في بداية الثمانينيات من القرن الماضي بعد قيام الجمهورية الإسلامية في إيران، راجت فكرة خطيرة ما لبثت أن شكلت مرتكزاً في الحراك الإسلامي الشيعي في العالم كله، وهي اعتبار نظام الجمهورية الإسلامية “بيضة الاسلام”. بمعنى أنها تمثل الأُس والمرتكز الذي يقوم عليه الدين، وبضعفه واضمحلاله يزول الدين ويندرس، تماماً كما هي الكعبة المشرفة وشعائر الدين الأساسية، وما إلى ذلك مما ذكرته الكتب الفقهية بهذا العنوان: “بيضة الإسلام”.
وفي هذا السبيل، أو نتيجة لذلك، حدث حراك واسع في الساحة الشيعية في كل مكان، طولبت فيه المنظمات وأُلزمت الأحزاب (بضغوط شعبية عفوية)، أن تعلن انحلالها وتندمج في هذا الكيان الجديد، أو تنخرط في تنظيماته وتصبح واحدة من مؤسساته، وصار تقييم هذه الحركات بين الناس يدور على هذا المدار: كم هي موالية وتابعة للجمهورية الإسلامية؟
وهكذا ترك كثير من الشباب الشيعي بلادهم ومواقعهم وأدوارهم فيها، وزهدوا في معيشتهم ودنياهم، وهاجروا للدفاع عن هذه الثورة وما تشكله من “بيضة الإسلام”، ومن بقي في بلاده، عمل من هناك على نصرتها ودعمها، وإلا كان يُعد متخلفاً عن الركب وفارّاً من الزحف، ويوسم بالقعود والخذلان.
وبعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية ووفاة القائد المؤسس السيد الخميني رحمه الله، وقع تغيّر جذري في نهج الثورة وسياستها، نحت فيه إيران منحىً جديداً، انتقل بها من “الثورة” إلى “الدولة”، وأخذت تنسجم مع المنظومة الدولية وتنخرط فيها.
وكذا مضى الأمر على الصعيد الثقافي، فقد تراجع الحضور الديني لصالح الوطنية الإيرانية (والقومية الفارسية خاصة)، وتراجعت معالم الهوية الشيعية لصالح الانفتاح على المذاهب السنية (كحقيقة علمية وعقدية، لا مجرد خطاب مداراة وتكتيك سياسي).
هكذا تراجعت ـ تلقائياً ـ شعارات الثورة ومبادئها إلى الصف الثاني والثالث أمام أولويات استقرار دولة وإعادة إعمار البلاد. وما زالت هذه المبادئ والشعارات في تراجع وانحدار (كل ذلك يُلبس بصيغة التكتيك المرحلي، ويدثّر بلباس الأداء الذي يريد ـ في المآل ـ تحقيق أهداف الثورة بالحيلة والمناورة بدل الإعلان والمواجهة) حتى وصلت اليوم الغيابَ الكامل والاندثار في بعض الأحيان، من قبيل ما يجري في مفاوضات الملف النووي… نعم، بقيت مبادئ الثورة وشعاراتها مادة إعلامية دسمة وغرساً دعائياً خصباً، استطاع (بالإضافة ـ في كثير من الأحيان ـ إلى مغريات المال والسلطة)، أن يجتذب بعض الشباب في العالم العربي ويجعلهم أداة لبسط نفوذ إيران السياسي وامتداداً لذراعها الأمني…
ومن مآسي التوافق أو محاسن الصدف، لست أدري! أن أصبحت إيران تتبنى وتعتمد ـ في نشر “ثورتها” وتمدد حضورها وبسط نفوذها ـ على مدرستي «الإخوان المسلمين» و«حزب الدعوة»، الأولى للبلاد والأوساط السنية والثانية للشيعيّة.. وقد ارتكزت على فكر ونهج ورجال هاتين المدرستين، وإن اعتمدت على تنظيمات موازية للدعوة والإخوان، ولكنها بقيت كلها تدور ـ عقائدياً ـ في ذلك الفلك، وتلتقي على نفس النهج.
وكان هذا خطأً فادحاً بل قاتلاً وقعت فيه القيادة الإيرانية، بقيت تداريه مصالح المستأكلين من كبار وصغار “الموظفين” الذين اجتذبهم النهج الجديد للثورة، وبقي غرور السلطة وغطرستها يكابر عليه ويأبى عليها الاعتراف به، ومضت في عنادها، وإصرارها بأنه عين الصواب!..
حتى جاء الربيع العربي ليصدم القيادة الإيرانية ويصيبها في مقتل!
فقد ظهر وبان أن «الإخوان المسلمين» (بعد «حزب الدعوة» الذي حل مكان حزب البعث) هما خيارا المشروع الأمريكي للشرق الأوسط الجديد! وأن أمريكا تكافح وتستميت لإقصاء منافسي حزب الدعوة في الساحة الشيعية، بما فيهم المجلس الأعلى الذي لا يختلف عنه كثيراً على الصعيد العقائدي!.. ذهل الإيرانيون وصعقوا، وهم يرَوْن الأمريكان والغربيين يدعمون نفس الحركات الإسلامية التي راهنوا هم عليها، وصرفوا المليارات لدعمها وتثبيت وجودها! لم يصدقوا للوهلة الأولى عمالة هؤلاء، ولا اقتنعوا باختراقهم وفشل خيارهم، والخدعة الكبرى التي انطلت عليهم! ناهيك بالإذعان بأنها حركات أسسها أسلافهم الإنجليز كما يقول خصومهم.
(يتبع)
التعليقات