• من الفروق الجوهرية والميزات المفصلية بين المتصارعين في الساحة الإيمانية، المتموضعين في جبهتين: تيار الأصالة والولاء، مقابل الحداثة والابتداع، أنَّ الأول ينطلق من إيمان راسخ بسلامة فكره ونهجه، على يقين من رشاد آرائه وسداد خياراته، يقينه بفساد دعاوى خصمه، فتراه على ثقة تامة بصواب تموضعه وصحة تخندقه وقداسة حربه ونزاهة معركته، يبني على قاعدة صلبة ويمضي بوتيرة مُحكَمة ونهج متماسك مُتقَن، يزيح الغشاوة في الرؤية، وينفي القلق والاضطراب النفسي، ناهيك بالتزلزل الروحي، الذي يعاني منه الطرف الآخر، وهو ساكن رابض، أو متحفِّز يتحيَّن الفرص، وكذا حين يباشر الحركة ويثور، فيتخبَّط ويتقلَّب، يتكلَّف ويتعسَّف، يخادع ويراوغ، يتحايل ويتصنَّع، وفي جميع مراحل حركته وأطوار نهضته، تراه يفتقد السكينة والوقار الذي يتمتع به الولائي الأصيل. ولسنا هنا بصدد الأدلَّة التي يسوقها الحداثي، وما يقدِّمه المبتدع بين يدي دعواه من حجج واهية داحضة، وإثباتات هزيلة ركيكة، وبراهين باطلة هاوية، بل نريد الحالة النفسية والروحية التي يعيشها أعداء الولاء وخصوم الأصالة وغرماء الحوزة العلمية ومناصبو النمط التقليدي في بناء المعارف الدينية، بأي زيٍّ تلبَّسوا، وأيِّ شعار حملوا، فحقيقتهم واحدة، لا تداريها اللافتات التي يتخفون خلفها، ولا تغطيها الأقنعة التي يظهرون بها، فأكاذيبهم لا تنطلي على الأكياس ولا تخدع الحصفاء ولا تغرر بالحكماء. إنهم يعلمون جيداً أنهم يكذبون ويدلِّسون، ويشعرون في قرارة أنفسهم أنهم يلتفُّون على الحقيقة ويحتالون عليها، وأن استدلالاتهم باطلة، أو ركيكة هزيلة، وحججهم خاوية ساقطة، وأنهم لا يعدون كباشاً تناطح جبالاً راسية! لذا تراهم يتماوتون على نقل الصراع وأخذ النزاع إلى “الشخصنة”، ومواقع إعلامية محضة، بعيدة عن الأجواء العلمية والرصانة الأكاديمية التي قدموا منها، أو تقنَّعوا بها.

    في المقابل، لم تأتِ ثقة الولائيين بأنفسهم من فراغ، فهم ورثة مدرسة تضرب في أعماق ألف عام من الجمع والتصنيف والاحتجاج والاستنباط والتأسيس والبناء، صمدت أمام أعتى التحديات، وقاومت أشرس الهجمات. كما لم يسكنهم اليقين بضلال خصومهم من محض أهواء، بل هناك مرتكزات متينة ومنطلقات مُحكمة، ومن أعمق روافد الطمأنينة في اتخاذ المواقف في جبهات الصراع الإيماني، وأكبر مصادر الثقة بصوابية التموضع ضد المنحرفين، أئمة ضلال كانوا أم أتباعاً من الصعاليك، وانتفاء التجنِّي من افتراض الغرض والمرض فيهم، والركون إلى عدم حملهم على محامل الخير أو التماس الأعذار لهم، وعدم التردد في إدانتهم لجحدهم فضائل آل محمد أو التشكيك فيها… نصٌّ محكم لا يُعارَض، و”رقم ذهبي” يقبل القسمة على جميع الوجوه والمعادلات، ويحسم القرار والموضع على أي حال، ففي الجامعة الكبيرة: “فكُنَّا عنده مسلِّمين بفضلكم، ومعروفين بتصديقنا إياكم، فبلَغ الله بكم أشرف محلِّ المكرَّمين، وأعلى منازل المقرَّبين، وأرفع درجات المرسلين، حيث لا يلحقه لاحق، ولا يفوقه فائق، ولا يسبقه سابق، ولا يطمع في إدراكه طامع، حتى لا يبقى مَلَك مقرَّب، ولا نبيٌّ مرسل، ولا صديق ولا شهيد، ولا عالم ولا جاهل، ولا دنيٌّ ولا فاضل، ولا مؤمن صالح، ولا فاجر طالح، ولا جبار عنيد ولا شيطان مريد، ولا خلق فيما بين ذلك شهيد إلا عرَّفهم جلالة أمركم، وعِظَم خطركم، وكبر شأنكم وتمام نوركم، وصدق مقاعدكم، وثبات مقامكم، وشرف محلِّكم ومنزلتكم عنده، وكرامتكم عليه، وخاصَّتكم لديه، ومنزلتكم منه”.

    قلَّ أن تجد مثل هذا العموم والاستغراق والشمول في الإطلاق! ومن ظاهر العبائر وسعة نطاق مداليلها، يبدو أنَّ الحكم لا يستثني حتى المستضعف! فالخطاب يعمد إلى المقابلة بالنقائض، والبناء على نحو المنفصلة الحقيقية، فالإنسان إما عالم أو جاهل، ثم استدراك بـ “ولا خلق فيما بين ذلك شهيد”، ما يحقق إتمام الحجة على جميع البشر بل كافة المخلوقات! والذهاب في الأمر ـ من بعدُ ـ إلى الرسوخ المؤكد في كلِّ نفس، وسطوع شمس الآية الشريفة: “وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوّاً”، على وجدان كل جاحد ومنكر أو مشكك، وحضور: “كل إنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره” في قرارة كل معاند مكابر. فالقوم في ضمائرهم، أو قُل ما تبقى منها، يعلمون أنَّ الفضائل التي ينكرونها ويرونها غلواً، أو يحسبونها مبتنية على أحاديث مرسلة أو يرويها ضعاف ومجاهيل، أو الأُخرى التي تخالف عندهم العقل، ويخلطون في معالجة مداليلها بين الاستحالة العقلية والمعجزة، أو القدرة الإلهية وتعلقات إرادته سبحانه وتعالى بأمر… يعلمون أن كلَّ هذه وتلك ثابتة، وهي حقائق لا يسع المنصف الفرار منها والتنكر لها، ولكن الشيطان يغلب أولياءه، فالهر القصير الذي سبق أن قدَّم للأمة كمال الحيدري على طبق مشروعية قناة الكوثر وحصانة فلَك النظام، وكان رأس الحربة في ضرب الحوزة والنجف وهتك المرجعية العليا، وكان وراء سلسلة فتن أخرجت الناس من دين الله أفواجاً، حتى إذا توارى شيئاً وغاب، حسبها بعضهم يقظة ضمير وقفت به على خلوِّ وفاضه وفراغ جعبته وتسافله عن أدنى مقومات الدور الذي تسنَّمه أو أُنيط به، فانكفأ عن الإعلام ليتفرَّغ لإدارة أحزاب القوم الناشطة في بلاد الخليج، وإذا به يعود من نافذة الفتنة نفسها، يسرق الإمامة من أهلها ويهوي بولاية الله ورسوله وأهل بيته الأطهار، يجعلها مشاعاً للقاصي والداني، ويبتدع مرتكزاً جديداً للتشيُّع هو الثورية وموافقة سياسات النظام، يرسيه أصلاً يُلحق الإمامية بالزيدية! إنَّ هذا الصعلوك يعلم في قرارة نفسه أنه يكذب ويدلِّس، ولكن الشيطان الذي رفعه إلى موقع لم يكن يحلم فيه مالاً وسلطة وشهرة، اخترقه وسكنه، وبات لسانه الذي يفتري به، ويده التي يبطش بها، وروحه التي تغوي، فيخلط ويُلبس على أيتام آل محمد ويترضى على مَن لعنوه، دون تقية اضطرَّ إليها، اللهم إلا إنعاش إبليس وإدخال السرور على قلبه!… وهكذا يفعل زملاؤه وأقرانه في حوزة الأطهار وجامعة المصطفى، ولكن بآلية مختلفة وعلى نهج مُحدَث جديد! تماماً كما سبق إلى ذلك الحيدري وحب الله، ومن قبلُ فضل الله، لحق هؤلاء وباتوا روَّاد المرحلة الحالية وقادة الحركة الإضلالية.

    لا أحد من هؤلاء تخفى عليه الحقيقة، لا غفلة هنا ولا جهل، لا بسيط ولا مركَّب، وإن كان، فهو مما أخذ المرء نفسه وأوقعها فيه، وذهب من تلقائه إليه، أعرض عن حجة بالغة حاضرة في وجدانه عرَّفها له الله سبحانه وتعالى وأتمَّها عليه، تبعاً لشياطين الإنس والجن، وشهوات ونزوات تزيِّنها له. هذه هي الآفة، لا غير، تدبُّ في أرواح المرضى، مما يسوِّله أولياؤهم: تحقيقاً في الأسانيد وملاحقة للرواة حتى يسقط الحديث وتنتفي الفضيلة، فإذا صُفعوا من أمثال السيد السيستاني الذي يرى أنَّ “في مثل هذه الزيارات لا ينظر إلى صحة السند، وإنما العبرة بالوثوق لصدورها والاطمئنان بها. وزيارة الجامعة كما قال المجلسي (قدس سره) من أصحِّ الزيارات سنداً ومتناً، ومضامينها خير شاهد على صدورها من المعصوم عليه السلام، الذي هو معدن العلم ومهبط الوحي، فإنَّ فقرات هذه الزيارة لا تكون صادرة إلا عن مقام الوحي والإلهام الرباني، ولا يشكك فيها إلا ضال أو منحرف أو مكابر”… أُسقط في أيديهم، وانعطفوا إلى منحىً آخر يفضي إلى تضعيف في الدلالة، والتمسوا وجوهاً تتأوَّل الظاهر وتنقلب على النصِّ، وعمدوا لدعوى العرض على القرآن ومسلَّمات التوحيد وما ينجي من الغلو والسقوط في شِراكه! وراحوا في المراء والجدل، وذهبوا في المكابرة والعناد.

    تعجَّب المأمون وهو يشهد يوماً إكبار أبيه للإمام الكاظم عليه السلام، فسأله: مَن يكون هذا الرجل الذي أعظمته وأجللته، وقمت من مجلسك إليه فاستقبلته وأقعدته في صدر المجلس، وجلست دونه؟ ثم أمرتنا بأخذ الركاب له؟ قال هارون العباسي: هذا إمام الناس، وحجة الله على خلقه، وخليفته على عباده! فقال: يا أمير المؤمنين، أو ليست هذه الصفات كلها لك وفيك؟ فقال: أنا إمام الجماعة في الظاهر والغلبة والقهر، وموسى بن جعفر إمام حق، والله يا بني إنه لأحق بمقام رسول الله مني ومن الخلق جميعاً… ثم استدرك: والله لو نازعتني هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناك، فإنَّ الملك عقيم!

    من هنا لا يحترم المؤمنون الحداثويين، ولا يرون لدعاة الضلال وأرباب البدع حرمة، لأنهم يفترضون فيهم الخبث والعمد، ولا يفسحون لمقولاتهم فرجة في فضاء التعددية واختلاف الاجتهادات وتنوُّع الآراء، أو يتيحون لها محمل خير مما ينبغي أن يُتاح للأخ المؤمن فيُحمل عليه… إنهم دجالون محتالون، طلاب شهرة وسلطة ومال وملك، وهو عقيم، لا يعرف ولداً ولا أخاً ولا تلداً!

  • هذه وقفة تفكُّر وتدبُّر على هامش الجولة الأخيرة بين الفلسطينيين وإسرائيل، أخذت إلى أُفق لا يملك المرء إلا أن يرثي فيه لحال هذا الشعب المقهور والمأساة التي يعيشها، فيتألم ويشفق ويرقُّ ويرفق، ولا سيما أنَّ الطيران الحربي الإسرائيلي لا يكفُّ عن دكِّ بيوت غزَّة وتقويضها على رؤوس أصحابها، حتى يستأنف عدوانه ويُعاود طغيانه، وكأنه أخذ على نفسه تخريبها كلَّما رُمِّمت وأُعيد بناؤها. فإذا وسَّع المتأمل نطاق رؤيته وتعمَّق في المشهد، غرق في المحنة والنكسة بعد النكبة، وهو يستعرض سيرة شعب يقف على أبواب قرن من الشتات والتشريد، والتيه والتهجير، وهوان التسكُّع في بلاد الآخرين، وذلِّ مخيمات اللاجئين، ومن بقي في أرضه ولم يترك بلاده، بات محاصراً بحائط فصل عنصري، أمضاه العالم المتمدِّن، ولم يثر حفيظة الذين ثاروا على حائط برلين!.. هذا في جانب، وفي الآخر مصيبة أعظم، وهي أنَّ كلَّ ما يجري على هذا الشعب المنكوب يقع دون أدنى أجر وثواب، وبلا عوَض ولا خلَف! فما ينتظر “الضحايا” في عقباهم، أسوأ مما قاسوه في دنياهم! فالموت على حالهم، والانتقال إلى الآخرة بعقيدتهم ودينهم، يعني أنهم راحلون ـ مع الأسف الشديد ـ إلى جهنم وبئس المصير! والنصوص في هذه الحقيقة لا تحتال عليها فذلكات رجالية، ولا تتلاعب بها مهارات شيطانية، تلتف على أصل الدين ومحوره، وانحصار النجاة في الفرقة المحقَّة. فإذا نظر باحث أو مراقب واستعرض ما نزل بالعراق منذ سقوط الطاغية، من مآسٍ وويلات حمَّلت العراقيين من الضحايا والقرابين والدمار ـ في فترة وجيزة ـ ما حمَّلت، لوجد أرقاماً فلكية تفوق مأساة فلسطين على امتدادها الذي يناهز قرناً!.. لكن فارقاً جوهرياً هنا يغيِّر المشهد ويقلب المعادلة، فالمظلوم الذي قضى في انفجار انتحاري تكفيري، تناثرت أشلاؤه وهو في طريق زيارة سيد الشهداء، أو يتسوَّق لعياله، أو يتوجَّه إلى عمله، يرحل بإيمان وولاية لآل محمد وبراءة من أعدائهم، تنجيه في برزخه ناهيك بمعاده، بينما الفلسطيني المنكوب، يرحل بغير هذا، فيهلك وقد حبط عمله!

    من هنا يأخذ التأمل والتدبُّر المرء ليرجو ويتمنى أن ينهض أحد أبناء هذا الوطن السليب ليصحِّح المعادلة فينجي شعبه ويخلِّص أُمته، ليت بعض أبناء فلسطين الحبيبة يعرف الحق ويستبصر، ثم ينفر إلى الحوزة العلمية، فإذا قطع شوطاً وبلغ كفاية، عاد لينذر قومه إذا رجع إليهم… يهتف فيهم بقول رسول الله: “ذروة الأمر وسنامه ومفتاحه وباب الأشياء ورضا الرحمن، الطاعة للإمام بعد معرفته، إن الله عز وجل يقول: «من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً»، أما لو أن رجلاً قام ليله وصام نهاره وتصدق بجميع ماله وحج جميع دهره ولم يعرف ولاية ولي الله فيواليه ويكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على الله جل وعز حق في ثوابه، ولا كان من أهل الإيمان”، فيدعوهم إلى ما تسمو به الأرواح، وتزكو الأعمال، وقبل هذا وذاك، ما يطهرهم ويأخذهم إلى النجابة وطيب الولادة.

    ليت أحد أبنائهم ينبري لينقذهم من مذاهب باطلة ترتهنهم، وعقائد فاسدة تضلُّهم، فيزيح من قلوبهم غلّاً يضطرم على آل محمد، ويطفئ حقداً وحنقاً على شيعتهم، فإنَّ الناصب مخلَّد في النار، وفي الحديث عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال: “ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت، لأنك لا تجد رجلاً يقول: أنا أُبغض محمداً وآل محمد، ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم أنكم تتولونا وتتبرؤون من عدونا وأنكم من شيعتنا”، وقد روي عنهم عليهم السلام: “لو أنَّ كلَّ ملك خلقه الله عزَّ وجل، وكلَّ نبي بعثه الله، وكلَّ صدِّيق، وكلَّ شهيد شفعوا في ناصب لنا أهل البيت أن يخرجه الله عزَّ وجل من النار ما أخرجه الله أبداً”. فإن نجا بعضهم من النصب، وسلمت نفسه من البغض،  سقط في حبِّ أعداء آل محمد وموالاة غاصبي حقهم، وفي تفسير العياشي عن أبي عبدالله عليه السلام في قوله تعالى «وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء»، قال: “حقيق على الله أن لا يُدخل الجنة مَن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من حبهما”. ولو قلبت تلك البلاد رأساً على عقب وركستها لتفرغ سكَّانها في غربال ينخل ويصفي الموالين لآل محمد، لما خلص إلا آحاد!

