• مع أنهما ينتميان إلى المدرسة الفكرية نفسها، مدرسة الحداثة والحركة، ويستلهمان من المفكرين المنحرفين أنفسهم، علي شريعتي وحسن البنا، وبعض رواد النهضة والإصلاح، لكن هناك مميزات شخصية وسلوكية ثم نفسية طبعت كلّاً منهما، رسمت فارقاً يلامس الجوهر في هذين الرجلين، أبرز معالمه البيت والأسرة العلمية، فالسيد موسى سليل بيت علمي وزعامة شيعية تقليدية تمتد من إيران إلى العراق فلبنان، تتمتع بتاريخ حافل، بلغ أن أحدهم (السيد محمد الصدر) تولى رئاسة الحكومة العراقية لفترة وجيزة في عهد الملك فيصل الثاني الذي كان تحت الوصاية لصغر سنه، وهو الخرق الشيعي الثاني بعد حكومة صالح جبر، ثم لم يتكرر الأمر من بعده البتة (حتى سقوط البعث وصدام)!

    بينما الخامنئي شخص مغمور، على هامش الحياة العامة، لا يشكل شيئاً على هذا الصعيد، لا في الحوزات العلمية ولا في الواقع الشيعي، وطالما كانت هذه عقدة ومركب نقص لزم شخصيته! ثم هناك عامل الارتباط بالمرجعية، فالسيد موسى الصدر كان محتَضناً من مرجعية السيد البروجردي، بينما الخامنئي وقع في خطأ جسيم حين ادعى الاكتفاء الذاتي، وسعى لبناءٍ يستقل به عن المرجعية الشيعية! الخطوة التي قصمت ظهره على صعيد آليات التواصل والتفاعل والعمل بين مواقع الفعل وصناعة القرار، في الحالة الإيمانية الشيعية، انتهت به إلى الإفلاس والعزلة عن هذه الأوساط، ومحاصرته في إطار حزبي مُهلك، حتى الحوزات والنطاقات التي تسلَّط عليها بالقهر والقوة، كحوزة قم، لم تنصره وتدعمه! أما الجانب الثوري، فلا الخامنئي ثوري في فكره، ولا موسى الصدر مهادن مسالم في نهجه، فقد نشأت تحت ظلال الصدر حركة “فرسان أو فتيان علي”، كنواة لأوَّل ميليشيا وذراع عسكرية شيعية تعين على خروج الطائفة من الاستضعاف والتهميش، ناهيك عن دور مصطفى شمران اللاحق المعلن بعد السابق المضمر، بل حتى في أطروحته الاجتماعية والسياسية، صُنِّف السيد موسى كرقم ضد الإقطاع الشيعي والزعامات التقليدية المسيطرة على الطائفة، وشكَّل حالة ثورية متمردة عليها. 

    أما الخامنئي فقد كان من رموز اليمين الإيراني في التقسيم الثوري، الذي كان يعارض التوجه الخميني الداعم لحكومة مير حسين موسوي (ما زال رهين الإقامة الجبرية في عملية تشفي وانتقام غريبة!)، وشريحة من الراديكاليين الذين تشكَّلت نواتهم في “الطلاب السائرين على نهج الإمام”، الذين احتلوا السفارة الأمريكية في طهران، ثم تبلورت في صيغتها المعتدلة في حركة “روحانيون مبارز”، وكلها مواقع عارضها الخامنئي وعاداها، والحق أن رفسنجاني، لم يصعد به إلى القيادة وولاية الفقيه إلا لتمتعه بهذه الخصال والصفات، وإذا به يتنكَّر لها ويندفع باستدراج استعراضي مدمِّر، أودى به وبجمهوريته.

    على هامش الهزيمة المؤلمة، والحالة النفسية الموحشة التي يعيشها الشيعة اليوم، على مختلف طبقاتهم وتوجهاتهم، جرَّاء اقتحام الجمهورية الإسلامية أخطر ميدان ودخولها في صراع عسكري مع إسرائيل والقوة الأمريكية العظمى، التي أنزلت بها ضربات ماحقة مزلزلة، سبقها حصار أدَّى إلى سقوط النظام الإيراني على صعيد القيم الدينية والاقتصاد الوطني، وتهلهل الوضع الأمني والسياسي للنظام، كما أدى إلى انهيار أذرع إيران القوية في سوريا والعراق ولبنان، وبقاء اليمن على باب أو لائحة الانتظار. 

    قبل أيام، نشرت قناة البي بي سي العربية خبراً ثم تقريراً صحفياً مصوَّراً يصبُّ في مسعى لطيِّ ملف السيد موسى الصدر، وإعلان وفاته، أو قُل، وقف استنزاف و”احتلاب” غيابه! فقد آن الأوان لظهور قيادة جديدة تملأ الفراغ الخطير في الساحة الشيعية. فالإنجليز لا يستعملون ولا يتداولون، والأهم، أنهم لا يبنون على مقولات “اقتلاع الجذور” و“القضاء المبرم” و”الإنهاء التام” وما شابه ذلك من مفردات السياسة الأمريكية، سواء للمذاهب والأديان والوجودات الطائفية، أو حتى للكيانات الحزبية، وهم يعلمون جيداً أن ما جرى مع النازية لا يمكن تكراره واستنساخه على أي نموذج آخر، لا الإخوان المسلمين وحماس، ولا الشيعة وإيران! لذا هناك اليوم عمل جاد على احتواء هذه الساحات المهزومة، والكيانات المنهارة، بما يعيد تنظيمها وبناءها، ثم اصطفافها والتحاقها بركب المشروع الغربي، والصيغة الدينية المتميِّعة في مشروع “الإبراهيمية”!

    الساحة الإيمانية الشيعية تبحث وتتطلع لزعامة على نهج موسى الصدر، قائد يكون منسجماً مع المنظومة العالمية، منفتحاً على الآخرين، كما هم، لا كما يريده لهم! يعود بالطائفة إلى الأطر والنطاقات التي تعيشها بقية الطوائف، وتخرج من التحزب والتشرذم الذي صنعته وألقتها فيه إيران.

    الخامنئي ذهب بها عريضة، مراهناً على انتمائه الفكري للحداثة التي يريدها الغرب، وانتسابه التنظيمي الذي تقرُّه الماسونية، أو القوة الأعظم التي تتحكم بالعالم، غافلاً أو جاهلاً بطبيعة العلاقات داخل هذه الكتلة، وإمكان الصراع والتصفيات بين أذرعها وأياديها. لذا فإنَّ الساحة الخامنئية تعيش في جدب وقحط رجال، لا توجد شخصية عربية تليق بالقيادة ويمكن أن تضطلع بدور ينافس مرشح التيار الشيعي الحكومي، الذي سيقود الطائفة ويعيدها للانتظام مع أنظمة الحكم في دولها، والوئام مع النسيج الاجتماعي لبلادها، بعيداً عن الهوية الإيرانية الشاذة، والانتساب الثوري بشعاراته الجوفاء المكلفة، الذي بات عنصراً مرفوضاً ورقماً نشازاً لا يقبله العالم ولا يطيقه الشيعة.

    الطائفة المحروسة بعين الله تتطلع إلى قيادة سياسية حكيمة تنتشلها من المآسي الذي ألقتها وبلتها بها إيران، زعامة تترك الشأن الديني، بفقهه وعقائده وشعائره ومقدساته، للحوزة والمرجعية الأصيلة، وتنبري للشأن السياسي بالحكمة والموعظة الحسنة. 

    في الحديث الشريف عن أميرالمؤمنين عليه السلام: “من الحكمة أن لا تنازع مَن فوقك، ولا تستذل مَن دونك، ولا تتعاطى ما ليس في قدرتك، ولا يخالف لسانك قلبك، ولا قولك فعلك، ولا تتكلم فيما لا تعلم، ولا تترك الأمر عند الإقبال وتطلبه عند الإدبار”. 

  • من طبائع الشيطان ومناهج أوليائه، أنهم يستطلعون الحالة ويتحرَّون عن الشخص الذي يستهدفونه، يدرسون الساحة ويتفحصون الميدان أو الثغر الذي يريدون إسقاطه، لا يرمون اعتباطاً ولا يسددون شططاً، إلا نحو ما يتطلعون للاستيلاء عليه ويقصدون احتلاله وإفساده. ولا شيء يُطمعهم في الإغارة ويشجعهم على الهجوم مثل الغفلة عن الحمى واللهو عن الثغور! عندما يلحظ جنود إبليس الحدود الحقيقية للدين والإيمان خالية من الرباط، والقلاع والحصون متروكة مهملة، لا عنايةً تلقى ولا باهتمام تحظى، ثم يرون الجبهات الوهمية، التافهة في مواضيعها وموادها، الساقطة في خطرها وأهميتها، مزدحمة بالجند، مكتظة بالطاقات والإمكانيات، ملتهبة بالفعاليات والنشاطات! فإنهم يقدُمون بهدوء، يتسللون من هنا ويتوغلون هناك، يشنون غاراتهم ويوجهون ضرباتهم، والمؤمنون نيام، يهتفون هناك للجهاد وينادون بالقيام، وقد أُفرغت الأرضية العقائدية من تحت أقدامهم، وأُخليت بنيتهم الروحية والأخلاقية من مادتها الحقيقية، واستبدلت بأُخرى خاوية مسمومة، تزري بالأرواح وتسقم الأنفس، غرور وكبر وزهو وطغيان، فهي هالكة قبل أن يتوجه رصاص العدو إلى صدورها، ومتقوِّضة قبل أن تهوي صواريخه على مواقعها ودورها!

    من أعظم الجرائم التي قام بها النظام الإيراني وأشد البغي الذي جرى على يد تيار الخامنئي، السعي لخلق مقدَّسات مبتدَعة مُحدثة، تحت عناوين تصحيح العقائد وتنزيه الشعائر، وتنقية التراث وتهذيبه من الخرافات، وتوجيه الحراك الشيعي من السلبية الملتزمة بحرمة الدماء وحقنها، العاملة بالتقية وحكمها، إلى مسار ثوري وأداء صدامي على نهج زيدي، لا يمتُّ للمذهب الإمامي بصلة، ما أقحم الشيعة بمجموعهم الصغير في الأمة، في صراع مرير مع المحيط والعالم الكبير. صرفوا جهودهم ومليارات بيت المال، وثروات الشعب الإيراني المغصوب الساخط، على قضايا تافهة في الميزان الديني، لا تمثل ثقلاً عقائدياً، ولا تشكِّل جبهات صدام وصراع مع الشيطان، بل هي ـ في جوهرها ـ انخراط في معسكره، والتحاق بجبهته في صف المتآمرين على رسول الله، المنقلبين على وصيه، والولاية التي أمر بها ونصَّ عليها!

