؟ هذا أيضاً مرجئ فهمه! ومع كل خفقة تسمع وَجيباً تخاله سيُهمد إن تكرر ثانية الوجود، وينهي إن عاود الحياة، من لوعة المصاب وغصَّة الاكتئاب، فيحتجب عن سمعك وتُصمُّ عنه أُذنك، لتمضي وتعيش إلى حين أجلك! ولكن ما زالت أنفاس الذبيح تتصاعد، وأنت تشعر بها مع كل شهقة، كأنها تخلي الفضاء من الهواء وتكتم أنفاس الخلق هنا، وتملأ صدورهم ضيقاً! فإذا زفر بالصعداء، تنفسوا معه وعادت إليهم أرواحهم الحبيسة في اللوعة والمليئة بالحسرة…

    إنه حيٌّ لا عند ربه كما الشهداء، وهو سيدهم، بل هنا، على هذه العرَصات وفي هذه الأنحاء، كأنه لم ينتقل إلى برزخ ولم يهاجر إلى آخرة، ولم يعرج كما المسيح إلى سماء، بل بقى بين ظهرانينا، يتحمل آلامنا، ويتولى هدايتنا، ويبث في قلوب شيعته ومحبيه الحياة، ويضخ في أرواحهم إكسير الحق والمعرفة، ويعلمهم ويشرع لهم سبل وأبواب الخلود، فيتلقونه ويتشربونه، فيبكون ويلطمون ويجزعون.. هكذا يلتقون ويتَّصلون به وبجوهر قضيته، ويستلُّون من فاضل طينته ما يربطهم بسنخه وطبيعته، بالشرف والطهر، كل الطهر والشرف…

    يغيب الأمر ويتراجع حضور المشهد في انشغالات السفر ولوازم الحِلِّ والترحال، فتنصرف لشأنك شيئاً، ولكنه لا يلبث أن يعود مع كل سكنة وهدأة! وكل تشرّف وزيارة، وأنت تتلو: “أشهد أنك قتلت ولم تمت، بل برجاء حياتك حييت قلوب شيعتك، وأشهد أن هذه التربة تربتك وهذا الحرم حرمك، وهذا المصرع مصرعك”… وأمثال هذه النصوص النورانية التي تسطر ملحمة النزاع بين خلود المخلوق الكامل وامتناع الموت عليه، مع موت مقدر في هذه النشأة وخضوع لخالق يفعل ما يشاء، والخلط الذي قد يأخذك إلى الغلو، ويحرمك من ورود رويِّ هذه العين والنهل من عذْب هذا المشرب. فإذا تلوت زيارة عاشوراء، وقفت على بيان عسكري صاعق، فقرات تكاد تكون منفصلة، يتلوها خطاب ملؤه غضب الله وسخطه، وفجعة العرش وهلع سكان الملكوت الأعلى، ولحن يحكي نتائج معركة، وتقرير يدرج الحدث في موقعه التاريخي الصحيح، ممهوراً بخاتم تكويني وعهد قاهر رباني، يأبى أن يقع في عاشوراء وذكراها تحريف وتزييف، مهما كاد الباطل وناصب جهده!

    كل شيء هنا يحدثك ويخبرك بأن الخطب ما زال فظيعاً والحدث صاعقاً والهول قائماً…

    حق لجند إبليس وجبهة الطاغوت خوفهم وحذرهم! حق في قاموس البغي والطغيان أن يحزوا رأس الحسين ويفصلوه عن بدنه! ويقطعوه أوصالاً، ويجيلوا عليه خيلهم حتى تطحن جناجن صدره، فلا تبقي منه شيئاً، ولعلهم عمدوا إلى حرق المخيم لتطاله النيران، فيحال رماداً تذروه الرياح، فلا يعود في شخصه ويرجع في جسمه! كانوا يعرفون أنه لا يموت، وأن الروح إليه ستعود، وستبقى ماثلة شاهدة، تصبغ المحيط بلونها القاني الأليم والأسود الحزين، فكانت الحيلة التالية أن يمنعوا الناس من القدوم هنا، حتى لا يعيشوا هذا الفضاء، وتسري إليهم هذه الأجواء، وتلتقي أرواحهم وتصافح أرواح الأنبياء.

    هنا في كربلاء تشعر أن أمراً معلقاً ما زال ينتظر الانقضاء، ينوء بثقله على كل صدر، ويجثم على كل نفس، مزيج حزن وكآبة، وغضب يهيج للثأر والانتقام مع خلَفه المهدي المنتظر، ونار تستعر، تأخذك إلى ما خلقت لأجله وانحدرت نجيباً لتطاله وتناله، وعفّت أمك وشرف أبوك ليخلفانك، فتكون: ممن يزور كربلاء، ويقيم العزاء على سيد الشهداء…

  • كثيراً ما تعمد أجهزة المخابرات (وكذا الأحزاب الإسلامية) إلى وَاجهات تتستر خلفها، ولافتات تختفي وَراءها، تداري قبحاً طالما عرفت به، أو تَنفّر الناس وتحسّسهم، بل خوفهم منها، تنشئ بذلك النطاق الذي تحتاجه لحركتها، وتخلق الميدان الذي يلزم لفعلها ونشاطها، فتنفذ في الساحة عبر هذه الواجهات وتتوغل في المجتمع من خلال: مراكز دراسات، لجان بحوث وعمل، وحدات متابعة وإحصاء، مؤسسات إعلامية، جمعيات ثقافية، منظمات حقوقية وإنسانية، ولربما مساجد وهيئات!

    “مركز الإسلام الأصيل” هو إحدى هذه الواجهات.. هذه هي حقيقة هذا المركز وخلفيته.

    والعمل “الحركي” الإسلامي كان وما زال ويبدو أنه سيبقى على ضربين: فاعل ولاعب.

    الأول ينخرط في الجهاد والنضال، يحمل السلاح ويأخذ بأسباب التأثير العملي، وعناصر التطويع الفعلي، وعوامل التغيير الحقيقي، كالعنف والقوة، رداً ودفعاً، يقحم ساحات المقاومة وينبري للمواجهة، يخوض المعارك ويشهد الحروب، فيصاب ويجرح وتنزل به العاهة والإعاقة، وقد يستشهد، أو يُأسر فيعدم، أو يعتقل ويعذَّب فيُحكم ويُسجن، وقد يشرَّد عن الوطن ويقصى عن الأهل والولد، نفياً وإبعاداً، أو هجرة تلتمس في الأرض مراغَماً وسَعة.

    والثاني (اللاعب السياسي) ينقسم بدوره إلى معلِن متجاهر، وآخر مخابراتي متستر، وهذا الأخير ذو تشعبات وفروع كثيرة، أخسها وأرذلها الجناح الجاسوسي في الساحة الإيمانية! فئة ينتخب لها الدون الخسيس، ولا يلتحق بها إلا الرذل اللئيم، توكل إليهم مهام يأنف منها المؤمن، ويترفع الإنسان السوي عنها، ناهيك بالماجد الشريف والنجيب العفيف.. فئة شغلها الشاغل التجسس على الناس، رصد وملاحقة آرائهم، ومراقبة مواقفهم، وإحصاء حركاتهم، وإذا امتد النفوذ وبسطت اليد يوماً أو في مكان، فتمكن “الإسلاميون”: بثوا ـ عبر هؤلاء ـ الرعب في النفوس ومارسوا الإرهاب الفكري، وعمدوا إلى التزييف والتدليس في سبيل تلميع قادتهم ورفع رموزهم وتسويق شخصياتهم، وهيمنة فكرهم وتمرير مقولاتهم، وقمع معارضيهم.

    ومما يوكل إليهم فيؤدونه بمهارة ويضطلعون به بتفوق وامتياز: خلق الفتن في الساحة الإيمانية، وبث الدسائس وإثارة النعرات وتأجيج الخلافات وخلق المعارك وإحداث الجبهات، كل ذلك بما يخدم مصالح الحزب ومشروعه، فإذا اقتضت يوماً الصلح والوئام والهدوء والانسجام، رأيت تلك الذئاب الضارية حمائم سلام! إنه دور”وضيع” ومهمة “قذرة”، هكذا تصنـف في نطاق المؤمنين، ويشار إلى الناهضين بها والقائمين عليها في أوساطهم، فالمؤمنون يكنون احتراماً للمناضلين ويحملون تعاطفاً مع المجاهدين، ذلك أن الشجاعة والبذل والتضحية قيمٌ وكمالات تفرض نفسها على أية حال، وَافقك من يتَّصف ويتمتع بها في الفكر والرأي أم خالفك، فهو يفرض احترامه عليك وينتزع تقديرك له. فأنت تميز ـ على سبيل المثال ـ بين يساري ثائر كـ”جيفارا”، ترك الدنيا (وكانت مبذولة له وفي متناوله) وعاش في الأدغال حاملاً سلاحه، وبين”منظِّر” قابع في مكتبه يتنطَّع ويتفلسف بالهراء، مثل ذاك “الثوري المتخم بالصدف البحري ببيروت، تكرَّش حتى عاد بلا رقبة”، كما يقول مظفر النواب.

    “مركز الإسلام الأصيل” (له أفرع في مختلف بلاد الشيعة ولا سيما دول الخليج)، هو واجهة مخابراتية من النوع الثاني، الجاسوسي القذر.. لم يحمل مديره في عمره بندقية ولم يطلق رصاصة (ودع عنك الاستعراض والتقاط الصور الدعائية)، لم ير معتقلاً وسجناً ولا عرف وتعذيباً ولا قاسى حرماناً، لم يلاحق في حياته بمذكرة توقيف ولا كان مطلوباً لحكومة ولا طارده عدو.

    فـرَّ من الزحف مبكراً وإسرائيل تسرح في بلاده وتمرح، فلم يخض جهاداً ولا شهد مقاومة، وترك الميدان وأخلاه إلى ما يناسب طبعه في التسلق والتملق، وراح يستأكل بالثورة من قم، ويتَّجر بدعوى الجهاد من هناك، منعماً بالمال، آمن السرب هانيء البال. والغريب أنه استطاع أن يتلون ويتقلب، حتى تهرب، فلم يشارك في الحرب المفروضة ولا التحق بالمجاهدين العرب هناك، فلا بات ليلة في مهاجع معكسر الأهواز أو خنادق فيلق بدر، ولا عرف جبهة ولا قاتل في محور، لم تأكله البراغيث في هور الحمار، ولا أرعبته خنازيره المتوحشة، لا تقرفص من صقيع جبال كردستان ولا حذر دببته الغادرة.. وباختصار يلخص الحال، لم يتحمل الرجل في طريق “ذات الشوكة” المزعوم وَخزة، ولا بذل للثورة من دمه قطرة، لا صرف لها من ماله قرشاً، ولا تنغص من عيشه وأقض وَثير فراشه ليلة.. بل قضاها في رفاهية من العيش وَادعاً فاكهاً، منعماً براتب جزيل وإمكانيات المخابرات وصلاحيات العميل، وإغداق مكاتب المرجعيات المزيفة وكرمها من جيب غيرها، من بيت المال وخمس صاحب الزمان ولي أمر المسلمين. كل رصيد الرجل و”عطائه” الثوري ينحصر في كتابة تقارير عن الطلبة اللبنانيين والعرب، ورفعها للمخابرات الإيرانية، ثم مساومة الطلبة وإذلالهم ملوحاً بسلطته ونفوذه ومسموع كلمته! ولا أريد التعرض إلى خفايا شخصيته، وتناول الثغرة الغائرة والخاصرة الرخوة، تلك التي ركَّبت العُقد وعمقت الآفات الروحية والأمراض في نفسيته، وكيف وظفت المخابرات ذلك وسخرته لمشروع الفتنة ورفد الضلال، فالدور القذر يتطلب شخصاً من تلك السنخية والطبيعة، لا يقوى على رفع رأسه والنظر في عين خصمه!

    أما الحوزة والدراسة والفضيلة، فتكفي إجاباته في فضحه، وكشف درجته وسطحه.

    يطالعنا هذا “المركز”ومديره مع اقتراب عاشوراء وبدء موسوم العزاء في كل عام، بحملة منظمة ضد الشعائر الحسينية، عبر مختلف أدوات ووسائل الإعلام، ومادتها طائفة من الآراء والفتاوى، وقل إن شئت من التفاهات والافتراءات، فهي مقولات أجيب عنها ودفعت عشرات المرات وأشبعت بحثاً وقتلت نقضاً ودفعاً، وفتاوى هي أكاذيب ملفقة ودعاوى مفتراة على المراجع العظام، مجرد تهريج ومزايدة، وتملق ونفاق، على طريقة من يرمي سهامه وهو يقول:“اذكرني عند الأمير”.. وقد انتهى الأمر منذ أمد، بعد سجال الاحتجاجات وجولات المناقشات، إلى تعصب وعناد، وحتى لا نساهم معه في فتنته، نقول: إلى قناعات يعمل بها كل مكلف، كأية مسألة خلافية، سواء في الفتوى أو التطبيق، كما هو الحال في ثبوت هلال شوال، أو حكم ستر الوجه للمرأة، أو طهارة أهل الكتاب، وما إلى ذلك، فلماذا الإصرار على إعادة إذكاء النار؟ لماذا يعيد “المركز” إثارة القضية ويجدد إضرام النار الخامدة فيها وكأنه يلتذ بالصدام والمواجهة بين المؤمنين؟ وينتشي من إشغالهم ودفعهم إلى التخندق والتموضع ضد بعضهم؟ وفي أدنى الأمر وأقلِّه، صرفهم عن التفرغ لواجب العزاء إلى هذا النزاع!؟

    هل تراه يرجو حقاً لحملة إعلامية سمجة تخنَّث خطابها تملقاً لربها وممولها، وتضرع موقفها تذلُّلاً ونفاقاً لقائدها وموجهها، أن تصرف مؤمناً محباً لإمامه، ملأ العشق قلبه فصار في الغرام، وفاض به الولاء فبلغ الوجد والهيام، وأخذه الشوق إلى عنان السماء، في معراج تغبطه عليه الملائكة وسير ورقيٍّ تحسده الإنس والجن، يبلغ عناق ساق العرش، واحتضان أعمدة وأركان الفرش، ولثم أقدام سادته القوَّام والأشهاد هناك.. تصرفه وتثنيه عن الجزع والتطبير نزولاً عند هراء حقير، وكذب حبله قصير؟! ألا فأنشد مع المتنبي:

    قُبحاً لوَجهك يا زمانُ فإنه @ وَجهٌ له من كلّ قُبحٍ بُرْقُعُ

    نعم، هناك صغار وسذج وعوام يتراءى لهم السراب ماءً، ويحسبون كل لامع بارق ذهباً، وكل جعجعة طحناً.. يؤخذون بضجيج الإعلام، ويغرر بهم الوهج المصطنع والبريق الذي يخلع على بعض الأشخاص، والرنين الذي يقرن بأسمائهم، والأدوار الخطيرة التي توكلها المخابرات لهم، برعونة وعبث، كإجابة الاستفتاءات وبيان العقائد والأحكام للناس (غير مكترثين بالأخطاء الفاحشة التي تقع منهم، والخلط والخبط الذي يصدر عنهم، وجهالات تضحك الثكلى، آخرها ما نشره “المركز” حول مسألة ثبوت هلال ذي الحجة عند الخلاف بين ما يجري في السعودية وما يثبت عندنا، فقد أفتى الأرعن باسم السيد الخوئي برجوع الباقين على تقليده إلى غيره لمعالجة الأمر! والحال إن السيد الخوئي يفتي بعدم صحة الحج مع العلم بالخلاف!) ما يوحي أن لهم خطباً في العلم وشأناً في الثورة..

