يرى بعض العلماء، وفيهم مراجع عظام، أنَّ من رسائل عاشوراء ومعطياتها الخطيرة، ما يزيح عن هذا القيام وينحِّي عن هذه الثورة وينفي أن تكون نموذجاً رُسم للعمل، وتكليفاً عاماً طُرح للاقتداء والاتباع. وإذا صرفنا البعد الغيبي والآثار البعيدة المتأخرة، وغير المباشرة المحسوسة (التي لا يمكن لغير المعصوم البناء عليها والعمل وفقها)، فما هي إلا رسالة تكشف الحدود التي يمكن أن يبلغها الطغاة، من الفتك والبطش والإبادة والإهلاك، وعبِّر بما شئت من ضروب القسوة والضراوة والعنف والوحشية! رسالة وطَّنت في نفوس المؤمنين حقيقة بطلان فكرة المواجهة، وعجز خيار القيام والصدام، فشل هذا وذاك، وأنه لن يبلغ بدُعاته وأصحابه السلطة التي تمكِّنهم من تطبيق أحكام الدين، على الرغم من دفع أبهظ الأثمان، وتكبُّد أفدح الخسائر، وتحمُّل أصعب الكُلف!
وأبسط الأدلة على ذلك، امتناع الأئمة المعصومين ـ بعد سيد الشهداء ـ عن القيام، والتزامهم التقية، والأخذ بنهج أميرالمؤمنين في الصبر على طول المدَّة وشدَّة المحنة، وكأن الحسين بعد الحسن أبلغا شيعتهم، كلٌّ على طريقته، بأنَّ السعي هنا، سواء بالنشاط السياسي أو الفعل الثوري وإشهار السلاح، لا يجدي، مهما بلغت التضحيات، وأنَّ الأمر في نظام أهل البيت عليهم السلام موكولٌ للمهدي المنتظر على نحو الحصر والتعين. وهكذا الدليل الذي يعيشه كلُّ مؤمن في وجدانه، من صمت ولي العصر وإمام الزمان، وسكونه في مغيَّبه، مُعرِضاً عن المصائب والويلات، ومتجاهلاً الظلامات التي تجري أمامه وفي محضره، وعلى مرأىً منه ومَسمع، مما يقع في شتى بقاع الأرض ولا يوفِّر موقعاً على هذه البسيطة، و”الدنيا عنده كفلقة الجوزة في كفِّ أحدنا”، فهو صلوات الله عليه شاهد حاضر (وإن غاب شخصه وتوارى في الحجاب بدره، في ناحية تقصر عنها أيدي الظلمة وتعجز أن تناله بسوء)، لم ينهض بثورة ولا قام بجهاد لتحقيق حكم الله والاقتصاص من الجناة، ولا ظهرت منه أدنى “حركة مقاومة”. ومن نافلة القول أنَّ البحث هنا لا يشمل مسألة “الدفاع”، وما يحكم به الشرع المبين إذا دهم معتدٍ ثغور المسلمين، ولا الحالة الفردية التي يواجَه بها السارق وقاطع الطريق، في حالات الدفاع عن النفس والعرض والمال.
وبعد هذه الرسائل، علينا أن نعي حقائق ونتنبَّه لمعطيات ماثلة أمامنا، تنادي بنا وتهتف، لكن “الحركة الإسلامية” تتعامى وتتصامم، وتأخذنا لنخوض معها مغامرات رعناء ومخاطرات هوجاء، ومقامرات حرام، لنسقط في الهلكات! في طليعة هذه الرسائل والحقائق المغفولة: أننا لا ولن نحظى بموقع ولا متَّسع في المنظومة الحاكمة على العالم، ونحن نحمل وننادي بالبديل، ونسوِّق لمشروع المهدوية المسقطة لجميع العناوين الحاكمة! لذا فلن تنقذنا القوى العالمية العظمى، ولن تسعفنا الأنظمة الحاكمة في بلادنا، سنبقى نحن وقدراتنا، وما نختزن من إيمان وورع، ونملك من عقيدة صحيحة، ونتمتع به من كياسة وحكمة، ترعى حالة الأقلية، وميل الناس إلى الرخاء والدعة، وإعراضهم عن البذل والتضحية، وتلحظ خضوع عالم اليوم لقوة عظمى و“منظومة” كبرى، مُحكمة البناء، مترابطة الأعضاء، لا فرجة فيها لأي نفوذ وولوج، ولا فسحة لأي توغل واختراق. لا حيلة لنا غير الصبر، وليس أمامنا سوى الانتظار، ودع عنك هراء الحداثيين، الذين يفلسفون الأمر ويتأوَّلونه حين يعجزون عن مواجهته علمياً، لاستحكام الأدلة التي تدحض مقولاتهم، وقوة الحجج التي تدفع تشكيكاتهم، يهنون أمام فيض أحاديث الانتظار، فيطرحون مقولة “الانتظار الإيجابي”! تماماً كما يفعلون مع البكاء على سيد الشهداء، لا يمكنهم إنكار فضله وأجره، فيزعمون أن هناك بكاءً سلبياً وآخر إيجابياً!..
