• يرى بعض العلماء، وفيهم مراجع عظام، أنَّ من رسائل عاشوراء ومعطياتها الخطيرة، ما يزيح عن هذا القيام وينحِّي عن هذه الثورة وينفي أن تكون نموذجاً رُسم للعمل، وتكليفاً عاماً طُرح للاقتداء والاتباع. وإذا صرفنا البعد الغيبي والآثار البعيدة المتأخرة، وغير المباشرة المحسوسة (التي لا يمكن لغير المعصوم البناء عليها والعمل وفقها)، فما هي إلا رسالة تكشف الحدود التي يمكن أن يبلغها الطغاة، من الفتك والبطش والإبادة والإهلاك، وعبِّر بما شئت من ضروب القسوة والضراوة والعنف والوحشية! رسالة وطَّنت في نفوس المؤمنين حقيقة بطلان فكرة المواجهة، وعجز خيار القيام والصدام، فشل هذا وذاك، وأنه لن يبلغ بدُعاته وأصحابه السلطة التي تمكِّنهم من تطبيق أحكام الدين، على الرغم من دفع أبهظ الأثمان، وتكبُّد أفدح الخسائر، وتحمُّل أصعب الكُلف!

    وأبسط الأدلة على ذلك، امتناع الأئمة المعصومين ـ بعد سيد الشهداء ـ عن القيام، والتزامهم التقية، والأخذ بنهج أميرالمؤمنين في الصبر على طول المدَّة وشدَّة المحنة، وكأن الحسين بعد الحسن أبلغا شيعتهم، كلٌّ على طريقته، بأنَّ السعي هنا، سواء بالنشاط السياسي أو الفعل الثوري وإشهار السلاح، لا يجدي، مهما بلغت التضحيات، وأنَّ الأمر في نظام أهل البيت عليهم السلام موكولٌ للمهدي المنتظر على نحو الحصر والتعين. وهكذا الدليل الذي يعيشه كلُّ مؤمن في وجدانه، من صمت ولي العصر وإمام الزمان، وسكونه في مغيَّبه، مُعرِضاً عن المصائب والويلات، ومتجاهلاً الظلامات التي تجري أمامه وفي محضره، وعلى مرأىً منه ومَسمع، مما يقع في شتى بقاع الأرض ولا يوفِّر موقعاً على هذه البسيطة، و”الدنيا عنده كفلقة الجوزة في كفِّ أحدنا”، فهو صلوات الله عليه شاهد حاضر (وإن غاب شخصه وتوارى في الحجاب بدره، في ناحية تقصر عنها أيدي الظلمة وتعجز أن تناله بسوء)، لم ينهض بثورة ولا قام بجهاد لتحقيق حكم الله والاقتصاص من الجناة، ولا ظهرت منه أدنى “حركة مقاومة”. ومن نافلة القول أنَّ البحث هنا لا يشمل مسألة “الدفاع”، وما يحكم به الشرع المبين إذا دهم معتدٍ ثغور المسلمين، ولا الحالة الفردية التي يواجَه بها السارق وقاطع الطريق، في حالات الدفاع عن النفس والعرض والمال.

    وبعد هذه الرسائل، علينا أن نعي حقائق ونتنبَّه لمعطيات ماثلة أمامنا، تنادي بنا وتهتف، لكن “الحركة الإسلامية” تتعامى وتتصامم، وتأخذنا لنخوض معها مغامرات رعناء ومخاطرات هوجاء، ومقامرات حرام، لنسقط في الهلكات! في طليعة هذه الرسائل والحقائق المغفولة: أننا لا ولن نحظى بموقع ولا متَّسع في المنظومة الحاكمة على العالم، ونحن نحمل وننادي بالبديل، ونسوِّق لمشروع المهدوية المسقطة لجميع العناوين الحاكمة! لذا فلن تنقذنا القوى العالمية العظمى، ولن تسعفنا الأنظمة الحاكمة في بلادنا، سنبقى نحن وقدراتنا، وما نختزن من إيمان وورع، ونملك من عقيدة صحيحة، ونتمتع به من كياسة وحكمة، ترعى حالة الأقلية، وميل الناس إلى الرخاء والدعة، وإعراضهم عن البذل والتضحية، وتلحظ خضوع عالم اليوم لقوة عظمى و“منظومة” كبرى، مُحكمة البناء، مترابطة الأعضاء، لا فرجة فيها لأي نفوذ وولوج، ولا فسحة لأي توغل واختراق. لا حيلة لنا  غير الصبر، وليس أمامنا سوى الانتظار، ودع عنك هراء الحداثيين، الذين يفلسفون الأمر ويتأوَّلونه حين يعجزون عن مواجهته علمياً، لاستحكام الأدلة التي تدحض مقولاتهم، وقوة الحجج التي تدفع تشكيكاتهم، يهنون أمام فيض أحاديث الانتظار، فيطرحون مقولة “الانتظار الإيجابي”! تماماً كما يفعلون مع البكاء على سيد الشهداء، لا يمكنهم إنكار فضله وأجره، فيزعمون أن هناك بكاءً سلبياً وآخر إيجابياً!..

    إنَّ النطاق الوحيد الذي يمكننا الحركة فيه، هو إنقاذ الساحة الإيمانية من شرِّ هؤلاء، سواء ضلالهم الفكري العقائدي، أو فساد وبطلان موقفهم السياسي والاصطفاف المعادي للأوطان والمجتمعات التي يعيشها الشيعة عنصراً فاعلاً ومكوِّناً نزيهاً شريفاً، لا تجد في المصر أصدق منهم حديثاً، ولا أعظم أمانة وإخلاصاً، وأخذاً بكلِّ عنوان يحقق “يحببنا إلى الناس ولم يبغضنا إليهم”، وسيرة تجعلهم “زيناً لأهل البيت لا شيناً عليهم”، يحمل الناس على قول: “هكذا أدَّب جعفر أصحابه”، حتى إذا أخذهم السلطان الجائر ظلماً، شهدوا لهم وانتصروا، لا هللوا وشمتوا وأقاموا الأفراح، كما يفعلون اليوم!

    إنَّ إسقاط الثورة الإسلامية ووقف مفاعيلها المدمِّرة، أو إدارة دفة هذه السفينة العملاقة التي تمخر عباب البحر، لا تنتظر وقوداً، ولا تتوقف عند أعطال أو تعيقها أعطاب… يتطلب عملاً جباراً بعظمة الباخرة وقوتها. إنَّ القصف الخارجي والقمع الداخلي، لن يعالجا الأمر، بل يأجِّجانه، ذلك أنَّ الثورة الشيعية ليست وليدة خطط وارتباطات مخابراتية، تتفكك بالتفاهم مع رأسها واحتواء قيادتها، ولا هي صنيعة أحزاب، تتوقف وتنتهي بالقضاء على هيكلها، كما جرى مع داعش والنصرة وغيرهما من الحركات الجهادية والمنظمات الإرهابية، بل هي ابنة بيئة مظلومة مستضعفة، عاشت القهر والاضطهاد الدهر كله، وتلمست أسباب الثورة عن حسٍّ وشهود في التمييز والتحجيم، والنبذ والإقصاء، إلى جانب ما تتمتع به من فكر عميق وفقه متين، لا يمكن معالجته إلا بسُبل علمية، وفعاليات ثقافية، تحمل فكراً على ذاك الحد من العمق والغوْر، وفقهاً يضاهي ما تحمله الثورية من صلابة ومضاء، وفي ذاك السطح من المتانة والوثاقة، وهذا ما لن تجده في غير الحوزة الأصيلة والمرجعية التقليدية، التي سعت الجمهورية الإسلامية باستماتة لهدمها وتقويضها.

    وكنموذج تطبيقي، يمكن التدرُّج في عرض هذه الصحيفة…

    بعد انهيار الامبراطورية الروسية وانتهاء حكم القياصرة عام 1918، أُعلنت آذربيجان جمهورية ديمقراطية مستقلة، لكنها لم تلبث غير عامين، حتى اكتسحها البلاشفة ودخلها الجيش الأحمر، فسقطت وأُلحقت بالاتحاد السوفييتي. تعرَّض كثير من السياسيين والمثقفين المرتبطين بالجمهورية المستقلة للاعتقال والنفي والإعدام، وأخذ القمع الديني مأخذه من الشعب المنكوب، ولا سيما أنَّ السلطة السوفييتية انتهجت الإلحاد رسمياً، وأخذت إليه البلاد بالحديد والنار. والآذريون مطبقون في التشيع، متوحدون في هوية بلادهم، فأغلقت السلطة مساجدهم وحسينياتهم، وصادرت الأوقاف، ومنعت المظاهر والشعائر الدينية من صلاة وصيام وحج، وأتلفت المصاحف وأحرقت الكتب، وعطَّلت التعليم الديني بمختلف مراحله ودرجاته، من دور تحفيظ القرآن للأطفال، إلى الحوزات التي تضطلع بتربية علماء الدين، الشريحة الأكثر تعرُّضاً للملاحقة والتنكيل والاضطهاد، ولا سيما في عهد ستالين. وفي هذا السياق مُنع الحجاب وغيِّرت الأبجدية، من العربية إلى اللاتينية، ولم يبق من هوية البلاد والشعب سوى لغته المحكية، ولا من دينه ومذهبه إلا هامش ضئيل من العزاء الحسيني! الذي انتقل إلى الخفاء، وصارت المجالس تعقد في نطاق عائلي محدود، في قرى بعيدة عن العاصمة باكو، مثل لنكران ونخجوان. لكن يوم عاشوراء كان يقلب كيان الشعب والسلطة معاً! حين يندفع الناس بزخم إحياء الذكرى، وملؤهم الحرقة والفجعة، وإصرار يعصف بكلِّ واقع يريد تعطيل هذا المظهر، والتحايل على أمر مندك في فطرتهم. وهو ما لم تتمتع به الصلاة والصيام وغيرها من شعائر الله وأحكامه! وأمام الزخم العاطفي الجارف، كانت الدولة تتراجع، كونها طقوساً اجتماعية خالية من أهداف سياسية أو دعوات ثورية، والتصدي لها يخلق أزمات ضررها أكبر من نفعها!

    انحنى الشعب الآذري للعاصفة السوفييتية، واستسلم للاحتلال البلشيفي، وتعايش مع إلحاده ما يناهز القرن! حتى إذا بلغ أمده، ووافى أجله، أخذ الشعب يستعيد هويته، ويعود لجذوره، ولولا التدخل الإيراني، والشيطنة التي مارسها نظام طهران في اللعب على وتر الانتصار للعنصر الأرمني، لرأيت باكو اليوم لا تختلف عن بغداد والبصرة، ولاهور وحيدر آباد ولكنو، والنبطية وبعلبك، والبحرين والقطيف، والكويت والأحساء، وغيرها من حواضر الشيعة! لكن الخيار الإيراني الذي لا يكترث بالمذهب، وما فتئ يحمِّل الشيعة في بلادهم الثمن، عبثاً بالقضية، إفراطاً فيها وتفريطاً بها، سبَّب بطء العجلة، التي تنتظر التشيُّع التقليدي الحق، والمرجعية الأصيلة، تمتد بظلالها، وترعى هذه الأُمة المغلوبة المقهورة بنفوذ التشيُّع السياسي، ودور الأحزاب الإيرانية.

    تُرى، ماذا كان سيحصل لو أنَّ الآذريين استجابوا لدعوات المقاومة، وانخرطوا في مواجهة الروس والبلاشفة، وجاهدوا لإنهاء احتلال بلادهم وطرد عدوِّهم؟! ماذا لو قصرت باصرتهم وعميت بصيرتهم عند الكتائب والفصائل المحدودة التي دهمت بلادهم؟ ولم ينظروا ويقرأوا ما يقف خلفها من ترسانة عسكرية قهرت ألمانيا النازية وهي تكتسح أوروبا، وكبحت من بعد جماح حلف شمال الأطلسي؟ ماذا لو التحق الشعب بالمقاومة، واصطف معها بين منتسبين وبيئة حاضنة، وهم في غفلة عن قوة ردعت السلاح النووي الغربي، وقسَّمت العالم إلى قطبين يخوضان حرباً باردة لم تنته إلا بإْختراق أمني عبر غرباتشوف فكك الاتحاد السوفييتي؟ لعمري، لو لم يعمل الآذريون بالتقية، فينحنوا لهذه العاصفة الهوجاء، فإنَّ نصفهم كان اليوم في سيبيريا، يتحدث خلَفهم التترية والمنغولية والأورالية، ويحمل أحفادهم الجنسية الروسية، والنصف الآخر نزلاء قبور جماعية، ما لبثت أن زُرعت حقولاً للقمح أو بساتين للفاكهة!

    إن التحوُّل الديمغرافي وتغيُّر التركيبة السكانية لمنطقة أو بلاد، هو سياسة سلطوية مشهودة، حققت أهدافهما في فلسطين على يد العصابات الصهيونية ومَن خلفها من قوى عالمية، وجرت في البلقان عند انهيار الدولة العثمانية، فنزح أو طُرد مئات الآلاف من المسلمين، أصبحت مناطقهم جزءاً من دول قومية جديدة. ومضت خلال حرب البوسنة، فارتُكبت عمليات تطهير عرقي ضد البوشناق والصرب والكروات في مناطق مختلفة، بهدف إقامة مناطق ذات أغلبية عرقية واحدة. وفي حرب كوسوفو تعرض الألبان ثم الصرب لعمليات تهجير قسري. وكذا الحال في شبه جزيرة القرم، التي شهدت تغيراً ديمغرافياً كبيراً، لا سيما في عام 1944، حين أمر ستالين بترحيل معظم تتار القرم قسراً إلى آسيا الوسطى، بتهمة التعاون الجماعي مع القوات الألمانية، وقد توفي عدد كبير منهم أثناء التهجير أو بعده بسبب مشقات التهجير وظروفه القاسية. وبعد الترحيل، شجعت السلطات السوفييتية استيطان سكان من أصول روسية وأوكرانية في القرم، ما غيَّر التركيبة السكانية للإقليم بصورة كاملة. هكذا جرى الأمر في شبه القارة الهندية عبر عمليات نقل المسلمين إلى باكستان وبنغلادش، والهندوس والسيخ إلى الهند، كما في جزيرة قبرص التي قسِّمت إلى شطرين توزعها المسلمون والمسيحيون. وفي فترة وصول طلائع الهجرات اليهودية إلى فلسطين (أواخر القرن التاسع عشر وبداية العشرين)، وقعت عملية هجرة محدودة على الشيعة في جنوب لبنان، بدأت بسكان بنت جبيل، تحت غطاء حاجة أمريكا (ديترويت في ولاية مشيغان) لحرفيين مهرة في صناعة الأحذية! لكن هذه العمليات توقفت لأسباب مجهولة، لا أستبعد ـ شخصياً ـ يد الغيب والإرادة الإلهية فيها!