    ولكن هذا لا يخدع طلاب العلم في الحوزة ولا مَن عاش الثورة منذ بدايتها، وواكبها عن قرب وسبْق لا يجاريه فيه أحد من هؤلاء الأدعياء، ركَّاب الموجة بعد نهاية الثورة، وفضلاء الفضائيات والإعلام، لا التحصيل والالتزام.. هناك من يعرف الرجال ويميز الأشخاص، ويدرج كلاً في موقعه: في أية مرحلة علمية هو؟ هل يتناسب واقعه العلمي مع ادعائه والدور الذي انبرى له أو أوكل إليه؟ ثم ما هو موقعه في خارطة الثورة ومنظومة الثوريين: هل هو من “السابقين الأولين” ليكون من “المقربين”؟ متى التحق بالثورة وماذا قدم؟ أين كان قبل “الفتح” وأين صار بعده؟ ماذا فعل في سني الفقر والحصار، وزمن الحرب والجهاد؟ أم هو ابن الغنائم والمكاسب وبطل بعد انتهاء الحرب ودخول الجمهورية في الرخاء؟.. هذه أمور ومعايير في التقييم لا ينطلي تزييفها والعبث بها علينا ولا يخدعنا ضجيج الإعلام وصخبه عن الحقيقة.

    وبعد، فإن هذا المركز ومديره لا قيمة لهم ولا خطب، ذلك أن أمرهم خارج عن إرادتنا وفوق طاقتنا، تحركه مصالح عليا لدول وحكومات وأجهزة مخابرات، لا طاقة لنا بها ولا طائل من حربها… فإن هامش تكليفنا تجاهها ودورنا في مواجهتها محدود، ينحصر بعد تفنيد مقولاتها، في كشف وتعرية حالها، وبيان حقيقتها، فإن غلب سلطانها وطغت أموالها وقدراتها، فلا ضير ولا غضاضة، والدور بعد أداء التكليف ليد الغيب، هي التي ستجعل كيدهم في تضليل، وترد بأسهم عن عقيدة المؤمنين وحياض الدين، وترجعه في نحورهم، وتشغلهم عنا وعنه بأنفسهم.

    إنما الخطر الذي يتوجه إلى الشعائر الحسينية يأتي من مكان آخر!..

    فواعجباً! أن تشرع أبواب خدمة سيد الشهداء للقاصي والداني، للكبير والصغير، للعالم وغير العالم، للفقير والغني، وحتى لغير الملتزم كما هي للمتدين الملتزم.. ثم يحرمها المرء؟! ولا سيما بعد طور في الانخراط بها وعهد لا بأس به معها! ترى كم عساه أن يكون شقياً وتعساً حتى يحرم الدخول في هذي الرحاب؟ بل يخرج منها بعد أن دخلها يوماً واغترف من أنهارها وأكل من ثمارها وتفيأ بظلالها ما شاء الله؟.. كان فيها يخدم مولاه ثم انثنى يمدح سلطاناً أو يمجد عالماً أو ينصر جماعة وحزباً، أو جعل من نفسه محوراً وقطباً؟!

    إخوتي وسادتي الأماجد خدام سيد الشهداء: خطباء وكتاب ورواديد وشعراء، أصحاب مآتم ومواكب وهيئات، وكافة العاملين في هذا الحقل الإلهي والراعين هذا الغرس الملكوتي.. ليكن محورنا سيد الشهداء فقط، حسبنا الحسين، لا شعار ولا اسم ولا صورة ولا رسم إلا له وللكوكبة السماوية الملتحقة بركبه، إياكم والشيطان الذي يأتيكم من باب التسويل بأن: “صورة هذا العالم خدمة للشعائر”! و”إنما نمجد هذا الحزب لأنه يسعى في أهداف ثورة الحسين”، و”الالتفاف حول شخصي يقي الناس من الانجذاب لأرباب الضلال وأئمة الباطل”!.. دعونا ننسى أنفسنا، وننسى بذلك كل روافد الأنا أو مخرجاتها من حزب واسم ورمز وعنوان ولافتة تصرف الناظر والقارئ والحاضر والزائر والباكي واللاطم والجازع ـ ولو للحظة ـ عن مخدومه الأصلي وإمامه الحقيقي ومعشوقه الذي لا يقبل الشرك والقسمة، وإن قبلها بكرمه وفضله، فالغبن والغُرم علينا، والخسارة تطالنا نحن لا غيرنا.

    هذا ما يتهدد حسينياتنا وشعائرنا، أما حزب الدعوة وفضل الله ومركز الإسلام القصير، فخطابهم كفيل بسقوطهم، ونجابة المؤمنين رادع عن قبولهم، والأيام أثبتت هذه الحقيقة وبرهنتها بالوجدان.

  • في بداية التسعينيات من القرن الماضي، استغل محمد حسين فضل الله وفاة السيد الخميني (1989)، وانتقال السلطة إلى التيار الحداثي الذي احتضن حزب الدعوة وأعاد إليه الروح (فهو صنوه والنسخة العربية لفكر شريعتي على الرغم من التباين التنظيمي، كما كان الحال بين البعثيْن: السوري والعراقي)… فأثار عاصفة وأشعل فتنة في الأوساط الإيمانية ولا سيما الحوزوية، كان محورها: تشكيكه في ظلامة الزهراء والنيل من مقاماتها عليها السلام، وذلك على طريقته ونظريته في صدم الواقع، وقوامها أن يعمد إلى هتك أكبر المقدسات وأخطرها، ليهون الخطب بعد ذلك في حرمة: المرجعية، والعبث بأُسس الاستنباط، والفوضى والخلط في بناء المعارف الدينية.

    وقد انطلق الرجل الذي كان مسكوناً بهاجس تنفُّر الخميني من حزب الدعوة (لعلاقات وطيدة مريبة كانت تربطه بنظام الشاه)، ويعيش كابوس فتواه الشهيرة في قضية “أوشين” (1)! انطلق ليخوض في الفتنة بمنتهى الجرأة والانحلال، وراح في جسارة ووقاحة قلَّ لها النظير، أسقطت في يد شخص مثل السيد جعفر مرتضى الذي كان حتى ذلك الحين يميل إلى الكف عنه ومنع الصدام والمواجهة، يلتمس له الأعذار ويجهد في العثور على محامل خير، ودفعته إلى موقف معاكس شديد، قدَّم فيه دينه على دنياه، ونصرة مذهبه على عصبيات الانتماءات الحزبية والوطنية، والوظيفة الشرعية على المجاملات والعلاقات الشخصية، فالتحق بركب الحق واصطف في جبهة الأصالة، وصار من أبرز الذين عرَّوا فضل الله وكشفوا ضلاله وانحرافه بعد ضحالته وخوائه.

    كان فضل الله يحسب أن الميدان قد خلا له، وأن المذهب بلا راع والعقيدة بلا محام، وأن السلطة والمال ستكفيه ردود الأفعال، وقد ركن إلى قدرته في شق الطريق، والتقدم نحو أهداف طالما خامرت “المشروع” منذ الخمسينات، بداية الانشقاق عن حركة الإخوان المسلمين وتأسيس حزب الدعوة.

    وفي قراءة يتبناها بعض أنصاره اليوم، الذين يستشعرون الغبن والغدر والخيانة، شكَّل الرجل في مدرسة الحداثوية الشيعية رقماً استهلاكيا، لعب دور العنصر الانتحاري الذي استُدرج وغُرر به، وأُرسل ليفجر حقول الألغام ويقحم القلعة بهدم جدرانها وتسلق أسوارها لا بالمكر والحيلة التي كان دأبه عليها! موعوداً بدعم شامل ومساندة عامة، لم يتحقق منها شيء، فقد صار الحداثويون يلوذ بعضهم ببعض، وأخذوا يتنكرون له ويتبرؤون منه، ذلك لما رأوا موقف الحوزة العلمية والمرجعية العليا الصارم والشديد، ولعله المفاجئ للكثيرين الذين تعودوا منها وراهنوا على مقولة “الباطل يموت بتركه”، وكانت قم هي المحور في ذلك الحين، والنجف المثخنة المثقلة، تنفض الغبار وتضمد الجراح، ولم تنهض بعد من حصار وحرب بعثية دامت نصف قرن ونيف!.. وكان بطل الساحة وقائد حملة الدفاع هو الميرزا جواد التبريزي والشيخ الوحيد الخراساني، ثم بقية المراجع العظام: السيد محمد الوحيدي، الشيخ محمد تقي بهجت، الشيخ لطف الله الصافي، السيد صادق الروحاني، السيد محمد الشاهرودي، وغيرهم، مع كوكبة من كبار أساتذة الحوزة العلمية، كالسيد علي الميلاني والشيخ محمد سند والسيد حسين الشاهرودي والشيخ محمد هادي آل راضي والشيخ باقر الأيرواني والسيد أحمد المددي والشيخ حسن الجواهري والشيخ مصطفى الهرندي والشيخ حسين النجاتي، وبعضهم اليوم في طبقة المرجعية.

    وقد فشل فضل الله في تحقيق أهدافه فشلاً ذريعاً، والحقيقة إن الحركة التي قام بها ذهبت أدراج الرياح، فهي لم تحدث خرقاً ولا أورثت صدعاً، لا نالت من البنية العقائدية، ولا مسَّت في المدرسة الفقهية وعموم المعرفية الشيعية شيئاً، ولعلها أدت إلى نتائج عكسية برزت في دراسات علمية معمقة أحكمت البنية الموروثة ورسختها وأصَّلتها، وسدت الثغرات التي نفذ منها فضل الله وتوغل! وأفرزت متفرغين يرابطون على ثغور العقيدة، يسهرون ويراقبون ويتصدون لأي خرق. والأهم أنها استفزت الساحة ونبهتها إلى الوجود المرَضي لهذا التيار، وعرَّته بعد تستر واندساس في أوساط الحوزة وكثير من مواقع القيادة في المجتمعات الشيعية! لذا لم تكن للحركة الوارثة والمتممة (كمال الحيدري) أي تأثير، فما لبث أن سقط ولحق بسلفه سريعاً.

    هكذا استطاعت حوزة قم ونجح الميرزا التبريزي والشيخ الوحيد الخراساني وتمكنا من تحقيق نصر تاريخي على التيار الحداثي الذي كان ينخر في أسس المذهب ودعائم الدين، ويبث سمومه ويزرع خلاياه المسرطنة في الكيان الشيعي، ثم لم يكتف حتى أعلن الحرب وقرر المواجهة العلنية، في ساعة صفر ضربها غروره، وقرار أخرق أملاه طيشه وجبروته… فتلقى صفعة مدوية ما زال يترنح على إثرها، خلَّفته مهزوماً عاجزاً، لا يدري كيف يصنع.

    وبعد عقد ونيف من هذه المعركة، ها هي الضربة الثانية تأتي هذا التيار من مرجعية النجف الأشرف لتصرعه وتطيح به، وقد توجهت هذه المرة إلى وجوده السياسي، وبُعده الحاكم ونفوذه، بعد أن نالت الأولى (القُميَّة) من فكره الإضلالي وعقائده المنحرفة (2)..

    وكان السيد السيستاني عند سقوط النظام البعثي البائد قد ثبَّت أسس النظام العراقي الجديد، وأرسى قواعد الدولة الحديثة في هذا البلد المنكوب، بعد عهود متمادية حكمته بالظلم والجور، والتخلف والعصبية، واضطهاد الأكثرية، والتنكيل بالشيعة تحت كل ذريعة.. وذلك عبر خطوات استراتيجية ومواقف محورية شكلت منعطفات تاريخية، كوضع وتدوين الدستور ثم الاستفتاء الشعبي عليه، والدعوة للانتخابات وإلغاء مجلس الحكم المعين من قبل الاحتلال، وما إلى ذلك من قرارات مصيرية سجلت قدرة وحكمة ودراية لا تجارى… وبعد إنجاز هذا الخطير، انصرفت المرجعية إلى شأنها الديني، وانكبت على نشاطها العلمي، وجل همها إعادة بناء الحوزة، مترفعة عن شؤون الحكم، نائية بنفسها عن الإدارة، مخلية الميدان للتيار الإسلامي الذي طالما زعم الجهاد والتضحية، وادعى لنفسه الحق في الجني والحصاد، والغُنم، والاستئثار بالسلطة (متوهماً أن الحوزة تنافسه وتتحرق مثله إلى حطام الدنيا)!

    وما زالت علاقة المرجعية بالدولة يحكمها تناسب طردي بين النزاهة والإخلاص والأمانة، وإتقان العمل وأداء الخدمات وإنجاز المهام، وبين مباركة المرجعية ورضاها عنها ودعمها لها.. كلما أحسنت العمل حظيت بالدعم والتأييد والمباركة، وكلما أساءت أُبعدت وأُقصيت وقوطعت.

