الحق إنني في عجب ودهشة من رد الفعل والمواجهة التي أتلقاها جراء ما كتبت حول الشيخ الآصفي…

وكنت قد تناولت التيار الحداثي بالنقد والهجوم لما يحمل من فكر إضلالي يتهدد المذهب ويؤذن بتقويض أهم دعائمه، وهي المرجعية الدينية الأصيلة والشعائر الحسينية المقدسة، فهو يتبنَّى الدعوة إلى بدائل تنسف ركائز استنباط الأحكام الشرعية، وتهدم أسس بناء المعارف الدينية في المذهب الشيعي (وهذا ما بدأ فضل الله بإعلانه، وها هو الحيدري يبلوره ويرسم أبعاده، وهناك غيرهم ينتظرون دورهم، وكلهم يستلهمون ويستمدون من جذر واحد)، وتعمل على الاستعاضة عنها بنهج آخر، أقل ما يقال فيه بأنه التقاطي، والأهم من ذلك أنه غير علمي، ما زال دعاته وأتباعه عاجزين عن إقامة الدليل على أقل مفرداته، وقاصرين عن النهوض بالحجة على أصغر أرقامه.

فوجئت ودهشت بحجم الهجوم والاستهداف الشخصي، ذلك أنني أعرف حجمي الحقيقي… فأنا في عالم الإعلام لا أملك إلا هذه المدونة التي يتابعها عدد محدود من القراء الكرام، والمتابعة لا تعني الموافقة بطبيعة الحال، فلعل بعض أو حتى أكثر المتابعين لا يوافقني الرأي فيما أتبنى وأطرح.. لا قناة فضائية أملك، ولا إذاعة أدير، ولا برامج تلفزيونية أنتج وأصوِّر، ولا صحيفة تنشر لي، ولا مجلة تتبنى أفكاري ومقالاتي.. بل لا وجود ولا حضور ولا دور لي في مواقع التواصل الاجتماعي المبذولة للجميع، مثل تويتر وفيس بوك وأنستغرام.

وبعد، فأنا لا أمارس أي نشاط سياسي أو حزبي، فأجمع أتباعاً ومريدين، وأكوّن علاقات وارتباطات، وأمد خطوطاً وقنوات… حتى في علاقاتي الاجتماعية وصِلاتي الشخصية، فأنا منعزلٌ منزو أتجنب الناس، أعيش في شبه وحدة وانقطاع، أصدقائي محدودون معدودون، وباب العلاقات والصداقات الجديدة موصد!

مستغرق في القراءة والمطالعة والبحث والكتابة، حلس مكتبتي، لا أخرج منها إلا إلى المسجد، ثم لا ألبث مع الإخوة بعد الصلاة إلا دقائق لا تتجاوز نصف ساعة، لأعود إلى معتزلي الذي أحب وصومعتي التي أعشق.. فإذا غلبني السأم والملل، خرجت إلى رياضة المشي لأحرق بعض الكلسترول وأخفض منسوب السكر، أو اصطحبت أحد أحفادي إلى التعاونية ورحت أتسوق، وأختار من السلع ما أتصوره مفتقداً في البيت، فإذا عدت، وَبختني زوجتي على عدم سؤالها، فقد كانت تحتاج شيئاً آخر.

هي مقالة يتيمة أكتبها كل أسبوع، فإذا لم تقدح الأحداثُ شرارة التالية، غبت عن قرائي الأسبوع الذي يليه وما بعده ولربما امتدت الغيبة شهراً، منصرفاً إلى عملي الأصلي وهو التأليف، لتصبح إطلالتي من باب رفع العتب، ومنع الجفاف في القلم، فأنا بطبعي مقِلٌّ وأعاني بكْأً… هذه هي حدودي، وهذا هو نطاق فعلي ونشاطي.

إنني مجرد رقم صغير وفرد وحيد وشخص منعزل، يكتب مقالة ينشرها على هذه المدونة فيقرأها عدد محدود لا يتجاوز بضعة آلاف، وينتهي الأمر هنا. لا أدعي رتبة، ولا أزعم عنواناً، ولا أتسنم مقاماً، ولو أردت لفعلت وظفرت، والقوم يعرفون هذه الحقيقة جيداً، وقد عاشوها من قبل عن حس لا حدس، ولكني ما عدت أرى (بعد رحيل السيد الإمام الخميني) لهذا العمل مشروعية، ولا لرايتهم هدى، فاعتزلتهم وما يعبدون.

كل ما هناك أنني أريد أن أبقى محافظاً على ديني نقياً وولائي خالصاً، لا أستبدل بأئمتي وسادتي أحداً، ولا أتخذ دونهم وليجة ولا سواهم مطاعاً، متمسكاً بعقلي وشاكراً لله هدايتي وبصيرتي، محترماً تاريخي وسيرتي، رافضاً أن أتمثل صنماً في مجاز المهاتما غاندي والقردة الثلاثة الحكيمة التي تمثل مبدأ “لا أسمع، لا أرى، لا أتكلم”… لا أريد أن أداهن، ولا أقبل أن أضارع، وآنف من الانسياق في العقل الجمعي الذي يحرك الجماعة كقطيع، وأربأ بنفسي من الانتظام في معاشر الناس ومحاشرهم، فالسوقية غالبة، والدناءة حاكمة، والجهل مستحكم، والغلبة للغوغاء والأخلاط، والسطوة للأراذل والأوباش… والدنيا كرؤياً في إغفاءة وطيف خيال مرَّ في تهويمة هزَّت هامة من نعاس، فدع الراحة والهناء للآخرة والحيوان.