    الشيطان لا يؤخذ بالدعاية والإعلام، ولا بالجعجعة وكثرة الضجيج، بل ينظر ويخشى مَن يدخل حقاً في الحجيج، لا تعنيه آلاف العناصر المسلحة والمواقع المدججة بالصواريخ، وقد رأينا كيف راحت هباء منثوراً في ساعات وأيام، لأنها قامت على إرضاء أعداء الزهراء والتفريط بمعالم الدين والتنكُّر لمسلَّمات المذهب، أداء بنى ثقافة وأسس مدرسة، بل قل أبدع ديناً ونهج مذهباً مُحدثاً، قوامه أفكار علي شريعتي وسيد قطب، وسبيله مع الإخوان المسلمين، ما أخرجهم من التشيع ولم يدخلهم في التسنن، لا هم صوفية وعرفاء، ولا فلاسفة ومتكلمين، لا ماديين حسيين ولا إلهيين مسلِّمين! وراحوا يعبثون بتراثنا ويقلبون فقهنا ويهتكون مقدساتنا ويشوِّهون شعائرنا.. لا بالغيب يؤمنون، ولا بالرجعة يعتقدون، ولا بالشفاعة يقولون، ولا بالتوسل يعملون، جهدهم بخس مراتب الأئمة وجحد المنزلة التي أنزلهم الله فيها، حذر غلوٍّ زعموه، وغايتهم نسف “الحواجز” التي تحول دون التحاق الأمة بحزبهم. 

    وحتى نعرف كيف وصل بنا الحال لهذا الانحدار، وبلغنا هذا الوضع العصيب، دعونا نحلل مفردة الزيارة الأربعينية وما أصابها، للدراسة، كنموذج ومدخل لفهم كيفية عمل الشياطين..

    سوف نلحظ ونسجِّل أن أخطر المؤشرات التي التقطها إبليس هي ما رصده من سلبية المؤمنين في حفظ الحرمة، وتراخيهم في حيطتهم على قدس المكان وخفر المناسبة. وجد فيهم ليونة ورخاوة، بل إهمالاً ورعونة، ثم تفريطاً واستعداداً للتنازل والمساومة، حوَّلوا العتبات المقدسة إلى ستديوهات للمقابلات التلفزيونية والبرامج المصوَّرة، وكأنها مواقع تاريخية ومعالم سياحية! أفسحوا لمن هبَّ ودبَّ بارتقاء المنبر المقدس في الصحن الشريف، ومكنوهم من إمارة الزوَّار في عرفة وصلاة العيد وخطبتهم في الملايين. حتى ولجوا الحرم براياتهم الصفراء ولافتات الجحد والطغيان، ومواكبهم تهتف بقبضات مرفوعة، لا أكفّاً لاطمةً ولا قلوباً جازعة، فإن لطموا فعلى زعمائهم وصحبهم لا سيد الشهداء وصحبه! والقائمون على الحرم بين مَن قبض ثمن سكوته، ومَن يخشى الفتنة والشقاق، ومَن هو منهم، اندسَّ في طاقم العتبة حتى إذا ملك وتحكَّم قام بفعلته وأدَّى دوره! ثم أدخلوا المعازف بين الحرمين وغنوا “سلام فرمانده” (لقائدهم الخامنئي)، بتلبيس إبليسي رسمها بالعربية “سلام يا مهدي” ليخفف قبحها ويداري عارها، فلم يجدوا بأساً، بل احتضنوهم ورحبوا بهم! حتى بلغ السيل الزبى هذا العام بعسكرة المواكب وحمل مجسمات الصواريخ والمسيَّرات داخل الصحن الشريف!

    تُرى كيف تجرأ وتمادى الخامنئيون؟ من أين أُخذنا، ومن أين راحوا يتوثبون على أعزِّ شعائرنا، يسجِّلون حضورهم ويُقحمون ثقافتهم ويثبتون هويتهم ويسقطون المواقع واحدة تلو الأخرى؟ ما هي العلل، وكيف جرى الاستدراج، كيف عمل القوم بكيدهم الحزبي وبذهنيتهم المخابراتية، وتلقيناهم نحن بسذاجة وبدائية؟!

    بدأ الأمر بالتهاون والاستخفاف بالشعائر، العزاء منها والمزار.. تصوَّر أن يكون رئيس نقابة الكسبة أو رئيس غرفة التجارة، حداداً أو نجاراً، أو طبيباً أو ضابط إطفاء! لا علاقة له من قريب أو بعيد بالكسب والتجارة، لم يعرف دكاناً ولا أدار بقالة. أين الإشكوري من الزيارة والشعائر الحسينية؟! الرجل ناهيك بأنه لم يُقم مأتماً ولا أدار حسينية حياته كلها، فهو لم يسجل حضوراً في المآتم والحسينيات العامة، لا خدم بماعون ولا ساهم بدانق! الرجل غريب عن الفضاء، بعيد عن الأجواء، لا هو ابن صنعة ولا صاحب حرفة، كيف توكل إليه الإدارة التثقيفية والتبليغية لما يفوق عشرين مليون نسمة على مدار عشرين يوماً استثنائية في عمر العراق كل عام فتكون هذه المخرجات؟ ترى، ألم يُشعِر هذا التراخي في التعيين والإدارة، الإيرانيين بضعف القبضة، وهوان القضية عند المتولين الكرام وأولياء الأمر العظام، ألم يوحي بهامشيتها وأنها قضية عابرة عند أصحاب القرار؟ ألم يُلمسهم لين الجانب ويحسِّسهم برخاوة الخاصرة، فطعنوا فيها وولجوا منها؟ وما هذا التردي والهتك الذي ترى في النشاط التبليغي والإعلامي، إلا من تداعيات فساد الرأس ورداءة من في قمته، ما جعل الحرم الأقدس موضعاً للمجاملات السياسية، ومورداً للصفقات، وفي أحسن المحامل، جعله محلاً للعمل برؤية خاصة ونظرة لا تتوافق مع أصل الوضع والوقف.

    لست مُرجِعاً هذه الكوارث كلها إلى الإشكوري، فالتعس أقل من هذا شأناً وأضعف كيداً، ولكن عندما ينحدر الأمر بالتبليغ الديني ويهوي إلى هذي الحدود، فمن الطبيعي أن يتحول العزاء إلى استعراض لوحات “تيفو” على غرار التشجيع الجماهيري في مدرجات الملاعب والمهرجانات الشعبية، صار يشكلها “المعزون” بتقليب آلاف القطع لترسم لوحات قرآنية! غير مبالين بتعطيل مئات آلاف الزوار لساعات امتدت هذا العام لأكثر من أربع، في ازدحام خانق وتدافع قاتل، بانتظار أن يفرغ استعراض الفقاعات الصابونية التي أُطلقت من ألعاب أطفال يحملها رجال، تنثر رغوة تصنع أمواج سفينة! ثم جاءت الطامة الكبرى باستعراض عسكري حمل هياكل لأشكال صواريخ ومسيَّرات، كأنهم وقروا عما أصاب النسخ الحقيقية لها في لبنان ولمصانعها في إيران نفسها، فما هو عائد هذا الاستعراض الفج غير التبجح ودعوى الحضور وسط مناسبة دينية، بعد أن عجزوا عن الظهور العلني في معسكراتهم ومقراتهم؟! أي شجاعة هذه وأي استعراض للقوة هذا؟

    لو كانوا يعرفون حرمة الزائر، وقدس الحرم، وقيمة الدمعة، والعظمة الحقيقية للمناسبة لما سمحوا لهذا الإسفاف وما بلغوا هذا الانحدار. إن الغرض الأول والأعظم المتمثل في الجزع والبكاء والإبكاء لم يكن له نصيب، لا في الممثلين المصطفين في صفوف استعراضية لـ “تيفو” أولاد عامر، من أبناء الفرقة الكرمانية، ولا من المشاهدين المغلوب على أمرهم.

    في المثل، “لا يمكن أن تعدَّ العجَّة دون أن تكسر البيض”، وفي الواقع المؤلم، لا يمكن أن تستأصل الزائدة الدودية الملتهبة دون عملية جراحية، هذا الوجود الحركي الإخواني، ليس من الجسم الشيعي الأصيل، لا في عقائده وأفكاره ولا في شعائره ولا في عباداته، الحشد الشعبي الذي تصدَّى لداعش بعفوية الفتوى المقدسة، وإخلاص الدفاع البطولي، ونبل التضحية الإلهية، ليس هو الحشد اليوم الطامع في المغانم واللاهث وراء المكاسب والمرتبط بإيران. والزيارة الأربعينية أبرزت هذا الفرق وأكَّدت الانفصال والفرز، فما يقارب 22 مليون زائر في جانب، ومئة ألف (إن بالغنا في التقدير) في جانب آخر، حتى الزوار الإيرانيين، كانوا في غالبيتهم العظمى مندمجين في الجسم الشيعي الطبيعي، هذه الفئة العصية الشاذة، تأبى إلا أن تحرف المذهب وتحرق الطائفة معها! لا شأن لنا بالجانب السياسي والأمني، فهذا دور الحكومات وسلطاتها وتقديراتها، وهو شأن الشعب العراقي، ليس لأحد أن يتطفل عليه في هذا الدور الخطير، أما في الجانب الديني ولا سيما الشعائري، فهو شأن كل شيعي، ومن هنا يجب قطع دابر هؤلاء، ومنع حضورهم البتة، اللهم إلا مذابين داخل الجسم الشيعي العام، مدمجين في هيئات مناطقهم وحسينيات بلادهم، وبالشعائر الحسينية التقليدية. وهذا يفتقر إلى يد أصيلة تدير القضية، وقبضة شجاعة تتصدى لها، ووقفة حسينية فدائية تحسمها.

    وليعلموا أن سعيهم سبق إليه العباسيون… وكل الأمل أن يكون في القوم مثل المستنصر العباسي الذي وصل سامراء فسأل عن قبور آبائه، فدلُّوه على موضع جمعت فيه القاذورات وصار مزبلة يغطِّيها ذرق الطيور والخفافيش، فلمَّا تشرَّف بزيارة العسكريين رأى القناديل الثمينة معلَّقة، والسجَّاد الفاخر مبسوطاً، والشموع الكافوريَّة مشتعلة، والمجامر والبخور والطيب منتشر، وشذى العطور يملأ الأجواء، والروضة الشريفة مزدحمة بالزوَّار، رجالاً ونساءً، شيباً وشباناً، يطوفون حول القبر الشريف ويطلبون الحاجات. فقال أحد الحاضرين للمستنصر: كانت الدنيا بأيديكم تحكمون البلاد وتتسلَّطون على رقاب الناس، وما خدمت الدنيا أحداً كما خدمتكم، ولا سلَّطت أحداً كما سلَّطتكم وألقت بمقاليدها إليكم، وهذه قبوركم خربة ومزابل ترمى فيها قاذورات الناس والبهائم، بينما كان العلويُّون والفاطميُّون مقهورين ومغلوبين، انزوت الدنيا عنهم، فلم تمكِّن منهم أحداً، فلا سلطان ولا حكم ولا اقتدار دنيوي. عاشوا فقراء وماتوا غرباء، وهذه قبورهم عامرة يقصدها الناس من أقاصي البلاد ويطوفون حولها ويزورونها ويتبرّكون بها وينذرون لها ويستشفعون بتربتها ويشعلون الشموع والقناديل عندها كلَّ ليل، فما أعجب هذا الأمر وما أغربه؟! فقال المستنصر: هذا أمر سماويٌّ وتأييد إلهي لا يحصل باجتهادنا، ولو أمرنا الناس به ما قبلوه، ولو بضرب الرقاب وسفك الدماء. والأعجب أنَّ أحد علماء العامة روى هذه القصة وعلَّق عليها مؤيداً قول المستنصر فقال: “هذا لا يحصل بالقهر ولا يمكن بالإكرام”…

    سيبقى الحسين بمزاره وعزائه وشعائره، وسيسقط الخامنئي كما سقط غيره، ويرحل مع العباسيين والزيديين الذين حملوا الناس على أكتاف آل محمد.