    علينا أن نتفهَّم ونعي وندرك، أنَّ تهديد التغيير الديمغرافي قائم، يتوجه إلى الشيعة والدروز والمسيحية والسنة، لا أحد منهم في منجى ومأمن، وأنَّ الأمر لا يعالج بسلاح يتمسك به الضحية، ينادي معه: “لن أتزحزح من داري أو أموت”، فقد كان الشيعة يقفون على أرقام وأحجام خيالية من السلاح، تم تدميرها وهي في المخازن والمستودعات، ولم يتح لأصحابها التقاط أنفاسهم، ناهيك بحملها والتوجه بها إلى الجبهات، أمَّا استعمالها أو تنفيذ خططهم المعدَّة لها، فقد باتت مسرحية هزلية أمام تدبير المنظومة العالمية!

    ما زال القيام والقعود، هو القضية الأولى في الساحة الإيمانية منذ كانت “شقشقة” أميرالمؤمنين عليه السلام، وما برحت القضية الثورية معضلة تتصارع فيها قيم الحرية والإباء والعزَّة والكرامة، مع مفهوم “التسليم”، وهو جوهر الدين وكنه الولاء! وعلى كلِّ مؤمن أن يحدِّد موقفه هنا، ليكون مع إمامه، لا قبله ولا بعده.

    في حديث سُديْر الصَّيْرفي قال: [دخلت على أبي عبدالله عليه السلام فقلت له: والله ما يسعك القعود. فقال ولم يا سُدَيْر؟ قلت: لكثرة مواليك وشيعتك وأنصارك، والله لو كان لأميرالمؤمنين عليه السلام ما لَك من الشيعة والأنصار والموالي، ما طمع فيه تيم ولا عدي. فقال عليه السلام، يا سُدَيْر: وكم عسى أن يكونوا؟ قلت: مئة ألف. قال: مئة ألف؟! قلت: نعم، ومئتي ألف!؟ فقال: ومئتي ألف!؟ قلت: نعم، ونصف الدنيا. قال: فسكت عني، ثم قال: يخفَّ عليك أن تبلغ معنا إلى ينبع؟ قلت: نعم. فأمر بحمار وبغل أن يُسرجا، فبادرت، فركبت الحمار، فقال: يا سُدَيْر، أترى أن تؤثرني بالحمار؟! قلت: البغل أزين وأنبل. قال: الحمار أرفق بي! (وهذه أولى رسائل الإمام، وتتضمن الإشارة إلى دعوى العجز وزعم قلَّة البأس!)، فنزلت فركب الحمار، وركبت البغل. فمضينا فحانت الصلاة، فقال: أنزل بنا نصلي، ثم قال: هذه أرض سبخة لا تجوز الصلاة فيها، فسرنا حتى صرنا إلى أرض حمراء، ونظر إلى غلام يرعى جداء. فقال والله يا سُدَيْر لو كان لي شيعة بعدد هذه الجداء ما وسعني القعود. ونزلنا وصلَّينا فلما فرغنا من الصلاة عطفت على الجداء، فعددتها فاذا هي سبعة عشر]!

    لو أراد الحجة عليه السلام أمثال هؤلاء الذين يهتفون لأحمدي نجاد كما يهتفون لبابا الفاتيكان، يعظِّمون فضل الله ولا يبالون بجرائمه وانتقاصه من الزهراء واستخفافه بمصابها، ويرفعون أصحابهم فيجعلون الخامنئي علي زمانه، ونصرالله حسين عصره، ويجحدون الولاية وينحلونها من هبَّ ودبَّ، فأضرابهم أكثر من غثاء السيل وزبد البحر وخشاش الأرض، لكنه “الكبريت الأحمر”، الذي عزَّ حتى ما عدت ترى واحداً منهم!

  • هو محمد الدريني سيد يوسف خشبة ( 1903ـ 1965)، كاتب مسرحي ومترجم مصري، نشأ وعاش شطراً مديداً من حياته فقيراً، خلافاً للنخبة المثقفة في عصره، اشتغل كاتباً ومترجماً في بعض الصحف، يزودها بمقالات، ويترجم لها أُخرى أجنبية، أعجزه ضيق ذات اليد عن دراسة الحقوق بعد الفراغ من الآداب، لكن ذلك لم يُخمد شعلة شغفه بالعلم، ولا أطفأ جذوة ولعه بالثقافة، فانفتح على بدائع الأدب العالمي وأكبَّ على نتاج عظمائه، ينهل ما طاب ويغترف ما استطاع. حتى أدركه طه حسين إبان توليه حقيبة المعارف، فعينه في وظيفة بإدارة الترجمة بالوزارة، كما عُيِّن محاضراً في معهد الدراسات المسرحية لمادة الأدب المسرحي وتاريخه. تُعد أعمال الدريني من أهمِّ ما كُتب في المسرح العربي، وكتابه “أشهر المذاهب المسرحية” ما زال يدرَّس في أكاديميات وكليات الآداب والفنون الجميلة في مختلف معاهد وجامعات البلاد العربية. ترجم خالدة “شلدون تشيني”: “تاريخ المسرح في ثلاثة آلاف سنة”، الذي يُعدُّ مصدراً ومرجعاً لكلِّ فنون المسرح ومبانيه وخلفياته وعناصره عبر التاريخ، وترك بصمة واضحة في ترجمة أساطير هوميروس “الإلياذة” و”الأوديسة”، و”أساطير الحب والجمال عند اليونان”، وروائع الأدب الروسيِّ للعمالقة “مكسيم جوركي” و”أنطون تشيخوف” و”ليو تولستوي”. والأهم ـ عندي ـ من أصل الترجمة وهذا الجهد الدافق الوفير، اللغة الراقية والصياغة الساحرة التي وظفها في أعماله، ما نقل العمل من مجرد ترجمة إلى إعادة صياغة وكتابة جديدة، قد تتفوق على الأصل وتتخطاه في بعض المواقع، والقدر المتيقن أنها زادته رونقاً وروعة. هكذا صار اسمه علامة فارقة لا يتجاوزه أي قارئ يحترم الأدب ويقدِّر الفن والإبداع. وقد وقفت في قراءتي مع الدريني على ثراء لافت في المفردات، وغزارة مشهودة في التعبير، أغنته ـ كمترجم ـ عن المتداول الشائع والمستعمل الذائع، فكأنه على كنز لا ينفذ ومعين لا ينضب، يغترف فيوظف ما شاء، ويتناول فيستعمل ما طاب واستساغ، فتعجب من بليغ ذائقته وبليل حسِّه، ليبهرك وينتقل بك إلى الأفق الذي يريد من الطرب بالنصِّ والنشوة بالحبك والسبك، دون تكلُّف وإطناب مُمل، أو تعسف وإيجاز مُخِل، حتى تجد نفسك تعيد قراءة الكتاب مرة بعد مرة. بل إنني أحتفظ في مكتبتي بعدَّة نسخ من أعماله، وأحياناً من نفس الطبعة والإصدار، لا أُطيق تجاوز الكتاب إذا مررت به على رفوف المكتبات حتى أقتنيه!

    البارحة رأيت الدريني في منامي..

    كانت ثيابه رثة بالية، بدلة رمادية من القطع والتفصيل التقليدي السائد في عشرينات القرن الماضي، لكن في طمر خَلَقٍ مردَّم، محلول الأزرار خالي العُرى، وقميص يتدلَّى خارج السروال والنطاق، إذ لا حُجزة ولا حزام، وربطةُ عنقٍ تدلَّت على جيب القميص المحلول وياقته المهترئة، تعتصر رقبة الرجل كأنها تأخذ بخناقه، كان المسكين في أسمال وابتذال. وكان يحمل على ظهره سلة كبيرة حاكها قشٌّ صلب، أو هو الخيزران، من تلك التي تحملها النساء في شرق آسيا، ثبتها على ظهره بنطاق من الكتان الغليظ، أسنده بها إلى جبهته (لعمري، ها قد أذكى مَرآه الشوق إلى الكتابة والرغبة في الذهاب إلى تفاصيل لا تعني أكثر من إفراغ “أناً” حبيسة تسكنني، تتحرَّى فرصة التحرُّر والانطلاق! ويحي، كأن نفحاته هبَّت على ذِكره، فأخذتُ أنتقي وأستعرض، والويل من بعدُ لهذا القلم والقارئ!).. ينحني ليلتقط شيئاً يودعه السلة، تبين أنها أعواد وعصي وألواح، جزل من حطب. سألته عما يفعل؟ فقال إنَّ البرد أجهده وأرهقه، والصرد أضناه وأعياه، وهو يجمع الحطب ليوقد ناراً علَّها تورثه بعض الدفء. كانت السلة مثقوبة، بل مشقوقة لا قاع لها ولا قرار، لا تجمع شيئاً مما يُلقى فيها، والرجل ماضٍ في سعيه، يحسب أنه يقتات لمدفأته!

    استقبلني باشَّاً بوجهه البلوطي وشعره الأجعد الملبَّد، كأنه محمد صلاح يريد أن يحاكي الإنجليز بمسدول شعورهم وذهبي ذوائبهم، فيخرج برأس تكسوه حراشيف ضبٍّ أو صفائح الصبَّار، لا تحركها عاصفة، ولا يثنيها عجٌّ بركت له الإبل عند الأهرامات! سئم الحلاقون تهذيبها، ويئسوا من تسريحها، وقد تذكَّرت أنه يتشكَّل في رؤياي على صورة ظهرت لي في بحث كنت أجريه عنه يوماً، أتحرَّى شكل هذا الفنان المبدع وهيئته، وما هذه الصورة والهيئة إلا إسقاطات عقلي الباطن… ما زال ماثلاً أمامي يضع نظارته الجامدة بإطارها الأسود وعدساتها السميكة، وقد بادرني بالتحية والسلام وكأنه يعرفني! فسألته: هل تعرفني؟ قال نعم، أنت فلان، وذكر اسمي! لقد استعنتَ بترجمتي للإلياذة، ولعلَّك اقتبست منها لبعض أعمالك، أظنها رواية عنوانها “القربان”! لقد بلغني الأجر في الحال دون إبطاء، وما زلت أتلقَّى المزيد كلَّما حظيت بقارئ جديد! بهذا خرجت من معتزلي الذي أُودعت فيه مذ وافاني الأجل، واستُخلصتُ من السواد الذي لفَّني بالموت، وفارقت الظُّلمة التي لزمتني دهوراً، نسْياً منسياً مُهمَلاً شقيّاً، حتى تحين القيامة الكبرى ويحين الحساب. سألته عن العلَّة والسبب في حالته، وهو مَن هو في خدمة الفن والثقافة؟ قال: سوق الفنون والثقافة هنا في كساد وبوار، لا أحد يشتري من هذا شيئاً، البضاعة الوحيدة الرائجة هنا هي حُبُّ علي ومعرفته! لا يسألون إلا عن هذا، وبعد ذلك يبدأ التصنيف والإدراج، يودع كلٌّ في مرتبة ومقام، بقدر حبه لأهل البيت ومعرفته بهم، وتضحياته في سبيلهم، ثم سائر أعماله وحسناته، يزوِّجونهم الحور ويُسكنونهم القصور، وهي في الحقيقة من رياض الجنان. أما نحن فالسواد الأعظم يتقلَّب في حُفر من النيران، وقلَّة قليلة مُهمَلون مُرجَؤون، لم يتحدَّد مصيرهم بعد، يقال لنا المستضعفون! تصوَّر أنَّ مثلي مُدرج هنا ومُلحق بالمستضعفين! لا أحد يحاورني ليقنعني أو يرد على تساؤلاتي، لا أسمع إلا “خذوه فغلُّوه ثم الجحيم صَلُّوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه، إنه كان لا يؤمن بالله العظيم، ولا يحض على طعام المسكين فليس له اليوم هاهنا حميم”! تدوِّي بين حين وحين، تعقبها صرخات غوث واستنجاد، بلا طائل! سألته: وهل أنت ممن لا يؤمن بالله العظيم؟! قال: قاتل الله روحي، لقد سُئلت عن هذا فأقررتُ بالتوحيد والإيمان بالله، لكن صورة مثالية انسلخت عني وتمثلت أمامي، وشهدت عليَّ بالكذب! لعلَّ أساطير الآلهة التي غرقت في ترجمتها من أعمال هوميروس تركت أثرها عليَّ في تعدُّدها، لعن الله ديمتر وهرمس وأفروديت وأبولو وأثينا وزيوس وهيرا وإيرس، ما أهلكني إلا هؤلاء! كل علاقة وارتباط، مع إنسان أو حيوان أو جماد، بيئة تسكن إليها، صديق تأنس بصحبته، عمل تفتتن به، أي نحو من الانشغال، صرف الجهد والوقت، سينعكس في تصنيفك ومصيرك، حتى التعلُّق بالعلوم والفنون، وخدمة الإنسانية والأخلاق، والبذل في سبيل القيم والمبادئ، لن يجدي شيئاً، وسيكون وبالاً ما لم يرتبط ويتصل بالمادة الوحيدة الفاعلة هنا: حبُّ آل محمد، والسلعة الفريدة التي يشتريها الكرام البررة الكاتبون، والسفراء العظماء المحاسبون. عُدت لأسأله: وأين أنت من هذا؟ ألا تحبُّ علياً وفاطمة والحسن والحسين؟ ما هو موقفك من أهل البيت؟ أجاب باكتئاب: بل أُحبهم، لكن القوم لا يكتفون بهذا، ستراهم يلحقون التحقيق بسؤال مفجع مدمِّر عن بغض أعدائهم! وهنا زلَّت قدمي، وسقطت على وجهي، لم أستفق إلا بعد عقود من قالظلمة والسواد، العتمة والغياب، لم أخرج منها إلا ببصيص نور أتاني من طرف خفي، قيل لي أن جانباً من أعمالي خدم “الولاء” لآل محمد بنحو، وأنا أتلقى به الأجر!