    ليت عالماً عادلاً ورعاً زاهداً في الدنيا غير مكبٍّ عليها ولا متهالك على حطامها، يقف على جذور الولاية وأعماق الإيمان، ويعرف تبعات الأعمال وآثار الأفعال، القلبية الخفية منها والجوارحية العلنية، يحذِّر قومه من الهلكة التي تنتظرهم لطلبهم الاشتراك ـ الطوعي ـ في جرائم صدام، حين يرضون بفعاله ويهيمون بحبه، ومن قبله وبعده، يعشقون التكفيريين الذين لا تعمل أحزمتهم الناسفة إلا في الشيعة ومراقد أئمة أهل البيت وعتباتهم المقدَّسة، لم تنل يوماً من يهوديٍّ ولا صهيوني! ليت في أبناء فلسطين مَن يبصِّرهم أنَّ إقامة الأفراح في مآتم الشيعة على فجائع أنزلتها بهم داعش، هو تدهور أخلاقي وتردٍّ إنساني، وانحطاط وحقارة، سيعقبها خزي ونكال، ثم سقر لا تبقي ولا تذر، ونار موقدة تطَّلع على الأفئدة.

    والداء عضالٌ والعلَّة مستحكمة، فبعد اللتيا والتي، ظهر مَن يُفترض أنه عرف الحق والصواب وأدرك الخطر والبلاء، فاستبصر أحدهم! لكنه بدل أن يرجع لينذر قومه وينقذ شعبه، وينهض بما هو الحق من الجهاد، آثر أن يقضي وادعاً فاكهاً مترفاً، لاهياً عابثاً مضارباً… اندسَّ في الحوزة كما أُريد له وتوغل، انصرف لبناء الشهرة وخلق الوجاهة، وانهمك في كسب الإجازات وجمع الشهادات، ثم انغمر في البحث عن زلات علماء المذهب، وتلقُّط عثرات في حنايا التراث وزوايا المؤلَّفات، والتنقيب عن هفوات هنا وهناك، تظهره ناقداً محققاً، وباحثاً فاحصاً، مجتهداً لا يقلِّد، وقائداً لا يُقاد، ثم رائداً ومُصلحاً لمذهب لم يعرفه إلا بالأمس، اللهم إلا ما تلقَّاه عنه في نشأته، وانغرس فيه وسكنه مع تربيته!

    هكذا التحق الرجل بمنظومة الحداثة في إصدارها الجديد ونسختها المتطوِّرة، التي وإن اختلفت مع آباء الحركة في آليات العمل وأساليب الدعوة، لكنها تحدو نفس الأهداف التي لاحقها رواد الإصلاح الديني الأوائل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والطهطاوي والكواكبي ورشيد رضا وعلي شريعتي: عقلنة الدين، والاقتصار على القرآن والأحاديث الصحيحة فحسب، ونبذ المعتقدات الخرافية والتقاليد الرجعية، وتطوير الخطاب بما يوائم العصر، والعمدة في ذلك السعي نحو “اللامذهبية”! قام حزب الائتلاف بين جامعة المصطفى وحوزة الأطهار وطرف ثالث، على هذا النهج، وتبنَّى منظومة تلحق الحيدري وحب الله، وتخلُف شريعتي وفضل الله، دون أن تجاهر بضلالات أولئك وانحلالهم، أو تتبنى بصراحة آراءهم، فتقول بإباحة السماع، أو التنكُّر لمصاب الزهراء،  كما فعل لكع مثل علي الصالح ومنحطٌّ مثل رحيم أبورغيف، وتذهب في إسقاط الحوزة وعلومها على طريقة سافل مثل الغزي.. بل هم على نهج حزب الدعوة والإخوان المسلمين، في الأخذ بالمرحلية، وسياسة الخطوة فخطوة، وهم الآن في طور التشكيك، وإثارات تستدعي إعادة بناء المعارف الدينية، بعد تنقيح المصادر الموروثة، سواء من تراث أئمة الهدى، أو نتاجات أعلام الطائفة.

    والطامة هنا أنَّ الخطة أو الخديعة الجديدة انطلت على فضلاء، وخدعت سذَّجاً أغرتهم الظواهر، وخفي عنهم الدعم السري المريب الذي يحظى به هؤلاء، ما سمح لهم بحرية الحركة في أوساط المثقفين، ليشكِّلوا بعد حين حزباً ضمَّ أنواعاً: الأول: غثاء رعاع، سواد كلِّ جديد مبتدَع، وحاضنة كلِّ محدَث وشاذ وغريب، مصروعون بحمَّى “الحركة الشبابية”، وهوس ”الدماء الجديدة”، والهراء الذي يخلق مدّاً، كان حتى الخمسينات أحمر يحكي اليسار، صار في السبعينات إسلامياً، وهو اليوم هجين ينطلق من الحداثة ويريد تطوير الدين، ليصنع علمانية (دينية لا سياسية) مبطَّنة! وهؤلاء، كما يغلبهم هوس النزعة الشبابية، تراهم مسكونين بقاعدة “مغنية الحي لا تطرب”! يرقصون فرحاً بأجنبي أسلم أو تشيَّع، يرون دخول غريب في مذهبهم فتحاً ومغنماً يباهون به. الثاني: حسيُّون يحملون لواء العقل، يحاربون الغيب وما وراء الطبيعة، وينكرون المعجزة وخرق العادة، ويستهزؤون بالفضائل والمنازل والمراتب التي رتَّب الله فيها أئمة الهدى… يرون أنَّ ذلك كله يزري بالعقل ويجانب العلم. فهم في حقيقتهم وأعماق نفوسهم “تنويريون” (ولك أن تراجع جذور هذا الإطلاق لتقف على خلفية الدعم الذي يحظون به!)، ينشطون في البيت الشيعي والساحة الإيمانية، وقد توغل بعضهم في الحوزة. الثالث: حركيون إسلاميون، من شتات الأحزاب الشيعية المنخرطة في السياسة، المنادية بتكييف الشريعة وتحويرها، وتغيير العقيدة وتبديلها، والتهالك على صيغة متطوِّرة مرنة، ولك أن تقول رخوة متميعة، تتيح لهم بلوغ السلطة، وتمكِّنهم من تحقيق “الحكم الإسلامي”!

    إنَّ هذا الحزب وإن تواضع حجمه وتضعضع تنظيمه قبل أن يشتدَّ عوده، نتيجة تهور واغترار أقطابه، فهان خطبه ولم يستحق الإرصاد والاستهداف، لكن الناهضين بالدفاع عن الأصالة والمرابطين على ثغور الساحة الإيمانية، لا يلحظونه بما هو هو، بل بما يمثل من امتداد، ويتمتع به من دعم، ويحمل من خطاب، هو تكرار لخطاب الضلال، ومحاكاة ذكية لجوهر الأهداف التي يتوخاها.

    عوداً على بدء… نريد فلسطينياً مستبصراً، ونريده نزيهاً واضحاً صريحاً، على نهج الحوزة وطريقة طلب العلم السائدة فيها، بعيداً عن مواطن الريبة، سواء في الانتماء الحزبي والدور السياسي، أو الارتباط بدوائر المخابرت والأغراض الخفية الغامضة والسرية. نريده مستشعراً حال شعبه المنتهكة حرمته، المغتصبة أرضه، المشتت في تيه كان صفة أعدائه. نريده أن ينصرف عن الترف الفكري بعد المعيشي، وأن يدرك بديهية الأولويات ويحسن ترتيبها، ثم ينصرف للعمل والأخذ بها. وليته يجعل فتح حرم سيدنا هاشم بن عبدالمناف، جد نبينا الأعظم، وإخراجه من الإهمال والتعطيل، رأس اهتماماته وباكورة إنجازاته، فهذا من الحسرات التي لا يتعلق بها عذر، ولعل ببركة هذا القبر الشريف، سيعم الخير ويتدفق الحق ويغمر الولاء تلك الأرض المقدسة ويشمل شعبها المظلوم. قد لا تطيق البيئة الفلسطينية الناصبية ذلك، وستلفظ من يجاهر بتشيُّعه، ناهيك بأن يكون داعية، نفرَ ليتفقه في الدين وها هو يرجع إلى قومه لينذرهم! ولكن هذا هو ميدان الشجاعة وساحتها الحقيقية، لا ما يفعله الذي عاد بمعوله على التشيع وراح خبطاً في تراثه وهدماً في شعائره ومقدساته ونيلاً من مراجعه وأعلامه!

  • مَن كان يتصوَّر أنَّ التسوُّق سيتم يوماً دون الخروج من البيت، وأنَّ البيع والشراء سيجري دون نقد ورقي يُحمل في الجيب، ولا صكوك وحوالات مصرفية، ناهيك بدنانير ودراهم في صرر؟ مَن كان يحسب أنَّ الأُم ستراقب رضيعها النائم في مهده، وهي تباشر عملها في المطبخ، عبر هاتف جوال أو ساعة معصمية؟ مَن كان يحتمل أنَّ عائلة مشتتة في أنحاء العالم، أو أصحاباً متفرقين في أقاصي البلاد، يمكن أن يلتقوا في اتصال يجمعهم بالصوت والصورة، دون بثٍّ تلفزيوني مباشر تُنتقل فيه آلات التصوير إلى بيوتهم، وتخصص له قنوات فضائية من الأقمار الصناعية؟!.. كل شيء يتغير ويتطوَّر، وعجلة الزمن تأخذ الحياة نحو آفاق خيالية من الهيمنة المطلقة لـ ”منظومة” خفيَّة، ترى الحق في تشريع المثلية، وجحد الغيب قيمة علمية، ونبذ تعاليم وأخلاقيات “يُزعم” أنها جاءت من السماء، فضيلة إنسانية! ستنقلب الأُمور وتتبدَّل، سيتطاول الصغار ويتفوَّق الرعاع على الأسياد. سيحمل المستبدُّون لواء الحريات ويهتفون للكرامة والإباء! ستنادي دول بوليسية وأحزاب شمولية بالديمقراطية والتعددية! كما ستتحول التغذية وتلبية الحاجات الطبيعية للإنسان إلى إشارات وإثارات الكترونية تخاطب الخلايا والأعصاب، تعالج موقعاً في الدماغ يُشعر المرء بتلبية ما يتطلَّع إليه من رغبة في المال أو إمرة أو شهرة أو اية لذة أُخرى، تأخذه إلى البلغة والنشوة، وما يخمد فيه ويطفئ الشهوة، فلا يحسُّ الخاوي الضرِم بالجوع حتى يموت من السغب، ولا يشعر الممتلئُ بالشبع حتى يهلك بالبطنة والتخمة! قد يبلغون الذروة في طغيانهم، فيستنسخون البشر، ويخلقون نماذج خارقة في مواصفات القوة والذكاء، ثم يتحكَّمون بهم ويسيِّرونهم، كما بلغ بالفعل الذكاء الاصطناعي في محاكاة الخوارزميات وبياناتها ما بلغ، ولربما وقعوا في العلوم الغريبة على ما يسخِّرون به الجن، حتى تظهر علناً وهي تبني لهم وتصنع ما يفوق هيكل سليمان وأهرامات الفراعنة وأعمدة الأولمب…

    لكنهم، مع كل هذا وذاك، سوف يعجزون في موقع ويُهزمون في موضع! سيخيب مسعاهم في إسقاط الدين، ويخفقون في الهيمنة عليه أو النيل منه بتزييف وتحريف! قد يخضع لهم كلُّ شيء، ويسيطرون على كل بقعة، وتمتلئ الأرض بظلمهم وجورهم، كما ظهر فسادهم في البر والبحر.. لكنهم لن يطوِّعوا مذهب الحق الذي يرعاه ولي الله الأعظم، عبر ربانيين أُمناء، ومجاهدين أتقياء. لن يتمكَّنوا من تغيير الدين وتبديل سنَّة سيد المرسلين، وسيبقى حلال محمد حلالاً إلى يوم القيامة وحرامه حراماً. لا يمكن للتجَّار، العُمَد منهم والكبار أو الأغفال الصغار، الذين يتعاطون الدين بضاعة ويحوطونه صفقة، ويمارسونه ربحاً وخسارة، أن يستنبطوا تعاليمه ويرسموا حدوده. لا يمكن لأجلاف غلاظ أن ينظِّروا للأخلاق والروحانية، ولا لأغراب قضوا حياتهم وعاشوا أعمارهم في الجدَب واليبَس، أن يحملوا النداوة والخضَل، ويعلِّموا الناس المناجاة والتضرُّع والدعاء. لن يفلح حداثيون، من أئمة الضلال، ناهيك بالأذناب والصغار، في حذف مفردة واحدة من تراثنا العزيز، ولا إسقاط لبنة من بُنيتنا الفقهية، ولا طمس مَعلم من مدرستنا العقائدية الولائية، ولا النيل من أيٍّ من مقدساتنا، ولا حتى تعطيل أصغر شعائرنا، ولا يفلح الساحر حيث أتى.. فهنا وليٌّ يدبِّر الأمر، يسطع بنوره كالشمس، وإن جلَّلها سحاب الغيبة، يقرِّعهم بعصاة تلقف ما يأفكون، ما يجعل هذه القوى المادية، “العقلية” الحسيَّة، في وجودها وسعيها، كبيت عنكبوت، وعرش بلقيس، وإرم ذات العماد!

    إنَّ التشيُّع هو خشبة الخلاص المتبقية للبشرية، أو قُل سفينة النجاة الوحيدة في هذا الطوفان الجارف. ليس في مذهبنا أدنى مفردة مزيَّفة أو حكم خاطئ أو عقيدة باطلة، ولن يضرَّ هذه الحقيقة، خيانة عاقِّين أو توهُّم معقَّدين، دسَّ الإسرائيليات ونفوذ الأساطير وتوغل البدع والخرافات! حتى يترجَّل شقيٌّ من السفينة طوعاً، ويرتقي جبلاً يحسب أن يعصمه، ولات حين عاصم. التشيُّع بقيَّة الحق وأبناؤه بقيَّة السيف، قُدِّمت على مذبحه أعزُّ القرابين وقضى على طريق جلجلته ودرب آلامه ما لا يُحصى من شهداء الفضيلة، ليخلُص صُراحاً صافياً ويبلغنا خالصاً نقياً، لا دسَّ يعتريه ولا دغل، ولا لوث فيه ولا كدر. إنه تشيُّع الكليني وابن قولويه والصدوق، والمفيد والمرتضى والطوسي، والعلامة وفخر المحققين والشهيد الأول، والمحقق الكركي والشهيد الثاني والمقدَّس الأردبيلي، والبهائي والميرداماد والمجلسي الأول، والأُسترابادي والسبزواري والفيض، إنه تشيُّع العلامة المجلسي والفاضل الهندي ويوسف البحراني والوحيد البهبهاني وبحر العلوم والنراقي وكاشف الغطاء، تشيُّع صاحب الجواهر والشيخ الأعظم وصاحب الكفاية وصاحب العروة، تشيُّع الميرزا النائيني وأبوالحسن الأصفهاني وعبدالكريم الحائري، الذي بلغ الحكيم والبروجردي والخوئي، لينتهي المطاف اليوم عند الوحيد والسيستاني… ومن هذه المدرسة، من صميم عطائها ومبارك فيضها ومقدَّس رشحها، كان السيد ابن طاووس والكفعمي والفاضل الدربندي وجعفر التستري والحرُّ العاملي والمحدِّث النوري وعباس القمي… عبَّاد زهَّاد، ذؤابات تقوى وأسنمة نزاهة، أعيان الورع في بلادهم وأعلام العدول في أمصارهم، تخال أميرالمؤمنين قد عناهم في خطابه همَّاماً. أما في العلم، فقمم شاهقة وهامات شامخة، أساطين وفحول، تضلَّعوا وتبحَّروا، تعمَّقوا ودقَّقوا، خاضوا العباب وسبروا الأغوار ووقفوا على الأسرار، استنبطوا الدفائن واستجلوا الغوامض، فدوَّنوا الأُصول وصنَّفوا الموسوعات، وسطروا أعمق البحوث في شتى العلوم… فصاروا الثقات والأثبات، وغدوا الأسناد والأشهاد، عنهم يأخذ الطلاب، وإليهم يرجع العوام، وبهم يربط الله على قلوب الأيتام، ويقيم حصون الإسلام. هكذا يتصاغر على أعتابهم كل دخيل وغريب، ويندحر كل متطفِّل متحاذق، ويهوي كلُّ وصوليٍّ متسلِّق، يرسم امتداداً لجمال الدين الأفغاني وشريعت سنگلجي وأحمد كسروي وحكَمي زاده وعلي شريعتي… تيار الإصلاح والعقلنة، دعاة التحرُّر والحركية!