  • على أبواب المعركة في بدر، أطلق رسول الله كلمة حرِيَّة بأن تدرج في نبوءاته وإخباراته الغيبية، رفع يديه إلى السماء وقال: “اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تُعبد في الأرض أبداً”… تُرى، هل استشرف صلى الله عليه وآله الغيب بنور بصره الملكوتي؟ هل نظر في الجفر والجامعة؟ هل نزل عليه جبرائيل يخبره بالخطر؟ أم هي معطيات موضوعية تستقى من عدَّة المعسكرين وعديدهم، والظروف الموضوعية التي تستشرف الواقع، فتحلِّل وتستنتج؟ وهو احتمال يتضاءل حتى ينعدم، ذلك أنه صلى الله عليه وآله لم يخبر بنتيجة المعركة فحسب، بل قرأ العمق العميق لقادم الأيام، وضرب برؤيته أقصى حدود الحياة البشرية، فرآها خالية ـ لو هزموا ـ من عبادة الحق تعالى، فالراجح أنه إنباء وقراءة للغيب.تظهر علينا في الأيام الأخيرة مقالات موجَّهة ترسم مشهداً سوداوياً متشائماً لمستقبل الشيعة في العالم، تبث الهلع وتزرع اليأس، وتصنع انتحاريين تخيِّرهم بين الموت شهداء أو الموت بخنوع وذلَّة! مقالات تتنبأ بهلاك وفناء ينتظر الشيعة، ضمن مخطط الشرق الأوسط الجديد، وأن أمريكا وإسرائيل قررتا ذلك، يحكون عن انقلاب عسكري يسقط النظام في العراق، وغزو سوري يجتاح لبنان، يلتقي آلاف الخلايا النائمة هناك، تحاصر الشيعة في مناطقهم، وتقطع عليهم طرق التنقل والتواصل، وتفتعل حرباً طائفية تحملهم على الهجرة والرحيل من وطنهم فيخلو لغيرهم، أو تجرُّع الموت الزؤام! الأقلام معروفة في محابرها وأحبارها، مددها وحاضنتها، والمقالات مفضوحة في أهدافها وأغراضها، مكشوفة في أدوائها وأمراضها، غُيِّبت أسماء كتَّابها ونُكِّرت، أم عُرفت وشُخِّصت، مسيحية كانت وسنية تظهر الشفقة، أو شيعية تستبطن الدعوة للنفير العام وتستنهض أبناء الطائفة!.. لا أحد من هؤلاء قرأ في الجفر والجامعة، أو اطلع على مصحف فاطمة، ولا فطحل منهم يُركن إلى تحليله السياسي، وقدرته على استشراف المستقبل بنيت على مقدمات علمية ومعطيات موضوعية، فقد سبق أن أتحفنا أضراب هؤلاء، لنحو أربعة عقود متتالية بخداع زاحف وهراء جارف، جعل العلية والعلماء والقادة، ناهيك بالهمج والعوام، يصدِّقون أنهم سيقضون على الكيان الإسرائيلي ويصلُّون في المسجد الأقصى… حتى قضى أغلبهم في أقبية دورهم وملاجئهم في الضاحية الجنوبية لبيروت!إنَّ نهاية العالم لا يحددها نظام يترنح أو يشرف على الغرق فيحتال بكل حيلة ويلجأ لأي وسيلة… أفل من قبل البويهيون من العراق وبعض بلاد فارس، واندثر الحمدانيون في حلب والموصل، وانتهت دولة الصفويين في إيران، ومن بعدها تلاشى الزنديون، ثم ذهب القاجاريون، كما تلاشت في شمال شرق الهند، على تخوم النيبال والصين، دولة أود،،، وكل واحدة من هذه كان أصحابها وأتباعها يرون أن الدنيا ستنتهي بانقضاء أيامهم وسقوط مُلكهم! من هنا سترحل الخامنئية وتنطمس، لتقبع في أسوأ مدونات التاريخ الشيعي، بوصمة عار لم يلحق مثيله دولة شيعية مضت وحكم إمامي انقضى!ذهبت تلك الدول وستذهب هذه، وسيلحق أربابها بربهم، فيحاكمون ويحاسبون، وسيبقى التشيع محفوظاً ببقاء إمامه وحياة وليه عليه السلام، وسيمضي الشيعة في مسيرتهم وحياتهم المباركة بخير ما دام فيهم، حاضراً في أرواحهم وأمانيهم، لم يحولوا وجهتهم عنه إلى سواه، ولم يحلوا غيره في مكانه ومقامه. والأمر في حياة الدول والشعوب، وفي قيام الأُمم وانهيارها، وازدهار البلاد وإخراج خيراتها، أو انتكاسها وفقرها،،، ليس من شأننا، فهو في مبتدئه وخاتمته، أوله وآخره بيد الولي عجل الله فرجه.إنما نحن مأمومون منتظرون، رعية وأتباع، شيعة وأنصار، لنا إمام يرعانا ويقودنا، ومما صدر من الناحية المقدسة: “نحن وإن كنا نائين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين، حسب الذي أرانا الله تعالى لنا من الصلاح ولشيعتنا المؤمنين في ذلك، ما دامت دولة الدنيا للفاسقين، فإنا نحيط علماً بأنبائكم، ولا يعزب عنا شيء من أخباركم، ومعرفتنا بالذل الذي أصابكم مذ جنح كثير منكم إلى ما كان السلف الصالح عنه شاسعاً، ونبذ العهد المأخوذ وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون”، وفي التوقيع الشريف: “إنَّا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء واصطلمكم الأعداء”، ومن دعائه عليه السلام: “اللهم اغفر لشيعتنا من المؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، وتابع بيننا وبينهم بالخيرات”… ما دام إمامنا سالماً في مغيَّبه، فنحن بخير، كل ما هناك ألا نقطع حبال الوصل به، المتمثلة في العزاء والمزار، بما يجعلنا نعيش معه لحظاته وساعاته، حين يقوم وحين يقعد وحين يقرأ ويبيِّن وحين يصلي ويقنت وحين يركع ويسجد وحين يهلل ويكبِّر وحين يحمد ويستغفر وحين يصبح ويمسي، في الليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى، فإذا لبينا دعوته وعشنا فجعته وكانت أحوالنا في مشاركته تحكيها الندبة “ليت شعري أين استقرَّت بك النَّوى، بل أيُّ أرض تقلُّك أو ثرى… هل من معين فأُطيل معه العويل والبكاء، هل من جزوع فأُساعد جزعه إذا خلا، هل قذيت عين فساعدتها عيني على القذى، هل إليك يا ابن أحمد سبيل فتلقى، هل يتَّصل يومنا منك بغده فنحظى”… فلن يمسَّنا سوء، ولن يهزمنا عدو، ما دمنا نعيش هذي الرحاب، ونستنشق هذا الأريج ونرفل بهذا الفضاء. اللهم إلا “الظلامة”، وهي السلاح الأعظم الذي فرَّط فيه القوم، فقد جعلت الخامنئية أو الزيدية المبطنة أقوى الأسلحة وأشدها، مادة للتنكُّر والتندُّر، وما ذلك إلا لأن وجهتهم هي الدنيا، والسقطة في حفرها، الشهرة والأضواء والعجب والإغواء. وبالمناسبة، فهو الخطأ الاستراتيجي الذي سقطت فيه إسرائيل نتنياهو، الذي حوَّل صورة “الظلامة” التي عاشها اليهود منذ الهولوكوست إلى الفتك والطغيان والعربدة، والذهاب في التباهي واستعراض القوة، الذي قد ينجح على المدى القريب ويفعل فعله ويحقق نتائجه، لكنه على المدى البعيد، يرسم كارثة تتهدد أصل وجودهم، وترسي أُسس انهيارهم وفنائهم!

    بعبارة صريحة وبيان واضح يستنقذ المؤمنين المستضعفين من هذه التعبئة الشريرة والمكيدة الشيطانية الخطيرة، ويتم الحجة على المعاندين: لن يكون النظام في إيران بيضة الإسلام، ولا الكيان الذي دونه التضحية بالنفس والمال والولد، وهو الذي حارب شعائر عزاء سيد الشهداء، ونال من عقائدنا ومقدساتنا وثوابتنا، باحتضان الحداثيين ورعايتهم، وأزرى بحوزاتنا ومرجعياتنا بدعم المزيفين وتغيير مناهج استنباط أحكام الدين، شوَّه مذهبنا وغيَّر محوره وقطب الرحى فيه، وهو الإمام من آل محمد، حتى إذا دارت عجلته شيئاً، وأفسح له العدو ليتقدم ومكَّنه من الهدم، صنع مرجعية مزيفة وفقاهة مزوَّرة وولاية كاذبة، ادعى نيابتها عن الإمام، وتمثيلها بيضة الإسلام!

    لن يضحي الشيعة في العالم، بل حتى في إيران، في سبيل بقاء الجمهورية الإسلامية، وهي تتخندق ضد الشيعة في آذربيجان، وتقمع لتهجِّر الأفغان الفارين من طالبان، وتصرف مئات المليارات من بيت المال على حماس والإخوان.. إنها معركة أو حرب أضرموها، سواء بغباء قرار جبهة الإسناد، أو سلسلة السياسات الخاطئة التي دفعت العالم بأسره ليقف في وجهها، ويعمل على إسقاطها. وما زالت الشيطنة وما برحت، ومنها موجة المقالات الملغومة التي تخادع الشيعة في العالم، وتمهد لدفعهم وسوقهم إلى معركتها الخاسرة تحت ظلال التهديد بالمحق والسحق الذي ينتظرهم! لا أحد سيسقط غيركم، العالم كله بات يعلم أنَّ هناك تشيعاً حركياً وثورياً أو قل زيدياً تقوده إيران، وفي المقابل هناك تشيُّع أصيل يتزعمه النجف والمرجعية الأصيلة وعلى رأسها السيد السيستاني، وما الخامنئية في واقعها إلا نسبة ضئيلة لا تذكر، وإنَّ جل قعقعتها وجعجعتها صنيعة إعلام، وقرع طبول جوفاء! ليس لكم منَّا إلا الدعاء، وهو للشعب المؤمن المغلوب على أمره هناك، لا النظام الفاسد والسلطان الجائر، فإن كان له حظ ونصيب، فهو الدعاء بالهداية إلى بعض تواضع، والنزول عن صهوة الغرور، والاعتراف بالهزيمة، والتفاوض على تخفيف الخسائر والأضرار.

