كلما زاد الصخب وكثر الضجيج، تعذَّر الفرز وشقَّ التشخيص، وعسُر تمييز الحجيج! نحن أمام كارثة قلَّ لها النظير، تعيد ـ على صعيد الدمار والخراب والنتائج والآثار ـ فاجعة فخٍّ وواقعة الحرَّة، وما تلا هزيمة التوابين وأعقب فشل ثورة المختار، وجرى في حملات الحجَّاج، وهكذا في حلب على يد تيمورلنك، ومجازر والي عكا أحمد باشا الجزار، والإغارة على النجف الأشرف في الحملة الوهابية، ونازلة الحرب العراقية الإيرانية التي شنها صدام. ولا سيما إنَّ المشهد هنا تتجاذبه عواطف ومعطيات إنسانية في ذروة الزخم والدفق، وعوامل سياسية في منتهى التشابك والتعقيد، ومفاعيل وطنية في قمة الحساسية والخطورة، ثم فتاوى شرعية عبث بها أدعياء الفقاهة وخاض وعاظ السلاطين، حتى غيروا في سنن تشييع الجنازة والصلاة على الميت ودفنه. من هنا التبس فهم المعادلة الفاعلة، وأخفق التفكيك والتفريق، وفشل استخلاص النقي الخالص من لوث السياسة، والحق الصراح من لبس أبي مرَّة وخيانات أبي رغال! خذها إن شئت أو دعها، فلها أهلها الكفيلون بحملها، الحامدون بلوغها، وتأمَّل في الأرزاق أو تحسَّر على الحظوظ: “أفمن يمشي مُكباً على وجهه أهدى أمَّن يمشي سوياً على صراط مستقيم”.
إنه صراع فراعنة، فرعون يرقص في واشنطن ويتلاعب بقادة العالم بأكؤس من رخيص خمره، يرفعها نخباً على مائدة في ماخوره، وآخر يقرأ الكابالا في تل أبيب ويخطُّ طلاسم من تعاويذ وعزائم، وثالث يعيش الكبر والطغيان في دارته بطهران، يحسب أنهم لن يجرؤوا على استهدافه، تماماً كما حسب عامله في بيروت قبل عامين، ظن أنه في حمى خطوط حمراء لن تُهتك، فلا أخذ بتعليمات الأمن ذاك، ولا اتعظ هذا هنا! وحقيقة صراع الفراعنة ومحور صدامهم: تكريس “الأعلى”، فلا ضير من دعوى الربوبية وممارستها، بل هي رافد أساس في البنية الفرعونية. لا غضاضة أن تكون رباً، ولكنَّ مقام “الأعلى” يجب أن يحفظ لهم دون غيرهم، ويختص بهم لا سواهم! والعنصر الآخر هو حق الإذن والرخصة، وامتياز السماح ومنح الفرصة، لا بأس إن آمنتم بأي ربٍّ شئتم عبدتم من أردتم من فراعنة الزمان وطواغيت العصر، ولكن بعد إذن “الأعلى”! إنما حلَّ السخط الفرعوني حين “آمنتم له قبل أن آذن لكم”.. إنها حرب مدمِّرة تدور في فلك شيطاني واحد، خلَّفت أكثر من عشرات آلاف الضحايا من العسكريين والمدنيين في إيران ولبنان والعراق ودول الخليج، أما الخسائر المادية وما طال البنية التحتية التي صُرفت عليها عوائد النفط لأربعة عقود، فقيل أنها تريليونات يصعب تحديد عددها.