    لا يمكن أن نسمح لأغرار مهووسين استدرجتهم السفارات، وغلبهم أمل استنساخ الربيع العربي وإسقاطه على الحوزات، أن يعبثوا بديننا وينصبوا أنفسهم رعاة لمذهبنا ومصحِّحين لعقائدنا، فيتطاولون على أولئك الأفذاذ ونتاجاتهم! وهم بين مُعقَّد مسكون بالفلسفة اليونانية يريد عقلنة الدين، ومستبصر يستخف بزعيم الحوزة ليرضي ولي نعمته، ومتهالك على النجومية، لا يميِّز صلاة الآيات عن صلاة العيد، وآخر يُسقط عن سيد الشهداء أحكام الشهيد! ولا لمَن لفَّ لفَّهم من الصعاليك، ومَن باتوا يُعرفون في الحوزة بالزعاطيط… لن نُستغفل عن ديننا، فنحن نعرف أين يُراد بنا، كما نعرف ما يوجع أعداءنا، يكشف خفاياهم ويُسقط في أيديهم، ونعلم جيداً إنَّ الحركة الإضلالية “التنويرية” المعاصرة التي بدأها أولئك الضلال، ما زالت قائمة مستمرة… تصدى للجولة الأولى منها العلمان الميرزا التبريزي والوحيد الخراساني، ومَن لحق بهما من أعلام الطائفة آيات الله العظمى بهجت والشاهرودي والوحيدي، فأُخمدت فتنة فضل الله، حتى إذا هلك، قام الحيدري نافجاً حضنيه بين نثيله ومعتلفه، يخوض في المعارف الإلهية خوض الرقيع القصيع، وقام معه جملة من بني الحداثة والتنوير، كالعسر وحب الله وقصير، حتى إذا انتكث عليه فتله وأجهز عمله وكبا به طيشه، سقط وأقرانه، وكسحتهم الأصالة وجرفتهم إلى مزبلة التاريخ.. ظهر تيار يستدرك ما فات هؤلاء، من التروِّي والتمرحل والاستعانة بالوجوه الجديدة والطاقات الشابة، وتوظيف العالم الافتراضي والاستعانة بالذباب الألكتروني! إنَّ حزب أو تحالف: حوزة الأطهار وجامعة المصطفى وزائر فضل الله وبخاري الشيعة وعروس غزة، التكتُّل الذي يهتف بفعله ورسالته: “الشعب يريد إسقاط التراث”… يمضي على نفس النهج ويريد تحقيق الأهداف التي عجز عنها فضل الله والحيدري، وهي “تنقية” الحديث والدعاء والمزار من روافد الولاء لآل محمد، و“عقلنة” العقائد من الخصائص والكرامات وما يعتبرونه غلوّاً في أهل البيت، و”تهذيب” الشعائر الحسينية وتوجيهها لما يخدم فكر الحداثة، وإنهاء استقلال الحوزة، وإخضاعها للدولة، ثم تكريس رئاسة المذهب وزعامة الطائفة لصالح الحزب أو ولي الفقيه أو مرجع السلطة والنظام… من هنا تراهم يعملون على قطع المدِّ الجماهيري عن الحوزة والمرجعية، وإنهاء الحاضنة الطبيعية للأصالة الإيمانية.

    قد يُصدم بعض المنخرطين السذَّج في حراك “الربيع الحوزوي” من هذه الأهداف ويتنكَّر لها، بل يرى أنه يجاهد ضدها، ويعمل لنجاة المذهب وإنقاذ الطائفة منها! تماماً كما ظنَّ ثوار ساحة التحرير، المنادون بإسقاط عادل عبدالمهدي في أنفسهم، خدَّاماً لبلدهم وتحريره من الهيمنة الإيرانية، لصالح الكاظمي ودولته الوطنية، وحسب الثائرون على حسني مبارك أنَّ سبيل النجاة والحرية والديمقراطية وإصلاح البلاد، يكون في إسقاطه، فجاءهم محمد مرسي! وقد يبلغ الصدق في هذه المشاعر حدَّ التضحية بالروح والانتحار على طريقة البوعزيزي، الذي أهلك نفسه، فكانت النتيجة حكم الإخوان في تونس!

    الكتلة الحزبية الجديدة، الإصدار أو الصيغة المحدثة للضلال، وإن انطلقت من خلفية أمنية، جرى إعداد خلاياها بإحكام وإتقان، وتحركت في خلسة اللصوصية تحت جنح الظلام، لكن الثغرة كانت في الفراغ الروحي وتواضع التهذيب في قادة الحراك ورموزه، فما إن سجَّل بعض الأرقام، وحقَّق ما لفت الأنظار، حتى غلبه الزهو والفخر، نبت له جناح فطار شكيراً، انطلق من علو وحلَّق من مكان رفيع، حملته فيه الريح، فحسب أن زغبه بات ريشاً، وأنَّه لحق بالكواسر في صفيفها، وما زال يَحسب في التطاول على القمم والنيل من الأعلام علواً وارتفاعاً، حتى سقط في شراك افتضاح رموزه وكشف مخططاته، ما يعني خسارته القدرة على المناورة والاحتماء في الرحبة الخلفية، وفقده إمكانية التآمر في الأقبية السرية، وانتقاله إلى العلن، الأمر الذي أدخله في المواجهة مبكراً، فبات يخوض المعركة على طريقة أسلافه، يريد التحليق مع النسور وهو من الدواجن، يدرج على الأرض، اللهم إلا رفرفة تحمله ليقبع على السياج فينقنق أو يصقع، لكن سرعان ما يعود إلى الخن ليرقد هناك.

    لن تكون في التشيُّع سطوة غلمان و”حكم صبيان” وإن هان الزمان، وعلى جولة الصعاليك وصولة الزعاطيط، أن تبحث لنفسها غير صعيد، فهذا عن مذهب الحق بعيد، وفي السياسة متسع، فليلحق هؤلاء بأسيادهم، ويعبثوا هناك ما طاب لهم، لكن إياهم والدنو من حوزتنا ومرجعيتنا وعقائدنا وتراثنا وشعائرنا.

    ولا ضير ـ من بعد ـ في بعض شغب وشكس صبياني يعكس القلق الذي يعيشون، ومناوشات تبارز طواحين الهواء، ينفِّسون بها عن غيظ وحنق يتملكهم. فليشتموا ما شاؤوا وليتهموا ويعيبوا وينتقصوا، فهذا يأخذنا إلى درجة مَن عانى ودفع ثمناً لولائه، ويورثنا الأنس بالأجر المعدِّ لذلك… ثم أنه ـ في القوم ـ جوهر “العلم” الذي يحملون، لا ما يدَّعون. هكذا يرتسم مشهد محاضر سقط سرواله دون أن يشعر، وهو لا يجد وجهاً لضحك الجمهور؟!

  • أطلعني أحد الإخوة الغيارى على حوار يجري بينه وبين مجهول “افتراضي”، منتحل هوية ومتنكر بشخصية، يُسقط دعاء الجوشن، ويشكِّك بعده بالمناجاة الخمس عشرة والصحيفة السجادية ودعاء الصباح وحديث الكساء، ويغالب ليُحدث قواعد ويُرسي ضوابط تسقط مفاتيح الجنان والمصباح والإقبال وجملة كتب الدعاء، ما يقوِّض ركناً أساساً في المذهب، يخرج الناس من الروحانية إلى جفاف الحسيَّة، ومن نداوة العمل والأمل إلى الرتابة والإحباط، ومن الإيمان والولاء إلى الشك والارتياب، فالتعس والشقاء! وما انفك الرجل، بلغة ملؤها خُرق الثقة بالنفس، وتمام السفه والحمق، يدعو للمناظرة، وينادي بالبحث العلمي!.. غافلاً، أو متغافلاً فمستغفلاً، أنَّ للدين حقل تخصصي ونطاق بحثي استشاري، هو الحوزات العلمية وحلقات الدروس الدينية، تجري فيها الدراسات وتدور الحوارات، ولربما وقعت الاختلافات واحتدمت النزاعات، وهناك تكون الاستدلالات الفقهية، وتداول الآراء العقائدية، ومناقشة أسانيد الحديث والنظر في أحوال رجاله، وما إلى ذلك من خلفيات بناء المعارف الدينية واستنباطها.. لتُقدَّم المخرَجات والخلاصات للساحة الإيمانية كرسائل عمليَّة للمراجع العظام في العبادات والمعاملات، وكتب في الدعاء والمزار لذوي الشأن والباع، وكذا في التفسير وعلوم القرآن لأهله ورجاله، وفي الفلسفة والحكمة لأربابها وأتباعها.. ثم مساحة منبسطة مبذولة للمتبنيات الدينية التي لا تخضع للتقليد. في المجموع هي حالة أشبه بالمعمل الذي تجري فيه التجارب والتحليلات، وتعدُّ العناصر الأولية التي تركَّب منها العقاقير والأدوية، فتخلص لنتائج ومعالجات تقدَّم للناس، تلبي حاجاتهم وتداوي أمراضهم. أو قُل هو المطبخ الذي يُعدُّ فيه الطعام الزكي والغذاء الروحي، ويقدَّم لمتناوليه على مائدة الطاعة والقربة إلى الله تعالى.

    المحدَث المستجد على هذا الصعيد، هو الخلط بين النطاقين، فما هو من شأن الحوزة بات العوام يتداولونه ويناقشونه، أُمور تخصصية وقضايا علمية، دقيقة وعميقة، غدت الألسن تلوكها، والمحافل الشعبية تتناولها وتخوض فيها! وفي المقابل، نفذ العوام بخطابهم وتوغلوا بثقافتهم وأدواتهم في الحوزة، وأصبح لعوامل السياسة ووسائل الإعلام والتواصل دورها وتأثيرها في توجيه الطلبة وخلق حركات وتيارات وتأسيس نوَيات أحزاب، وإن عجزت، أو تعجَّلت فكأنها وُلدت ميتة وسقطت قبل أن تَدرُج، لكن محض المحاولة والجرأة في التعدِّي على الحوزة والسعي لاختراقها، هو خطب لا ينبغي الاستهانة به، ولا سيما مع ملاحظة الدور “الأمني” وخطط الدوائر التي كانت تبتعث، ضمن مشروع “الربيع الحوزوي” أو “الربيع المذهبي الشيعي”، الموازي لحراك “الربيع العربي”، مجموعات من المثقفين الشيعة وغير الشيعة (بغطاء المستبصرين)، للبقاء في الحوزة فترات متقطعة، تمتد بعضها لأشهر ولربما سنوات، يكوِّنون فيها علاقات ويبنون جسوراً حسبها بعض العلماء والفضلاء بريئة، وتفاعل معها آخرون طمعاً في ما تحمل من مال وشهرة! هكذا حصَّل هؤلاء معلومات لا علوماً، وصاروا يلمُّون بمصطلحات لا حقائق، وحظوا بنزر يتيح لهم لغة “علمية” توحي بمعرفة واطلاع! ولا سيما أنَّ بعضهم استقر في الحوزة وانتسب ـ بالفعل ـ إليها، اكتفى بمقدمات مهلهلة، وثقافة عامة رثَّة، صبَّها في محاكاة الواقع وما يتوهمه من “العقل”، وعاد معمماً يحمل خطاباً شعبوياً بمسحة علمية، ولغة تخصصية بلهجة عامية، قريبة من الشباب، خلقت زخماً استقطبهم. ولربما وظَّف نهجه الأكاديمي في تقديم بحوث ودراسات، لفتت إليه الأنظار. ولا يُغفل تأثير الدوائر في دعم هؤلاء، سواء عبر جيوش الذباب الألكتروني، أو بإفساحها لانبعاثهم، وعدم ممانعتها من بروزهم واجتماع الشباب حولهم.

    تخطَّى بعضهم المقدمات والسطوح، وهو يقفز على مراحل التحصيل ويطفر كعلجوم أو كنغر! ولعله طواها بسرعة الخفاش والسلوقي، لا تدري متى بدأ حتى أخذ يفتي، ولا ما قرأ حتى صار يصحِّح الأسانيد ويسقط رجال الحديث، فبلغ في خمس ما يُستغرق في العادة خمسيناً! هكذا بتنا أمام ممارسة ميدانية فجَّة لهذه الفوضى، وصورة صارخة للتداخل بين النطاقين، وصارت تلك العلاجم والسلوقية، أو الزعاطيط كما باتوا يُعرفون في الحوزة، تطالبك بردِّ شبهاتهم، وتدعوك لمناظرتهم في تويتر والفيسبوك!

    إنَّ الخلفية التي ينطلق منها هذا المشروع، والملاكات المطروحة في علل وجوده وفلسفة ظهوره، هي عينها في الحركات الضلالية السابقة: عقلنة المعارف الدينية، إصلاحها وتنزيهها، تنقيتها من الأساطير والخرافات التي تشوهها… ولعمري، الإسرائيليات! إنه الذئب نفسه، لكن بثياب الحمَل ووداعة خطابه أو ثغائه! ففي الحقيقة والعمق، هي حركيَّة وفضلاوية مقنَّعة، فلا فرق بين هذا التيار الجديد المحدَث وبين فضل الله والحيدري وحب الله وأضرابهم، لا في الأفكار والأهداف، ولا في الطريق والنهج، اللهم إلا مداخل مستحدثة للمناورة، وأساليب جديدة في المنازلة، ثم في اللاعبين الجدد والجنود الأغرار (حتى أنَّ القادة من “الحرس القديم”، آثروا أو أُمروا بالاختفاء وعدم الظهور مطلقاً!)… فقد انتقل القوم من الاكتفاء بالإثارة وكسر حاجز الخطوط الحمراء، مما كان يعمد إليه فضل الله عبر التساؤل والتشكيك، إلى الحرص على إثبات المدعى وبلوغ الغاية في التبني، وتجاهل الردود المتلاحقة، وإن صفعت المدَّعي وطرحته أرضاً، وأبطلت دعواه ونقضتها جملة وتفصيلاً. كما انتقلوا من التحدِّي العشوائي وفوضى الإثارة، التي كانت طابعاً لممارسات الحيدري، حتى أخذته من تلقائه نحو الخروج الطوعي من المذهب، إلى الهجوم المنظَّم الذي يقصد أهدافاً محددة، ويرمي حصوناً معيَّنة، لا يتقدم إلى غيرها حتى يُسقطها ويحتلها. وهكذا من النصب والفجور في الخصومة والعداء الذي ظهر في أداء حيدر حب الله، إلى مسحة اعتدال، بل ولاء، يتصنَّعها أو يعيشها فعلاً بعض هؤلاء! وقد جاء البديل في مستبصر ما زال نتَن النصب يفوح منه، وصديد النشأة يتسرَّب أينما وطأ، ويظهر حيث خطا وحضر، ومعه أحمق ألكع يريد أن يكون بخاري الشيعة، تمج ذائقته قولاً منسوباً لأميرالمؤمنين، فيصنع من سقيم مزاجه ويفذلك من عليل ذائقته ما يتوهمه دليلاً عقلياً، يُسقط فيه القول، باتاً جازماً! وثالث يذكرك فرط ورعه وتقواه، وألق وقاره وسمته بابن الأزرق أو ابن الكوَّاء، قبل أن يكون منهما ما كان، فمهلاً، فما أُكلنا إلا من أضراب هؤلاء!