إنَّ النطاق الوحيد الذي يمكننا الحركة فيه، هو إنقاذ الساحة الإيمانية من شرِّ هؤلاء، سواء ضلالهم الفكري العقائدي، أو فساد وبطلان موقفهم السياسي والاصطفاف المعادي للأوطان والمجتمعات التي يعيشها الشيعة عنصراً فاعلاً ومكوِّناً نزيهاً شريفاً، لا تجد في المصر أصدق منهم حديثاً، ولا أعظم أمانة وإخلاصاً، وأخذاً بكلِّ عنوان يحقق “يحببنا إلى الناس ولم يبغضنا إليهم”، وسيرة تجعلهم “زيناً لأهل البيت لا شيناً عليهم”، يحمل الناس على قول: “هكذا أدَّب جعفر أصحابه”، حتى إذا أخذهم السلطان الجائر ظلماً، شهدوا لهم وانتصروا، لا هللوا وشمتوا وأقاموا الأفراح، كما يفعلون اليوم!
إنَّ إسقاط الثورة الإسلامية ووقف مفاعيلها المدمِّرة، أو إدارة دفة هذه السفينة العملاقة التي تمخر عباب البحر، لا تنتظر وقوداً، ولا تتوقف عند أعطال أو تعيقها أعطاب… يتطلب عملاً جباراً بعظمة الباخرة وقوتها. إنَّ القصف الخارجي والقمع الداخلي، لن يعالجا الأمر، بل يأجِّجانه، ذلك أنَّ الثورة الشيعية ليست وليدة خطط وارتباطات مخابراتية، تتفكك بالتفاهم مع رأسها واحتواء قيادتها، ولا هي صنيعة أحزاب، تتوقف وتنتهي بالقضاء على هيكلها، كما جرى مع داعش والنصرة وغيرهما من الحركات الجهادية والمنظمات الإرهابية، بل هي ابنة بيئة مظلومة مستضعفة، عاشت القهر والاضطهاد الدهر كله، وتلمست أسباب الثورة عن حسٍّ وشهود في التمييز والتحجيم، والنبذ والإقصاء، إلى جانب ما تتمتع به من فكر عميق وفقه متين، لا يمكن معالجته إلا بسُبل علمية، وفعاليات ثقافية، تحمل فكراً على ذاك الحد من العمق والغوْر، وفقهاً يضاهي ما تحمله الثورية من صلابة ومضاء، وفي ذاك السطح من المتانة والوثاقة، وهذا ما لن تجده في غير الحوزة الأصيلة والمرجعية التقليدية، التي سعت الجمهورية الإسلامية باستماتة لهدمها وتقويضها.
وكنموذج تطبيقي، يمكن التدرُّج في عرض هذه الصحيفة…
بعد انهيار الامبراطورية الروسية وانتهاء حكم القياصرة عام 1918، أُعلنت آذربيجان جمهورية ديمقراطية مستقلة، لكنها لم تلبث غير عامين، حتى اكتسحها البلاشفة ودخلها الجيش الأحمر، فسقطت وأُلحقت بالاتحاد السوفييتي. تعرَّض كثير من السياسيين والمثقفين المرتبطين بالجمهورية المستقلة للاعتقال والنفي والإعدام، وأخذ القمع الديني مأخذه من الشعب المنكوب، ولا سيما أنَّ السلطة السوفييتية انتهجت الإلحاد رسمياً، وأخذت إليه البلاد بالحديد والنار. والآذريون مطبقون في التشيع، متوحدون في هوية بلادهم، فأغلقت السلطة مساجدهم وحسينياتهم، وصادرت الأوقاف، ومنعت المظاهر والشعائر الدينية من صلاة وصيام وحج، وأتلفت المصاحف وأحرقت الكتب، وعطَّلت التعليم الديني بمختلف مراحله ودرجاته، من دور تحفيظ القرآن للأطفال، إلى الحوزات التي تضطلع بتربية علماء الدين، الشريحة الأكثر تعرُّضاً للملاحقة والتنكيل والاضطهاد، ولا سيما في عهد ستالين. وفي هذا السياق مُنع الحجاب وغيِّرت الأبجدية، من العربية إلى اللاتينية، ولم يبق من هوية البلاد والشعب سوى لغته المحكية، ولا من دينه ومذهبه إلا هامش ضئيل من العزاء الحسيني! الذي انتقل إلى الخفاء، وصارت المجالس تعقد في نطاق عائلي محدود، في قرى بعيدة عن العاصمة باكو، مثل لنكران ونخجوان. لكن يوم عاشوراء كان يقلب كيان الشعب والسلطة معاً! حين يندفع الناس بزخم إحياء الذكرى، وملؤهم الحرقة والفجعة، وإصرار يعصف بكلِّ واقع يريد تعطيل هذا المظهر، والتحايل على أمر مندك في فطرتهم. وهو ما لم تتمتع به الصلاة والصيام وغيرها من شعائر الله وأحكامه! وأمام الزخم العاطفي الجارف، كانت الدولة تتراجع، كونها طقوساً اجتماعية خالية من أهداف سياسية أو دعوات ثورية، والتصدي لها يخلق أزمات ضررها أكبر من نفعها!
