من “أسرار المهنة” وفنون اللعبة التي يمارسها الاستكبار أو القوى المهيمنة على العالم، وتجدها معتمدة كاستراتيجية ثابتة وسياسة مطردة في أدائه: خلق “عناصر قلق” و”مواقع إثارة” و”بؤر اضطراب” في كل منطقة من نطاقات نفوذه وامتدادات سلطته.

في الشرق الأوسط، على سبيل المثال، زرعت في ليبيا معمر القذافي…
لا تدري هل كان انقلاباً عسكرياً قاده الضباط الأحرار، أم ثورة وانتفاضة شعبية على السنوسية؟ هل هي اشتراكية تمثل مرحلة تتكامل لاحقاً بالشيوعية، أم “كتاب أخضر” نظّر للجماهيرية وأسقط الدولة ومؤسساتها لصالح لجان شعبية استُنسخت من “الماوية”، كانت سبب انهيار النظام وسقوط البلاد!؟ لا أحد يعرف من أين يستقي الرجل فكره أو يأتيه “وَحيه” أو شيطانه، وأية مدرسة يتبع؟ ثم أين يريد؟ وماذا عسى أن يصدر منه، وماذا تراه سيفعل بعد ساعة؟
انطلق ناصرياً عروبياً حتى النخاع، ثم فجأة، صار يزدري العروبة ويستخف بالقومية وينادي بالأممية، ثم راح ينزع إلى هوية تتوجه “ملك ملوك أفريقيا” ورئيساً للولايات المتحدة الإفريقية!.. ثم أخيراً، قبيل سقوطه وفي آخر “أدواره”، رفع راية الدعوة الفاطمية، وصار ينادي باستعادة حق أهل البيت، وحمل خطاباً يعري الوهابية ويفضح الناصبية!

لم يقف أحد على حقيقة ذلك النظام، منذ نشوئه في ١٩٦٩حتى زواله في الربيع العربي عام ٢٠١١… لا في هويته وانتمائه العقائدي، ولا في مواقفه واصطفافاته السياسية، ولا في أهدافه وسلوكه المتأرجح بين الثورية والتطرف، ثم المهادنة والسلمية، بل الاستسلام إلى حد تسليم السلاح والانبطاح، ودائماً: عصيان يتطاول على الثوابت ولا يبالي بأحد، وتمرد على القواعد يضرب بكل شيء عرض الجدار!

الحقيقة أن هناك توازناً يجب أن يُضبط ويُحفظ، حتى تستمر الخطة وتمضي الهيمنة ولا يُمس تسلط الاستكبار، ويواكب كل طور ومرحلة لوازمها التي تؤمن بقاء نفوذ القوى الكبرى وهيمنتها بنحو أو آخر…

وهذا التوازن لا يخلقه إلا تدافع وتضاد، صراع واصطدام وجدلية، وهي لا تأتي إلا من إثارة وشحن وإقلاق واضطراب.
وهو ما كان يفعله “القذافي” ويؤمّنه لهم.. كلما احتاجوا ـ في دوام مشروعهم ـ إلى إثارة وتهييج، ولزم لبقائهم خلق اضطرابات وقلاقل، واقتضى استمرار نفوذهم فتنة ومعضلة وأزمة… حركوا القذافي وهيّجوه، وأرسلوه خلف طرائد لا يعرف أحد ما هي! وقرعوه طبلاً ونفخوا فيه مزماراً وبوقاً!

🔵 ومما ينبغي للكيّس الفطن أن يكتشفه بوعي ويتحرى الإجابة عنه ببصيرة:
هل في الحقل الديني شيء من هذا القبيل؟ هل هناك نظير ونسخة دينية لهذه الشيطنة التي تجري في الساحة السياسية؟!
أو ليكن السؤال بصيغته الأصح والأكثر وَعياً: ألا يحتاج العدو (من استكبار عالمي، أو أنظمة جور حاكمة، أو مذاهب وأديان تناصبنا العداء) إلى عنصر قلق، وموقع اضطراب، وبؤرة فتنة، ومنطلق أزمات في ساحتنا الدينية؟ تثيرها وتهيجها بما يخدم إضعافَ الدين وإقصاءَه عن التأثير الروحي ودوره الفاعل في مجتمعاتنا؟!