    قد يعترض بعض المؤمنين الأخيار ويرى أن هذا أخذ بالجريرة قبل الجريمة، وأنَّ المجسَّات هنا أفرطت في التحسُّس، وأطلقت إنذاراً مبكراً يفتقد الأدلة الشرعية! وطالما فعل هؤلاء ذلك في الفتن السابقة و”النوازل” التي لحقت بنا، فرأى في فضل الله واجهة للمقاومة والحالة الإسلامية الفتيَّة في لبنان، لا ينبغي أن يؤخذ بظنون وشكوك. وفي الحيدري وجهاً ظافراً في محاججة المخالفين، يتقصَّده المنافسون ويكيد به الحاسدون. وفي حب الله “أفندياً” مغموراً، من أتم مصاديق الباطل يموت بتركه، فلا ينبغي التهويل والذهاب في صنع أزمة من تافه حقير… وما زال هؤلاء الكرام على عقليتهم، لا من الويلات التي سبق أن جرُّوها على المذهب يعتبرون، ولا بقصورهم وفشلهم في الريادة، إذ الرائد لا يكذب أهله، يعترفون! يسدون نصائحهم كعارفين بالخفايا ومطَّلعين على الأسرار، يحسب أحدهم نفسه لقمان الحكيم، وما كأنهم أنزلونا من قبل في قفر لا كلأ فيه ولا ماء، وحلوا بنا عراءً لا حرز فيه ولا وقاء!

    وبعد، فلا يعني هذا خلو الحزب أو التكتل الجديد من مخلصين مستغفَلين… ولكن إصرارهم على مواقفهم، بعد أن تمَّ إبطال مدعياتهم بأدلَّة واحتجاجات علمية من التي يطالبون بها ويندبون إليها، كما جرى في دعواهم على الجوشن، وتجاهلهم الردود، واستمرارهم في المكابرة والغي، يدلِّل على الغرض والمرض، وأنَّ الأمر مؤامرة وحركة حزبية منظمة، لا طلب معرفة ولا تحرٍّ عن حقيقة! ناهيك بأن يكون تقويماً لـ”تراث الإمامية في الحديث وعلومه”، يقوم به، من هوان الدهر، مستبصر، من أبناء الأمس، فتح للتوِّ عينه على تراثنا! إنَّ القضية تتحرَّك بين شحنٍ وإغواء، ودعاية جذبت لهؤلاء الصبية الأضواء، وتسويق أظهر ترَّهاتهم طروحات مبتكرة، أعجبت العوام وراقت حتى لأنصاف المثقفين، فظنَّوا أن “ليس وراء عبادان قرية”! فحقَّ أن يتمثَّل: “أبوسعد له ثوب مليح، ولكن حشو ذاك الثوب خريه. فإن جاوزت كسوته إليه، فليس وراء عبادان قرية”.

    في المجموع، علينا الرفق بالمخلصين من هؤلاء، وإخراجهم من شبهتين استحكمتا في أذهانهم، وباتتا تحكمان تفكيرهم، تلقوهما من أوهام عقل جمعي ما زال يلقِّنهم، فأصبحوا يعيشونهما كقضية، الأولى: إفهامهم حقيقة أن لا أحد يريد إلغاء علم الرجال، ولا أحد يصحِّح التراث كله، وليس في حوزتنا من يدعو إلى الجمود، يحظر نقد الآراء ومحاكمة النصوص والنتاجات، نحن مخطِّئة وحوزتنا متجدِّدة… غاية ما هناك أننا نحرص أن لا تشدَّ السروج على الحمير والبغال، ويبقى للخيل مضمارها وللفروسية أربابها ومكانتها، من هنا نقوم بردع المتطفلين، وزجر المدَّعين.

    الشبهة الثانية: البحث العلمي التخصصي في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي! إنَّ موافقة القوم على البحث في مسلَّمات المذهب وموروثاته، يحقق لهم صدق مشكوكيتها، وأنها بعد أجيال من التلقي بالقبول وأحقاب من التسليم والإذعان، صارت محل كلام وبحث ونقاش! وأنَّ زعطوطاً جاءنا من وراء التلال أو البحار، تنبَّه لما غاب عن الطوسي والمفيد وفات الخوئي والوحيد! من السهولة بمكان أن يفتح أي باحث كتاباً أو كُتباً في التفسير، ينقل منها ما جاء في آية التطهير، على سبيل المثال، وفي مؤونة أقل، يلجأ إلى البحث الإلكتروني، ثم يملأ صفحات يثريها بالاستدلال على آية التطهير ونزولها في أهل الكساء الخمسة، فينعت كلُّ ضحل مقالته بالعلمية، وينزهها عن الخطابة والإنشائية!

    لا يخفى على الغرب الإباحي أنَّ المثلية الجنسية أمر يناقض الفطرة والطبيعة البشرية، وأنَّ رفضها بديهة مسلَّمة، لكنهم لما يسعون لإشاعتها وترويجها، يعمدون لتغيير هذه الحقيقة.. وأُولى الخطوات أن تكون محلاً للحوار والنقاش، ما ينزلها من موقع القبح والرفض الذي لا جدال فيه، إلى ما فيه الاختلاف وتعدد الأقوال والآراء!

    الكبير أو الكبار الذين يحركون هؤلاء المشاغبين الصغار، قايسوا الحال بما جرى في الساحات السياسية في لبنان والعراق وإيران وحيثما أرادوا، والنجاحات التي حققوها فيها، لكنهم أغفلوا هنا عنصراً أساساً، وعاملاً محورياً، هو دور الغيب وفعله، العناية الربانية والرعاية المهدوية التي تقصم ظهر كل من أراد بتراث آل محمد وحوزة جعفر بن محمد سوءاً.. فعاد وسيعودون بالخيبة والهزيمة.

  • في الساحة الإيمانية المعاصرة، آفات سائدة وأمراض متفشية وظواهر غالبة، ستشكِّل في زمن الظهور مادة افتتان وعنصر إغواء وسقوط في الامتحان!حوانيت وراء تكتُّلات، متاجر صنعت تيارات، رايات ترفع وأحزاب تسود، أوثان تُعبد وزعامات تقود، تيه اتَّخذ إلهه مرجعه، ضلال جعل ربه رئيسه، زيغ نصب حزبه بيضة الإسلام، وشططٌ صنَّفه ملجأ الملة ومأوى الأنام، ثم غيٌّ رسم خطوطاً حمراء دون أُمور، وجهالة ضربت نطاقاً حول رؤى وأفكار، جعلتها شروطاً للإذعان لإمام الزمان! فالإمام الذي يثير الطائفية ولا يعرف السماحة، لن يكون الموعود المرتقب، والمصلح الذي يبدِّل الأحكام ويعدِّل موضع الحِجْر والمقام، لن يكون المهدي المنتظَر، والقائم الذي يسرف في القتل وينشغل بالانتقام، لن يكون الذي يقيم العدل الإلهي ويحقق السلام! سينظر قوم إلى الإمام “بشرط نعم” و”بشرط لا”، كم هو قريب من نهجهم وفكرهم، ومنسجم مع ميولهم وأهوائهم؟ ليتخذوا بعدها قرارهم ويحدِّدوا مكانهم… فلا ينجو في هذه المحنة إلا مَن آمن بالإمام ووالاه “لا بشرط”، تسليم تام وخضوع مطلق.

    هناك مغرمون بالمبتدَع المختَرع، مولعون بالمنمَّق المزخرف، يلاحقون كلَّ جديد في الدين، ويتبعون كلَّ مُحدَث في المذهب، على غرار ما يجري في عالم الفن وصيحات الأزياء وحمَّى الكماليات وكافة مناحي الحياة… يريدون أن يعيشوا بهجة دنياهم ويتمتعوا بزهرة حياتهم. وحتى يسوِّقوا بضاعتهم ويبقوا في دائرة الفعل والتأثير، أو حتى يأمنوا تأنيب النفس ووخز الضمير، تجدهم يحرصون على التزام “دين”، ويتمسَّكون بغطاء من شريعة وعقيدة… “دين” يبرِّر لانحلالهم ويتبنَّى مادِّيتهم، يواكبهم ويماشيهم، لا يعرقلهم أو يرجع بهم القهقرى! فإن عزَّ، اخترعوا وابتدعوا، حرَّفوا في المبذول وزيَّفوا، نسبوا إليه ما شاءوا وأدخلوا فيه ما أرادوا. ولا يأبون ـ في هذا السبيل ـ أن يأخذوا عن منحرف مثل آصف محسني، ولغ في دماء المؤمنين في مذبحة “أفشار” التي قضى فيها أكثر من ثمانمئة مظلوم في يوم واحد! يأنسون بآرائه، ويطربون على نشازه، ويرون في ركام أعدَّه لطمر “البحار” علماً وتحقيقاً! لا يبالون بهذا، ولا يكترثون أن يأتوا الكنيف فيلطخهم لوث ونجاسة خبيث مثل حيدر حب الله، نصب نفسه محامياً لأبناء الزنا، وما يحرِّر أعداء آل محمد من وصم أنسابهم وعار أحسابهم! ولا يعبأون أن يلحقوا نكرة لا يُعرف له دين ولا فضل، يقدِّم “دراسات” يُبطل فيها ما أخذه الشيعة عن الكليني والصدوق وتلقَّوه من الطوسي والمفيد، ومضوا فيه على نهج الحلي والمجلسي، يطالب في مفهوم خطابه ومؤدَّى نشاطه، تجاهل الأعاظم ونبذ الأساطين، والتنكُّر لأعلام المذهب، يعمل على طمس علومهم ومنع الأخذ عنهم، ولسان حاله: “أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون”، والحجة: “باب الاجتهاد مفتوح، ولم نعد سنيين”! كأنهم يُفرغون عُقَدهم ويستفرغون قيأهم من فاسد ما طعموه أعمارهم! وكأننا ـ في المقابل ـ مضينا لأكثر من ألف عام ونيف على إيمان خاطئ بعقائدنا، وفكرة باطلة عن كُتبنا، ورأي واهن في معرفة أحاديثنا ورجالاتنا، أنتج موقفاً مفرطاً في أبي لؤلؤة، وعقيدة مغالية بمنازل ومقامات الأئمة، حتى جاء مجهول غامض وغريب مريب، مصروع بالشهرة، متكالب على الدولة والسلطة، ليُصحَّح ديننا ويقوِّم مذهبنا!.. فيلحقهم كلُّ ضحل من محدثي نعمة العقيدة والالتزام، طارئ على العلم والإيمان!

    تُرى، كيف سيواجه هؤلاء الإمام وهو يضرب بكل هذا الهراء عرض الجدار؟ ويعود بالدين خالصاً نقياً، غضّاً طرياً، كيوم جاء قبل عشرات القرون؟ بل بالحياة إلى بساطتها وبدائيتها: خيل وبغال وسرح على جمال، السلاح سيوف ودروع، والحرب بِراز ونزال؟! حتى بيوت الله، سيهدِم أبنيتها ويصيِّرها كعريش موسى! ألن يتَّهموه بالتخلُّف والرجعية، وإعاقة ركب الرقي والمدَنيَّة؟ ألن يرموه بعداء الحضارة وقد عرفوها مادية؟.. هكذا سوف يسقطون في الامتحان! فإن سلموا من هذه، ماذا سيفعلون بالمادية الحسية التي تتملكهم، يحسبونها من العلم والعقل، قضوا حياتهم يتنكرون للخوارق، يُسخِّفونها ويفنِّدونها، ويتعسَّفون في التماس وجه حسي للثابت الذي لا يُجحد منها؟.. كيف سيرون المعاجز المتلاحقة التي ستظهر على يد المهدي، وأدناها أنَّ جنده إذا اعترضهم بحر أو خليج، “كتبوا على أقدامهم شيئاً ومشوا على الماء”؟ ألن يرموهم بالسحر والشعوذة؟ ألن تأخذهم الأفكار التي ترسخت فيهم إلى قول: “اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم”؟

    وللحداثيين هؤلاء إخوة في الالتقاطية ونظائر في التنكُّر للهوية، يقولون بـ ”عبير الرحمة”، كيَّفوا نهجهم مع معايير دول ترعاهم ودوائر تدبِّرهم، ينادون بالسلم ونبذ العنف، ويدينون بشرعة الأُمم المتحدة لحقوق الإنسان… كيف بهم إذا قرع سمعهم: “أمِت أمِت، يا منصور أمِت”؟ وتحقق قول الباقر عليه السلام: “يذبحهم ـ والذي نفسي بيده ـ كما يذبح القصَّاب”؟ ثم رأوا “تغيُّر ماء الفرات بالدم، ونتن حافتاه بالجيف”؟ تُرى ألن يقولوا: “لو كان من آل محمد لرحم”؟!

    هناك تيار عريض انخرط في الحركة الإسلامية، أخذ بمبادئها والتزم أُصولها، المعلنة في الوحدة، والخفية في اللامذهبية، ومن أخطرها إلغاء التبري من قاموسها، أو حسْره عن التاريخ وإزالته عن البُنية الروحية، ثم إسقاطه على الواقع السياسي المُعاش، وحصر إعماله على الأعداء الفعليين للحركة! وقد ترعرع هؤلاء على هذا الفكر وترسَّخ فيهم جيلاً بعد جيل. كيف سيواجهون مظاهر تنسف مقولاتهم وهي تنبش التاريخ؟ بل تنبش القبور وتخرج الأموات من أعداء آل محمد! تصلبهم على جذوع يابسة فتخضرُّ! ألن يحسبوها كرامة تدلُّ على رضا الله؟ وقد ترسَّخ فيهم أنَّ للقوم حسناتهم، وأنهم ليسوا بهذا السوء الذي يصفه تراثٌ دسَّ فيه “الغلاة”، وجمعه “التشيُّع الصفوي”؟ كيف سيفعلون حين ينادي المنادي: فلينفرد كل من أحبهما ويتنحَّ جانباً، فتتجزَّأ الخلائق جزئين، أحدهما موال والآخر متبرئ، فيقتل المهدي كلَّ مَن لم يتبرَّأ؟!

    وبعد، هناك المتقدِّسون المتخشِّبون، الذين يؤخِّرون “الإمامة” عن أُصول الدين، يقدِّمون عليها قدس الأحكام الشرعية وحُرمة أركان الإسلام، وقد ترسَّخت عندهم كمعالم للحق وأمارات للصواب… كيف بهم إذا رأوا المهدي يمارس ما لا يستقيم في الفقه، ولا يوافق أُصول الاستدلال والصناعة! يصادر أملاك الإقطاعيين، ويقضي بلا بيِّنات، لا شهود ولا أيْمان!؟ يُعرِض في المواريث عن الولادة والنسب، ويبني على القربى في “عالم الأظلة” والأخوَّة في الدين والعقيدة!؟ يقتصُّ في الجريمة ممن لم يباشرها ولم يشترك فيها، فيقتل ذراري قتلة الحسين، لرضاهم القلبي بأفعال آبائهم، بل أسلافهم الغابرين في أعماق التاريخ! وفي صريح كتاب الله “ولا تزر وازرة وزر أُخرى”؟!

    ماذا سيفعل “القرآنيون” أضراب الحبتري الذي أسقط الحديث تمسكاً بكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟ ومعهم المأنوسون بالتلاوة وإحياء أمسيات التجويد ومسابقات الحفظ والترتيل؟! وهم يشهدون المهدي “بين الركن والمقام يبايع الناس على كتاب جديد على العرب شديد”؟ يقرأ “كتاب الله عزَّ وجل على حدِّه، ويخرج المصحف الذي كتبه علي”؟! لعمري، كيف بهم والعجم في فساطيط مسجد الكوفة “يعلمون الناس ما مُحي منه. سبعون من قريش، بأسمائهم وأسماء آبائهم، وما ترك أبولهب إلا للازراء على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنه عمه”؟

    ماذا سيفعل “المتنوِّر” الذي ناصب الشعائر الحسينية العداء، قضى حياته في السخرية بأنماط العزاء، والاستهزاء باللطم والرثاء… حين يُخرج المهدي طفل جدِّه الرضيع من قبره، ويرفعه أمام جيشه لينفجروا بالبكاء وتضج الأرض عولة وفجعة، وتقام مناحة طالما سخر من أمثالها؟ هل سينقلب “الإصلاحي التنويري” على فكرته وعقيدته، ويعود عن رسالته؟ أم سيرى ذلك تكتيكاً إعلامياً وخطاباً تعبوياً يحشد به الإمام العوام؟ وأنه لا يختلف في هذا عن غيره، فهو يمارس أساليب الرجعيين وتكتيكات السياسيين! فيكفر لهذا الخاطر ويهلك في الآن!؟

    إنَّ الأعور الدجال لم يُذكر في رواياتنا إلا نزراً، ولعلَّه “حالة” أكثر من أن يكون شخصاً، والعوَر فيه إشارة إلى طبيعة حركته وما يقدِّمه من نظرة إغماضية ورؤية إضلالية، تجانب الصواب والموضوعية. وكذا ما جاء في سلوكه، قد يكون إشارة إلى إغواء الناس بالدنيا وحطامها: طعام يُنقذ من جوع، وأمان يُنجي من خوف، ثم جاه وسلطة وقوة وشُهرة… إنَّ أخطر ما تقوم به الحداثوية وتيارها الإضلالي حين تنادي بالعقلنة والعلمنة، وتطوير الدين وصبِّ عقائده وأحكامه في قوالب تواكب العصر، تغوي الجمهور بالحركية والثورية والقرآنية وحق الاجتهاد والسلمية والانفتاح والتعددية التي تعمل على تنشئة المؤمن وتكوين بُنيته في قالب مطاطي مرِن بعيد عن “القول الثابت”، مما هو ـ في حقيقته ـ عطاء وثمرة “شجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار”… أنها تعمد إلى ذلك كله عبر زرع حبِّ المال والشهرة والسلطة، وهذه هي مادة الأعور الدجال وبضاعته، وهو ما يشكِّل أحد أركان مجابهة الإمام المهدي، ويكوِّن أحد أقطاب محاربة نهضته ومعارضة دولته!

