• لا يمكن لأحد أن يعبِّر عن أميرالمؤمنين والزهراء والسبط الأكبر بالشكل الذي فعله آبق يمتهن الخطابة في البصرة، وإن كان فاسقاً فاجراً أو ملحداً كافراً، اللهم إلا مبغض حاقد، والرجل ليس من النواصب، فكيف تراه فعل ذلك؟ كيف تنعدم الأخلاق بأحدهم حتى يستخدم هذه اللغة السوقية مع أشرف الكائنات؟! كيف يبلغ الابتذال هذي الحدود؟ ممن تلقَّى الصعلوك وأخذ؟ في أي بيئة ترعرع ونشأ، أين تربَّى وتعلَّم؟.. ويأخذنا الاستغراب والاستنكار وتحرِّي الإجابة فيما يأخذ، إلى أن الأمر كالذاتي في وجود بعضهم، يقدم من جبلَّة، لا يسعه تجاوزها ولا يمكنه الخروج عنها! وإن شئت فعبِّر إنَّ الرجل رذل في فطرته، وضيع في نفسه، عاهر ماجن في طبعه، وسلوك البذاءة ذاك ينبع من هذا الأصل المنحط.

    في البصرة دار لحزب الدعوة تديرها القنصلية، تسمى دار الحسين، الحضور فيها محدود والجماعة المنتسبة صغيرة، لكن أموالاً كثيرة تُضخ هناك وإمكانيات ضخمة تبذل في طوابقها الخمسة، جعلت من هذه البؤرة المريبة مركزاً لبث الفكر الملوَّث، ومحطة لنشر الثقافة المسمومة! المادة الشيطانية نفسها التي تريد تسييس الشعائر الحسينية، الخطوة الأولى في إنهائها والقضاء عليها، والسبيل الأكثر تلبيساً في صرف الناس عن أبواب الجنة، وأخذهم إلى مصالح قدَّروها من رؤى استظهروها، باجتهاد يقابل نصوصاً معصومة، وتأويل يحتال على صريح الظاهر والمتبادر. وهنا حفرة كبا فيها كبير مثل الشهيد مطهري، أفلس وعاد راجلاً حافياً بلا خفين ولا نعلين، يجر أذيال الخيبة، يلحقه فرس الخسران بعد سوء الرهان، ناهيك بمحسن الأمين ولائحة ممتدة من الحداثويين الجهلة، وسلسلة متصلة من التغريبيين الحسيين الذين ينسبون أنفسهم لدين العقلنة، حتى انتهى في أيامنا وبلغ أسلاف الزنج وأبناء الغجر في البصرة، ينطلقون من دار تستقطب الأسقاط، توكل إليهم مهاماً وتكاليف لا ينهض بها إلا حثالات، فوقعوا على صعلوك متسكِّع يحملك على استحضار تحذير الصادق عليه السلام: “فإنَّه خلق مشوَّه” و”إذا جاع سرق وإذا شبع فسق”، ويذكِّرك بقول المتنبي: “لا تشتَرِ العبد إلا والعصا معه، إنَّ العبيد لأنجاسٌ مناكيد. ما كنت أحسَبُني أحيا إلى زمن، يُسيء بي فيه عبد وهو محمود”. ولعمري، فالمماليك اليوم لا يسيئون إلى العلماء والأحرار، بل يتطاولون على حرمات الله، وينالون من مقدَّسات الدين!

    دعك عما قاله نيتشه وابن خلدون وغيرهم من الفلاسفة وعلماء الاجتماع في خصائص العبيد وطباعهم، فالإسلام لا ينطلق من رؤية عنصرية، وقد طويت صفحة العبودية، وانتهت مقولة البناء على ما يسكن هذه الأعراق ويُتوارث في “جيناتها”، وباتت الرؤية تذهب إلى خصال وكمالات قد تظهر في “عبد” تبلغ به قمة ما بعدها شيء، وصفات دونية تكون في أحرار، نشأوا في بيوتات وانتسبوا إلى أشرف الطبقات… أبرز هذه الصفات هي الضعة وهوان النفس، وما يحمل على الاستخفاف بالخطوب والعجز عن إدراك المخاطر، فيلبس الصعلوك غير ثوبه، ويركب السافل غير فرسه، ويقحم حقولاً ليس له أن يدنو من أبوابها أو يستشرف آفاقها، ينفِّذ دَوْراً لا يقوم به غيره، وغرضاً لا يؤديه إلا مثله، فلا يهتك الحقيقة شيء مثل أن يتناولها وغد دون، ولا يزري بحملتها شيء مثل أن يباريهم رذل دنيء!

    فلا تعجب من خطيب هذه الدار أو مغنِّيها، إذا رأيته يخوض في قضية غاية في الخطر والخفر، بلُغة السوقية ونباح السلوقية! يتسكَّع أو يمارس رياضة المشي في حقل ألغام، لا عن شجاعة وإقدام، أو مغامرة وجسارة، بل عن هوج وسفَه وضمور عقل وبَلَه، فهو لا يدرك على شفا أي جرف هارٍ يمضي، ولا قبح ما يتناول وتبعات ما يلقي! كمشرَّد نشأ في الغجر، يعتني بكلابهم، لم يعرف في حياته غير الرقص والتحريش، قاده شقاؤه إلى فلاة للأسود وسهب للسباع، وقع ـ من حظه العاثر ـ في باحة الكولوسيوم، وهو لا يميِّز بين الرمح والقصب، ويحسب مقبض السيف ذراع عود والنصل ريشة طنبور!

    لقد عبَّر السافل البائس عن أميرالمؤمنين وسيد الوصيين، نفس رسول الله وصنوه وصهره، بـ”أبو حسيوِن”، تصغير حسن، السبط الأكبر وسيد شباب أهل الجنة، وقال مستحضراً لغة الغجر (الكواولة) وكأنه يحيي حفلة في حي الطرب، عن زواج النورين واقتران بضعة رسول الله وفلذة كبده، بكفؤ لا نظير له، آدم فما دونه، بزواج “من الدعامية للدعامية”!.. لغة الحشو الطغام تلقى من على أعواد، حين يرتقيها رجس أجير لا يميِّز بينها وبين مجرفة يجمع بها الملح من السباخ، أو الدلو الذي تُنزح بها نقرة الكنيف!

    ولك أن تتصوَّر الانحطاط عندما يتناول هذا الوضيع أسماء أبناء أميرالمؤمنين ويفذلك نظرية الوحدة الإسلامية في ضوء سيرته، أو حين ينظِّر لنهضة سيد الشهداء، ويعمد لتحليل الوضع السياسي للمنطقة والعالم، وقراءة معادلة القوى العظمى في زماننا، وما يخلص إليه من أوهام تنقل مستمعيه على بساط الريح، يجولون في آفاق دولة الإسلام وجمهوريته الظافرة، مصوِّراً أنَّ الصولة والجولة والكلمة العليا في المنطقة لها، والبساط ما برح حلس داره! لا يشعر الفدم بالأزمة المالية والتردِّي الاقتصادي، فمخصصاته لم تنقطع بعد، ولا يأبه بالتفسُّخ الأخلاقي والضياع القيَمي، فلا غيرة هنا تُستثار ولا إحساس ينفعل، ولا يعي العلج الانهيار السياسي الذي يتهرب من استفتاء عام يرقب رأي الشعب في النظام، فغمامة حصان العربة تبقيه في دربه، يجرُّ أحماله أو ينقل ركَّابه، يحدِّد اللجام اتجاهه، فإن تباطأ أتاه السوط يلسع ظهره فيقوِّمه. لذا تراه يحسب القوة في صواريخ مدَّخرة في مرابضها، حتى إذا انطلقت يوماً لتضرب “عين الأسد”، أخطرت عدوها ونبهته ليخلي الهدف، فيتحوَّل المشهد إلى حفلة مفرقعات وألعاب نارية! ويظن السلطة والمُكنة في شغب وفوضى تحدثها إيران في لبنان والعراق وغزة واليمن والبحرين، حتى إذا رُدَّت عليها الصفعة وكالوها بمكيالها ورموها بدائها، اضطربت بمظاهرات أسقطت هيبة النظام وتراجعت شعبيته إلى نطاق جعل المرشد يشكو تزلزل رجاله ويندب تفرقهم من حوله! فعلمت أنَّ القوة والوجود ليس فيما تتوهم، وراحت تستجدي العلاقات مع أعداء الأمس، وتلتمس مخرجاً تلتقط فيه أنفاسها، فتنجو من الغرق!

    الرجل يباهي بالنفوذ والحضور الإيراني في بلاده، ويفخر بإنجازات الجمهورية الإسلامية، ويصوِّر الواقع القائم انتصاراً لها، غافلاً عن فِراشٍ عجزت حربٌ دامت ثماني سنوات طاحنة عن نسجه، بسطته أمريكا لها في العراق وهي تقتلع البعث وتزيح صداماً، ومدَّت لها آخر أفغانستان، حين أزالت طالبان القاعدة، فلما أساء الإخوة التصرُّف ولم يحسنوا الشكر والامتنان، أعادت طالبان بصيغة جديدة تعتمد المذهب الحنفي بدل الوهابي.

    إذا كان العلج يتمتع أو يحمل عُشر دعواه من الشجاعة والرجولة، فليلق هراءه هذا في طهران أو إصفهان أو شيراز أو تبريز، بل حتى في قم ومشهد؟! ولنا أن نرقى ونصعد بالتحدِّي إلى مجرَّد الجرأة على التجوال بعمامته في إحدى هذه المدن! ناهيك بإلقاء خطاباته البصرية، التي ستُقابل هناك بقذف الأحذية والرجم بحجارة الزناة!..

    من الجلي الواضح أنَّ الصعلوك في معايير الفعل وميزان التأثير هو صفر كبير، لكن لربما قارف الذنب الجليل حقير. مرة أُخرى: ولولا الضرورة لم آته، وعند الضرورة آتي الكنيف.

  • حتى نكون على بصيرة من أمرنا في هذه الحرب المحتدمة، وبيِّنة من معاركها الضارية المتلاحقة، نعرف مواضع أقدامنا ومواقع اصطفافنا، وندرك نطاق فعلنا ومدى تأثيرنا، علينا أن نعي حقيقة قد تغيب في خضم التفاعل والحماس، ويُغفل عنها في غمار الإقدام وحمَّى الاندفاع… وهي أنَّ الإعلام القائم والحاكم في عصرنا هو ميدانهم، والنشر والدعاية والترويج ساحتهم، الأجهزة والمعدات من صنعهم، والأدوات في ملكهم، والوسائل والقنوات تحت سيطرتهم، لا يفسحون إلا لمن معهم، ولا يوسِّعون إلا لخدامهم. بل حتى المادة الإعلامية، التي لم تعد شعراً وحكمة أو قصة ومقامة، وصارت فيلماً سينمائياً ومسلسلاً تلفزيونياً وبحوثاً تحقيقية ودراسات وثائقية، وضروباً أخرى من الفن، باتت لهم، وغدوا هم أبطالها…

    من هنا، فإنَّ أي طفرة حادة في شعبية رجل، أي تصاعد شديد في أعداد متابعيه ومعجبيه، أي رواج لشخصية دينية، لا يكون إلا عن توافق واحتضان، وهو مؤشر على دعم خفي وإسناد شيطاني. والقدر المتيقن، أن علينا التوقف والتدبُّر في أسباب الصيت والانتشار، وأسرار الرواج والشهرة التي يحظى بها أحدهم دون أقرانه؟ فإذا بحثت ونقَّبت وجدت أنَّه ابن تلك المدارس والتيارات، وسليل تلك الأحزاب والمنظمات، أو أنه يمضي في خدمتهم ولصالح مشروعهم! إنَّ القنوات الفضائية التي تحسبها شيعية، والمؤسسات والمنظمات والمراكز الدينية الناشطة في الساحة الإعلامية، كلها مخترقة، إن لم تكن ساقطة من رأسها وقائمة على أيديهم من أصلها. حتى إدارة بعض المواقع المقدَّسة كالعتبات العاليات لمراقد الأئمة عليهم السلام، هي مخترقة، تحتضن الأعداء وتتبنى الضلال وتغطي أربابه!

    أمام هذا المدِّ الغامر الكاسح والفضاء الملبَّد الكالح، علينا أن نعرف حجمنا ونعي دورنا، لا نتوهم الندية ولا نتصوَّر في أنفسنا القوة والشدَّة، اللهم إلا بمكان الرهان على المدد الغيبي والنصرة الإلهية، نخوض المعركة بإخلاص، من منطلق أداء التكليف وإفراغ الذمة والسعي لنيل شرف الدفاع عن الحق، واليقين بأن الثمرة والنتيجة هي في يوم الحساب والكتاب والميزان، لا في الدنيا ومتعلقاتها، كل ما هناك، أننا بهذا النزر اليسير الذي لا يعدو تغريدات ومقالات وكتباً ومجالس وزيارات، نرجو أن نُسجَّل في مَن انتصر الله بهم لدينه ولم يستبدل بهم غيرهم، أما حقيقة النصر، وأصل بقاء الدين وحفظ المذهب والذود عن تراثه، ودفع الزيف والتحريف عنه، واستمرار نقائه وأصالته، فأمر غيبي، يتولاه المولى من الناحية المقدسة، هو الذي يدير المعركة من هناك، ويتدخَّل متى اقتضت الحاجة ودعت الضرورة، يرسل جنده ومدده من ملائكة مردفين وجن صالحين، وآيات أخرى لا توفر حتى تسخير الطغاة وبطش الظالمين!

