إذا جاز التصنيف، وأمكن تحديد نِسَب الفئات، وتقدير أثقال الكتل، وقياس الأحجام الوجودية التي تشغلها كلُّ جماعة، من التي تشكِّل في مجموعها الكيان أو الجسم الشيعي، فإنَّ التيار التقليدي سيكون له الحضور الأكبر والحظ الأوفر، وستراه يتمتع بحصة الأسد، التي تحقِّق له أغلبية مطلقة وأكثرية مريحة بين الجماعات الفاعلة في الحالة الإيمانية، وتطبع السمة العقائدية للطائفة الشيعية في مختلف البلاد، بنِسَب ودرجات قد تكون متفاوتة، لكنها ترسم في المجموع واقع الفرقة الناجية لصالح الأصالة والحالة التقليدية. وهذه حقيقة يدركها المراقبون للساحة، ويعرفها كلُّ ناشط في الحقل، ممن لا يؤخذ بطفح الأوهام، ولا يُخدع بمكائد الإعلام. الأغلبية هي للولائيين المعتزِّين بهويتهم، المتمسكين بعقائدهم، العاملين بشعائرهم، والآخذين بكلِّ كمال وجمال يُعزى إلى نجابتهم، ويأتي من نقاء فطرتهم وسلامة طبيعتهم. ذلك أنهم في نمط عيشهم، وما ألفوه خلفاً عن سلف، وعهدوه جيلاً بعد جيل، يلجأون في أُمور الدين إلى “رجال الدين”، ويتبعون الحوزات العلمية، ويعودون إلى مراجع تقليديين، يستقون منهم العقائد والأحكام، فيضعهم الأُمناء الحفَّاظ على الجادة، ويأخذون بأيديهم في سبيل النجاة، فتراهم يصيبون الحق أبداً، وينهلون نقياً من عين صافية، ويتبعون الأصالة فتدركهم السلامة. هكذا تتشكَّل أكثرية ومجموع عام، يجعل الحداثة والتجديد والإصلاح والتغيير والحركية السياسية والنزعة الثورية، كما سائر مقولات الغلو أو التقصير، والتصوُّف والفلسفة، والابتداع والاختراع، وكافة تيارات الضلال ومشارب الانحراف في الوسط الشيعي، عرَضاً عابراً، ضئيلاً حسيراً، مغلوباً مندحراً.
لكن على الرغم من هذه الحقيقة، فإنَّ الواقع المحسوس في بعض المجسَّات، والملحوظ المشهود الذي ترصده بعض الجهات، يحسب النتيجة ويسجِّل الحصيلة لصالح التيارات الحداثية، ولا سيما العاملة في الحقل السياسي، المنخرطة في الحركية الثورية! ذلك لحجم فعالياتها ومكان نشاطها وتأثيرها، وما تحمله للعوام من شعارات برَّاقة ودعوات تهيِّج المشاعر وتحفِّز التطلعات المنطوية في شعارات الحرية والمساواة والعدالة، وكل ما يدفع الظلم وينعش الحق ويأخذ في الخلاص من تسلُّط الأعداء. ففي بلد مثل الكويت، على سبيل المثال، لا تتجاوز نسبة مقلدي السيد الخامنئي، والمؤمنين بفكره ونهجه في المكوِّن الشيعي 7% فقط (وفقاً لإحصائيات ما قبل كورونا)، لكن لما كان كلُّهم ناشطون عاملون فاعلون، تراهم ينجحون في خطف العنوان والظهور كأغلبية تمثل الشيعة، عبر مقاعد نيابية وبلدية ومجالس إدارات جمعيات تعاونية، يبرعون في الاحتيال على الناس وإقناعهم واستمالتهم لكسبها!