    هناك من صاغ شخصيته وأرسى وجوده وبنى كيانه في الساحة الإيمانية، على مبدأ الانفتاح وتكوين شبكة علاقات، يتواصل مع القاصي والداني، ويتعاون مع القريب والبعيد، لا يرقب ضلالاً فيمن ينفتح عليه، ولا يلحظ فساداً فيمن يتعاون معه. أحزاب ومنظمات، زعماء ووجهاء، مشايخ وعلماء، رواديد وخطباء، متهالكون على الشهرة والمال، لا يبالون، في سبيل سطوع نجمهم ونماء أرصدتهم، اندراس الحديث ومحق التراث، ولا يعبأون بانهيار الحوزة العلمية وتقويض بُنية المعارف الدينية، ولا يكترثون بتعطيل الشعائر أو نقلها إلى نطاقات توهنها وتزري بها، تلحقها باللهو ومجالس البطالين.. إن الاصطفاف “الطبيعي” لهؤلاء سيكون في جبهة السفياني والبترية والأعور الدجال!

    هذه هي النار التي حذر النص الشريف في الزيارة منها: “وبرئت إلى الله عزَّ وجلَّ من أعدائكم، ومن الجبت والطاغوت والشياطين…. (إلى أن يقول:) ومن كل وليجة دونكم وكل مطاع سواكم، ومن الأئمة الذين يدعون إلى النار”. إنَّ أمامنا جميعاً أخطار وأهوال، فصول متلاحقة من الفتن وصوَر متنوِّعة من الابتلاءات، تتناغم كل واحدة مع هوى المرء وشيطانه، أين يكمن وفيمَ عساه أن يظهر… ولا تحسبن مبالغة أو تهويلاً طال الأمر هنا، فلإدراك حقيقة الخطر، يكفيك النظر إلى شخصيات سياسية في واقعنا المعاش، وهم كتل من الكذب والدجل، وبؤر من القذارة والوضر، ومع ذلك ينخدع بهم الناس ويلتفُّون، حتى ينتخبونهم ممثلين عنهم في المجالس النيابية!

    ستتوالى الصدمات وتتعاقب المفاجآت ولن ينجو إلَّا من وطَّن نفسه على التسليم المطلق للإمام. وهذا لن يأتي ويكون إلا بعد إيمان راسخ بخصائصه ومنزلته وقدراته ومكانته، ورأس ذلك وعماده أنه العلة الغائية للخلق والوجود، وأنَّ الله تعالى ما خلق سماء مبنية ولا أرضاً مدحية…. إلا في محبته عليه السلام.

    إنَّ المواقف في تلك الساعات الحرجة تتبع عملية تربوية تراكمية عميقة وبعيدة المدى، وطَّنت النفس على حبِّ أُمور وكُره أُخرى، ورسَّخت فيها ميولاً وأهواءً، وكوَّنت قناعات… لن تكون قراراً فورياً يمتثل لرغبة عاجلة منفصلة عن ماضي المرء، ولا طاعة لإرادة مبتورة عن خطِّه وتوجهاته، فيكره شخصاً أو يحبه، يستسيغ شيئاً أو يمجه ويمقته، وفي مرحلة أكثر تعقيداً، يمارس شيئاً ويزاوله، يلتزم طاعة أو يترك معصية، مما نشأ عليه وترعرع، ثم يكتشف فجأة فسادها، ويقف على بطلان كل ما بناه وجمعه، فيعيش الإفلاس وخلو اليد والوفاض، والاضطرار للأخذ ممن كان يزدري ويمتهن!

    إنَّ القضية المهدوية في حاضرها ومستقبلها، عند الظهور الشريف، أمر في غاية الغموض والإبهام والتعقيد، مُغرِق في الغيب، منقطع عن أي قراءة وتحليل، كما هو الأمر في حركة الأُمم والمجتمعات، ومصائر العباد ومآل الدول والبلاد. شيء يدور في فلك سفينة تُخرق لمنع مصادرتها ووضع اليد عليها، وغلام يُقتل لمنع وقوع جريمة قادمة تفتك بأبوبه، وجدار يُقام ليحول دون كشف كنز تحته سيغتصبه ملك ظالم!.. والناس يريدون أن يقرأوا الحوادث ويستطلعوا الظهور الشريف بلغتهم السطحية الساذجة، ومنطلقاتهم الالتقاطية السقيمة.

    إذا لم يجعل المرء الولاية محوراً ومرتكزاً لحياته، لا الصلاة ولا الصيام، لا القرآن ولا الأحكام، لا الكعبة ولا المقام، لا شيء من معالم الدين التي تلقيناها كأصول ونشأنا عليها كثوابت ومعايير… فإنه سيكون في معرض الهلاك. المعيار والمحك الوحيد هو الإمام، القول قوله والأمر أمره. هذا بطبيعة الحال بعد الفراغ من لوازم ذلك ومقدماته، من التوحيد والنبوة.

    علينا أن نوطِّن أنفسنا ونربِّي أبناءنا على أنَّ قمة الوعي والبصيرة، وتمام العلم والحكمة، هي الطاعة العمياء للإمام، وأن لا ثابت ولا أصل إلا شخصه النفيس وإرادته الإلهية، هو الدين وهو الحق، نركز هذا في نفوسنا حتى يغدو طبعاً وسجية وصفة لا تتبدَّل، وعقيدة ثابتة وملكة راسخة لا تزول. وهذا لا يكون إلا بممارسة ومزاولة، وتكرار ومداومة. وفي الحديث عن أبي عبدالله عليه السلام: “من سَرَّه أن يستكمل الإيمان كله فليقل: القول مني في جميع الأشياء قول آل محمد، فيما أسرُّوا وما أعلنوا، وفيما بلغني عنهم وفيما لم يبلغني”.

  • من الأداء المشهود والنهج الملحوظ في سيرة أئمة الهدى عليهم السلام، في تربيتهم شيعتهم وتأديبهم أصحابهم، بل في وضع أُسس المذهب الحق، وتشييد معالم الفرقة الناجية، بعد إكمال الفقه وضبط الشريعة، وإنجاز ما يمثل القوام الثابت والأساس المكين، من خلال منظومة تامة، تشمل جميع الأحكام، من الطهارة إلى الديات، عبادات ومعاملات، مع إرساء أُصول وقواعد للاجتهاد، تتيح التوسع والأخذ بما يواكب العصور المختلفة، ويفي بحاجات الأزمنة المتغيرة، ويسمح بالاطراد، كل ذلك بإحكام وسداد لا يمكن اخترامه بثغرة، ورشد وصواب لا يُنال منه بغمز وتلويح ناهيك بمواجهة وتصريح… مع بناء هذا الخطير وإنجاز هذا العظيم الجليل، كان لهم صلوات الله عليهم ـ على نحو موازٍ ومقارن ـ سعيهم على غير صُعُد، عقائدية إيمانية، وأخلاقية تربوية. ومن ذلك عملهم على ما يحقق الموازنة والمعادلة بين ركني: الولاية والتوحيد، وحرصهم الشديد أن لا يطغى أحدهما على الآخر بما يبخسه حقه، وتترسخ مكانته على حساب صنوه وعِدله، ولا سيما عند الانتقال بهما من مقام المعتقَد الذي ينطوي عليه القلب، ويعيشه المؤمن في دخيلته، إلى الظهور في الممارسة العبادية، الفردية منها والشعائرية. هذان الأصلان، يمضيان في المذهب، وفي نهج أتباعه، على نحو متعادل متوازن، تماماً كما يمضي أو يحضر “الثقلان” (الكتاب والعترة) في الوجدان الشيعي، فإنَّ ذاك استلَّ وأُخذ من هذا، فهما ينتهيان، في الكُنه والجوهر، إلى حقيقة واحدة، فأهل البيت هم القرآن الناطق، والولاية هي التجلي الأتم والنهج الأقوم للتوحيد.

    من هنا تجد في مقابل جرعات الولاء ورشفات عشق أهل البيت، التي تحمل مقاماتهم، وتشتمل على فضائلهم، تقوم بعرضها وتنهض ببيانها، وتنزلهم في مراتبهم التي رتبهم الله فيها، مما تلقاه بوفرة في الأحاديث الشريفة، وتراه بإشباع في نصوص المزار والتوسل والتشفع بهم، وما خلص إلى بُنية كلامية وأُسس عقائدية، تصف تلك الحالات وتكشفها وهي تعرضها، وتقدِّم “الإمام” في إطار القدرات الخارقة، والمميزات الاستثنائية، والصفات العجائبية… مما جعله الأعداء والخصوم، وحتى بعض أبناء الطائفة من الحسيين والقشريين، منفذاً للمز والغمز، واتخذوه حربة لطعن الشيعة بالغلو والشرك!.. في مقابل هذا التراث الثري الذي يبني ويرسخ الولاء، هناك، بعد أحاديث ونصوص التوحيد، ركن متكامل يحمل عنوان “الدعاء”، يقدِّم، هو الآخر في تراث غني عريض زاخر، جذوات توحيدية، تتقدَّم تلك الباقات، وتواكب هاتيك الجرعات، تقودها كمصابيح تضيء درب المتزوِّدين العاملين بها، وتصاحبها كقبسات تشعل مواقد إعداد الطاهر الزكي من الطعام المتخذ منها! وهي على درجة من التفوق والألق، ومستوى من العظمة والرفعة، لا تجده في أي مدرسة أُخرى غير مذهب أهل البيت عليهم السلام، ودع عنك مخترعات الصوفية، والمادة الهزيلة التي يقدِّمونها على هذا الصعيد، فالكلام هنا عن تراث زاخر يحوي نصوصاً مسبوكة في قوالب في غاية البراعة والبلاغة، وبيان في قمة الإحكام والجودة، ومضامين في منتهى العمق العقائدي… ما انتزع لقب “القرآن الصاعد” بجدارة، ورفد الشيعة، على مدى الدهور، ووفَّر حاجتهم على هذا الصعيد، وأورثهم روحانية ورقة لا تجدها في غيرهم.

    ويكفيك أن تتناول “مفاتيح الجنان” الكتاب الأكثر تداولاً بين الشيعة اليوم بعد المصحف الشريف، وتنظر في نصيب التوحيد فيه على باقي معالم الدين، لتقف على هذه الحقيقة، وتتأمل في نصوص أدعية “الصباح” و“كميل” و”العشرات” و”السمات” و”المشلول” و”يستشير” و”المجير” و”المناجاة الشعبانية” و”المناجاة الخمس عشرة” وعموم أدعية الصحيفة السجادية، وأدعية شهر رمضان والسحر وليالي القدر، ولا سيما “أبي حمزة الثمالي” والتسبيحات والأذكار، ناهيك بالأدعية اليومية وتعقيبات الصلوات… لتقف على هذه الحقيقة.

    وكما حقق ذلك التوازن والتعادل بين ركني التوحيد والولاية، مما ترى الحرص عليه في الغاية والنهاية، وتجري مراعاته في كل موارد الضرورة، من قبيل أنهم يقدِّمون على الزيارة الجامعة مئة تكبيرة، حذر ما فيها من مضامين ولائية، قد يخطئ مؤمن ساذج في فهمها وتلقيها، فوجب تحصينه بجرعة مركزة من التهليل والتكبير الذي يعالج الاحتمالات، ويسد منافذ الشيطان، ويقطع طريق الجهالة ونزعة الاستعراض والاستئكال التي يسقط فيها بعضهم، فيجعل المزايدة سبيله، يغالي ويفرط، يحسب أنه تفوَّق في الولاء وغلب في التمسك به!..

    إضافة لهذا، قام بقطع الطريق على قذف المذهب ورميه، وحال دون الافتراء بالغلو والشرك على أتباعه. إنَّ تعظيم كتاب الله والتشفُّع به إلى جانب عِدْله وثقله، بوضعه على الرؤوس وتلاوة الدرر من النصوص، وكذا فقرات الجوشن الكبير من قبيل فصله الخامس والثلاثين :”يا مَن هو في عهده وفيّ، يا مَن هو في وفائه قوي، يا مَن هو في قوَّته عليّ، يا مَن هو في عُلوِّه قريبٌ، يا مَن هو في قُربه لطيفٌ، يا مَن هو في لُطفه شريفٌ، يا مَن هو في شرفه عزيزٌ ، يا مَن هو في عزِّه عظيمٌ، يا مَن هو في عظَمته مجيدٌ، يا مَن هو في مجده حميدٌ”. أو الثامن والخمسين: “يا مَن في السَّماء عظمته، يا مَن في الأرض آياته، يا مَن في كلِّ شيء دلائلُه، يا مَن في البحار عجائبه، يا مَن في الجبال خزائنه، يا مَن يُبدئُ الخلق ثم يُعيده، يا مَن إليه يَرجِع الأمرُ كُلُّه، يا مَن أظهر في كلِّ شيءٍ لطفَه، يا مَن أحسَن كلَّ شيءٍ خلقهُ،يا مَن تصرَّف في الخلائق قدرته”… كفيل بدحر وإبطال حجة كلِّ إرهابي تكفيري يستبيح دماء الشيعة ويرميهم، بعد كل هذا التوحيد، بالشرك؟! فهذه الفرية تفقد كل قوامها ومادتها أمام طقوس وشعائر تحمل القرآن على الرأس وتقضي الليل بالتضرَّع وتكرار: “يا مَن خلقني وسوَّاني، يا مَن رزقني وربَّاني، يا مَن أطعمني وسقاني، يا مَن قرَّبني وأدناني، يا مَن عصمَني وكفاني، يا مَن حفظني وكلاني، يا مَن أعزَّني وأغناني، يا مَن وفَّقني وهداني، يا مَن آنسني وآواني، يا مَن أماتني وأحياني”؟!..

    إنَّ موقف المستبصر النزق، الذي ندب إلى طرح قراءة دعاء الجوشن الكبير في ليالي القدر، وحذفه من الحضور والظهور في التجمعات الشيعية الشعبية، وإلغائه من الحالة الشعائرية التي تحكم هذه الليالي، توفيراً ـ في زعمه ـ للوقت، والتماساً للأهم الأنفع!.. يبعث على الريبة، وكأنه يتعمَّد خلع درع التوحيد عن المؤمنين، وسلبهم إحدى أتم وأوضح الحجج التي تسقط في يد كل مفترٍ على الشيعة وطاعن عليهم بالشرك والغلو.

    قد يُحمل موقف الرجل على حداثة سنِّه، وخُرْق وسفَه دفعه لقحم ميادين لا مؤونة له فيها ولا خبرة، بل لا شأن له بها ولا علاقة. وكذا على طلب الشهرة، وديدنه في تعمُّد ما يثير اللغط والصخب، ويلفت الأنظار ويجتذب الأضواء، مما هو مستغرق فيه على غير صعيد، متهالك على أسباب جذب الذباب، واستقطاب الخاوين من أنصاف المثقفين… وأنه سيترك هذه الشيطنة إذا رزق الولاء الخالص من كل وليجة دونهم، سياسية أو جهادية، وكل مطاع سواهم، يرقص على ألحانه في عداء شعائر عزاء سيد الشهداء. لا يعنينا ذلك ولا يهمُّنا، فالقضايا الشخصية والشؤون الخاصة للأفراد، هي في نفسها من حبائل الشيطان، ومواطن الاستدراج إلى ما يصرف عن الجبهة الحقيقية للصراع. الأمر هو في ما يتهدد المذهب والطائفة، من المتوغلين والمتسللين، ومن المقولات الباطلة التي قد تغوي وتخدع المؤمنين.. ومَن يريد أن ينزع عنا الجوشن، ولك أن تراجع اللغة لتقف على الوجه في هذه التسمية، والسر في هذه الدرع السابغة والجُنة الواقية التي خلعها علينا الإمام، ترد عنَّا حراب التكفيريين وسهام الجاهليين.