على أتباع إيران المصابين بقائدهم الراحل أن لا يغضبوا إن صُنِّفت الحرب وأُدرجت في هذا الإطار، ولم يعدَّ الخامنئي شهيداً حقيقة، وإن أُلقيت عليه أطنان القنابل، حتى قتل مع أحفاده ونسائه مظلوماً، وقضى مصرعاً مأساوياً فجع حتى معارضيه، وصنع درعاً يقي النظام، ما زال صامداً منيعاً حتى الساعة! وأتاح للإعلام أن يكرسه شهيداً.. فهذا لا يغيِّر من الحقيقة، لذا بقيت النخب الإيمانية على أصالتها في رفض تعلُّق عنوان “الشهيد” به. بينما المدرسة الحداثية في أزمة على هذا الصعيد، ولا سيما أنها بادرت بفتح الباب من قبلُ، فما عسى رائدهم وأحد منظريهم (السيد منير) أن يقول في السيد الخامنئي، بعد أن نفى الاستشهاد عن سيد الشهداء عليه السلام!؟ وليس في هؤلاء من قضى في جبهة، وصرع في ميدان؟!
والصحيح البعيد عن التهريج والضجيج، أنَّ جبهة الحق الإلهي إنما تُحرَز، بإحراز المشروعية الدينية، والتثبت من حقيقة “الراية”. وإلا فإن قيام عبدالله بن الزبير لم يخلُ من “حق”، وكذا حركة المختار، ونهضة العباسيين، وثورة النفس الزكية، وقيام الحسن المثلث، وحتى انتفاضة الزنج في البصرة، كل هذه وغيرها كانت تحمل شيئاً من الحقِّ بدرجات متفاوتة، وكلُّها دفعت أثماناً باهظة، وقُمعت بوحشية خالية من ذرة إنسانية، بل حتى حركات التحرر المعاصرة في أمريكا الجنوبية وأفريقيا وشرق آسيا، كلُّ هذه لها نصيب من الحق، في عيش كريم تصبو إليه، وإزاحة حكومات فاسدة، وإسقاط دكتاتوريات جائرة. ولكنها جميعاً، لم تكن مشروعة في فقه أهل البيت عليهم السلام، بما يوجب الالتحاق ويلزم النصرة، لسبب جوهري هو افتقادها إذن الإمام ومباركته، ناهيك عن دخوله ومشاركته. والثورة الإسلامية في إيران، ثم الجمهورية والنظام، كانت تتمتع بمشروعية ولاية الفقيه، وحقه في النيابة العامة، وقد انتهت بسقوطها في أحضان مدَّعي فقاهة ومنتحل صفة، ظهرت منه انحرافات في العقيدة سلخت عنه العنوان، إن قال به قائل، ودون ذلك خرط القتاد! فما عاد ولا عادت تملك من المشروعية شيئاً، وإن جاهدت وناضلت، دعمت البوسنة ونصرت غزة، حاصرها الغرب وحاربتها إسرائيل وقصفتها أمريكا، ذلك أنَّ الحرب لا تدور حول ولاية أميرالمؤمنين عليٍّ عليه السلام وحقه، ولا البراءة من غيره ونبذه، بل على مصالح، ولنقل قيم ومبادئ، يشترك معها فيها مسيحيون في أرمينيا وفنزويلا وكوبا وبنما، وشيوعيون في الصين وروسيا وكوريا الشمالية، ونواصب في صلاح الدين والأنبار، ونصيريون في سوريا، وزيديون في اليمن، ودروز في لبنان دون إخوان لهم في الجولان!