    علينا أن نعي طبيعة المعركة، ولا نغفل عن مرتكزها: تضييع الحق وتغييبه، عبر الحصار والإقصاء والتهميش، وكل ما يصرف الناس عنه، وعن رجاله وعلمائه وحملته والصادحين به… ما زال العدو يعمد إلى المُكاء والتصدية، للتشويش والتخليط على صوت الحق، ويلجأ إلى العُري والإباحية لهتك حرمة المقدسات، وإن اختلفت الذرائع والمبرِّرات، وتفاوتت الوسائل والطرُق، فكانت في صدر الدعوة بالصلاة عرايا، وهي اليوم بدعوى الحريات والحداثة والتطوير، والتنقية والتصحيح والتنزيه!.. ما زالوا يحاصرون المؤمنين ويصدُّون عن الدين، يدسون القطن في آذان الناس، ويغطون بالغمائم عيونهم، تماماً كما كانوا في بدايات الدعوة، مهدها وأيامها الأولى… وفي الرواية أنَّ أسعد بن زرارة وذكوان بن عبد قيس قدما مكة، في موسم من مواسم العرب، وهما من الخزرج، وكان بين الأوس والخزرج حرب بقوا فيها دهراً طويلاً، وكانوا لا يضعون السلاح لا بليل ولا نهار، فخرج أسعد وذكوان إلى مكة يسألان الحلف على الأوس. وكان أسعد بن زرارة صديقاً لعتبة بن ربيعة، فنزل عليه، وقصَّ عليه ما جاء من أجله. فقال عتبة بن ربيعة في جوابه: بعدت دارنا من داركم، ولنا شغلٌ لا نتفرغ لشيء. قال أسعد: وما شغَلكم وأنتم في حرَمكم وأمنكم؟ قال عتبة: خرج فينا رجُل يدَّعي أنه رسول الله، سفَّه أحلامنا، وسبَّ آلهتنا، وأفسد شبابنا، وفرَّق جماعتنا. فقال له أسعد: هو منكم؟ قال: ابن عبدالله بن عبدالمطلب، من أوسطنا شرفاً (من توسط الرئيس المجلس في قومه، فيكون الوسط هو الصدر، لا ما يكون بين الأعلى والأدنى)، وأعظمنا بيتاً. فلمَّا سمع أسعد وذكوان ذلك، أخذا يفكِّران فيه، ووقع في قلبهما ما كانا يسمعانه من اليهود، أنَّ هذا أوانُ نبي يخرج بمكة يكون مُهاجَره بالمدينة. فقال أسعد: أين هو؟ قال عتبة: جالس في الحِجر (حجر إسماعيل) وأنهم (أي المسلمون) لا يخرجون من شِعبهم إلا في المواسم. فلا تسمع منه، ولا تكلِّمه، فإنَّه ساحر يسحرك بكلامه. وكان هذا في وقت محاصرة بني هاشم في الشِّعب. فقال أسعد لعتبة: فكيف أصنع، وأنا مُحرم للعمرة، لا بدَّ لي أن أطوف بالبيت؟ قال: ضَع في أُذنيك القطن! فدخل أسعد المسجد، وقد حشا أُذنيه بالقطن، فطافَ بالبيت ورسول الله جالس في الحجر مع قوم من بني هاشم، فنظر إليه نظرة فجازه. فلمَّا كان في الشوط الثاني قال في نفسه: ما أجد أجهَل منِّي، أيكون مثل هذا الحديثُ بمكة فلا أتعرَّفه حتى أرجع إلى قومي فأُخبرهم؟ فأخذ القطن من أُذنيه ورمى به، وقال لرسول الله صلى الله عليه وآله: أنعِم صباحاً. فرفع رسولُ الله صلى الله عليه وآله رأسه إليه، وقال: قد أبدَلنا الله به ما هو أحسن من هذا، تحية أهل الجنة، السلام عليكم. فقال له أسعد: إلامَ تدعو يا محمد؟ قال النبي صلى الله عليه وآله: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأنِّي رسول الله، وأدعوكم “ألا تُشْرِكُوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ولا تقتلُوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإيَّاهم ولا تقرَبوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النَّفسَ التي حرَّمَ الله إلا بالحق ذلكُم وصَّاكُم به لعلَّكُم تعقِلُون، ولا تَقرَبوا مالَ اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتَّى يبلغ أشُدَّهُ وأوْفُوا الكَيْل والميزانَ بالقسط لا نُكَلِّف نفساً إلا وُسعَهَا وإذا قلتم فاعْدِلوا ولو كان ذا قُربى وبعهد الله أوْفُوا ذلكم وصَّاكُم به لعلَّكُم تذكَّرون”. فلمَّا سمع أسعد هذا قال له: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّك رسول الله. يا رسول الله بأبي أنت وأُمي، أنا من أهل يثرب من الخزرج، وبيننا وبين أُخوتنا من الأوس حبال مقطوعة، فإن وصَلَها الله بك، ولا أجدُ أعزَّ منك، ومعي رجلٌ من قومي، فإن دخل في هذا الأمر رجوت أن يتمِّم الله لنا أمرَنا فيك. والله يا رسول الله، لقد كنُّا نسمع من اليهود خبَرك، يبشروننا بمخرجك، ويخبروننا بصفتك، وأرجو أن تكون دارنا دار هجرتك وعندنا مقامك فقد أعلمنا اليهودُ ذلك، فالحمد لله الذي ساقني إليك، والله ما جئتُ إلا لنطلب الحلفَ على قومنا، وقد آتانا الله بأفضل ممَّا أتيتُ له. ثم أسلم رفيقُ أسعد ذكوان أيضاً.

    إنها المقادير ويد الغيب، التي أزالت القطن من أُذن أسعد وصاحبه، وإلا فالحرب الإعلامية والحصار والغلبة والمكنة هي لحزب الشيطان وأوليائه، كانت، وهي كائنة، وستبقى كذلك إلى يوم الظهور الشريف…

    أيُّ سعي لركوب موجات الإعلام، أيُّ تطلُّع لأداء يحقِّق “الترند” في وسائل التواصل الاجتماعي، أيُّ تكالب على حصد أكبر عدد من المشاهدين والمتابعين في الفضائيات والإذاعات، هو مطيَّة شيطانية تحمل صاحبها إلى الهلاك، والبلاء أنه سيأخذ معه المعجبين به ويسقطهم في الهاوية التي يتدهور فيها!

    وكذا قد يتوغل عامل للحق وينجح في تسخير شبكات الإعلام ووسائله وقنواته، لصالح عقيدته ورسالته، لكنه لن يلبث أن ينكشف ويُرصد كنشاز نافر نابٍ، لذا سيُحجَّم ويُلفظ سريعاً وينبذ عاجلاً، ويعود الضلاليون للعلو والسبق والتربع على عرشهم من جديد، ولن يتركوا هذا المخترق حتى يحتلبوه ويكلِّفوه دفع ثمن.

    لقد وقع في هذا الخطأ وعثر في هذا المطب، بل سقط في هذه الكناسة وانغمس في هذا الوضر، بعض الرواديد والخطباء، وكذا طلبة صغار تهالكوا على الظهور واستماتوا على الشهرة، تسرَّعوا وتعجَّلوا، فلم يكن لهم بدٌّ من الشذوذ اللافت، والانحراف الجاذب، حتى أعادوا صياغة رسائل ضلال سابقة لفضل الله والحيدري وحب الله، ومن قبلهم شريعتي والبرقعي وحكمي زادة وسنگلجي، بخطاب يوهم العوام بأصالة مزيفة وعلم مدَّعىً، فاحتضنهم وسوَّق لهم الشيطان، ورفعتهم محطات ومواقع الإعلام… ولحقهم العوام!

    أخطر ما يواجهنا في الحرب الإعلامية، توهُّم المؤمن العامل أنَّ النصر في تضخم أرقام المتابعين وزيادة أعداد المشاهدين، ما يحمله على السعي للكسب والعمل للجذب، وإغماض الحق ليرضي هذا ويستميل ذاك. والخطر الآخر أن يحسب في ورم النفوس المريضة وتضخم الأرواح السقيمة، قيمة، ويظن أنَّ معيار النجاح ومؤشر الفلاح هو التفاف الجموع وإقبال الناس، وتحقيق الشهرة والنجومية، وكل ذلك من حطام الدنيا، وفي الحديث “يا أبا ذر، والذي نفس محمد بيده لو أن الدنيا كانت تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر والفاجر منها شربة من ماء”.

  • يتفق العقلاء ويتسالم العلماء على اختلاف حقولهم وتخصصاتهم، أنَّ التطوُّر والارتقاء الذي ينشده كل علم ويتوخاه كل فنٍّ وصناعة، لا يبلغ أوجه ومداه فينتج حضارة، إلا بالتداول والانتقال، توارث المعارف بين الأجيال، وحمل العلوم إلى الأُمم، وأنَّ عملية النقل هذه هي من أسمى أهداف العلم وأعز أسبابه، ولا سبيل للبناء والارتقاء دونها، وستتوقف ـ عند توقفها ـ عجلة إعمار الأرض وتقدُّم الإنسان. ومن أهم سُبل انتقال المعارف واتصال العلوم، التسالم على التراث والبناء عليه، كمنطلق وأساس، سواء في مرتكزات التطوير أو في المحفوظ التاريخي. وإذا كان التثبُّت من حقيقة مخرجات العلوم التجريبية ميسوراً، لطبيعتها الحسية وإمكانية البحث فيها والتحقُّق منها، فإنَّ الأمر في العلوم الإنسانية ليس كذلك… ومع ذلك، تجدهم ارتكزوا فيها على التسالم أيضاً، وعمدوا لإغلاق باب الطعن والتشكيك الذي لا يورث إلا “الظن”، اللهم إلا فيما يفضي إلى أدلَّة باتة تنفي، وحجج قاطعة تلغي، وإلا فهو عبث وهدر للوقت وتبديد للطاقة والجهد، فالحياة قائمة على هذا التسالم، والبشرية ماضية عليه، آخذة به في بناء الحاضر وتطويره نحو قادم أكثر زهرة وألقاً. فما نعرفه عن البدايات في العصور الحجرية، إلى العصور التاريخية المقترنة بالكتابة والمدنيات المفقودة، حتى حضارات الهند والصين واليابان، وفارس واليونان، فالرومان والمسيحية وعصر الإيمان، إلى عصر النهضة والإصلاح، فالعصر الحديث، كل هذه الحقب والأزمان وما أفرزته من حضارات، يتم تلقيها عبر التسالم بما كان منها وجرى فيها، لا أحد يشكك في حروب الفايكنغ أو مخاضات العصر الفلورنسي ومعطيات الثورة الصناعية، وإذا كانت الآثار تشهد على ما بلغته الهندسة والعمارة والطب والتعدين، فلا محسوسات تثبت أعيان العلماء، ناهيك بنسبة النتاجات إليهم، وكذا الأمر في العلوم الإنسانية، ومع ذلك لا أحد يشكك في شخص فولتير وروسو وهيغل وكانط، ولا في كتبهم وآرائهم، سواء المنقطع تواترها عنَّا والأخرى المتصل، فـ “الأمير” كتاب لميكافيل، و”روح القانون” لمونتيسكيو، و”الجيوكندا” من أعمال دافنشي، و”فاوست” لجوتيه، و”الأوديسة والإلياذة” لهومر، و”الجريمة والعقاب” لدوستويفيسكي، و”الحرب والسلام” لتولستوي، و”هاملت” لشكسبير، و”الكوميديا الإلهية” لدانتي… هكذا ”القانون” و”الشفاء” و”الإشارات” هي لابن سينا، و”الحاوي” للرازي، و”تهافت التهافت” لابن رشد، و”المستصفى” للغزالي، و”الأسفار” لملا صدرا.

    هذه كتبهم وآثارهم، تحمل آراءهم، على هذا بنى العلماء وعليه ارتكزوا، لم يُلتفت إلى دراسات هنا وبحوث هناك حاولت التشكيك والتضعيف، وإثارة ما يعيق اعتمادها والبناء عليها، وقد تجاهل الوسط العلمي التخصصي كل ما ينتهي لهدم التراث. ومن التناقض والتهافت أنَّ الجهات العلمية أو السياسية التي تقف وراء هذه التضعيفات والتشكيكات، إنما تهدف إلى هدم الموروث وتغيير التاريخ وصنع تراث جديد (يوافق هواها)، تريد له، في المدى البعيد، بعد القريب الماثل، أن يُدرِج وجودها الفكري والعقائدي كتُراث ومسلَّمات للأجيال القادمة، ويكون مرتكزاً لتلقي العلوم والمعارف لعصرنا وما يلينا!

    وحقيقة تلقِّي العلوم من العهود الماضية والتسالم على التراث، تكاد تكون بديهة لا يختلف عليها عاقلان. فهذه وسائل الإعلام تضج بمقدار هائل من الأخبار، ومواقع التواصل تتخم بما لا يحصى من معلومات تشكِّك بعلوم الطب والصحة والكيمياء والغذاء، وتطعن بمنظومة التربية والتعليم، وتنال من الواقع السياسي والنظام المالي والاقتصادي، تطرحها في سياق إبطال الأدلَّة أو غلبة الفساد أو نظرية المؤامرة، وما يقدُم من خلفية هيمنة قوى خفية على المال والاقتصاد، تسعى للتحكُّم بالإنسان والسيطرة التامة عليه. هناك كثيرون يتداولون هذه الأخبار ويتناقلون تلك المعلومات، يتبنون بعضها فيحملونه وينشرونه… لكن لا أحد من هؤلاء يرتب عليها أثراً، فيمنع أبناءه عن المدارس، أو يعزف عن الدواء الموصوف وعن بروتوكول العلاج المطبَّق في المستشفيات، فيعرض عن جراحة تستأصل زائدة دودية يئن من ألم التهابها، أو يكف عن حُقن أنسولين تعدِّل نسبة السكر في دمه، أو يتخلى عن بطارية تنظِّم ضربات قلبه، كل ذلك لصالح خلطات الزنجبيل والكركم، وعصارة أعواد القرفة والحبة السوداء المعجون بالعسل! فالناس ينساقون مع الواقع الماثل، يلتزمونه ويعيشونه، على الرغم من عدم إيمانهم التام ويقينهم المطلق به، يودعون أموالهم البنوك، وينخرطون في النظام التجاري، ويلتزمون الإجراءات والأنظمة المعيشية المعمول بها، ويمتثلون للواقع السائد… ذلك لأن المعلومات المتداولة عن فساده وخطره، والأخبار المنقولة عن بطلانه وخطئه، تبقى في إطار الظن، لا تورث علماً يقارع الماثل، ولا تحقِّق يقيناً ينقض القائم السائد، ولا تغني من الحق شيئاً.

    هكذا تمضي الحياة وتجري أسباب العيش، لا أحد يبني على أُمور ظنية، والتضعيفات والتشكيكات طُرّاً ظنيات ما لم ترقَ إلى أدلة حسيَّة أو براهين عقلية. هناك واقع فرض نفسه في حقله وميدانه، لا يمكن نقضه بظنون. هكذا يتعاطى العلم مع التاريخ، ولا سيما الذي تم تسجيله وتوثيقه، باتت مدوناته هي الأصل الذي لا تنقضه تشكيكات تخلقها تحليلات وأخبار من هنا وهناك، مع العلم أن لا أحد يثق بمدوني التاريخ وموثِّقي حوادثه، لا بصدقهم ونزاهتهم، ناهيك بموضوعيتهم، وكذا الأمر مع دور النشر التي أصدرت الكتب العلمية والمصنفات الفنية، والمطابع التي استنسختها… ومع ذلك يجري التعامل الأكاديمي مع المادة التي قدَّمتها وخلَّفتها بالتسالم والتوافق، والاعتماد والاعتبار.

    وهكذا هو الأمر في تراثنا الديني، ولا سيما الأحاديث الشريفة التي بلغتنا عن أئمة الهدى، موروث قدَّم السلف الصالح تضحيات كبيرة وبذل أثماناً غالية في جمعه وتدوينه، وصرف جهوداً مضنية لتنقيته وتهذيبه، ثم تصنيفه وتبويبه… وعلى هذا ارتكزت معارفنا ونهضت علومنا وقامت حضارتنا. أجراها أئمتنا بحاراً زاخرة من أنوارهم، وفجَّروها عيوناً متدفقة من فيضهم، تلقَّاها الأصحاب ودوَّنوها وضبطوها، فكانت الأُصول الأربعمئة، كتبٌ وأسفار جمعت تراثاً امتد من صدر الإسلام حتى بدايات عصر الغيبة الكبرى أواسط القرن الثالث، لتبدأ بعد ذلك مرحلة التنقية والتصفية والتنقيح، ثم التبويب والتأليف، التهذيب من الشوائب، طرح المدسوس وحذف المكذوب، واعتماد مجموع شكَّل تراث أهل البيت، فكانت الكتب الأربعة، ومعها مصنفات لا تقل مكانة وخطراً، مثل محاسن البرقي واحتجاج الطبرسي وكامل الزيارات وبصائر الدرجات ونهج البلاغة، وبقية كتب الصدوق والطوسي والمفيد وأماليهم، ولحقتها موسوعات البحار والعوالم والوسائل وغيرها، استدركت ما فات وتلاحقت ما سقط. هكذا تلقَّى العلماء هذا الكنز الثمين بالتسالم، وتعاطوا مع هذا التراث العظيم بالتسليم، أنزلوه أحداقهم وبذلوا في سبيل حفظه أرواحهم، وما زالوا على هذا إلى عهدنا القريب.

