بلغني أن حملة (قافلة دينية) لزيارة الإمام الرضا عليه السلام جعلت في خطتها وأنشطتها للزوار مواد “تثقيفية” خاصة، بدل عقد المجالس الحسينية.. منها رحلة أخذتهم بعيداً عن الحرم الرضوي الأقدس، إلى ربوة في مزرعة تقع في أطراف “مشهد”، وهناك طلب مرشد الحملة من زواره أن يتبعوه في تمرين نفسي ورياضة روحية، قوامها التأمل وتركيز الفكر، ما يورث في أنفسهم شحنة من “الطاقة الإيجابية” ترقى بهم وتشحذ ملكاتهم وتصقل أرواحهم… ولا تعجب إن رأيت جل زواره وطلابه ومريديه من النساء! فهن أكثر من ينطلي عليهن هذا الخطاب. (وليت هذا “الخبير” و”المعلم” كان امرأة تخاطب نظيراتها وتتولى منهن هذه الخصوصيات، لهان الخطب وما أوليته اهتماماً ولا تجشمت عناء رده ومواجهته)…
خطاب لن أصفه بالدجل والتخريف والهراء، ولا بالشعوذة والنصب والاحتيال.. وإن أفضى ـ في أغلب الحالات ـ إلى استلاب العقل وخلّف في أتباعه تخلُّفاً وأورثهم تردياً وانحطاطاً… فهو في نفسه يتمتع بشيء من مقومات حقيقية ومعالم تقرب به من “العلم”، ولست في مقام دحض أدلته وإبطال حججه، مما هو في منتهى اليسر، ولا يحتاج كثير مؤونة لمن أراد، فأنا أرحب بكل نافذة تقود الانسان لما يرقى به للسمو عن الحسية والمادية، وأرحب بكل ما ينفتح به على عالم “الغيب” ويأخذه إلى رحاب روحانية…
ولكني هنا أسجل ملاحظات على ما غدا ظاهرة في بعض الأوساط الإيمانية، لا بأس بها في نفسها، ولكنها من ناحية أخرى وزاوية ثانية، تشكل عاراً يندى له الجبين، شيء أشبه بتسوّل ملياردير وطرقه الأبواب ومد يده لمرتادي الأسواق، ولجوء أستاذ كرسي في كلية الطب، يتخرج على يديه مئات الأطباء، إلى مضمد يصف لوعكة نزلت به الدواء!
أن يلجأ الناس في الغرب أو الشرق، من ملحدين أو أتباع أديان ومذاهب بعيدة عن مدرسة أهل البيت إلى هذا “العلم” أو الفن أو الرياضة والتمرين، فهذا مفهوم ومُبرر، ولكن أن تجتذب هذه الأمور البدائية والمفاهيم الضحلة أبناء أعظم مدرسة في الوجود، وتستهوي المنتسب إلى المذهب الأتم الأكمل، بما يحويه من تراث ويختزنه من إمكانيات روحية وتربوية وأخلاقية.. فهذه مأساة كبرى، وهي مؤشر خطير على جهل فاحش بما نملك، وعلامة صارخة على الفراغ والخواء الذي يعيش فيه بعض المؤمنين، ولا سيما أتباع المرجعيات الدينية المزيفة، الذين لم يجدوا ما يملؤون به أرواح أتباعهم إلا هذا الغث الرديء.
كم هو مؤلم أن تقرأ المرأة المؤمنة المثقفة كل كتب مهرج كـ”الفقي” على سبيل المثال، وهو من تكاد تجزم بعتهه وخبله، وتمتلئ خزانتها بإصدارات تافهة ما هي إلا اجترار وترجمة رديئة، والتقاط غبي لأعمال أجنبية لا تحظى بأي اعتبار علمي في موطنها، لتلاقي الرواج والتسويق في بلادنا… ثم ترى هذه الأخت المؤمنة غريبة عن كتب العِشرة والآداب والسنن في موسوعاتنا الحديثية كالكافي والبحار والوسائل بأبوابها الزاخرة وكنوزها الثمينة ودُررها الفريدة، ولم تسمع عن المحجة البيضاء للفيض أو جامع السعادات للنراقي ومرآة الكمال للمامقاني، فإن فعلت واطّلعت، فمن المؤكد أنها لم تفقه ولم تستوعب.. وإلا لما لجأت إلى ذاك التصفيف الأجوف والتنميق الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.