انحنى الشعب الآذري للعاصفة السوفييتية، واستسلم للاحتلال البلشيفي، وتعايش مع إلحاده ما يناهز القرن! حتى إذا بلغ أمده، ووافى أجله، أخذ الشعب يستعيد هويته، ويعود لجذوره، ولولا التدخل الإيراني، والشيطنة التي مارسها نظام طهران في اللعب على وتر الانتصار للعنصر الأرمني، لرأيت باكو اليوم لا تختلف عن بغداد والبصرة، ولاهور وحيدر آباد ولكنو، والنبطية وبعلبك، والبحرين والقطيف، والكويت والأحساء، وغيرها من حواضر الشيعة! لكن الخيار الإيراني الذي لا يكترث بالمذهب، وما فتئ يحمِّل الشيعة في بلادهم الثمن، عبثاً بالقضية، إفراطاً فيها وتفريطاً بها، سبَّب بطء العجلة، التي تنتظر التشيُّع التقليدي الحق، والمرجعية الأصيلة، تمتد بظلالها، وترعى هذه الأُمة المغلوبة المقهورة بنفوذ التشيُّع السياسي، ودور الأحزاب الإيرانية.
تُرى، ماذا كان سيحصل لو أنَّ الآذريين استجابوا لدعوات المقاومة، وانخرطوا في مواجهة الروس والبلاشفة، وجاهدوا لإنهاء احتلال بلادهم وطرد عدوِّهم؟! ماذا لو قصرت باصرتهم وعميت بصيرتهم عند الكتائب والفصائل المحدودة التي دهمت بلادهم؟ ولم ينظروا ويقرأوا ما يقف خلفها من ترسانة عسكرية قهرت ألمانيا النازية وهي تكتسح أوروبا، وكبحت من بعد جماح حلف شمال الأطلسي؟ ماذا لو التحق الشعب بالمقاومة، واصطف معها بين منتسبين وبيئة حاضنة، وهم في غفلة عن قوة ردعت السلاح النووي الغربي، وقسَّمت العالم إلى قطبين يخوضان حرباً باردة لم تنته إلا بإْختراق أمني عبر غرباتشوف فكك الاتحاد السوفييتي؟ لعمري، لو لم يعمل الآذريون بالتقية، فينحنوا لهذه العاصفة الهوجاء، فإنَّ نصفهم كان اليوم في سيبيريا، يتحدث خلَفهم التترية والمنغولية والأورالية، ويحمل أحفادهم الجنسية الروسية، والنصف الآخر نزلاء قبور جماعية، ما لبثت أن زُرعت حقولاً للقمح أو بساتين للفاكهة!
إن التحوُّل الديمغرافي وتغيُّر التركيبة السكانية لمنطقة أو بلاد، هو سياسة سلطوية مشهودة، حققت أهدافهما في فلسطين على يد العصابات الصهيونية ومَن خلفها من قوى عالمية، وجرت في البلقان عند انهيار الدولة العثمانية، فنزح أو طُرد مئات الآلاف من المسلمين، أصبحت مناطقهم جزءاً من دول قومية جديدة. ومضت خلال حرب البوسنة، فارتُكبت عمليات تطهير عرقي ضد البوشناق والصرب والكروات في مناطق مختلفة، بهدف إقامة مناطق ذات أغلبية عرقية واحدة. وفي حرب كوسوفو تعرض الألبان ثم الصرب لعمليات تهجير قسري. وكذا الحال في شبه جزيرة القرم، التي شهدت تغيراً ديمغرافياً كبيراً، لا سيما في عام 1944، حين أمر ستالين بترحيل معظم تتار القرم قسراً إلى آسيا الوسطى، بتهمة التعاون الجماعي مع القوات الألمانية، وقد توفي عدد كبير منهم أثناء التهجير أو بعده بسبب مشقات التهجير وظروفه القاسية. وبعد الترحيل، شجعت السلطات السوفييتية استيطان سكان من أصول روسية وأوكرانية في القرم، ما غيَّر التركيبة السكانية للإقليم بصورة كاملة. هكذا جرى الأمر في شبه القارة الهندية عبر عمليات نقل المسلمين إلى باكستان وبنغلادش، والهندوس والسيخ إلى الهند، كما في جزيرة قبرص التي قسِّمت إلى شطرين توزعها المسلمون والمسيحيون. وفي فترة وصول طلائع الهجرات اليهودية إلى فلسطين (أواخر القرن التاسع عشر وبداية العشرين)، وقعت عملية هجرة محدودة على الشيعة في جنوب لبنان، بدأت بسكان بنت جبيل، تحت غطاء حاجة أمريكا (ديترويت في ولاية مشيغان) لحرفيين مهرة في صناعة الأحذية! لكن هذه العمليات توقفت لأسباب مجهولة، لا أستبعد ـ شخصياً ـ يد الغيب والإرادة الإلهية فيها!
