نقل لي الشيخ مولانا البروجردي (وهو عالم موسوعي وخطيب حسيني فذ) إن الشيخ الآصفي تفقد أحواله يوماً (هُما من نفس البلد: بروجرد)، وقدّم له أو عرض عليه المساهمة في مشروع تحقيق كتاب «عبقات الأنوار» لمير حامد حسين الموسوي اللكهنوي رحمه الله (وهو سِفر جليل يقع في ٢٠ مجلد ضخم)، الذي كان منشغلاً به في حينها، وكان يقتضي منه السفر إلى الهند بحثاً عن النسخ المخطوطة لمقابلتها وتطبيقها (وكأن الآصفي، على ما يحضرني، تكفل نفقات سَفَر الشيخ ومصاريفه)…
وعندما أظهر الشيخ مولانا تعجبه لهذا الاهتمام من الآصفي! وهو محسوب على تيار ومنسوب إلى حقل لا شأن له بالعلم ولا عناية بالكتاب، ولا سيما الأعمال والإصدارات الولائية، وخاصة كتب الاحتجاج والردود؟!قال له الآصفي: “أريد عملاً ينفعني في قبري”! أو قال: “أريد هذا العمل لقبري”… والمؤدى واحد.
يبدو إن بعض الحزبيين والسياسيين من “الحداثيين” متيقنين في سرائرهم أنهم على باطل، وأن ما يزيّفونه، ويجترّونه من كُبرائهم، ويغرّرون به العوام، وهم يهرفون بما لا يعرفون، فيقلبون الدنيا ضجيجاً ويملؤونها صخباً، لا يتجاوز ميدانه الدنيا، ولا يتخطى حقله هذه الحياة الفانية… وما له في الآخرة من خَلاق! وإن كان، فهو نكالٌ وعقاب.
لقد توفي الآصفي الآن ورحل إلى ربه، يحمل أوزاره وأوزار الذين أضلّهم وغرّر بهم…
كل ما نرجوه أن تنجيه مساهمته تلك، وتنقذه من تبعات مواقفه في نصرة الباطل، وشهادات الزور، والإضلالات التي أفشاها بين الناس وصدّقها بعض الشيعة فغرّرت بهم… وإن كان العمل (تحقيق «العقبات») لم يتم ولم ينجَز، لمرض وعجز الشيخ مولانا، ولعل ذلك من شؤم تلك المساهمة!
وهي وقفة وعبرة لنظراء الآصفي ورفاقه، الذين يحظون ببصيص نور وبقايا إيمان في قلوبهم (إن وجدوا)، أن يتدبروا في الموت والقبر، وما الذي عساه أن ينفعهم هناك، لا ما ينمي شُهرتهم ورئاستهم وأموالهم هنا.
بكل وضوح وصراحة، وبعيداً عن الدجل الإعلامي والارتزاق الذي تمارسه بعض الأقلام…
من أراد أن يترحّم عليه المؤمنون ويذكره الموالون بعد موته، عند إراقة دموعهم على سيد الشهداء في الحسينيات، ومع خطواتهم الملكوتية في زيارتهم كربلاء، وفي أسحارهم وهم يتهجدّون، وفي جبهات الجهاد التي تسطر الملاحم تحت راية المرجعية، تستدرك في جانب من تضحياتها ومعاناتها ما جنته أيدي هؤلاء الحداثيين في التغطية على التكفير بطمس حقيقة دوره والتعمية عن جرائمه، عبر الإشارة بإصبع الاتهام إلى غيره، ما أفسح لنموه وتفشيه واستحكام أمره، حتى وصل الحال إلى هذا البلاء… فلينعزل عن صفوف الضلال ويترك جبهة الإضلال، وإلا فليس له منا إلا اللعنة والتبري، فإن لم يبلغ حد المروق من المذهب والخروج عن ملّة الحق، فلن نلعنه، ولكننا لن نذكره بخير… وليلتمس الخيرات والمثوبات من الصحف والفضائيات ومنظومة الإعلام التي يهيمن عليها الضلال والاستبداد، وليترقبه من جمعيات الفساد العقائدي التي أسسها وصب جهده في نمائها، وله أن يرجوها من المثقفين الأدعياء الذين يتّجرون بالدين، ويتسكعون في الصالونات مع كل فاسق رقيع، وضلّيل وَضيع…
وإضاءة للبسطاء السذج من المؤمنين…
الآصفي كان الناطق الرسمي لحزب الدعوة لفترة طويلة، زرع الحزبية والشقاق في المجتمع الكويتي، ووضع لبنات الضلال الأولى في جمعية الثقافة، وقد أبّن فضل الله وترحم عليه، ودافع عنه وبرر لجرائمه، وختم حياته بدعم المرجعية المزيفة ونشرها، فبئست العاقبة…
الآن راقبوا الوضع جيداً وارصدوا: مَن يبكيه، ومَن يرثيه، ومَن يفتقده ويعزي فيه؟! هؤلاء هم أنصار الباطل وأعضاد الضلال وأعوان الظلمة وخفافيش الظلام… ظهر بعضهم على حقيقته وأفصح عن رأيه كفضل الله والحيدري واليعقوبي والكاتب والقبنجي، والبقية يختبؤون ويتستّرون، لتفضحهم هذه المحطات.. فراقبوها، تعرفونهم.
أخيراً… لا يعني هذا إن الرجل لم تكن له فضيلة، ولم تحسن منه سجية.. وإن أشير إلى شيء تميز به بين أقرانه، ولم يجارهم فيه وينحط في دركاتهم، فهو بساطة العيش والابتعاد عن الترف والبذخ… لم يسرق الآصفي من بيت المال لنفسه، لكنه (يا للشقاء) “سرق” لغيره، وتصرّف دون وجه حق، نيابة عن صاحب الأمر عليه السلام بغير إذن وكيله الحق!… والأحكام على الرجال تخضع لتصنيفهم وإدراجهم في الجبهات التي يتموضعون فيها، وتحت أي الرايات كانوا يتحركون، وفي سبيل مَن كانوا يناضلون ويقاتلون؟!
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
التعليقات