    ومع تردي الأداء إلى الحضيض، والانغماس في الفساد إلى الغرق، تأزمت علاقة الدولة بالمرجعية، وبلغت القطيعة التامة، وصار السيد السيستاني يمتنع عن لقاء أي مسؤول حكومي، ويرفض تقديم أي دعم وإعانة تضفي مشروعية على سياسات الدولة وتخدم إمضاء أدائها، وكان تدخله الأخير بفتوى الجهاد يحمل في واقعه وجهتين، واحدة تصدت للإرهاب وأوقفت التمدد والتوسع التكفيري، وأنقذت العراق من السقوط والرجوع إلى عهود الاضطهاد، وأخرى شكلت صفعة مدوية على وجه الحكومة الفاسدة العاجزة المنهارة (انتهت برحيل رئيسها)، لتأتي المظاهرات الشعبية ضد رجال الدولة والسلطة، تدق المسمار الأخير في نعش التيار الحداثوي وتعلن موته ونهايته المفتضحة.

    وقبل إرشادات المرجعية العليا وأدائها المحنّك ودورها في هذا السقوط، والمظاهرات الكاسحة، والمواقف المتلاحقة التي اضطرت إليها الحكومة لوقف “الثورة الشعبية”، كان أداءُ التيار الحداثوي قد كشف عن نفسه بواقعه المتردي المتخلف، وأظهر بسلوكه الفاسد المشين مدى خوائه وهزاله، وبان للجميع كم هو واهن في نفسه، موهن لعنوانه الديني وشعاره الإسلامي.

    الحقيقة إن الإسلاميين الحداثويين الذين تولوا حكم العراق لم يعكسوا في أدائهم أي نبل وعفة أو زهد وقناعة، بل أظهروا خبثاً وفجوراً وطمعاً ودعارة، نهَم وشرَه وخسة ودناءه، جسَّدت أقبح صور خيانة الأمانة التي أورثت ضياعاً للبلاد والعباد، حتى افتقد من قاموس القوم كل معاني الشرف والنزاهة! الحقيقة الجلية أنهم لم يكونوا في أدنى درجات المسؤولية، وأقل مستويات الكفاءة، ما أودى بمقولات طالما تبجحوا بها، ودعاوى متورمة متضخمة بحجم أهوائهم وعلى قدر ما تورمت الأنا والذات فيهم.

    كم كانوا يشكون ظلم حكومات الجور وفساد الحكام؟ كم كانوا يعارضون الأنظمة القائمة في بلادهم لنخبويتها وانفصالها عن الجماهير وعدم إحساسها بمعاناة الشعب وآلامه؟ كم كانوا يرمونها بالعمالة للاستعمار وخدمة مشروع الاستكبار؟ كم كانوا ينتقدون العلمانيين واليساريين والأحزاب القومية والوطنية وكل من لا ينطلق من الدين؟! كم كانوا يتغنون بالمشروع الإسلامي وبشائر العدالة والمساواة التي يحملها إلى الناس، والعز والرخاء والنزاهة والأمانة وكل قيم الأخلاق ومعاني الإنسانية؟!

    بل كم انتقدوا المرجعية لـ “تخلفها” وعدم اهتمامها بالشأن العام، كم أدانوا كفاءتها، بل حتى نزاهتها في إدارة الخمس والحقوق الشرعية، وهي لا تبلغ 1% من عشر معشار ميزانية الدولة العراقية التي أضاعوا وبددوا، أو نهبوا فأفلسوا!

    ها قد جاءهم الدور وسنحت لهم الفرصة، فماذا فعلوا؟

    منذ سقوط صدام واستلام هذا التيار السلطة في العراق بواسطة الاحتلال الأمريكي، وهو يضرب أسوء مثَل ويسطر أخس نموذج، ويعكس في سلوكه وأدائه حقيقته التي أخفتها الشعارات والدعايات، ويسجل انحطاطاً غير مسبوق في تاريخ العراق الحديث: تكالب على الدنيا لا تجده في العلمانيين واللادينيين، انعدام للأخلاق وتفريط في الالتزام الشرعي لم يقع فيه البعثيون والقوميون، طغيان وعبث وجشع لا سابقة له، ذروة في الفساد واستباحة المال العام فاقت كل جشع ونهم… ثم الاستخفاف بالثمن الذي يدفعه الشعب دماءً يسفكها الإرهاب التكفيري، ومعاناة لا تنتهي من فقدان أوليات أسباب العيش والحياة، من ماء وكهرباء، ناهيك بالصحة والتعليم والإسكان وما صار يعد في العراق ترفاً وبطراً، وهو ينام على ثروة غير متناهية من النفط والزراعة والموادر الاقتصادية الكفيلة بجعله جنة الله على أرضه.

    هذا هو أداء التيار الحداثوي الإسلامي، وهذا هو عطاؤه، ثبت بالحس والوجدان، وظهر نتيجة تجربة وبرهان…                  

    وبعد، فالنهاية و”القضاء” في لغة السياسة والتقييم العلمي، ومقام اختلاف المدارس الفكرية ونزاع النظريات وقل إن شئت صراع الحضارات، لا يعني موت الأجساد وغياب الأشخاص، بل هو فشل وسقوط النظريات، وبطلان المقولات وانتفاء المزاعم وزوال التأثيرات… لقد سقط التيار الحداثي، بشقيه السني (الإخوان المسلمين والوهابية وعموم حركات “الإصلاح” الديني) والشيعي (حزب الدعوة والمجلس الأعلى والتيار الصدري وحزب الفضيلة ومنظمة العمل وكافة الحركات التابعة لقيادة إيران وفكر علي شريعتي) في التجربة سقوطاً ذريعاً، وانتهى به الحال، وأُلقي على صعيد الإدارة والسياسة في مزبلة التاريخ… وقد يعود الاستعمار والاستكبار إلى الاستفادة من هذه القوى، ودفعها لتبوُّء القيادة وتولي السلطة، فهي صنيعتها وخيارها الوحيد، أو المفضَّل، ولكنها لن تعود لتخدع المؤمنين في القناعة بمشروعها، وحسن الظن بها، لقد سقطت الحداثوية فكرياً وسياسياً من الوجدان الشيعي، ولم يعد يؤمن بها إلا أتباعها ومحازبوها ومن هم على شاكلتها.                                                    

    وبقيت المرجعية شامخة بعلمها وبتقواها ونزاهتها وعدالتها… بقيت زاهدة مترفعة عن الدنيا، سواء في المال والمعاش، وطلب الشهرة والأضواء، أو في السعي للسلطة والإمرة… ما زال آية الله العظمى السيد علي السيستاني يلبس الثوب الذي كان يرتديه قبل سقوط صدام، ويسكن نفس البيت (لا تجاوز مساحته مئتي متر مربع)، ويأكل نفس الطعام! ما زال أبناؤه طلبة علم وأساتذة حوزة، يدرُسون أو يدرِّسون، ولا يستنكفون من عباءة مهترئة أو ثوب مرقع ونعل مقطعة! ما زال الرجل الأكثر محبوبية وشعبية في العراق والعالم الشيعي بأسره يفر من الشهرة ويتجنب الأضواء ويمنع نشر صوره ورفع اسمه! ما زال يتجنب مواقع الإمرة والسلطة والحكم، ما زال يقصر تدخله على أدنى الحدود التي يفرضها الواجب الشرعي، ويقتضيها الصالح العام، مقتصراً على ما ينحصر إنجازه به…

    هؤلاء هم رجال الله، ليوث جبهات الجهاد الأكبر وأبطال ساحات فقه آل محمد… ولا عزاء للأدعياء.

    هكذا استطاعت المرجعية أن تعرّي المزيف الخاوي، وتكشف المدعي الكاذب، وتقضي عليه، وتغرس في الوجدان الشيعي صدق قول الصادق عليه السلام: علماء شيعتنا مرابطون بالثغر الذي يلي إبليس وعفاريته، يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا، وعن أن يتسلط عليهم إبليس وشيعته النواصب، ألا فمن انتصب لذلك من شيعتنا كان أفضل ممن جاهد الروم والترك والخزر ألف ألف مرة لأنه يدفع عن أديان محبينا، وذلك يدفع عن أبدانهم. ويثبتون ـ بالعمل ـ صحة قوله عليه السلام: لولا من يبقى بعد غيبة قائمكم من العلماء والداعين إليه والدالين عليه والذابين عن دينه بحجج الله والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته ومن فخاخ النواصب، لما بقي أحد إلا ارتد عن الله عز وجل، ولكنهم الذين يمسكون أزمة قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكانها، أولئك هم الأفضلون عند الله عز وجل. وقول أبيه موسى بن جعفر عليه السلام: فقيه وَاحد ينقذ يتيماً من أيتامنا المنقطعين عنّا وعن مشاهدتنا، بتعليم ما هو محتاج إليه، أشدّ على إبليس من ألف عابد.

    لم يكن بين قم والنجف، أو بين التبريزي والسيستاني تنظيم ولا تنسيق، بل ولا اتصالات وتبادل أخبار..

    عرَّت قم التيار الحداثي وأسقطته عقائدياً، وها هي النجف الأشرف تعرِّيه وتسقطه سياسياً…                                                             _____________

    (1) كانت الإذاعة الإيرانية تجري لقاءات ميدانية مع عامة الناس مناسبة الاحتفال بذكرى ميلاد الزهراء، وقد التقت أمرأة قالت إن مثلها الأعلى في الحياة هي “أوشين” (بطلة مسلسل تلفزيوني كان يتابعه الإيرانيون في ذلك الحين، تصورها القصة عصامية مكافحة)، لا الزهراء عليها السلام، التي قالت إنها تمثل تراثاً وتاريخاً قد مضى، والحياة تتطلب أسوة معاشة معاصرة! فحكم السيد الخميني بإعدامها هي والمخرج والمذيعة التي أجرت المقابلة (وقد درأ الحد بعد ذلك عند ثبوت عدم القصد، واكتفي بالتعزير)، وقد أرعبت الفتوى الحداثويين وألجمتهم، وأدخلتهم في دوامة الاحتيال واللجوء إلى ما يصرف الأنظار عن ضلالاتهم التي تجعلهم عرضة لموقف مشابه!

    (2) لا يعني هذا أن مرجعية النجف الأشرف جارت الحداثيين في انحرافاتهم العقائدية وأغضت عن فكرهم الإضلالي، لكنها رأت الكفاية في تصدي قم، لذا تراها تتصدى اليوم للتيار الإضلالي الذي يحاور تصدير مناهج الحوزة الحكومية في إيران إلى النجف الأشرف، وقد نظم السيد السيستاني جبهة مقابل هذا الغزو، تخندق فيها بشخصه، واعتبر الأمر ثغراً دونه الدفاع!

  • نحو فهم سياسي واع…..

    —————-

    في “الخرايج” للقطب الراوندي، عن أبي بصير قال: كنت مع الباقر في مسجد النبي إذ دخل المنصور وداود بن سليمان، فجاء داود إليه، وجلس المنصور ناحية المسجد، فقال الباقر: أما ان المنصور يلي أمر الخلائق فيطأ أعناق الرجال، ويملك شرقها وغربها، ويطول عمره فيها حتى يجمع من كنوز الأموال ما لم يجمعه غيره. فقام داود من عند الباقر وأخبر المنصور بذلك، فجاء المنصور إليه وقال: ما منعني من الجلوس عندك إلا جلالتك وهيبتك، ثم قال: ما الذي يقول داود؟ قال: هو كائن لا محالة. ثم قال: مُلكنا قبل مُلككم؟ قال: نعم. فقال: ويملك بعدي أحد من ولدي؟ قال: نعم. ثم قال: مدة ملكنا أطول من مدة ملك بني أمية؟ قال: نعم، فيلعب صبيانكم بالملك كما يلعب بالكرة.

    وفي الطور الأخير من عمر الدولة الأموية، حين كانت آيلة إلى السقوط، ندب عبدالله المحض شيوخ بني هاشم، إلى بيعة ابنيه محمد (الملقب بالنفس الزكية) وإبراهيم ليقوما بالأمر، وكان الصادق عليه السلام ممن دعي لهذا الاجتماع، وقد امتنع عن مبايعتهما، فقال له عبدالله: فمد يدك لنبايعك! فقال: “والله ليست لي ولا لابنيك، إنها لصاحب القباء الأصفر، ليلعبن بها صبيانهم وغلمانهم”، وكان المنصور العباسي يومئذ حاضراً وعليه قباء أصفر.

                                @ @ @

    إذا أردنا أن نستشرف المشهد بوعي وبصيرة تتجاوز نتاجات العقل الجمعي، وتتخطى الأطر التي يريد الإعلام أن يصب فيها تفكيرنا ويوجِّه نحوها فهمنا ويقود تحليلاتنا، مما وقع فيه السياسيون الإسلاميون من التيار الحداثي التافه، فارتهنهم وأسرهم، لفرط جهلهم وضحالتهم، أو حين انقادوا لأهوائهم ونشبوا في حبالة عمالتهم.. فسنجد أن العالم يخضع لقوة عظمى، هي رأس وقمة منظومات متعددة من القوى الكبرى، تتقاسم السلطة وتتوزع المال، تهيمن على العالم وتتولى إدارته على النحو الشرير الذي نرى ونشهد.

    عالم مطبق في الظلم والجور، ممتلئ بالفساد والانحطاط، غارق في التزييف والدجل، على الرغم من كل دعاوى التطور والمدنية، والتبجح بالقيم الأخلاقية والإنسانية، ومزاعم المثُل السياسية المتطورة ولا سيما الديمقراطية. كل هذه أكاذيب وخدع وخيالات وأوهام.. حتى التطور العلمي والتقني (في المعلوماتية والاتصال والنقل والطب والسلاح وغيرها)، فإن المبذول المتداول منه، هو طور وإصدار متخلف (لعله طوي منذ عقود) بالنسبة لما يستأثرون ويختصون به أنفسهم، في دوائر سلطتهم وأدوات حكمهم العالم.

    وكنا في السبعينات نستشهد على هذا الظلم والتردي بتباكيهم على مجاعات تفتك بالهند وأفريقيا تستتبع حملات إغاثة، في مقابل إلقاء ملايين الأطنان من القمح في المحيطات، للمحافظة على سعره!.. وها قد ظهر كم هو ساذج هذا المثل، وقليل في إدراك مدى انحطاط وجور القوى الكبرى، مقارنة بما انكشف اليوم وبان، فهم يخلقون الإرهاب، يأسسون له عقيدة ويجعلون له ديناً، يغذونه ويربونه، يدعمونه بالمال والإعلام ويوفرون له الغطاء السياسي والحقوقي الذي يبلغ درجة الحرية المطلقة والحصانة التامة، ويتكفلونه في بيئات حاضنة، مستنقعات آسنة، ينشأ فيها ويتكاثر، حتى إذا استفحل بعد أن تتم الحشرات دورتها، والبيوض فقسها، وصارت تحمل الملاريا والطاعون، بل حين تخرج قطعان الضباع من أوجارها، وتفلت في الفيافي والقفار من عقالها، لتقحم المدن وتجوب الحواضر وهي تتضور جوعاً وتتعطش للدماء سفكاً، تنقض على المجتمعات الآمنة تنهش وتفترس، وتفتك وتدمر.. عندها، نهضوا لمحاربتها، وأدخلوا الشعوب والبلاد في طور جديد ومرحلة تالية، وخلقوا جبهات أقحمونا فيها، شئنا أم أبينا!