    ولم تخلُ المسيرة من شيطنات وجهالات، بعناوين بحوث ودراسات، تهدم وتضيِّع وتسقط ما طاب لها، سواء لشيطنة وضلال سعى للخلط بين آلية الاستنباط الفقهي وعملية البناء المعرفي، وموقع التراث في هذا وذاك، أو لسخف وسفاهة وعبث أقحم الصعاليك في هذا الميدان، فإذا واجهت بعضهم نصوص وأحاديث عجزوا عن فهمها، وضاقت صدورهم عن استيعابها، طرحوها زاعمين مخالفتها العقل! ومع أن التطوُّر العلمي فتح آفاقاً لفهم مثل تلك النصوص، ألا أن الحراك السياسي والأيدي الخفية التي تتولى الأُمور وتدبرها، وجَّهت الأنظار إلى التخلُّف الذي يعيشه المسلمون والعجز الذي يعانون، وأرجعته إلى الأصالة والتمسُّك بالتراث، وقد اشتد هذا الحراك وشكَّل ظاهرة مطردة مع تطوُّر العلوم التجريبية والنهضة الصناعية في الغرب، وما صاحبها من ثقافة “العقل” الذي يصارع الإيمان.

    حتى صرنا في أيامنا هذه نواجه حراكاً منظَّماً على الصعيد الإعلامي، وإن زعم لنفسه صفة العلمية، يقوم على أثافي الضلال الثلاث: الحركة الإسلامية (الأحزاب الدينية في مختلف بلاد الشيعة)، جامعة المصطفى (البديل الحكومي عن الحوزة)، “حوزة الأطهار” في قم… أفرز تيار “تصحيح الحديث”. تيار يرجع في عمقه الفكري كما في سطحه التنظيمي، إلى نظام الإخوان المسلمين في إيران، المحتَضن عالمياً، والمرضي عنه ماسونياً، ولا تغرَّنك المناوشات، فهي صراع على الحصص لا يعني نفي الدخول وعدم الالتحاق بالمنظومة والخضوع لها.

    يعتبر التيار صيغة مطوَّرة لحركة الحداثة والتطوير الديني، وإصدار حديث للصدمة التي افتعلها فضل الله والحيدري، ومن الملحوظ في هذا الجديد شبابية عناصره، وحداثة العاملين فيه، فجُلهم من مراهقي العلم والشباب اليافع، سواء العملاء المباشرين للنظام، أم المنخدعين الذين يخدمونه من حيث لا يدرون. واللافت في عملية الإغواء التي يمارسونها، أنَّ جلَّ رواده ورموزه، يعمدون في كسب الشعبية وتحقيق النجومية، خوض معارك صاخبة مع المخالفين أو الملحدين، أو الانخراط في مواقع المقاومة والجهاد، ومن هناك ينعطف كلٌّ في درب وطريق، هذا يشكِّك بالعقائد ومقامات الأئمة الأطهار، يرمي الشيعة بالغلو، وذاك يطعن بالشعائر والسيرة الحسينية، والمجموع يعمل على إسقاط الحديث وهدم التراث، ونقض عرى الحوزة العلمية وتقويض أُسس بناء المعارف الدينية، حتى بلغ الأمر أن امرأة من العاملات مع القوم، تدير مجموعة تواصل (وتساب) نسائية، ردَّت حديث رسول الله في أميرالمؤمنين: “يا أبا الحسن مثلك في أُمتي مثل قل هو الله أحد”، تزعم أن راوي الحديث هو الحافظ البرسي، وأنه يعدُّ من الغلاة (هكذا!)، وتمضي في تفنيد الدلالة بما يسقط الفضيلة والكرامة. والحال أنَّ الحديث رواه الصدوق في فضائل الأشهر الثلاثة وروى الفتال النيشابوري مثله في روضة الواعظين، والبرقي في المحاسن، والقاضي النعمان في شرح الأخبار، وعلَّق عليه جملة من العلماء منهم العلامة الحلي في كشف اليقين والمجلسي في البحار، ثم تأتي أمرأة لا تعرف الهرَّ من البرِّ فتسقط حديثاً وتجحد فضيلة.. وهذا مثال لواقع مزرٍ استطاعوا خلقه في الساحة الإيمانية!

    إنَّ الاسلام ليس صلاة وصياماً وحجاً فحسب، إنه مشروع حضاري ونسيج متكامل يمثل الرسالة الإلهية الخاتمة والدين الوارث، إنه منظومة واحدة تُلحق الفكر بالفقه والعقيدة بالأحكام، وتقوم على التفسير والحديث والتاريخ والسيرة والأخلاق والدعاء، ولو أُعمل التشكيك بالأسانيد، وأُسقط التراث، لانهارت المنظومة ولم يبق منها شيء! ولن تشفع للحمقى والمستغفلين صكوك “براءة” يصدرها شيطان مَريد مثل حيدر حب الله وهو يتساءل: “ماذا أصنع إذا لم يثبت عندي”!.. إنَّ الأداء الذي يمضي فيه القوم سيأخذ الدين وأتباعه إلى حيث يسحقون جميعاً تحت مدحلة العلمانية والإباحية وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

    ليست القضية في إسقاط معجزة الخيط وما يفعله الغزي والغزاوي، ولا في تلبيس هوية والدة إمام الزمان مما يقوم به الأحمدان الكاتب وسلمان، ولا التشكيك بدعاء الجوشن الذي تلوكه ألسنة العوام، ولا الطعن في السيرة والشعائر الحسينية الذي صار حرفة كل بغل وأتان، هذه رؤوس جسور، ونوابض تقرأ المطبات، ومجسَّات تستشعر الحواجز، فإذا وجدت المقاومة ضعيفة، وكانت الطريق سالكة، والقدرة على تخطي العقبات موجودة، انتقلت إلى أهداف عميقة تطال العقيدة السياسية التي تأخذ الإمامية إلى زيدية، والإيمان إلى مادية حسيَّة، والتسليم إلى عقلنة وجدلية، حتى تمحق الهوية الشيعية وتسقطها لصالح اللامذهبية!

    الصراع أكبر مما يظهر، وبعض المغرَّر بهم من الملتحقين بتيار التصحيح يجهلون أبعاد القضية ويعيشون أُفقاً محدوداً ونطاقاً ضيفاً لا يوفر لهم رؤية شمولية تمكِّنهم من استيعاب ما يجري وهضم ما يتناولون وإدراك ما يفعلون، لم يسبق لهم العمل في الحركة الإسلامية، وليست لهم خبرة سياسية، ولا عرفوا أحابيل هذا الميدان وأساليب الإخوان.. يحركون الغلاة، أو سفهاء يحكون دورهم، ثم يهاجمون الغلو! يؤسسون هيئات حسينية تعبث بالشعائر ثم يهاجمون العبث بالشعائر!يتبنون الفردوسي وحافظ الشيرازي، ويحتضنون الخطاب القومي ثم يحاربون القوميين! يزرعون ويرعون من يفتك بالحوزة والمرجعية، ثم يدينون فعلتهم!

    ولو صدق الملتحقون بهذا التيار في نزاهة أنفسهم وسلامة دعواهم، لالتفتوا إلى البلاء والمحنة التي يعيشون، وكيف أنهم يهدمون آخرتهم قبل أن ينالوا من المذهب أو ينجحوا في هزِّ أركانه وقلب كيانه! ولكفى في ردعهم عن الفوضى التي يبثون في الساحة التدبر فيما نقله السيد الخوئي عن أُستاذ الفقهاء والمراجع العظام، الميرزا النائيني “إن المناقشة في إسناد روايات الكافي حرفة العاجز”. (معجم رجال الحديث السيد الخوئي ج1 ص81). وكذا ما قاله الرجالي الضليع آغا بزرك الطهراني في التسالم على التراث (كما في محاضرات الشيخ السند الثرية)، ثم بيان السيد محمد سعيد الحكيم (في “من وحي الطف” ص77) في نفس الباب.

    بل لكفاهم أصل حاكم هنا، هو أن التضعيفات كلها حدسية لا حسية، فلا يكون لها أي اعتبار، وأن التوثيقات حجة بخلاف التضعيفات المبنية على آراء ونقولات تفتقر البينات. وكثيراً ما كنت أسمع أحد الفقهاء الضليعين في علم الحديث والرجال يكرر: “الأصل في التضعيفات الضعف”، وكنت أتساءل كيف خلص إلى هذا فأسس عليه قاعدة وأرسى أصلاً؟ حتى عرفت أنه رأي أعلام آخرين، وهو الذي كان سائداً مدى تاريخ حوزاتنا حتى عهد قريب، بل هو القول السديد الذي ترشد إليه سيرة العقلاء.

    هذه دعوة مخلصة للمؤمنين الملتزمين المتشرعين، الذين تورَّطوا باللحاق بهذا التيار، عن جهل أو غفلة، في ساعة طيش أو فورة، لإصلاح حالهم وإرجاع تصحيح أسانيد الحديث لموقعه الأصلي ووضعه الطبيعي، حصره في العلماء المتخصصين والفقهاء المتبحرين، الذين يعرفون مكانه ونطاقه ويدرجونه في مواضعه. حتى لا يؤخذ الدين وتبنى المعارف الإلهية إلا من كل مؤتمن مُسنٍّ في حبهم، كثير قدم في أمرهم، سابق في الحرص على تراثهم. وقصر أيدي المتطفلين الأغرار، بل قطعها عن التطاول وقد تمادت حتى العبث والسفاهة، وغرَّرت حتى الابتداع والغواية.

    هذا دبٌّ ولج مخزن الفخار يبحث عن خم العسل، والقضية ليست رياضيات تحكم بحاصل جمع عددين، ولا هي طبيعية وجدانية كإدراك المرء وجوده أو حاله ومكانه، بل هي نظرية تتحرك وتدور في إطار عريض من الاحتمالات، يفتقر الوصول إلى حكم فيها إلى الفراغ من مقدمات، على رأسها بلوغ ملكة الفقاهة والقدرة على فهم معاريض الكلام ولحن القول والمراد الجدي، ما يتطلب عشرات السنين من التفرغ العلمي وجهوداً مضنية من التعمُّق والبحث المتراكم الذي يولد خبرة… ما زلت أبحث عن شعرة بيضاء في وجه هذا وذاك، فلا أجد إلا السواد.

  • في بداية السبعينات من القرن الماضي، انشقَّت جماعة من حزب الدعوة، أخذت عليه تواضع مستواه الفكري وضعف مبانيه العلمية، وتأثره الشديد بالآخر، وغلبة اللامذهبية أو مسحة التسنن عليه، مما كان مشهوداً في فقر ولائياته، وميوعة هويته الشيعية لصالح الإسلامية، وتنكُّره لعلماء الدين واستخفافه بالحوزة والمرجعية… في التسعينات، انتهى أمر هذا الانشقاق بموقف لسامي البدري، أحد أبرز قادته، أعلنه في ندوة أُقيمت في لندن، ذهب فيها إلى أنَّ ولاية أميرالمؤمنين التي أخذ رسول الله البيعة عليها في الغدير، كانت خياراً قدَّمه للأُمة، مجرَّد ترشيح وترجيح منه، ولم تكن تعييناً مُلزماً من الله تعالى. ولما ضجَّ المؤمنون من مقولته وهاجموه ووبَّخوه، قال إنه استقاها من مرتضى العسكري، فكان كمن عمد لإخماد الحريق بصبِّ الزيت! الغريب الملفت، أنَّ هذا “القائد” كان من عائلة مستبصرة من أهالي سامراء!

    اليوم تعاودنا حمَّى شبيهة تقدم من غزَّة، يقودها أيضاً مستبصر ويذكيها آخر، استيقظ الأول على معضلة “كبرى” يعيشها الشيعة، هي بناء عقيدتهم على أحاديث ضعيفة أو موضوعة، فآلى الصنديد على نفسه إرشادهم وتقويم زيغهم، فقأ في وجهه كحبِّ الرمان من معجزة أو كرامة لآل محمد، فقحم الميدان ليبطلها ويفنِّدها، ويثبت أنَّ المدينة المنوَّرة لم تشهد في عهد الإمام زين العابدين هزَّة أو زلزالاً أحدثه خيط حرَّكه ابنه الباقر! وراح الثاني يصحِّح عقائدنا، ويعلِّمنا مَن تكون والدة إمام زماننا، وأنها ليست ابنة قيصر الروم ولا سليلة شمعون!

    وفي نوبات هذه السخونة ونزلاتها، ترى مَن لا يعقلون لأميرالمؤمنين خطاباً، فيحكمون ـ جازمين ـ ببطلان نسبته إليه! لا لخلل في سنده وسقم في رواته، بل لمخالفته فكراً ارتهنهم يُطلقون عليه “العقل”، أو فهماً مغلوطاً يحسبونه “المنطق”، والحال أنَّ ما “عُبد به الرحمن واكتسب به الجنان” بريء، براءة أرسطو من هزيل بنائهم، وخاوي مقدماتهم وباطل استنتاجاتهم! يمضي بعضهم بسذاجة الذي ابتاع الأهرام والقطار، يحمل قراءة سمجة سخيفة تسقط الحديث على أصلٍ افترضه، فيخلص إلى النفي والإنكار، يرى أنَّ الخطاب فيه تغرير بالمخاطب، يفتح باباً يقود إلى الشرك والغلو، وأميرالمؤمنين منزَّه عن ذلك، لا يغوي الناس، وحاشاه أن يأخذهم إلى الكفر والضلال، فالحديث إذاً مكذوب موضوع! والأمر ليس من تسجيل العثرات والتقاط الزلات، بل هو شاهد عابر على نزعة ومشرب، ويكفيك أن تلاحق “بحوث” الرجل لتجدها في كثير من مواضعها أشبه بتقريرات لمباحث حيدر حب الله ودراساته، ولكن العوام لا يقرأون، فينبهرون، والمثقفون ـ في حقيقتهم ـ حسيُّون غير إيمانيين، يبحثون عن مسعف ينجدهم في صحراء قحولهم ومحولهم، فينتعشون! أما البصراء، المستنيرة قلوبهم بأنوار الولاية، فيكفيهم موقفه من الشهادة الثالثة ليقفوا على الداء، ويميِّزوا بين السعادة والشقاء.

    يتساءل الرجل الذي نشأ في أحضان زائر فضل الله، ومن ورائه المستبصر السامرائي: ما لكم كلما ذكر “سند الحديث” تبكون؟! مستنكراً أو هازئاً، لست أدري. هكذا يريد الفتى أن يمضي في دربه الشاذ، محمولاً على أكتاف الذباب، بحسابات وهمية وأرقام خيالية، صدَّق المسكين أنها بلغت عشرات ومئات الآلاف، يأخذ معه المغترين من أيتام آل محمد، بلا معارضة أو عراقيل، ودون مساءلة تستوقفه عند بدع ومُحدَثات يريد أن تكون نهجاً يغيِّر السائد الذي يمضي عليه الشيعة منذ مئات السنين!

    ولو كان الأمر من مستبصر أو نكرة، مجهول لا يُعرف له أصل ولا انتماء، فِطْر فقعت عنه الأرض، لقاحه الرعد والبرق، ومنبته البراري، وإن باتت له في التطوير الزراعي، محميَّات وبيوت مظلمة يجري استنباته فيها من بكتيريا تُستخلص من عفن الثمار أو روث الأحصنة والبغال.. لما عجب أحدٌ ولا استنكر، ولا استغرب من هتكه المقدسات دون تحرُّز ولا وجل، وبمزيد جرأة واستخفاف، فالصعلوك لا يأنف ولا يتعفف، يقحم ويهتك، ثم ينادي بالفتح والظفر، لم يدفع ثمناً في جمع التراث، ولا كابد آباؤه أو عانى أسلافه في هذا السبيل، فعلامَ يتألَّم وممَّ يتوجع؟! ولكن هذا السيد المسكين الذي جعلوه في الواجهة، واتخذوه مطيَّة، معروف في أصله ومنبته، مشهود له في دينه ونسبه.