وفرض السؤال تنزّليٌّ يجاري مقولة تجليات النزاع في السياسي والاقتصادي، ويغفل حقيقة الصراع وأصله، الذي يدور في جبهة أخرى أبعد غوراً وأكثر عمقاً، يحتدم بين الحق والباطل، الخير والشر، “الإمام” عليه السلام وشيعته، مقابل الشيطان عليه اللعنة وأوليائه، ولكننا نتجاوز ذلك، ونوفر مؤونة تناوله وإثباته (لمقام آخر)، إلى ما يتسالم عليه الجميع ويتفق، من الصراع على الحكم والسلطة، وعلى استلاب ثروات الشعوب وخيرات البلاد…
ما يلزمه قطع الطريق على المزاحمين، وإزاحة المنافسين، وتحجيم المعارضين، والقضاء على أي عنصر قد يخل بتلك الهيمنة وينال منها، ومنها، بل على رأسها العنصر والعامل الديني.

الحقيقة أن حال الاستكبار في الحقل الديني يختلف عنه في السياسي، فهو قاصر هنا وعاجز، قليل الحيلة، مزجيُّ البضاعة، ضعيف الحول والقوة، على عكس وضعه في الميدان السياسي، الذي يهيمن عليه ويقوده ويديره، وله اليد العليا فيه، وأنظمة الحكم في العالم الإسلامي كلها صنائع له… لذا تراه يستدرك هذا العجز هنا ويتلاحقه بسلسلة من عناصر القلق الصغيرة ومواقع الاضطراب المحدودة، تتعاقب على الإثارات وخلق الفتن والأزمات.. كلما أسقط المؤمنون أحدهم ودحروه أقام آخر، وما إن تطفئ الحوزةُ فتنةً وينهي العلماء أزمة وتخمد المرجعية ناراً، أشعل الاستكبار أخرى وافتعل مزيداً وجديداً! ذلك لعجزه عن زرع نظام ديني متكامل وإقامة مدرسة موازية، قائمة ماضية، فاعلة مستمرة، تنهض بالدور “القذافي”! فيستعيض عن ذلك بهذه السلسلة المتلاحقة والعناصر المتعاقبة من رؤوس الضلال، ومواقع الانحراف.

لا ينبغي للمؤمن الفطن والباحث الكيّس الحصيف، أن يغفل هذه الزاوية في فهم قضية رموز الضلال، بل عليه أن يطل على المشهد ويستشرف ظاهرة القلق والأزمات المتلاحقة وبؤر الاضطراب في الواقع الديني، من هذه الحقيقة… فيعرف حقيقة: الحيدري، وفضل الله، والمؤيد، والقبنجي، والكاتب، وشريعتي، وكسروي، وعلي محمد الشيرازي الباب، وميرزا حسين المازندراني البهاء.. وآخرون معهم لا يسعني ذكرهم، وهناك من سبقهم، وكذا الذين سيلحقون بهم ويأتون من بعدهم.

ولست ألغي الانتساب الطولي لهذه العناصر، وكون الحيدري مثلاً امتداد لفضل الله واستمرار لشريعتي و”الحركية الشيعية” (منظمة العمل وحزب الدعوة)، وكذا المرجعيات المزيفة التي ما زالت تفجر الأزمات في الساحة الإيمانية وتخلق المعضلات التي يكابد العلماء في سبيل إزاحتها ويصرفون لمعالجتها عزيز وقتهم وثمين طاقتهم…