    هذه القوى هي التي تحكم العالم وتسيطر عليه، وهي وإن تفاهمت وتقاسمت الحصص، لكنها تتنافس فيما بينها وقد تتصارع وتتحارب، هي ومن تبعها من بلاد متخلِّفة ودول موكول بها إدارة مناطقها وبلادها، بشعوبها وخيراتها..

    فإذا انتفض شعب ونهضت حركة، وقامت على النظام العميل الفاسد، ينظرون: هل تصب الحركة في طول مصالحهم وتنسجم مع منظومتهم؟ (وهي عريضة واسعة تستوعب صوراً متنوعة وأشكالاً مختلفة، بل متناقضة في بعض الأحيان!).. فإن وجدوها تفعل، دعموها ونصروها، أو قل: أفسحوا لها لتنتصر وتسقِط سابقتها، ويبقون يرقبون، يتحينون ساعة تدخلهم ولحظة الجني والحصاد التي تعيد ملأ صوامعهم، وتجعل الثورة تنطوي تحت عباءتهم وتدخل في كنفهم، بعد أن تركوها حيناً ولسان حالهم: “ذره في سنبله”. أما إذا أدركوا في الحركة أصالة ونقاءً، وعرفوا سعياً لنشر العدل ونفي الجور، وتحسسوا خطراً جاداً قد يزهق الباطل ويقيم الحق حقاً، ورأوها تقاتل في الجبهة الحقيقية، لا تخدعها الجبهات الوهمية ولا تنشغل وتلهو في الجانبية، حاصروا الثورة وقمعوا الحركة ونكلوا برجالها، حتى يقف المؤمن الذي تعجَّل القيام على حقيقة أنه “فرخ طار ووقع من وكره فتلاعبت به الصبيان”، وكيف “اصطلمته البلية وكان قيامه زيادة في مكروهنا وشيعتنا”..

    وبعد، فإن القوى العظمى ليست أمريكا ولا روسيا، ولا بريطانيا ولا فرنسا، ولا الصين ولا اليابان ولا ألمانيا، ناهيك ـ بطبيعة الحال ـ بالأنظمة التابعة، والدول الموزعة على مناطق نفوذ هذه وتلك… هذه كلها دمى على مسرح عرائس، أحجار بيادق وفرسان ورواخ وفيلة، على رقعة شطرنج تحركها مراكز أصل ومنظمات أُم، كالماسونية والصهيونية ودوائر أخرى لم يظهر لها اسم ولا بان لها رسم، ولم تطالها حتى الإشارة بعد!

    ووراء ذلك كله شخص واحد غائب عن المشهد، متوار عن الأنظار، قابع في مخبئه، مستتر بمكائده وحيَله، متخف بأشكال لا تخطر على البال! وهو ـ في الوقت نفسه ـ ملازم لجنده وأبنائه، ومرافق لأنصاره وأعوانه، ملتصق بهم، لا يتركهم خطوة ولا يفارقهم طرفة، حتى إنه ليجري منهم مجرى الدم في العروق! إنه الشيطان الرجيم… الكائن الذي تحدى الله تعالى منذ خلق البشر! وأبى لهذه الحياة إلا الصراع، وآلا على نفسه إثبات فشل فكرة جعل خليفة لله في أرضه، وبطلان وراثتها وإعمارها بما يرضيه سبحانه وتعالى.

    هنا فقط يجري الصراع وتدور رحى الحرب وتقوم المعركة، هذه هي الجبهة الحقيقية الوحيدة، أما بقية الجبهات فظاهرية وهمية، جلها تكتيكات ومناورات، فرقعات إعلامية تصم الآذان وتغشى الأبصار عن الحقيقة.. هذا هو الميدان فحسب! وما سواه يريد الإغواء ويهدف الإلهاء، والغريب أن الجميع هنا يجهد بإصرار أن تبقى الحرب الحقيقية خفية، ويحرص أن تمضي غير معلنة، لا تظهر للعيان، ولا يأتي أحد على ذكرها في الإعلام! كأنها لا تدور في مكان ولا تحتدم في زمان، حتى إنهم لا يتداولون اسم القائد وذكر الآمر الأكبر الذي يدير الحرب، ويوجه المعركة ويتولى أمرها! وقد ترى أحدهم يلعنه ويستعيذ بالله من شره إذا نسي شيئاً أو تثاءب من نعاس، وهو منخرط في جبهته، متموضع في صفوفه، خادم مخلص لمنظومته، جندي متفان في جيشه ودولته!

    لقد صنع الشيطان بكيده اصطفافات وخلق جبهات، أغوى بها المؤمنين فالتحقوا وانتظموا في صفوفها باسم الحركية الإسلامية، والمعارضة وانتزاع الحقوق، والتطوير والحداثة، والتنوير والعصرنة.. وقد وهبهم بعض الفتات كطُعم، حتى تنطلي الخدعة ويغلب الوهم. والمهم الذي حققه، والخطير الذي أنجزه، أنه ألحقهم بمنظومته وأدخلهم تحت مظلته وسقيفته!

    وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أين أعوان الظلمة ومن لاق لهم دواة، أو ربط كيساً، أو مدَّ لهم مدة قلم، فاحشروهم معهم. وقال الصادق عليه السلام: ما أحب أني عقدت لهم عقدة، أو وكيت لهم وكاء، وإن لي ما بين لابتيها، لا ولا مدة بقلم، إن أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتى يحكم الله بين العباد. وعنه عليه السلام: من سوَّد اسمه في ديوان ولد سابع حشره الله يوم القيامة خنزيراً. وعنه يضاً: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الظلَمة، وأعوان الظلمة، وأشباه الظلمة، حتى من بري لهم قلماً، ولاق لهم دواة قال: فيجتمعون في تابوت من حديد ثم يرمى بهم في جهنم.

    هكذا يسيطر إبليس وينتصر.. وعبر هؤلاء يدير معركته ويباهي بتفوقه، لا بالمال والاقتصاد، ولا بالسلاح والعتاد، ولا بالتطور التقني، فهو يعلم أن لا قيمة لهذه ولا شأن لها ولا خطر، فهي ستتعطل وينتهي أمرها بين ليلة وضحاها إذا ظهر قائد الجبهة الأخرى وبدأت المعركة النهائية الكبرى، إنما القيمة كل القيمة للهيمنة على النفوس وتطويع الأرواح، بعد خداع العقول والضحك على الذقون!

    انتصر الشيطان وما زال منتصراً وهو يجند الناس ويلحقهم بمنظومته وجبهاته ويدخلهم في حروبه ويخوض بهم معاركه، ولو كشف الغطاء لرأيته يسخر من فرحة بعضهم بالنصر هنا، وحزن آخرين على الهزيمة هناك، فكلها غيوم ستمطر في حقول إليه محاصيلها، وله نتاجها وريعها، والمغلوبون المخدوعون يحسبون أنهم يجاهدون ويناضلون ويحسنون صنعاً.

    كل من خاض هذا المعترك وقحم هذا الميدان، تحت أي عنوان كان، فهو داخل في هذه المنظومة ومنتسب إليها بنحو وآخر، كل من اجتهد وأراد أن يحكم ويشخص الواقع بواهي نظره، ويبني على قليل علمه، ويراهن على سخيف عقله (هذا للمخلص المستضعف، ولا شأن لنا بالعامد الذي باع نفسه)، فهو مغلوب مهزوم، مركوب، امتطى إبليس ظهره وسخّره دابة يقضي عليها وَطره، وإن كانت ثمة عمامة تجلل رأس صاحبها، وغطاء يستمد المشروعية من الحركية الإسلامية والثورية والجهاد، يواري هنا ويضلل هناك، فهو لن يخفي الحقيقة، ولن يغير في الواقع الشيطاني شيئاً، وها هو قرنه ينبت في رؤوسهم ويظهر من فوق عمائمهم.

                                @ @ @ 

    ترى مَن يملك اليوم ويحمل “مصحف فاطمة”؟ من له أن يعرف الحاكم القادم “ذا القباء الأصفر” في هذا الزمان؟ من يحيط بآجال الدول والأنظمة والحكام والسلاطين؟ فإذا تحرك وثار وقام، لا يكون كنازح البحر بمغرفة أو دلو؟! أو مزيل الجبل بإزميل ومعول؟ و”إن إزالة الجبال الرواسي أهون من إزالة ملك مؤجل لم تنقض أيامه”؟ ماذا لو كشف الغطاء عن بعضهم، أو عادت بهم عجلة الزمن ليعيشوا ثانية فترة سبق أن عاشوها، وشهدوا مسبقاً ما سيجري ومن سيحكم فيها؟! كيف عساها أن تكون حركتهم، وهم يعلمون أنهم يلاحقون سراباً ويجهدون بلا طائل، فلا نصيب لهم في حكم ولا حظ في ملك؟ أتراهم سيقومون ويثورون؟ هل سيضحون بالدماء والأعراض ويبذلون الأموال؟!

    لا سبيل للخروج من هذا المعترك الشائك والمعضل العصيب، معضلة الحمل على الوجوه، وجدلية النقض والإبرام، والنزاع على التشخيص والمصداق، إلا بالانتساب والالتحاق بالجبهة الأخرى، الوحيدة الصادقة والقادرة على مواجهة إبليس وقهر الشيطان، والارتباط بقائدها الحجة بن الحسن العسكري صلوات الله عليه:

    عمَلياً: عبر الرجوع إلى نوابه الحقيقيين، المخلصين المسددين، الذين لا ينشدون حكماً ولا يسعون إلى سلطان، لا يرفعون راية ولا يدعون إمامة وولاية… ولا بد هنا من خوض معركة التمييز بينهم وبين الأدعياء المزيفين، فلا مناص من هذا ولا سبيل سواه. وعندها إذا أفتى المرجع الأتقى الأعلم بجهاد، ودخل في حركة وخاض معركة (كما هو الحال في تصدي الحشد الشعبي للتكفيريين)، علمت أنك في جبهة الحق، وأنك من كيد الشيطان في حصن وأمان.

    وروحياً: عبر زيارته وتعاهد سبل التواصل معه والارتباط به (وحري بنا التزام مراجعة “مكيال المكارم”)، ولا سيما مبايعته وتجديد العهد له في كل يوم..

    لا ينجوا من كيد الشيطان الذي توعد: “رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين” ، “إلا عبادك منهم المخلصين”، الخارجين عن تلك السقيفة، الذين لم يغتروا بالحياة الدنيا عن الآخرة، فزحزحوا عن النار.

    وبعد، فإن ما ترى من غلبة وملك وسطوة وقهر، لا يعني أن القدرة لحزب الشيطان دوماً والنصر حليفه أبداً… كلا، فإن كيد الشيطان ضعيف، وإن يسلب الذباب جنده شيئاً لا يستنقذوه منه، ضعف الطالب والمطلوب…

    إن السلطان والقوة الواقعية في مكان آخر، والأمور طرّاً بيد المولى صلوات الله عليه، وهو يدير من مغيبه المعركة ويدبر أمر العالم، ولا سيما أمر مواليه ورعيته.. لكنه لا يشاء إلا ما يشاء ربه، وقد قضى أن تجري الأمور بأسبابها، فحكمت الطبيعة، وغلب قانون الأرض والمادة والدنيا، فلزم أن تستوفي الفتنة مداها، ويأخذ الابتلاء وسعه، ويقضي أرباب الباطل وطرهم ويأخذوا فرصتهم.. وهذا كله مجلل محكوم بأصل: “إنا غير مهملين لرعايتكم، ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء واصطلمكم الأعداء”.

    ويكفي للتدليل الوجداني ما يُشهد في أدائهم من مواقع ومحطات تبعث على الذهول، أخطاء قاتلة، وسعيٌ أشبه بالجنون، يتخبطون ويتصارعون، فيخربون بيوتهم بأيديهم، ويقوضون صروحهم بمساعيهم. ماذا عسى المراقب أن يحلل ما فعلوه بطالبان أفغانستان، وبصدام العراق، وبالقاعدة في كل مكان؟! هل من خدم وجند لإبليس أوفى من هؤلاء؟ هل من أنصار للباطل أخطر من أولئك؟ ماذا عساه أن يتمنى الشيطان ويرجو من أعوان وأنصار أفضل من هؤلاء الذين صب حممه على رؤوسهم ودك مواقعهم وأجهز عليهم!؟ بل حتى القاعدة نفسها، مَن الذي استدرجها وأعمى عينها وكاد بها، لترتكب تلك الحماقة وتضرب في عقر دار سادتها وتطعن ظهر الذي غرس نطفتها وزرعها في رحم الجزيرة من قبل وغذاها؟

    إنها إرادة المولى، ويده العليا، أدارت كيدهم ليعود عليهم ويرتد إلى نحورهم، وساقتهم ليعثروا في حبالتهم ويسقطوا في حفرتهم.

    إنه صلوات الله عليه يرعانا، ويتولى أمرنا بدقة تفوق حواسيب القوم وأجهزة رصدهم وتجسسهم، والتقارير تعرض عليه، كل اثنين وخميس… وليس علينا إلا أن نحسن علاقتنا وارتباطنا بإمامنا، نتأدب في حضرته، والعالم كله حضرته، نحذر ما يوجب سخطه من هتك المقدسات، لا نخرج من حزبه وكنفه إلى انتسابات وانتماءات وولاءات منحرفة، تعظم تافهين، وتوقر حقيرين، وتتبع منحرفين… وإذا وقع غيرنا في فخ وبلاء وفتنة غيبته صلوات الله عليه، فشككوا في وجوده، فلا نقعن نحن أولياؤه في تغييبه، فنجاريهم ونقترن بهم، ونتجاهله والعياذ بالله.