    وحتى يفهم ما يُبكينا، عليه أن يعشق سيد الشهداء بعد أن يعرفه، ويتفطَّن أسباب إحلاله سلام الله عليه من إحرامه وإعراضه عن حجه في يوم التروية، فيدرك أن الولاية هي جوهر الإسلام، وأنَّ الإمام أعظم من الأحكام، وحرمته تفوق الحج والكعبة والمسجد الحرام. ويفهم كيف ولماذا سمع النبي خطاب ربه بصوت علي عند سدرة المنتهى؟! وكيف نجَّى أميرالمؤمنين سفينة نوح من الطوفان، وخلَّص إبراهيم من نار النمرود، وعلَّم موسى التوراة، وأنطق عيسى في المهد، وأخرج يوسف من البئر، وسخَّر الريح لسليمان، إذا تخطى حُجب الرجال والأسانيد حين تعمل في غير موردها، واستطاع أن يعقل كيف يباشر “بشرٌ” أدواراً في حياة الأنبياء، ويتدخل فيغيِّر مصائر أُمم وحضارات، وهو لم يولد بعد!.. سوف يفهم لماذا وعلامَ نبكي.

    إننا نبكي ديننا يا هذا، نبكي سماسم لا يلتقطها إلا أهلها، معارف أرق من النسيم، وعقائد ألطف من زجاج القناديل، يهوي عليها حمقى بمعاول جهلهم، يعيث متطفلون في أرجائها فساداً، ويبتدرون في أنحائها خبطاً وتهشيماً. نبكي تراثنا العزيز، كنوزاً من درر نفيسة وجواهر فريدة ولآلئ لا تقدَّر بثمن، يبتذلها صعاليك ويفرِّط بها زعاطيط، عرفوا شيئاً وغابت عنهم أشياء. نبكي مستغفلين ومستضعفين تنطلي عليهم مغالطة نقل بحث أسانيد الحديث، اللازم والضروري في الفقه والواجب في استنباط الأحكام، إلى دائرة التاريخ وتفاصيل العقيدة والتفسير (في غير آيات الأحكام) وحتى الدعاء والمزار.. ويرتهنون الساحة لهذه المغالطة كلما اعترض عليهم فاضل ونهض في وجههم غيور، يرمونه بمحاربة التحقيق ورفض البحث في الأسانيد! يشهِّرون بممتنع عن دواء السعال، ويغفلون أنه يشكو آلاماً في المفاصل، فما شأن عقارهم ومحل دوائهم؟ والهمج الرعاع يرمونه بجحد الطب والتنكُّر للدواء ورفض العلاج!

    إننا نبكي يا سيد لأننا لسنا أنبياء ولا أئمة نعلم الغيب، فنرى مآل دعوتكم الهدامة، والحضيض الذي ستهوون إليه بعد حين، وكيف ستلحقون بمن سبقكم، من الأفغاني ومحمد عبده وسيد قطب وحسن البنا، إلى طالب الرفاعي ومرتضى العسكري، ثم فضل الله وحب الله والحيدري وآصف محسني.. نخشى البداء ومزيد البلاء، نبكي تقصيرنا وذنوبنا، أن نتلقى عليها عقوبة أشد من الطوفان والقمل والجراد، تجتاحنا فتن من ضرب تشريع المثلية والاختلاط والمساواة بين الجنسين وضروب الميوعة التي نراها في غير صعيد، وأشدها على عرى الإيمان أن يسلِّط الله الحداثوية على الدين. إنه بكاء الوريث الذي يرى أو يخاف تبديد التركة وتضييعها. وعندما لا تتخذ دينك لهواً ولعباً، ولا تركبه مطية للشهرة وآلة للرئاسة والإمرة، ستبكي مثلنا، ولن يعيبك هذا أو يشينك، بل يرفعك ويزينك.

    قد يعيش الرجل ألق طوره السابق، وزهو مرحلة ماضية قطعها، منتشياً بالتهاب الأكف بالتصفيق له، وما كان يلقاه في جولة تصديه للإلحاد ومحاربته مناهجه وواجهاته، فمضى مستصحباً ذلك، متوهماً استمراره وهو في حرب الولاء وجولة إسقاط مراتب الأئمة الأطهار والاستخفاف بالحديث والشعائر الحسينية، فصدم وفوجئ بما لاقى، ثم امتعض واستنكر من “تشدد” الولائيين في مواجهته! وهذا أول السقوط، أن يخلط بين الحقلين، ولا يميز رجال هذه الجبهة عن تلك، فيحسب التخنث الذي لاقاه به الملحدون، والخنوع الذي ظهر من أرباب تلك المقولات، هو الأصل في المعارك العقائدية والصراعات الفكرية. غاب عنه حال رجال هنا كزبر الحديد، لا يزيدهم الطرْق إلا صلابة، ولا الحوادث والخطوب إلا مضاء وحِدَّة، يبترون سُوق الضلال ويقطعون جذوعه، يجتثون جذوره ويقتلعون أصوله، يسحقون حشائشه أو يدوسون حشوه وطغامه بالأقدام، لا يبالون بتبعة ولا يكترثون بعاقبة، قد أعاروا الله جماجمهم، وباعوا أئمتهم أرواحهم. ينتزعون حقهم من عيون أعدائهم، فإن عصت الأعين، فقأوها أو سملوها من محاجرها.

    قد يسجِّل بعض السذج إنجازاً للقوم هنا وخدمة هناك ترحمهم وترفق بهم، تماماً كما كان يجري مع فضل الله في أمر المقاومة، والحيدري ومناظرة المخالفين… غافلين أن هيئة الإذاعة البريطانية البي بي سي، كانت وما زالت تبث تسع حقائق، حتى تدس العاشرة أكذوبة، فتحقق العائد المرجو، على بساط من المصداقية، فرشه الضحايا!

  • من الفروق الجوهرية والميزات المفصلية بين المتصارعين في الساحة الإيمانية، المتموضعين في جبهتين: تيار الأصالة والولاء، مقابل الحداثة والابتداع، أنَّ الأول ينطلق من إيمان راسخ بسلامة فكره ونهجه، على يقين من رشاد آرائه وسداد خياراته، يقينه بفساد دعاوى خصمه، فتراه على ثقة تامة بصواب تموضعه وصحة تخندقه وقداسة حربه ونزاهة معركته، يبني على قاعدة صلبة ويمضي بوتيرة مُحكَمة ونهج متماسك مُتقَن، يزيح الغشاوة في الرؤية، وينفي القلق والاضطراب النفسي، ناهيك بالتزلزل الروحي، الذي يعاني منه الطرف الآخر، وهو ساكن رابض، أو متحفِّز يتحيَّن الفرص، وكذا حين يباشر الحركة ويثور، فيتخبَّط ويتقلَّب، يتكلَّف ويتعسَّف، يخادع ويراوغ، يتحايل ويتصنَّع، وفي جميع مراحل حركته وأطوار نهضته، تراه يفتقد السكينة والوقار الذي يتمتع به الولائي الأصيل. ولسنا هنا بصدد الأدلَّة التي يسوقها الحداثي، وما يقدِّمه المبتدع بين يدي دعواه من حجج واهية داحضة، وإثباتات هزيلة ركيكة، وبراهين باطلة هاوية، بل نريد الحالة النفسية والروحية التي يعيشها أعداء الولاء وخصوم الأصالة وغرماء الحوزة العلمية ومناصبو النمط التقليدي في بناء المعارف الدينية، بأي زيٍّ تلبَّسوا، وأيِّ شعار حملوا، فحقيقتهم واحدة، لا تداريها اللافتات التي يتخفون خلفها، ولا تغطيها الأقنعة التي يظهرون بها، فأكاذيبهم لا تنطلي على الأكياس ولا تخدع الحصفاء ولا تغرر بالحكماء. إنهم يعلمون جيداً أنهم يكذبون ويدلِّسون، ويشعرون في قرارة أنفسهم أنهم يلتفُّون على الحقيقة ويحتالون عليها، وأن استدلالاتهم باطلة، أو ركيكة هزيلة، وحججهم خاوية ساقطة، وأنهم لا يعدون كباشاً تناطح جبالاً راسية! لذا تراهم يتماوتون على نقل الصراع وأخذ النزاع إلى “الشخصنة”، ومواقع إعلامية محضة، بعيدة عن الأجواء العلمية والرصانة الأكاديمية التي قدموا منها، أو تقنَّعوا بها.

    في المقابل، لم تأتِ ثقة الولائيين بأنفسهم من فراغ، فهم ورثة مدرسة تضرب في أعماق ألف عام من الجمع والتصنيف والاحتجاج والاستنباط والتأسيس والبناء، صمدت أمام أعتى التحديات، وقاومت أشرس الهجمات. كما لم يسكنهم اليقين بضلال خصومهم من محض أهواء، بل هناك مرتكزات متينة ومنطلقات مُحكمة، ومن أعمق روافد الطمأنينة في اتخاذ المواقف في جبهات الصراع الإيماني، وأكبر مصادر الثقة بصوابية التموضع ضد المنحرفين، أئمة ضلال كانوا أم أتباعاً من الصعاليك، وانتفاء التجنِّي من افتراض الغرض والمرض فيهم، والركون إلى عدم حملهم على محامل الخير أو التماس الأعذار لهم، وعدم التردد في إدانتهم لجحدهم فضائل آل محمد أو التشكيك فيها… نصٌّ محكم لا يُعارَض، و”رقم ذهبي” يقبل القسمة على جميع الوجوه والمعادلات، ويحسم القرار والموضع على أي حال، ففي الجامعة الكبيرة: “فكُنَّا عنده مسلِّمين بفضلكم، ومعروفين بتصديقنا إياكم، فبلَغ الله بكم أشرف محلِّ المكرَّمين، وأعلى منازل المقرَّبين، وأرفع درجات المرسلين، حيث لا يلحقه لاحق، ولا يفوقه فائق، ولا يسبقه سابق، ولا يطمع في إدراكه طامع، حتى لا يبقى مَلَك مقرَّب، ولا نبيٌّ مرسل، ولا صديق ولا شهيد، ولا عالم ولا جاهل، ولا دنيٌّ ولا فاضل، ولا مؤمن صالح، ولا فاجر طالح، ولا جبار عنيد ولا شيطان مريد، ولا خلق فيما بين ذلك شهيد إلا عرَّفهم جلالة أمركم، وعِظَم خطركم، وكبر شأنكم وتمام نوركم، وصدق مقاعدكم، وثبات مقامكم، وشرف محلِّكم ومنزلتكم عنده، وكرامتكم عليه، وخاصَّتكم لديه، ومنزلتكم منه”.

    قلَّ أن تجد مثل هذا العموم والاستغراق والشمول في الإطلاق! ومن ظاهر العبائر وسعة نطاق مداليلها، يبدو أنَّ الحكم لا يستثني حتى المستضعف! فالخطاب يعمد إلى المقابلة بالنقائض، والبناء على نحو المنفصلة الحقيقية، فالإنسان إما عالم أو جاهل، ثم استدراك بـ “ولا خلق فيما بين ذلك شهيد”، ما يحقق إتمام الحجة على جميع البشر بل كافة المخلوقات! والذهاب في الأمر ـ من بعدُ ـ إلى الرسوخ المؤكد في كلِّ نفس، وسطوع شمس الآية الشريفة: “وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوّاً”، على وجدان كل جاحد ومنكر أو مشكك، وحضور: “كل إنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره” في قرارة كل معاند مكابر. فالقوم في ضمائرهم، أو قُل ما تبقى منها، يعلمون أنَّ الفضائل التي ينكرونها ويرونها غلواً، أو يحسبونها مبتنية على أحاديث مرسلة أو يرويها ضعاف ومجاهيل، أو الأُخرى التي تخالف عندهم العقل، ويخلطون في معالجة مداليلها بين الاستحالة العقلية والمعجزة، أو القدرة الإلهية وتعلقات إرادته سبحانه وتعالى بأمر… يعلمون أن كلَّ هذه وتلك ثابتة، وهي حقائق لا يسع المنصف الفرار منها والتنكر لها، ولكن الشيطان يغلب أولياءه، فالهر القصير الذي سبق أن قدَّم للأمة كمال الحيدري على طبق مشروعية قناة الكوثر وحصانة فلَك النظام، وكان رأس الحربة في ضرب الحوزة والنجف وهتك المرجعية العليا، وكان وراء سلسلة فتن أخرجت الناس من دين الله أفواجاً، حتى إذا توارى شيئاً وغاب، حسبها بعضهم يقظة ضمير وقفت به على خلوِّ وفاضه وفراغ جعبته وتسافله عن أدنى مقومات الدور الذي تسنَّمه أو أُنيط به، فانكفأ عن الإعلام ليتفرَّغ لإدارة أحزاب القوم الناشطة في بلاد الخليج، وإذا به يعود من نافذة الفتنة نفسها، يسرق الإمامة من أهلها ويهوي بولاية الله ورسوله وأهل بيته الأطهار، يجعلها مشاعاً للقاصي والداني، ويبتدع مرتكزاً جديداً للتشيُّع هو الثورية وموافقة سياسات النظام، يرسيه أصلاً يُلحق الإمامية بالزيدية! إنَّ هذا الصعلوك يعلم في قرارة نفسه أنه يكذب ويدلِّس، ولكن الشيطان الذي رفعه إلى موقع لم يكن يحلم فيه مالاً وسلطة وشهرة، اخترقه وسكنه، وبات لسانه الذي يفتري به، ويده التي يبطش بها، وروحه التي تغوي، فيخلط ويُلبس على أيتام آل محمد ويترضى على مَن لعنوه، دون تقية اضطرَّ إليها، اللهم إلا إنعاش إبليس وإدخال السرور على قلبه!… وهكذا يفعل زملاؤه وأقرانه في حوزة الأطهار وجامعة المصطفى، ولكن بآلية مختلفة وعلى نهج مُحدَث جديد! تماماً كما سبق إلى ذلك الحيدري وحب الله، ومن قبلُ فضل الله، لحق هؤلاء وباتوا روَّاد المرحلة الحالية وقادة الحركة الإضلالية.

    لا أحد من هؤلاء تخفى عليه الحقيقة، لا غفلة هنا ولا جهل، لا بسيط ولا مركَّب، وإن كان، فهو مما أخذ المرء نفسه وأوقعها فيه، وذهب من تلقائه إليه، أعرض عن حجة بالغة حاضرة في وجدانه عرَّفها له الله سبحانه وتعالى وأتمَّها عليه، تبعاً لشياطين الإنس والجن، وشهوات ونزوات تزيِّنها له. هذه هي الآفة، لا غير، تدبُّ في أرواح المرضى، مما يسوِّله أولياؤهم: تحقيقاً في الأسانيد وملاحقة للرواة حتى يسقط الحديث وتنتفي الفضيلة، فإذا صُفعوا من أمثال السيد السيستاني الذي يرى أنَّ “في مثل هذه الزيارات لا ينظر إلى صحة السند، وإنما العبرة بالوثوق لصدورها والاطمئنان بها. وزيارة الجامعة كما قال المجلسي (قدس سره) من أصحِّ الزيارات سنداً ومتناً، ومضامينها خير شاهد على صدورها من المعصوم عليه السلام، الذي هو معدن العلم ومهبط الوحي، فإنَّ فقرات هذه الزيارة لا تكون صادرة إلا عن مقام الوحي والإلهام الرباني، ولا يشكك فيها إلا ضال أو منحرف أو مكابر”… أُسقط في أيديهم، وانعطفوا إلى منحىً آخر يفضي إلى تضعيف في الدلالة، والتمسوا وجوهاً تتأوَّل الظاهر وتنقلب على النصِّ، وعمدوا لدعوى العرض على القرآن ومسلَّمات التوحيد وما ينجي من الغلو والسقوط في شِراكه! وراحوا في المراء والجدل، وذهبوا في المكابرة والعناد.