    ذهلت لمرأى مفكر مبدع يهيم على وجهه كمخبول معتوه، من الذين يطاردهم الصبيان في الأحياء الشعبية، يحتطب لنار تدفئه، ويخشى من أُخرى تنتظره! وعلمت أننا نعيش أكذوبة كبرى بحجم الدنيا، أو قل نمضي في منام ممتد على مدى الحياة كلها، حتى إذا وافانا الأجل استيقظنا، ونحن نرتدي الأثواب التي فصلناها، ونسكن الدور التي بنيناها، ونأكل الزاد الذي زرعناه وادخرناه، وقد تحول إلى إكسير يقلب الجواهر، يحيلها إلى مادة واحدة فاعلة في الآخرة: حبُّ آل محمد، وبغض أعدائهم.

  • مع قدسية عنوان الوحدة وروعة الوفاق بين أهل الإيمان، وبشاعة الفرقة وقبح الخلاف.. تُرى هل من الحكمة أن نقضي على التعددية في الوسط الشيعي؟ نطمس التفاوت بين المناهج، ونطمر التباين في المشارب، ونغلق باب الاجتهاد الذي عُرفت به المدرسة الإمامية؟ أليس من المصلحة الدينية والدنيوية أن يظهر الشيعة في العالم متَّحدين تحت فكر واحد، ولا سيما في تطبيق الكليات وتحديد الموارد وتشخيص المصاديق، ثم إلى قيادة واحدة، يأتمرون بأمرها ويمتثلون لتوجيهاتها وإرشاداتها، ترسم مسارهم، وتحدد تموضعهم، وتبين نهجهم بعد هويتهم؟! تُرى هل في هذا خير وصلاح للمذهب والطائفة، ولا سيما في طور غياب الإمام المعصوم، وانتقال الأمر إلى مرجعيات متعدِّدة في فهم الدين وتقدير المصالح، متفاوتة في التقوى والعدالة، والزهد في درجات الحياة الدنيا، ثم في العلم والقدرة على بلوغ الأحكام الشرعية، ناهيك بالمدوَّنة المثبتة في اللوح المحفوظ، فضلاً عن الحقائق الماثلة في عالم الملكوت!؟ وهم في الإيمان ورسوخ الاعتقاد على أقدار وحظوظ!

    ماذا لو اجتمع الشيعة في العراق ولبنان والخليج وباكستان وأفغانستان وآذربيجان وسائر البلاد على زعامة إيران، ثم سقطت الجمهورية الإسلامية؟! هل من الحكمة في شيء أن نتجاهل خصوصيات كل بلد، ومعطيات الوجود الإيماني فيها، لصالح مغامرة لا تدري مَن يقودها؟ بل قامت الشواهد على تخلُّف قادتها، وقد حصدهم العدو كسنابل القمح بمنجل الاختراق التقني والرصد الاستخباري وكشف المخابئ واختراق الصفوف والتوغل في أضيق الدوائر؟! إنها دعوة لمزارع ساذج أن يجمع كلَّ البيض من قن الدجاج في سلة واحدة، ثم يعدو بها في طريق وعرة ليبيعها في السوق!؟

    في العام السادس للهجرة، بعد الهزيمة النكراء لقريش وحلفائها في غزوة الأحزاب، وما أعقبها في غزوة بني قريضة والنكال الذي حلَّ باليهود، والمسلمون في ذروة عزِّهم واقتدارهم، خرج رسول الله صلى الله عليه وآله في جمع كبير إلى مكة قاصدين الحج، لا يحملون سلاحاً ولا عتاداً، وقد ساقوا معهم هديهم، غير أن المشركين منعوهم من دخول بيت الله الحرام، فنزلوا بالحديبية، وفيها تم الصلح الذي كان من بنوده أن لا يدخل المسلمون مكة عامهم هذا، ولهم ذلك في العام القادم بعد أن تخرج قريش منها، حتى ينتهوا من أداء مناسكهم. فأمر رسول الله المسلمين بالحلق وذبح الهدي، والعودة من مكانهم والانصراف دون سعي وطواف! فكبر ذلك على الصحابة، فلم يستجب لأمر النبي منهم أحد البتة، حتى أعادها ثلاثاً دون جدوى!

    انقضى الابتلاء وطويت صفحة الامتحان، على سقوط ذريع وفضيحة مدوِّية، ما زالت الألسن تلوكها، والأقلام تحتال في التماس وجه يبررها، حتى شاء الله أن تتحوَّل ظاهرة “الحلق” من علامة على الطاعة والتسليم والانقياد للنبي الأعظم، إلى مَعلَم للضلال وسمة للانحراف! فقد اقتبس  الخوارج أمر “التحليق” (إزالة شعر الرأس، لا مجرد تزيينه بالحلاقة)، وكأنهم يستدركون ما فات الصحابة، ويمتثلون ما هو أبلغ في العبادة، وأظهر للخضوع والذلَّة، وأدلُّ على العزم والنية، وكأنهم لا يريدون أن يبقوا في أنفسهم شيئاً مما يتزيَّن به المقصِّر دون الحالق.. هكذا تحوَّل الحلق من علامة حقٍّ إلى شعار للباطل! تماماً كما كان “الجهاد” مع الإمام المجتبى عليه السلام ذروة الطاعة وأعظم القربة، ثم أصبح في حضيض الضلال وقعر الانحراف، عند الإصرار عليه، والذهاب في التمسك به إزاء التسليم بالمهادنة ومعارضة الصلح الذي أمضاه الإمام مع الفرقة الباغية، والحق لا يتجزَّأ، والصواب والسداد لا يقبل القسمة على الزيغ والاعوجاج، والرشاد والحكمة تأبى الجنوح والفساد!

    لا إطلاق في الجهاد، ولا اطراد في فعله وممارسته، إن هو إلا حكم شرعي وطاعة لله، تتحقق إذا تحققت شروطها، وتبطل إذا تخلَّفت واختلَّت.

    لست أدري إن كان السيد مجتبى حي يرزق أم أن منيته حلَّت وتوفاه ربه؟ فهو ليس المهدي الذي لولاه لساخت الأرض بأهلها، فنستدل على وجوده ما دامت الجبال شامخات راسيات، تصنع أوتاداً تشد الأرض وتقيم الكوكب، والسحب تلقي مراسيها وطنُبها، فتستقرُّ وتجود، والبحار تحمل السفن لتمخر عبابها، ما دامت الأفلاك في مداراتها، والنجوم في أبراجها، والشمس تجري لمستقرٍّ لها، فالمولى حيٌّ يرزق. إنه واسطة الفيض، وعمود خباء الوجود الذي لم يتقوَّض. أما الأمر في القائد الجديد للجمهورية الإسلامية، فمختلف تماماً، تحوطه معطيات تنظيمية وحيثيات أمنية، وهي مفهومة في نفسها ومقبولة على علَّاتها، لكن بشرطها وشروطها. وأُولى الشروط أن تنسلخ عن النظام الإيراني صبغته الدينية، ويكف عن استمداد مشروعيته من الأحكام الفقهية، ويتحوَّل إلى دولة مدنية شأنها شأن غيرها من الدول والأنظمة التي تحكم العالم، فالمرجعية والفقاهة لازمتها العلَنية والظهور، ومباشرة الدور بشكل مشهود مشهور، يمكِّن الأتباع من مراقبة مرجعهم ومتابعة قائدهم، سواء في استيفائه شروط العلم وتوفره على العدالة المطلوبة، ثم في بقائها واستمرارها، أو في آلية الملاحقة والمحاسبة، وكذا النقد والتوجيه والمشورة، فنحن لسنا إسماعيلية نزارية، يديرنا “شيخ الجبل” من مخبئه، ولا حشاشين يقودنا حسن الصباح من القلعة في “ألَـموت”.من هنا يمكننا التمييز بين الجهاد والدفاع الذي يحكم به المراجع العظام من الفقهاء العدول، وبين النهج الانتحاري، والإغراق في المغامرة، والإسراف في دفع الثمن، ما يطفئ في السلوك وهجه الديني، ويخمد في الفعل نبضه الشرعي، ويمسخ عنه صفته الإلهية، ويحوِّله إلى تحدٍّ وعناد ومكابرة، وهي أُمور قد تكون لها مسوغاتها من مفاهيم الأنفة والعزة والكرامة، والزهد في الدنيا والرغبة في الشهادة، لكن، هل هو الحق الذي كُلفنا به؟ أليس الصبر السجادي، والمضاء الباقري، والألباب الجعفرية، والتضحية الكاظمية، والسياسة الرضوية، والحكمة الجوادية، والسداد النقوي، والحنكة العسكرية، ثم الغيبة المهدوية، تساوي النهضة الحسينية والجهاد العلوي والفتح النبوي؟!

    وبعد، فلا شأن لنا بهذا الأداء، فالقوم أحرار في الطريقة التي يديرون بها بلادهم وشعبهم، ولكن دون أن يحسب ذلك على المذهب والطائفة، ويساق غير الإيراني معه بعصا واحدة، بل حتى الإيرانيين، فإن فيهم من يرفض هذا النهج الانتحاري، ولا يؤمن بولاية السيد مجتبى، والحوزة العلمية والمرجعية الشيعية الحقة معنية بهؤلاء كما بغيرهم من شيعة أميرالمؤمنين، ولو علِمَت للسيد مجتبى طريقاً لسألته: هل من الحكمة جمع الشيعة جميعاً تحت راية الجمهورية وسياستها؟ ماذا يفعل من لا يراها تتمتع بالمشروعية، وماذا يفعل من يراها راية ضلال؟! هل من الحكمة ربط مصير المذهب والطائفة بمآل دولة مضعضعة، ونظام حكم يترنح؟ يقف على أعتاب الاضمحلال، ويستشرف أفقاً سوداوياً، أحسنه، في فرض البقاء، عقود ممتدة من إعادة الإعمار والبناء، تستهلك الطاقات وتهدر الإمكانيات التي كان يفترض أن تأخذ المذهب والطائفة في آفاق جديدة متألقة من التبليغ التي يعرض نموذجاً يتطلع إليه كل مسلم، فيتحقق “كونوا دعاة لنا بغير ألسنتكم”.

    المؤمنون ليسوا جبناء، ولا هم طلاب دنيا يزهدون بالجهاد، لكنهم متفقهون متورعون، لا تخدعهم السياسة بألاعيبها، ولا تنطلي عليهم أحابيلها، ينزلون تعاليم أئمتهم وإرشادات ساداتهم مكانتها من التبجيل والتوقير والالتزام والعمل، يرون ـ على سبيل المثال ـ في حديث الصادق عليه السلام: “يجيء يوم القيامة رجل إلى رجل حتى يلطخه بالدم والناس في الحساب، فيقول: يا عبدالله ما لي ولك؟ فيقول: أعنت علي يوم كذا وكذا بكلمة فقُتلت”، يرونه ناقوساً يقرع في آذانهم، ووازعاً يملأ قلوبهم، وزاجراً يسكن ضمائرهم، يحذِّرهم الخوض في الدماء، ويردعهم عن نزعة التراخي والاستخفاف التي يتعاطى بها القوم، وهم يسوقون آلاف المؤمنين إلى حتفهم، يستفزون شياطين الإنس والجن بضروب المناكفات السياسية والتحرشات العسكرية، فيميلون على الناس قتلاً وسفكاً، كأنه ما بلغهم قول رسول الله صلى الله عليه وآله: “لا يغرنكم رحب الذراعين بالدم، فإن له عند الله قاتلاً لا يموت، قالوا: يا رسول الله، وما قاتل لا يموت؟ فقال: النار”.

    ليست هذه ساعة انشغال بهذا، ولا الانصراف عما يراد بالمؤمنين ويُدبَّر لهم بقضايا قد تلحق بالترف الفكري، ونحن في معترك الحرب والدمار، وتهديد بات وجودياً من سوء أداء القوم وفساد رأيهم وتدبيرهم، ولكن اندفاعهم وجسارتهم على الحوزة والمرجعية، والضغط على وكلائها، وملاحقة الأصوات الحرَّة، وتهديد تولية العتبات المقدسة، ومطالبتها بموقف يدفع نحو الدخول في الحرب، يفرض التصدي لهذا العبث، والوقوف في وجهه، وهذا ما لا نريده ولا نطلبه، فليمنعوا صبيانهم، ويردعوا صعاليكهم، وليعودوا إلى الامتثال لإرشادات المرجعية العليا بالكف عن الحروب، وقطع أسبابها، والأخذ بالإعمار والتنمية والبناء، وما يمنع الفقر الذي يدفع نحو الكفر بالعقيدة، والانحلال في الأخلاق.

    الحقيقة الكبرى التي على الخامنئية أن تعيها، هي أن الإمام الصادق عليه السلام لم يخذل (والعياذ بالله من التعبير) عمه زيداً كما يوحي مفهوم خطاب القوم، ولا أسلم لعدوٍ ابنه يحيى، كما لم يفعل مع محمد ذي النفس الزكية وأخيه إبراهيم قتيل باخمرى، بل هم، رضوان الله عليهم، من شذَّ وخرج. فلا يلوم أتباع إيران أحداً إلا أنفسهم، ولا يندبون إلا حظوظهم.