فهؤلاء في مجموعهم يشكلون مدرسة وخطاً له معالمه وقواسمه المشتركة، لكنهم على صعيد التنظيم والمشروع، وبعض الخصائص الفكرية، يظهرون منفردين مستقلين، ذلك لعجز الاستكبار عن اختراق الساحة الشيعية وزرع “ثابت” كبير بيننا (مذهب)، وإضفاء الأصالة والمشروعية عليه (كما فعل بالسنّـة)، فصار يعمد إلى مشاريع مستقلة وعناصر منفردة صغيرة ومواقع منفصلة محدودة، في عرض بعضها الآخر، تنهض بالدور وتسد الفراغ.
كلما رأيتَ رأساً يطل على الساحة وهو يتمتع بتغطية إعلامية كبيرة، ولاحظت شخصاً يحظى بشهرة وزخم شعبي جارف، وتحشيد اجتماعي استثنائي، وتعبئة سياسية لافتة، ووجدت بذلاً وصرفاً وميزانية يحلم المخلصون بعشر معشارها…

فانتظر وارتقب ـ بعد فترة وجيزة ـ أفكاراً شاذة، وتوقّع عقائد منحرفة، باسم التجديد والحداثة، وبذريعة الإصلاح والتطوير، وبحجة مواكبة العصر.. ليلحق ذلك وتتبعه: فرقعة بل انفجار إعلامي، وإثارة تخلق فتنة وأزمة، فتنشغل الساحة بقضية جديدة وتعيش معضلة لا تدري متى وكيف يكون المخرج منها؟! أو يبقى هذا العامل ينخر كالسوس ويحفر كالقارض ويأكل منسأة الدين وعماده كالحشرة، حتى يدل على موته ويعلن عن خرابه!

إن المراقب يرصد ارتسام ظواهر الشذوذ والانحراف والضلال في الساحة الإيمانية، ويلاحظ بروز أسماء وشخصيات كما يفقأ الفطر في صحراء قاحلة، أو غابة متوحشة، بعد برق ورعد وعصف وقصف… وفي أغلب الحالات وأكثرها، تكون العناصر من أوساطنا وبيئتنا، وإلا لما خدمت الغرض المراد منها، ولما حققت الهدف المنشود لها.
ولربما تدرجت وعملت بالمرحلية، فهذا يحارب الوهابية ويرد على السنّـة، وذاك يزعم العرفان ويتباكى على الأخلاق، وثالث يشكو الظلم والاضطهاد ويرفع راية الحركية والجهاد، ورابع يتغنى بالشعائر الحسينية، وخامس ينادي بالفلسفة والكلام وظلامة “الفقه الأكبر” في الحوزات.. فلا يلبثون جميعاً أن ينتكسوا وينقلبوا على أعقابهم، ويرتدوا على دعاويهم، ويفتكوا بالمذهب ويمزقوه شر ممزق، ويورثوا الساحة فتنة تلحقها فتنة!..

فالمهمة الأصلية والدور الحقيقي لهم هو: النيل من ثبات الثوابت، والسعي لهز الأسس والقواعد، وإضعاف صلابة الأسطوانات والركائز.. فيختل بناء الدين ويتداعى صرح المذهب، لينشغل أربابه في رأب صدعه وسد ثُلمه، ودرء المفاسد وجبران الخسائر التي حلت به ونالته على أيدي أولئك الضلّال الفجرة. أي إشغال الحوزة العلمية والمرجعية وعموم الساحة الإيمانية بالدفاع، وصرفها ـ طبيعياً ـ عن التطوير والتوسع، وعن الهجوم والفتح ونشر الدين وإنقاذ ما استلب واسترداد ما سرق ونهب.

لا شيء يكافح الضلال ويردعه مثل الوعي، ولا سلاح يقصم ظهور المضلين كالبصيرة بحالهم، ثم فضح أكذوبتهم..
لن يسمح المؤمنون الواعون لـ “قذافي” الوسط الديني أن ينشر كتابه “الأخضر”، وسيجرعونه نقيع سمِّه ويرجعون كيده إلى نحره، ويورثونه صفرة الملسوع، ثم يسمعونه رنة سياط التعزير، ويصمون أذنه بهتاف الصلوات التي تقهره وتذهب النفاق، ونداءات لعنه والدعاء عليه التي تهلكه وتدمره، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم.

Posted in

التعليقات