    تعجَّب المأمون وهو يشهد يوماً إكبار أبيه للإمام الكاظم عليه السلام، فسأله: مَن يكون هذا الرجل الذي أعظمته وأجللته، وقمت من مجلسك إليه فاستقبلته وأقعدته في صدر المجلس، وجلست دونه؟ ثم أمرتنا بأخذ الركاب له؟ قال هارون العباسي: هذا إمام الناس، وحجة الله على خلقه، وخليفته على عباده! فقال: يا أمير المؤمنين، أو ليست هذه الصفات كلها لك وفيك؟ فقال: أنا إمام الجماعة في الظاهر والغلبة والقهر، وموسى بن جعفر إمام حق، والله يا بني إنه لأحق بمقام رسول الله مني ومن الخلق جميعاً… ثم استدرك: والله لو نازعتني هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناك، فإنَّ الملك عقيم!

    من هنا لا يحترم المؤمنون الحداثويين، ولا يرون لدعاة الضلال وأرباب البدع حرمة، لأنهم يفترضون فيهم الخبث والعمد، ولا يفسحون لمقولاتهم فرجة في فضاء التعددية واختلاف الاجتهادات وتنوُّع الآراء، أو يتيحون لها محمل خير مما ينبغي أن يُتاح للأخ المؤمن فيُحمل عليه… إنهم دجالون محتالون، طلاب شهرة وسلطة ومال وملك، وهو عقيم، لا يعرف ولداً ولا أخاً ولا تلداً!

  • هذه وقفة تفكُّر وتدبُّر على هامش الجولة الأخيرة بين الفلسطينيين وإسرائيل، أخذت إلى أُفق لا يملك المرء إلا أن يرثي فيه لحال هذا الشعب المقهور والمأساة التي يعيشها، فيتألم ويشفق ويرقُّ ويرفق، ولا سيما أنَّ الطيران الحربي الإسرائيلي لا يكفُّ عن دكِّ بيوت غزَّة وتقويضها على رؤوس أصحابها، حتى يستأنف عدوانه ويُعاود طغيانه، وكأنه أخذ على نفسه تخريبها كلَّما رُمِّمت وأُعيد بناؤها. فإذا وسَّع المتأمل نطاق رؤيته وتعمَّق في المشهد، غرق في المحنة والنكسة بعد النكبة، وهو يستعرض سيرة شعب يقف على أبواب قرن من الشتات والتشريد، والتيه والتهجير، وهوان التسكُّع في بلاد الآخرين، وذلِّ مخيمات اللاجئين، ومن بقي في أرضه ولم يترك بلاده، بات محاصراً بحائط فصل عنصري، أمضاه العالم المتمدِّن، ولم يثر حفيظة الذين ثاروا على حائط برلين!.. هذا في جانب، وفي الآخر مصيبة أعظم، وهي أنَّ كلَّ ما يجري على هذا الشعب المنكوب يقع دون أدنى أجر وثواب، وبلا عوَض ولا خلَف! فما ينتظر “الضحايا” في عقباهم، أسوأ مما قاسوه في دنياهم! فالموت على حالهم، والانتقال إلى الآخرة بعقيدتهم ودينهم، يعني أنهم راحلون ـ مع الأسف الشديد ـ إلى جهنم وبئس المصير! والنصوص في هذه الحقيقة لا تحتال عليها فذلكات رجالية، ولا تتلاعب بها مهارات شيطانية، تلتف على أصل الدين ومحوره، وانحصار النجاة في الفرقة المحقَّة. فإذا نظر باحث أو مراقب واستعرض ما نزل بالعراق منذ سقوط الطاغية، من مآسٍ وويلات حمَّلت العراقيين من الضحايا والقرابين والدمار ـ في فترة وجيزة ـ ما حمَّلت، لوجد أرقاماً فلكية تفوق مأساة فلسطين على امتدادها الذي يناهز قرناً!.. لكن فارقاً جوهرياً هنا يغيِّر المشهد ويقلب المعادلة، فالمظلوم الذي قضى في انفجار انتحاري تكفيري، تناثرت أشلاؤه وهو في طريق زيارة سيد الشهداء، أو يتسوَّق لعياله، أو يتوجَّه إلى عمله، يرحل بإيمان وولاية لآل محمد وبراءة من أعدائهم، تنجيه في برزخه ناهيك بمعاده، بينما الفلسطيني المنكوب، يرحل بغير هذا، فيهلك وقد حبط عمله!

    من هنا يأخذ التأمل والتدبُّر المرء ليرجو ويتمنى أن ينهض أحد أبناء هذا الوطن السليب ليصحِّح المعادلة فينجي شعبه ويخلِّص أُمته، ليت بعض أبناء فلسطين الحبيبة يعرف الحق ويستبصر، ثم ينفر إلى الحوزة العلمية، فإذا قطع شوطاً وبلغ كفاية، عاد لينذر قومه إذا رجع إليهم… يهتف فيهم بقول رسول الله: “ذروة الأمر وسنامه ومفتاحه وباب الأشياء ورضا الرحمن، الطاعة للإمام بعد معرفته، إن الله عز وجل يقول: «من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً»، أما لو أن رجلاً قام ليله وصام نهاره وتصدق بجميع ماله وحج جميع دهره ولم يعرف ولاية ولي الله فيواليه ويكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على الله جل وعز حق في ثوابه، ولا كان من أهل الإيمان”، فيدعوهم إلى ما تسمو به الأرواح، وتزكو الأعمال، وقبل هذا وذاك، ما يطهرهم ويأخذهم إلى النجابة وطيب الولادة.

    ليت أحد أبنائهم ينبري لينقذهم من مذاهب باطلة ترتهنهم، وعقائد فاسدة تضلُّهم، فيزيح من قلوبهم غلّاً يضطرم على آل محمد، ويطفئ حقداً وحنقاً على شيعتهم، فإنَّ الناصب مخلَّد في النار، وفي الحديث عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال: “ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت، لأنك لا تجد رجلاً يقول: أنا أُبغض محمداً وآل محمد، ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم أنكم تتولونا وتتبرؤون من عدونا وأنكم من شيعتنا”، وقد روي عنهم عليهم السلام: “لو أنَّ كلَّ ملك خلقه الله عزَّ وجل، وكلَّ نبي بعثه الله، وكلَّ صدِّيق، وكلَّ شهيد شفعوا في ناصب لنا أهل البيت أن يخرجه الله عزَّ وجل من النار ما أخرجه الله أبداً”. فإن نجا بعضهم من النصب، وسلمت نفسه من البغض،  سقط في حبِّ أعداء آل محمد وموالاة غاصبي حقهم، وفي تفسير العياشي عن أبي عبدالله عليه السلام في قوله تعالى «وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء»، قال: “حقيق على الله أن لا يُدخل الجنة مَن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من حبهما”. ولو قلبت تلك البلاد رأساً على عقب وركستها لتفرغ سكَّانها في غربال ينخل ويصفي الموالين لآل محمد، لما خلص إلا آحاد!

    ليت عالماً عادلاً ورعاً زاهداً في الدنيا غير مكبٍّ عليها ولا متهالك على حطامها، يقف على جذور الولاية وأعماق الإيمان، ويعرف تبعات الأعمال وآثار الأفعال، القلبية الخفية منها والجوارحية العلنية، يحذِّر قومه من الهلكة التي تنتظرهم لطلبهم الاشتراك ـ الطوعي ـ في جرائم صدام، حين يرضون بفعاله ويهيمون بحبه، ومن قبله وبعده، يعشقون التكفيريين الذين لا تعمل أحزمتهم الناسفة إلا في الشيعة ومراقد أئمة أهل البيت وعتباتهم المقدَّسة، لم تنل يوماً من يهوديٍّ ولا صهيوني! ليت في أبناء فلسطين مَن يبصِّرهم أنَّ إقامة الأفراح في مآتم الشيعة على فجائع أنزلتها بهم داعش، هو تدهور أخلاقي وتردٍّ إنساني، وانحطاط وحقارة، سيعقبها خزي ونكال، ثم سقر لا تبقي ولا تذر، ونار موقدة تطَّلع على الأفئدة.

    والداء عضالٌ والعلَّة مستحكمة، فبعد اللتيا والتي، ظهر مَن يُفترض أنه عرف الحق والصواب وأدرك الخطر والبلاء، فاستبصر أحدهم! لكنه بدل أن يرجع لينذر قومه وينقذ شعبه، وينهض بما هو الحق من الجهاد، آثر أن يقضي وادعاً فاكهاً مترفاً، لاهياً عابثاً مضارباً… اندسَّ في الحوزة كما أُريد له وتوغل، انصرف لبناء الشهرة وخلق الوجاهة، وانهمك في كسب الإجازات وجمع الشهادات، ثم انغمر في البحث عن زلات علماء المذهب، وتلقُّط عثرات في حنايا التراث وزوايا المؤلَّفات، والتنقيب عن هفوات هنا وهناك، تظهره ناقداً محققاً، وباحثاً فاحصاً، مجتهداً لا يقلِّد، وقائداً لا يُقاد، ثم رائداً ومُصلحاً لمذهب لم يعرفه إلا بالأمس، اللهم إلا ما تلقَّاه عنه في نشأته، وانغرس فيه وسكنه مع تربيته!

    هكذا التحق الرجل بمنظومة الحداثة في إصدارها الجديد ونسختها المتطوِّرة، التي وإن اختلفت مع آباء الحركة في آليات العمل وأساليب الدعوة، لكنها تحدو نفس الأهداف التي لاحقها رواد الإصلاح الديني الأوائل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والطهطاوي والكواكبي ورشيد رضا وعلي شريعتي: عقلنة الدين، والاقتصار على القرآن والأحاديث الصحيحة فحسب، ونبذ المعتقدات الخرافية والتقاليد الرجعية، وتطوير الخطاب بما يوائم العصر، والعمدة في ذلك السعي نحو “اللامذهبية”! قام حزب الائتلاف بين جامعة المصطفى وحوزة الأطهار وطرف ثالث، على هذا النهج، وتبنَّى منظومة تلحق الحيدري وحب الله، وتخلُف شريعتي وفضل الله، دون أن تجاهر بضلالات أولئك وانحلالهم، أو تتبنى بصراحة آراءهم، فتقول بإباحة السماع، أو التنكُّر لمصاب الزهراء،  كما فعل لكع مثل علي الصالح ومنحطٌّ مثل رحيم أبورغيف، وتذهب في إسقاط الحوزة وعلومها على طريقة سافل مثل الغزي.. بل هم على نهج حزب الدعوة والإخوان المسلمين، في الأخذ بالمرحلية، وسياسة الخطوة فخطوة، وهم الآن في طور التشكيك، وإثارات تستدعي إعادة بناء المعارف الدينية، بعد تنقيح المصادر الموروثة، سواء من تراث أئمة الهدى، أو نتاجات أعلام الطائفة.

    والطامة هنا أنَّ الخطة أو الخديعة الجديدة انطلت على فضلاء، وخدعت سذَّجاً أغرتهم الظواهر، وخفي عنهم الدعم السري المريب الذي يحظى به هؤلاء، ما سمح لهم بحرية الحركة في أوساط المثقفين، ليشكِّلوا بعد حين حزباً ضمَّ أنواعاً: الأول: غثاء رعاع، سواد كلِّ جديد مبتدَع، وحاضنة كلِّ محدَث وشاذ وغريب، مصروعون بحمَّى “الحركة الشبابية”، وهوس ”الدماء الجديدة”، والهراء الذي يخلق مدّاً، كان حتى الخمسينات أحمر يحكي اليسار، صار في السبعينات إسلامياً، وهو اليوم هجين ينطلق من الحداثة ويريد تطوير الدين، ليصنع علمانية (دينية لا سياسية) مبطَّنة! وهؤلاء، كما يغلبهم هوس النزعة الشبابية، تراهم مسكونين بقاعدة “مغنية الحي لا تطرب”! يرقصون فرحاً بأجنبي أسلم أو تشيَّع، يرون دخول غريب في مذهبهم فتحاً ومغنماً يباهون به. الثاني: حسيُّون يحملون لواء العقل، يحاربون الغيب وما وراء الطبيعة، وينكرون المعجزة وخرق العادة، ويستهزؤون بالفضائل والمنازل والمراتب التي رتَّب الله فيها أئمة الهدى… يرون أنَّ ذلك كله يزري بالعقل ويجانب العلم. فهم في حقيقتهم وأعماق نفوسهم “تنويريون” (ولك أن تراجع جذور هذا الإطلاق لتقف على خلفية الدعم الذي يحظون به!)، ينشطون في البيت الشيعي والساحة الإيمانية، وقد توغل بعضهم في الحوزة. الثالث: حركيون إسلاميون، من شتات الأحزاب الشيعية المنخرطة في السياسة، المنادية بتكييف الشريعة وتحويرها، وتغيير العقيدة وتبديلها، والتهالك على صيغة متطوِّرة مرنة، ولك أن تقول رخوة متميعة، تتيح لهم بلوغ السلطة، وتمكِّنهم من تحقيق “الحكم الإسلامي”!

    إنَّ هذا الحزب وإن تواضع حجمه وتضعضع تنظيمه قبل أن يشتدَّ عوده، نتيجة تهور واغترار أقطابه، فهان خطبه ولم يستحق الإرصاد والاستهداف، لكن الناهضين بالدفاع عن الأصالة والمرابطين على ثغور الساحة الإيمانية، لا يلحظونه بما هو هو، بل بما يمثل من امتداد، ويتمتع به من دعم، ويحمل من خطاب، هو تكرار لخطاب الضلال، ومحاكاة ذكية لجوهر الأهداف التي يتوخاها.

    عوداً على بدء… نريد فلسطينياً مستبصراً، ونريده نزيهاً واضحاً صريحاً، على نهج الحوزة وطريقة طلب العلم السائدة فيها، بعيداً عن مواطن الريبة، سواء في الانتماء الحزبي والدور السياسي، أو الارتباط بدوائر المخابرت والأغراض الخفية الغامضة والسرية. نريده مستشعراً حال شعبه المنتهكة حرمته، المغتصبة أرضه، المشتت في تيه كان صفة أعدائه. نريده أن ينصرف عن الترف الفكري بعد المعيشي، وأن يدرك بديهية الأولويات ويحسن ترتيبها، ثم ينصرف للعمل والأخذ بها. وليته يجعل فتح حرم سيدنا هاشم بن عبدالمناف، جد نبينا الأعظم، وإخراجه من الإهمال والتعطيل، رأس اهتماماته وباكورة إنجازاته، فهذا من الحسرات التي لا يتعلق بها عذر، ولعل ببركة هذا القبر الشريف، سيعم الخير ويتدفق الحق ويغمر الولاء تلك الأرض المقدسة ويشمل شعبها المظلوم. قد لا تطيق البيئة الفلسطينية الناصبية ذلك، وستلفظ من يجاهر بتشيُّعه، ناهيك بأن يكون داعية، نفرَ ليتفقه في الدين وها هو يرجع إلى قومه لينذرهم! ولكن هذا هو ميدان الشجاعة وساحتها الحقيقية، لا ما يفعله الذي عاد بمعوله على التشيع وراح خبطاً في تراثه وهدماً في شعائره ومقدساته ونيلاً من مراجعه وأعلامه!

