ما أسهل التشكيك وأيسر بث الشبهة… لن يخسر العدو شيئاً إذا ألقى (مباشرة أو عبر أيديه أو من خلال جهلة الناس) فكرة باطلة وأشغل المؤمنين بدفعها وردّها، فهي في الأقل الأدنى ستعلق ببعض الأذهان وتفعل فعلها في بعض الأوساط…

هذه تساؤلات تنطلق في حالها ومقالها من “هوان الدهر”، وتصرخ من وَحي “أفي الله شك فاطر السماوات والأرض”… ولكننا تنزلنا إذ نزلوا وهبطنا ما انحدروا، وجاريناهم إلى تخوم مجاريهم…

🔹تُرى هل كان السيد حيدر الحلي، المؤيد بروح القدس (كما فحول شعرائنا)، والمتشرف بلقاء إمام زمانه، من الذين يتّبعهم الغاوون وتراهم في كل واد يهيمون، وهو ينشد:
فاشحذ شبا عضـب لـه الأرواحُ مذعنةٌ مطيعة…
واطلب به بدم القتيل بكربلا فـي خير شيعة…
إلى أن يستنهض خيل الله فيقول:
وضبا انتقامك جرِّدي لطلا ذوي البغي التليعة…
ودعي جنود الله تملأُ هذه الأرض الوسيعة…
واستأصلي حتى الرضيع لآل حـرب والرضيعة؟!
أم أنه استل فحوى أبياته “الدموية” و”العنيفة” واستقى نظم معانيها من مداليل أحاديث الأئمة الأطهار؟!

فعن الهروي، قال: قلت لأبي الحسن الرضا: يا ابن رسول الله، ما تقول في حديث روي عن الصادق أنه قال: إذا خرج القائم قتل ذراري قتلة الحسين بفعال آبائها؟!
فقال عليه السلام: هو كذلك.
فقلت: وقول الله عز وجل: (ولا تزِرُ وازِرةٌ وِزْرَ أخرى) ما معناه؟!
قال عليه السلام: صدق الله في جميع أقواله، ولكن ذراري قتلة الحسين يرضون بفعال آبائهم ويفتخرون بها، ومن رضي شيئاً كان كمن أتاه، ولو أن رجلاً قُتل بالمشرق فرضي بقتله رجلٌ بالمغرب لكان الراضي عند الله عز وجل شريك القاتل، وإنما يقتلهم القائم إذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم…

🔹هل “الثأر” مفهوم جاهلي وقيمة بدَوية أعرابية، لا وجود ولا محل لها في دين راقٍ ينادي بالعفو والتسامح كالإسلام؟
لماذا إذاً قضينا حياتنا نندب صباح كل جمعة: أين الطالب بذحول الأنبياء وأبناء الأنبياء؟ أين الطالب بدم المقتول بكربلاء؟
ترى كم سيكون عدد القتلى إذا أردنا الانتقام والثأر لكل ظلامة وقعت على أهل الحق؟!
كم عدد المباشرين والراضين والفرحين والمفتخرين بمجزرة “سبايكر”، وبهدم بيوت “الضاحية الجنوبية” على أهلها، وبحرق مسجد “بيشاور”؟ وكذا أعداد الراضين بهدم البقيع وتفجير حرم العسكريين ومئات آلاف الجنايات التي وقعت على أهل البيت وشيعتهم على مدى التاريخ؟…
هل سينتقم الإمام لهذه الظلامات ويقيم الحد على المجرمين والمفسدين في الأرض؟! أم أن ذلك ليس من الرحمة الإلهية ويخالف سماحة الإسلام وسعة صدر الإمام؟!

🔹ماذا لو ظهر الإمام غداً فوقفت بين يديه مؤمنة من أهل “الموصل”، سباها أبوبكر البغدادي وتعاقب عليها جنوده القذرين، وقد ذبحوا أولادها ومنهم رضيع أمام عينيها.. فطلبت من إمامها الذي سيعم سلطانه البلاد والعباد، ويُطبق الشرع حتى تمتلئ الأرض قسطاً وعدلاً، أن يأخذ لها حقها ممن ظلمها ومن موّلهم ومكّنهم ورضي بأفعالهم، وهم بالألوف.. فهل سيفعل صلوات الله عليه؟!

🔹عندما يُخرج المهدي عليه السلام قتلة جده الحسين من قبورهم، الذين باشروا القتل والذين سمعوا بذلك فرضوا به، منذ ذلك العهد حتى عصرنا الحاضر، وهم قد يبلغون الملايين، وينتقم منهم فرداً فرداً.. هل تراه سيكون قد أسرف في القتل، وهو ولي الدم، وقد جعل الله له سلطاناً؟

أم أن المنتظر عليه السلام سيأتي بالرحمة لا النقمة؟ وأن علينا أن لا “نرعب” الناس ونتوعدهم ونخوّفهم، فهذه ثقافة منفرة والإسلام لين وسماحة؟

🔹لماذا يحفل القرآن بهذا العدد الهائل من آيات الزجر والوعيد؟ ألا ينفر هذا خلق الله ويرعب عباده؟ أم تراه أراد فعلاً تخويفهم ليزجرهم، وهذا هو مظهر الرحمة في الفهم الصحيح لها؟ أن تزجر عبدك عن السقوط في النار وتخوفه وترعبه حتى لا يدنو منها… فعرّف سبحانه الناس وأنذرهم وأبلغهم “إن زلزلة الساعة شيءٌ عظيم، يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد”.. والظهور الشريف والرجعة هي “القيامة الصغرى” في لسان أهل البيت.