  • من موارد الاختلاف التي كنت أسعى لتغييرها في السيد جعفر مرتضى، التزامه بتزكية السيد القائد وتأييده النظام في إيران، ولا أريد الخوض في نسبة الحقيقة والواقع في هذا الأمر من التقية والمداراة، لكن الأمر ـ على أي حال ـ كان يشكِّل رقماً مزعجاً للولائيين، ولعله مانعاً لبعضهم من نصرة السيد جعفر والدفاع عنه، على الرغم من انخراطه المشهود في الجبهة الولائية، واصطفافه الرائع في أكثر مواقعها وثغورها، وتقديمه خدمات وتضحيات لا ينكرها إلا مجحف. أما الاختلاف الآخر فقد كان حرصه على حسن الخلق واللين والرفق في مخاطبة فضل الله، وأن تخلو أعماله وإصداراته عن أدنى مسٍّ به ناهيك بطعن فيه، فخلَت كتاباته التي يردُّ بها على أباطيله من أي إساءة شخصية وطعن يطال سلوكه ويكشف دجله وخبث سريرته، وبيان حقيقة أنها مؤامرة شيطانية، لا مجرد اجتهادات خاطئة، مكتفياً بالنهج العلمي البحت، في تناول الأفكار وردِّها بالإبطال، وبدرجات عالية من الأمانة والموضوعية. وهو أمر يعود لطبع في الرجل وخلق، فهو دمث هادئ سمح، هشٌّ بش، يتجنب الصدام ويتحاشى ما استطاع الصراع، ثم خدمة لمشروع مواجهة الانحراف وكيفية إبطال مقولات المنحرفين، كما كان يرى ويحسب، يقول إن اللغة الحادة والخطاب الشديد يفقدنا آذان الشريحة القريبة من فضل الله، ويبعدنا عن قلوب المنخدعين به. وكنت ـ وما أزال ـ أرى ضرورة الشدَّة والحدَّة، وأن الضلال الذي بلغه فضل الله يتطلب تعريته وإسقاطه، عملاً بقول رسول الله صلى الله عليه وآله: “إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم، وأكثروا من سبهم، والقول فيهم والوقيعة، وباهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الاسلام، ويحذرهم الناس ولا يتعلمون من بدعهم، يكتب الله لكم بذلك الحسنات، ويرفع لكم به الدرجات في الآخرة”، نحن مكلَّفون بصنع نموذج “عبرة” وخلق “عوامل ردع” تحمل مَن لم يجاهر بضلالاته بعد (وما أكثرهم في الساحة)، على الكفِّ والامتناع، وترسم صورة من العقاب والسقوط الذي سيلقاه مَن يتجرأ على مقدساتنا وينال من مسلَّماتنا. ولم يكن اللقاء بيننا يخلو من إثارة لهذا الخلاف، تلويحاً أو تصريحاً، مباشرة أو إشارة، وطالما عمد رحمه الله إلى استدراك أي طعن علني يصدر مني في محضره، فيتنصل منه بلطف وكياسة، بما يشعر الحضور ويبلغهم أنَّ هذا رأي قائله فحسب، فيخرج عن الإقرار وتبعات الإمضاء.

    ولك أن تقف على حجم الصدمة التي عاشها، والضربة التي تلقاها السيد رحمه الله، في أول لقاء جمعه بالسيد الخامنئي، بعد دخوله الصراع مع فضل الله وانخراطه في جبهة المدافعين عن الزهراء عليها السلام. وكيف تلقَّاه القائد بهجوم كاسح وطعن لاذع قامع!: “ماذا تفعل يا سيد جعفر؟ ما هذا السُّباب والهراء الذي تنشره بحق السيد محمد حسين فضل الله”!؟ صُدم السيد جعفر وذهل! أدار نظره في أركان الغرفة وكأنه يبحث عن منجد ومعين، فلم يجد إلا متشفياً شامتاً أو خائفاً يختبئ في ثيابه، فأركان المكتب حضور، ولا سيما الصقور، محمدي كلبيكاني وعلي أصغر حجازي! فعاد وتوجه إلى الخامنئي: سيدنا أرجوك أن تقرأ ما كتبت، ولا تعتمد على تقارير ومنقولات؟! فيرد عليه الخامنئي بحسم وغلظة: دعك عن هذا يا سيد، وراح في الاعتراض عليه وملامته إلى حدود “التوبيخ” و”التقريع”، ما أخرج السيد جعفر عن وقاره وهدوئه المعروف به، وحمله على بسط الكتب التي ردَّ بها على فضل الله بينه وبين الخامنئي وقال: “أريد أن تستخرج لي مورداً واحداً فيه سب أو شتم، أو حتى إساءة أدب أو عدم مراعاة للاحترام، وإن كان بالتلويح من بعيد، سأقبل حتى بعبارة غير صريحة في الشتم! بالله عليك دلني على مورد واحد فقط”!

    كان السيد جعفر مسبوقاً بموقف السيد القائد، سواء مما بلغه من الشيخ الآصفي أو من السيد محمود الهاشمي وغيرهما ممن أوفده الخامنئي إلى بيروت لثنيه عن موقفه، والضغط عليه لتغييره، وكانت الوفود على اختلافها وتفاوت خطابها بين ترغيب وتهديد، ووعد ووعيد، تؤكد أن هذا هو رأي الخامنئي وموقف الجمهورية الإسلامية الرسمي، إنَّ فضل الله رقم في صميم الخط والنهج الذي تريد إيران له الرواج والانتشار في الأوساط الشيعية في العالم كله! لكن السيد جعفر، مع كلِّ هذا وذاك، كان يطمع ويتطلع أن يغيِّره، وكان يحسب اللقاء المباشر فرصة لحوار علمي يدور بينه وبين السيد القائد، يطالبه فيه بالأدلة على طعونه بفضل الله ومسببات موقفه منه، فيقدمها موثقة مسندة، فيكسب السيد القائد إلى جبهة الولاء والدفاع عن الزهراء!.. وإذا به ـ من لحظة دخوله وجلوسه ـ يجد نفسه في موقع الإدانة، وفضاء من الإرهاب الفكري لم يعرفه في حياته! لا يُسمح له بالدفاع عن نفسه ولا بالاستدلال على شيء من قوله، بل يواجه بتهمة ملفقة من جذرها حتى رأسها: رميه بالسب والشتم، والافتراء عليه بما تخلو منه كتبه كلها، التي لن تجد فيها نقضاً لهذا الأمر في مورد واحد على نحو الحصر! انتهت الجلسة بأسىً وكدر، وانزعاج وصدمة، فقام السيد جعفر بعد ما يقارب الساعة لينصرف، دون أن يتناول الضيافة ولا أن يرتشف رشفة من الشاي الذي قدِّم له، حتى أن السيد الخامنئي غمز له بأنه فهم الرسالة ولوَّح بما ينتظره قائلاً: لم تتناول شاينا؟! فشكره السيد وانصرف مصراً أن يعبِّر عن سخطه! والحق أن عدم تناوله شيئاً في بيت الخامنئي كان رد فعل طبيعي لم يتكلَّفه السيد جعفر ولا تصنَّعه لإرسال رسائل وإبلاغ مواقف، فالسيد يعيش الأُمور بتلقائية وصفاء نادرين في تلك الأوساط الملوثة والبيئة السياسية القذرة، لقد تقزز الرجل وقرف وما عادت نفسه تشتهي أي فاكهة أو شراب!

    كتم السيد جعفر الأمر وجحده، ومضى في التزامه بولاية الفقيه وإعلانه تأييد النظام في الجمهورية الإسلامية، وإن بوتيرة أضعف وأقل ظهوراً، وهو ما كنت وسائر المؤمنين الولائيين يخالفونه فيه، لكننا لم ننجح في ثنيه وتغيير موقفه العلني، حتى في أعقاب حرب 2006، حين تعرضت داره للقصف والهدم، فذهبت جهود عشرات السنين وضاعت دراسات ثمينة فرغ من إعدادها في ركام طيش أسر الأسيرين! وهو من الحالات النادرة التي رأيته يعلن فيها موقفه ويوجه نقداً لاذعاً لقيادة الحزب والجمهورية الإسلامية، يرميهم بسوء التدبير وافتقاد الحكمة، والاستخفاف بحرمة الدماء ناهيك بتقدير ميزان القوة بيننا والعدو! لكنه سرعان ما عاد للسكوت وكتم الغصَّة وإخفاء الرأي. بقي المرحوم على مُداراته للخامنئي ونصرالله، والتقية من الحزب والجمهورية، وقد همس مرة لأحدهم وهو يعاتبه ويؤاخذه، ويرميه أنه بموقفه هذا يفتتن الموالين ويغويهم ويغرِّر بهم، حين يرون منه هذه المصانعة والمداهنة! وأسهب في بيان التبعات التي يخلِّفها موقفه ويشكِّلها اصطفافه، وبلغ الأمر أن صارح السيد بالعلل التي يحتملها الناس والأسباب التي يعزون إليها موقفه، وكلها مادية مصلحية! فردَّ رحمه الله بحزن وغصَّة، فهو لم يسلم من الثوريين الحركيين ولا من الولائيين المتدينين! قال إنه لا يفكر في ميزانية حوزته ببيروت (حوزة الإمام علي، التي يتكفلها الحزب)، لا في بقائها ولا في رواتب طلابها وأساتذتها، ولا يعنيه ما يتلقاه من دعم إعلامي، ولا سيما بعد أن أسقطه الحزب عن كلِّ دور وموقع، واستعاض به تافهاً مثل الشيخ كاظم ياسين… إن الأمر في رؤية السيد جعفر يتمحور في خطر استغلال جماعة فضل الله تصنيفه “معادٍ للمقاومة”، ماذا سيبقى له من رصيد لإنقاذ الشيعة الذين تستضعفهم الأفكار ويعبث بهم الإعلام!؟

    لم يحل هذا وذاك دون استمراره في نهجه والمضي في عمله ودفاعه عن الزهراء ونصرة أهل البيت عليهم السلام. ولا نال من ولائه ودينه، فبقي رأيه السياسي بحجم دوره المحدود ونطاقه المحصور، لم يسمح له أن ينال من موقفه العقائدي ولا أفسح له ليتمادى فيسقطه في الكذب والدجل والزيف الذي عليه القوم. وما زال في هذا حتى وفاته، رضوان الله عليه.

    كل الخوف والحسرة أن نفقد قامة مثل السيد جعفر، لعمالة ابن له ظهر مؤخراً على الساحة الإعلامية، لا علم وفضيلة ولا ثقافة وأكاديمية، قطعة من نسيج النظام الإيراني بامتياز، أوكلت إليه مسؤولية “مركز نشر وترجمة وحفظ آثار العلامة المحقق السيد جعفر مرتضى”. الاستراتيجية التي سيعمل بها “المركز” ترتكز على أصلين: الأول: محو رمزية السيد وعزل شخصيته عن حاضنة الولاء، إبعاده وفصله عن أوساط الدفاع عن أهل البيت ونصرة المذهب، وإلقائه في مقولات أو متاهة الوحدة الإسلامية، والقرآن الكريم، ودعم المقاومة وولاية الفقيه ونصرة الجمهورية الإسلامية! الثاني: “تنقية” تراث السيد (وجاء التعبير الفارسي بما ترجمته “ترميم”!)، وإعادة نشره خالياً من كلِّ مسٍّ بفضل الله وتيار الحداثة، تحت ذريعة نقل الخطاب إلى كليات تترفع عن تناول الجزئيات ومعالجة الحالات الفردية للشخصيات، وما يحصرها في برهة زمنية وحوادث آنية، وحتى مراحل تاريخية، من هنا سيجري تغيير كل ما يحتمل إعادة الصياغة، وحذف ما لا يحتمل! الرجل مُنح الجنسية الإيرانية، وبات يعيش في بحبوحة ورغد لم يحلم به، ورفاه ورخاء لم يعرفه في حياته، وراح يغرِّد في قفص الجمهورية ويغني على اللحن الذي تعزف، ويحلِّق في سماء الولاية الخامنئية ويسبح في الأفق الذي تريد.. لا يبالي أن يهدم ويقوِّض كلَّ مجدٍ بناه أبوه قدس سره، فيصوِّر طوداً شامخاً مثل السيد جعفر عميلاً رخيصاً للمخابرات الإيرانية، مثله مثل العمائم الحزبية التي تباع في هذا السوق وتُشترى بالأرطال وتكال بالقبان!