على أتباع النظام الإيراني أن يعوا أنَّ دولتهم “المقدسة” هي جزء من المنظومة العالمية، رقم ولج في الدوائر (الطاغوتية) الخفية التي تحكم العالم، تم تفعيله لعلل وأسباب مبهمة، ورفعه إلى درجة لا يمكن معها حذفه وإلغاؤه، ولعلَّ السر يكمن في أنه الوحيد القادر على تدمير المذهب وإسقاط التشيع الحق في بنيته العقائدية والفقهية وشعائره الحسينية، والكفيل بتقويض حوزته العلمية ومرجعيته الدينية، إنهاء استقلالها عن الدولة، في مناهجها العلمية، وإدارتها وزعامتها، وفي مواردها المالية، المهمة التي أعجزت الاستعمار على مدى التاريخ، وأعيت جميع المشاريع البديلة، حتى جاء النظام الحاكم في طهران، بدولة عميقة تتحكَّم بالنفط والمال والأعمال، وتتسلط على الحرس والاطلاعات، ظهرت كأمل أخير وخيار وحيد لهم، وقد أثبتت نجاحها بما أنزلته بحوزة قم، وفعلته بالشعائر الحسينية والعقائد الولائية. لقد تفننت الجمهورية الإسلامية وأبدعت في ما يجرِّد التشيُّع من جوهره ويزيل عنه حقيقته في التولي والتبري على سبيل المثال، صرفت ذلك وأسقطته على نفسها، ما مسخ المذهب وخلق معادلة جديدة جعلت الناصبي والبوذي والوثني والملحد، وصيَّرت الخليع الماجن والفاسق الفاجر، إذا اصطف مع النظام وسياسته وهتف للمقاومة وسلاحها، وإن كان ثملاً يغني في حانة، أقرب إلى “الحق والصواب”، وبالتالي إلى الدولة والنظام، من مؤمن موالٍ ملتزم، خاشع في صلاته قائم في محرابه، أو متفجع في مأتم وجازع في مجلس عزاء حسيني، ما دام معارضاً لحمل السلاح ورافضاً للقيام والجهاد!
دعك من أتباع الأحزاب الموالية للجمهورية الإسلامية، الذين شربوا من آجن لم يروِهم، وطعموا من آسن أفسد ذائقتهم، شرذمة تعيش انقياداً وصنمية قاتلة، تقوم على الأوهام، تعظِّم الحقير وتُجلُّه، ثم تهوِّن العظيم وتُحقِّره. ينزل بالدين ما يزلزل العرش فلا يكترثون، وتتلاحق على مقدَّساته القواصم فلا يبالون، فإذا مُسَّ سياسي تافه من قادتهم ورموز جماعتهم، أو نال حرٌّ من مظهر إغواء ومسلك تغرير تمارسه جمهوريتهم، وكشف عن زيف وتغييب للحقيقة تحت سطوة إعلامهم، ارتجفت فرائصهم وصلُّوا الآيات يحسبون الأرض زلزلت زلزالها! من هنا خرجت جموعهم المحدودة (دارت قلة عددهم بالفوضى المصطنعة، والتدافع المفتعل) لتشييع تابوت خالٍ! وهم يهتفون “تهدمت والله أركان الهدى”، وظهر في الفضائيات ومواقع التواصل حمار ينعق، يعقد مقارنة بل مفاضلة تذهب إلى أن النبي فقد الزهراء مكسور ضلعها، ونبينا (الخامنئي) فقد زهراءه (كنته) مهشمة جميع أعضائها! هكذا يفقد أدعياء الوعي والتنوير رشدهم، وتراهم في الخطوب سفهاء بلداء، لا ذكاء ولا مضاء، إذا وقعت عليهم واقعة عاشوها في لحظتها، يعميهم وهجها ويغلبهم صعقها، فينسون مقدماتها، ويغفلون عللها، يبكون دكتاتوراً والمقابر مزدحمة بجثث ضحاياه، يعظمون طاغية تكتظ السجون بخصمائه الأبرياء، يندبون غشوماً تئن السماء لهتك المحققين والسجَّانين في “إفين” أعراض فتيان، واغتصابهم فتيات لانتزاع اعترافات، ثم يتعمدون تسريب الخبر لبث الرعب وتحقيق الردع، فتسكن عندها المظاهرات!