من خطب الملاحم: “راية ضلالة قد قامت على قطبها، وتفرقت شُعَبها، تكيلكم بصاعها، وتخبطكم بباعها، قائدها خارج من الملة، قائم على الضلة… أين تذهب بكم المذاهب، وتتيه بكم الغياهب، وتخدعكم الكواذب، ومن أين تؤتون وأنى تؤفكون؟… استمعوا من ربانيكم، وأحضِروه قلوبكم، واستيقظوا إن هتف بكم”…
هل لفحت وجوههم السموم فكلحت وغلظت فما عادوا يستحون؟ أم ضرب الهجير عقولهم فصاروا يهذون ويخرصون؟ هل صهرت شمس القائلة يوافيخهم، فخولطوا وجنَّ جنونهم؟ أم عضّهم الإفلاس وغلبهم الجدْب، فلَبِسهم الجرٓب ونزل بهم الكلَب، وها هم يلهثون، وقد تدلت ألسنتهم من شدة جوعهم للفتك، وأكل لحوم المؤمنين، ومن غلَبةِ العطش والغُلّة التي لا تطفأ إلا بسَوْرة بثّ النزاع والفرقة، ولا تُروى إلا من نجيع الشقاق والفتنة؟..
فعل الداء فيهم فِعله، وأمضّهم وأضناهم، فغدوا في زحار دائم ولوثة مستمرة تدفعهم لنهش كل ما يلقون ومن يقابلون…
كانوا يصبون حممهم ويقصرونها على أيام عاشوراء، ويكتفون بموسم العزاء الأكبر الذي يجمع عامة الشيعة، ويكفّون عن الخواص، ويتركونهم لشأنهم بقية الموسم الذي يمتد حتى وفاة النبي في ٢٨ صفر… وإذا بهم هذا العام يبقون على نيرانهم مشتعلة ويوغلون في الدناءة ويستمرون في العداوة، سيان واجهوا رداً ولاقوا مقاومة، أم اُهملوا ومرّ عليهم المؤمنون مرور الكرام، مجسدين المثل في قوله تعالى: “وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ”… وقد دخلنا في صفر وهم ماضون في سُعارهم، لا يكفّون ولا يتراجعون!.. فماذا دهاهم وماذا يريدون؟!
ألا شاهت الوجوه وقبحت المسالك وانحطت الدروب.. وهي مسيرة قديمة سابقة، لكنها كانت مضمرة الأبعاد، مخفية الحدود والنهايات، يواريها التكتيك والمناورة، وتداريها المرحلية والأطوار، ها هي تظهر للملأ وتنكشف للعيان… الآن حصحص الحق وأسفر الصبح وظهرت الأغراض والأمراض والغاية الأقصى التي يرمون، فأعلنوها صريحة، كما كنا نقرأ من عنوان كتابهم وشعار راية ضلالهم (فيعتب بعض السذج: إنه أخذٌ بالظن، وقصاص قبل الجناية!)، فها هم ينادون علناً ويجاهرون:
▪️ إنهم ليسوا منزعجين من الجزع والصرخة والإدماء والتطبير فحسب، ولا رافضين للطم والبكاء فقط! بل يريدون إنهاء العزاء من رأسه وتحويل مجالسه وشعائره إلى محاضرات سياسية ودروس ثقافية وجلسات حوارية!
▪️ لقد أعلنوها صريحة، وطالت عريضة رغباتهم وتوسعت لائحة طلباتهم لتشمل: إنهاء الأحزان وكسر الحداد وخلع السواد في محرم وصفر (بعد العاشر)، والدعوة لإقامة حفلات الزواج، وعدم تعطيل الأفراح وتأجيل المسرات!
▪️ وإن تعجب فعجبٌ من “المثقفين” دعاة تحرر المرأة وسوقها إلى سوح العمل والحركة والاعتصامات والمسيرات.. استنكارهم خروجها في زيارة سيد الشهداء!
▪️ وأعجب من ذلك موقف “المتحضرين” المنادين بأساليب عصرية ولغة متمدنة للتعبير عن الحزن… في رفضهم إيقاد الشموع واستهجانهم ما يفعله الشيعة ليلة الوحشة!
▪️ في هذا العام طال تطاولهم وتوجهت سهامهم حتى للإطعام! وراح إخوان الشياطين (المبذرون) يلقون علينا الدروس في الاقتصاد ومنع الإسراف، واعتلى الأشحة البخلاء منابر الوعظ والدعوة للبذل على الفقراء!
