بين الحرص على كشف الحقائق وممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد تحوَّل في ظلِّ إمساك الغير وامتناع الكل، من الواجب الكفائي إلى العيني، وبين الخوف من الإعانة على بلد وشعب شيعي، والحذر من الكون يداً عليهم، وهم في أسوأ أوضاعهم وأشدِّ أحوالهم، ولا سيما أن الحروب لا تميِّز بين نظام جائر وشعب مقهور مظلوم، أعمد إلى الاستشارة والاستخارة، وقد أجازت هنا وسمحت.
في تاريخ اليعقوبي أن “عبدالملك بن مروان منع أهل الشام من الحج، وذلك أن عبدالله بن الزبير كان يأخذهم إذا حجُّوا بالبيعة، فلما رأى عبدالملك ذلك منعهم من الخروج إلى مكة، فضجَّ الناس وقالوا: تمنعنا من حج بيت الله الحرام وهو فرض علينا؟! فقال لهم: هذا ابن شهاب الزهري يحدثكم، أن رسول الله قال: “لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي، ومسجد بيت المقدس”. ثم قال عبدالملك: “وهو ـ أي بيت المقدس ـ يقوم لكم مقام المسجد الحرام، وهذه الصخرة التي يُروى أن رسول الله وضع قدمه عليها لما صعد إلى السماء، تقوم لكم مقام الكعبة”. فبنى على الصخرة قبة، وعلَّق عليها ستور الديباج، وأقام لها سدَنة، وأخذ الناس بأن يطوفوا حولها كما يطوفون حول الكعبة، وأقام بذلك أيام بني أُمية”.
على هذا النسق والغرار تعبِّئ الجمهورية الإسلامية جمهورها وتدبِّر أمر المخلصين من أتباعها (دون المرتزقة الوصوليين الذين ملأ الحرام بطونهم، وأعمت الأضواء بصائرهم، وأسكرتهم الشهرة والسلطة)، تسخِّر طاقاتهم المستباحة، وتقودهم ضحايا وقرابين نحو حتفهم، تلقيهم في أتون حروبها العبثية ومِرجل معاركها الاستعراضية، بعد أن ذهبت طويلاً بدينهم وأزرت بولايتهم. ما زال بعض العوام يعيش قوقعته، ويسكن شرنقته، أو قل يعيش كما سمكة في حوض، يحسب جدرانه نهاية العالم، بانتظار إخراجه وصنعه طبقاً من الشواء على مائدة القائد! فالخطاب الخاص الذي يدور في الحلقات الحزبية والإعلام المغلق، الذي يحظر عليهم تصديق غيره، وفي كثير من الحالات، يمنع الإطلاع على غيره، يصبُّ في تعريف أو وصف السيد الخامنئي بالخراساني الذي يسبق ظهور الإمام المهدي. ولو تدبَّر بصيرٌ في هذا الخطاب والحال، لوقف على مأساة مؤلمة، ومسرحية هزلية تدير أكبر حركة شيعية في العصر الحاضر! فطالما كنَّا نسخر من دعاوى المهدية، ولا سيما في أفريقيا والمغرب العربي، من قبيل ما جرى في السودان عام 1881 حين ادعى محمد أحمد أنه المهدي، وقام بانتفاضة قمعتها القوات البريطانية. وفي الجزائر عام 1898 قاد شخص يدعى بوزيان ثورة ضد النظام تحت اسم المهدي. وفي مكة، قام جهيمان العتيبي الذي احتل الحرم المكي عام 1979، ودعى إلى مبايعة صاحبه محمد عبدالله القحطاني خليفة للمسلمين وإماماً لهم على أنه المهدي المنتظر! وما انفكت دعاوى السفارة والنيابة الخاصة تنبت في مجتمعات الشيعة على اختلاف مذاهبهم، زيدية جارودية، وإمامية إثني عشرية، فتناً تغوي العوام وتغرِّر بالسذج المغفلين. والفتن، كما قيل، إذا أقبلت عرفها كلُّ عالم فاحترز منها، وإذا أدبرت عرفها كلُّ جاهل فندم على دخولها والخوض فيها.