أعيش قناعتي، التي قد تنزع بي وتأخذني لتصبح تكليفاً شرعياً أراه في بعض الحالات متعيناً، فانبري له كفاية، ولو تصدى غيري لكفاني المؤونة وشر القتال، وهذا الذي ترون من السُعار.. وأنا في هذا لا أرجو ظفراً ولا أترقب نصراً، إنما أعمل بتكليفي، أقول كلمتي وأفرغ ما في ذمتي.. أفرح بالاستجابة وأحب التأثير بطبيعة الحال، لكني لا أعمل له ناهيك أن أتهالك عليه، فإن جاء النصر وتحقق فبها ومرحى، وإلا فإن الله لا يحبس عن عبده شيئاً إلا لخير أعظم.. أما لو منعت من النشر ووقع الصد والحظر فقد سقط الوجوب عني ورفع وزر التكليف عن كاهلي وأزيح عبء ينقض ظهري. 

في المقابل، في الجهة الأخرى، جبهة الحداثيين الشيعة، جبهة الضلال العقائدي والانحراف الديني، هناك مشهد خرافي مهول من الطاقات والإمكانيات… وقد تتبعت العدَّ والإحصاء حتى أتعبني وأضناني (ولعلي أتمه فأنشره يوماً موثقاً): أكثر من ثلاثة آلاف وسبعمئة موقع إعلامي وثقافي، بين إذاعات ومحطات تلفزيونية وقنوات فضائية وصحف ومجلات ودور طباعة ونشر وتوزيع، وزارات وإدارات وملحقيات في السفارات، ومراكز إسلامية ودعوية، ناهيك بالمساجد الحزبية والحسينيات، تتجاوز دائرة مخاطبيها ومتابعيها عشرات الملايين، وينتظم للعمل فيها نحو مليون نسمة (مع قاعدة الأحزاب والتنظيمات العاملة في هذا التيار)، وتقف خلفها بالدعم والتمويل دول بميزانياتها الجبارة وجيوشها الجرارة وقواها الأمنية والمخابراتية الفتاكة…

وهذا هو وجه حيرتي ودهشتي من مقابلتي بهذا الهجوم: هل يعقل أن هذا الكيان السياسي الإمبراطوري الخارق الحارق، المتحكم في خارطة الشرق الأوسط، والعائد إلى المنظومة العالمية من أوسع أبوابها (ولا يهم من أعزِّها أو أذلها!).. هل يعقل أنه لا يطيق هذا الصوت الخافت، ولا يتحمَّل هذا الضوء الباهت، الذي يسطع بين فينة وأخرى في موقع من مدونة، لا تمثل شمعة أمام نيران القوم المستعرة، أو قطرة ماء مما في صهاريجهم العظيمة!؟

وقد واجهني يوم أمس أحدهم مباشرة (هاتفياً) ليسألني مستنكراً عن عبارة في مقالتي، وكيف أنها تحتمل وَجهاً فيه طعن بتياره وحزبه.. لم أر وجهه، ولكني تمثلته من وراء الهاتف يسدل جفنيه بحياء ويطلب باعتذار إنهاء المكالمة، وقد استقبلته قائلاً: “أما تستحي يا أخي؟ أما تخجل من هذا السؤال؟ هل تعلم كم إذاعة يملك حزبك؟ وكم فضائية؟ وكم…(رحت أعدد له مراكزه الإعلامية بتفصيل ممل)، وكم عمامة زرع في المساجد وعلى المنابر، وكم مرتزق دس في شبكة الإنترنت، وكم مستغفل جند في مواقع التواصل، وهم كلهم يطرحون وجهة نظرك وينالون من الآخر، يصادرون ويغالطون ويفترون ويكذبون ويلفقون ويدلسون.. وأنت ترى لهم الحق في ذلك، ثم لا ترى لي الحق وأنا فرد صغير وحيد أن أمارس حقي في التعبير والرد”!؟

يا لله وللحرية والتعددية والديمقراطية التي ينادون بها، يا لله ولإدانتهم الدكتاتورية والأنظمة الشمولية والقمعية، التي قامت الثورة الإسلامية لحربها، وعادى العالم كله الجمهوريةَ لأنها تسعى لتقويضها وإسقاطها.. ما هذه الروح الموبوءة؟ ما هذا النمط المريض في التعامل والتعاطي؟ بالله كيف تضيق الصدور وتعاني كل هذا الحرج؟ والتيار الحداثي اليوم يملك الساحة السياسية والاقتصادية والمالية والتجارية؟! لهم السلطة والقوة والقهر والظهور والمال والإعلام والملك والرئاسة… ثم يغفلون آلتها: سعة الصدر، وتحمُّل الآخر، والإفساح لمن يخالفهم الرأي.