    لقد قضى الله سبحانه وتعالى أن لا يُعبد إلا إياه وبمحمد وعلي إحساناً، ووعد أن يرث المستضعفون الأرض ويمكنهم فيها.. فإذا استوفت الأمور مقاديرها، ونضجت، ومضت البشرية المستكبرة في عصيانها وجبروتها وجورها، وأمعنت في تمردها وعقوقها، أتاها أمر الله بما يرغم أنفها، ويمرغ كبرياءها في وحل الهزيمة، ويركسها في الضعة والهوان.

    وحتى ذلك الحين، علينا أن لا ندخل في بيعة غيره، ولا نتخذ دونه وليجة وسواه مطاعاً، وأن نأوي إلى كهف ولايته، وإن اقتضى الأمر أن نبات ونرقد في سبات، فهناك أيد ستقلّبنا ذات اليمين وذات الشمال، وإذا وافانا الأجل، فإن الميت في فراشه وهو على هذا الأمر شهيد، كالمتشحط بدمه بين يدي رسول الله، وسنبعث من جديد في الرجعة لتقر أعيننا بيوم النصر الموعود، فهل من رحمة ونعيم بعد هذا؟!

    “وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقاً”

  • “علي فوق الشبهات”؟!… أ لِعلي يقال هذا يا أكرف؟

    أ لِأميرالمؤمنين وقوام الدين وميزان العدل ومنبع الصواب، الذي به يميَّز الحق من الباطل، والشريعة من البدعة، واليقين من الشبهة، يقال هذا يا هذا؟! وإذا كان سلام الله عليه قد عبر في واحدة من مناسبات صراعه المرير مع الباطل بأن الدهر أنزله حتى قيل فلان وعلي، وهدرت شقشقة وارتفعت صرخة ولوعة صكت سمع الملكوت أن صار يقرن إلى تلك النظائر… فماذا عساه أن يقول في “حكم براءة” أصدره حزب منحرف، وشهادة  “حسن سير وسلوك” أصدرها بحقِّه منشد أخرق؟!.. ألا قرت العين وطاب الرقاد، فعليٌّ عندهم فوق الشبهات!

    ولعمري، من أي التهم برَّأُوا علياً وعن أيها نزَّهوه؟ من التكفير وعنه! أيحتاج مرتكز الإيمان ومحوره، وجوهر الدين وكنهه، لشهادة هذه الأضراب؟ أيفتقر أصل الإسلام وفرعه، وفيصل الحق ومحكِّه، إلى تزكية من هذه الأخلاط والأخناف؟ وهو عنوان القضية وأساسها، وأصل الأمر وصاحبه؟ أيسأل عن الكفر مَن الإيمان حبه والكفر بغضه؟ أيعتري الريب في مَن “المتقدم عنه مارق والمتأخر عنه زاهق واللازم له لاحق”؟

    بالله كيف يربي هذا الحزب أتباعه، وبماذا يغذي أعضاءه، وعلى أي المعارف ينشئ أبناءه؟ إلى أي المدارس الفكرية والعقائدية ينتمي هؤلاء؟ ومن أي العلوم يستقون ما يسمح لهم بهذا الهراء؟ وأي الأيديولوجيات والمدارس يتبعون، ولأي المذاهب ينتسبون؟ كيف تهدر القيم وتضيع المعايير وتغيب الأخلاق حتى تخفى أوليات مخاطبة الإمام المعصوم وآداب التعبير عنه في محاورات القوم وثقافتهم؟ فيقحم شاعرهم، يتبعه منشدهم، أعلى حمى الدين، ويهتك أمنع مواقع الخفر في المذهب، ولا يبالي… ألا فليندب النادبون: بأبي من عقيد عز لا يسامى، وأثيل مجد لا يجازى، وتلاد نعم لا تضاهى، ونصيف شرف لا يساوى.

    كيف يتجرأ شيعي يزعم العلم والأدب فيفُوه بهذه التعابير عن أميرالمؤمنين ويعسوب الدين؟ وهو يتلو الجامعة الكبيرة، ويزور بأمين الله، ويقرأ: “صاحب السوابق والمناقب، فارس المؤمنين وليث الموحدين، قاتل المشركين ووصي رسول ربِّ العالمين، مَن أيَّده الله بجبرائيل وأعانه بميكائيل، عين الله الناظره ويده الباسطة وأُذنه الواعية وحكمته البالغة ونعمته السابغة ونقمته الدامغة، شجرة طوبى وسدرة المنتهى، حبل الله المتين وجنبه المكين، أخي الرسول وزوج البتول وسيف الله المسلول، صاحب الدَّلالات والآيات الباهرات والمعجزات القاهرات”؟

    وإنما بدأت بهذا وقدَّمته استطراداً من سياق وتفريعاً على أصل، وها أنا أعود إلى مكمن المصيبة وقلب الرزية، وأبكي موضع الثلمة ومحل الداء.. فأتوقف هنا وأستدرك، وأعرض فاجعة أعظم وخطباً أفظع ألـمَّ بالقوم ونزل، وأحاط بهم واستحوذ عليهم، حتى صفعوا به ـ من سفَهٍ ـ الدين، ولدموا ـ من ضلال ـ المذهب، بل شجُّوا ـ من تعاسة ـ رأسه، وفلقوا ـ من شقاء ـ هامته!

    فاللطمية الرثة المهلهلة، التي يبدو أن شاعرها أكدى وأُرتِج عليه، فأضاع الوجدان وعُدِم الإنصاف، كما أزرى بالذوق وفقد الإحساس، وهو يلبسها أسمالاً بالية ويقدمها شبه عارية… تريد ـ وهي على هذه الحال ـ أن تعيد صياغة أُصول الدين وفروع المذهب، وتُؤسس لهدم البراءة وإلغاء اللعن (من رأسه، ما كأن نزل به قرآن، ولا تواتر حديث)، وتجول وتتنقل بقريحة نكدة وخاطر صلد، بين أحداث تاريخية (مدَّعاة ومفتراة)، تغزل أنكاثاً وتنسج وَهياً وتحوك نقضاً، بوتيرة وطور نشاز ولحن يسقم المزاج، لتنتزع فكرة وتستنبط مفهوماً تنسبه إلى الدين وتدرجه زوراً في شريعة سيد المرسلين، ينفي العداوة ويقتلع البراءة من جذرها، ويقرر في واقعه مقولة: “معاوية رضي الله عنه قتل حجراً رضي الله عنه لأنه يوالي علياً رضي الله عنه”! ويمضي في كذب وتدليس، أين منه كيد إبليس!

    أعليٌّ يذود عن الباطل ويقتدي في صلاته بالفاجر؟!… أ لِعلي ينسب هذا وبه يُـلصق يا أكرف؟

    أما كفاكم ما وقع في الأمة من مآس وفجائع، وحروب باسم قتل عثمان والمطالبة بدمه، حتى افتريتم واخترعتم وجهاً جديداً للفتنة؟ فزعمتم قتَـلَة جدد لعثمان هم عمومته وصهره من بني مروان؟ ما لم يسبقكم إليه أربعة عشر قرناً من الافتراء!

    ولست أدري أ تلك الوقاحة هي أخطر ما في القصيدة أم هذا التدليس العقائدي؟

    ولا يكاد ينقضي العجب من إصرار القوم على اللطم الموسيقي! واللطم مظهر تلقائي لحالة الجزع التي يعيشها الانسان، وطور متقدم للحزن الذي يبدأ بالتجهم، ثم البكاء، فإذا بلغ مداه انعكس لطماً وخمشاً للوجوه وشقاً للجيوب، وقد دخل مفردة ثابتة في الشعائر، وصار أداؤه الجماعي (المصاحب للمراثي والندبيات) من أبرز عناوين وطقوس العزاء الحسيني… والقوم قلبوه ووظّفوه ضابط إيقاع لأُنشودة سياسية، واستخدموه منظِّم وتيرة ولحن لإلقاء قصيدة تجارية! فهل من ثمرة وعاقبة لهذا الأداء غير تشويه الشعيرة؟ تراهم يلطمون على محتوى سياسي كإدانة الإرهاب ونصرة فلسطين، أو أخلاقي تربوي كالحث على الحجاب وتقبيح ارتداء الأزياء الخليعة وصرعات تسريح الشعر الغربية.. بالله هل هذا مما يلطم عليه ويجزع؟! وكان من دأب الرواديد الحسينيين الأصيلين (أمثال المرحوم حمزة صغير وملا وطن النجفي) وسيرتهم أن يمتنعوا عن اللطم إذا أنشدوا نصاً في المديح، أو ألقوا قصيدة تعالج قضية اجتماعية وأخلاقية… فينأون بشعيرة اللطم عن هذا الإسفاف، وينزهونها من السماجة والتحايل في الأداء.

    لكن القوم أبناء حزب الدعوة الذي نشأ وترعرع على عداء الشعائر الحسينية، وجعل حربها قضيته الأولى، واتخذها هدفاً ومغرماً في مكافحة ما يعتبره تخلفاً ورجعية في الوسط الشيعي التقليدي، ومن أدهى المكائد في صراع الأفكار وحرب العقائد، التلبس بزي حمَلَتها، ثم تشويهها والإساءة إليها (كما فعلوا بالمرجعية عبر الأدعياء)!

    إن من يعجز عن إدراك كنه المذهب وجوهر الدين وعمق الولاء، ويخلط في فهم أحداث ترقى إلى البديهة في تلقي الشيعة وتسالمهم جيلاً بعد جيل، ويخفى عليه المراد الجدي من فعل المعصوم ومواقفه مع أعدائه وغاصبي حقه (إن قلنا بوقوعها تنزلاً وجدلاً)، وهو يزعم الوعي والحركية السياسية، بل ويمارس البراغماتية ويعيشها بأقبح صورها!؟ وكذا من لا يحسن التعبير عن أميرالمؤمنين وينزله منزلة غيره من سائر الناس… لا يجوز أن يرفد الساحة ويقود حراكها الثقافي والأدبي، ولا أن يتصدى لأي موقع وشأن تربوي يطرح المفاهيم الدينية ويغرسها في الشباب.

    ولن أتجنى إن قلت: ألا شاهت الوجوه وكلحت… أهذا عطاء البحرين، بلد المعاناة والصمود، والتضحيات والإباء؟! وقد كانت يوماً معقل الولاء وفخر شعائر العزاء وثاني كربلاء؟!

    ألا خاب السعي وتربت الأيدي وخسرت الصفقة… وفي أمثلة العرب: أوقح من بغِي، وهو يضرب لمن خلع الحياء وبلغ الغاية في الصلافة والوقاحة. فحتى يقدم أحد على إلقاء هذا القول المنكر في ولي الله الأعظم، واجتراح هذا الإفك على المذهب الحق، ينبغي أن يكون من الوقاحة في النهاية، وإلا فهو الجهل المستحكم والخواء المطبق.

    وبعد، كونوا أشياع من شئتم وأنصار من ارتضيتم، انهضوا باحتجاجهم وقاتلوا تحت راياتهم، فسنعلم وتعلمون، وارتقبوا إنا مرتقبون… انتفضوا للآصفي، وابكوا حزب الدعوة، نافحوا عن فضل الله، واحتضنوا الحيدري، فما هو إلا فحيح الأفاعي، وسحر النفاثات في العقد، لن يلبث أن ينقلب عليكم، وإن رجالاً من الإنس استعاذوا برجال من الجن فما زادوهم إلا رهقاً.

    أما نحن فشيعة علي، ننتفض إذا مُسَّ إمامنا أو انتُقِص، وننهض إذا دهم مذهبنا ما يشينه ويريبه، لا نوالي إلا آل محمد، نغضب وننتصر لهم، ولا نستقي ديننا من غيرهم، لا من دول وحكومات، ولا تحدد مواقفنا أحزاب ومنظمات.

    تُب يا أكرف إلى الله، واجعل صوتك وحنجرتك وقفاً على آل محمد وحكراً على سيد الشهداء، اخرج من هذا الوسط الموبوء، لا تخف إرهابهم ولا تخش حصارهم، لا تكترث بإغراءاتهم، ولا تبال بقطع إمداداتهم، ولا تركن إلى تسويل شيطانهم، وسترى إعزاز الله وبركة الحسين، كيف ستغنيك عن كل حاجة، وتكفيك كل شر، وتدفع عنك كل سوء وكيد وبلاء.

    اللهم اجعلني وجيهاً عندك بالحسين عليه السلام.

  • عندما حاورت صديقاً موالياً لإيران حول هذا الموضوع، أذعن وأقر بالحجج والأدلة الناهضة به، لكنه نزَّه القيادة عنه، ونفى وجود أوامر منها بهذا الشأن، وأرجع ما عرضته إلى أيدٍ مشبوهة خائنة تعمل داخل الجمهورية ومؤسساتها… (وساق شاهداً من الأخبار التي تُنقل بين فينة وأخرى حول كشف جاسوس روسي يعمل داخل الإدارة الأمريكية منذ عقود، والعكس، عن عميل أمريكي اخترق القيادة الروسية، فلماذا نستبعد وجود عملاء داخل مؤسسات الجمهورية، وهي تعتبر فتية ناشئة بالنسبة إلى تلك العريقة؟) وقال: هناك وصوليون يتحركون لأهدافهم الخاصة، يسترزقون ويعتاشون على إذكاء هذه النزاعات، ويستأكلون بهذا الخطاب (فهم لا يملكون بضاعة غيره، وهو يكفيهم مؤونة الجهاد وأخطاره، ومشقة طلب العلم وعناءه)، يفتعلون الفتن ويخلقون الأزمات في البيت الشيعي، ويشغلون الساحة، فيخلق لهم موقع، وتصبح لهم قيمة، ومن ثم دور لا ينهض به غيرهم، في إدارة هذه الحروب القذرة. وعدّد الرجل أسماء بعضهم، أُرجئ نشرها إلى مناسبة أخرى… وعلى الرغم من السذاجة وحسن النية في  طرحه، إلا أن هذا هو ما تمنيته ورجوته، فلا تكون معركتنا ضد جبهة تمتلك القدرة على هدِّ أركان المذهب، وقوة تستطيع تقويض البيت الشيعي من داخله ولا تبالي… ونحن في جبهة الأصالة الشيعية، الذين لم يشربوا الانحراف ولم يكرعوا في نهر الضلال، نتموضع مع الحوزة والمرجعية، ضد تيار الحداثويين الشيعة.. نحن بين أمرين وفي فريقين، الأول ينادي أن: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده، وآخر يشمخ صابراً محتسباً: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله… وعلى أية حال دعنا نرجو أن يصدق تحليل صاحبنا، ونتضرع أن يكفي الله المؤمنين القتال.