  • مَن كان يتصوَّر أنَّ التسوُّق سيتم يوماً دون الخروج من البيت، وأنَّ البيع والشراء سيجري دون نقد ورقي يُحمل في الجيب، ولا صكوك وحوالات مصرفية، ناهيك بدنانير ودراهم في صرر؟ مَن كان يحسب أنَّ الأُم ستراقب رضيعها النائم في مهده، وهي تباشر عملها في المطبخ، عبر هاتف جوال أو ساعة معصمية؟ مَن كان يحتمل أنَّ عائلة مشتتة في أنحاء العالم، أو أصحاباً متفرقين في أقاصي البلاد، يمكن أن يلتقوا في اتصال يجمعهم بالصوت والصورة، دون بثٍّ تلفزيوني مباشر تُنتقل فيه آلات التصوير إلى بيوتهم، وتخصص له قنوات فضائية من الأقمار الصناعية؟!.. كل شيء يتغير ويتطوَّر، وعجلة الزمن تأخذ الحياة نحو آفاق خيالية من الهيمنة المطلقة لـ ”منظومة” خفيَّة، ترى الحق في تشريع المثلية، وجحد الغيب قيمة علمية، ونبذ تعاليم وأخلاقيات “يُزعم” أنها جاءت من السماء، فضيلة إنسانية! ستنقلب الأُمور وتتبدَّل، سيتطاول الصغار ويتفوَّق الرعاع على الأسياد. سيحمل المستبدُّون لواء الحريات ويهتفون للكرامة والإباء! ستنادي دول بوليسية وأحزاب شمولية بالديمقراطية والتعددية! كما ستتحول التغذية وتلبية الحاجات الطبيعية للإنسان إلى إشارات وإثارات الكترونية تخاطب الخلايا والأعصاب، تعالج موقعاً في الدماغ يُشعر المرء بتلبية ما يتطلَّع إليه من رغبة في المال أو إمرة أو شهرة أو اية لذة أُخرى، تأخذه إلى البلغة والنشوة، وما يخمد فيه ويطفئ الشهوة، فلا يحسُّ الخاوي الضرِم بالجوع حتى يموت من السغب، ولا يشعر الممتلئُ بالشبع حتى يهلك بالبطنة والتخمة! قد يبلغون الذروة في طغيانهم، فيستنسخون البشر، ويخلقون نماذج خارقة في مواصفات القوة والذكاء، ثم يتحكَّمون بهم ويسيِّرونهم، كما بلغ بالفعل الذكاء الاصطناعي في محاكاة الخوارزميات وبياناتها ما بلغ، ولربما وقعوا في العلوم الغريبة على ما يسخِّرون به الجن، حتى تظهر علناً وهي تبني لهم وتصنع ما يفوق هيكل سليمان وأهرامات الفراعنة وأعمدة الأولمب…

    لكنهم، مع كل هذا وذاك، سوف يعجزون في موقع ويُهزمون في موضع! سيخيب مسعاهم في إسقاط الدين، ويخفقون في الهيمنة عليه أو النيل منه بتزييف وتحريف! قد يخضع لهم كلُّ شيء، ويسيطرون على كل بقعة، وتمتلئ الأرض بظلمهم وجورهم، كما ظهر فسادهم في البر والبحر.. لكنهم لن يطوِّعوا مذهب الحق الذي يرعاه ولي الله الأعظم، عبر ربانيين أُمناء، ومجاهدين أتقياء. لن يتمكَّنوا من تغيير الدين وتبديل سنَّة سيد المرسلين، وسيبقى حلال محمد حلالاً إلى يوم القيامة وحرامه حراماً. لا يمكن للتجَّار، العُمَد منهم والكبار أو الأغفال الصغار، الذين يتعاطون الدين بضاعة ويحوطونه صفقة، ويمارسونه ربحاً وخسارة، أن يستنبطوا تعاليمه ويرسموا حدوده. لا يمكن لأجلاف غلاظ أن ينظِّروا للأخلاق والروحانية، ولا لأغراب قضوا حياتهم وعاشوا أعمارهم في الجدَب واليبَس، أن يحملوا النداوة والخضَل، ويعلِّموا الناس المناجاة والتضرُّع والدعاء. لن يفلح حداثيون، من أئمة الضلال، ناهيك بالأذناب والصغار، في حذف مفردة واحدة من تراثنا العزيز، ولا إسقاط لبنة من بُنيتنا الفقهية، ولا طمس مَعلم من مدرستنا العقائدية الولائية، ولا النيل من أيٍّ من مقدساتنا، ولا حتى تعطيل أصغر شعائرنا، ولا يفلح الساحر حيث أتى.. فهنا وليٌّ يدبِّر الأمر، يسطع بنوره كالشمس، وإن جلَّلها سحاب الغيبة، يقرِّعهم بعصاة تلقف ما يأفكون، ما يجعل هذه القوى المادية، “العقلية” الحسيَّة، في وجودها وسعيها، كبيت عنكبوت، وعرش بلقيس، وإرم ذات العماد!

    إنَّ التشيُّع هو خشبة الخلاص المتبقية للبشرية، أو قُل سفينة النجاة الوحيدة في هذا الطوفان الجارف. ليس في مذهبنا أدنى مفردة مزيَّفة أو حكم خاطئ أو عقيدة باطلة، ولن يضرَّ هذه الحقيقة، خيانة عاقِّين أو توهُّم معقَّدين، دسَّ الإسرائيليات ونفوذ الأساطير وتوغل البدع والخرافات! حتى يترجَّل شقيٌّ من السفينة طوعاً، ويرتقي جبلاً يحسب أن يعصمه، ولات حين عاصم. التشيُّع بقيَّة الحق وأبناؤه بقيَّة السيف، قُدِّمت على مذبحه أعزُّ القرابين وقضى على طريق جلجلته ودرب آلامه ما لا يُحصى من شهداء الفضيلة، ليخلُص صُراحاً صافياً ويبلغنا خالصاً نقياً، لا دسَّ يعتريه ولا دغل، ولا لوث فيه ولا كدر. إنه تشيُّع الكليني وابن قولويه والصدوق، والمفيد والمرتضى والطوسي، والعلامة وفخر المحققين والشهيد الأول، والمحقق الكركي والشهيد الثاني والمقدَّس الأردبيلي، والبهائي والميرداماد والمجلسي الأول، والأُسترابادي والسبزواري والفيض، إنه تشيُّع العلامة المجلسي والفاضل الهندي ويوسف البحراني والوحيد البهبهاني وبحر العلوم والنراقي وكاشف الغطاء، تشيُّع صاحب الجواهر والشيخ الأعظم وصاحب الكفاية وصاحب العروة، تشيُّع الميرزا النائيني وأبوالحسن الأصفهاني وعبدالكريم الحائري، الذي بلغ الحكيم والبروجردي والخوئي، لينتهي المطاف اليوم عند الوحيد والسيستاني… ومن هذه المدرسة، من صميم عطائها ومبارك فيضها ومقدَّس رشحها، كان السيد ابن طاووس والكفعمي والفاضل الدربندي وجعفر التستري والحرُّ العاملي والمحدِّث النوري وعباس القمي… عبَّاد زهَّاد، ذؤابات تقوى وأسنمة نزاهة، أعيان الورع في بلادهم وأعلام العدول في أمصارهم، تخال أميرالمؤمنين قد عناهم في خطابه همَّاماً. أما في العلم، فقمم شاهقة وهامات شامخة، أساطين وفحول، تضلَّعوا وتبحَّروا، تعمَّقوا ودقَّقوا، خاضوا العباب وسبروا الأغوار ووقفوا على الأسرار، استنبطوا الدفائن واستجلوا الغوامض، فدوَّنوا الأُصول وصنَّفوا الموسوعات، وسطروا أعمق البحوث في شتى العلوم… فصاروا الثقات والأثبات، وغدوا الأسناد والأشهاد، عنهم يأخذ الطلاب، وإليهم يرجع العوام، وبهم يربط الله على قلوب الأيتام، ويقيم حصون الإسلام. هكذا يتصاغر على أعتابهم كل دخيل وغريب، ويندحر كل متطفِّل متحاذق، ويهوي كلُّ وصوليٍّ متسلِّق، يرسم امتداداً لجمال الدين الأفغاني وشريعت سنگلجي وأحمد كسروي وحكَمي زاده وعلي شريعتي… تيار الإصلاح والعقلنة، دعاة التحرُّر والحركية!

    لا يمكن أن نسمح لأغرار مهووسين استدرجتهم السفارات، وغلبهم أمل استنساخ الربيع العربي وإسقاطه على الحوزات، أن يعبثوا بديننا وينصبوا أنفسهم رعاة لمذهبنا ومصحِّحين لعقائدنا، فيتطاولون على أولئك الأفذاذ ونتاجاتهم! وهم بين مُعقَّد مسكون بالفلسفة اليونانية يريد عقلنة الدين، ومستبصر يستخف بزعيم الحوزة ليرضي ولي نعمته، ومتهالك على النجومية، لا يميِّز صلاة الآيات عن صلاة العيد، وآخر يُسقط عن سيد الشهداء أحكام الشهيد! ولا لمَن لفَّ لفَّهم من الصعاليك، ومَن باتوا يُعرفون في الحوزة بالزعاطيط… لن نُستغفل عن ديننا، فنحن نعرف أين يُراد بنا، كما نعرف ما يوجع أعداءنا، يكشف خفاياهم ويُسقط في أيديهم، ونعلم جيداً إنَّ الحركة الإضلالية “التنويرية” المعاصرة التي بدأها أولئك الضلال، ما زالت قائمة مستمرة… تصدى للجولة الأولى منها العلمان الميرزا التبريزي والوحيد الخراساني، ومَن لحق بهما من أعلام الطائفة آيات الله العظمى بهجت والشاهرودي والوحيدي، فأُخمدت فتنة فضل الله، حتى إذا هلك، قام الحيدري نافجاً حضنيه بين نثيله ومعتلفه، يخوض في المعارف الإلهية خوض الرقيع القصيع، وقام معه جملة من بني الحداثة والتنوير، كالعسر وحب الله وقصير، حتى إذا انتكث عليه فتله وأجهز عمله وكبا به طيشه، سقط وأقرانه، وكسحتهم الأصالة وجرفتهم إلى مزبلة التاريخ.. ظهر تيار يستدرك ما فات هؤلاء، من التروِّي والتمرحل والاستعانة بالوجوه الجديدة والطاقات الشابة، وتوظيف العالم الافتراضي والاستعانة بالذباب الألكتروني! إنَّ حزب أو تحالف: حوزة الأطهار وجامعة المصطفى وزائر فضل الله وبخاري الشيعة وعروس غزة، التكتُّل الذي يهتف بفعله ورسالته: “الشعب يريد إسقاط التراث”… يمضي على نفس النهج ويريد تحقيق الأهداف التي عجز عنها فضل الله والحيدري، وهي “تنقية” الحديث والدعاء والمزار من روافد الولاء لآل محمد، و“عقلنة” العقائد من الخصائص والكرامات وما يعتبرونه غلوّاً في أهل البيت، و”تهذيب” الشعائر الحسينية وتوجيهها لما يخدم فكر الحداثة، وإنهاء استقلال الحوزة، وإخضاعها للدولة، ثم تكريس رئاسة المذهب وزعامة الطائفة لصالح الحزب أو ولي الفقيه أو مرجع السلطة والنظام… من هنا تراهم يعملون على قطع المدِّ الجماهيري عن الحوزة والمرجعية، وإنهاء الحاضنة الطبيعية للأصالة الإيمانية.

    قد يُصدم بعض المنخرطين السذَّج في حراك “الربيع الحوزوي” من هذه الأهداف ويتنكَّر لها، بل يرى أنه يجاهد ضدها، ويعمل لنجاة المذهب وإنقاذ الطائفة منها! تماماً كما ظنَّ ثوار ساحة التحرير، المنادون بإسقاط عادل عبدالمهدي في أنفسهم، خدَّاماً لبلدهم وتحريره من الهيمنة الإيرانية، لصالح الكاظمي ودولته الوطنية، وحسب الثائرون على حسني مبارك أنَّ سبيل النجاة والحرية والديمقراطية وإصلاح البلاد، يكون في إسقاطه، فجاءهم محمد مرسي! وقد يبلغ الصدق في هذه المشاعر حدَّ التضحية بالروح والانتحار على طريقة البوعزيزي، الذي أهلك نفسه، فكانت النتيجة حكم الإخوان في تونس!

    الكتلة الحزبية الجديدة، الإصدار أو الصيغة المحدثة للضلال، وإن انطلقت من خلفية أمنية، جرى إعداد خلاياها بإحكام وإتقان، وتحركت في خلسة اللصوصية تحت جنح الظلام، لكن الثغرة كانت في الفراغ الروحي وتواضع التهذيب في قادة الحراك ورموزه، فما إن سجَّل بعض الأرقام، وحقَّق ما لفت الأنظار، حتى غلبه الزهو والفخر، نبت له جناح فطار شكيراً، انطلق من علو وحلَّق من مكان رفيع، حملته فيه الريح، فحسب أن زغبه بات ريشاً، وأنَّه لحق بالكواسر في صفيفها، وما زال يَحسب في التطاول على القمم والنيل من الأعلام علواً وارتفاعاً، حتى سقط في شراك افتضاح رموزه وكشف مخططاته، ما يعني خسارته القدرة على المناورة والاحتماء في الرحبة الخلفية، وفقده إمكانية التآمر في الأقبية السرية، وانتقاله إلى العلن، الأمر الذي أدخله في المواجهة مبكراً، فبات يخوض المعركة على طريقة أسلافه، يريد التحليق مع النسور وهو من الدواجن، يدرج على الأرض، اللهم إلا رفرفة تحمله ليقبع على السياج فينقنق أو يصقع، لكن سرعان ما يعود إلى الخن ليرقد هناك.

    لن تكون في التشيُّع سطوة غلمان و”حكم صبيان” وإن هان الزمان، وعلى جولة الصعاليك وصولة الزعاطيط، أن تبحث لنفسها غير صعيد، فهذا عن مذهب الحق بعيد، وفي السياسة متسع، فليلحق هؤلاء بأسيادهم، ويعبثوا هناك ما طاب لهم، لكن إياهم والدنو من حوزتنا ومرجعيتنا وعقائدنا وتراثنا وشعائرنا.

    ولا ضير ـ من بعد ـ في بعض شغب وشكس صبياني يعكس القلق الذي يعيشون، ومناوشات تبارز طواحين الهواء، ينفِّسون بها عن غيظ وحنق يتملكهم. فليشتموا ما شاؤوا وليتهموا ويعيبوا وينتقصوا، فهذا يأخذنا إلى درجة مَن عانى ودفع ثمناً لولائه، ويورثنا الأنس بالأجر المعدِّ لذلك… ثم أنه ـ في القوم ـ جوهر “العلم” الذي يحملون، لا ما يدَّعون. هكذا يرتسم مشهد محاضر سقط سرواله دون أن يشعر، وهو لا يجد وجهاً لضحك الجمهور؟!