  • مع بدء الخليقة، ووضع النظام الأتم للكون، وفقاً لطبيعة وقانون، رأسه وعماده، الصادر الأول والعقل الكل أو النور أو العرش، وما ظهر في النشأة الدنيوية بصورة الإنسان الكامل، وخضوع الكائنات طرّاً (إنس وجن وملائكة، حيوان ونبات وجماد، وكل ما يصدق عليه شيء) لولايته الكبرى، وإرجاع صلاح الأشياء وفلاحها إلى طاعته، أو فسادها وشقائها إلى مخالفته… كان الابتلاء والامتحان، ووقع التمرُّد والعصيان، بدأه إبليس الذي أبا السجود، ثم أقسم أن يأخذ إليه الإنسان، وأتبع ذلك بتحدِّيه ربِّ العزة جلَّ وعلا، منازعته هدفه وغايته! كما في قوله تعالى: “فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين (إلى أن يقول) قال ربِّ فأنظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم”، وقوله “فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين”.

    ويبدو أنَّ الجولة الأخيرة للتحدِّي والمعركة النهائية في الصراع، ستكون في القيامة الصغرى، عند ظهور المهدي عليه السلام… وهي الفتنة الأكبر والبلاء الأشد والامتحان الأصعب، حين تأتي المؤمنين حيتانهم يوم سبتهم شُرَّعاً، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم! فهنا غربلة بمُنخُل وسيعة ثقوبه، يسقط فيها مَن اثاقل إلى الأرض بأهوائه، ويمرق بجهالاته، ينفذ ليهوي مَن تصاغر باستكباره وطغيانه، كما في الحديث عن الباقر عليه السلام: “يصبح أحدكم يرى أنه على شريعة من أمرنا، فيمسي وقد خرج منها”، وعن الصادق عليه السلام: “إذا خرج القائم، خرج من هذا الأمر مَن كان يرى أنه أهله، ودخل فيه شبه عبَدَة الشمس والقمر”!،،، وقد تعبَّأ لهذه المعركة الجانبان وحشدا كلَّ عُدَّة وعدد. ففي منظور أهل الحق، هي ساعة تحقيق الوعد بوراثة الأرض واستخلاف المستضعفين، كما علمت الشياطين أن لا شيء يغضب الرحمن ويهوي بالإنسان، مثل لقاء المهدي بالخذلان، التنكُّر لدعوة الحق ومقابلة إمام الهدى بالعصيان.

    ولهذه المعركة، صوَر مختلفة وأشكال متعدِّدة، ترسمها الروايات الشريفة فيما تحكي وتخبر عن فتن آخر الزمان… وهي ـ مع الأسف ـ مهملة في مناهجنا التربوية، مغيَّبة عن ثقافتنا، نقرأها في تراثنا قصصاً وحكايات، وكأنها دراما تلفزيونية مشوِّقة، أو أساطير يونانية خيالية، لا دروساً تحكي وقائع قادمة، وعِبَراً تُستقى من حقائق مؤكدة!

    أوَّلها، أنَّ الظهور قد يكون “بغتة”! ففي الحديث الشريف، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله سُئل عن قيام المهدي، فقال: “إنما مثله كمثل الساعة لا تأتيكم إلا بغتة”… والبغتة الفجأة، أن يدهم الأمر على حين غِرَّة، دون مقدمات وموطئات، ولا علامات وممهدات. ما يعني أنَّ المهدي عليه السلام قد يظهر اليوم أو غداً! فناهيك عن التأويل في علامات الظهور، وأنَّ النصوص لا تقف ـ بالضرورة ـ عند المداليل المباشرة لظاهر ألفاظها، فلعلَّها لم تُرِد الوقائع والجزئيات التي تناولتها بعينها، بل كانت بصدد حالة عامة، وقصدت الرمز والإشارة، لجأت إلى الكناية ووظَّفت الاستعارة. ذلك أنَّ المصالح العظيمة قد تحمل الحكيم على ذكر بعض الأُمور على وجه المجاز والتورية، كما أوحى الله عزَّ وجلَّ إلى “عمران” أني واهب لك ذكَراً سوياً مباركاً يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، وجاعله رسولاً إلى بني إسرائيل، فحدَّث بذلك امرأته “حنَّا”. فلما حملت كانت تحسب أنه غلام، فلما وضعت قالت: ربِّ إني وضعتها أنثى (وهي مريم)، والأنثى لا تكون رسولاً! فلما وهب الله لمريم عيسى، تبيَّن أنه البشارة. وقد يصلح أصل البناء على خفاء أمر القيام والامتناع عن التوقيت، مع ضرورة الارتباط بالقضية المهدوية، وجهاً صارفاً عن ظاهر لفظ الحديث، بمعنى أنَّ جهة الصدور في أحاديث العلامات والمراد الجدي منها، ليس تحديد ساعة القيام، بل ربط المؤمنين وإذكاء تفاعلهم مع الإمام، تعطيل ثورتهم وكبح اندفاعهم وتأجيل حماستهم، وبالتالي وقف قيامهم له وحبس جهادهم عليه، مع زرع ثقافة الانتظار وإذكاء الشوق والتمني والحنين لساعة الظهور…

    ناهيك عن ذلك، فإنَّ علامات الظهور، الحتمية منها والأُخرى، كغلبة الفواحش وتفشِّي القبائح وانقلاب المعروف، ووقوع بعض الظواهر الكونية، وخروج السفياني، واليماني، والخسف بالبيداء، وقتل النفس الزكية، والصيحة… كل هذه وتلك، هي في نطاق التغيير والإلغاء، ودائرة الانتفاء عبر “البداء”، فلا تتحقق ولا تكون. قد يظهر الإمام قبلها، ودون وقوع شيء منها! فإن قيل: ماذا عن أصل الظهور واحتمال أن يطاله البداء أيضاً؟! أُجيب بأنَّ هذا ممتنع، لأنَّه مما قضي في أُم الكتاب، بينما متعلَّق البداء يقع في دائرة المحو والإثبات ويكون في نطاق المقدَّر المتغيِّر المتبدِّل. من هنا قد يظهر المهدي المنتظر بلا علامات تتقدَّمه وحوادث تسبقه، كما قد يأتي الموت فجأة، دون اعتلال ومرض، ينام المرء في فراشه، فلا يفيق إلا على صوت الملكين يسألانه عن ربه وإمامه! كذلك قد يقع الظهور ويكون!

    وبعد البغتة والفجأة، ستلحق فتن وتتبع بلاءات، في طليعتها التثبُّت من الدعوى والإصابة في تحديد شخص القائم، هل هو المنتظَر حقاً؟ أم هي حلقة جديدة في سلسلة الدعاوى الباطلة والمزاعم الكاذبة؟ ولن تكون الفتنة هذه المرة على غرارها في الناووسية والفطحية، والتويزرية والسنوسية، والباريلية والقاديانية، والبابية والبهائية، ولا جهيمان وأحمد قاطع… بل ستأتي أشد وقعاً وأبعد خطراً، تتناسب مع تنامي الفكر البشري وتطوُّر وسائل الإعلام، وتغيُّر حتى الطبائع والغرائز في أشكالها، بما يمنع إدانتها ويزيل قبحها! فالغرور والكبر يلبس اليوم حُلَّة الثقة بالنفس، والإمعية و”نزعة القطيع” تتدثَّر بالفاعلية والانتاجية التي لا تتيسَّر إلا عبر الالتحاق بالجماعة، بعد نبذ الانعزال ورفض القعود والسلبية، بل حتى الكفر والزندقة صارت تتبرأ من الجحد، وتصرُّ على دعوى الدين والانتساب للإيمان، تزعم أنها صيغة حديثة له وقراءة جديدة فيه! ولعمري، فإنَّ نفس جريمة انتحال المهدوية، لم تعد بادعائها، فها هي تقع بتقمُّص مقام الإمام وممارسة ولايته والتمتع بصفاته بعد ألقابه، دون حمل اسمه!… هكذا ستكون المرتكزات الراسخة في النفس، والمعايير المتأصلة في الوجدان والحاكمة على السلوك والغالبة على الطبع، وبتعبير الحديث والزيارة، “الولائج” الملازمة له واللصيقة به، هي البلاء الأعظم والفتنة الأخطر. ترى الإنسان  يُخضع لها كل نداء يبلغه، وراية يشهدها وحادثة يواجهها، يحكم من خلالها ويقيِّم الأمر بميزان نصَبه من تلقائه، وضوابط وضعها لنفسه، ومعايير تطبَّع عليها، يحدِّد من خلالها الموقف من المهدي القائم حقاً أو من مدَّعي الإمامة ومنتحل الصفة…

    دع عنك الفتن العامة والبلاءات الشاملة التي ستطال كافة الناس ومنهم المؤمنين، من قبيل طلب الدعة والراحة والميل للأمن والرفاه، وبالتالي مقت القيام وبغض القتال، فهو ـ على أي حال ـ كُرهٌ وعناء، وفي الحديث “أنتم اليوم أرخى بالاً منكم يومئذ، قالوا: وكيف؟ قال: لو خرج قائمنا لم يكن إلا العلَق (الدم) والعرَق، والنوم على السروج، وما لباس القائم إلا الغليظ، وما طعامه إلا الجشب”. ومثل تعصُّب الرجل لقومه وانتصاره لقبيله، أو ما تشرَّب به من الحسِّ الوطني والحميَّة لبلده ومنطقته، مما نشأت عليه أجيال متلاحقة، أنشدت له وغنَّت، تباهت به وتفاخرت، حتى سكن وجدانها واستقر في ضميرها… كيف عساهم أن يتفهَّموا المساواة أو الأُممية التي سيأتي المهدي بها؟ حين يولَّى عليهم منحدِر من طبقة وضيعة عندهم، أو سليل قبيلة لئيمة الحسب في قاموسهم! أو يُؤمَّر عليهم ابن بلدة معادية أو منافِسة لبلدتهم، دون أن تسري بينهم همهمة الكبر والاستعلاء: “أنؤمن لبشر مثلنا وقومه لنا عابدون”؟!

    دع عنك هذا وذاك، وتعال إلى الاختبارات أو الابتلاءات “الخاصة” التي سيقع فيها أفراد أو فئات بعينها، جماعات وأحزاب سياسية، تيارات ومدارس فكرية، تأخذها متبنياتها وتقودها توجُّهاتها وتنتهي بها أهواؤها، إلى مواضع ومواقف لا ترتضي حركة المهدي صلوات الله عليه… فيكون الهلاك!

    في الظهور الشريف قد تنتكس أعراف وآداب وأخلاق نحسبها من المسلَّمات، يُعمل المولى ولايته التشريعية فتتبدَّل معالم من الدين نعدُّها من الأُصول، وتنسخ أحكام نصنِّفها في الثوابت، ويتغيَّر شكل ومضمون القضاء، ولن تعود المواريث كما نعرفها، بل قد يضاف في القرآن، وتنقلب فئات ويندثر أقوام… الأصل الوحيد الذي سيبقى محور الدين، وقلبه النابض، وجوهره الزاهر، وسنامه الأرفع، هو الإمام من آل محمد… مَن لم يوطِّن نفسه على ذلك، حتى يطيع الإمام وإن ألغى الصلاة والصيام، أو جعله في شعبان لا رمضان! ويمتثل له وإن أمر برمي المصحف بالسهام، وينفِّذ قضائه وإن حكم بالتفريق بينه وبين زوجه، ومنعه من ميراث أبيه… ولم يترسَّخ ذلك فيه، سيلحق الأشقياء ويسقط في الامتحان، وتأكله في الدنيا قبل الآخرة النيران.

    يتبع…

  • أسبغ المؤمن وضوءه وتهيأ للصلاة، انتصب واقفاً، صفَّ قدميه وتوجَّه نحو القبلة، فرغ من الأذان، تقدَّم بالدعاء لإمام الزمان، ثم شرع في الإقامة، راح يحدر فيها بعد تأنٍ كان فيه، وما إن أتمَّها، وأخذ يستحضر النية ليشرع في تكبيرة الإحرام، حتى تعرَّض له واستوقفه سائل!.. تدبَّر شيئاً، فرأى أنَّ تجاهله والمضي في الصلاة يخدم تشتيت فكره وينال من خشوعه، ولا سيما أن “العارض” الذي سدَّ عليه الأفق، كان دمث الأخلاق، حسن الوجه والهندام، وبدا طارقاً غريباً، فكَرِه إهماله واستثقل تجاهله، وآثر التوقف والنظر في ما يريد. قدَّم الرجل سؤاله على وجه لم يتبيَّن فيه الاستفهام من الاستنكار؟ ولكن الظاهر المؤكد كان غرابته في مناسبته وغموضه في داعيه ومقتضيه؟! كان السؤال عن الحكمة في اتخاذ الكعبة المشرفة قبلة؟ وكيف لم “يتفطَّن” الشارع المقدَّس إلى ذلك من البداية، حين توجَّه المسلمون في صلاتهم لثلاث عشرة سنة تجاه بيت المقدس؟! وقد حمل سؤاله وأخذه إلى غير نطاق، وتمادى فيه وتوسَّع حتى ألقاه في دوامة “النسخ” في الآيات القرآنية وفي الأحكام الشرعية، ولازمة ذلك من شُبهة سبْق الجهل والعياذ بالله، فإذا كان الله يعلم الغيب ويقف على مسار الأُمور والطرُق التي ستقطعها، وقوفه على مآلاتها ونهاياتها، كيف غاب عنه ما سيعرض لبعضها، فأمر بخلافها، حتى اضطر بعد حين إلى نسخها وتغييرها؟!

    انصرف المصلي أو كفَّ وأحجم عن صلاته، ودخل معه في حوار وسجال، يحسب أنه يخدم العلم وينصر الحق، فالرجل يسأل، لا يحمل عصاً ولا يشهر سيفاً، يقدِّم دليلاً ويطلب دحضه ونقضه، ليس إلا! هكذا ردَّ على من خطَّأه وأعاب عليه خطوته، ولما قيل له: هلَّا استمهلته حتى تفرغ من صلاتك وتنفتل عنها، لتجيبه أو تحاوره؟ قال: ما كنت أُطيق ذلك، لقد فعل فعلته، وأذكى في نفسي ما سلبها التركيز والخشوع، وشغلها عن أي شيء غير التوجُّه إليه وإجابته!

    القصة حقيقية، وقعت قبل حين في الكويت، وما زالت نظائرها تتكرَّر بشتى الأشكال والصوَر، كلُّها تصبُّ في زرع الشك في نفوس الشباب، وترفد غرس اللبس والارتياب، وما يصرف المؤمن عن الطاعة ويقطع عليه سبيلها!.. لم يكن السائل في واقعه إلا طائفاً من الشيطان مسَّ المؤمن المصلي، صرفه عن عبادته، وأنبت الشكَّ في طاعته. والشياطين ليست أشباحاً ظلامية لها أذيال تنتهي بسهام، تحمل حِراباً ذات ثلاث شُعَب، ولا هي غيلان تعيش في الغابات أو تستوطن المغاور والكهوف في سفوح الجبال، تنتظر الليالي المقمرة لتهجم على البشر وتمتص الدماء من أعناق الحسناوات، فيتحوَّلن إلى أبالسة يغوين الصلحاء! إنَّ للشياطين قدرات خارقة وإمكانيات مذهلة، ولا سيما في التشكُّل و الظهور في هيئات وأبدان مختلفة، بل هناك شياطين من الإنس كما الجن، بشر أسوياء في الخلقة، باعوا أنفسهم لقوى الشرِّ، ومكَّنوها أن تسكنهم وتسخِّرهم، يظهرون للناس بعمائم وهيئات رجال دين وعلماء… المحزن المؤلم هنا، أنَّ الضحية بات في لوثة، أُصيب بداء ملازم وسقم مقيم، فقد أذاقه الشيطان لذَّة الانتصار، أوهَمه أنَّ احتجاجه أفضى إلى تغيير بعض قناعاته، وأنَّ الحوار أخذه إلى مراجعة أفكاره ومعتقداته، فصدَّق المسكين “طاقاته” وآمن بـ“قدراته”، سقط في العُجب وتمكَّنت منه الثقة بالنفس، زرعت فيه شغف ملاحقة البدع والمحدَثات، وهوى الخوض في المحاورات والمناقشات!