    مرت العلاقة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والمرجعية في النجف الأشرف، بمراحل ثلاث:

    الأولى: عندما تولى المرشد الأعلى المرجعية الدينية، حين أعلن في خطاب تاريخي له النزول عند رغبة الجماهير وقبوله التصدي للمرجعية بعد القيادة السياسية، لكن الغريب أنه قسَّم المرجعية تقسيماً وطنياً أو إقليمياً، وهي سابقة في التشيع، وأمر محدَث في فقه الإمامية. والأخطر الأشنع كان في تعليله وطرحه لفلسفة هذا التقسيم وخلفيته، فقد برَّر تصديه للمرجعية خارج إيران دون داخلها، بوجود مَن به الكفاية في الداخل، دون الخارج! ما تضمَّن طعناً سافراً بمراجع النجف الأشرف، وقولاً صريحاً بعدم جامعيتهم للشرائط. وهذا في حقيقة الأمر يرتكز على مبنى ومعتقد يؤمن به الثوريون ويتداولونه في أوساطهم، وهو مبثوث في أدبياتهم، ويلقِّنونه أتباعهم ويحرصون على نشأتهم عليه، بأن المرجع الذي لا يتصدى للشأن السياسي ليس بجامع للشرائط، ولا مستوف ما يؤهله للإفتاء والرجوع إليه بالتقليد (والشأن السياسي عندهم وفي قاموسهم، يعني نصرة الجمهورية والعمل مع الحكومة والانخراط في النظام)، ويعرف أغلب الطلبة والعلماء، وكذا بعض المثقفين، أن كل ما يطرحه تيار إيران في الساحة من عناوين ويرفعه من شعارات تخالف هذه الحقيقة، هو للاستهلاك الإعلامي، واستغفال العوام، وذر الرماد في العيون.

    وقد اقترن ذلك بموقف صاعق آخر فجره الشيخ أحمد جنتي إمام جمعة طهران وعضو مجلس خبراء القيادة ورئيس مجلس صيانة الدستور، حين عرَّض بالسيد السيستاني قائلاً بأننا لا نقبل أن تعين البي بي سي من بريطانيا المرجعية الشيعية! ما أحدث امتعاضاً شديداً وسخطاً كبيراً في الحوزات، اضطر الرجل إلى أعلان التوبة والاعتذار.

    ومما عقَّد المشهد على الإخوة في إيران، الحنكة والأداء السياسي المبهر الذي ظهر به السيد السيستاني، الذي استطاع بحكمته خلق توازن فريد جمع حفظ دماء الشيعة مع عدم التعاون مع المحتل الأجنبي، وذلك في خضم طعون وقحة كانت تتوجه إليه من النواصب (وأعبر بهذا، لأن الحالة التكفيرية والإرهابية لم تكن قد تبلورت بعد، وكان بعض السذج ينعتونهم بمقاومي الاحتلال ويصفون قتلاهم بالشهداء، ولربما أمدوهم بالدعم!)، وكان أتباع إيران، يجترون مقولات النواصب حول موقف المرجع الأعلى من المقاومة المسلحة، ويأخذون عليه عدم فتواه وحكمه بالجهاد ضد المحتل الأمريكي، كما فعل السيد القائد فور دخول الأمريكان المنطقة لإسقاط صدام وتحرير الكويت (وإن لم ينفذ فتواه ويمتثل أمره حتى كويتي واحد من أتباعه)!

    ثم تألق الأداء السياسي للسيستاني في مواقف مفصلية أدهشت العالم وأذهلته، فقد قطع رحلة علاجه وعاد يحمل جراحه ليمنع الاقتتال بين حكومة علاوي والصدريين، وجنَّب النجف والحرم الشريف الدماء والدمار. وكان قد عمد إلى سلسلة مواقف صارمة وحازمة أفضت إلى إرغام المحتل على إلغاء مجلس الحكم المعين، والاستفتاء الشعبي على الدستور، ثم إجراء الانتخابات النيابية، ما أرسى دعائم الدولة الجديدة على نحو مؤسساتي، وهذا ـ في الواقع ـ هو ما طوى صفحة النظام السابق وبدد حظوظه في العودة. وهو أداء تم وتحقق في سنين عجاف من الدمار والخراب والفقر والإرهاب، ما قرن المشهد وأعاد الذكريات إلى عهد السيد الإمام الخميني وأدائه في إرساء نظام الجمهورية الإسلامية بعد سقوط الشاه، على الرغم من الأجواء الملتهبة بالإرهاب ثم الحرب، فتكرر المشهد الإيراني في العراق، وأعاد السيستاني ألق الخميني وجدَّد مجده، وظهر كوارثٍ حقيقي له في الزعامة والقيادة الطبيعية للأمة، ما كشف أن المرجعية موقع يحظى برعاية إلهية وعناية مهدوية، لا تستطيع  آلاف الوسائل الإعلامية تحقيقه لمدع، ولا آلاف الجند وعناصر المخابرات انتزاعه من أهله وإضفاءه على منتحل.

    المرحلة الثانية: هي مرحلة كمال الحيدري… فما إن تعرض هذا اللكع الدُّون، لحوزة النجف الأشرف ومرجعيتها، في ذلك الشريط الصوتي الشهير، الذي تناول فيه السيد السيستاني والسيد الحكيم بالطعن والتحقير، حتى تلقفته قناة الكوثر واحتضنته، في مشروعه الجديد (بعد الأول الذي بنى له الأرضية الشعبية من خلال محاججة المخالفين)… ومشروع الحيدري غني عن البيان في ضلاله وانحرافه، واستهدافه المرجعية الشيعية وشخص المرجع الأعلى بشكل قذر. ولكن أهم معالم هذا المشروع هو تغيير مناهج التدريس في حوزة النجف والسعي لجعلها تتبع الحكومة الإيرانية، أسوة بقم، وقد شكّل الشيخ الآصفي رقماً صارخاً في هذا الدور، فقد كان رأس الحربة في حمل العروض المفتوحة لأي عالم فاضل (وحتى نصف فاضل!) يرغب في تأسيس مدرسة في حوزة النجف، فيُشترى له أو يستأجر مبنى، وتصرف له ميزانية ورواتب جزيلة بشرط وحيد: أن يلتزم كتب ومناهج ومراحل التدريس المعمول بها في إيران! وكان حتى وفاته يخوض معركة حامية الوطيس على هذا الصعيد، وقد بذل في هذا السبيل الملايين، أنفقها على شراء الذمم والولاءات، ومَن قبض ولم يبع، فقد وَجد مخرجاً شرعياً في عنوان استنقاذ المال، أو غيره من العناوين الشرعية المبيحة، وما ضاع على فقيه مسلك، ولا ضاق مخرج! وهي حرب يعرفها من عايشها وخاضها في النجف الأشرف، من الطلبة والعلماء المخلصين الأحرار، غير المسيسين الحزبيين، وعلى رأسهم زعيم الحوزة السيد السيستاني دام ظله، الذي كان وما زال سداً منيعاً يذود عن الأصالة والاستقلالية التي طالما ميزت حوزة الشيعة ومرجعيتهم.

    وقد تواصل دعم إيران ودفاعها المستميت عن الحيدري، حتى سقط في يدها ولم تعد تملك حيلة، حين أخذ يتطاول على أصل المذهب، يزعم أن أكثر تراث الشيعة من حديث وفقه وعقائد مأخوذ من اليهودية والنصرانية والمجوسية! عندها نُحي عن الجانب الرسمي فقط (دون أن يحاكم أو يحاسب ويعاقب)، وأُخلي له في باقي الميادين والساحات، وترك حراً طليقاً، حتى ينهض بوسائل أخرى (لعلها تبلغ قريباً قناة فضائية مخصصة له) تديم مشروعه وتواصل إفساده.

    المرحلة الثالثة: هي مرحلة فتوى الجهاد وتشكيل الحشد الشعبي… الموقف الذي رسم السيد السيستاني قائداً سياسياً وزعيما دينياً مطلقاً، إضافة إلى المرجعية الفقهية التي حازها قبل من أعلى أبواب التخصص العلمي، وأرفع درجات التقوى التي طبعته في مسلكه وسيرته، والعدالة المشهودة في معيشته، ولا سيما إعراضه عن الأضواء والشهرة، وزهده في الزعامة والرئاسة، مما غرق فيه غيره حتى هلك وأهلك، ها هي تأتيه طائعة وتلقي إليه القيادة مذعنة.

    ولعل المنشور الذي أصدره الشيخ حسن الجواهري مؤخراً حول ولاية الفقيه السيد علي السيستاني وقيادته، يبلور وَجه المعضلة التي صارت فيها إيران، والارتباك الشديد الذي تعيشه على هذا الصعيد، فهي اليوم بين مجاراة هذا المد العظيم، ومسايرة الساحة في توجهاتها الغالبة، والإذعان بالواقع الذي كانت تحذره وتخشاه، وطالما شكل هاجساً مقلقاً لها، وبين السعي لمصادرة الموقع وركوب الموجة، عبر صنع نجوم من ضباط الحرس الثوري المجاهدين الشرفاء، تعزي إليهم الانتصارات والبطولات، وتنسب وقف التمدد التكفيري تجاه بغداد، علَّ ذلك يسرق الأضواء من البطل الحقيقي ويخفف من الاندفاع الشعبي الجارف الذي توج السيستاني مرجعاً دينياً وزعيماً عالمياً للشيعة دون منافس.

    ولعمري كم هي مساع ساذجة غبية… وحق لهم، فأنّى للغارقين في وحل الحس والمادة، الملطخة وجوههم بسخام الضلال والانحراف، الملوثين بفساد متجذِّر من فرط الغموض والإبهام، وغياب أدنى مراتب الشفافية والمحاسبة، المنشغلين بجمع الأموال وعقد الصفقات، المتهالكين على بريق الشهرة والظهور، المستميتين على الإمرة والرئاسة… أنى لهم أن يفقهوا: “إلهي إن وضعتني فمن ذا الذي يرفعني، وإن رفعتني فمن ذا الذي يضعني”؟ وأن الأمر في الرفعة والشأن والمكانة بين الناس والمحبة في قلوب المؤمنين، إلهيٌّ يخضع لمصالح يقدرها عالم الغيب والخفيات؟

    يحسبون أنهم يملكون رفع من يشاؤون وخفض وحطَّ مَن يريدون! ولو اجتمع معهم أضعافهم من الجن والإنس، ولجأوا إلى الأخس الأدنى من أساليبهم الفعلية، ليُسقطوا من أعين الناس مَن يريد الله له العزة والرفعة ما استطاعوا، أو ليُـعِـزّوا من كتب الله عليه الخِزي والهوان ما تمكنوا.. أنه، أيها الضائعون التائهون، أمر إلهي و تدبير رباني، يُعجِز كيد السحرة، وستراهم عن قريب وقد غلبوا وانقلبوا صاغرين، والقوا ساجدين، وما كيد فرعون إلا في تباب.

    وبعد، فإن صراع الخير والشر باق لا ينقضي، وهي حرب محتدمة متواصلة لا تنتهي، حتى يرث الله الأرض ومَن عليها… ولكن هناك محطات حسم ومواقع تتدخل فيها الإرادة الإلهية لتنجي الحق وتنصر حمَلَته، وتقوِّم مسيرة البشرية لتوجهها نحو اليوم الموعود، وتوقف التداعي المهلك الذي ينذر باستيلاء الباطل ومحق الحق وزواله.

    والسؤال الذي لا أجد له جواباً: ترى، ألا يخشى القوم أن يكونوا أمام محطة قادمة من نقمة تنتظرهم إن لم يرعووا؟! فهذا الحجم المهول من الطغيان والتجبر، مقترناً بهذا الحد الفضيع من المكر والكيد والدجل والزيف: تباك على حرمة العلماء وهم أول وأكثر من يهتكها، تبجح بالدفاع عن المرجعية وهم يجاهدون ويناضلون لتقويضها، تداع للوحدة ونبذ الفرقة، وهم يستميتون في تأجيجها!.. يأذن أن يفتح عليهم أبواب المكر الإلهي، ويستدعي نزول غضب الجبار ونقمته.

    فسنن التاريخ التي خلق الله الحياة عليها لا تتخلف، وإن أبطأت طوراً وأمهلت حيناً، لكنها قادمة ومتحققة لا محالة… إن مناصبة المعارف الدينية الحقة، وهتك المرجعية الأصلية بهذا الشكل الجذري الخطير والسعة العرضية العامة الشاملة، والعمل على تقويضها بهدم مباني الاستنباط وإلغاء أسسه، وتشويهها بدس نماذج مزيفة، زوَّروا لها الشهادات وخلقوا التزكيات، حتى ضاعت المعايير وتداخلت وما عاد الناس يميزون ويفرقون، ثم الكيد والمكر بأخبث الأساليب وأدهى الحيل، وما يزين هذا الباطل ويلبسه لباس الدين ورداء الحق، مستعينين بترغيب المال والجاه والشهرة، وترهيب القمع والتسقيط والسلطة… يفتح الباب على تدخل الغيب ويشرع لدور المعجزة، وينذر بحلول السخط ونزول الغضب.

    إنني أوجه خطابي ونصيحتي لذوي الآذان الواعية عسى أن تعيها، كما أُتم الحجة على أهل الرين من المتاجرين المتكسبين: فروا عن هذا الباطل، واخرجوا من منظومة الجور واتركوا مدرسة الضلال… فعما قريب سيكون النكال، ولات حين مناص.

    ولتعرفن خلائقاً مشمولة * ولتندمن ولات ساعة مندم

  • الحق إنني في عجب ودهشة من رد الفعل والمواجهة التي أتلقاها جراء ما كتبت حول الشيخ الآصفي…

    وكنت قد تناولت التيار الحداثي بالنقد والهجوم لما يحمل من فكر إضلالي يتهدد المذهب ويؤذن بتقويض أهم دعائمه، وهي المرجعية الدينية الأصيلة والشعائر الحسينية المقدسة، فهو يتبنَّى الدعوة إلى بدائل تنسف ركائز استنباط الأحكام الشرعية، وتهدم أسس بناء المعارف الدينية في المذهب الشيعي (وهذا ما بدأ فضل الله بإعلانه، وها هو الحيدري يبلوره ويرسم أبعاده، وهناك غيرهم ينتظرون دورهم، وكلهم يستلهمون ويستمدون من جذر واحد)، وتعمل على الاستعاضة عنها بنهج آخر، أقل ما يقال فيه بأنه التقاطي، والأهم من ذلك أنه غير علمي، ما زال دعاته وأتباعه عاجزين عن إقامة الدليل على أقل مفرداته، وقاصرين عن النهوض بالحجة على أصغر أرقامه.