  • أطلعني أحد الإخوة الغيارى على حوار يجري بينه وبين مجهول “افتراضي”، منتحل هوية ومتنكر بشخصية، يُسقط دعاء الجوشن، ويشكِّك بعده بالمناجاة الخمس عشرة والصحيفة السجادية ودعاء الصباح وحديث الكساء، ويغالب ليُحدث قواعد ويُرسي ضوابط تسقط مفاتيح الجنان والمصباح والإقبال وجملة كتب الدعاء، ما يقوِّض ركناً أساساً في المذهب، يخرج الناس من الروحانية إلى جفاف الحسيَّة، ومن نداوة العمل والأمل إلى الرتابة والإحباط، ومن الإيمان والولاء إلى الشك والارتياب، فالتعس والشقاء! وما انفك الرجل، بلغة ملؤها خُرق الثقة بالنفس، وتمام السفه والحمق، يدعو للمناظرة، وينادي بالبحث العلمي!.. غافلاً، أو متغافلاً فمستغفلاً، أنَّ للدين حقل تخصصي ونطاق بحثي استشاري، هو الحوزات العلمية وحلقات الدروس الدينية، تجري فيها الدراسات وتدور الحوارات، ولربما وقعت الاختلافات واحتدمت النزاعات، وهناك تكون الاستدلالات الفقهية، وتداول الآراء العقائدية، ومناقشة أسانيد الحديث والنظر في أحوال رجاله، وما إلى ذلك من خلفيات بناء المعارف الدينية واستنباطها.. لتُقدَّم المخرَجات والخلاصات للساحة الإيمانية كرسائل عمليَّة للمراجع العظام في العبادات والمعاملات، وكتب في الدعاء والمزار لذوي الشأن والباع، وكذا في التفسير وعلوم القرآن لأهله ورجاله، وفي الفلسفة والحكمة لأربابها وأتباعها.. ثم مساحة منبسطة مبذولة للمتبنيات الدينية التي لا تخضع للتقليد. في المجموع هي حالة أشبه بالمعمل الذي تجري فيه التجارب والتحليلات، وتعدُّ العناصر الأولية التي تركَّب منها العقاقير والأدوية، فتخلص لنتائج ومعالجات تقدَّم للناس، تلبي حاجاتهم وتداوي أمراضهم. أو قُل هو المطبخ الذي يُعدُّ فيه الطعام الزكي والغذاء الروحي، ويقدَّم لمتناوليه على مائدة الطاعة والقربة إلى الله تعالى.

    المحدَث المستجد على هذا الصعيد، هو الخلط بين النطاقين، فما هو من شأن الحوزة بات العوام يتداولونه ويناقشونه، أُمور تخصصية وقضايا علمية، دقيقة وعميقة، غدت الألسن تلوكها، والمحافل الشعبية تتناولها وتخوض فيها! وفي المقابل، نفذ العوام بخطابهم وتوغلوا بثقافتهم وأدواتهم في الحوزة، وأصبح لعوامل السياسة ووسائل الإعلام والتواصل دورها وتأثيرها في توجيه الطلبة وخلق حركات وتيارات وتأسيس نوَيات أحزاب، وإن عجزت، أو تعجَّلت فكأنها وُلدت ميتة وسقطت قبل أن تَدرُج، لكن محض المحاولة والجرأة في التعدِّي على الحوزة والسعي لاختراقها، هو خطب لا ينبغي الاستهانة به، ولا سيما مع ملاحظة الدور “الأمني” وخطط الدوائر التي كانت تبتعث، ضمن مشروع “الربيع الحوزوي” أو “الربيع المذهبي الشيعي”، الموازي لحراك “الربيع العربي”، مجموعات من المثقفين الشيعة وغير الشيعة (بغطاء المستبصرين)، للبقاء في الحوزة فترات متقطعة، تمتد بعضها لأشهر ولربما سنوات، يكوِّنون فيها علاقات ويبنون جسوراً حسبها بعض العلماء والفضلاء بريئة، وتفاعل معها آخرون طمعاً في ما تحمل من مال وشهرة! هكذا حصَّل هؤلاء معلومات لا علوماً، وصاروا يلمُّون بمصطلحات لا حقائق، وحظوا بنزر يتيح لهم لغة “علمية” توحي بمعرفة واطلاع! ولا سيما أنَّ بعضهم استقر في الحوزة وانتسب ـ بالفعل ـ إليها، اكتفى بمقدمات مهلهلة، وثقافة عامة رثَّة، صبَّها في محاكاة الواقع وما يتوهمه من “العقل”، وعاد معمماً يحمل خطاباً شعبوياً بمسحة علمية، ولغة تخصصية بلهجة عامية، قريبة من الشباب، خلقت زخماً استقطبهم. ولربما وظَّف نهجه الأكاديمي في تقديم بحوث ودراسات، لفتت إليه الأنظار. ولا يُغفل تأثير الدوائر في دعم هؤلاء، سواء عبر جيوش الذباب الألكتروني، أو بإفساحها لانبعاثهم، وعدم ممانعتها من بروزهم واجتماع الشباب حولهم.

    تخطَّى بعضهم المقدمات والسطوح، وهو يقفز على مراحل التحصيل ويطفر كعلجوم أو كنغر! ولعله طواها بسرعة الخفاش والسلوقي، لا تدري متى بدأ حتى أخذ يفتي، ولا ما قرأ حتى صار يصحِّح الأسانيد ويسقط رجال الحديث، فبلغ في خمس ما يُستغرق في العادة خمسيناً! هكذا بتنا أمام ممارسة ميدانية فجَّة لهذه الفوضى، وصورة صارخة للتداخل بين النطاقين، وصارت تلك العلاجم والسلوقية، أو الزعاطيط كما باتوا يُعرفون في الحوزة، تطالبك بردِّ شبهاتهم، وتدعوك لمناظرتهم في تويتر والفيسبوك!

    إنَّ الخلفية التي ينطلق منها هذا المشروع، والملاكات المطروحة في علل وجوده وفلسفة ظهوره، هي عينها في الحركات الضلالية السابقة: عقلنة المعارف الدينية، إصلاحها وتنزيهها، تنقيتها من الأساطير والخرافات التي تشوهها… ولعمري، الإسرائيليات! إنه الذئب نفسه، لكن بثياب الحمَل ووداعة خطابه أو ثغائه! ففي الحقيقة والعمق، هي حركيَّة وفضلاوية مقنَّعة، فلا فرق بين هذا التيار الجديد المحدَث وبين فضل الله والحيدري وحب الله وأضرابهم، لا في الأفكار والأهداف، ولا في الطريق والنهج، اللهم إلا مداخل مستحدثة للمناورة، وأساليب جديدة في المنازلة، ثم في اللاعبين الجدد والجنود الأغرار (حتى أنَّ القادة من “الحرس القديم”، آثروا أو أُمروا بالاختفاء وعدم الظهور مطلقاً!)… فقد انتقل القوم من الاكتفاء بالإثارة وكسر حاجز الخطوط الحمراء، مما كان يعمد إليه فضل الله عبر التساؤل والتشكيك، إلى الحرص على إثبات المدعى وبلوغ الغاية في التبني، وتجاهل الردود المتلاحقة، وإن صفعت المدَّعي وطرحته أرضاً، وأبطلت دعواه ونقضتها جملة وتفصيلاً. كما انتقلوا من التحدِّي العشوائي وفوضى الإثارة، التي كانت طابعاً لممارسات الحيدري، حتى أخذته من تلقائه نحو الخروج الطوعي من المذهب، إلى الهجوم المنظَّم الذي يقصد أهدافاً محددة، ويرمي حصوناً معيَّنة، لا يتقدم إلى غيرها حتى يُسقطها ويحتلها. وهكذا من النصب والفجور في الخصومة والعداء الذي ظهر في أداء حيدر حب الله، إلى مسحة اعتدال، بل ولاء، يتصنَّعها أو يعيشها فعلاً بعض هؤلاء! وقد جاء البديل في مستبصر ما زال نتَن النصب يفوح منه، وصديد النشأة يتسرَّب أينما وطأ، ويظهر حيث خطا وحضر، ومعه أحمق ألكع يريد أن يكون بخاري الشيعة، تمج ذائقته قولاً منسوباً لأميرالمؤمنين، فيصنع من سقيم مزاجه ويفذلك من عليل ذائقته ما يتوهمه دليلاً عقلياً، يُسقط فيه القول، باتاً جازماً! وثالث يذكرك فرط ورعه وتقواه، وألق وقاره وسمته بابن الأزرق أو ابن الكوَّاء، قبل أن يكون منهما ما كان، فمهلاً، فما أُكلنا إلا من أضراب هؤلاء!

    قد يعترض بعض المؤمنين الأخيار ويرى أن هذا أخذ بالجريرة قبل الجريمة، وأنَّ المجسَّات هنا أفرطت في التحسُّس، وأطلقت إنذاراً مبكراً يفتقد الأدلة الشرعية! وطالما فعل هؤلاء ذلك في الفتن السابقة و”النوازل” التي لحقت بنا، فرأى في فضل الله واجهة للمقاومة والحالة الإسلامية الفتيَّة في لبنان، لا ينبغي أن يؤخذ بظنون وشكوك. وفي الحيدري وجهاً ظافراً في محاججة المخالفين، يتقصَّده المنافسون ويكيد به الحاسدون. وفي حب الله “أفندياً” مغموراً، من أتم مصاديق الباطل يموت بتركه، فلا ينبغي التهويل والذهاب في صنع أزمة من تافه حقير… وما زال هؤلاء الكرام على عقليتهم، لا من الويلات التي سبق أن جرُّوها على المذهب يعتبرون، ولا بقصورهم وفشلهم في الريادة، إذ الرائد لا يكذب أهله، يعترفون! يسدون نصائحهم كعارفين بالخفايا ومطَّلعين على الأسرار، يحسب أحدهم نفسه لقمان الحكيم، وما كأنهم أنزلونا من قبل في قفر لا كلأ فيه ولا ماء، وحلوا بنا عراءً لا حرز فيه ولا وقاء!

    وبعد، فلا يعني هذا خلو الحزب أو التكتل الجديد من مخلصين مستغفَلين… ولكن إصرارهم على مواقفهم، بعد أن تمَّ إبطال مدعياتهم بأدلَّة واحتجاجات علمية من التي يطالبون بها ويندبون إليها، كما جرى في دعواهم على الجوشن، وتجاهلهم الردود، واستمرارهم في المكابرة والغي، يدلِّل على الغرض والمرض، وأنَّ الأمر مؤامرة وحركة حزبية منظمة، لا طلب معرفة ولا تحرٍّ عن حقيقة! ناهيك بأن يكون تقويماً لـ”تراث الإمامية في الحديث وعلومه”، يقوم به، من هوان الدهر، مستبصر، من أبناء الأمس، فتح للتوِّ عينه على تراثنا! إنَّ القضية تتحرَّك بين شحنٍ وإغواء، ودعاية جذبت لهؤلاء الصبية الأضواء، وتسويق أظهر ترَّهاتهم طروحات مبتكرة، أعجبت العوام وراقت حتى لأنصاف المثقفين، فظنَّوا أن “ليس وراء عبادان قرية”! فحقَّ أن يتمثَّل: “أبوسعد له ثوب مليح، ولكن حشو ذاك الثوب خريه. فإن جاوزت كسوته إليه، فليس وراء عبادان قرية”.

    في المجموع، علينا الرفق بالمخلصين من هؤلاء، وإخراجهم من شبهتين استحكمتا في أذهانهم، وباتتا تحكمان تفكيرهم، تلقوهما من أوهام عقل جمعي ما زال يلقِّنهم، فأصبحوا يعيشونهما كقضية، الأولى: إفهامهم حقيقة أن لا أحد يريد إلغاء علم الرجال، ولا أحد يصحِّح التراث كله، وليس في حوزتنا من يدعو إلى الجمود، يحظر نقد الآراء ومحاكمة النصوص والنتاجات، نحن مخطِّئة وحوزتنا متجدِّدة… غاية ما هناك أننا نحرص أن لا تشدَّ السروج على الحمير والبغال، ويبقى للخيل مضمارها وللفروسية أربابها ومكانتها، من هنا نقوم بردع المتطفلين، وزجر المدَّعين.

    الشبهة الثانية: البحث العلمي التخصصي في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي! إنَّ موافقة القوم على البحث في مسلَّمات المذهب وموروثاته، يحقق لهم صدق مشكوكيتها، وأنها بعد أجيال من التلقي بالقبول وأحقاب من التسليم والإذعان، صارت محل كلام وبحث ونقاش! وأنَّ زعطوطاً جاءنا من وراء التلال أو البحار، تنبَّه لما غاب عن الطوسي والمفيد وفات الخوئي والوحيد! من السهولة بمكان أن يفتح أي باحث كتاباً أو كُتباً في التفسير، ينقل منها ما جاء في آية التطهير، على سبيل المثال، وفي مؤونة أقل، يلجأ إلى البحث الإلكتروني، ثم يملأ صفحات يثريها بالاستدلال على آية التطهير ونزولها في أهل الكساء الخمسة، فينعت كلُّ ضحل مقالته بالعلمية، وينزهها عن الخطابة والإنشائية!

    لا يخفى على الغرب الإباحي أنَّ المثلية الجنسية أمر يناقض الفطرة والطبيعة البشرية، وأنَّ رفضها بديهة مسلَّمة، لكنهم لما يسعون لإشاعتها وترويجها، يعمدون لتغيير هذه الحقيقة.. وأُولى الخطوات أن تكون محلاً للحوار والنقاش، ما ينزلها من موقع القبح والرفض الذي لا جدال فيه، إلى ما فيه الاختلاف وتعدد الأقوال والآراء!

    الكبير أو الكبار الذين يحركون هؤلاء المشاغبين الصغار، قايسوا الحال بما جرى في الساحات السياسية في لبنان والعراق وإيران وحيثما أرادوا، والنجاحات التي حققوها فيها، لكنهم أغفلوا هنا عنصراً أساساً، وعاملاً محورياً، هو دور الغيب وفعله، العناية الربانية والرعاية المهدوية التي تقصم ظهر كل من أراد بتراث آل محمد وحوزة جعفر بن محمد سوءاً.. فعاد وسيعودون بالخيبة والهزيمة.

  • في الساحة الإيمانية المعاصرة، آفات سائدة وأمراض متفشية وظواهر غالبة، ستشكِّل في زمن الظهور مادة افتتان وعنصر إغواء وسقوط في الامتحان!حوانيت وراء تكتُّلات، متاجر صنعت تيارات، رايات ترفع وأحزاب تسود، أوثان تُعبد وزعامات تقود، تيه اتَّخذ إلهه مرجعه، ضلال جعل ربه رئيسه، زيغ نصب حزبه بيضة الإسلام، وشططٌ صنَّفه ملجأ الملة ومأوى الأنام، ثم غيٌّ رسم خطوطاً حمراء دون أُمور، وجهالة ضربت نطاقاً حول رؤى وأفكار، جعلتها شروطاً للإذعان لإمام الزمان! فالإمام الذي يثير الطائفية ولا يعرف السماحة، لن يكون الموعود المرتقب، والمصلح الذي يبدِّل الأحكام ويعدِّل موضع الحِجْر والمقام، لن يكون المهدي المنتظَر، والقائم الذي يسرف في القتل وينشغل بالانتقام، لن يكون الذي يقيم العدل الإلهي ويحقق السلام! سينظر قوم إلى الإمام “بشرط نعم” و”بشرط لا”، كم هو قريب من نهجهم وفكرهم، ومنسجم مع ميولهم وأهوائهم؟ ليتخذوا بعدها قرارهم ويحدِّدوا مكانهم… فلا ينجو في هذه المحنة إلا مَن آمن بالإمام ووالاه “لا بشرط”، تسليم تام وخضوع مطلق.