  • يمضي الأُصلاء بطمأنينة، ويسلك الأخيار بثقة، غير مكترثين بالعوائق المفتعلة، ولا مبالين بالموانع المصطنَعة، لا مصغين للغربان الناعبة والكلاب النابحة، ولا منشغلين بالعجِّ، ريحاً تثير غبرة، أو حناجر تهيج ضجَّة! تجاهلهم للأضواء وبريقها، وإهمالهم للشهرة ووهجها. في حين يعيش الأدعياء الدخلاء، المزيّفون المزوّرون، عُقدة متجذِّرة فيهم، ويلاحقون رغبة تملكتهم وغاية أسرتهم، طالما تلهَّفوا لنيلها والظفر بها، من لدن الطلقاء والمتآمرين في الصدر الأول، حتى عصرنا الحاضر، إنها: المشروعية.

    في سياق مساعي النظام البعثي البائد لإعادة مشروعيته المنهارة بعد الانتفاضة الشعبانية عام 1991م، ومثابرته المضنية لطمس آثار المواجهات الدامية والمجازر التي لاقى بها شعبه، والهتك والتخريب الذي طال العتبات المقدسة في كربلاء، أشخَص صدام التكريتي السيد الخوئي قدِّس سرُّه، إلى لقاء مصوَّر جمعهما، بثَّ التلفزيون الرسمي للدولة جانباً منه. وكان أصل اللقاء والاجتماع، وما تضمَّنه حديث السيد قدِّس سرُّه حول أمره بدفن جثث الضباط ورجال المخابرات والبعثيين الذين سقطوا في مواجهة الشعب، وقد امتلأت بهم شوارع مدن الجنوب، يرمي إلى انتزاع إمضاء المرجع الأعلى على مشروعية السلطة الحاكمة، وإقراره قمع الشعب والبطش بالمنتفضين الأحرار! ولكن خاب المسعى وخسرت الصفقة، ولم ينطل شيء منها على مَن يتمتع بمسكة عقل، ورشحة فهم، وبصيص وعي وذكاء.

    ومثل هذه المساعي الخائبة والمحاولات البائسة، تراها متكرِّرة على مرِّ التاريخ، ماثلة في غير شاهد ناطق من سياسات ومواقف السلطات الغاصبة والأنظمة المستبدة، وفي طليعتها التي حكمت باسم الإسلام، ويكفيك استعراض حوادث من قبيل “حبكة” الشورى، في خمسة كان أميرالمؤمنين سادسهم، وفي دوْر النسب ومكان المصاهرة، ولا سيما دعوى تزويج أُم كلثوم من الثاني، إلى الذهاب في التماس المشروعية من “أسماء” و”كُنىً” أُطلقت على بعض أبناء الأئمة! وما شاكل ذلك من “أدلة” متهافتة، و”حُجج” تحكي حجارة ليِّنة ولبِنَات نخِرة، بل حصَيَات رخوة، حكَكٌ ويَرْمَع، يتفتت من أدنى دعك، يراد لها أن تقيم صرحاً كمعبد الأولمب أو سور الصين العظيم، وتشييد عمارة كالأهرامات، وقصراً كعرش بلقيس، أو بنياناً كهيكل سليمان، ثم يرث الغاصب التركة، ويستولي على مُلك لا ينبغي لأحد من بعده!

    على هذا النسق “انتزع” النظام الإيراني قبل أيام “استفتاءً” من مكتب السيد السيستاني في مشهد المقدَّسة، التمس فيه المشروعية لأدائه في معالجة الأزمة الأخيرة، مؤدَّاه أنَّ للسيد المرجع دام ظله موقفاً منسجماً مع ما قامت به سلطات الجمهورية الإسلامية في قمع المتظاهرين وإخماد “الفتنة”. الأمر الذي لم يُعهد من السيد دام ظله البتة، وهو خلاف توجُّهه المعروف في النأي بالنفس، وعدم التدخل في مثل هذه القضايا الشائكة. فالرجل ـ على سبيل المثال ـ  لا يصرِّح بموقفه من قضية التطبير في الشعائر الحسينية، لأنها تحولت إلى خلاف وصراع قد تترتب عليه إراقة دماء بين المؤمنين.. والقوم يقحمونه في ميدان عصيب، ويشركونه في تحمُّل تبعات سقوط عشرات آلاف الضحايا من الجانبين، بين قتلى طفحت بجثثهم مبرِّدات المشارح ومغتَسلات الأموات، وجرحى اكتظَّت بهم المستشفيات، ومعتقلين ضاقت بهم السجون ومراكز التحقيق والتوقيف!

    من الخسَّة والوضاعة بمكان، الالتفاف على نصٍّ وِتْر شاذ، إجابة تحاكي مفروض السؤال، وتجاري منطلقات السائل، دون قبول بها أو تبنٍ وإمضاء لها، فيُطرح الأمر في الإعلام، وينشر بين الأتباع، ويسوَّق بين العوام، ولا عزاء للأغبياء، كموقف للسيد المرجع دام ظله، وهم يعرفون، قبل غيرهم، كذب الدعوى وزيف المقولة، وكيف تم التحايل في إصدارها، وأين بلغ الضغط والتهديد في انتزاعها!

    ما برح المسلك الأمني والأداء المخابراتي هو الذي يلقى به النظام الإيراني السيد السيستاني منذ تصديه للمرجعية واستتباب الأمر له على قمتها، تلحظه عندما وُجِّهت له سهام العمالة، وصرَّح أحمد جنتي رئيس مجلس الخبراء، ورئيس مجلس صيانة الدستور، وإمام جمعة طهران (في حينها)، بمكنونات صدور القوم وحقيقة ما يضمرون للحوزة والمرجعية، معلناً أنه خيار بريطاني! إلى الهستيريا التي لاقى بها زيارة بابا الفاتيكان للسيد المرجع، مروراً بقضية الشيخ روح الله زم، الذي استُدرج من ملجئه في تركيا بعملية أمنية معقَّدة، اخترقت فيها المخابرات الإيرانية البريد الإلكتروني الخاص بالمرجعية، وراحت تستعمله في مراسلة الرجل الذي كان يريد تأسيس قناة إذاعية دينية معارضة، فأوهمته بأنَّ السيد المرجع وافق على عرضه، واستدرجته للسفر إلى العراق للقائه وترتيب أُمور مشروعه، ومن هناك تم اختطافه إلى إيران حيث أُعدم في نوفمبر 2020 بعد محاكمة لم يُجْدِ فيها استرحام ولا نفعت شفاعة.

    لم يكن هذا الأداء ليتوقف يوماً ولا ليتعطَّل ساعة، وها هو يعود في هذه الظروف العصيبة والأوضاع الخطيرة، التي أزرت بصورة الإسلام والتشيع، ودفعت تياراً عريضاً من الإيرانيين لمواقف شاذة وشعارات منحرفة تتنكر للدين وتتبرأ من هويته لصالح القومية والإلحاد، مع سلوك انحلالي ينافي الأخلاق ناهيك بتعاليم الدين وأحكام الشريعة. وكان الأمل في نجاتهم منها، والرجاء في إنقاذهم من ويلاتها، منوط بشخصيات دينية أصيلة تمثل النموذج الحقيقي الصادق لتعاليم الدين، والصورة الصحيحة لعلمائه، في طليعتهم السيد المرجع الأعلى ومن خلفه الحوزة بمدارسها الأصيلة وطلابها الكرام الأشراف، وإذا بالنظام الإيراني ومنظومته المخابراتية تتعمد تشويهه، وتتقصَّد تلطيخ صورته بسواد حالها، ليتحقق الاندماج المقيت الذي يتنكَّر  للتعددية وينفي الإثنينية، ويحمل صورة وحيدة عن الإسلام والتشيُّع، هي التي يتبنون ويروِّجون، والنمط الذي يمارسون ومن خلاله يشوِّهون! وبعد، فنحن اليوم أمام “عمليات أمنية” مرتقبة، على نطاق واسع، بآلية تفوق الماضية، وفقاً لمعادلة تَناسُب الحاجة والنقص مع الفعل والجبر (جبر النقص وسدِّ الحاجة والـخَلَّة)، ستقوم بها الحوزة الحكومية والعمائم المنخرطة في المؤسسات الرسمية، سواء السياسية أو الأمنية. ففي حين لا تتجاوز المشروعية التي يحظى بها القائد الجديد مقولة: “لا بدَّ للناس من أمير، برٍّ كان أو فاجر. أما الإمرة البرة فيعمل فيها التقي، وأما الإمرة الفاجرة فيتمتع فيها الشقي إلى أن تنقطع مدته وتدركه منيته”.. سنشهد عاصفة من عمليات التزييف وإعصاراً من جهود التحريف التي ستصنع منه إماماً “مجتبى”، كما صنعت من أبيه علياً مرتضى!

    كل الأمل والرجاء أن يبتعد الرجل عن عنوان الفقاهة، والمشروعية المستمدة من العلم الذي بلغ الاجتهاد، ويتوجَّه إلى العدالة وحسن الإدارة والنزاهة والأمانة وخدمة الناس والتنمية والبناء، فهو ما تحتاجه إيران حقاً، حكومة وشعباً، وهم في غِنى عن ولاية الفقيه، وقد أُزري بها حتى انحدرت من أعلم المراجع، إلى مجرد فقيه مجتهد، ثم متفقه مدَّع، حتى أسفت وهزلت وبلغت هذه النماذج وصارت إلى هذه النظائر! عسى أن لا تتكرر الشهادات المنتزعة بالترغيب والترهيب، ولا تعود فرق التملُّق وجوقات النفاق إلى معزوفاتها المقيتة، ويكفُّ المرتزقة والمستأكلون عن فذلكة الهراء الذي يحملون، وقلب الأدلة وتزييف الحقائق وتحريف الوقائع.. فيعلنها السيد مجتبى دولة مدنية، تجِلُّ الدين وتوقِّره في عقيدته وشريعته، وتعود به إلى حوزة ومرجعية حرَّة مستقلة، بعيدة عن الدولة ومؤسساتها، والأحزاب السياسية ونفوذها. عندها تنتهي خصومتنا للجمهورية الإسلامية، ولا تعود لنا علاقة بأُمورها، ولا شأن لنا بأدائها، وسننظر إلى النظام الإيراني وقائده كأيِّ زعيم وقائد لبلد لا يتدخل في ديننا، ولا يتطاول على مذهبنا، ولا يفرض رؤاه على عقائدنا وشعائرنا. فلا نخشى بعد ذلك على ديننا من نظام يقلب ميلاد السبط الأكبر مأتماً على قائده الراحل، ولا أن يختار ليلة ضربة أميرالمؤمنين عليه السلام في التاسع عشر من شهر الصيام لتنصيب قائده الجديد، فتعم الأفراح وتغمر المباهج وتشمل المسرَّات، والفجعة العرشية تدوِّي في السماء: “تهدمت والله أركان الهدى”!

  • بين الحرص على كشف الحقائق وممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد تحوَّل في ظلِّ إمساك الغير وامتناع الكل، من الواجب الكفائي إلى العيني، وبين الخوف من الإعانة على بلد وشعب شيعي، والحذر من الكون يداً عليهم، وهم في أسوأ أوضاعهم وأشدِّ أحوالهم، ولا سيما أن الحروب لا تميِّز بين نظام جائر وشعب مقهور مظلوم، أعمد إلى الاستشارة والاستخارة، وقد أجازت هنا وسمحت.

    في تاريخ اليعقوبي أن “عبدالملك بن مروان منع أهل الشام من الحج، وذلك أن عبدالله بن الزبير كان يأخذهم إذا حجُّوا بالبيعة، فلما رأى عبدالملك ذلك منعهم من الخروج إلى مكة، فضجَّ الناس وقالوا: تمنعنا من حج بيت الله الحرام وهو فرض علينا؟! فقال لهم: هذا ابن شهاب الزهري يحدثكم، أن رسول الله قال: “لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي، ومسجد بيت المقدس”. ثم قال عبدالملك: “وهو ـ أي بيت المقدس ـ يقوم لكم مقام المسجد الحرام، وهذه الصخرة التي يُروى أن رسول الله وضع قدمه عليها لما صعد إلى السماء، تقوم لكم مقام الكعبة”. فبنى على الصخرة قبة، وعلَّق عليها ستور الديباج، وأقام لها سدَنة، وأخذ الناس بأن يطوفوا حولها كما يطوفون حول الكعبة، وأقام بذلك أيام بني أُمية”.

    على هذا النسق والغرار تعبِّئ الجمهورية الإسلامية جمهورها وتدبِّر أمر المخلصين من أتباعها (دون المرتزقة الوصوليين الذين ملأ الحرام بطونهم، وأعمت الأضواء بصائرهم، وأسكرتهم الشهرة والسلطة)، تسخِّر طاقاتهم المستباحة، وتقودهم ضحايا وقرابين نحو حتفهم، تلقيهم في أتون حروبها العبثية ومِرجل معاركها الاستعراضية، بعد أن ذهبت طويلاً بدينهم وأزرت بولايتهم. ما زال بعض العوام يعيش قوقعته، ويسكن شرنقته، أو قل يعيش كما سمكة في حوض، يحسب جدرانه نهاية العالم، بانتظار إخراجه وصنعه طبقاً من الشواء على مائدة القائد! فالخطاب الخاص الذي يدور في الحلقات الحزبية والإعلام المغلق، الذي يحظر عليهم تصديق غيره، وفي كثير من الحالات، يمنع الإطلاع على غيره، يصبُّ في تعريف أو وصف السيد الخامنئي بالخراساني الذي يسبق ظهور الإمام المهدي. ولو تدبَّر بصيرٌ في هذا الخطاب والحال، لوقف على مأساة مؤلمة، ومسرحية هزلية تدير أكبر حركة شيعية في العصر الحاضر! فطالما كنَّا نسخر من دعاوى المهدية، ولا سيما في أفريقيا والمغرب العربي، من قبيل ما جرى في السودان عام 1881 حين ادعى محمد أحمد أنه المهدي، وقام بانتفاضة قمعتها القوات البريطانية. وفي الجزائر عام 1898 قاد شخص يدعى بوزيان ثورة ضد النظام تحت اسم المهدي. وفي مكة، قام جهيمان العتيبي الذي احتل الحرم المكي عام 1979، ودعى إلى مبايعة صاحبه محمد عبدالله القحطاني خليفة للمسلمين وإماماً لهم على أنه المهدي المنتظر! وما انفكت دعاوى السفارة والنيابة الخاصة تنبت في مجتمعات الشيعة على اختلاف مذاهبهم، زيدية جارودية، وإمامية إثني عشرية، فتناً تغوي العوام وتغرِّر بالسذج المغفلين. والفتن، كما قيل، إذا أقبلت عرفها كلُّ عالم فاحترز منها، وإذا أدبرت عرفها كلُّ جاهل فندم على دخولها والخوض فيها.