    في نهج البلاغة عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنه قال: “ما زال الزبير منَّا أهل البيت حتى نشأ ابنه عبدالله”… يبدو أن “محمد جعفر” نشأ وقام، والويل للدين من جمعة الآلام وحج ينتظرنا بلا إحرام!

  • من الفروق الجوهرية التي تميِّز حقل المعارف الدينية الشيعية عن غيره من العلوم، دينية كانت أو تجريبية، فقهية أو عقائدية… أنها تُلحق بالعلم، في مَن يستنبط أحكامه وتؤخذ منه معارفه، شرط العدالة، فأنت تتحرَّى الأعلم في الطب لعلاج مريضك، وفي الهندسة لبناء دارك، لا يعنيك كثيراً دينه ومدى التزامه وتشرعه، إنما هو الحذق في حقله والتخصُّص والتمرُّس في ميدانه، فتقصده وإن كان يهودياً أو نصرانياً، أو كان مؤمناً فاسقاً، أو منحرفاً في عقيدته، ضالاً في دينه… أما في المرجعية الدينية فلا بد من العدالة التامة، وهذا ما تقرره ـ بعد الأصل العقلي ـ جملة من النصوص الشريفة، من قبيل ما روي عن الإمام العسكري عليه السلام: “فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، ومطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدّوه”، بل المطلوب في المرجع مرتبة عالية من العدالة تفوق ما يشترط في إمام الجماعة وشهود التقاضي وثبوت الهلال وغير ذلك، وللفقيد العزيز السيد محمد سعيد الحكيم رؤية ثاقبة ونظرة مبتكرة، في واحدة من التفاتاته المتميِّزة، يشير فيها إلى الأمر، ويتحسس موطن الخطر، حين يقول: “إنَّ أهمية العدالة في مرجع التقليد نابعة من خطر الأمانة، فكُلَّما عظُمَت الأمانة وجلَّت، احتاجت إلى التحصين بقوَّة ملكَة رادعة عن الخيانة بنحو أقوى وآكد. ولا رادع عن التلاعب بالأحكام وتضييعها والتفريط في الوظائف الدينية المناطة بالمرجعية، إلَّا قوَّة العدالة وشدَّة الخوف من الله تعالى. فالمرجع يتعرَّض لضغوط عدَّة لا سبيل لخروجه منها إلَّا بالتحصُّن بتلك الملكَة والدرجة العالية من العدالة”.

    دعك عن أخبار الفساد المالي والتكالب على الإثراء التي تطال عدالة الرجل في الصميم، ولا سيما ما ناله وحصَّله من سرقات حزب الفضيلة، وما انتُهب من نفط البصرة بفتواه وإجازته، فكان له ـ عبر اليعقوبي ـ نصيب منها، إلى أموال الوقف الشيعي إبان تولي حزب الدعوة وحسين الشامي لها، مروراً بالبذخ الذي كان في رحلة علاجه إلى لندن ومحطة وقوفه في بيروت، من حجم الوفد المرافق إلى حقيقة الحاجة لهذا السفر وباهظ تكاليفه، وما هي إلا قسطرة عادية جداً كان يسعه إجراؤها في أي مشفى حكومي أو خاص في النجف! انتهاء بما تلقَّاه من أولاد فضل الله وحجي كاظم وعلي المحسن، حتى عرف بلائحة أسعار لكلِّ فتوى، وقيمة مسبقة الدفع لكلِّ موقف وحكم!.. دع عنك ذلك كله، فلم تُشكَّل هنا محكمة لإثبات هذه التهم، ولم يُجرَ التحقيق التام والبحث والتحري الكامل للتثبت من الدعاوى، وإن كانت الأمارات غالبة طاغية، والدلائل جلية واضحة، والآثار والنتائج مشهودة قائمة، لكننا لا نحكم ولا نجزم، ذلك أنه يكفي في خطر المقام وأهمية الدور والرتبة، وقوع الرجل في دائرة الشك ووقوفه في قفص الاتهام… وهلم إلى طامة كبرى لا سبيل للشك فيها، فقد ثبتت بالصوت والصورة عبر فيلم مصور فاضح، حين صار في نهاية المطاف وآخر طريق الخزي ودائرة السوء إلى ما انتزع منه تصريحاً ـ في سياق الحوار ـ يحوِّل ظلامة الزهراء عليها السلام من صميم العقيدة، وموقعها كإحدى أهم أُسس وركائز التبري، إلى مجرد حادثة تاريخية!

    ولا يخفى أن رصد أمرَيْ العدالة وصحَّة العقيدة (أي شرط الإيمان، إذ لا تقليد هنا) هو من صميم عمل الأمة، ودورها الرقابي تجاه المرجعية، فبمقدار الخضوع لاستنباطات الأعلم، والأخذ عنه والانقياد له في جزئيات أحكام الفقه وفروعه وكل ما يفتقر إلى التخصص العلمي الذي يفتقده العوام… فإن لهم ملاحقته في عدالته وبقائها، وفي صحة عقائده وسلامتها، فإذا عرض ما يخرجه عن جادة العدالة، وجب البحث والتثبت، وكذا إذا اختل شرط الإيمان وتضعضعت عقيدة أحدهم، وجب التوقف للفحص حتى ينكشف أمره، فإذا تبين الضعف وانكشف الخلل، سقطت المرجعية وانحل عقد الالتزام بها، وإن كان الرجل الأعلم على الإطلاق.

    ومما ينبغي الوقوف عنده وتسجيله للتاريخ هنا فلا يغفل، ما كان بينه وبين المرحوم الميرزا جواد التبريزي قدس سره، في زيارته قم قبل السقوط، والحوزة في معترك التصدي لفضل الله، والأجواء ساخنة بل ملتهبة، ما تعرض له من تقريع شديد من الميرزا جواد (الذي كان يراه مجرَّد حافظ لأبحاث السيد الخوئي دون قدرة فهم، ناهيك بدقة وتعمق، بل وحتى دون ملكة استنباط!)، ما حمله حين العودة إلى النجف على حث السيد السيستاني ودفعه للتصريح برأيه واتخاذ موقف علني من القضية، لكن مشورة السيد الخرسان حالت دون ذلك، فبقي موقف السيد المرجع من فضل الله شفاهياً يبثه بعض وكلائه، ويعلنه لمن يسأله، ثم صار يسرُّه للخواص أمثال السيد علي الميلاني. وإن صدر عن مكتبه في قم جواب استفتاء يحمل إدانة في منتهى الشدة والصلابة.

    وعلى أي حال، هناك فرق جوهري بين تقدير العالم والفقيه والمرجع لطبيعة موقفه وكيفية مواجهته الضلال، وبين نفيه وقوع الضلال وإنكار صدوره من الضال المضل! فقد يختار بعضهم السكوت وعدم الجهر، فهذا له، فللفقيه أن يشخِّص تكليفه الذي سيُحاسَب عليه أمام ربه وإمامه، وتقدير الكيفية الفضلى في معالجة هذا الخطب وذاك، ولكن ليس له أن يقلب حقائق الدين ويزيِّف في مذهب الحقِّ المبين، لأي سبب كان، اللهم إلا لتقية يعرف المؤمنون وجهها، ويدركون خلفياتها، وكل هذا وذاك منتف في موقف من قبض المال وباع دينه بدنياه!

    على جميع العلماء الكرام، من بلغ منهم مقام المرجعية أو من هو في مظانها، أن يدركوا ويتفهموا ويتقبلوا، أنَّ الأمة لن تتهاون ولن تتسامح في قضية دفعت الزهراء عليها السلام جنينها وضلعها وحُرمتها ثمناً لها، فيسوِّف أحدهم في هذه التي يتزلزل العرش لأدناها، وتكاد القيامة أن تقوم ـ لو يعلمون ـ لأقل درجاتها! وأن الساحة الإيمانية بعلمائها وخطبائها ومثقفيها وكتَّابها وسائر الغيارى في أرجائها طولاً وعرضاً، ستتصدى بكل ما تملك لإسقاط من يعتدي على ظلامة الزهراء، ويفرِّط في الموقع الأعظم الذي يُعجز المخالفين ويسقط في أيديهم، وإن كان الاعتداء لم يبلغ الجحد والإنكار، ووقف عند حدود التشكيك، وما يدفع القضية من موقع التسالم والثبوت، إلى المحتمل والمشكوك، فهذا مما يلحق بذاك…

    كثيراً ما تتداول الصحف، وأحياناً الأوساط الحوزوية، أمر المرجع القادم بعد العمر المديد للسيد السيستاني، الذي يلهج المؤمنون بالدعاء لسلامته وطول عمره ودوام ظله، ولربما طرحت أسماء وروِّج لشخصيات… على كلِّ مَن يهمه الأمر من عدوٍّ وصديق العلم بأن خيار الشيخ الفياض ساقط، ولو كان على نحو المرحلة الانتقالية، تماماً كما هو خيار اليعقوبي لانتفاء العلم والعدالة، وللحزبية، وافتقاد أدنى الشرائط الشرعية.

    كل ما نرجوه، أن لا نضطر لما ينكأ مزيداً من الجراح، ويهيج مزيداً من الآلام…

  • والدة بعض أعزة أصدقائي في لبنان، ائتمنتها على داري، راحت لتتفقَّدها، وخرجت بمشاهد تحكي شتاتها بين بعل وقور ينتظر عودتها لإعداد طعامه، أو ليعاود سكنه إليها واستئناسه، وأبناء في غربة الوطن وشتات أرض الله الواسعة، وأحفاد ما عاد يسعها أن تلاعبهم، من فرط ما غلبها من الأوجاع والأدواء، والهموم، تحاملت المرأة الصالحة وراحت تؤدي الأمانة، ووافتني بصوَر التقطها هاتفها، بعيداً عن أوليات الاحتراف، لكنها كانت خاضعة لقلب وجَّه العدسة، أرغمها فطاوعته، فأبدعت.

    &&&

    ليس السرور والجمال والبهجة والكمال هو الملهم الوحيد، فلربما كانت الكآبة والأحزان والآلام والأرزاء باعثاً لينساب القلم بعد وقدة الفكر وفيض الخاطر.

    وصلتني صور ومشاهد من الضاحية الجنوبية، تكتنز غصصاً وتفيض كآبة، تنبعث منها رائحة الموت، وتجثم في سمائها كأنها تأخذ بخناق سكَّانها، وتكتم أنفاس من ينظر فيها!