▪️ إنهم يستميتون لقطع تواصل العزاء واستمراره شهري محرم وصفر، وإن بإقامة الاحتفال بميلاد إمام (الكاظم عليه السلام)! ولا يبالون بهتك حرمة ذكرى وفاة السبط الأكبر في ٧ صفر، ولا بتخفيف وقع فاجعة وفاة النبي ﷺ بضم غيرها إليها واختصار المناسبات وضغطها ما استطاعوا!؟
كم هو مخز أن يعرف أصحاب الفنادق والمطاعم وصالات الأفراح أن الشيعة لا يتزوجون في شهري محرم وصفر، وتعرف صالونات التجميل أن نساء الشيعة لا يتزيّـنّ في هذين الشهرين…
ثم يسعى ويكافح “معممون” و”متدينون” لكسر هذا الالتزام وإسقاط هذا الشعار الذي أصبح هوية ومعلَماً للمذهب وأتباعه؟!
لقد تمادوا هذا العام وجاؤوا بها خرقاء شوهاء كطلاع الأرض ومِلء السماء: دفن سائر أنماط العزاء!..
فأسفروا عن وجه يحكي الزندقة الأولى، والأموية السابقة التي ظهرت في عهد الأمين الشامي ومهدي البصري، التي أنشد فيها شاعر أهل البيت السيد رضا الهندي (صاحب الكوثرية) رحمه الله:
يا راكباً إما مررت بجُلّق
فأبصق بوجه أمينها المتزندق
وقال:
ذريّة الزهراء إن عددتَ يوماً ليطري الناس فيها الثنا
فلا تَعدّوا “محسناً” منهم لأنّها قد أسقطت محسنا..
مشروع فكري ساقط، وخطاب ثقافي بني على شفا جرف هار ما زال ينهار بهم ويهوي… كل مؤونته وتمام مادته كذب وخيال! فهم يصورون وهماً ويلاحقون سراباً، وينادون بباطل ويتحايلون برأي فاسد، ويريدوننا أن نغيّر وفقه قناعاتنا، ونكف بسببه عن عباداتنا، ونخرج من تقليد مراجعنا، ونترك على ضوئه معتقداتنا!.. ذلك أن جل دليلهم وكل حجتهم، تبجحهم: ذهبتم بماء وجهنا أمام العالم! أخزيتمونا في أعين الغرب! شوّهتم ديننا وأوهنتم مذهبنا…
أزيز ذباب ونقيق ضفادع، ونعيق غربان وفحيح حيات، ثم نباح كلاب وعواء ذئاب، فرُغاء أباعر ونهيق حمير.. هكذا غزلت أهواؤهم المضلة ومصالحهم الرخيصة ونفسياتهم المريضة خيوط الفتنة، وحاكت ثوب النزاع وزرعت بين المؤمنين الشقاق!
والحقيقة أن لا غرب يشمئز من الشعائر، ولا شرق يستغرب التطبير…
والذين يرصدون الإعلام ويتابعون ما يمسنا في عالمه، وفيهم إخوة كرام يعيشون في بلاد الغرب… يعرفون هذه الحقيقة ويقفون على الأمر، ويتلقون مزاعم القوم ودعواهم بمنتهى الاستغراب!..
فلم يُسجل على هذا الصعيد شيء، ولم يشكّل ما قيل في إدانة التطبير واحداً بالألف مما يدين المسلمين نتيجة تخلفهم العلمي والسياسي والاجتماعي، وحراكهم الديني الذي صبغه العنف وطغى عليه الإرهاب!
نعم، إنهم يشمئزون من الدماء، لكن تلك التي تراق من الآخرين بسبب الإرهاب، لا التي ينزفها المؤمن في طقس عبادي يمثل عقيدته وسموه الروحي، فهذا مما يبهرهم ويبعث فيهم الحيرة والدهشة، وفي بعضهم الإعجاب!.. فلماذا الاصطفاف مع التكفيريين، سواء في التغطية عليهم وتمييع موقع إدانتهم، أو في مشاركتهم حربهم وعداءهم الشعائر الحسينية؟
ظهرت الأكذوبة وانكشفت الحيلة وبطلت الخديعة… الحقيقة أنهم منحرفون يريدون القضاء على الشعائر الحسينية كلها، الصاخب الهادر منها، كما المعتدل الهادئ.. لا تهذيب وترشيد، بل إسقاط وإنهاء، لا إصلاح ولا تقويم، بل حذف وإلغاء!
لن نحسن الظن بعد اليوم بهؤلاء، ولن نسمح لهم أن يغرروا بنا وبأهلنا ومجتمعنا، وسنواجههم ونكشف حقيقتهم، إنهم أئمة ضلال لا هدى، وحكام جور لا شرع، وأعضاد طواغيت وأنصار باطل… فقد فسد الزمان وتضافرت الشواهد وتعاضدت القرائن على أنهم خونة، خانوا الأمانة، وفرطوا في المسؤولية، وضيعوا الحقوق والواجبات.. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
التعليقات