في أية هاوية سقط هذا التعس حتى أعرض عن جوار حرم الرضا، وهو قدس الأقداس، عن موئل الروحانية ومهبط الملائكة ومعراجها، وغشي بصره عن أنوار تتلألأ لسكان السماوات وأوتاد الأرض وصفوتها ونخبتها؟! ويمم ـ كمرتاض هندوسي تائه ـ صوب تلّة خاوية ليس فيها من الروحانية حتى أطلال؟!
إنها حالة تبعث على الشفقة قبل كل شيء، أن يطرق شيعيٌ هذه الأبواب، ويلتمس العلاج ويبحث عن سبل طرد الطاقة السلبية، وجذب الإيجابية لذهنيته وعاطفته، ويطلب قوة إرادته وصفاء رؤيته.. في هذا المسلك والطريقة المضحكة، وهو على أعتاب العرش، ويحمل في يده بطاقة دعوة لعروج يُلحقه بسكان الملكوت الأعلى ويغنيه عن البشرية جمعاء، بل الدنيا بكل ما فيها ومن فيها.. كيف لا وقد تعلق بحبل الله واتصل بولي الله الأعظم بعقد ولاء، ووقف ـ بذلك ـ على سر عالم الإمكان وعرف ولي جميع الممكنات؟!
ولا أدل على فشل هذا الحقل وعجز هذا الميدان، من قراءة في النتائج والمخرجات.. فهذا المؤمن (أو المؤمنة كما هو الغالب)، تراه ما زال معانداً ومكابراً أمام ما تنقل له من معاجز وكرامات وخوارق عادات تصدر عن أهل البيت عليهم السلام! فيشكك مستبعداً ويكابر مستهجناً.. محكّماً “عقله” في أداء موغل في الحسية والمادية ناهيك بالجهل والأمية! فأين الروحانيات التي تلقاها من عالم الطاقة؟ وأين أخذته تلك “العلوم” والتمارين؟ وهو بعُد مرتهن لحسّه مقيّد بضحل فكره، ولا يبصر إلا في نطاق شبر أمامه!؟ أما من أفق أوجدته تلك التمارين؟ أما من سبح وحراك خارج عالم الشهود جاءه من تلك العلوم؟!
كيف يعيش أحدهم الحسية والمادية حتى يجاري الملحدين، ثم تراه يغرق في عالم الطاقة وهالات الألوان وما إلى ذلك من غير المرئيات؟!
كيف يسخر هناك، يشكك ويستبعد، ينفي ويجحد، ثم تراه هنا يذعن لمخالف أجوف، ويستسلم لـ “مثقف” يستخف عقول النساء فيغويهن وهو يتحسس عُقد النقص فيهن، ويناغي افتقادهن عاطفة الزوج وشكواهن من التجاهل وعدم التقدير (وكثيراً ما يختص إحداهن بإطراء لم تسمع في حياتها مثله، فتنبسط أسارير وجهها وتنحل عرى قلبها وتتهيأ لإلقاء العنان، ما يحفز البقية، فيتطلعن ويتمنين)؟! مغضياً عن لوث هذا “الأخصائي” بالسياسة، وغرقه بمشاكله الأسرية، وابتلائه بفساد مالي يصنفه في الجشع بعد الحرص والانكباب على الدنيا.. فأية روحانية هذه؟ وأي سلام وطمأنينة عساه أن ينقلها إلى تلاميذه أو يعلمها لهم؟..
ما لكم كيف تحكمون؟
لا نجاة ولا خلاص إلا بتحكيم موازين العلم والعقل، فلا يؤخذ شيء من المعارف الدينية والعلوم الروحانية، ولا مناهج السير والسلوك.. إلا ممن يجمع شرائط العلم والتخصص مع التقوى والعدالة.
اترك رداً على قبس مصطفى إلغاء الرد