ماذا يجري، وماذا ستحقق مقالةٌ وتر؟ ماذا عساها أن تنال نسمة عابرة من “جبلهم الشامخ”، بل من سلسلة الجبال التي تمتد عبر العالم الشيعي كله، من إيران إلى العراق إلى لبنان وسوريا فالخليج، في منظمات وأحزاب وجماعات وتيارات، كلها منخرطة وتابعة ومنقادة، تحمل مشروع هذا التيار وتأتمر بأوامره وإرشادات ولاته، وتمتثل لإرادة قادته، وتكرر مقولات أربابه، فماذا لو خالف شخص واحد كل هؤلاء الذين أبنوا الآصفي ورفعوه مسيحاً عرج به إلى السماء؟ فهل يخشى أن تؤثر هذه المقالة الوتر كل هذا التأثير وتفعل كل هذا الفعل؟ حتى جندوا المئات ليراسلوا الموقع الذي تبث منه مدونتي بالشكوى وطلب الإغلاق ومنعي من الكتابة أو النشر بعد اليوم؟!

أمَّا سمو الروح وكرم النفس والنبل فقد افتقدته في القوم مُذ عرفتهم، وما زالت الدونية تغلبهم حتى لترى الفجور في الخصام سمة في أغلبهم، فلا غضاضة ولا بأس، ولا عتب ولا شكوى، فهذا شأنهم وقدرهم، وكل يعمل على شاكلته، وينطلق من دينه وتربيته وبيئته، ومدى التزامه وخلُقه، وكل إناء بالذي فيه ينضح.

وأما الحقيقة التي تقف خلف هذه الممارسات الانفعالية الهائجة… فهي أن القوم على الرغم من كل هذا الظاهر البراق، والزهو والخيلاء، يعيشون في دواخلهم الصَغار والدونية، وهم مع كل هذا العديد والمال، والبطش والقوة والسلاح، يستشعرون العجز وتغلبهم الهزيمة، لذا فهم يتوجسون من أية ريشة متطايرة (ولو كانت زغباً)، يحسبونها صاروخاً سينسف كيانهم! ويرتعبون من كل يراع يخط نقشاً أن يكشف زيفهم ويرسم فكراً يعري خواءهم… ولهم فيما جرى في العراق خير شاهد ومثال، حين استطاعت إشارة من المرجعية الأصيلة التي طالما رموها بالجمود وقذفوها بالتخلف، ووسموها بفقاهة الحيض والنفاس (وكان حجة إعلان مرجعيتهم في الخارج دون الداخل نفي وجود من ينهض بهذا الحمل، وعدم جامعية الشرائط في أحد هناك، في النجف الأشرف!)، أن تثبت للعالم كله، وللعدو قبل الصديق، أين تكمن القوة الروحية والسلطة المعنوية، وماذا تعني المرجعية الشيعية الحرة المستقلة.. ذلك حين عبأت ملايين المؤمنين بإشارة، ودفعتهم بكلمة واحدة للزحف نحو جبهات الجهاد الذي أوقف المد التكفيري، وسينهيه ويقضي عليه إن شاء الله.

إنهم يعلمون أن المقالات التي أنشر والخطاب الذي أحمل هو ضمير الأمة، وهو خطاب الأكثرية الساحقة، ولكن الصامتة، الذي يوظفون كل طاقاتهم لمصادرته وقلبه، وادعاء الصولة والجولة.. والحقيقة أن ليس لهم إلا النظام والدولة، أما الشعب والأمة والزعامة والولاية فهي للمراجع العظام الحقيقيين أمثال السيستاني والوحيد والروحاني والحكيم…

يعلمون أن مثل هذه الأصوات والمقالات، وإن كانت نسمة رقيقة لا ريحاً عاتية، وزفيفاً يهب فبالكاد يحرك الأستار دون أن يزيحها، إنما تمثل نبض الأمة ودماء الغيرة التي تسري في عروقها، وتستنهض القوة الكامنة والطاقة الهادرة التي رأوْا نموذجاً منها، وكيف تفجرت بإشارة من المرجعية الحقيقية…

إنه بيت العنكبوت، وَهْنٌ يخشى نسمة، وعجزٌ تودي به إشارة… من كبير، ومقالة من صغير!

Posted in

رد واحد على “نسمة على وهن بيت العنكبوت …”

  1. محايد

    أحسنتم شيخنا واصلوا على هذا الدرب وعين الله ترعاكم
    ولي طلب صغير أتمنى منكم أن تلقوا الضوء على ما جرى لسماحة آية الله العظمى السيد الشريعتمداري قدس سره
    فإن كثيرا من المهرجين يستغل ذلك كشماعة ضد الإمام الخميني قدس سره
    أعانكم الله على مواجهة خط علي شريعتي وجزاكم خير الجزاء

    إعجاب

اترك رداً على محايد إلغاء الرد