منذ بداية القضية، من أول يوم، وعلى مدى التاريخ المؤلم والمفجع لظلامة أهل البيت.. كان هناك ما يقصم ظهر الحق ويرديه ويصرعه، ويزوي أهله وحمَلته، ويصيب النخبة الواعية والطليعة الرائدة من شيعة آل محمد، من الأصحاب والرواة والعلماء، ومن قبلِهم أئمتهم وسادتهم في مقتل: دور العوام في نُصرة الباطل، واصطفافهم إلى جنبه! وكما عبّر الحديث الشريف وبلور هذا الأصل وحدد خطره، أصل تكثير السواد والدخول والتموضع في الجبهات: “لولا أن بني أمية وجدوا من يكتب لهم، ويجبي لهم الفيء ويقاتل عنهم ويشهد جماعتهم، لما سلبونا حقنا… حتى قال عليه السلام: فاخرج من جميع ما كسبت من ديوانهم”. ولا أريد هنا تناول مسألة أعوان الظلمة (من حكّام الجور)، بل أريد أعوان الظُلم، ومَن يدرج في هذا العنوان عندما ينصر الباطل، ولا سيما حين يتلبّس بزي الدين ويدخل في عداد المؤمنين. 

وهؤلاء، سواء أكانوا من الرعناء غير المكترثين الذين لا يولون الدين ما يستحق من شأن في حياتهم، ويكتفون في التعاطي معه بالعنوان العام، منشغلين بدُنياهم عن التفاصيل التي تصنّفهم وتحدّد تموضعهم، فلا يبالون بما يجري عليه وينزل بأهله، أو كانوا من الملتزمين العاملين في الحقل الديني، لكنهم من “السواد المخترم” الذي ما زال يخلق ويشكّل روافد تصب في مجاري القوم وتملأ حياضهم.. هم الجرح النازف والصدع الذي يحول دون قيام البنيان.

ولو كان الصراع خالصاً بين الحق والباطل، صرفاً بين أهل هذا وأهل ذاك، وكان نزال رجال وبِراز أقران: فارس بفارس ورأس برأس… لانتصر الحق وصرع الباطل منذ أمد، لكن المضني المميت أن الباطل يقاتلك بإخوانك في الدين، ويقارعك بأبناء مذهبك! علينا الإقرار بأن هناك مشهداً مؤلماً في واقعنا الإسلامي.. مشهد استيلاء الجهل، وغلَبة الاستضعاف الفكري والانقياد الأعمى، ومعضلة الانخراط في المجاميع والتيارات، وانقلاب المنكر معروفاً والباطل حقاً… وهل أفضى هذا إلى ذاك أم العكس، فأين العلة هنا وأين المعلول؟ لست أدري.

والأمر في جانب منه أكثر إيلاماً وأشد قهراً، ذلك أن وقود هذا الانحراف، والشريحة التي يجري على يدها هذا الطمس والتردي والانقلاب، هم من غير المنتفعين ولا المتمصلحين المستأكلين، أي من “الحمير” و”البغال”! لا لأنهم دواب لا يملكون إلا قدرهم الحيواني وواقعهم الانقيادي الذي أدرجهم في هذا الدور، فهم بشر أسوياء عقلاء، بل لأنهم قبلوا لأنفسهم دور المطية، وثور الساقية… فلِكَوْنهم من “المستوحشين” في طريق الحق، لقلّة سالكيه، التحقوا بركب الضلال، وصاروا يشكلون سواد التيار الانحرافي، وخزان الحزبية، وبيئة الباطل، وحاضنة الفساد، وامتداد المرجعيات المزيفة.. بل استُخدِموا بناة للصرح الفرعوني الذي يعمل على طمس معالم الدين (أرادوا أم لم يريدوا)، ومشيّدين لأركان البيت الشيطاني الذي يقوّض المذهب (علموا أم لم يعلموا)…

غلبهم الضعف في نفسياتهم، والهزيمة في روحياتهم، واستيحاشهم من الاستقلالية والانفراد، رأوْا بضاعة مزجاة تُسوّق بالدعاية والحيلة فابتاعوها، وأفكاراً باطلة تُروج بالإرهاب والسلطة فالتقطوها، وحقائق مظلومة تُقلَب وتبدّل، وأفكاراً أصيلة تُحوّر وتبدّل، فتقبّلوها معوجّة، واعتنقوها ممسوخة، وتناولوها مسمومة.. ثم اعتادوا ذلك واستساغوه، وألفُوه وسايروه، حتى زال قبحه، وظهر لهم حقاً مفروضاً، وواقعاً مسلّماً، ورأوا ما سواه إثارة للفتنة، وشقاً للعصى، وعصياناً وتمرداً ومروقاً.