    هناك مغرمون بالمبتدَع المختَرع، مولعون بالمنمَّق المزخرف، يلاحقون كلَّ جديد في الدين، ويتبعون كلَّ مُحدَث في المذهب، على غرار ما يجري في عالم الفن وصيحات الأزياء وحمَّى الكماليات وكافة مناحي الحياة… يريدون أن يعيشوا بهجة دنياهم ويتمتعوا بزهرة حياتهم. وحتى يسوِّقوا بضاعتهم ويبقوا في دائرة الفعل والتأثير، أو حتى يأمنوا تأنيب النفس ووخز الضمير، تجدهم يحرصون على التزام “دين”، ويتمسَّكون بغطاء من شريعة وعقيدة… “دين” يبرِّر لانحلالهم ويتبنَّى مادِّيتهم، يواكبهم ويماشيهم، لا يعرقلهم أو يرجع بهم القهقرى! فإن عزَّ، اخترعوا وابتدعوا، حرَّفوا في المبذول وزيَّفوا، نسبوا إليه ما شاءوا وأدخلوا فيه ما أرادوا. ولا يأبون ـ في هذا السبيل ـ أن يأخذوا عن منحرف مثل آصف محسني، ولغ في دماء المؤمنين في مذبحة “أفشار” التي قضى فيها أكثر من ثمانمئة مظلوم في يوم واحد! يأنسون بآرائه، ويطربون على نشازه، ويرون في ركام أعدَّه لطمر “البحار” علماً وتحقيقاً! لا يبالون بهذا، ولا يكترثون أن يأتوا الكنيف فيلطخهم لوث ونجاسة خبيث مثل حيدر حب الله، نصب نفسه محامياً لأبناء الزنا، وما يحرِّر أعداء آل محمد من وصم أنسابهم وعار أحسابهم! ولا يعبأون أن يلحقوا نكرة لا يُعرف له دين ولا فضل، يقدِّم “دراسات” يُبطل فيها ما أخذه الشيعة عن الكليني والصدوق وتلقَّوه من الطوسي والمفيد، ومضوا فيه على نهج الحلي والمجلسي، يطالب في مفهوم خطابه ومؤدَّى نشاطه، تجاهل الأعاظم ونبذ الأساطين، والتنكُّر لأعلام المذهب، يعمل على طمس علومهم ومنع الأخذ عنهم، ولسان حاله: “أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون”، والحجة: “باب الاجتهاد مفتوح، ولم نعد سنيين”! كأنهم يُفرغون عُقَدهم ويستفرغون قيأهم من فاسد ما طعموه أعمارهم! وكأننا ـ في المقابل ـ مضينا لأكثر من ألف عام ونيف على إيمان خاطئ بعقائدنا، وفكرة باطلة عن كُتبنا، ورأي واهن في معرفة أحاديثنا ورجالاتنا، أنتج موقفاً مفرطاً في أبي لؤلؤة، وعقيدة مغالية بمنازل ومقامات الأئمة، حتى جاء مجهول غامض وغريب مريب، مصروع بالشهرة، متكالب على الدولة والسلطة، ليُصحَّح ديننا ويقوِّم مذهبنا!.. فيلحقهم كلُّ ضحل من محدثي نعمة العقيدة والالتزام، طارئ على العلم والإيمان!

    تُرى، كيف سيواجه هؤلاء الإمام وهو يضرب بكل هذا الهراء عرض الجدار؟ ويعود بالدين خالصاً نقياً، غضّاً طرياً، كيوم جاء قبل عشرات القرون؟ بل بالحياة إلى بساطتها وبدائيتها: خيل وبغال وسرح على جمال، السلاح سيوف ودروع، والحرب بِراز ونزال؟! حتى بيوت الله، سيهدِم أبنيتها ويصيِّرها كعريش موسى! ألن يتَّهموه بالتخلُّف والرجعية، وإعاقة ركب الرقي والمدَنيَّة؟ ألن يرموه بعداء الحضارة وقد عرفوها مادية؟.. هكذا سوف يسقطون في الامتحان! فإن سلموا من هذه، ماذا سيفعلون بالمادية الحسية التي تتملكهم، يحسبونها من العلم والعقل، قضوا حياتهم يتنكرون للخوارق، يُسخِّفونها ويفنِّدونها، ويتعسَّفون في التماس وجه حسي للثابت الذي لا يُجحد منها؟.. كيف سيرون المعاجز المتلاحقة التي ستظهر على يد المهدي، وأدناها أنَّ جنده إذا اعترضهم بحر أو خليج، “كتبوا على أقدامهم شيئاً ومشوا على الماء”؟ ألن يرموهم بالسحر والشعوذة؟ ألن تأخذهم الأفكار التي ترسخت فيهم إلى قول: “اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم”؟

    وللحداثيين هؤلاء إخوة في الالتقاطية ونظائر في التنكُّر للهوية، يقولون بـ ”عبير الرحمة”، كيَّفوا نهجهم مع معايير دول ترعاهم ودوائر تدبِّرهم، ينادون بالسلم ونبذ العنف، ويدينون بشرعة الأُمم المتحدة لحقوق الإنسان… كيف بهم إذا قرع سمعهم: “أمِت أمِت، يا منصور أمِت”؟ وتحقق قول الباقر عليه السلام: “يذبحهم ـ والذي نفسي بيده ـ كما يذبح القصَّاب”؟ ثم رأوا “تغيُّر ماء الفرات بالدم، ونتن حافتاه بالجيف”؟ تُرى ألن يقولوا: “لو كان من آل محمد لرحم”؟!

    هناك تيار عريض انخرط في الحركة الإسلامية، أخذ بمبادئها والتزم أُصولها، المعلنة في الوحدة، والخفية في اللامذهبية، ومن أخطرها إلغاء التبري من قاموسها، أو حسْره عن التاريخ وإزالته عن البُنية الروحية، ثم إسقاطه على الواقع السياسي المُعاش، وحصر إعماله على الأعداء الفعليين للحركة! وقد ترعرع هؤلاء على هذا الفكر وترسَّخ فيهم جيلاً بعد جيل. كيف سيواجهون مظاهر تنسف مقولاتهم وهي تنبش التاريخ؟ بل تنبش القبور وتخرج الأموات من أعداء آل محمد! تصلبهم على جذوع يابسة فتخضرُّ! ألن يحسبوها كرامة تدلُّ على رضا الله؟ وقد ترسَّخ فيهم أنَّ للقوم حسناتهم، وأنهم ليسوا بهذا السوء الذي يصفه تراثٌ دسَّ فيه “الغلاة”، وجمعه “التشيُّع الصفوي”؟ كيف سيفعلون حين ينادي المنادي: فلينفرد كل من أحبهما ويتنحَّ جانباً، فتتجزَّأ الخلائق جزئين، أحدهما موال والآخر متبرئ، فيقتل المهدي كلَّ مَن لم يتبرَّأ؟!

    وبعد، هناك المتقدِّسون المتخشِّبون، الذين يؤخِّرون “الإمامة” عن أُصول الدين، يقدِّمون عليها قدس الأحكام الشرعية وحُرمة أركان الإسلام، وقد ترسَّخت عندهم كمعالم للحق وأمارات للصواب… كيف بهم إذا رأوا المهدي يمارس ما لا يستقيم في الفقه، ولا يوافق أُصول الاستدلال والصناعة! يصادر أملاك الإقطاعيين، ويقضي بلا بيِّنات، لا شهود ولا أيْمان!؟ يُعرِض في المواريث عن الولادة والنسب، ويبني على القربى في “عالم الأظلة” والأخوَّة في الدين والعقيدة!؟ يقتصُّ في الجريمة ممن لم يباشرها ولم يشترك فيها، فيقتل ذراري قتلة الحسين، لرضاهم القلبي بأفعال آبائهم، بل أسلافهم الغابرين في أعماق التاريخ! وفي صريح كتاب الله “ولا تزر وازرة وزر أُخرى”؟!

    ماذا سيفعل “القرآنيون” أضراب الحبتري الذي أسقط الحديث تمسكاً بكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟ ومعهم المأنوسون بالتلاوة وإحياء أمسيات التجويد ومسابقات الحفظ والترتيل؟! وهم يشهدون المهدي “بين الركن والمقام يبايع الناس على كتاب جديد على العرب شديد”؟ يقرأ “كتاب الله عزَّ وجل على حدِّه، ويخرج المصحف الذي كتبه علي”؟! لعمري، كيف بهم والعجم في فساطيط مسجد الكوفة “يعلمون الناس ما مُحي منه. سبعون من قريش، بأسمائهم وأسماء آبائهم، وما ترك أبولهب إلا للازراء على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنه عمه”؟

    ماذا سيفعل “المتنوِّر” الذي ناصب الشعائر الحسينية العداء، قضى حياته في السخرية بأنماط العزاء، والاستهزاء باللطم والرثاء… حين يُخرج المهدي طفل جدِّه الرضيع من قبره، ويرفعه أمام جيشه لينفجروا بالبكاء وتضج الأرض عولة وفجعة، وتقام مناحة طالما سخر من أمثالها؟ هل سينقلب “الإصلاحي التنويري” على فكرته وعقيدته، ويعود عن رسالته؟ أم سيرى ذلك تكتيكاً إعلامياً وخطاباً تعبوياً يحشد به الإمام العوام؟ وأنه لا يختلف في هذا عن غيره، فهو يمارس أساليب الرجعيين وتكتيكات السياسيين! فيكفر لهذا الخاطر ويهلك في الآن!؟

    إنَّ الأعور الدجال لم يُذكر في رواياتنا إلا نزراً، ولعلَّه “حالة” أكثر من أن يكون شخصاً، والعوَر فيه إشارة إلى طبيعة حركته وما يقدِّمه من نظرة إغماضية ورؤية إضلالية، تجانب الصواب والموضوعية. وكذا ما جاء في سلوكه، قد يكون إشارة إلى إغواء الناس بالدنيا وحطامها: طعام يُنقذ من جوع، وأمان يُنجي من خوف، ثم جاه وسلطة وقوة وشُهرة… إنَّ أخطر ما تقوم به الحداثوية وتيارها الإضلالي حين تنادي بالعقلنة والعلمنة، وتطوير الدين وصبِّ عقائده وأحكامه في قوالب تواكب العصر، تغوي الجمهور بالحركية والثورية والقرآنية وحق الاجتهاد والسلمية والانفتاح والتعددية التي تعمل على تنشئة المؤمن وتكوين بُنيته في قالب مطاطي مرِن بعيد عن “القول الثابت”، مما هو ـ في حقيقته ـ عطاء وثمرة “شجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار”… أنها تعمد إلى ذلك كله عبر زرع حبِّ المال والشهرة والسلطة، وهذه هي مادة الأعور الدجال وبضاعته، وهو ما يشكِّل أحد أركان مجابهة الإمام المهدي، ويكوِّن أحد أقطاب محاربة نهضته ومعارضة دولته!

    هناك من صاغ شخصيته وأرسى وجوده وبنى كيانه في الساحة الإيمانية، على مبدأ الانفتاح وتكوين شبكة علاقات، يتواصل مع القاصي والداني، ويتعاون مع القريب والبعيد، لا يرقب ضلالاً فيمن ينفتح عليه، ولا يلحظ فساداً فيمن يتعاون معه. أحزاب ومنظمات، زعماء ووجهاء، مشايخ وعلماء، رواديد وخطباء، متهالكون على الشهرة والمال، لا يبالون، في سبيل سطوع نجمهم ونماء أرصدتهم، اندراس الحديث ومحق التراث، ولا يعبأون بانهيار الحوزة العلمية وتقويض بُنية المعارف الدينية، ولا يكترثون بتعطيل الشعائر أو نقلها إلى نطاقات توهنها وتزري بها، تلحقها باللهو ومجالس البطالين.. إن الاصطفاف “الطبيعي” لهؤلاء سيكون في جبهة السفياني والبترية والأعور الدجال!

    هذه هي النار التي حذر النص الشريف في الزيارة منها: “وبرئت إلى الله عزَّ وجلَّ من أعدائكم، ومن الجبت والطاغوت والشياطين…. (إلى أن يقول:) ومن كل وليجة دونكم وكل مطاع سواكم، ومن الأئمة الذين يدعون إلى النار”. إنَّ أمامنا جميعاً أخطار وأهوال، فصول متلاحقة من الفتن وصوَر متنوِّعة من الابتلاءات، تتناغم كل واحدة مع هوى المرء وشيطانه، أين يكمن وفيمَ عساه أن يظهر… ولا تحسبن مبالغة أو تهويلاً طال الأمر هنا، فلإدراك حقيقة الخطر، يكفيك النظر إلى شخصيات سياسية في واقعنا المعاش، وهم كتل من الكذب والدجل، وبؤر من القذارة والوضر، ومع ذلك ينخدع بهم الناس ويلتفُّون، حتى ينتخبونهم ممثلين عنهم في المجالس النيابية!

    ستتوالى الصدمات وتتعاقب المفاجآت ولن ينجو إلَّا من وطَّن نفسه على التسليم المطلق للإمام. وهذا لن يأتي ويكون إلا بعد إيمان راسخ بخصائصه ومنزلته وقدراته ومكانته، ورأس ذلك وعماده أنه العلة الغائية للخلق والوجود، وأنَّ الله تعالى ما خلق سماء مبنية ولا أرضاً مدحية…. إلا في محبته عليه السلام.

    إنَّ المواقف في تلك الساعات الحرجة تتبع عملية تربوية تراكمية عميقة وبعيدة المدى، وطَّنت النفس على حبِّ أُمور وكُره أُخرى، ورسَّخت فيها ميولاً وأهواءً، وكوَّنت قناعات… لن تكون قراراً فورياً يمتثل لرغبة عاجلة منفصلة عن ماضي المرء، ولا طاعة لإرادة مبتورة عن خطِّه وتوجهاته، فيكره شخصاً أو يحبه، يستسيغ شيئاً أو يمجه ويمقته، وفي مرحلة أكثر تعقيداً، يمارس شيئاً ويزاوله، يلتزم طاعة أو يترك معصية، مما نشأ عليه وترعرع، ثم يكتشف فجأة فسادها، ويقف على بطلان كل ما بناه وجمعه، فيعيش الإفلاس وخلو اليد والوفاض، والاضطرار للأخذ ممن كان يزدري ويمتهن!

    إنَّ القضية المهدوية في حاضرها ومستقبلها، عند الظهور الشريف، أمر في غاية الغموض والإبهام والتعقيد، مُغرِق في الغيب، منقطع عن أي قراءة وتحليل، كما هو الأمر في حركة الأُمم والمجتمعات، ومصائر العباد ومآل الدول والبلاد. شيء يدور في فلك سفينة تُخرق لمنع مصادرتها ووضع اليد عليها، وغلام يُقتل لمنع وقوع جريمة قادمة تفتك بأبوبه، وجدار يُقام ليحول دون كشف كنز تحته سيغتصبه ملك ظالم!.. والناس يريدون أن يقرأوا الحوادث ويستطلعوا الظهور الشريف بلغتهم السطحية الساذجة، ومنطلقاتهم الالتقاطية السقيمة.

    إذا لم يجعل المرء الولاية محوراً ومرتكزاً لحياته، لا الصلاة ولا الصيام، لا القرآن ولا الأحكام، لا الكعبة ولا المقام، لا شيء من معالم الدين التي تلقيناها كأصول ونشأنا عليها كثوابت ومعايير… فإنه سيكون في معرض الهلاك. المعيار والمحك الوحيد هو الإمام، القول قوله والأمر أمره. هذا بطبيعة الحال بعد الفراغ من لوازم ذلك ومقدماته، من التوحيد والنبوة.

    علينا أن نوطِّن أنفسنا ونربِّي أبناءنا على أنَّ قمة الوعي والبصيرة، وتمام العلم والحكمة، هي الطاعة العمياء للإمام، وأن لا ثابت ولا أصل إلا شخصه النفيس وإرادته الإلهية، هو الدين وهو الحق، نركز هذا في نفوسنا حتى يغدو طبعاً وسجية وصفة لا تتبدَّل، وعقيدة ثابتة وملكة راسخة لا تزول. وهذا لا يكون إلا بممارسة ومزاولة، وتكرار ومداومة. وفي الحديث عن أبي عبدالله عليه السلام: “من سَرَّه أن يستكمل الإيمان كله فليقل: القول مني في جميع الأشياء قول آل محمد، فيما أسرُّوا وما أعلنوا، وفيما بلغني عنهم وفيما لم يبلغني”.