    فوجئت ودهشت بحجم الهجوم والاستهداف الشخصي، ذلك أنني أعرف حجمي الحقيقي… فأنا في عالم الإعلام لا أملك إلا هذه المدونة التي يتابعها عدد محدود من القراء الكرام، والمتابعة لا تعني الموافقة بطبيعة الحال، فلعل بعض أو حتى أكثر المتابعين لا يوافقني الرأي فيما أتبنى وأطرح.. لا قناة فضائية أملك، ولا إذاعة أدير، ولا برامج تلفزيونية أنتج وأصوِّر، ولا صحيفة تنشر لي، ولا مجلة تتبنى أفكاري ومقالاتي.. بل لا وجود ولا حضور ولا دور لي في مواقع التواصل الاجتماعي المبذولة للجميع، مثل تويتر وفيس بوك وأنستغرام.

    وبعد، فأنا لا أمارس أي نشاط سياسي أو حزبي، فأجمع أتباعاً ومريدين، وأكوّن علاقات وارتباطات، وأمد خطوطاً وقنوات… حتى في علاقاتي الاجتماعية وصِلاتي الشخصية، فأنا منعزلٌ منزو أتجنب الناس، أعيش في شبه وحدة وانقطاع، أصدقائي محدودون معدودون، وباب العلاقات والصداقات الجديدة موصد!

    مستغرق في القراءة والمطالعة والبحث والكتابة، حلس مكتبتي، لا أخرج منها إلا إلى المسجد، ثم لا ألبث مع الإخوة بعد الصلاة إلا دقائق لا تتجاوز نصف ساعة، لأعود إلى معتزلي الذي أحب وصومعتي التي أعشق.. فإذا غلبني السأم والملل، خرجت إلى رياضة المشي لأحرق بعض الكلسترول وأخفض منسوب السكر، أو اصطحبت أحد أحفادي إلى التعاونية ورحت أتسوق، وأختار من السلع ما أتصوره مفتقداً في البيت، فإذا عدت، وَبختني زوجتي على عدم سؤالها، فقد كانت تحتاج شيئاً آخر.

    هي مقالة يتيمة أكتبها كل أسبوع، فإذا لم تقدح الأحداثُ شرارة التالية، غبت عن قرائي الأسبوع الذي يليه وما بعده ولربما امتدت الغيبة شهراً، منصرفاً إلى عملي الأصلي وهو التأليف، لتصبح إطلالتي من باب رفع العتب، ومنع الجفاف في القلم، فأنا بطبعي مقِلٌّ وأعاني بكْأً… هذه هي حدودي، وهذا هو نطاق فعلي ونشاطي.

    إنني مجرد رقم صغير وفرد وحيد وشخص منعزل، يكتب مقالة ينشرها على هذه المدونة فيقرأها عدد محدود لا يتجاوز بضعة آلاف، وينتهي الأمر هنا. لا أدعي رتبة، ولا أزعم عنواناً، ولا أتسنم مقاماً، ولو أردت لفعلت وظفرت، والقوم يعرفون هذه الحقيقة جيداً، وقد عاشوها من قبل عن حس لا حدس، ولكني ما عدت أرى (بعد رحيل السيد الإمام الخميني) لهذا العمل مشروعية، ولا لرايتهم هدى، فاعتزلتهم وما يعبدون.

    كل ما هناك أنني أريد أن أبقى محافظاً على ديني نقياً وولائي خالصاً، لا أستبدل بأئمتي وسادتي أحداً، ولا أتخذ دونهم وليجة ولا سواهم مطاعاً، متمسكاً بعقلي وشاكراً لله هدايتي وبصيرتي، محترماً تاريخي وسيرتي، رافضاً أن أتمثل صنماً في مجاز المهاتما غاندي والقردة الثلاثة الحكيمة التي تمثل مبدأ “لا أسمع، لا أرى، لا أتكلم”… لا أريد أن أداهن، ولا أقبل أن أضارع، وآنف من الانسياق في العقل الجمعي الذي يحرك الجماعة كقطيع، وأربأ بنفسي من الانتظام في معاشر الناس ومحاشرهم، فالسوقية غالبة، والدناءة حاكمة، والجهل مستحكم، والغلبة للغوغاء والأخلاط، والسطوة للأراذل والأوباش… والدنيا كرؤياً في إغفاءة وطيف خيال مرَّ في تهويمة هزَّت هامة من نعاس، فدع الراحة والهناء للآخرة والحيوان.

    أعيش قناعتي، التي قد تنزع بي وتأخذني لتصبح تكليفاً شرعياً أراه في بعض الحالات متعيناً، فانبري له كفاية، ولو تصدى غيري لكفاني المؤونة وشر القتال، وهذا الذي ترون من السُعار.. وأنا في هذا لا أرجو ظفراً ولا أترقب نصراً، إنما أعمل بتكليفي، أقول كلمتي وأفرغ ما في ذمتي.. أفرح بالاستجابة وأحب التأثير بطبيعة الحال، لكني لا أعمل له ناهيك أن أتهالك عليه، فإن جاء النصر وتحقق فبها ومرحى، وإلا فإن الله لا يحبس عن عبده شيئاً إلا لخير أعظم.. أما لو منعت من النشر ووقع الصد والحظر فقد سقط الوجوب عني ورفع وزر التكليف عن كاهلي وأزيح عبء ينقض ظهري. 

    في المقابل، في الجهة الأخرى، جبهة الحداثيين الشيعة، جبهة الضلال العقائدي والانحراف الديني، هناك مشهد خرافي مهول من الطاقات والإمكانيات… وقد تتبعت العدَّ والإحصاء حتى أتعبني وأضناني (ولعلي أتمه فأنشره يوماً موثقاً): أكثر من ثلاثة آلاف وسبعمئة موقع إعلامي وثقافي، بين إذاعات ومحطات تلفزيونية وقنوات فضائية وصحف ومجلات ودور طباعة ونشر وتوزيع، وزارات وإدارات وملحقيات في السفارات، ومراكز إسلامية ودعوية، ناهيك بالمساجد الحزبية والحسينيات، تتجاوز دائرة مخاطبيها ومتابعيها عشرات الملايين، وينتظم للعمل فيها نحو مليون نسمة (مع قاعدة الأحزاب والتنظيمات العاملة في هذا التيار)، وتقف خلفها بالدعم والتمويل دول بميزانياتها الجبارة وجيوشها الجرارة وقواها الأمنية والمخابراتية الفتاكة…

    وهذا هو وجه حيرتي ودهشتي من مقابلتي بهذا الهجوم: هل يعقل أن هذا الكيان السياسي الإمبراطوري الخارق الحارق، المتحكم في خارطة الشرق الأوسط، والعائد إلى المنظومة العالمية من أوسع أبوابها (ولا يهم من أعزِّها أو أذلها!).. هل يعقل أنه لا يطيق هذا الصوت الخافت، ولا يتحمَّل هذا الضوء الباهت، الذي يسطع بين فينة وأخرى في موقع من مدونة، لا تمثل شمعة أمام نيران القوم المستعرة، أو قطرة ماء مما في صهاريجهم العظيمة!؟

    وقد واجهني يوم أمس أحدهم مباشرة (هاتفياً) ليسألني مستنكراً عن عبارة في مقالتي، وكيف أنها تحتمل وَجهاً فيه طعن بتياره وحزبه.. لم أر وجهه، ولكني تمثلته من وراء الهاتف يسدل جفنيه بحياء ويطلب باعتذار إنهاء المكالمة، وقد استقبلته قائلاً: “أما تستحي يا أخي؟ أما تخجل من هذا السؤال؟ هل تعلم كم إذاعة يملك حزبك؟ وكم فضائية؟ وكم…(رحت أعدد له مراكزه الإعلامية بتفصيل ممل)، وكم عمامة زرع في المساجد وعلى المنابر، وكم مرتزق دس في شبكة الإنترنت، وكم مستغفل جند في مواقع التواصل، وهم كلهم يطرحون وجهة نظرك وينالون من الآخر، يصادرون ويغالطون ويفترون ويكذبون ويلفقون ويدلسون.. وأنت ترى لهم الحق في ذلك، ثم لا ترى لي الحق وأنا فرد صغير وحيد أن أمارس حقي في التعبير والرد”!؟

    يا لله وللحرية والتعددية والديمقراطية التي ينادون بها، يا لله ولإدانتهم الدكتاتورية والأنظمة الشمولية والقمعية، التي قامت الثورة الإسلامية لحربها، وعادى العالم كله الجمهوريةَ لأنها تسعى لتقويضها وإسقاطها.. ما هذه الروح الموبوءة؟ ما هذا النمط المريض في التعامل والتعاطي؟ بالله كيف تضيق الصدور وتعاني كل هذا الحرج؟ والتيار الحداثي اليوم يملك الساحة السياسية والاقتصادية والمالية والتجارية؟! لهم السلطة والقوة والقهر والظهور والمال والإعلام والملك والرئاسة… ثم يغفلون آلتها: سعة الصدر، وتحمُّل الآخر، والإفساح لمن يخالفهم الرأي.

    ماذا يجري، وماذا ستحقق مقالةٌ وتر؟ ماذا عساها أن تنال نسمة عابرة من “جبلهم الشامخ”، بل من سلسلة الجبال التي تمتد عبر العالم الشيعي كله، من إيران إلى العراق إلى لبنان وسوريا فالخليج، في منظمات وأحزاب وجماعات وتيارات، كلها منخرطة وتابعة ومنقادة، تحمل مشروع هذا التيار وتأتمر بأوامره وإرشادات ولاته، وتمتثل لإرادة قادته، وتكرر مقولات أربابه، فماذا لو خالف شخص واحد كل هؤلاء الذين أبنوا الآصفي ورفعوه مسيحاً عرج به إلى السماء؟ فهل يخشى أن تؤثر هذه المقالة الوتر كل هذا التأثير وتفعل كل هذا الفعل؟ حتى جندوا المئات ليراسلوا الموقع الذي تبث منه مدونتي بالشكوى وطلب الإغلاق ومنعي من الكتابة أو النشر بعد اليوم؟!

    أمَّا سمو الروح وكرم النفس والنبل فقد افتقدته في القوم مُذ عرفتهم، وما زالت الدونية تغلبهم حتى لترى الفجور في الخصام سمة في أغلبهم، فلا غضاضة ولا بأس، ولا عتب ولا شكوى، فهذا شأنهم وقدرهم، وكل يعمل على شاكلته، وينطلق من دينه وتربيته وبيئته، ومدى التزامه وخلُقه، وكل إناء بالذي فيه ينضح.

    وأما الحقيقة التي تقف خلف هذه الممارسات الانفعالية الهائجة… فهي أن القوم على الرغم من كل هذا الظاهر البراق، والزهو والخيلاء، يعيشون في دواخلهم الصَغار والدونية، وهم مع كل هذا العديد والمال، والبطش والقوة والسلاح، يستشعرون العجز وتغلبهم الهزيمة، لذا فهم يتوجسون من أية ريشة متطايرة (ولو كانت زغباً)، يحسبونها صاروخاً سينسف كيانهم! ويرتعبون من كل يراع يخط نقشاً أن يكشف زيفهم ويرسم فكراً يعري خواءهم… ولهم فيما جرى في العراق خير شاهد ومثال، حين استطاعت إشارة من المرجعية الأصيلة التي طالما رموها بالجمود وقذفوها بالتخلف، ووسموها بفقاهة الحيض والنفاس (وكان حجة إعلان مرجعيتهم في الخارج دون الداخل نفي وجود من ينهض بهذا الحمل، وعدم جامعية الشرائط في أحد هناك، في النجف الأشرف!)، أن تثبت للعالم كله، وللعدو قبل الصديق، أين تكمن القوة الروحية والسلطة المعنوية، وماذا تعني المرجعية الشيعية الحرة المستقلة.. ذلك حين عبأت ملايين المؤمنين بإشارة، ودفعتهم بكلمة واحدة للزحف نحو جبهات الجهاد الذي أوقف المد التكفيري، وسينهيه ويقضي عليه إن شاء الله.

    إنهم يعلمون أن المقالات التي أنشر والخطاب الذي أحمل هو ضمير الأمة، وهو خطاب الأكثرية الساحقة، ولكن الصامتة، الذي يوظفون كل طاقاتهم لمصادرته وقلبه، وادعاء الصولة والجولة.. والحقيقة أن ليس لهم إلا النظام والدولة، أما الشعب والأمة والزعامة والولاية فهي للمراجع العظام الحقيقيين أمثال السيستاني والوحيد والروحاني والحكيم…

    يعلمون أن مثل هذه الأصوات والمقالات، وإن كانت نسمة رقيقة لا ريحاً عاتية، وزفيفاً يهب فبالكاد يحرك الأستار دون أن يزيحها، إنما تمثل نبض الأمة ودماء الغيرة التي تسري في عروقها، وتستنهض القوة الكامنة والطاقة الهادرة التي رأوْا نموذجاً منها، وكيف تفجرت بإشارة من المرجعية الحقيقية…

    إنه بيت العنكبوت، وَهْنٌ يخشى نسمة، وعجزٌ تودي به إشارة… من كبير، ومقالة من صغير!

  • هكذا علمنا أهل البيت عليهم السلام… فإن تك حدة وشدة، فهي وَصاياهم وتعاليمهم التي رسمت النهج واختطت الطريق، علمتنا أن لا نعير العمل والنتاج قيمة، ولو أن عبداً عبَد الله، صائماً نهاره، قائماً ليله، فأطال الله عمره حتى أصبح بدنه كالشن البالي، حتى قتل مظلوماً متعلقاً بأستار الكعبة، ثم جاء يوم القيامة بغير ولاية آل محمد فلن يقبل منه شيء، وسيكب على منخره في نار جهنم.

    علمونا سلام الله عليهم كيف نقيّم الرجال ونصنّـفهم، وفي أي المراتب ننزلهم، وبأي ميزان نقدّرهم فنعرف أقدارهم؟ وأن ذلك كله محكوم بأساس وأصل وينبع من منطلق، فلا نؤخذ بالعبادة والزهد، ولا نغتر بالانتاج والخدمة.. علمونا أن ننظر إلى الراية التي يحملها أو يسعى تحتها الرجل، ويسخّر نفسه ويصب جهده في خدمتها، مَن يوالي ومَن يعادي، ما هي عقيدته وممن يأخذ دينه؟ ثم يأتي بعد ذلك العمل والعطاء.