🔹ماذا نزرع في الناس، وماذا نبث فيهم، وكيف نعرّف المهدي الموعود لهم: هل هو عدل ورحمة ونصر وظفر، ثم عز ورفاه ونعيم، ينتظر البشرية عند ظهوره وقدومه؟ أم هناك شيء آخر يلحق بهذه ويُضم إليها؟ عليهم أن يترقبوه وينتظروه حتى يأخذوا له عدته، ولا يفاجأوا، وينكصوا إن رأوه منه وشاهدوه فيه؟

وهذا الحديث عن بشير النبال، يقول: لما قدمت المدينة قلت لأبي جعفر عليه السلام: إنهم يقولون إن المهدي لو قام لاستقامت له الأمور عفواً، ولا يهريق محجمة دم،
فقال: کلا والذي نفسي بيده، لو استقامت لأحد عفواً لاستقامت لرسول الله صلى الله عليه وآله حين أدميت رباعيته، وشج في وجهه، کلا والذي نفسي بيده حتى نمسح نحن وأنتم العرق والعلق (الدم)، ثم مسح جبهته.
وفي حديث آخر ذُكر القائم عند أبي الحسن الرضا عليه‌ السلام فقال: أنتم اليوم أرخى بالاً منكم يومئذ!
قالوا: وكيف؟!
قال: لو خرج قائمنا عليه‌ السلام، لم يكن إلّا العلق والعرق والنوم على السروج…
ترى ماذا كان الرضا عليه السلام يريد من بث هذه الأحاديث (فأمثال هذا كثير جداً) بين شيعته؟! هل لنا أن نصادر هذا المعنى بتغليب مفهوم الرحمة وعبيرها؟

 🔹هل سيحاور المهدي عليه السلام السفياني و”يتفاهم” مع أتباعه ويقنعهم ويدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة؟!.. أم أن الأمر مسخ ونبش وفتنة وقتل، و”ويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم”، و”لنذيقنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا”، و”لو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب”، “فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيداً خامدين”، وخروج دابة الأرض (وكل هذه الآيات مؤوّلة بالرجعة وعصر الظهور)… ولك أن تقيس بالحال اليوم مع التكفيريين، مع أن ما نراه من وحشية ودموية منهم ليس إلّا جزءاً مما في السفياني، فهم أتباع وهو الأصل!

🔹هل هذه هي الثقافة المهدوية الصحيحة، أم تلك التي استلهمت من معايير الصوفية (يبثها الذين هم في الظاهر يحاربونها!) والبوذية والكهنوتية، التي تُغلِّب الحب والجمال، وتنكر البغض والقبح، وتنادي بعموم الرحمة والسلام، وتجحد القصاص والعقاب، وتنفي النقمة والعذاب؟!

🔹علينا أن لا نكترث ولا نعتني بهؤلاء ولا نصغي إليهم ولا نأخذ ديننا منهم، فالقيامة أمر عظيم وخطب مهول، وصفه الله بيوم يكون الناس فيه كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش، وسماه في كتابه العزيز بأسماء مفزعة تبعث الخوف والرعب‏، كالقارعة‏، و‏الواقعة‏، والطامة‏، والصاخة‏، والحاقة‏، والغاشية‏، والهاوية، ويوم الحسرة‏، والآزفة‏، والحساب‏، والوعيد، والتغابن‏، ويوم تبلى السرائر‏، واليوم العظيم‏، والعقيم، والموعود‏… وغير ذلك من أوصاف تضفي على الحدث الجلل ما يستحق من رهبة وهلع، وتوجب ما ينبغي من زجر واتعاظ واستعداد.

وقبل هذا المعاد وهذه القيامة، هناك في ثقافتنا وعقيدتنا الشيعية، قيامة صغرى، تحمل صفات تلك ومعالمها، لكن بدرجة أدنى ومرتبة أقل ونطاق أصغر يشمل من محَض الإيمان محضاً، ومحَض الكفر محضاً..
نعم، إن في رسالة الدين خوف ورهبة وقلق ورعب، والله يريدنا أن نعيش الحالتين، الخوف والرجاء، كما هناك جنة ورضوان ونعيم ووعد، هناك جهنم وسعير وعذاب ووعيد… وفي الظهور الشريف هناك عدل ونصر وظفر، وهناك غضب وانتقام ونكال.

هذا هو المنهج الإلهي، نحن لا نحمل رسالة وردية، ولا نجمع أصوات المقترعين لانتخابات سياسية، ولا نسوّق لبضاعة بدعايات تجارية… نحن كما ندعو إلى جنة عرضها السماوات والأرض، نحذر من ماء كالمهل يشوي الوجوه، وكما ستأتي دولة العدل والحق والإنصاف التي تحقق جنة الله على أرضه، ستأتي فيها ومعها ساعة الانتقام والقتل والإبادة والسيف والدم حتى يقول الضعاف في مهديها: ليس هذا من آل محمّد، لو كان من آل محمّد لرحم!

هذه عقيدتنا، عليها نشأنا، وبها نتمسك، وعنها نذود، ودونها نضحي… وشعارنا وندبتنا دائماً وأبداً:
يا هلالاً غائباً عن كل عين
وضياءً لامعاً في الخافقين
قم ونادِ: يا لثارات الحسين

Posted in

رد واحد على “يا منصور أمِـت !”

  1. المراقب

    ياهلالاً غائبا عن كل عين
    وضياءاً لامعاً في الخافقين
    قم ونادِ يا لثارات الحسين

    إعجاب

التعليقات