ها هي الحركة الإسلامية التي تزعم التفوُّق في الوعي والبصيرة، وحمل راية التقدمية التي تريد إنقاذ الأمة من التخلُّف والرجعية، تقع ضحية الداء نفسه والبلاء عينه، وتنطلي عليها الأكذوبة بحيلة بسيطة مفضوحة، التفَّت على الدعوة الصريحة، وقفزت على الخطاب السابق، وانتقلت إلى آلية ماكرة تفضي إلى نفس النتيجة، فهم لا يصرحون بالدعوى، لكنهم يعتقدون في قرارة أنفسهم بوجود اتصال لصيق وارتباط وثيق، يجمع الخامنئي بالإمام المهدي، وقد سمعت أحدهم في ذروة التصعيد الشعبي وخطر القصف الأمريكي، حين تداول الإعلام أنباء تَحصُّن الخامنئي في أعماق الأرض، في ملجأ دُعِّمت جدرانه بألواح وطبقات سميكة من الرصاص الذي لا تنفذ فيه الإشعاعات النووية، يقول إن “السيد” سوف يلجأ إلى مشهد المقدسة بعد أن خذله الشعب، وتمرد عليه جنده، ليقود من هناك طوراً جديداً ويعود زاحفاً من خراسان!
والبلاء الأكبر في هذه الشريحة العريضة من جمهور الحزب وإيران، ما يعيشونه من ركون وخدَر يستتبع هذه الفكرة البلهاء، فبعد الاعتقاد بأن الخامنئي هو “السيد الخراساني” الذي يمهد للظهور الشريف، ويُسجَّل من العلامات على تحقيق الوعد الإلهي بتحكيم المستضعفين ووراثة الأرض.. تراهم سقطوا في المبالغة والغلو والإسراف والإغراق، وصاروا يتجاهلون وجود الإمام المهدي ويغيبونه! حتى ألغوه من قاموسهم، وما عاد له ذكر، ناهيك بوجود وحضور، لا في حياتهم الحركية السياسية، ولا حتى الروحية التربوية! وقد استبدلوا وليهم “الفقيه” به، سواء في خصائصه وقدراته ومنزلته، أو في دوره وصلاحياته وحقه في الولاء والطاعة!بعيداً عن شخصية “الخراساني” ومكانته، سواء تزكيته أو إدانته، أو الوقوف على الحياد تجاهه وتجاه حركته، فإنه في الروايات والنصوص الواردة فيه لا تتجاوز عنوان “العلامة”، وهي تذكر اسم شخص يُنسب إلى إقليم وبلاد، لا إلى دولة ونظام، يكون في سياق علامات أخرى للظهور. والأهم أنها حركة خاطفة لا تعيش مرحلة مفتوحة زمنياً ولا طوراً ممتداً لعقود وعهود، فالروايات لا تتحدث عن برنامج حكم ونظرية دولة ونظام ولاية متوسعة فاتحة، ومشروع أُممي دائم، بل تشير إلى فاعل عسكري مؤقت تنحصر وظيفته ودوره في التمهيد النفسي والتلقين الروحي، ثم تسليم الأمر (والراية) للإمام المنتظر. فوظيفة الخراساني في الروايات هي إيجاد خرق وخلل في التوازن الطاغوتي المهيمن على العالم، وصنع “ثغرة” لصالح جبهة الحق، تخلق في النفوس فكرة الإمكانية والقدرة، وتدفع تجاه فعلية ميدانية في مواجهة الحركة أو الحالة السفيانية المهيمنة أو المتنامية. هذه هي حدود التمهيد الذي سيقوم به الخراساني في التوطئة لظهور وقيام المهدي، ولا ذكر في النصوص والبشائر عن سعي وعمل يقوم بتوفير العدَّة والعدد، وتصنيع السلاح والعتاد، وتوفير أسباب النصر الإلهي الموعود! والحال أنَّ القوم ماضون في مشروعهم، لا ينتظرون أحداً، يرفعون الراية بحجة تسليمها للإمام، وذريعة التمهيد لدولته، لكن الأداء والفعل ينبئ عن الاحتفاظ بها والإبقاء عليها في دولة يتوارث الولاية فيها “فقهاء” حركيون، ورجال دين من شريحة ونمط عقائدي خاص، أبرز خصائصه النزعة الأُممية التي تسقط الفوارق المذهبية بل والدينية! في التفاف شيطاني على بسط الدين الحق وظهوره على الدين كله ولو كره المشركون، مما لا يكون إلا نشر ولاية آل محمد على الأرض وأهلها قاطبة. وبيت القصيد هنا، أنَّ الخراساني ينتهي دوره عند الظهور، ولا يُستبقى مشروعه بعده، والحديث اليوم يدور حول خلافة الخامنئي، واستمرار حركته