    هذا ما قمت ببيانه والتزامه، وسعيت إلى بلورته وعرضه، فلا يغفل عنه المؤمنون، ولا يضيع في ساحة يتناوشها ذئاب الإعلام ويتحكم بها قردة الأحزاب، تفعل بها ما كانت تفعل منذ الصدر الأول… فقد قلبوا الحقائق، وهيمنوا على العقول، وفرضوا إرادتهم الشيطانية منذ ذلك العهد، فأصبح سب أميرالمؤمنين، هو الواجب الأول لإمام الجمعة بعد الحمد والثناء والصلاة على النبي! والمصلون الأتقياء يثنون ويأمِّنون! فلما بلغهم خبر ضرب علي في محرابه، احتار السفهاء أن ما الذي جاء به إلى المحراب؟ أوَ يصلي علي؟

    إذا لم يُصدح بالحق وترتفع الصرخة حتى تبح أصوات مطلقيها، وتوقر آذان الجناة والطغاة، سيعودون إلى قلب الحقائق وتزييف الوقائع وإملاء إرادتهم القذرة، مع إزالة القبح عنها. إذا لم تنصب منابر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسكت العارفون بالحقائق وأمسكوا عن بيانها، فإن الزمن سيعود ليقلبها وتمسخ من جديد، في ظل الهيمنة الإعلامية الشيطانية وبأدوات مضاعفة في هذا الزمان من وسائل التواصل الاجتماعي والفضائيات والدول والحكومات.

    ولا تستبعدوا أن يأتي يوم يقلد فيه الناس ويأخذوا دينهم من الغلمان، ويقودهم ويدير أمورهم الصبيان، يخوضون بهم الحروب والأزمات، فتسفك الدماء وتخرب البلاد وتعطل المصالح والحياة، لسوء تقدير أرعن يقود الساحة، وفساد إدارة حزبي فاسق غلبه الجشع فأعماه.. ثم علينا جميعاً أن نصمت ولا ننبس ببنت شفة! ونجاري هذا الواقع الموبوء ونحاكيه كالقردة الثلاثة ونشهده صُماً عمياً بُكماً!

    ليست هذه نبوءة ولا هو توقع وتحليل، بل واقع مشهود، فنحن نتابع في كل يوم تقدّم الأذناب، وتسيّد الصعاليك، ليس في عالم السياسة، فهذا سابق منذ عهد بعيد، بل في الدين، لا دين المخالفين، فذاك أيضاً سابق متأصل فيهم.. بل في دائرة التشيع ونطاق الإيمان، انظروا مَن ينبرى اليوم للمرجعية، ومَن يقود الساحات، وإلى أين يأخذوننا؟!

    لن أدس رأسي في التراب كالنعام، كما لن اغتر، إن شاء الله وببركة مدد أهل البيت ورعايتهم، فأرفعها مكابراً ومغالطاً كاللئام… خلق الله للحروب رجالاً ورجال لقصعة وثريد، ليتنح المخنثون جانباً، وليتقدم رجالهم للبراز، وإن كانوا أراذل وطغاماً، فعندما تعدم الأقران والأكفاء لا مناص من مواجهة الحثالات، وليس على المضطر إلا ركوبها.

    تلقيت عتاباً من بعض الإخوة الكرام، ولا شأن لي بالمهرجين والعوام، ولا بالحزبيين الموتورين من قبل، فرأوها فرصة سانحة، أبت دناءتهم أن تعف عنها، فالتهموها لحماً ميتاً ولم يبالوا، فهؤلاء لا يريدون أن يسمعوا، وإن سمعوا فلن يعوا… عاتبوني على مقالتي السابقة وموقفي من الشيخ الآصفي.

    وإن سُجِّل هذا وحُسِب على شيء، فسيادة الباطل وصولة الضلال التي تحكم ساحتنا…

    ما لكم يا كرام، أفي الله شك فاطر السماوات والأرض؟أفي انحراف حزب الدعوة وضلاله ترديد يا أولي البصائر والألباب؟ أفي حسن البنا وسيد قطب وتقي الدين النبهاني خير يرجى؟ أفي غرس الإخوان المسلمين وبذرة حزب التحرير أمل في ثمرة تغذي شيعة أهل البيت؟! ما لكم كيف تحكمون؟

    دع عنك الضلال الفكري والانحراف العقدي للحزب الذي يستقي معارفه من المتردية والنطيحة، ويريد إلغاء المذهب من رأسه (فهو يحمل فكرة إسلام بلا مذاهب)، وبجميع معالمه وفي طليعتها المرجعية والشعائر الحسينية.. دع عنك هذا وانظر في سقم الأنفس وتردي الحال مذ سلَّمهم الأمريكان حكم العراق! كان أحدهم لا يملك قوت يومه، ولا يحسن عقد ربطة عنقه، فصار اليوم مليارديراً يصعب حصر أملاكه، ومتأنقاً لا يرضى إلا بالماركات ودور الأزياء العالمية! وهو وضع لم ينج منه إلا نادر كالمعدوم. وما اكتفوا حتى سلموا البلاد للعدو، ولولا تدخل المرجعية وفتواها بالجهاد، لكانت رايات داعش ترفرف على بغداد.

    بالله عن أية أكرومة في حزب الدعوة وفضيلة في الحداثيين الشيعة الذين هاجمتهم يدافعون؟

    الآصفي داعية من الرعيل الأول والطبقة الأولى التالية للقادة المؤسسين.. أشرب فكر الدعوة في روحه، وتغذى به حياته كلها، فكان يسقط الحوزة وعلومها على هذه المدرسة، ويقدم حسن البنا لطلبة العلم نموذجاً يقتدى، لا زرارة ومحمد بن مسلم، ولا الجواهري والنائيني، ولا حتى الحكيم والخميني (الذي رفض ترجمة كتابه الحكومة الإسلامية لأن رائحة الشيوعية تفوح منه، وكان السافاك قد أصدر تعليماته فالتزم القوم ولم يتخلف الأوفياء!).

    لم يكن الآصفي مجرد عضو صغير ونصير مستضعف في حزب الدعوة، حتى يُلتمس له العذر وينظر للأمر من زاوية أخرى وحيثية قد تغطي هذا الشين والسوء، بل كان الناطق الرسمي باسم الحزب، أي قائده ورئيسه الفعلي.. وتعديد مآثره الأخلاقية وسجاياه الشخصية مقابل هذه الطامة الكبرى، أشبه بدعوى نزاهة طارق عزيز والتماس المحافل الدولية البراءة له من حزب البعث لأنه من أقلية مضطهدة مغلوبة على أمرها، لم يكن لها خيار غير الالتحاق بركب الطاغية!

    ومن هنا أتناول تأبين مكتب السيد السيستاني للآصفي، صح ذلك أم لم يصح، أدرج في الموقع الرسمي لسماحته أم لم يدرج..

    نعم، الآصفي يختلف عن فضل الله… فهو لم يروج علناً للبدع ولم يجاهر بالضلالات، ولا تحدى، ولا طلب البراز كما فعل ذاك، بل تدرع بصوَر محبوبة تحسن تسويقه، وتدثر بدهاء ينجيه من المعارك والصدامات المباشرة.. من هنا اختلف تعاطي المرجعية معه في تأبينه.

    إن حجم الضغوط التي تعرضت لها حوزة النجف ومورست على المرجعية لتأبين فضل الله، سواء من لبنان أو إيران أو من الخليج أو من العراق نفسه.. لا يوصف، ولو عرضتُ جانباً منها لأورث ذهولاً تجاه رموز يقدسها العوام! وهي تبدأ من رئيس الوزراء السابق نوري المالكي والأسبق إبراهيم الجعفري، ولا تنتهي عند رجال الأمن الإقليمي مبسوطي اليد ونافذي الحكم هناك! ومع ذلك امتنعت المرجعية عن تأبينه، فقد كانت تملك من الحجج والمسوغات الموضوعية والمعطيات السياسية ما يبيح لها الامتناع، ويسمح لها بالإحجام. لكنها هنا كانت أمام نمط مختلف من الفتنة والإغواء، فالسيل الجارف هنا هم العوام المغلوبون على أمرهم، فهذا مصحف فوق السنان، فهل من الحكمة أن تتخذه المرجعية غرضاً؟! هذا ما قدَّره السيد السيستاني ووازنه فأصدر مكتبه بيان التأبين لأجله، لا أنه إمضاء لحزب الدعوة وإقرار بنهجه المنحرف والعياذ بالله.

    لقد كان الآصفي رأس الحربة في مشروع المرجعية والحوزة الإيرانية (بمعنى الحكومية التابعة للدولة)، مقابل الحرة المستقلة التي يريدها السيد السيستاني للنجف ومرجعيتها.. وكان يدير معركة حامية الوطيس، لكن أدواتها تختلف، ووسائلها ليست مثل معركة فضل الله، لذا كانت الحكمة في مجاراته بأدواته، ومحاكاته بتكتيكاته، وفي النهاية هي عقبة أزيحت.

    وأخيراً: من الطبيعي أن يعيش المؤمن في مواقفه (الدينية وغير الدينية، والدينية هي ما تعنينا في هذه المقالة) تجاه الآخر، فرداً كان أو مجتمعاً، حالات مختلفة، تتفاوت حسب المرتكزات التي ينطلق منها، هذا بعد الفراغ من العلم وإصابة الحق، ثم الوعي والبصيرة… تراه يجاهر بعقيدته تارة، ويفضّل كتمانها أخرى، وقد يعمد في بعض الحالات إلى إظهار عكسها وادعاء نقيضها! ومدار ذلك الحكمة والمصلحة والمداراة والتقية… فليس كل ما يعرف يقال، ولا كل ما يصلح أن يقال حضر أهله، وليس كل ما حلّ وقته وآن أوانه صحّ قوله، ولا إذا حلّت ساعته واكتمل ظرفه وصحّ قوله، ساغ نشره بأية لغة، وناسبه كل خطاب.

    هذا في الفرد من عامة المؤمنين، فكيف بالمراجع العظام ومسؤولياتهم الجسام؟

    وعندما يقال إن من يأبِّن الآصفي هو من أنصار الباطل ومروجي الضلال، فهذا حكمُ مَن ينطلق في ذلك من الإيمان بنهج الآصفي رجل حزب الدعوة، وحامل الفكر الإضلالي وناشر الانحراف العقدي… أما إذا كان لغير ذلك فمن الطبيعي أن لا يشمله الإطلاق، وأن يخرج بتقييد، بل بتخصُّص يخرجه من أصل الحكم لاختلاف المناط. كأن يكون لمصلحة… فالسيد السيستاني مرجع يقود الأمة، وهو ملزم بتصرفات معينة ومواقف خاصة عليه أن يتخذها درءاً للمفاسد والشرور، وحفظاً للمذهب والحوزة، وحتى لشخصه الكريم، فحياته تفدى ودوام ظله يستحق التضحية، أنا ومَن في طبقتي من عوام الناس في حلٍ من هذه المواقف وفي سعة ومندوحة، لذا يتوجه إلينا تكليف آخر، يتعين في العارفين بالحقائق، الواقفين على الوقائع، أن نعمل بكل ما آتانا الله على توعية الناس وكشف الزيف وإماطة اللثام عن الباطل…

    من هذه الشبهة انطلق الحزبيون المغرضون، وتبعهم السفهاء المتميعون لتشويه الحقيقة وقلبها مرة أخرى..

    وهذا ديدن العوام وسيرة الهمج الرعاع، يغترون ببيان وصورة ولقاء، ويذرون أسساً علمية وموازين عقلية وأصولاً فقهية! يتركون جبالاً من الأدلة على أحقية فكرة، ويتمسكون بشبهة تافهة وإشارة عارضة! يزور الشيخ الوحيد الخراساني أحدهم فيتجاهلون خواءه العلمي وانعدام شهادات أهل الخبرة، ويعدون صورة التقطوها لهما دليلاً على فقاهة صاحبهم واجتهاده! وكذلك الحال مع الميرزا جواد التبريزي رحمه الله عندما عاده أحدهم، وهكذا يتجاهلون انحرافات وضلالات قصمت ظهر المذهب منذ الخمسينات وحتى الآن، وويلات خربت بلاد الشيعة وأهلكت العباد، كل ذلك يُمسح ببيان أصدره السيد السيستاني لمصلحة قدرها وظرف وازنه ورجحه!

    تماماً كما رفض الأوائل ولاية أميرالمؤمنين وتجاهلوا مئات آلاف الأدلة التي تنهض بإثبات هذا الحق، أعجزت فقهاءهم ومحدثيهم ومتكلميهم، ليتمسك العوام بشبهات الصحبة والمصاهرة والنسب، وتسمية الأبناء، وما إلى ذلك مما تحكمه ظروف مصلحة الدين والمذهب، ودفع البلاء عن المؤمنين وحفظ بيضة الإسلام، والذود عن حياضه بكل وسيلة؟!

    إن الحدث يضعنا أمام مسؤولية خطيرة في توعية الأمة، ولا سيما النشأ والجيل الجديد، بموقع المرجعية ودورها..

    تعالوا لنعي ونبين للناس الفرق بين الحكم والموضوع، وأين يطاع الفقيه فلا يرد عليه، وأين للمؤمنين أن يستقلوا برأيهم، فيريحوا حتى مراجعهم!؟ تعالوا لنحرر العقول، بل لنطلقها من لجام الحزبية ونفسح للأمة بممارسة دورها بعيداً عن حالة تستبطن فيها القصور والسفاهة، فتفرض الحجر عليها وتنادي بالقيمومة.

    إنني أتفهم سطوة المال والسلطة، وأعرف جيداً غلبة الإعلام، وهيمنة العقل الجمعي.. ولكني في الوقت نفسه أعرف أن في الأمة طاقة متفجرة لا تبقي على هذه الحثالات ولا تذر، وأنها ستكتسحهم وتنبذهم بين ليلة وضحاها، كما انتكس مشروعهم عند ظهور النجف المتجدد حوزة ومرجعية أبطلت كيدهم وذهبت بخططهم أدراج الرياح، وهي قادرة على تصحيح المسار، وهزيمة الأشرار، وأنا أنطلق من هذه الركيزة وكلي أمل، ما زلت أتحسسه في نصرة ومدد سادتي وأولياء نعمتي صلوات الله عليهم أولاً وأخيراً.