لقد شكَّل الخامنئي فتنة مضلَّة في جنازته، كما عاش حياته وأمضى عهده الممتد، وولايته التي أورثت الأُمة الضجر والسأم، وأنزلت حتى بأقرب الناس إليها المَلل والبرم! أصر القوم على نقل الجنازة، وإقامة جولة في العراق، أرادوها إقراراً واعترافاً بفقاهة فقيدهم، وإمضاءً لعهده، فصدمتهم النجف بأدائها العلوي! لم يلتف بالجنازة إلا الأتباع من قابضي الرواتب من الأحزاب، امتنع جملة الفضلاء، وغاب حتى عامة الطلاب، مخلين الساحة للموظفين المكلفين! لتنكشف الحقيقة وتنجلي، وتنفضح الخطة ويظهر الكيد والمكر، والله خير الماكرين. استعراض وتكسُّب سياسي مقيت، أطرافه أحزابهم في العراق، يلوذون بتوابيت خالية، وفرق حماية الشخصيات تتنافس على تسجيل حجم حضورها حول النعش، فحظوتها عند النظام ومكانتها عند ”الأخوال” و”الأعمام”! ورائدهم فيلسوف في قم، خلا له الجو بعد وفاة مقبِّل الأقدام، فقرأ مخترعاً صلاة لم يسبقه إليها أحد، كما فعل رسول الله مع جنازة عمه الحمزة! يحسب أنه يتمتع بولاية على الأحكام، بعد الولاية السياسية والحكومية! فلا تعجب من التحاق أياد جمال الدين، بجوادي آملي، بعبدالحليم الغزي، بوئام وهاب، بأسد قصير، بنجمات الإغراء هيفاء وهبي ورغدة، وعدِّد من شئت من الحثالات والمرتزقة والصعاليك، أو من الفنانين الرساليين أمثال جوليا بطرس، وزياد الرحباني، ولفيف من اليسار الفلسطيني واللبناني، ينافسون الدواعش في إطلاق اللحى وفتل الجدائل!
هذا خطاب للأحرار خاصة، الكبار في هممهم، الشرفاء في قضيتهم، العظماء في غيرتهم على دينهم وأئمتهم ومقدساتهم، الذين تجد من نشاط واحد منهم أثراً يفوق فعل جيش ألكتروني من مئات المحازبين! إن الانخراط في التطور العلمي، والعمل بالتقنيات الحديثة، والأخذ بالاكتشافات، هو من أبرز علامات الانتماء للنهج الطاغوتي الفرعوني! يقابله نهج “المنتظرين” الذين تصب أُطروحتهم ضد “الآلة”، وتمضي في تعطيلها والعودة بالحروب الى الخيول والسيوف، والشجاعة الحقيقية، المتمثلة في المواجهة الشخصية. دعهم يسخروا ويستهزئوا بنا، يرموننا بمعارضة العلم ورفض التقدم، وترك الأخذ بالأسباب، والسعي للعزلة والانكفاء، ألم يفعلوا ذلك في العهد الأول، قبل الطوفان، مع نوح النبي حين كان يبني السفينة في البر، حيث لا نهر ولا بحر؟ إنما نحن أتباع أهل البيت وأبناء أئمة الهدى الذين علَّمونا أن طوبى للنوَمة، الذين إذا حضروا لم يُعرفوا، واذا غابوا لم يُفتقدوا، وإذا شهدوا لم يُشهدوا، وإذا خطبوا لم يُزوَّجوا، وإذا قالوا لم يُقبل قولهم، وإذا ماتوا لم تُشهد جنائزهم، أولئك مصابيح الهدى.. وليقل الناس عن جوهرة تحملها في كفِّك أنها حجر أو حصاة، دعهم وتخرصاتهم، ويمِّم شطر السفينة وبانيها. كل ما هناك، أننا لا نريد أن نكون من الهمج الرعاع، اللاهثين في الانتخابات، والخائضين في المناكفات، يتركون مجالس أهل البيت لصالح المهرجانات، يخدمون أحزاباً ومنظمات، يُطعمون الناس على حب الزعيم وتحت رايات وصور كان تعليقها هو غاية جهد أصحابها وخدمتهم للقرى والبلدات! لا نريد أن نكون ممن يعلو صخبهم في الشوارع والميادين لفوز فريق رياضي لبلد لا شأن لهم به، ولربما كان يعاديهم ويحاربهم. يبذل ماء وجهه في التسوُّل والاستجداء، ثم تراه ألبس أطفاله كلهم قميص الفريق الذي يناصر، وابتاع لهم الأعلام، وحشدهم ليعينوه على الفريق الآخر… من وراء الشاشة!
كان الأولى أن يُودع الجثمان في ناووس، ويدفن إلى جوار الفردوسي في طوس، والسلام.