علينا أن نتفهَّم ونعي وندرك، أنَّ تهديد التغيير الديمغرافي قائم، يتوجه إلى الشيعة والدروز والمسيحية والسنة، لا أحد منهم في منجى ومأمن، وأنَّ الأمر لا يعالج بسلاح يتمسك به الضحية، ينادي معه: “لن أتزحزح من داري أو أموت”، فقد كان الشيعة يقفون على أرقام وأحجام خيالية من السلاح، تم تدميرها وهي في المخازن والمستودعات، ولم يتح لأصحابها التقاط أنفاسهم، ناهيك بحملها والتوجه بها إلى الجبهات، أمَّا استعمالها أو تنفيذ خططهم المعدَّة لها، فقد باتت مسرحية هزلية أمام تدبير المنظومة العالمية!
ما زال القيام والقعود، هو القضية الأولى في الساحة الإيمانية منذ كانت “شقشقة” أميرالمؤمنين عليه السلام، وما برحت القضية الثورية معضلة تتصارع فيها قيم الحرية والإباء والعزَّة والكرامة، مع مفهوم “التسليم”، وهو جوهر الدين وكنه الولاء! وعلى كلِّ مؤمن أن يحدِّد موقفه هنا، ليكون مع إمامه، لا قبله ولا بعده.
في حديث سُديْر الصَّيْرفي قال: [دخلت على أبي عبدالله عليه السلام فقلت له: والله ما يسعك القعود. فقال ولم يا سُدَيْر؟ قلت: لكثرة مواليك وشيعتك وأنصارك، والله لو كان لأميرالمؤمنين عليه السلام ما لَك من الشيعة والأنصار والموالي، ما طمع فيه تيم ولا عدي. فقال عليه السلام، يا سُدَيْر: وكم عسى أن يكونوا؟ قلت: مئة ألف. قال: مئة ألف؟! قلت: نعم، ومئتي ألف!؟ فقال: ومئتي ألف!؟ قلت: نعم، ونصف الدنيا. قال: فسكت عني، ثم قال: يخفَّ عليك أن تبلغ معنا إلى ينبع؟ قلت: نعم. فأمر بحمار وبغل أن يُسرجا، فبادرت، فركبت الحمار، فقال: يا سُدَيْر، أترى أن تؤثرني بالحمار؟! قلت: البغل أزين وأنبل. قال: الحمار أرفق بي! (وهذه أولى رسائل الإمام، وتتضمن الإشارة إلى دعوى العجز وزعم قلَّة البأس!)، فنزلت فركب الحمار، وركبت البغل. فمضينا فحانت الصلاة، فقال: أنزل بنا نصلي، ثم قال: هذه أرض سبخة لا تجوز الصلاة فيها، فسرنا حتى صرنا إلى أرض حمراء، ونظر إلى غلام يرعى جداء. فقال والله يا سُدَيْر لو كان لي شيعة بعدد هذه الجداء ما وسعني القعود. ونزلنا وصلَّينا فلما فرغنا من الصلاة عطفت على الجداء، فعددتها فاذا هي سبعة عشر]!
لو أراد الحجة عليه السلام أمثال هؤلاء الذين يهتفون لأحمدي نجاد كما يهتفون لبابا الفاتيكان، يعظِّمون فضل الله ولا يبالون بجرائمه وانتقاصه من الزهراء واستخفافه بمصابها، ويرفعون أصحابهم فيجعلون الخامنئي علي زمانه، ونصرالله حسين عصره، ويجحدون الولاية وينحلونها من هبَّ ودبَّ، فأضرابهم أكثر من غثاء السيل وزبد البحر وخشاش الأرض، لكنه “الكبريت الأحمر”، الذي عزَّ حتى ما عدت ترى واحداً منهم!