إنَّ هذه الجماعات هي كيانات لقيطة، لُقِّحت في أقبية المخابرات، وانعقدت نُطفها في مواخير الماسونية، ثم تلقفتها الجمهورية الإسلامية ورعتها، لا أدري من حمق وجهالة أم خبث ودخول في المؤامرة؟! أبناء سفاح من حرام اللقاح، تبنَّتهم الخامنئية واحتضنتهم، وأطلقتهم في الساحة العلمية والثقافية، ليقوموا بالتحريف والتزييف، وبثِّ الضلال وتشريع الانحراف، فصل المؤمنين عن تراثهم الديني (أحاديث أئمة الهدى، وعطاء الأعاظم من علماء الإمامية)، وقطعهم عن أُصولهم، وبترهم عن جذورهم، ترويج البدع والمحدَثات، واختلاق طقوس وشعائر تستعيض عن إحياء وقائع أهل البيت، بمناسبات قادتهم وزعمائهم وأحزابهم، وكذا إسقاط المقدَّسات الراسخة وصنع بدائل عارضة، والأخذ بكلِّ ما يزدري الموروث ويستحدث الرموز، ما ينتهي إلى صرف الناس عن الدين الحق، وفصمهم عن تكاليفهم، إغرائهم بأوهام، واللبس عليهم بأحكام، وإشغالهم بأُمور ما أنزل الله بها من سلطان. وأخطرها الذي يسوق المذهب ويقود الطائفة إلى الهلاك: الشأن السياسي، والانخراط في قضايا المقاومة والجهاد، وما ينتهي بالشيعة إلى الظهور كجماعة مارقة، خارجة عن النسيج الاجتماعي لبلادهم، وخطر يتهدَّد السلم الأهلي والوئام الاجتماعي في أوطانهم، وما يحملهم على مواجهة السلطات الحاكمة، حتى يطالهم التنكيل وينزل بهم الاضطهاد، ثم يتطوَّر الأمر وتتفاقم الأزمة، فينبرون للقوى العظمى التي تسيطر على المنطقة، وتتعاهد الاستقرار فيها بما يؤمِّن مصالحها، فيدخلون الحروب ويقاسون ويلاتها.
ولا يكتفي الحداثيون الحركيون، أتباع إيران وأحزابها، حملة فكر الخامنئي وفضل الله والحيدري والغزي واليعقوبي والمدرِّسي ومن لفَّ لفَّهم، الملتزمون بالنهج السياسي للجمهورية الإسلامية، لا يكتفون بدعوى تمثيل الشيعة وتحقُّق “بيضة الإسلام”، التي دونها التضحية بالغالي والنفيس، فيهم، ولا بمصادرة عنوان الأكثرية، وتزييف الواقع بالظهور الغالب والحضور المهيمن على الساحة الشيعية، بل تراهم يلاحقون الأشخاص والأصوات والأقلام الناشطة في الجبهة التقليدية، الذين يحملون الأصالة في الفكر والمعتقد، والولاء لأهل البيت حصراً دون توسُّع يميِّعه، وتراخٍ يهدم حدوده ويقوِّض بناءه. يتتبعونهم، وهم قلَّة قليلة، لا تكاد تُذكر في عددها وحجمها، ولا في نشاطها ونتاجها، وإن كانت نخبة نادرة في شأن تصدِّيها، ونوع دفاعها! ويمكن الإشارة هنا ـ على سبيل المثال ـ إلى العلامة الشيخ محمد حيدر، أحد أبرز تلاميذ الفقيد السيد محمد سعيد، وأستاذ البحث الخارج في النجف الأشرف، والسيد المفضال عمار آل يوشع، أبرز تلاميذ السيد حسين الحكيم ومقرِّر أبحاثه، والعلامة الشيخ حسن خشيش العاملي شعلة الغيرة والحميَّة على المذهب الحق، فلا يَسلمون من رصد ومطاردة، ولا يخلصون من كيد وسخط، ولا ينجون من سهام القذف والافتراء، وطعون البهتان والاختلاق، وغارات الإشغال والإلهاء، وتبديد الطاقات وهدر الإمكانيات وتعطيل القدرات، بما يصرفهم عن الجهاد في ثغر العقيدة الحقة، ويعيقهم عن ردِّ الغيِّ والزيغ، وإبطال الزور والزيف، ويحول بينهم وبين الإجابة عن التشكيكات ودفع الشبُهات، وأهم ما يقوم به هؤلاء الأعلام هو إرشاد المؤمنين وتوعيتهم حول تطبيق الموضوعات وتشخيص مصاديق الأحكام وصرفه إلى المكلَّف نفسه، دون تلقيه من قائد حزبي ومسؤول حكومي، والحث على كسب التكليف الشرعي في القضايا الخطيرة التي تمرُّ بالمواجهة، أو تنتهي إلى الدفاع وإراقة الدماء، من المرجع الأعلم، لا من طارئ على الفقاهة، عاجز عن تشخيص حاله وتمييز وضعه، مما عرفه الصبيان والعوام، وخفي عليه الظاهر لكلِّ عيان! فما زال يمدُّ عنقه، ويرفع هامته، ويطيل قامته، ليتلقى منجل العدو الغادر، يحصد رأسه، مع سنابل قادته وأعوانه، زرافات ووحداناً! فيا لله وحكمة هذا الأمير، ويا للمسلمين وهذه الحنكة والتدبير!