إنها نزعة بشرية طبيعية، أن يأنس الإنسان بالجماعة، ويحب الانخراط في المجموع، ويركن إلى الشعور بأنه جزء من كُل، في حمى المجتمع وصون الجماعة، لا غريب مبتور، ووحيد منبوذ، ولا منعزل يرمى بالشذوذ!… فالإنسان يستثقل هذا ويخشاه، ويخاف الوقوع فيه ويأباه. تراه لا يشكو إعاقة عقلية أو تخلفاً ذهنياً يحول دون إدراكه الحقائق، فإذا نُبّه إليها انتبه، ووَعى وفهم: هذا دليل وهذه حجة، وتلك مغالطة والأخرى مصادرة… لكنه في الاصطفاف والتموضع، يتخذ جانب الانحراف ويتبع سبيل الضلال، ويُخدع عن دينه، ويُغلب في عقيدته وولائه، بذريعة موافقة الأكثرية والتزام الجماعة!

والأمر مفهوم في ذوي المصالح والأهواء، الداخلين في “مَن باع دينه بدنياه”، ولكن الغرابة في اللذين دخلوا في: “مَن باع دينه بدنيا غيره”، فلحقهم الخسران المبين.. يحملون إصر الضُلّال ويبذلون لهم من دينهم، دون مقابل، فلا يعود عليهم عائد، ولا يجنون شيئاً من طارف ولا تالد! اللهم إلا ما يخرجهم من وحشة الغربة، وخوف الوحدة، والخشية من العزلة!

إنهم يعيشون هاجس الانتماء باندفاع غريب، ويستميتون على الاخراط والانتساب وإن كان في ذلك تلف دينهم وهلاكهم! سواء في الحالة النفسية والروحية التي يعيشون، أو في السلوك والعمل الذي يمارسون، وفي الحركة الاجتماعية ومختلف أنماط النشاط الذي يزاولون… يبدو إن هذا قدَر أنصاف رجال وقدْرهم، وخصلة فيهم لا تتخلّف، إنهم لا يطيقون إلا الاتّباع، ولا يطيب لهم إلا الانخداع! أن يكونوا إمّعات، ينساقون مع العقل الجمعي ولا يشعرون، ويدخلون في أعوان الظلمة ولا يبالون.. المهم أن يخرجوا من “غربتهم” وينتسبوا إلى جماعة، ويتخندقوا في حزب، وينجرفوا مع تيار.. وكلما كان الأقوى والأكبر، تحقق لهم الأمن من الغربة والخروج من الوحشة أكثر. وفي جعبة الإضلال ما شاء الشيطان من عناوين مبررة، بل دافعة ومحرضة: لزوم الجماعة، والنهي عن التغريد خارج السرب، والحرص على وحدة الساحة ومنع تفرقها وتشرذمها.. عناوين ينقض تطبيقها الدين، ويبطل العمل بها فلسفة وجود المذهب، وهو يمارسها ولا يبالي!.. إنه طفل في العشرين والثلاثين والأربعين، همّه أن ينتسب فيُصان ويحتمي، فكيف إذا تجلبب ذلك برداء الدين وحظي بغطاء الشرع؟! وأعرف ستينياً يلوذ بحزبه كطفل لم يفطم، ويتملق جماعته ويبصبص بين يدي حزبه بمنتهى الذلة والهوان، ولا تعجب حينها إذا رأيته يبرر بل يرحب بالظلم ويبارك القمع، لأنه يجري برعاية قائده وموافقة مرجعة الزائف، ولا تستغرب إذا داهن حكومات الجور وتحالف مع النواصب، لأن حزبه أمضى الموقف، وجماعة المؤمنين ارتأت فيه المصلحة!

تعال أخي المؤمن وعش الغربة…

تعال وتذوق طعم أن تكون خارج هذه الصفوف المتكدسة من الأجساد السقيمة التي يطلق عليها “بشر”… استطعِم لذة الخروج من أرتال الرعاع المتراكم كذبائح في شاحنة مبردة لنقل اللحوم، والمتجمّع كالذباب على طبق من الحلوى الرخيصة…

سوف تخسر بعض دنياك.. سيحاربك هذا التيار، ويعاديك ذاك الحزب، ويتجاهلك ولا يثني عليك الناس، وتفقد الدعم والغطاء، والعون والإسناد، وتعدم الفرصة في الظهور والشهرة والإعلام، وفي الكسب والثراء، وتعيش في كفاف، مغموراً لا يعرفك أهل الأرض، وإن باهى بك أهل السماء…

لعمري، هل هذه خسائر؟ إنني بحاجة إلى وجه باسم يرتسم هنا، ليكفيني التعبير عن الحالة، ويعكس الانطباع الأصح عن المشهد..

 نعم لك أن تقول: من يطيق أن يكون كإبراهيم أُمة؟! أو كصالح في ثمود… فتعال وترنم مع المتنبي:

أنَا في أُمةٍ تدارَكها اللّـ / ـهُ غريبٌ كصالحٍ في ثمودِ

أو ردّد مع القائل المجهول الذي أخذه التزام القيم والمبادئ، فضاع حتى ما عاد أحد يعرف اسمه:

خلق الله للحروب رجالاً / ورجال لقصعة وثريد

فإن عجزت أن تبلغ هذه القمة، فتزحزح عن النار، ولا تكن في تلك الجبهة: ظلاً حقيراً صاغراً يكثّر سواد الباطل، أو دخاناً كريهاً ينبعث ليرشد إلى نار الزيف والضلال… فـ “إن أنكر الأصوات لصوت الحمير”. 

Posted in

التعليقات