    ها هي الحركة الإسلامية التي تزعم التفوُّق في الوعي والبصيرة، وحمل راية التقدمية التي تريد إنقاذ الأمة من التخلُّف والرجعية، تقع ضحية الداء نفسه والبلاء عينه، وتنطلي عليها الأكذوبة بحيلة بسيطة مفضوحة، التفَّت على الدعوة الصريحة، وقفزت على الخطاب السابق، وانتقلت إلى آلية ماكرة تفضي إلى نفس النتيجة، فهم لا يصرحون بالدعوى، لكنهم يعتقدون في قرارة أنفسهم بوجود اتصال لصيق وارتباط وثيق، يجمع الخامنئي بالإمام المهدي، وقد سمعت أحدهم في ذروة التصعيد الشعبي وخطر القصف الأمريكي، حين تداول الإعلام أنباء تَحصُّن الخامنئي في أعماق الأرض، في ملجأ دُعِّمت جدرانه بألواح وطبقات سميكة من الرصاص الذي لا تنفذ فيه الإشعاعات النووية، يقول إن “السيد” سوف يلجأ إلى مشهد المقدسة بعد أن خذله الشعب، وتمرد عليه جنده، ليقود من هناك طوراً جديداً ويعود زاحفاً من خراسان!

    والبلاء الأكبر في هذه الشريحة العريضة من جمهور الحزب وإيران، ما يعيشونه من ركون وخدَر يستتبع هذه الفكرة البلهاء، فبعد الاعتقاد بأن الخامنئي هو “السيد الخراساني” الذي يمهد للظهور الشريف، ويُسجَّل من العلامات على تحقيق الوعد الإلهي بتحكيم المستضعفين ووراثة الأرض.. تراهم سقطوا في المبالغة والغلو والإسراف والإغراق، وصاروا يتجاهلون وجود الإمام المهدي ويغيبونه! حتى ألغوه من قاموسهم، وما عاد له ذكر، ناهيك بوجود وحضور، لا في حياتهم الحركية السياسية، ولا حتى الروحية التربوية! وقد استبدلوا وليهم “الفقيه” به، سواء في خصائصه وقدراته ومنزلته، أو في دوره وصلاحياته وحقه في الولاء والطاعة!بعيداً عن شخصية “الخراساني” ومكانته، سواء تزكيته أو إدانته، أو الوقوف على الحياد تجاهه وتجاه حركته، فإنه في الروايات والنصوص الواردة فيه لا تتجاوز عنوان “العلامة”، وهي تذكر اسم شخص يُنسب إلى إقليم وبلاد، لا إلى دولة ونظام، يكون في سياق علامات أخرى للظهور. والأهم أنها حركة خاطفة لا تعيش مرحلة مفتوحة زمنياً ولا طوراً ممتداً لعقود وعهود، فالروايات لا تتحدث عن برنامج حكم ونظرية دولة ونظام ولاية متوسعة فاتحة، ومشروع أُممي دائم، بل تشير إلى فاعل عسكري مؤقت تنحصر وظيفته ودوره في التمهيد النفسي والتلقين الروحي، ثم تسليم الأمر (والراية) للإمام المنتظر. فوظيفة الخراساني في الروايات هي إيجاد خرق وخلل في التوازن الطاغوتي المهيمن على العالم، وصنع “ثغرة” لصالح جبهة الحق، تخلق في النفوس فكرة الإمكانية والقدرة، وتدفع تجاه فعلية ميدانية في مواجهة الحركة أو الحالة السفيانية المهيمنة أو المتنامية. هذه هي حدود التمهيد الذي سيقوم به الخراساني في التوطئة لظهور وقيام المهدي، ولا ذكر في النصوص والبشائر عن سعي وعمل يقوم بتوفير العدَّة والعدد، وتصنيع السلاح والعتاد، وتوفير أسباب النصر الإلهي الموعود! والحال أنَّ القوم ماضون في مشروعهم، لا ينتظرون أحداً، يرفعون الراية بحجة تسليمها للإمام، وذريعة التمهيد لدولته، لكن الأداء والفعل ينبئ عن الاحتفاظ بها والإبقاء عليها في دولة يتوارث الولاية فيها “فقهاء” حركيون، ورجال دين من شريحة ونمط عقائدي خاص، أبرز خصائصه النزعة الأُممية التي تسقط الفوارق المذهبية بل والدينية! في التفاف شيطاني على بسط الدين الحق وظهوره على الدين كله ولو كره المشركون، مما لا يكون إلا نشر ولاية آل محمد على الأرض وأهلها قاطبة. وبيت القصيد هنا، أنَّ الخراساني ينتهي دوره عند الظهور، ولا يُستبقى مشروعه بعده، والحديث اليوم يدور حول خلافة الخامنئي، واستمرار حركته ودولته، سواء في أحد أبنائه، أو في عمامة حزبية باع صاحبها نفسه له. هكذا تحوَّل الخراساني في الخطاب السياسي، من عنوان ظرفي عابر إلى هوية تاريخية مستمرة، وصار رمزاً سيادياً لا وظيفة مؤقتة، جرى ربطه بدولة ونظام حكم ومؤسسات إدارية وقيادة ملزمة وولاية شرعية واجبة. وهذا تحريف في طبيعة المفهوم، حوَّله من التمهيد إلى البدَلية، فالروايات تقول إن الخراساني يمهِّد ثم يُسلِّم، والخطاب السياسي اليوم يقول ضمناً: الخراساني هو البديل العملي عن الإمام الغائب والدور المعطَّل. وهنا الانقلاب: من انتظار مشروط إلى استعاضة سياسية، من تمهيد للمهدي إلى تعويض عنه، وهذا أخطر انزلاق عقائدي. الخراساني في الروايات وصفٌ إخباري، لكنه في الخطاب السياسي أداة شرعنة قلبت معيار الحق، فهو في أحاديث آل محمد يُعرف بانضمامه إلى القائم، بينما في الخطاب السياسي للقوم يُعرف بانضمامه إلى ولايتهم وجمهوريتهم، وهذا قلبٌ للمعادلة، يُستدعى لتبرير سلطة، وإقامة حرب، وممارسة قمع، وتوسُّع وتصدير المشروع، أي تحويل النصِّ الغيبي إلى صكِّ تفويض سياسي. إن إشكالية تحويل “الخراساني” من ظاهرة علاماتية ومؤشر محدود، إلى أيديولوجيا دائمة، أي من علامة إلى هوية وانتماء، ومذهب ومدرسة، إشكالية مستحكمة لا يمكنهم الخلاص منها، وتكشف عن النوايا الخفية والحقيقية للقوم، فهم ـ في واقعهم الإخواني الشريعتي ـ لا يؤمنون بالمهدي ولا بولاية الفقيه ولا بالمذهب الحق، وما الأمر إلا ملك وسلطان ودولة، يجدون هذه وتلك السبيل للسيطرة عليها ودوام توليها. ناهيك عن كل ذلك، فإن موقع الخراساني القيَمي متواضع لا يسمح بهذا العصف والقصف، فهو لم يوصَف بأنه “أهدى الرايات”، ولم يُؤمر باتباعه مطلقاً، ولم تُربط طاعته بطاعة الإمام، ولم يُجعل ميزان حق مستقل، بخلاف اليماني، الذي “الدعوة إليه دعوة إلى صاحبكم”. وبعد هذا، فإنَّ تحقق الصفات الشخصية للخراساني وانطباقها على شخص السيد علي الخامنئي، هو أول الكلام الذي لم ولن يفرغوا منه، فالرجل ينتسب إلى خامنه، بلدة في محافظة آذربيجان الشرقية في إيران، ومع أنه ولد وعاش فترة في مشهد، إلا أنه بقي محتفظاً بانتسابه لبلده الأصلي الأول.

    الفكرة مكررة ومستنسخة، فقد قيل في رفسنجاني أنه “كوسج الري”، وفي أحمدي نجاد “شعيب بن صالح”، وفي حسن نصرالله “ذو النفس الزكية”، وقد رحلوا جميعاً إما بالموت أو بالإقصاء، وما زالوا يقولون عن الخامنئي أنه السيد الخراساني، والأمر لا يحتاج إلى موت ولا عزل وانقلاب، يكفي النظر في العقائد والممارسات، ليجزم كلُّ بصير أنها راية ضلال وصاحبها طاغوت يعبد من دون الله.

    الخراساني لا يقصم ظهر المذهب بالاستيلاء على الحوزة العلمية والعبث بالمرجعية الشيعية، ولا يحارب الشعائر الحسينية، لا يستقي الفكر والعقيدة من علي شريعتي وسيد قطب، الخراساني لا ينصر الضال المضل فضل الله منكر مصائب الزهراء وجاحد فضائلها، ولا يحتضن كمال الحيدري وهو ينتهك مقدسات الشيعة ويزري بتراثهم، حتى إذا نال من سياساته ومسَّ أفكاره، قمَعه وحظر عليه نشاطه! الخراساني لا يصرف قوت شعبه وأموال صاحب الزمان على حماس الناصبية، ولا يهدر دماء الشيعة في جبهات ومقدسات وهمية، من إنقاذ بشار إلى تحرير القدس! لا يحتاج الأمر إلى كثير ذكاء لاكتشاف هذه الحقيقة، ويكفي التأمل في آخر جريمة وقعت قبل السقوط، حين أرعب الجيش الذي يدعي أن زينب لن تسبى مرتين، المطبرين في جوار السيدة، بإطلاق النار عليهم، ليفتح على نفسه أبواب الغضب الإلهي الذي اقتلعه من سوريا ولبنان!

  • منذ أمد بعيد، كنت وبعض الإخوة، طلبة ومثقفين، في محضر أحد العلماء الأعلام المشهود لهم بالفضل والتقوى، وقد دار حديث حول دعاء تُقدَّر له الإجابة، ماذا عساه أو ينبغي أن يكون في خيار المؤمن؟ لفتني أن هذا الورع الحكيم اختار “أن لا يُخدع”، لا عن دينه ولا عن معاشه، لا من حاشية تحيط به، ولا فضاء وحال يصنع حوله أجواءً تطوِّقه ونطاقاً يحاصره ويفتنه. نقلتني الكلمة وأخذتني للتفكُّر والتأمل، وما زلت في هذا منذ ثلاثة عقود على سماعها من هذا العالم الجليل. في المقابل، ومنذ عهد قريب، نحو ثلاث سنين مضت، التقيت أحد الفقهاء الأفذاذ، ممن لا يُشكُّ في علمه وورعه، كان يفخر ويحمد الله أنه لم ينشر فتوىً أصدرها في ضلال فضل الله! ويرى ذلك من التسديد الإلهي والهدي الغيبي، وأنَّ الله ساق ابنه ليحول بينه وبين ذلك بطريقة عفوية، وصدفة خير من ألف تدبير وميعاد! الرجل فوَّت مُزنة أو ديمة، سحاب ثقال بغيث غزير كان سينعش ميت حقله، حتى يخضر زرعه وتينع ثماره، ويحين حصاده: مقامات وزلفى عند الزهراء عليها السلام، طوبى وحسن مآب، والرجل فرح مسرور أن فاته ذلك كله! سهمه في كنانته، ويحسب أنه أصمى الغرض، ما برح يطرد في الفلوات والصيد في حقله، يرتع ويعبث، يرعى ويسمن، يفسد الزرع ويهلك الضرع، والرجل يرابط في الثغر الذي يلي إبليس وعفاريته!

    من المعضلات المؤلمة في الوسط العلمائي، والأزمات المستحكمة في هذه الشريحة المباركة، شحَّة الوعي والبصيرة النافذة، ندرة معرفة حوادث الأيام وحركة الأنام، فهْم هذه وإدراك تلك، قلَّة مَن يحيط بالوقائع ويتمتع بالقدرة على تشخيص الحقائق في الحوادث، التفريق بينهما وبين الأكاذيب والمخترَعات أو الأوهام والمبالَغات، تمييزها عن التدليس والتزيين والإلباس، ولا سيما في المنبرين للقيادة والمتصدين لتوجيه وإرشاد الناس. هناك كمٌّ هائل من الصوَر المزيفة والأخبار المغلوطة والمعطيات المكذوبة، معلومات ولربما أرقام وإحصائيات واستبيانات ودراسات، ترفد حركة الذهن وتدفع جولة الفكر، لتخلق معتقدات وتكوِّن قناعات، ثم يتبين بعد حين، أن لا أساس لتلك التي بُني عليها، ولا حظَّ لهذه التي اعتمدت مرتَكزاً ومنطلَقاً! فإذا أصاب أحدهم في جزئية عابرة ومفردة صغيرة، غفل عن كليات كبيرة، حتى تكتشف نملة تحمل قضمة في فيها، تسعى بها جاهدة تجاه الشرق، كما توحي لها مؤشراتها الفطرية عن مسكنها ومستعمرتها، تكتشف أنها تدبُّ على لوح في سفينة تبحر غرباً، وتضرب في لجَّة لا قرار لها!