هناك حملة منظَّمة تنهض بعمليات الإرهاب الفكري، تقوم بالتسقيط أو تلوِّح به لكلِّ ناشط مخلص، وتهدد كلَّ ولائي نزيه، لا يحيد عن الأصالة في فقهه وعقائده، ولا يعبث بالأدلة ليلوي عنق الحقيقة، ولا يدير الدفة بما يدرُّ معاشه ويحقق رضا أسياده. يقومون بذلك أجمعين، من الرابض على رأس هرم الوضر المتراكم، حتى أصغر صعلوك يستجدي الفتات في القاع، يجمع العلب الفارغة من الأطراف، التحق بركبهم متأخراً، فنزلت به لوثة الاستدراك بعد الفوت، يقضي ليله باللهو واللغو، ثم ينام عن صلاة الفجر، لا تدري مَن الذي عضَّه فأورثه هذا السعار، أو تركه في العراء بلا دثار، فنزل به من الديك السعال ومن الدجاجة الذرق والزحار، يقضي الساعات أمام المرآة، فلا يرى إلا عمامة، تحتها كتلة متورِّمة من الأنا، مُثقلة بالعُقَد النفسية والأمراض الروحية، لم يجد ما يؤمِّن قوته ولقمة عيشه، إلا بيع دينه والاتجار بأبناء مذهبه، فيعود ليلهث على فضلاء النجف الأشرف، لأنهم رفضوا الانقياد الأعمى لسادته السفهاء، وتنزَّهوا عن الخوض بالدماء، ولم يقحموا هذه الفتنة الحميراء.
لا يطيق أئمة الضلال هذه الآحاد المعدودة، يخشون ما قد يفعِّل الأداء وينقله إلى سطح التأثير الجماهيري، وخلق مدٍّ شعبي مقابل مدِّهم الزائف، لأنهم يعرفون جيداً قوة المحتوى هنا، وأنه حق، فيعمدون لمحاصرته، وقرع طبول المصادَرة والمغالطة وما يصرف الناس من حوله، بل يمنعهم من قراءة ما يُكتب والإصغاء لما يُقال!.. تحوم أسراب الذباب في المواقع الألكترونية ووسائل التواصل، وتتحرك مواقع الأخبار وتحليلات الكسبة العملاء، والوصوليين الأُجراء، بما يستدر العواطف للظلامة، ويبكي تكالب الشرق والغرب على الجمهورية الإسلامية، لتطوى ـ في لحظات ـ صفحة جرائم النظام، والويلات التي جرَّها على المذهب والطائفة، ويُغمض عن كلِّ ما فعله ويفعله، وينصبُّ الجرم والغضب على عالم فاضل مخلص نزيه، نادى بالتوقف والتثبت، وأمر بمعروف العمل بالتكليف، وفقاً لرأي مرجع التقليد، وعدم الدخول في مغامرة الانتحار. من هنا، فإن الأهم الأخطر اليوم، ينصب في تحذير أيتام آل محمد من أخطار السطوة الحزبية وتفشي الهوية الخامنئية، كمدرسة بعد شخص كُتبت له الشهادة بنحو فجيع، وتيار يريد قيادة الشيعة ومصادرة التشيع، يطوِّق كلَّ صوت حرٍّ يعارضه بتُهم العمالة لأمريكا وخدمة إسرائيل، فلا يزال به حتى يتراجع أو يكف ويصمت!