    أخذتني للتساؤل: هل هي بعض الأرواح التي ما زالت عالقة هنا بين الركام تنتظر كشف جثامينها، وتشييع جنائزها ومواراة أبدانها؟ أم هي دهشة الحيرة التي وافاها هؤلاء وهم يفارقون الحياة، وفيهم أرواح بريئة لم تحمل سلاحاً ولا انخرطت في مقاومة وجهاد ولا أقحمت نفسها في أتون الدماء، كلُّ ذنبها كان جاراً سكن فوقها أو أو جنبها، في مبنى انهار تحت وطأة الجحود والطغيان والزهو الاستعلاء، قبل أن تنال الصواريخ من عمارته وتفعل القنابل في أحجاره وخرسانته. 

    ودهشة تظلل المشهد من هذا المجاهد الصريع، وقد علق في زحام الحساب وأبطأ في غمار العرض، وبقي أسيراً لقيود الراية التي انضوى تحتها ودعا عمره إليها، وهو يحسب أنه سيسقط حين يسقط في حضن حورية، ويُفتح له من برزخه باب إلى روضة من رياض الجنة، ولا سيما أنه شهد ذلك لبعض إخوانه ورفاقه، ممن لم يفقد جوهر ولائه ولا فرَّط في حقيقة إيمانه…

    حقاً لقد فاز المخفُّون، لا من حطام الدنيا ولذاتها فحسب، بل من انتساب لهذا والتحاق بذاك، عاش مؤمناً بالحق لا يعرف من الدين إلا الولاء لآل محمد والبراء من أعدائهم، لم يقحم نفسه في السياسة ولا ابتلي بالاشتراك في مخمصة الدماء، فارتحل مخفّاً ولا سيما أن الأجل عاجله على يد عدو غلبه البطش والطغيان، ينادي بصوته وطيرانه وصواريخه: أنا ربكم الأعلى، ليس لكم إلا الرضوخ أو التسليم المهين، وأن تدفعوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وإلا فلن يبقى سقف يظلكم دون أن يهوي، ولا أرض تقلكم دون أن تحترق من تحتكم.

    مشاهد كئيبة حكتها صوَر، فكيف بالمعايشة، لعمري أي حياة هذه وأي ممات؟ دعوني أهمس في مسامع وجدانكم وأستصرخ، بعد الهمس، ضمائركم وقد انطفأت مواطن الحسِّ وخمدت استشعارات الألم، وطفقت أجول في أزقة الضاحية وشوارع الحارة قد غلبني البهت والذهول وعقدت لساني آلام لا أعرف محلها من بدني، فكأن الوجع ينز وينضح من كل عضو، تحسب لوهلة أنك تفرغه مع نوبات التعرُّق، فيسكن وترتاح، وإذا به يهتف بالمزيد، يستنبط ويرشح ثم يستدعي الجديد… ليس لهذه الحكاية نهاية، جفَّ القلم أو انثلم، وطويت الصحف أو رفعت، لا شيء يفرق، ولا سلام في الختام. 

    ما زلت أحمل حقداً دفيناً وإرث ثأر أنتظره لشفاء غليلي من معلِّم صفعني، وأنا على مقاعد المرحلة المتوسطة التي تسمَّى في بعض البلاد الإعدادية، قد جاوزت لتوِّي العاشرة وأنا الآن أذرف على السبعين!…

    ماذا يزرع هؤلاء وماذا يرجون أن يحصدوا؟ هل يحسبون أنَّ الأيام ستمسح الدماء؟ وتطم ذكريات الدور والأزقة والحارات في ركام ما زال ينتظر الجرافات؟ هل نسوا مجازر النازية وزال حقدهم بعد قرن يكاد يطويها؟ هيهات…

  • من الأمور المُسَلَّم بها في بنيتنا العقائدية أن الامتحان والابتلاء سُنّة إلهية يختبر الله بها عباده ويمتحن بها خلقه، وأنها سبيل الارتقاء المعنوي والتكامل الروحي والبناء الأخلاقي. لا بد من افتتان واختبار، يُميَّز فيه الخبيث من الطيب، يرقى هذا في مدارج السمو ويأخذ في مراتب الكمال، وينحط ذاك بأهوائه، يسقط في الشهوات وينغمس في المعاصي والملذات، ثم يتقلَّب ـ في المعاد ـ بين أطباقها ويقبع في دركات، ومن أصدق من الله حديثاً: “أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون”؟ “ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون”… والحقيقة التالية أن السواد الأعظم في الساحة الإيمانية، سواء اكانوا رساليين ملتزمين أم من أهل الدنيا والانشغال بالعيش والمعاش، أو حتى من الفسقة الخلعاء، جميع الناس أو غالبيتهم، أعم من أشراف وطغام، كرام ولئام، علماء وعوام، قادة أمراء وأتباع خدَّام، إنما يؤخذون بالقوة ومظاهرها، ويفتنون بالتفوق والبأس، ويبهرون بالمال والجاه، ويحبون النصر والغلبة “وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب”، أكثر من أي معطى آخر، و“الناس مع من غلب”… ويتأكد ذلك في الفئات التي تعيش “الأقلية” وتشكو القهر، تعاني الاستضعاف والاضطهاد، يحقق لهم ما يفتقدون، ويبلغ بهم ما يأملون ويرجون، وفي طليعة ذلك، إنهاء الذل والهوان الذي يعانون، والخروج من الحرمان والازدراء الذي يكابدون. وإنما كسبت الجمهورية الإسلامية وأحزابها قاعدتها الجماهيرية، وحظيت بالمد والتأييد الشعبي في الساحة الإيمانية وحتى بعض الساحات العامة، من تأثير هذا العنصر وفعل ذاك العامل. أما العقيدة الجهادية والفكر الحركي، فهامشه ضئيل يدور في نطاق النخبة، لا يجتذب الطاقات ولا يحقق الإنجازات.

    وقد أُصيب الحزب على هذا الصعيد في مقتل، وناله عطب أشله وأقعده، مع دخوله “حرب الإسناد”، وإصراره على الاستمرار فيها، وهو يتجاهل ما يحشد العدو ويعدُّه للمواجهة وساعة اللقاء! أمسى وكأنه يهوي من قمة بلغها في أربعين عاماً من الكدِّ والعناء، ويتدهور في قعر وقرار لا يبلغه سمع ولا نظر، بل كأنه اعتلى المقصلة بقدميه، ولف حبل المشنقة حول عنقه بيديه. وكان أمره بعد الضربات الأولى التي طالت جميع قادته وكل مخازن أسلحته، قد آل إلى زوال وآذن بتفكك وانحلال، ووقف على أعتاب نهاية مأساوية، وكأنه يقتل صبراً، لا يملك حراكاً ولا رداً، قد نزل به ما أشلَّه وأقعده، فمنعه حتى عن رفس المحتضر، وخمش الهر المحاصر… عندما قرر العدو أن يمضي بخيار الاستمرار، وهو شقٌّ، يذهب إلى اغتيال قائد الحزب ورمزه، في مقابل ما قيل عن خيار آخر يكتفي بتصفية القادة العسكريين، وتدمير الآلة الحربية مع هدم البنية الفوقية والتحتية، وهذا ما تحقق بالفعل وتم، ما ترك معسكر الحزب وخلَّفه مهلهلاً أسمالاً بالية، لا تستر عورة، ناهيك بأن تقي من حرٍّ أو برد، موكلاً لجمهوره وبيئته المثقلة بالدمار والهزيمة، محاسبة المسؤول، ومعايشة المفارقة بين القول والفعل، أو الدعوى والعمل، وفي هذا قضاء على الفكرة والتجربة، وإعدام للقائد المهزوم، وإطفاء للرمز المتألق، وإنهاء للقدوة، وقتل له يتكرر في كل يوم وساعة. لكن نتنياهو وأركان حربه أظهروا سادية فاحشة، وتعطشاً غريباً للدماء، وكأنَّ بتر الأيدي وسمل العيون في “عملية البيجرات”، بعد خراب المدن وتدمير البيوت، ثم آلاف الشهداء الذين سقطوا في أيام معدودات، لم يشف غليلهم، ولم يخمد حقدهم… فذهب إلى تصفية نصرالله وأمر باستهدافه وإعدامه.

    وإن كان مصيباً في تحليله، محقّاً في قراءته بأن لا عاصفة ستجتاح الشرق الأوسط جرَّاء ذلك، ولا طوفان سيُسقط الأنظمة، ولا تعطيل لتدفق النفط ولا اضطراب في أسواقه، ثم لا دمار سيلحق بالكيان ولا انهيار سيجتاح دولته ولا أذى سيصيب أهله.. لكنه أخطأ في جوانب أخرى ستنال منه ومن انتصاره على المدى البعيد، خلافاً لما يرجو ويأمل!

    فقد صرف السيد حسن من موقع المحاسبة على سوء القيادة وترديها، وأعفاه من المثول أمام محاكمة تنظر في تخلُّف إدارته وفشل ريادته، تلاحق آفات روحية أسقطته في الغرور، وأنزلت به الغطش والعمش، بل العمى والكمه، فما عاد يبصر الواضحات، ويلتفت إلى المسلَّمات، حتى مضى إلى الهاوية، وأخذ معه حزبه وجمهوره لتلقِّي الضربة القاضية. وهنا سيحاكمه التاريخ، قبل أن تفعل السماء، على حجج قدَّمها هناك، وكيف ركن إلى رؤى صدَّق بها وأحلام، ووثق بوعود قطعها له ولي أمره، النرجسي المعتَّق والحالم الأخرق، بأنه سيصلِّي في القدس بعد الشام! وعود بالنصر تبخرت وأهداف تحولت، من تحرير الأقصى ومسح تل أبيب عن الخارطة وإخلاء حيفا ويافا من السكان، حتى إنهاء الكيان، في أسابيع وأيام.. تراجع وانكفأ هذا كله إلى إقامة جنازة والتباهي بهذا الإنجاز! والضاحية تتسوَّل الإعمار من دول تصنِّفها ثقافة الحزب بالعمالة وتدرجها أدبياته في الخيانة، تنتظر إحسانها لتعيد بناءها، بل لترفع عنها الركام!

    إن المستفيد الأول والأكبر من قتل نصرالله هو نصرالله نفسه، وحزبه، والقيادة التي خلفته، أما نتنياهو فإنه قبل أن يضرَّ بالسنة في غزة والشيعة في لبنان، أضرَّ باليهود الذين يرون قدرهم في هذه البلاد، وما يلزم ذلك من تعايش مع شعوبها، وتحقيق الأمن والسلام الذي ينهي التوتر والاضطراب، والقلق الخفي الذي يسكن كل يهودي في الشعور منه واللاشعور، يقضُّ مضجعه وينغِّص عيشه، لا يدري متى تأتيه الطعنة من فلسطيني يائس، أو يهوي عليه صاروخ من إيراني مفلس بائس، أو تتزلزل الأرض من تحت ديمونه لقدر وغضب إلهي، فتعود أرض الميعاد كهشيم المحتظر!