    هنا تزلُّ أقدام الرجال وتكبو الجياد وتسقط الفرسان، إنها حفرة تعثرهم وجرف انزلاقهم، لا يسلم إلا الأوحدي، ولا ينجو إلا مَن سبقت له من الله الحسنى. السبيل الوحيد هو التسليم، ترويض النفس وتهذيبها والعمل بـ “اتقوا الله ويعلمكم الله”، ثم الابتهال والتضرع، ليصرف الله عزائم النفوس، ويأخذ ما تسكن إليه الخواطر، إلى ما يرضيه تعالى، فيصيب بها سُبل الهداية، ولا بدَّ أن يعيش المرء في الدعاء الانقطاع بصدق وإخلاص، لا يكون لقلقة لسان يخلد معها إلى “علمه” و”فهمه”، ملتزماً ما بناه على معطيات أغرت أهواءه، وأرقام أغوت غفلته وغباءه، لاقت ثقة في نفس مريضة مغلوبة، وروح سقيمة عليلة، بل وافت خرقاً وسفهاً، وغروراً وزهواً، أخذ صاحبه ليركن، وقل إن شئت تخفيف الوقع، وافت بساطة وسذاجة تحمل صاحبها على يقين الحمقى وقطع السفهاء، والأمر سواء في عزم الإقدام أو قرار الإحجام، الفعل أو الامتناع، كلها قد تقدم من غباء. والبلاء الأعظم أنهم لا يوُدون بأنفسهم ويزرون بأشخاصهم فحسب، بل يهلكون أتباعهم وينكبون أولياءهم! لن ينجو إلا من يلهج: “اللهم أرني الحق حقاً حتى أتبعه، وأرني الباطل باطلاً حتى أجتنبه، ولا تجعلهما عليَّ متشابهين، فأتبع هواي بغير هدىً منك، واجعل هواي تبعاً لرضاك وطاعتك”، يطلبها حقاً وصدقاً ويعيشها خضوعاً وتسليماً، تجعله يعرض عن أكداس متراكمة من الأماني والرغبات، وتلال من أوهام وقراءات، يحسبها أدلة وأمارات! والأمر غاية في العمق والدقة، قد ينتهي ـ بمن يريد النجاة من الاغترار والانخداع ـ إلى سدِّ كلِّ مسارب الوهم، وحجب كافة سُبل تلقي الأباطيل التي تثقل التقارير، وصمِّ الآذان عن لغو نشرات الأخبار، وشيطنات القنوات الفضائية الموجَّهة، وعبث وسائل التواصل وتهريجها، وكلِّ موجات التلقين والإملاء، ودع عنك أُكذوبة ضرورة “مواكبة الأحداث ومزامنة التغيرات”، و”الاهتمام بشؤون المسلمين”، وما يعيبون به أولياء الله من التنزُّه عن هذا اللوث، والانقطاع إليه تعالى والاستغراق في معرفته وعبادته، الذين “وقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم”، ولم يبالوا من بعدُ بما يقال فيهم، فقد “عظم الخالق في أنفسهم، فصغر ما دونه في أعينهم”، ومع هذا وإلى جانب ذاك، نفي ما يرفد النفس من الشهوات الخفية والظاهرة، والتوجُّه إلى الأئمة والتوسل والاستغاثة بهم، بصدق وإخلاص، وعشق واعتزاز.

    خطأ في التقدير، وسوء في القراءة والتحليل، أضاع فرصة تاريخية، وأهدر حصَّة استثنائية، وبدَّد نصيباً موفوراً لنصرة أعظم قضية حقٍّ، والظفر بجائزة رضا سيدة نساء العالمين، وعطية بنيها الأكرمين… فكيف بأداء الخامنئي الذي دمَّر المذهب ومحق الدين؟!

    في حياة هذا الدكتاتور المستبد سَنة خطيرة وحاسمة، كانت لها تداعياتها الكارثية عليه وعلى جميع الشيعة، من 1977 إلى 1978، عاشها في مدينة “إيرانشهر” من إقليم بلوجستان، ضمن قرارات إدارية لسافاك الشاه، تعالج حالات ثورية من الدرجة الثانية، يستعيض بها عن الإحالات القضائية وأحكام الحبس الطويلة، لأشخاص لا يرى لهم خطراً جدياً أو دوراً مؤثراً في المعارضة والثورة. في هذا السياق أُبعد الخامنئي إلى هذه المدينة النائية ذات الأغلبية السنية، ليعيش عزلة ويقاسي غربة، لكنه سرعان ما تكيَّف، وعاش بين أهلها واندمج في بيئتها، حتى قُبل داعية ومعلِّماً في مساجدها، وارتُضي ناشطاً يشكِّل الخلايا ويدير الحلقات! في هذه السنة المشؤومة، طبَّق الخامنئي أفكاراً آمن بها وآراءً تشبَّع منها، وعاش “تفعيلاً” ميدانياً لها في بيئتها الأصلية وأرضها الطبيعية، حتى حسب ـ حقاً ـ أن “ليس وراء عبادان قرية”، وأن تجربته الشخصية المحدودة برهان حسيٌّ مشهود على صحة الفكرة!

    ومن هنا بدأت الكارثة، حين ترسخ في وجدان الرجل وصدَّق بأداء البيئة السنية في بلوجستان، وحمل ذلك على المذهب والطائفة السنية قاطبة، رآها تجربة ونموذجاً قابلاً للتعميم والاستنساخ، وأن السنيين كلهم من هذا النمط وعلى هذه الشاكلة! وهي قراءة غاية في السطحية والانفعالية، ولك أن تعبِّر بالغبية، التي تغفل دور المكان والزمان، وتفصل الأداء عن تأثير البلد والمحيط الشيعي بتاريخه الصفوي والقاجاري والزندي وحتى الحديث، وحرص الدول على هويتها المذهبية الغالبة، وهي قوام تأسيسها ومدار خصوصيتها وتميزها عن الفضاء السني الذي يحيط بإيران.

    أغفل الخامنئي التقية والمداراة التي يعيشها السنة في إيران، وقفز من أدائهم ليبني فكرته عن التعاطي مع أهل السنة والجماعة كافة، وأسس لآراء ونظريات وأحلام ما لبثت أن تحولت ـ مع توليه القيادة ـ إلى واقع منفعل بل متفجِّر، فتح أبواب الخزينة الإيرانية على مصراعيها للأحزاب الإخوانية، ومكَّنهم من أدق أسرار التصنيع العسكري التي تضنُّ بها الدول على أوثق حلفائها، ثم أخذ البلاد إلى حروب قصمت ظهرها. 

    ناهيك بما يقاسيه الرجل من سطحية الفكر العلمي، وخلل واضطراب العقلية الاستنباطية، وتواضع الذهنية التحليلية، فإن المنفى الذي عاشه، التقى في نفسه مادة منحرفة وفكراً ضالاً تلقَّاه من مطالعات شكَّلت ثقافته الحقيقية. كان سيد قطب يحتل موقعاً خاصاً في قلب الخامنئي الشاب وفكره، وهو مَن ترجم  كتابه “المستقبل لهذا الدين” عام 1966، وكتب في مقدمة الترجمة: “حاول هذا الكاتب العظيم عبر فصول هذا الكتاب تقديم روح الدين كما هي”، ولم ينقضِ إعجابه وتأثره به حتى ترجم تفسيره “في ظلال القرآن”! هكذا صنعت هذه “السنة البلوشية” روحاً متخلِّفة، وأذكت مزاجاً سقيماً، وعمَّقت نزعات شاذة عن السياق الحوزوي، نشاز عن الفضاء الشيعي الطبيعي، وقد وافى ذلك عُقَداً نفسية ومركبات نقص تسكن أعماق الرجل، فأنتج ذلك المجموع ذاتاً جانحة مضطربة، وشخصية ضالة منحرفة. فإذا ملك السلطة وتمتع بالقدرة، قاد نحو الأهوال والهلكات، وخلَّف الكوارث والويلات!

    ولك أن تتأمل في إحدى هذه النتائج الكارثية: قراءة خاطئة للخلاف العقائدي، وفهم سطحي للواقع السياسي، وتحليل مغلوط لآلية صنع العقل الجمعي، حملت الرجل على دخول حرب مدمِّرة مع إسرائيل وأمريكا، مراهناً على الاصطفاف الإسلامي، ولا سيما العربي. إن هذا السير المعوج الضالع، والنشأة الجانحة والروح الملوثة، زرعت في نفس الرجل فكرة باطلة عن تطبيقات الوحدة الإسلامية، وخلقت صورة خاطئة عن حقيقة موقف مجموع المخالفين والسواد الأعظم منهم، الذي قد لا يكون معادياً، فلا تكون الأكثرية السنية ناصبية، ولكن البصير الفطن يدرك أن الدور الفاعل في توجيه العوام وتلقينهم هو للنخب العلمائية والطلائع الحركية الحزبية، وهؤلاء جلهم نواصب، بالمعنى الذي يشير إليه الحديث الشريف عن الصادق عليه السلام “ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت، لأنك لا تجد أحداً يقول: أنا أبغض محمداً وآل محمد، ولكن الناصب مَن نصب لكم وهو يعلم أنكم تتولونا أو تتبرؤون من أعدائنا”! لم يقرأ هؤلاء انتصار الثورة في 1979 فتحاً للإسلام وتحكيمه كما يحسب الخامنئي، بل سبيلاً يحمل خطر انتشار التشيع وغلبته، لذا تراهم دعموا الإرهاب التكفيري ونصروه، وفي الأقل الأدنى، فرحوا وابتهجوا بالمجازر التي كان يرتكبها ضد الشيعة في العراق، بل تراهم هللوا للضربات الإسرائيلية على إيران والشيعة في لبنان! العرب اليوم، في الشريحة الشعبية والعوام الذين شكَّلتهم النخب الدينية، من علماء وأحزاب ولجان خيرية وجمعيات قرآنية، هم الذين تعكس الفرق الرياضية ـ على سبيل المثال ـ حالهم، يسجدون شكراً عند تسجيل الأهداف، ويؤدون المباريات في حرِّ الصيف وهم صيام، وقد عزف آباؤهم عن أسماء خالد وعمر وعثمان، إلى يزيد ومروان وسفيان! تُرى ماذا غلبهم فسكنهم، واضطرم في أحشائهم حتى بلغوا هذا وصاروا في ذاك؟ كيف أُذكي الحقد في نفوسهم حتى صار سوقي مبتذل من جماهير كرة القدم، لا شأن له بالدين والالتزام، يتوعد بهدم كربلاء؟!

    لم يتمتع الخامنئي بذكاء يعينه في الاستمداد من معطيات الواقع، ولم يعش فضاء أحاديث المعصومين ليحظى بقدرة ويتمتع بقراءة واعية، تستند إلى التراث، من قبيل قول الصادق عليه السلام في الصدقات: “… فإن لم تجدوا أهل الولاية، فلا عليكم أن تعطوه الصبيان ومَن كان في مثل عقول الصبيان، ممن لا ينصب ولا يعرف ما أنتم عليه فيعاديكم، ولا يعرف خلاف ما أنتم عليه فيتبعه ويدين به، وهم المستضعفون من الرجال والنساء والولدان، تعطونهم دون الدرهم ودون الرغيف، فأما الدرهم التام فلا تعطي إلا أهل الولاية. فقلت: جعلت فداك فما تقول في السائل يسأل على الباب وعلى الطريق ونحن لا نعرف ما هو؟ فقال: لا تعطه ولا كرامة، ولا تعط غير أهل الولاية، إلا أن يرق قلبك عليه، فتعطيه الكسرة من الخبز، والقطعة من الورق، فأما الناصب فلا يرقن قلبك عليه، لا تطعمه ولا تسقه وإن مات جوعاً أو عطشاً… فإن أبي نُعْم المحمدي (عبدالرحمن، التابعي الزاهد، روى عن أبي سعيد وأبي هريرة والمغيرة!) كان يقول: من أشبع ناصباً ملأ الله جوفه ناراً يوم القيامة، معذَّباً كان أو مغفوراً له”. وفي حديث آخر: “من أدخل السرور على الناصبي، واصطنع إليه معروفاً، فهو منَّا بريء، وكان ثوابه على الله النار”. فتأمل في حال الخامنئي وحزبه في لبنان!

    الرجل عابد لأفكار سيد قطب ومركوس في اللامذهبية، تشرَّب نهج محمد عبده وجمال الدين الأفغاني، وغرق في أروقة السياسة وغاص في دوائر المخابرات، فكيف له أن يطال الحقائق؟ وأنَّى له التناوش من مكان بعيد؟! كل ما يعانيه الشيعة اليوم هو من قراءات خاطئة وقع فيها هذا المستبد الجاهل:

    1/ حسب أن السنة سينصرونه، أو ـ في الأقل ـ سيشكرونه، وإذا بهم يبتهجون ويقيمون الأفراح لهزيمته.

    2/ خاض حرباً مع إسرائيل، وهي أُمة لا تنفك عن دينها، فأقحم الشيعة في صراع ديني عسكري خطير، وهم تحت رايته الباطلة التي لا تتمتع بأدنى مشروعية.

    وصدق الشاعر: لا تحسبَنْك خدعتهنَّ بخدعةٍ، بل أنت ويْحك خادَعَتْك مُناكا. كذب الغواني في سواد عذاره، فكذبْنَه في وُدِّهن كذاكا.