    هكذا يفعلون في جبهة الولاء، وهذا ما يجري في ميدان الصراع، ويدور في الحرب المستعرة بين الأصالة الموروثة والحداثة المبتدعة… هناك معارف دينية ثابتة ببراهين وأدلة أقوى من الجبال الراسية، وعقائد ولائية راسخة منذ مئات السنين، باتت وجدانيات ماثلة في كل نفس، تناقلها الشيعة جيلاً بعد جيل، وتوارثوها كابر عن كابر، تعاليم نورية، تشرق باليقين على قلوب المؤمنين، ترفد بنيتهم الروحية، وتأخذ بأيديهم في التكامل والسمو والارتقاء، نحو بلوغ الهدف من الخلق “وما خلقت الجنَّ والإنس إلا ليعبدون”، أي ليعرفون… إنهم يعرِّضونها اليوم للشك والارتياب، ويثيرون ما يجعلها في معرض السؤال وطلب الدليل، بحجة التثبُّت والتحقيق! ومع الأسف الشديد، يطل علينا بعض السذَّج المستغفلين، يطالبون بمجاراة هذه الدعوات، والذهاب مع أربابها لهدايتهم و“إقناعهم”، وفي الأقل سذاجة واستغفالاً، لإتمام الحجة عليهم! ولا بصير يقول: لتبكيتهم وإفحامهم وإلقامهم الحجَر وسدِّ أفواههم!

    ليست دعوة لقطع الحوار ولا سعياً لرفض الدخول في مناظرات ومحاججات، بقدر ما هي رغبة في الوعي واليقظة، وإصرار على الأخذ بالذكاء والتمتُّع بالفطنة، تحديد المداخل في الحوار والمخارج منه، ورسم صورة للأهداف والأغراض من ورائه، فلا يكون في المعلوم من الدين بالضرورة، ولا يجري في المفروغ عنه الذي أُشبع في محلِّه واستوفى حاصله، فاستقرت الطائفة وتسالمت عليه… فإذا لم يستوفِ الشروط، وكان أقرب إلى الجدل العقيم، كان الصواب في الامتناع عنه، وعدم الدخول والخوض فيه! وهذا كتاب الله ينبِّه وينوِّه، “سيقول السفهاء من الناس ما ولَّاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها (إلى قوله) ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض”، هذا خطاب قرآني بليغ يصوِّر المشهد، ويرسم خارطة الطريق، أو يضع خطة العمل في معالجة القضية، فلا يقعنَّ أحد في أوهام تأتيه من غفلته وحسن ظنه، ولا يغترَّن من السائل بحسن طلعته ورجوح فكرته، ولا يُستدرج بـ ”علمية” أُطروحته وكثرة أدلَّته، فأنت لا تجد دعوة باطلة ومقولة ضلال تخلو من حجة واستدلال؟! لكنَّ الأمر في حقيقته وواقعه لا يعدو من الأعداء السفاهة، ومن أهل الحق العلم بانتفاء التأثير وانعدام الفاعلية، فلا الحوار سيجدي ولا الاحتجاج سيُقنع، فكلٌّ سيلحق في النهاية دينه، ويبقى على معتقده وملَّته، فلا يظنن ساذج ويحسب أنَّ في الحوار عظيمَ فعل وأثر! إنَّ هذا الخطاب الحاسم، والمصادرة التي عمد إليها القرآن الكريم، ليست ـ بطبيعة الحال ـ عجزاً عن المقارعة بالحجة، ولا هو تطرُّف وحدَّة وغلظة، بل هذا هو النهج السوِي والأداء الفطن الذي يناسب الحال والمقام، ويقطع الطريق على استدراج وإغواء الخواص والعوام.

    والحال هنا مثله في سابقه، ليست دعوة للتقوقع والانعزال، ولا هرباً من الميدان وفراراً من النزال، بل إرجاعاً للأمر إلى إطاره الصحيح، وإعادة للتبويب والتصنيف، بما ينزل الأشياء في مكانها ويضع الأُمور في نصابها. فالحوارات العلمية والمناقشات الاستدلالية محلُّها الحوزات والمحافل العلمية، فإذا تداولتها الأقلام وسارت بها الأفلام، في وسائل التواصل الاجتماعي، ولاكتها الألسن في الدواوين والأسواق، كانت حرباً إعلامية ومعركة دعائية، ولهذه أسلحتها وأحكامها المختلفة عن تلك. إنَّ الحوار في القضايا العلمية في وسائل التواصل وقنوات الإعلام، هتك للعلم وابتذال، وكيد من الشيطان واستغفال! لا يتصوَّرن أحد أنَّ باب التشكيك وزرع الريبة بحجة طلب الدليل والتحقيق، وذريعة الدراسة والتدقيق، يمكن أن يغلق يوم، ولا أن يكفَّ الضلاليون عن الكيد والاحتيال، وما يشغل المؤمنين ويلهيهم، بل يصرفهم عن دينهم ويقطعهم عن المعارف الإلهية التي يملكون والكنوز التي يحملون… هذا صعلوك في لندن يقدِّم “أدلَّة” على إسقاط الخمس، وآخر على ضرورة هدم المرجعية وإبطال التقليد، ومجهول مندسٌّ في قم، ينكر حديث الخيط، يقول إنَّ التاريخ لم يضبط هزَّة أو زلزلة وقعت في المدينة المنوَّرة في تلك الفترة، وآخر يشكِّك في شخص أم المهدي السيدة نرجس، ينفي أنها حفيدة ملك الروم ومن نسل شمعون وصي عيسى، لأن القيصر في تلك الحقبة، على ما في التاريخ، كان في عمر الطفولة! تماماً كما سبق أن شكَّك الهالك فضل الله في ردِّ الشمس، وقدَّم الدليل من خلو التاريخ عن تسجيل اضطراب فلكي كوني، يُفترض أنه وقع لمَّا عادت الشمس إلى مكانها في الظهيرة بعد أفولها في المغرب، وشكَّك آخرون من هذا النسيج في نبوع الدم من تحت الحجر ومطر السماء في يوم عاشوراء دماً…

    فيا للتاريخ ويا لإنصاف الأقلام التي دوَّنته! قد يجهل بعضهم حجم الحقد ودرجة النصب والإرصاد في كتبَة التاريخ، وما كان من السلطات الغاصبة المعادية لآل محمد، وكيف تعاملت مع فضائلهم… فهو حديث عهد بالتشيُّع، لم يعرف أجواء الاضطهاد الطائفي والحصار والتضييق الذي لازم الشيعة على مرِّ العصور، ولم يدرك نوع الملاحقة ودرجة التنكيل، ولم يستشعر طبيعة الكيد الذي قاساه أئمة الهدى وشيعتهم، من شِعب أبي طالب، إلى سبعين ألف منبر يسبُّون علياً لعقود متلاحقة، حتى نشأ عليه الصغار وتوارثته الأجيال! وإرصاد لكل من يروي فضيلة لأميرالمؤمنين، وسيل جارف من الاختراع والوضع الذي جعل لمدينة علم رسول الله أساساً وسقفاً وحيطاناً، لمَّا كان عليٌّ باباً لها! مروراً بالاضطرار لدسِّ رقاع الاستفتاءات الموجَّهة لأئمة الهدى وحمل الحقوق الشرعية في خوابي الخل وجراب السمن وزقاقه، وما تضيق به مجلَّدات إن أردت الإحصاء وتعداد الأرقام وجرد وسرد الشواهد… قد تخفى هذه المحن والآلام على المستبصر المستجد، لأنه قضى حياته الدينية وعاش التزامه بعقيدته وولائه للصحابة وادعاً فاكهاً، في رفاهية لا يعكِّر صفوها إرهاب فكري ولا قمع تكفيري، وأدنى ذلك أنه لم يُحرَم امتيازاته المدنية وحقوقه الوطنية لأنه يحمل اسم عبدالحسين أو عبدالزهراء!.. ولكن هل لنا أن نلتمس له العذر وهو يعيش التسجيل المعاصر للتاريخ ونحن في عهود الديمقراطية وحرية الرأي؟ ثم العجز عن المقايسة والمقارنة بما كان عليه الحال في عصور الظلام والاستبداد؟! إنه يرى بأُم عينه آلية التغطية الإعلامية، ومن بعدها التدوين التاريخي، وتعمُّد إهمال ظُلامات المجازر والتفجيرات الإرهابية التي فتكت بالشيعة، ويشهد بالحسِّ والوجدان دون الحاجة لدليل وبرهان كيف تكون تغطية أحداث حراك شعبي بأعداد كاسحة ونهضة جماهيرية جارفة، كالزيارة الأربعينية، تصمت عنها القنوات وتعمى الفضائيات وتخرس الصحافة وتغصُّ بسيل بشري من عشرين مليون نسمة ينحدر نحو كربلاء؟! هل تريد لهؤلاء أن يسجِّلوا رجفة المدينة لخيط حرَّكه الإمام الباقر بأمر أبيه زين العابدين؟! أو تتوقع من أضرابهم وأسيادهم الإنصاف في تدوين ما يخدم معارف الحق، فيثبتوا ما يحقق قول الشيعة ويربط على قلوبهم في عقيدتهم بوالدة المهدي الذي سيهدم عروش الظالمين ويقوِّض ملكهم وسلطانهم؟ من هوان العلم وضياع الإنصاف أن يتهاوى قدر التحقيق في علوم آل محمد حتى ينبري له أغرار صغار، ويُجفى كلُّ مسنٍّ في حبهم، ويُزوى كلُّ كثير قِدَم في أمرهم! فيستدل باحث مترف أو محقق مجحف، أنَّ التاريخ لم يذكر شيئاً عن معجزة لآل محمد، فيمسحها بمداده الأسود، ويطمرها بجهله، ويجحدها بدفين ما استوطن اللاشعور في وجوده!

    لم يغلب العجز، والعياذ بالله، الله ورسوله، حتى قطع المفاوضات مع الكفار، وردَّ المناورات إلى مصادرها، وختم الحوار وأنهاه بقوله تعالى “قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد، لكم دينكم ولي دين”… لقد استنفذت مقولة الحوار والاحتجاج وسعها، وأفرغت طاقتها، ونفد مخزونها، وما عاد هناك إلا المباهلة والقطيعة! هذه حقيقة على الإخوة المثقفين إدراكها، والكف عن إشغال الساحة وإلهائها بملاحقة سراب لا يروي عطشاً ولا يطفئ شوقاً وشغفاً، تشكيكات المضلين لن تنتهي، وشبهاتهم لن تتوقف، والإجابات التي يطلبونها مبذولة في كتبنا، متوفرة في حوزاتنا، فليرجعوا إليها إن كانوا طلاب حق.

  • تتشعَّب الحرب بين الحق والباطل وتتوزَّع على جبهات، بعد المعركة العلمية، الكلامية والفقهية، هناك معركة ساخنة وحرب طاحنة على الاستحواذ الجماهيري وتحقيق الأكثرية العددية… “الرواديد” في الواقع الشيعي الأصيل، في الأوساط الولائية الحقة، وفي منظومة الشعائر الحسينية المقدَّسة، هم رجال هذه الجبهة، عناصر التعبئة والتحشيد، وجنود الاحتواء وعوامل الجذب الشعبي. يقابلهم في الأحزاب والتيار الحداثي، صعاليك الصحافة ومرتزقة الإعلام وناشطو التواصل الاجتماعي، أولئك يكثِّرون السواد في المجالس والحسينيات، يروِّجون العقائد الإيمانية ويربطون على القلوب ويرسِّخون ما يثبِّت الحالة الولائية، وهؤلاء يزرعون الشك في العقائد ونزعة نبذ الثوابت، يجمعون الحمقى حول الأحزاب، يرفدون المحافل السياسية بالمستغفلين، يسوِّقون مقولات الزيدية وأفكار شريعتي والدعوة والإخوان المسلمين.

    تعتمد الشعائر الحسينية وتقوم على ركائز مكينة، وتنطلق من أسس تضرب في أعماق المذهب الحق، من قبيل حديث أبي هارون المكفوف، قال: قال أبوعبدالله عليه السلام: يا أبا هارون أنشدني في الحسين. قال: فأنشدته فبكى. فقال: أنشدني كما تنشدون ـ يعني بالرِّقَّة ـ قال: فأنشدته: امرر على جدث الحسين فقل لأعظمه الزكية. قال: فبكى، ثم قال: زِدني. قال: فأنشدته القصيدة الأُخرى، قال: فبكى، وسمعتُ البكاء من خلف الستر. قال: فلما فرغت قال لي: يا أبا هارون مَن أنشد في الحسين شعراً فبكى وأبكى عشراً كُتبت لهم الجنة… إلى أن قال: مَن ذُكر الحسين عنده فخرج من عينه من الدُّموع مقدار جناح ذُباب، كان ثوابه على الله، ولم يَرضَ له دون الجنة. ونظيره عن أبي عُمارة المنشد، وعن عبدالله بن غالب، وهو الذي قال له الصادق عليه السلام: إنَّ ملَكاً يلقِّنك الشعر، وإني لأعرف ذلك الملَك. وقد يكون هؤلاء هم أوائل مَن امتهن الرثاء والقراءة الحسينية، وقل إن شئت أوائل الخطباء و”الرواديد”. وفي الأحاديث ما يفيد أنَّ الإمام بذل المال للقرَّاء الحسينيين، وعمل على تكفُّلهم وتأمين حاجاتهم… ففي الكافي الشريف رواية كاشفة عن عناية الصادق عليه السلام بأبي هارون، فما زال يتفقد حاله في كلِّ موسم، وقد منحه ثلاثين ديناراً يتخذ بها خادماً يقوده، ثم خمسة وعشرين ليشتري جارية، مما يثبت مشروعية المهنة، وترغيب الإمام وحثه عليها…

    هكذا تأسست المجالس بشكلها الحاضر، مُنشد يرقى فيرثي، وحضور ينتحب ويبكي، ومنها انطلقت بقية الشعائر الحسينية وتبلورت صوَرها وانتظمت أنماطها، على عين الإمام صُنعت، ألقى عليها محبة منه، واصطنعها لنفسه ليبلِّغ رسالة ربه. ولنمائها ندب ولازدهارها حبَّب، وبذل أغلى الأُجور والأثمان، حتى جعل البكاء كفيلاً بمحو الذنوب، صغيرها وكبيرها، قليلها وكثيرها، وكان خروج دمعة بقدر جناح بعوضة، يوجب غفران الخطايا ولو كانت مثل زبد البحر. ومن الرثاء والبكاء، والجزع والافتجاع، وما تفرَّع عنه وعاد ليرفده ويصب فيه، كانت الشعائر التي تميَّز بها الشيعة عن باقي الفرق الإسلامية، وارتسمت معلَماً صار، في مقام الظهور والممارسة، الأكبر والأخطر في المذهب… تفرَّغت شريحة اتخذتها مهنة، تأسست حسينيات وهيئات ومواكب، أُوقفت أموال وأعيان وأملاك، وقامت مدن وتجارات وأسواق، وطرق ومطارات تربط الشيعة وتجمعهم في مواسم ومناسبات, حتى باتت منظومة متكاملة في الوجدان الشيعي، لا يزيحها شيء، وعنواناً ثابتاً في هوية التشيع لا يتغيَّر بعارض أو طارئ.

    عرف العدو أنَّ مساعيه في حرب الشعائر، ناعمة كانت عبر مقولة التطوير والتحديث وهراء الإصلاح والتنزيه، أو عنيفة جاءت بالقمع والاضطهاد والتنكيل والتضييق، لن تجدي نفعاً ولن تغيِّر شيئاً… وأنَّ السبيل الوحيد هو التوغل والنفوذ في جسم الشعائر، والعمل من هناك على تفتيت بنيتها وهدم منظومتها، ولا سيما عبر النيل من أصلها وإفراغها من جوهرها ومسخ حقيقتها، أي البكاء! والسد الأول الذي يقف في وجه هذا الاعتداء ويمنع هذا الاختراق، هم “الرواديد” والخطباء، شريحة الراثين والمنشدين ومن ورائهم الشعراء، وفضلاً عن الدوافع الدينية، فإنَّ الرثاء صنعتهم والإبكاء بضاعتهم، ولن يفرِّط عاقل برأس ماله…

    من هنا توجَّه العدو إلى هذا القطاع، لعب فيه على الأهواء، ولا سيما حب الشهرة والمال، ووجَّه سهامه إلى أعلامه من أساتذة الصنعة والمعتقين في الخدمة، دسَّ بينهم أدعياء مزيفين، وزرع طارئين متطفلين. ومضى بمكْره، حتى إذا توغَّل ونفذ، وأرسى صغار أبالسته في الساحة، وثبَّت وجودهم في الحقل… زرع آفة المنافسة الدنيوية، وأذكى داء المغالبة، سوَّغ اللهث وروَّج التسابق على حطام الدنيا، من مال وشهرة، وراح في كل ما يزري بالإخلاص، وينال من النية ووقفها على القربة! هكذا تمكَّن من إفساد الأصل الذي قامت عليه هذه المنظومة الربانية، أي طلب الأجر الأُخروي ونيل رضا أهل البيت، واستطاع إفراغها من محتواها، أي البكاء والرثاء والذهاب بها إلى السياسة والغناء، وما خلَّفها خاوية جوفاء!