    في قراءة المتابعين البصراء إن ما تحقق في الجنازة يشكل خطباً وحدثاً كبيراً على صعيدين:

    الأول: انقلاب المتهم المتسبب بالهزيمة والمدان بسوء التقدير وتردي القيادة، إلى رمز خالد وأيقونة تنتصب على كتف الضاحية الجنوبية، وقبره إلى صرح سيتحول إلى معلم روحي يلجأ إليه المنهكون ويلوذ به المحرومون المضطهدون، ويتخذه الثوار كعبة في جهادهم وقبلة لصلاتهم. طالما كانت الطائفة تتوق إليه وتفتقده، فلا تملك ما يناظر كاتدرائية مار جريس للموارنة في ساحة النجمة، وكنيسة القديس لويس للآباء الكبوشيين في ساحة البرج، ولا ما يضاهي قداسة سان جاورجيوس لدى الأرثوذكس، وعراقة المسجد العمري في قلب بيروت، فكانت تشد الرحال هنا وهناك، تطلب أثراً في بعلبك أو النبي شيث أو النبي ساري في عدلون، وإذا بنتنياهو يمنحهم مقاماً حياً نابضاً للنبي نصرالله، تستقبل قبته كلَّ قادم إلى بيروت وتودع كلَّ مسافر!

    ولم تكن إسرائيل هي المسؤول الوحيد عن هذه النتيجة، فقد لحقتها في الجبهة الداخلية اللبنانية أصوات وممارسات محلية تبتذل الشيعة وتدعو لقمعهم وامتهانهم، وأخرى تطرح مشاريع للجنوب على غرار مشروع ترامب لغزة، إهانات وملاحقات تفتقر لأدنى معايير الوطنية والأخلاق هنا، أو أداء الدولة وشرف المنتصر هناك، ناهيك عن الرحمة لعزيز قوم ذل، مما حمل القاصي والداني إلى اللحاق بركب المشيعيين… ثم زاد في الطنبور نغمة، تحليق طائرات سلاح الجو الإسرائيلي فوق النعش، لا تدري أكانت تريد إرعاب الحشود وصرفها عن الاستمرار في التشييع، أم كانت تواكب الجنازة وتؤدِّي التحية لها، أو لعلَّها تعتذر وتأسف لخطأ جسيم وقعت فيه حين استهدفته بصواريخها! وكأن السفاهة ملازمة للقوة، تنزل بكل من يعيشها فتورثه الطغيان، وإن كان من الديمقراطيات الراقية والمدنيات المتفوقة!

    وإن تعجب فاعجب لأحد العلماء الأعلام الذي نصر الزهراء يوماً ووقَّع عريضة إدانة فضلة الشيطان، وقد رافق بالأمس الوفد الإيراني، وهو ممن لا ناقة له في الثورة ولا جمل في المقاومة، فحضرني قول أميرالمؤمنين “ما زال الزبير منَّا أهل البيت حتى نشأ ابنه عبدالله”، ولا سيما أن “عبدالله” الرجل، نشر “سيلفي” التقطه يظهره وأبيه على مقاعد الصفوف الخلفية!

    الثاني: تحقق الفتنة وسنَّة الابتلاء والامتحان، فمن السذاجة والغفلة بمكان أن يتوهم المؤمن الغيور والناشط البصير انقطاع مسيرة الإغواء والافتتان، ويحسب أن تطوى صفحته، وينتهي دور الشيطان ويتعطَّل قبل قيام الحجة، بل قيام الساعة، هيهات، سيبقى الغربال يميز الخبيث في فكره عن الطيب في معتقده وعمله، لا شك في هذا الأمر ولا شبهة، إن مشهد التشييع المهيب، وهذا الحشد الفخم والحضور الكثيف، هو واحد من أعمق ضروب الفتنة والابتلاء الذي وقعت فيه الطائفة، وهذه النذر والرسل تترى بتصريحات وممارسات ترفع الفقيد إلى مقام الأئمة والأنبياء، تساويه بسيد الشهداء، وتجعل مصرعه كربلاء. بل تستخف بشعائر جامدة وطقوس مخدرة تستدر الدموع على أطلال، وتعطل الحركة وتبقي الأمة في كتب التاريخ وذاك السجال… هكذا يخرج الناس من دين الله أفواجاً، والعلماء بين فقد القدرة ويأس من التأثير فسقوط التكليف، وبين ساقط في فخ الإعلام، يلحق الطغام ويتبع العوام.

  • بعد سنين متمادية من ثرثرة السيد القائد ولغوه، تبجُّحه وزهوه، ثم كيده ومكره بل قل بطشه وبأسه، مما قابلته الحوزة والمرجعية بصمت وسلبية، وواجهته بنأي وإعراض، إهمالاً له وترفعاً على سخفه وتفاهته، أو عجزاً أمام قدرته وسطوته، الأمنية والإعلامية والسياسية والاجتماعية، والأخيرة هي التي كانت تكبِّل أغلب البصراء وتقيِّدهم، فالشيعة لا يطيقون معارضة الدولة الشيعية الوحيدة في هذا العالم، والوجدان الإيماني الساذج يستوحش الاصطفاف في جبهة أمريكا وإسرائيل، وحكومات لم يرَ الشيعة من أكثرها إلا الكيد والعداء، والشر والاضطهاد!.. بعد نحو أربعة عقود من الصمت المقدس، يبدو أن الحوزة والمرجعية قررت تدشين مرحلة جديدة في صراعها مع الباطل الخفي، والبدء في سعيها لكشف الزيف والانحراف الذي يتقادم باسم المذهب، يدَّعي تمثيله، وينتحل زعامته، ويستولي على مقدراته، ويدخله في صراعات مهلكة وحروب مدمرة، ما يفسد على الناس دينهم ويزري بدنياهم.. ألقت المرجعية كلمتها بهدوء، تاركة للساحة خياراتها، ومفسحة لها في كيفية التفاعل معها والأخذ بها، أو تركها تطوي مراحلها من تلقائها، لكنها على أي حال، خرجت من شرنقتها، وانطلقت في مسيرة المواجهة والتصحيح.

    وهذا من أبرز معطيات هزيمة إيران في الحرب الأخيرة، وتبعات تهاوي محورها وتفكيك مفاصله، وسقوط جبهاته الواحدة تلو الأخرى، من الحزب في لبنان، إلى البعث في سوريا، ثم تحييد فصائل الحشد في العراق، بانسحاب تكتيكي وانحناء عقلائي، هو في حقيقته اندحار وفرار من الزحف والمواجهة، وكذا ما يعيشه قلب المحور ويعانيه أصل النظام في طهران، من انهيار مأساوي للعملة وتردٍّ غير مسبوق للاقتصاد، وعجز مفضوح للحرس الثوري، مع خروج منظومة الدفاع الجوي عن العمل بعد الضربة الإسرائيلية المدمرة، ما طال أولياته وركائزه، ناهيك بصورته ومظاهره، فالسفور والرقص (وجلُّه من صيغ المعارضة وتحدِّي النظام) بات علنياً في الشوارع، والطعن والاستخفاف بأركان السلطة ورموزها، بما فيهم ولي الفقيه، أصبح طرفة العام والخاص، مُلحة المجالس ونادرة المحافل، وكذا انكشاف فضائح الفساد والسرقات المليارية لا المليونية، الذي أزكم الأنوف، وحصر نطاق أنصار النظام في المستفيدين المباشرين، وشريحة ما زالت تتقلَّص من الأغبياء المخدوعين… إنهم في وضع لا يحسدون عليه، وفي حيرة أقعدتهم، فلا يعرفون للأزمة مخرجاً، فكلما عمدوا إلى حلٍّ وجدوه يفاقم الوضع ويزيده سوءاً، حتى كأنهم عزموا على الاستسلام، وتركوا الأمر للمقادير، ولا أظنها ستقابلهم إلا بانتقام!

    من أهم نتائج ذلك، انحسار نفوذ إيران وتراجع سلطتها على الحوزات العلمية، ولا سيما في النجف الأشرف، وتنفُّس العلماء والفضلاء فيها الصعداء، بعد عقود من تضييق الخناق ورصد الأنفاس، والقهر والحشر في زاوية تفرض على الورعين التقية، وتأخذهم في أشكالها ودرجاتها، وتذهب بضعاف النفوس والمستأكلين إلى الرقص على أنغام المعزوفة الإيرانية، وهؤلاء أيضاً ـ في المقابل ـ على نسب ودرجات، بين ماجن فاضح، ومستخفٍ متستر. 

    وفي سياق هذا الانفراج، يأتي ما صدر منذ حين عن السيد محمد رضا السيستاني حفظه الله من إدانة للنهج الحداثي الذي ترعاه إيران، وما عمد إليه من تسقيط للرموز التي تعمل معها، والعناصر التي تغرسها وتصنع منها بؤر فتنة، ورؤوس جسور لغزوها وإنزال قواتها (الثقافية)، وتحويل النجف إلى قم أُخرى، بعد أن دسَّت هناك قبل عشرين عاماً نحو ستة عشر ألف عنصر مخابرات، أدخلتهم الحوزة وجعلت من طلب العلم والتحصيل الجاد وظيفتهم الوحيدة، فباتوا الآن في الفضلاء وصاروا من المدرسين، ومن ذوي الخبرة والعلماء، الذين سيحدِّدون للأُمة مرجع تقليدها! فتأمل في كيد الشيطان وتدبَّر في مكره وخبثه!

    قال السيد محمد رضا السيستاني في معرض بيان وظيفة الفقيه: “من المعلوم أنَّ وظيفة الفقيه هي استنباط الحكم من أدلَّته الشرعية، وليس هو مشرِّعاً ليحقَّ له أن يغيِّر في الأحكام حسب ما يظنُّه من مستجدَّات، بزعم جعلها بذلك ملائمة للعصر، كما يلاحظ مثله في سلوك بعض أدعياء الفقاهة ممَّن يحاولون إضفاء صيغة صناعيَّة علميَّة على ما يزعمون أنَّه مقتضى ملائمة الدين الإسلامي لكلِّ عصر وزمان، وهذا منحى خطير يجرُّ صاحبه إلى مخالفة أحكام مسلَّمة واضحة الثبات، كما وقع فيها عدد منهم في جملة من الموارد”.

    وسواء كان هذا الحديث عن خطَّة معدَّة، وسابق رسم وتدبير، أو كان عفوياً عارضاً، فمما لا شك فيه أن الأجواء الجديدة أشعرت الرجل، وجملة العلماء في الحوزة، بهامش أكبر من الحرية، وسمحت لهم بمزيد فسحة وسعة للتعبير عن رؤاهم وأفكارهم.

    وعلى الرغم من أن هزيمة إيران وعموم العجز والوهن الذي يصيب المؤمنين هنا وهناك أمر مؤلم للمرجع الأعلى، ما كان نجله السيد محمد رضا يرضاه ولا يتمناه، إلا أنه قد يندرج في “عسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً”، وإن ذهب جمع عريض من النخب الشيعية في الحوزة وخارجها أنها جمهورية بني العباس، وفي سقوطها ستقام الأفراح والمسرات، وفي الأقل الأدنى لن يأسف واع بصير على سقوطها وزوال ملك طاغيتها، فإن حديث سماحة السيد لا ينبغي أن يحمل على ذلك، ولعله جاء بتلقائية، كانعكاس عفوي لشعور عام انتاب الساحات الإيمانية جمعاء، ومنها الحوزة في النجف الأشرف، من زوال السطوة والتهديد، وتراجع الإرهاب والوعيد!