ودولته، سواء في أحد أبنائه، أو في عمامة حزبية باع صاحبها نفسه له. هكذا تحوَّل الخراساني في الخطاب السياسي، من عنوان ظرفي عابر إلى هوية تاريخية مستمرة، وصار رمزاً سيادياً لا وظيفة مؤقتة، جرى ربطه بدولة ونظام حكم ومؤسسات إدارية وقيادة ملزمة وولاية شرعية واجبة. وهذا تحريف في طبيعة المفهوم، حوَّله من التمهيد إلى البدَلية، فالروايات تقول إن الخراساني يمهِّد ثم يُسلِّم، والخطاب السياسي اليوم يقول ضمناً: الخراساني هو البديل العملي عن الإمام الغائب والدور المعطَّل. وهنا الانقلاب: من انتظار مشروط إلى استعاضة سياسية، من تمهيد للمهدي إلى تعويض عنه، وهذا أخطر انزلاق عقائدي. الخراساني في الروايات وصفٌ إخباري، لكنه في الخطاب السياسي أداة شرعنة قلبت معيار الحق، فهو في أحاديث آل محمد يُعرف بانضمامه إلى القائم، بينما في الخطاب السياسي للقوم يُعرف بانضمامه إلى ولايتهم وجمهوريتهم، وهذا قلبٌ للمعادلة، يُستدعى لتبرير سلطة، وإقامة حرب، وممارسة قمع، وتوسُّع وتصدير المشروع، أي تحويل النصِّ الغيبي إلى صكِّ تفويض سياسي. إن إشكالية تحويل “الخراساني” من ظاهرة علاماتية ومؤشر محدود، إلى أيديولوجيا دائمة، أي من علامة إلى هوية وانتماء، ومذهب ومدرسة، إشكالية مستحكمة لا يمكنهم الخلاص منها، وتكشف عن النوايا الخفية والحقيقية للقوم، فهم ـ في واقعهم الإخواني الشريعتي ـ لا يؤمنون بالمهدي ولا بولاية الفقيه ولا بالمذهب الحق، وما الأمر إلا ملك وسلطان ودولة، يجدون هذه وتلك السبيل للسيطرة عليها ودوام توليها. ناهيك عن كل ذلك، فإن موقع الخراساني القيَمي متواضع لا يسمح بهذا العصف والقصف، فهو لم يوصَف بأنه “أهدى الرايات”، ولم يُؤمر باتباعه مطلقاً، ولم تُربط طاعته بطاعة الإمام، ولم يُجعل ميزان حق مستقل، بخلاف اليماني، الذي “الدعوة إليه دعوة إلى صاحبكم”. وبعد هذا، فإنَّ تحقق الصفات الشخصية للخراساني وانطباقها على شخص السيد علي الخامنئي، هو أول الكلام الذي لم ولن يفرغوا منه، فالرجل ينتسب إلى خامنه، بلدة في محافظة آذربيجان الشرقية في إيران، ومع أنه ولد وعاش فترة في مشهد، إلا أنه بقي محتفظاً بانتسابه لبلده الأصلي الأول.
الفكرة مكررة ومستنسخة، فقد قيل في رفسنجاني أنه “كوسج الري”، وفي أحمدي نجاد “شعيب بن صالح”، وفي حسن نصرالله “ذو النفس الزكية”، وقد رحلوا جميعاً إما بالموت أو بالإقصاء، وما زالوا يقولون عن الخامنئي أنه السيد الخراساني، والأمر لا يحتاج إلى موت ولا عزل وانقلاب، يكفي النظر في العقائد والممارسات، ليجزم كلُّ بصير أنها راية ضلال وصاحبها طاغوت يعبد من دون الله.
الخراساني لا يقصم ظهر المذهب بالاستيلاء على الحوزة العلمية والعبث بالمرجعية الشيعية، ولا يحارب الشعائر الحسينية، لا يستقي الفكر والعقيدة من علي شريعتي وسيد قطب، الخراساني لا ينصر الضال المضل فضل الله منكر مصائب الزهراء وجاحد فضائلها، ولا يحتضن كمال الحيدري وهو ينتهك مقدسات الشيعة ويزري بتراثهم، حتى إذا نال من سياساته ومسَّ أفكاره، قمَعه وحظر عليه نشاطه! الخراساني لا يصرف قوت شعبه وأموال صاحب الزمان على حماس الناصبية، ولا يهدر دماء الشيعة في جبهات ومقدسات وهمية، من إنقاذ بشار إلى تحرير القدس! لا يحتاج الأمر إلى كثير ذكاء لاكتشاف هذه الحقيقة، ويكفي التأمل في آخر جريمة وقعت قبل السقوط، حين أرعب الجيش الذي يدعي أن زينب لن تسبى مرتين، المطبرين في جوار السيدة، بإطلاق النار عليهم، ليفتح على نفسه أبواب الغضب الإلهي الذي اقتلعه من سوريا ولبنان!