    بدأت الأزمة العملية في الشعائر الحسينية مع انحراف شريحة “الرواديد” والخطباء، وأول ما وقع ذلك وجرى كان في البحرين، مهد الولاء وموئل العزاء، التي كانت تحسب تالية كربلاء، كما كان يطلق على القطيف النجف الصغرى، هذه لحوزتها وعلمائها، وتلك لوفائها وإحيائها الشعائر! عُزل الأُصلاء ونبذوا بالإرهاب الفكري وسطوة الأحزاب، وصار الأمر إلى الصبيان، الذين عمدوا إلى إفراغ الشعيرة من الرثاء والافتجاع، وقلبها إلى مواعظ بالية، ونشاط اجتماعي تافه، وسياسي قذر، يسعى لتسجيل الأرقام في موسوعة غينس، ويدين تسريحات الشعر على طريقة المارينز، ويمجِّد الجهاد في البوسنة والهرسك، ويلعن إسرائيل ويتوعَّدها. مسخوا العزاء جوهراً ومضموناً، وشوَّهوه شكلاً وطريقة! راحوا يلطمون بإيقاع نشاز على وقع أشعار لا علاقة لوزنها وقافيتها باللطم، ما أزرى بالشعيرة على الصعيدين، وما زالوا في هذا حتى أتلفوا الحس والذائقة العامة!

    نحن نعرف جيداً خصوم الشعائر الحسينية الجبناء وأعداءها الألدَّاء، أهل الحنق والغيظ على الرثاء والعزاء، ونعرف سر نهضتهم ضد “الرواديد”، سواء من العلمانيين أو الحداثيين كانوا، أم من المتخشبين الأغبياء، مصححي الحديث، الذين لم يسمع لهم صوت يدين تضييع البكاء، وإتلاف محتوى الشعائر وقلبها إلى طقوس سياسية وأنشطة اجتماعية! وهنا وقفة ضرورية: مَن أراد أن يفرض احترامه في هذا الحقل، ويُسمع لأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، فعليه أن يحدِّد موقفه من أقطاب الضلال وأحزابه، ومن المرجعيات المزيفة، وإذا كان أقصى الموقف ونهايته هي المواجهة والتصريح، فإنَّ أدنى مراتب ذلك هو الوضوح، وهذا مطلوب في سائر القضايا المصيرية التي تستهدف المذهب والطائفة، ولا سيما إخضاع الحوزة والمرجعية لسلطة الدولة… أما أن يُبقى ذلك في المواربة والغموض ويكتفى بمهاجمة “الرواديد” فهذا غير مقبول، وإن احتجَّ أحد بالتقية، فعليه أن يُعملها هنا أيضاً ويكف عن التدخل، فقد خلق الله للحروب رجالاً، ورجال لقصعة وثريد. إن عرض الاستدلالات الحوزوية وتداولها في مواقع التواصل، مما عمد إليه أحدهم، فنقل كلاماً للوحيد البهبهاني، لا يخلص القارئ إلى مؤداه من فرط اضطرابه في فهم العوام، الذين لن يستفيدوا من “ربما” و”لعل” وأُحجية إرجاع الضمائر! ما هو إلا التشكيك وحيلة العاجز! ولربما تشويه رأس الأصوليين وهو يعرضه بهذا الخطاب المضطرب؟ ولو تدبرت في المشهد وتعمَّقت، لوقفت على سرِّ هذا الأداء، وهو أنَّ الرجل لم يخدم في حسينية، ولم يشتغل في هذا الحقل، فهو لا يعرف مكمن الداء وموقع المعضلة في الأزمة!

    هناك فرق جوهري في موضوع النزاع، يخلط بين الغناء والتغني، وبين الكيفية اللهوية وما يناسب مجالس أهل الطرب… إنَّ المرفوض من “الرواديد” هو محاكاة مجالس الفسقة والبطَّالين، وما يزري بحرمة المجالس الحسينية ووقارها، أما نقل الألحان أو الأطوار مما هو مشترك بين الغناء والرثاء، أو مُدرج في المشكوك، فقد أفتى بعض المراجع بجوازه. النقطة الأُخرى هي القفز على البحث في اللائق المناسب، وصبُّه على الجائز المباح أو المحرَّم المحظور! حتى لو جاز التشبه بثياب الغربيين وتقمُّص شخصية دوق ادنبرة، وقلب ندبة الحجة غناءً (مباحاً بفتوى نكرة!)، وجاز الإنشاد بالأسبانية وتوظيف الأغاني الهندية، واعتبارها من اللحن المشترك، فهل يليق هذا بعنوان خادم الحسين، أو بخفر المناسبة وخطر الموضوع؟ هل يليق ذلك بمؤمن ملتزم من سائر الناس، ناهيك بالجنود المرابطين في جبهة الشعائر وثغر الإعلام الديني؟! وماذا عن الأداء الراقص؟! إذا جاز توظيف اللحن المشترك، فهل يليق بخادم الحسين محاكاة خدَر المغنين ونشوتهم التي تظهر في الاهتزاز والتمايل طرباً، والزَفْن والقَلْس، وتخضُّع يوحي بالسكر؟ ومن الغريب الملفت، أن يجتمع هذا التميُّع والتفريط مع نظيره النوعي في الأداء المتهتك الذي قوَّض العزاء في البحرين، ويلتقي في أشخاصهم وكأنهم مشروع واحد!

    إنَّ النظرة التجزيئية، التي تقتطع مشهداً من مجموع، وتحاكم أداء “الرادود” على نحو مستقل، ينظر إلى حادث بعينه منفصلاً عن خلفياته وجذوره، تبتره عن علله وأسبابه، وتقطعه عن روافده ودواعي استمراره.. هو خطأ فادح يظلم الشعيرة، ويظلم الرادود الناهض بها. كما أنَّ كلمات الحق التي تنادي بالصورة النموذجية للعمل، والحالة المثالية للعبادة، فلا يبذل في المواكب وينفق على المجالس إلا من مال طاهر مخمَّس، ولا يحضرها إلا ملتزم، ولا يرقى المنبر إلا العلماء الفضلاء، ولا ينشد إلا بضوابط صارمة… نتيجتها الأولى هي سقوط العزاء الحسيني عن الحالة الشعبية التي تحقق الشعائرية، وتحولها إلى أداء نخبوي خاص.

    لا يخفى على أحد أنَّ “الرواديد” ـ نوعاً ـ هم من عوام المؤمنين البسطاء، ليسوا من أهل العلم والفضل ولا الثقافة والمطالعة، لا يملكون شيئاً على هذا الصعيد، اللهم إلا ما تلقوه من المنابر والمساجد (هذا لأهلها منهم، وإلا فأغلبهم لا تراهم تحت منبر ولا في صف جماعة!)، كما أنهم ليسوا من أهل السير والسلوك، ولا خاضوا دورات في تهذيب النفس ولا تلقوا دروساً في الأخلاق، ولعلهم لم يطالعوا في جامع السعادات ولا حتى مرآة الرشاد! إنهم ببساطة فتية يتميزون بالصوت والأداء، ارتهن بعضهم طلب المجد والشهرة والمال، كما فعل وكان في جملة من الناشطين في وسائل التواصل، وفيهم طلبة علم ومعممين! يطلون على الساحة بطلعاتهم الغبية كلما فتحت الهاتف الذكي، لم يتركوا جحراً إلا دخلوه، ولا موقعاً إلا ولجوه.

    اخترق العدو جبهتهم، فقابلهم بعض هؤلاء بالمثل! نفذ الحداثويون في المآتم والحسينيات وسيَّسوا الحقل الديني، فعمد “الرواديد” إلى أساليبهم وعمدوا لاستعمال أدواتهم وتوظيف وسائلهم، وكل ما يجذب الشباب ويكثِّر الشعبية والسواد! “الرواديد” فئة من عامة المؤمنين، ممن نطق لسان دعاء أبي حمزة فينا وفيهم، سوَّلت لهم أنفسهم وأعانهم على ذلك شقوتهم وغرَّهم ستر الله المرخى، وحصانة عنوان خدام الحسين، فأسرفوا وأغرقوا، وتمادوا وبطروا… كانت المقارنات التي تعقد بين صوت هذا “الرادود” وذاك المطرب، في الطبقة والقوة، وفي العذوبة والجمال، ثم في الأداء والقدرة، هي المدخل الذي أذكى الهاجس في ضعاف النفوس، وباتت حمّىً تنتاب بعضهم، وداءً يلازمهم، وصار أحدهم يعيش في خياله ما يوسوس به شيطانه، أن لو كان مطرباً لكان من الشهرة والثراء أضعاف ما هو عليه!.. هكذا بدأ الانتقال إلى الاستديوهات والاستعاضة عن المجلس واللطامة والمستهلات بإيقاعات ألكترونية ومؤثرات صوتية، وبلغ الأمر أن تحوَّل المجلس الحسيني عند بعض الرواديد إلى مجرَّد قاعة للتسجيل، حتى صار يعقد فيها “بروفات”!وانتقل رهانه في الشهرة والكسب إلى الانتشار في مواقع التواصل الاجتماعي والفضائيات! لحق هذا وصحبه تمثيل وحركات بلغت التراقص، والقدر المتيقَّن أنها خرجت عن الوقار وما يليق بالحزن والافتجاع، وما يفصل مجالس ذكر أهل البيت، عن مجالس اللهو واللعب والسماع.

    ومما زاد في اسوداد الأُفق وظلمة الفضاء، أنَّ كل رادود صار يلاحق ابتداع طور خاص به وطريقة تميزه، وأن اتخذ قدوة، فمن وجود افتراضي يكوِّن له حجماً أكبر في المتابعين، وحظاً أوفر من المعجبين! حتى بات الأصلاء الذين يقودون اللطم بوقار الفاجعة ورزانة المناسبة، هم قلة نادرة، يعيشون الغربة والوحشة، والمعاناة التي تدفعهم للالتحاق بقافلة الضلال، وتستحثهم لركوب الموجة الطاغية! ومع الخلط بين هؤلاء وأولئك، والتداخل بين الأُصلاء وبين أشباههم ونظائرهم، وقع الخلط بين الثكلى والمستأجرة، المفجوع الجازع والممثل البارع! وقد تحتاج المسيرة إلى الصنفين وتفتح الشعائر باعها وترحِّب بالنوعين، إذ ليس لأحد أن يطرد داخلاً أو لاجئاً إلى خيمة الحسين، فالقضية من الخطر والضرورة، ما يستدعي كل جهد ويطلب كل فعل ونشاط، وإن كان استعراضياً متباكياً، ولكن دون خلط وتمييع يسقط الضوابط والخصائص، وعلى مَن يقدُم من خارج الوسط الديني، مطرباً كان أو ملحناً ومخرجاً، أن يعرف ويحفظ حرمة البيت الجديد، ويلتزم حدود آدابه وأعرافه وضوابط شريعته وأحكامه، لا أن ينقل الشعيرة إلى أجوائه ويمسحها بطابعه.

    لا أحد يدعي أنها أنماط منصوصة ومأثورة، أو توقيفية لا يضاف إليها ولا تتغير، لكن هناك حياضاً وحدوداً تفصلها عن باقي الحقول، على الإخوة “الرواديد” أن يفهموا جيداً ويعوا أنهم ليسوا مطربين ولا نجوم سينما أو كرة قدم، ويعرفوا الفرق بين المنبر والحسينية، وبين المسرح والملعب والسينما. الرثاء عبادة، مثل الصلاة والصيام، ومحوره ما يثير الأحزان ويستدر الدمعة ويبعث على البكاء، ومن يريد قلب العزاء الحسيني الى محض وسيلة إعلام، له أن يُنشئ سينما إسلامية أو كليبات دينية، لينسب نفسه وينخرط في أي حقل يشاء، هذا شأنه، وهو حرٌّ فيه، سيحاسب على خياره ويجازى خيراً بخير وعقاباً بِشر، فهذا كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ولكن ليفصلوا أنفسهم عن شعائر العزاء الحسيني، فما يقومون به هو شيء آخر، عمل فني، إعلامي، تجاري، سمِّه ما شئت، ولكنه ليس ولن يكون من الشعائر الحسينية!

    قد يؤخذ بعضهم بالشعبية الطاغية وأعداد المتابعين والمعجبين، التي تفوق ما يملكه العلماء الأعلام وحتى المراجع العظام، هذا ليس بدعاً ولا يعكس حقيقة أو عمقاً، بل هو مؤشر لطبيعة البشر، ففي غير حقل الدين، يعظِّم الناس المغنين وتعشق الجماهير نجوم السينما أو لاعبي كرة القدم، بينما تراها لا تقدِّر، بل لا تعرف، مَن اكتشف الأدوية التي تنقذ أرواح أبنائهم المرضى! والسؤال الكبير: كيف عسى”الرادود” أن يطيق حمل الشهرة والنجومية؟! وهو عبء لم يطقه بطل مثل الشيخ عباس القمي، الذي لم يكتب في مفاتيح الجنان عملاً إلا قام به أولاً، ألحُّوا عليه بالتصدِّي لصلاة الجماعة في الصحن الرضوي، فلما رأى حجم الجماعة، خاف على نفسه الإغواء، فانصرف وعزف! بينما “الرادود” فتى ليِّن العظم هشُّ البنية ومضعضع القوام، لا من بيت علم جاء ولا زعامة ولا وجاهة ولا ثراء ومال، ولا أي موجب أن يشار إليه وينوَّه به، وإذا به يغدو وجيهاً، بل يصبح علماً ونجماً، ولربما ملكاً متوجاً يتلهف الناس على منديل مسح به عرقه! ولا أدل على التخلف والسقوط، أن يُقيَّض لأحدهم متابعين ومعجبين بمئات الآلاف ولعلَّه بالملايين، فلا يوظِّف هذه النعمة في غرس مبدأ عقائدي أو حكم شرعي، ولا يمارس ما يعكس إنكار الذات، فيكون قدوة للشباب، يأخذ بيدهم إلى الورع والتقوى والصلاح، بل يقبع في حضيضه ويستنزل اللاحقين به، فيقلدونه في تراقصه وحركاته الإيقاعية، ويقتدون به ويتمنون التاج والمناديل الورقية، ليكون النتاج ـ غير المباشر ـ مسكين أخذته العزة بالإثم فأصر على نشر فيلم مشين له، ولسان حاله من المكابرة والعناد: ليخبط من لا يعجبه رأسه بالجدار أو يشرب من ماء البحر! وهنا تحضر صورة المرحوم عبود غفلة متحزِّماً، يتناول اللبن من زميله ليرصه على جدارٍ يبنيه، يتبلل ثوبه من العرق حتى كأنه غُسل، ثم ينشف من حرارة الشمس… وبعد، فلا أملك إلا الترحم على “صديقة الملاية” وطلب الغفران لها، فقد تركت الحقل لما عزمت على الغناء، ولم تسمح بالتداخل والتشويه، ونزَّهت مهنتها الشريفة عن لوث ما انتقلت إليه!

    ولعمري، فالمشهد يستحضر الوعي العميق للميرزا التبريزي الذي منع التصفيق في المواليد، وكيف كان يدرك أنَّ الشيطان يعمل بسياسة الخطوات، “خطوة فخطوة”، وأن الباب التي افتح على تمييع الخطوط وتداخلها مع مجالس أهل اللهو والطرب يجب أن توصد بل تُسد ببناء جدار. إنَّ نزاهة المجالس وتشخيصات الغيارى من القمم الشامخة كالوحيد الخراساني دام ظله والميرزا التبريزي قدس سره، ومن ورائهم الأشداء الذين نهضوا بالحروب العقائدية والمعارك الولائية، هي ما ينبغي أن تمضي عليه الساحة، وإلا وقعت في تشخيصات الحزبيين ومن يدور في فلكهم ويرفد نهجهم ويصب في خزائنهم. إن أي تراخٍ وتسامح على هذا الصعيد يجعلنا شركاء في مأساة تدمير الشعائر الحسينية والعياذ بالله.