  • ما زال المشهد ـ لو يعلمون ـ كاسفاً كئيباً، والموقع مُثقلاً حزيناً، سماء الضاحية مكتظة بأرواح الأبرياء، تحوم حيرى في المكان وحوله، تعود إلى دُورها فتراها خراباً، وتؤوب إلى مساكنها فتجدها ركاماً، فإذا أُزيلت الأنقاض، ففلاة صفصف وقاع يباب، وغربان عشعشت أوكارها، ثم هجرتها لتستقر على رؤوس أعمدة الإنارة في المدينة الرياضية، والصامد من البناء في الضاحية الجنوبية، أو رفيع أغصان الأشجار البعيدة، في الحدث وبعبدا ومشارف الشوف، تقلع حيناً بعد حين، مع زعقة ونعيب، كأنها ترى الأنفس المظلومة البريئة، وتشاهد بؤس أرواحها المخترمة. والأرواح بدَوْرها في شغل عن النسور والصقور والغربان، لا يعنيها نعيب وزعيق وصهيل، إلا كلَحن جنائزي يحكي صورة ملكوتية لقرع طبول فرق “كشافة المهدي”! إنها تبحث عن أهلها وأحبتها فلا تجدهم، لا تدري كيف رحلوا وأين استقروا؟! فتعود منتظرة، تنتصب فوق البقعة المنكوبة واجمة دهِشة، فما زال دويُّ الصعق والانفجار الذي استهدفها يُحدث بصَداه رجعاً في رؤوسها، وضيقاً قاتلاً في صدورها، يعيدها إلى النزع وحشرجة الموت، التي ما برحت تتجدَّد وتتكرَّر آناً بعد آن! ما زالت الأوردة والشرايين تنتفخ من الضغط المهول الذي تُحدثه القنبلة الفراغية، تتمدَّد وتتوسَّع لتتمزق في ثانيتين أو ثلاث، ويتوزع معها البدن أوصالاً وأشلاءً. فإذا غابت آلام الروح في نسَق الإعادة، وتاهت في رتابة التكرار، وغلبها السأم من الجولة بعد الجولة، والضجر من الانتظار، جاء طنين المسيَّرات وزنين المراقبات ليستعيدها ويذكِّر بها!وهنا ملائكة ترعى أرواح أطفال، لم تُطق أو تدرك عمق البرزخ وما ينتظرها من نعيم في رياض جنانه، فبقيت ملازمة لدُورها، تبحث عن والديها وإخوتها!.. وقد فقد بعض سكَّان العالم الآخر رشدهم، فحسب أن لم يعد لهؤلاء الأطفال براءة تُندب وسلامة نفس تُبكى، فقد سحقها عبث القوم مراراً، وطمرها لوثهم كراراً، حتى قضوا على كلِّ طهر فيهم ونقاء، لكن الحقَّ أن الذوات النجيبة تتجدَّد من تلقائها، وتعود بعد كلِّ انتكاسة إلى ألَقِها، ليأتي التلقين السياسي ويعود التوجيه الشيطاني، فيلوثها من جديد، حتى يستولي عليها، فتُمسخ وتنسلخ عن أصلها!

    لعمري، كم كان الأمر سهلاً ميسوراً، لمن يطلب رضا الله ويريد جنته حقاً، لا الملك والمال والسلطة والشهرة… أمر يقدُمُ من رِفق ويأتي من رحمة، ففي الكافي الشريف عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى “ألم تر إلى الذين قيل لهم كفُّوا أيديكم وأقيموا الصلاة…” التي شرَّعت القيام والقتال في صفِّ الحسين، ثم الصاحب عليهما السلام، قال: “كفُّوا أيديكم، يعني كفوا ألسنتكم، وقال: أما ترضون أن تقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة وتكفُّوا وتدخلوا الجنة”؟ لا يتطلب الأمر أكثر من ذلك! ومن قبله حذَّر الباقر عليه السلام كما في الحديث الشريف، قال: “الغبرة على من أثارها، هلك المحاضير، قلت: جعلت فداك وما المحاضير؟ قال: المستعجلون، أما إنهم لن يريدوا إلا من يعرض لهم. ثم قال: يا أبا المرهف، أما إنهم لم يريدوكم بمجحفة (أي داهية) إلا عرض الله عز وجل لهم بشاغل، ثم قال: يا أبا المرهف، أترى قوماً حبسوا أنفسهم على الله عزَّ ذكره لا يجعل الله لهم فرجاً؟ بلى والله ليجعلن الله لهم فرجاً. ومن قبله قال أميرالمؤمنين عليه السلام: “الزموا الأرض واصبروا على البلاء، ولا تحركوا بأيديكم وسيوفكم في هوى ألسنتكم، ولا تستعجلوا ما لم يعجِّله الله لكم، فإنَّه من مات منكم على فراشه وهو على معرفة حقِّ ربه وحقِّ رسوله وأهل بيته، مات شهيداً ووقع أجره على الله، واستوجب ثواب ما نوى من صالح عمله، وقامت النية مقام إصلاته لسيفه، فإنَّ لكلِّ شيء مدَّة وأجلاً”.

    تُرى هل من مقتضٍ وحاجة، أو داعٍ وضرورة، أن يزعم أحدٌ الثراء ويدَّعي الرفاهية والرخاء، حتى ينافس المترفين البطرين ويجاري الأغنياء؟ فيضطر للانخراط في محافلهم، وحضور مجالسهم، والانتساب إليهم، والدخول في دولتهم، ورفع شعاراتهم، بل لبس ثيابهم، وتناول طعامهم، واقتناء مركباتهم، ومزاولة نشاطهم؟ فإذا خنقته الديون وحاصرته القروض، وأشخصته الحقيقة أمام فقره وعجزه، ولاحت على رأسه علامات الإفلاس، لجأ إلى التسوُّل والاستجداء!

    مَن الذي رفع الراية وسلَّ السيف وخرج، حتى صار النوم ملء العين حسرة على شيعة لبنان؟ مَن الذي اندفع وتهوَّر ليتحدَّى أعتى طاغٍ وأشرس دولة وأقوى نظام؟ من الذي طلب أمريكا للبراز، وإسرائيل للنزال؟ يحسب نفسه علي العصر وحسين الزمان؟ حتى إذا سفكت دماء الآلاف، وهدمت الدور وخرب الزرع وهلك الضرع، ولاقى حاصل أفعاله، اصطلمه الأعداء ونزلت به اللأواء، راح يتوسَّل الحبر الأعظم ويتسوَّل النصارى وشركاء الوطن، وألحق أبناء الشيعة وأيتام آل محمد بصفوف المبهورين بقارون لمَّا خرج على قومه بزينته، يقولون بلسان الحال والأماني والآمال: “يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون، إنه لذو حظٍّ عظيم”! 

    ما ضر لو كنت جليس الدار في عالم السياسة؟ مُهمَلاً مجهولاً، قاعداً مركوناً؟ هل هي الحقوق التي تخشى عليها الضياع؟ فما صنع الخوض والقيام، هل حافظ عليها أو أرجع شيئاً منها؟ أم تراه فاقَم الأمر تردياً وسوءاً؟ وكان “زيادة في مكروهنا وشيعتنا”؟

    لماذا يحافظ غيرنا على وقاره واتزانه، ويمارس في الوقت نفسه احترام الآخر، ولا سيما ضيف كبير مثل بابا الفاتيكان، ويدرجه في مقامه العالمي ومكانته المفروضة.. بينما نذهب نحن في التهريج والابتذال والامتهان ما يبعث على الغثيان؟

    هل حكم أحد علينا وطالبنا وألزمنا أن نوقف أبناءنا على قارعة الطريق، يلوِّحون بأعلام الفاتيكان، ويفدون الصليب ويتمنون أن يقبروا دونه!؟

    والمقارنة تتداعى من تلقائها، وتفرض صورة “حبر أعظم” يخضع في النجف الأشرف على أعتاب مرجعية عظمت روحها فتألق مجدها، ومشهد مرجعية مزيفة تخلَّى صاحبها عن عقيدته وولائه، واستقوى بالسياسة وسلاحه، فوقف على قارعة الطريق في بيروت ينتظر الإحسان ممن يقوم عرشه على جحد “أحمد”، وطمس البشارة الحقة بنبوَّته ودينه، فلم ينل حتى من فتات المائدة الذي بُذل بسخاء لراقصين ودابكين!

    ومما يزيد في الكيل صاعاً فلا يوفَّى، أنَّ الرجل هو “المرجع” الوحيد ـ على مرِّ التاريخ ـ الذي حظر على الهيئات الحسينية في إيران حمل “العلامة” (وهي أشبه براية معدنية ذات شكل خاص) لأن اللسان الهزاز الذي يحدث الرنين في حركة حامله في عزاء سيد الشهداء، يشبه الصليب! كما أنه “المرجع” الوتر الذي يفتي بتحريم وضع ربطة العنق لأنها تشبه الصليب، وأنها ضرب من لباس الشهرة، بينما أدخل هو وابتدع في لباس رجال الدين الشيعة، حين توشح بالكوفية الفلسطينية على متنه، والتزم ذلك حتى يومنا!.. وها هم أبناؤه في بيروت يحملون الصليب ويلوِّحون به للقريب والبعيد، وكل إنسان يولد على الفطرة، وأبواه يهوِّدانه وينصِّرانه ويمجِّسانه!

    في الحديث الشريف عن الفُضيْل، قال: دخلت مع أبي جعفر الباقر عليه السلام المسجد الحرام وهو متكئ عليَّ، فنظر إلى الناس ونحن على باب بني شيبة، فقال: أما والله يا فضيل ما لله عزَّ ذكره حاجٌّ غيركم، ولا يغفر الذنوب إلَّا لكم، ولا يتقبل إلَّا منكم، وإنكم لأهل هذه الآية: “إن تجتنبوا كبائر ما تُنهوْن عنه نكفِّر عنكم سيِّئاتكم ونُدخلكم مُدْخَلاً كريماً”، يا فُضيل، أما ترضوْن أن تُقيموا الصَّلاة وتُؤتوا الزَّكاة وتكُفُّوا ألسنتكم وتدخلوا الجنَّة؟ ثم قرأ “أ لم تَرَ إلى الَّذينَ قيلَ لهم كُفُّوا أيديَكُم وأقيمُوا الصَّلاة وآتوا الزكاة” أنتم والله أهلُ هذه الآية. والقوم يتهالكون ليخرجوا أنفسهم منها، ويصرفوا هويتهم عنها!

    يقال إنَّ قرويين احتاروا في بقرة حشرت رأسها في جرَّة، وقد أعيوا في تخليصها، فرجعوا إلى حكيم القرية، الذي رأى الحلَّ في قطع رأسها، ففعلوا. لكن الجرَّة بقيت على حالها والرأس محشورة فيها! فقال لهم اكسروا الجرة تخلص الرأس. ففعلوا، وحرروا رأس البقرة. لكنهم رأوا الحكيم قد انعزل وتنحَّى جانباً وهو مستغرق يتفكَّر، فدنا منه صاحب البقرة وراح يواسيه بأن لا يحزن، فهو أمر مقدَّر وقع، فأجابه: إنما حزني وتفكُّري هو في يوم سيأتي عليكم ولا أكون بين ظهرانيكم، كيف عساكم تتدبرون أُموركم؟!

  • في آخر لقاء جمع الثلاثي: الشيخ عيسى قاسم، زعيم المعارضة البحرانية (المنفيُّ، أو المهاجر إلى قم، فلا أحد يعرف شيئاً عن طبيعة الصفقة التي أنهت وضعه تحت الإقامة الجبرية في البحرين، بذريعة السفر للعلاج!)، بمسؤوله الحزبي وآمره الميداني، الحاج قاسم سليماني، قبيل استشهاده بأشهر قلائل، بحضور السيد الخامنئي ولي أمره ومرجعه وإمامه… استعرض السيد القائد حال المنطقة، الوضع في العراق واليمن وسوريا ولبنان، وخلص إلى رسم تكليف جديد للساحة البحرينية، ودور طارئ عاجل عليها أن تنهض به. وقد أصدر في هذا السبيل إرشادات وتعليمات تضمنت أمراً صريحاً للشيخ عيسى، مؤداه المباشرة بتصعيد الساحة في البحرين، والانتقال بها إلى صدام حاد لا يتوقف قبل إسقاط النظام! يقال إن بصيص الورع في الشيخ عيسى قد شعَّ، ولحقته بعض شجاعة، حملت الرجل على التوقف ورفض الفكرة، فالمعطيات المتوفرة لديه لا تسمح بهذا الأمر، بل إن الحالة العامة للحركة الإسلامية ستنتكس بآثار عكسية ونتائج مدمرة! انفضَّ الاجتماع حينها على غضب وتبرم شديدين من الشيخ عيسى، وأوامر بإقصائه وعزله، بوشر بتنفيذها بوتيرة حادة ومتصاعدة، سرعان ما تباطأت حتى تلاشت مع تلاحق الحوادث التي أثبتت صحة تقييمه وسلامة موقفه، والكلفة العالية للبحث عن قائد جديد للبحرين. وبالأمس القريب، تناقلت الأخبار شيئاً مشابهاً تلقاه الشيخ نعيم قاسم، أوامر مباشرة من الخامنئي بالتصعيد في الساحة اللبنانية! والأمر بعد هذا الهراء وذاك، خطير يجري أنهاراً من دماء، ويتهدد مصير الشيعة في بلادهم ومستقبل المذهب في بنيته وركائزه وموقعيته!