علينا مصارحة الأُمة بأن الدفاع عن النفس والدين، وردَّ الظلم والعدوان شيء، والتصدِّي لإصلاح العالم وتحريره من هيمنة الاستكبار والصهيونية شيء آخر! هناك قضايا كبرى تفوق حجمنا، ومهام عظمى لم نُكلَّف بها، تجعلنا وجهاً لوجه مع آلة شيطانية مهولة، أعدَّ الله لها وادَّخر وليه الأعظم، فلا يدفعها ولا يدحرها (كما باب خيبر) إلا الإمام المعصوم من آل محمد.. ومن هنا علينا كشف وبيان حقيقة أنَّ دعوى النيابة الخاصة أو السفارة، ليس بالضرورة أن تكون زعماً بالقول ومجاهرة بالتصريح، قد لا تكون من ذلك في شيء، لكنها على صعيد الممارسة والفعل، تقوم بأدوار ومهام تختصُّ بالمولى حصراً، لا ينهض بها غيره، ولن يحققها سواه. من قبيل بسط العدل ونشر الحق في كافة المعمورة، وتحرير الأرض من الظلم والجور. وفي واقع الأمر، هذا هو ما تفعله الخامنئية اليوم، فهي لا تدَّعي النيابة الخاصة في خطابها ولا السفارة في أدبياتها، لكنها تنبري لحرب أمريكا التي تحكم العالم، والصهيونية التي تديره وتدبره! وهذا أداء ينطوي ـ في حقيقته ـ على مصادرة دور الحجة بن الحسن عليه الصلاة والسلام، وتسنُّم مهامه بعد مقامه! وما زال حراكهم وإعلامهم يصوِّر الأمر حرباً تحدِّد مصير الدين: إما أن يكون حاضراً حاكماً، أو يُقضى عليه ويعدم. وطالما استعاروا شعار يوم الخندق وحرب الأحزاب: “برز الإسلام كلُّه إلى الكفر كلِّه”، حتى وقع الخلط بين التعاطف والنجدة التي يمارسها المرجع الأعلى تجاه الشعب الإيراني المغلوب على أمره، في التعاطف معه في مصابه وآلامه، ومساعدته على تجاوز محنته، وبين الانخراط في مشروع الجمهورية الإسلامية والدخول في الخامنئية فكراً ومنهجاً ومدرسة.
سبق أن غلبت السقيفة، وملك الأمويون، وظفر العباسيون، وظهر الأندلسيون، وحكم العُبيديون، واستبدَّ الأيوبيون، وطغى المماليك، وتسلَّط العثمانيون، وانزوت دويلات الشيعة: البويهية والحمدانية والسربدارية والصفوية والقاجارية وغيرها، وقضي عليها.. فأي بأس أن يغلب الروم اليوم ويطغى اليهود غداً؟! لتتشكِّل مقدمة زوالهم قبل اليوم الموعود؟! كلهم زائلون، و”كل شيء هالك إلا وجهه”. تدور عجلة الأقدار، وتقضي الدول أعمارها، و”لا جديد تحت السماء”، لا تصفيق أهل غزة وأفراحهم بالقصف الصاروخي يغرينا، ولا بطش اليهود وإرهابهم يخيفنا أو يغوينا. نحن بانتظار أن تدوِّي الصيحة وتظهر الشمس من المغرب، ونراه صلوات الله وسلامه عليه وقد أمدَّه الله بثلاثة آلاف من الملائكة، يخرج إليه الأبدال من الشام، والنجباء من مصر، وعصائب أهل الشرق، حتى يأتوا مكة فيبايع له بين الركن والمقام، ثم يتوجه إلى الشام، وجبريل على مقدمته، وميكائيل عن يساره، ومعه أهل الكهف أعوان له، فيفرح به أهل السماء والأرض، والطير والوحش، والحيتان في البحر. نحن بانتظاره ينادي: أنا بقية آدم وذخيرة نوح ومصطفى إبراهيم، وصفوة محمد. نراه وقد تعمَّم بـ “السحاب”، وأرخى ذؤابتيها بين كتفيه، وأشهر “البتَّار” أو “ذا الفقار”، وتدرَّع بـ “ذات الوشاح” أو “ذات الفضول”، يملأها، فلا تخطُّ ولا تضيق، ويتقلَّد ترس جدِّه “الزلوق” أو “الفُتق”، ويمتطي جواده “السكب” أو ”المرتجز”، يتنكَّب قوسه “الصفراء” أو “الروحاء”، وقد شدَّ رايته “العقاب” بحربته “النبعة”، وجبريل يلهج بين يديه بالجوشن الكبير، وفوج من الملائكة يشدُّ في عضده اليمنى تميمة الحسن، وفي اليسرى عوذة الحسين، ورعيل يعالجون قابِلا نعلِه، يحكمانها على قدميه.. وخيل أصحابه تصهل، تكاد تعير وتجمح، تصكم ألجمتها وكأنها ستفلت من أعنتها، وتتمرَّد على فرسانها، والنداء يدوي في سماء المشهد المهيب: “يا منصور أمِت”!