    تماماً كما تستبشر الهيئات الحسينية اليوم بموسم قادم خالٍ من محاربة الشعائر، مما كنا نراه خلال ثلاثين عاماً مضت في فتن منع التطبير، ودس البدع، وزرع الرواديد المستأكلين والخطباء المنحرفين… فلا نظن أن القوم الآن وهم يخلون للسفور ويفسحون للرقص في الطرقات، ولا يتعرضون حتى لثياب البحر على شواطئ قزوين، أن يتصدوا للمواكب الحسينية والهيئات؟! فإن غلبهم السفه والشقاء وفعلوها، فستتفاقم أزمتهم وانفضاض الناس من حولهم، ثم سيكون التصدي لهم أقل مؤونة وكلفة، وسيشارك فيه كثيرون، كانوا حتى الأمس القريب يتحفَّظون ويتوقفون.

    هكذا ستنطلق الحوزة حرة مستقلة، فإن كتب من بعدُ صراع هنا بين تيارات وصدام بين شخصيات، فهو في دائرته الطبيعية، التي طالما وُجدت وسبقت، ولا يكون مقارعة لدولة وسلطان مدجج بالسلاح وبجيش من المخابرات، ويقف على آبار لا تنضب من الذهب الأسود.

    قد لا يكون السيد السيستاني الابن ناظراً إلى نهج إيران وشيطنتها في الحوزة، ولا دافعاً تجاه كشف وإسقاط مرجعيتها المزيفة، ويكون منطلقه بحت المسؤولية الشرعية ومحض استشعارها، مسترسلاً يقدم من حرص على مستقبلها، وحذر وخوف على أصالتها… لكنها على أي حال خطوة للأمام، وبشارة ومَسرَّة، وأول الغيث قطر ثم ينهمر.

  • “هل تريد نقض بناء، رُصَّت لبِناته لبِنة فلبنة بأيدٍ تشققت حتى مجلت وتقرَّحت؟ وخُدم بأشفار العيون حتى ضعفت وكاد يذهب نورها؟ جُبلت خرسانة رفعت قواعده بدماء الشهداء وماء الأماقي، تذرفه أُمهاتهم وأيتامهم؟ هل تريد نسف جهود أربعين سنة أقرب إلى نحت الصخر ونقر الحجر؟ من حفر الأنفاق بالأزاميل، بل بالأيدي والأظافير، حتى لتزول الجبال وتنقل عن مواضعها؟ فقطعة السلاح، من الصواريخ والقذائف إلى رصاص البنادق وطلقات المسدسات، ما كانت لتصل أماكنها وتبلغ المستودعات التي ستخزَّن فيها، إلا بخوض اللجج وسفك المهج، وعدِّد ما شئت من ضروب المشقة والعناء، ومكابدة ولأواء، وأموال ودماء، وقرابين تذبح أمامها، لا احتفاءً بقدومها وإقامة للولائم على شرف وصولها، بل آلة تمهد الطريق، ومدحلة ترصُّ أحجارها وترصفها… وأنت تريد أن تطمس ذلك كله، تتجاوزه وتنساه، تطوي صفحته وتغادره، هكذا ببساطة، وأنت في دارك تتفنن في إعداد القهوة، وارتشافها مع كتبك الصفراء التي سئمتها حتى الأرفف التي رُصت عليها”؟!

    بهذا قابلني أحد “الثوار” الذي لم يغادره الترف ولم يعرف في حياته الشظف، وإن امتاز عني أو اختلف، فبتناول الشاي بدل القهوة، وإلا فكلانا في “القعود” سواء، نعم هو يصرف وقته في مرابع وحانات ابتذال الدين، التي تسمَّى “ديوانيات”، بدل ربيع الكتب وربوع المكتبات!.. ألقى التعس ما عنده بغرور وعمه، ولاقاني بحماقة وسفه، فكان هذا الذي ترى، وهو هذيٌ نمَّقتُه، وهذر هذَّبته، فلا أقدِّم لقرائي هراء عوامٍ وحشو وتخرُّصات طغام.

    لم أُجبه، وواعدته بمقالة، لا بثلاثين ليلة وميقات، فلا هو موسى ولا أنا ربه، ولم أتممها بعشر، إن هي إلا شقشقات تهدر، فلا تقرُّ إلا بحمل القلم والنقش في قرطاس، أو بالنقر على لوحة حاسوب أو هاتف محمول.. والمعني هنا والمراد المقصود يطال النوع، لا شخصاً غارقاً في التنكير..

    سريعاً ما نسي المسكين إسرائيل التي فعلت ذلك بهم، هي التي قضت عليهم لا أنا (النوع أيضاً) في طرفة عين! هاج اللاشعور في وجدانه، وأخذه ليعرض عما يؤلمه ويوجعه، بل يقتله إذا رهف منه الحسُّ ولطُف الشعور، يتناساه ويتوجه إلينا، يرمي الرقم الأضعف في بيئته، فلا سلاح هنا ولا عتاد: “لم تقفوا معنا، فاستوحدونا وتكاثروا علينا، فأنتم شركاء في إنزال المأساة بنا”! لا أريد البحث في علل النكبة وأسباب موت محور المقاومة، فيكفيهم ما هم فيه، والمُثلة حرام، لا سيما في فرخٍ وقع من وكره، تلاعب به الصبيان حتى هلك أو نفق. إنما هي الندبة التي استوقفتني، فيبدو أنهم أُشربوا حب الطاغوت حتى مسخوا في عقولهم، انتقل السوء والداء من الذائقة والحس إلى الفهم والفكر، فباتوا يفكرون بشكل معوج ويفهمون الأمور على نحو مقلوب، على طريقة أهل الشام في صفين حين رأوا عمار بن ياسر شهيداً في عسكر أميرالمؤمنين، وتذاكروا حديث النبي “تقتله الفئة الباغية”، فقيل لهم إنما قتله من أخرجه للقتال، وهو علي! هكذا قيل اليوم للخامنئية “إنه النصر، أوَ لم ينتصر الحسين على الرغم من قتله وأصحابه، وأسر أهله وعياله”؟! وما زالوا بهم حتى صدَّق كثير منهم أنهم منتصرون ومنصورون، فقصد من براءته قريته في الشريط الحدودي قبل أن يأذن له العدو ويسمح، فلاقاه الرصاص، ولم يجد من يرد عنه ويدفع، فتجدد سيل الدماء!

    إخواني أرباب العزاء، إن إسرائيل هي التي سوَّت بنيانكم بالأرض، ومسحت كل ما ذكرتم من كلفة وعدَّدتم من جهود خلال أربعين سنة، في أربعة أسابيع أو أيام، حتى لم يبق من “البنائين”، من يتحسر على شيء من البنيان، ذهبوا وذهب، فطويت الصفحة وأغلق الكتاب، وأنتم في تيه التبرير والتماس الأعذار، والبحث عن إبرة في بيدر قمح أو كومة قش، غارقون في فنجان، فإذا خرجتم من دوامته، انشغلتم بقراءته، واستعنتم بالمشعوذين في استشراف طالعكم ومستقبلكم، ما يبقيكم في متاهته!

    وإذا أردت الغيب وعالم الحقائق، فإن هذا ما جنوا على أنفسهم ولم يجن عليهم أحد. ومن راقب “المنار” البارحة، ليلة العزاء باستشهاد الإمام الكاظم عليه السلام، وحضر برامجها اليوم، وأغاني النصر وأفراح الفتح، لعرف علَّة غضب الله، ومن شاهد العائدين إلى قراهم ينفثون دخان النارجيلة، متربعين على ركام بيوتهم المهدمة، يتحدون إسرائيل ويطلبونها للبراز، لعلم سر الهزيمة ومكمن البلاء، وأن الكبر والغرور لا يدع صاحبه حتى يهلكه، فيُصرع في دقائق عشرون ويجرح مئتين لمجرد مناورة إعلامية، دفعت بالعزَّل للتظاهر أمام أعتى جيوش المنطقة والعالم، وكأن دماء الشيعة أنخاب يرفعها القادة في بيروت والأولياء في طهران!

    لعمري، ما زالوا في غيهم يعمهون، وما برحوا في جهالتهم يخوضون ويخرصون، ولك أن تتصوَّر الطغيان الذي كانوا سيعيشونه والكفر الذي سيبثونه لو كتب لهم النصر، فنالوا من إسرائيل، أو غلبوا إرادة أمريكا وأثنوها عن سياساتها؟ أو حتى لو بقيت لهم بقية، كما كان الحال في الحرب الماضية (2006)، حين ألجمت أمريكا إسرائيل ومنعتها من الاستمرار، الذي سمحت به اليوم، فوقع الانكسار التام في أيام!؟

    كأني بهم يخبطون الناس بعصا السلطة ويسوقونهم بالقهر والقوة، ويحملونهم أفكارهم ومعتقداتهم! أين كان الزهو والغطرسة ستبلغ بهم وتأخذهم بالخامنئي، بعد أن نصبوه إماماً وهو يتلقى الضربات ويعيش الهزائم، فكيف إذا وجَّهها وحقق الانتصارات؟ كم كان الإغواء والإضلال سيستحكم؟!

    كأني أرى أعداد “البلوغات” من الفتيات المؤمنات سيبلغ المئات، بعد الآحاد، يملأن وسائل التواصل بعباءاتهن، وابتسامات تُظهر جمال ثغورهن، ومساحيق تجميل دهنت وجوههن بإتقان، حتى لتحسب أن لا مساحيق، وأن الصبية بهذا الجمال! وتخضُّع يفتن الشيوخ قبل الشبان… كانت المعازف والموسيقى ستدخل الصحن الحسيني بعد ما فعلت بين الحرمين، ولعلها وصلت الروضة وارتفع صخبها من جوار الضريح الشريف! كان العزاء واللطم والندب سيهجر مصاب الحسين وينصب على سيد المقاومة وأمينها العام، وصحبه القادة الكرام، وصانعها وبائعها وحاملها وشاربها!

    وبعد، كانت الحوزة والمرجعية ستعود إلى عهود البعث وصدام، لكن باسم الدين وعصا الإسلام! كانت مقامات أهل البيت، وعقائد الناس، وولاؤهم لأئمة الهدى، وبراءتهم من أعدائهم ومخالفيهم، ستعود تاريخاً وقصصاً مأثورة لا حضور لها ولا تأثير، حتى إذا انقضى هذا الجيل نسي القادم ما كان عليه آباؤهم وأسلافهم. والإيرانيون ببابك، كانوا من أشد الناس عداوة لأهل البيت وتعصباً ضدهم، حتى إذا أمرهم السلطان، انقلبوا إلى التشيُّع وصاروا أكبر بلاد الولاء! كانت جولة الصعاليك ستكون دولة، والدين سيؤخذ من كتب الحيدري وفضل الله، وآصف محسني وحب الله، فلا كتب للخامنئي، والمذهب يُستقى من الحركة الإسلامية، من حزب الدعوة والحوثيين وسيد قطب وجمال الدين، فإذا غلبه الجفاف وأعوزته النداوة والنضارة، يمَّموا صوب المولوي وابن عربي… وخذ ما شاء الشيطان من هذا الالتقاط.

    فالحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، ومع آلام البلايا التي حلت بالناس، فإن الخير كل الخير في قضاء الله وما قدَّر سبحانه وتعالى.