    يبدو أن لا سبيل لخلاص الشيعة وراحتهم في دينهم ودنياهم ما دام الخامنئي في موقع القيادة، لن تفلح إيران، ولا الشيعة في البلاد التي يمتد إليها النفوذ الإيراني، وبالتالي المؤلم، لن يستقر الشيعة في العالم. لا بدَّ من عزل الخامنئي عن القيادة والولاية، لا لعجزه وتخلُّفه، وافتقاده الشرائط الشرعية والأسباب الموضوعية فحسب، ولا حتى لشؤمه ونحوسته وسوء طالعه على محيطه، بل لكتلة ضخمة من العقد النفسية ومركبات النقص التي تسكن الرجل، وتداعيات ما برحت تخلق العوائق في طريق النجاح، تأخذه للتعثُّر والسقوط في كلِّ منعطف ومنزلق، ما حال دون تحقيقه أي انتصار وبلوغه أي هدف وإنجاز يذكر على امتداد عهده! ولك أن تقف على حجم الأزمة من عجز هذا التعِس عن قراءة نقلة نوعية تعيشها المنطقة، فأدرج تحولات تاريخية خطيرة بدأت خطواتها التنفيذية واضحة جلية، أدرجها في سياق تقصَّد حراك تافه يقوده، وصنَّفها مؤامرة تستهدفه، يحسب نفسه ودولته محور العالم وقطب الوجود! مما لا يمكن تفسيره إلا ضرباً من النرجسية خلقت فيه غروراً وإعجاباً بالنفس تركه و”مرآة” يتطلع فيها فلا يرى إلا قسامته وجماله! يلحقه بشيء من جنون العظمة، أنهى معه أي دور استشاري يستعين به، وأورثه شعوراً بالتفوُّق على محيطه، ناهيك بالتقدم على عدوِّه! لا تفسير لاحتجاب الحقائق والانفصال عن الواقع إلا سطوة العُقد النفسية وغلبة الداء! وهذا بالتحديد ما حمله على قرارات قاتلة لا يمكن لأي عاقل يحيط بأوليات السياسة أن يسقط فيها. ببساطة شديدة، عندما بدأ الغرب بتنفيذ خارطة الشرق الأوسط الجديد، أُعطي العراق للأكثرية الشيعية، ثم جاء دور سوريا لتسلَّم للأكثرية السنية، فانصاع الجميع بما فيهم النظام البعثي والأسرة الحاكمة هناك، وأعدوا عدتهم لصيغة انتقالية توافقية، من موقع تفاوضي لا بأس به، الأمر الذي كان سيتراجع بمكانة التكفيريين ودورهم في المعادلة السنية لصالح القوى المعتدلة والعلمانية، ويجنب البلاد الدمار والعباد الهلاك في حرب أهلية طاحنة، وإذا بالقرار والفرمان الخامنئي يصدر من طهران ببقاء الأسد، ووجوب إرجاع الأمور إلى ما كانت عليه قبل اندلاع المظاهرات ومقدمات الثورة الشعبية والمعارضة المسلحة!

    قد يكون الخامنئي خطيباً مفوَّهاً، أو شاعراً أو متذوقاً للشعر، أو أديباً بارعاً، ولعلَّه قارئ نهم، لم يغادر شيئاً من القصص والروايات العالمية، كما يقال عنه، ويكرر هو عن نفسه، مطَّلع على الثقافة الغربية من هذا الباب الحرج، بل التافه في الميزان العلمي، لكن من المؤكد أنه ليس عالماً دينياً ولا فقيهاً، ولا سياسياً حكيماً، وهو في هذا الميدان يقف على الأعتاب الدنيا، ويحوم في الحمى الأبعد، فإذا مضى فعلى هامش أقرب إلى المهمل المتروك، اللهم إلا ما يخلقه لنفسه، وتكرره مؤسسات جمهوريته، ويروِّجه محازبوه، من لوحة إلهية، يجد له موضعاً فيها، يدير القدر ويعيد قراءته بما يوافق قراراته الخاطئة ومواقفه الطائشة الجانحة، فإذا عبث بذيل النمر الأمريكي أو ناوش الضبع الإسرائيلي وتلقى ضربة مدمرة تطيح به وتضيع جهود عقود خلت، وتهدر ميزانيات فلكية كانت كفيلة بتحويل إيران إلى جنة الله في أرضه، قيل عنها ضربة ردَّت الأنكى الأسوأ، ودرأت الأفظع الأشنع، ودفعت ما هو أعظم! وإذا بدأ بخرق وبلادة حرب إسناد غزة التي دمرت ذراعه الأقوى ومفخرته القدوة في لبنان، قيل لو كنتم تعلمون ما ينتظرنا من البلاء والنكال لولا هذه الحرب الرحمة! فإذا أعلنت النتيجة على الصعيد السياسي وانكشفت عن هزيمة ماحقة، قيل: ما زلنا هنا، وحياتنا أكبر رقم مقاومة، وإن كانت ترسم صفراً كبيراً! ثم لا ينقضي العجب حتى يعمد لإثبات نظريته والبرهان على أوهامه، فيستعيد أخطاءه في سوريا ويكرر الفاجعة في لبنان، حين يعود للتهديد والوعيد من جديد، في أداء منفصل عن الواقع، لا تجد له من تعبير غير المكابرة والعناد، كمن خاصم زوجته فأجبَّ نفسه. الرجل تغلبه الصوَر وتؤثر فيه الأخبار، وتطوح به المفاجآت المباغتات، وتستخفه الأماني والأفكار، ولا سيما هاجس النصر وتحقيق النتائج، التي لم ينجز منها شيئاً، ما برح في الطريق يسعى ليل نهار. أزمته الكبرى أنه لم ينجح في جبهة ولا سجَّل انتصاراً في ميدان، ولا أتمَّ عملاً وأنفذ وعداً قطعه ومنَّى به جمهوره. في السنة الأولى لتوليه الحكم، غلبته نزعة التنبؤات، فبشَّر بفتح إخواني وشيك في مصر، ومنذ ذلك الحين والحركة الإسلامية هناك في تدهور وانهيار!

    لست أدري على التحديد ما هو منشأ العقَد التي تسكنه، وجذر مركَّبات النقص التي تنفعل في نفسيته وتفعل في سلوكه، ولكن يبدو أن الوضع العائلي أحدها، فهو من بيت متواضع، عاش في فقر مدقع، خلافاً لحال رفسنجاني على سبيل المثال، وحتى السيد الخميني نفسه، الذي ينحدر من حالة إقطاعية وزعامة اجتماعية، قبل أن تثنى له الوسادة في الزعامة الدينية والسلطة الحكومية. وقد تكون العلة في أُنسه المفرط بالروايات الأدبية وتأثره بالقصص العالمية وموقع البطل فيها، لست أدري، ولكن ليس من العقل والدين، ولا من الصواب والحكمة ترك الرجل يعبث بمسير المذهب ومصير الطائفة! والسؤال المدوِّي الذي يتردد حول سبب التدخل الأمريكي لوقف غارات إسرائيلية كانت تستهدفه؟ والتبرير “المقنع” الذي قدموه للإسرائيليين بأننا لن نقع على الأفضل منه في تدمير الشيعة، فلن نكرر غلطتنا مع صدام!

    إذا لم تطوَ هذه الصفحة فسيبقى الشيعة في بلاء، ولن يخرجوا من النفق الذي أُقحموا فيه.. الأمل والرجاء في تدخل المولى عجل الله فرجه، ودورنا أن نعينه بورع واجتهاد وعفة وسداد، أدناه إنكار هذا المنكر، والتبري من هذه الولاية الباطلة. 

  • مع أنهما ينتميان إلى المدرسة الفكرية نفسها، مدرسة الحداثة والحركة، ويستلهمان من المفكرين المنحرفين أنفسهم، علي شريعتي وحسن البنا، وبعض رواد النهضة والإصلاح، لكن هناك مميزات شخصية وسلوكية ثم نفسية طبعت كلّاً منهما، رسمت فارقاً يلامس الجوهر في هذين الرجلين، أبرز معالمه البيت والأسرة العلمية، فالسيد موسى سليل بيت علمي وزعامة شيعية تقليدية تمتد من إيران إلى العراق فلبنان، تتمتع بتاريخ حافل، بلغ أن أحدهم (السيد محمد الصدر) تولى رئاسة الحكومة العراقية لفترة وجيزة في عهد الملك فيصل الثاني الذي كان تحت الوصاية لصغر سنه، وهو الخرق الشيعي الثاني بعد حكومة صالح جبر، ثم لم يتكرر الأمر من بعده البتة (حتى سقوط البعث وصدام)!

    بينما الخامنئي شخص مغمور، على هامش الحياة العامة، لا يشكل شيئاً على هذا الصعيد، لا في الحوزات العلمية ولا في الواقع الشيعي، وطالما كانت هذه عقدة ومركب نقص لزم شخصيته! ثم هناك عامل الارتباط بالمرجعية، فالسيد موسى الصدر كان محتَضناً من مرجعية السيد البروجردي، بينما الخامنئي وقع في خطأ جسيم حين ادعى الاكتفاء الذاتي، وسعى لبناءٍ يستقل به عن المرجعية الشيعية! الخطوة التي قصمت ظهره على صعيد آليات التواصل والتفاعل والعمل بين مواقع الفعل وصناعة القرار، في الحالة الإيمانية الشيعية، انتهت به إلى الإفلاس والعزلة عن هذه الأوساط، ومحاصرته في إطار حزبي مُهلك، حتى الحوزات والنطاقات التي تسلَّط عليها بالقهر والقوة، كحوزة قم، لم تنصره وتدعمه! أما الجانب الثوري، فلا الخامنئي ثوري في فكره، ولا موسى الصدر مهادن مسالم في نهجه، فقد نشأت تحت ظلال الصدر حركة “فرسان أو فتيان علي”، كنواة لأوَّل ميليشيا وذراع عسكرية شيعية تعين على خروج الطائفة من الاستضعاف والتهميش، ناهيك عن دور مصطفى شمران اللاحق المعلن بعد السابق المضمر، بل حتى في أطروحته الاجتماعية والسياسية، صُنِّف السيد موسى كرقم ضد الإقطاع الشيعي والزعامات التقليدية المسيطرة على الطائفة، وشكَّل حالة ثورية متمردة عليها. 

    أما الخامنئي فقد كان من رموز اليمين الإيراني في التقسيم الثوري، الذي كان يعارض التوجه الخميني الداعم لحكومة مير حسين موسوي (ما زال رهين الإقامة الجبرية في عملية تشفي وانتقام غريبة!)، وشريحة من الراديكاليين الذين تشكَّلت نواتهم في “الطلاب السائرين على نهج الإمام”، الذين احتلوا السفارة الأمريكية في طهران، ثم تبلورت في صيغتها المعتدلة في حركة “روحانيون مبارز”، وكلها مواقع عارضها الخامنئي وعاداها، والحق أن رفسنجاني، لم يصعد به إلى القيادة وولاية الفقيه إلا لتمتعه بهذه الخصال والصفات، وإذا به يتنكَّر لها ويندفع باستدراج استعراضي مدمِّر، أودى به وبجمهوريته.

    على هامش الهزيمة المؤلمة، والحالة النفسية الموحشة التي يعيشها الشيعة اليوم، على مختلف طبقاتهم وتوجهاتهم، جرَّاء اقتحام الجمهورية الإسلامية أخطر ميدان ودخولها في صراع عسكري مع إسرائيل والقوة الأمريكية العظمى، التي أنزلت بها ضربات ماحقة مزلزلة، سبقها حصار أدَّى إلى سقوط النظام الإيراني على صعيد القيم الدينية والاقتصاد الوطني، وتهلهل الوضع الأمني والسياسي للنظام، كما أدى إلى انهيار أذرع إيران القوية في سوريا والعراق ولبنان، وبقاء اليمن على باب أو لائحة الانتظار. 

    قبل أيام، نشرت قناة البي بي سي العربية خبراً ثم تقريراً صحفياً مصوَّراً يصبُّ في مسعى لطيِّ ملف السيد موسى الصدر، وإعلان وفاته، أو قُل، وقف استنزاف و”احتلاب” غيابه! فقد آن الأوان لظهور قيادة جديدة تملأ الفراغ الخطير في الساحة الشيعية. فالإنجليز لا يستعملون ولا يتداولون، والأهم، أنهم لا يبنون على مقولات “اقتلاع الجذور” و“القضاء المبرم” و”الإنهاء التام” وما شابه ذلك من مفردات السياسة الأمريكية، سواء للمذاهب والأديان والوجودات الطائفية، أو حتى للكيانات الحزبية، وهم يعلمون جيداً أن ما جرى مع النازية لا يمكن تكراره واستنساخه على أي نموذج آخر، لا الإخوان المسلمين وحماس، ولا الشيعة وإيران! لذا هناك اليوم عمل جاد على احتواء هذه الساحات المهزومة، والكيانات المنهارة، بما يعيد تنظيمها وبناءها، ثم اصطفافها والتحاقها بركب المشروع الغربي، والصيغة الدينية المتميِّعة في مشروع “الإبراهيمية”!

    الساحة الإيمانية الشيعية تبحث وتتطلع لزعامة على نهج موسى الصدر، قائد يكون منسجماً مع المنظومة العالمية، منفتحاً على الآخرين، كما هم، لا كما يريده لهم! يعود بالطائفة إلى الأطر والنطاقات التي تعيشها بقية الطوائف، وتخرج من التحزب والتشرذم الذي صنعته وألقتها فيه إيران.

    الخامنئي ذهب بها عريضة، مراهناً على انتمائه الفكري للحداثة التي يريدها الغرب، وانتسابه التنظيمي الذي تقرُّه الماسونية، أو القوة الأعظم التي تتحكم بالعالم، غافلاً أو جاهلاً بطبيعة العلاقات داخل هذه الكتلة، وإمكان الصراع والتصفيات بين أذرعها وأياديها. لذا فإنَّ الساحة الخامنئية تعيش في جدب وقحط رجال، لا توجد شخصية عربية تليق بالقيادة ويمكن أن تضطلع بدور ينافس مرشح التيار الشيعي الحكومي، الذي سيقود الطائفة ويعيدها للانتظام مع أنظمة الحكم في دولها، والوئام مع النسيج الاجتماعي لبلادها، بعيداً عن الهوية الإيرانية الشاذة، والانتساب الثوري بشعاراته الجوفاء المكلفة، الذي بات عنصراً مرفوضاً ورقماً نشازاً لا يقبله العالم ولا يطيقه الشيعة.

    الطائفة المحروسة بعين الله تتطلع إلى قيادة سياسية حكيمة تنتشلها من المآسي الذي ألقتها وبلتها بها إيران، زعامة تترك الشأن الديني، بفقهه وعقائده وشعائره ومقدساته، للحوزة والمرجعية الأصيلة، وتنبري للشأن السياسي بالحكمة والموعظة الحسنة. 

    في الحديث الشريف عن أميرالمؤمنين عليه السلام: “من الحكمة أن لا تنازع مَن فوقك، ولا تستذل مَن دونك، ولا تتعاطى ما ليس في قدرتك، ولا يخالف لسانك قلبك، ولا قولك فعلك، ولا تتكلم فيما لا تعلم، ولا تترك الأمر عند الإقبال وتطلبه عند الإدبار”.