تداولت الأوساط الإيمانية مؤخراً تسجيلاً بالصوت والصورة للسيد العلوي البروجردي ينقل فيه قصة له مع العلامة الطباطبائي صاحب تفسير الميزان، والسيد العلوي من الأعلام الذين يتسالم القاصي والداني على وثاقته، ولا يرتاب أحد في صدقه وصحة نقله، والقصة تتعلق بزيارة قام بها السيد مع جمع للعلامة في بيته. يقول: طرقنا باب البيت (بيت العلامة الطباطبائي)، فحضر بنفسه وفتح لنا الباب، دخلنا وجلسنا في الغرفة المجاورة للمدخل، ويحضرني أنهم أتوا لنا بالشاي، طُرقت الباب (الداخلية)، فقام السيد بنفسه، إذ لم يكن هناك خادم، ويبدو أن امرأة أعدت لنا الشاي، فقام السيد وتناول منها الصينية (الخوان)، وكانت يده (قدس سره) تعاني من الرعاش، فقمت أنا وأخذت الصينية منه، وقدمت الشاي للحضور.

التفت العلامة الطباطبائي رضوان الله عليه إلى العلامة المداح (أحد الحاضرين مع ضيوفه) وقال: ما دمت قد حضرت هنا، يطيب لي أن تقرأ لنا مجلس عزاء. قام المداح واستوى على كرسي في تلك الأنحاء وراح يقرأ. ويحضرني أنه أخذ يقرأ في مصيبة علي الأكبر، وقد اختار أبياتاً من قصيدة معروفة للشاعر إيرج ميرزا، التي مطلعها: “رسم است هركه داغ جوان ديد، دوستان رأفت برند حالت آن داغديده را”… (جرت العادة أن يرفق الأصحاب بحال من فقد فتى في ريعان الشباب). ومضي في قراءته، حتى وصل هذا البيت: “بعد از پسر، دل پدر آماج تير شد، آتش زدند لانه مرغ پريده را” (بعد الابن، صار قلب الأب مأوىً وغرضاً للسهام، لقد أضرموا النار في عش الطائر المدهوش). عندها طلب العلامة الطباطبائي من المداح الإعادة، وقال: أعد. فأعاد المداح هذا البيت، ثم طلب منه ذلك ثانية وثالثة ورابعة! والعلامة مستغرق في بكائه ودموعه تتقاطر على لحيته. استمر المجلس حتى أنهى المداح قراءته، وعاد ليجلس على الأرض. والعلامة الطباطبائي ما زال يكرر البيت الأخير ويمضي في بكائه وهو يضرب على فخذه! وبينما كان في هذه الحال، قال، ولعل الخطاب لم يكن موجهاً إلينا، لكنه على أية حال قال: ليت إيرج ميرزا يقايضني هذا البيت من الشعر بتفسير الميزان! وكانت نزعة التحقيق والملاحقة العلمية قوية فينا في تلك الأيام، فسألته: سيدنا، هل تعرف إيرج ميرزا؟ هل نظرت في أشعاره؟ لأن إيرج ميرزا كان شاعراً متهتكاً أو خليعاً (غير ملتزم)، قال: نعم، لدي ديوانه، مع ذلك، ليته يقايضني بيته هذا بتفسيري الميزان! ثم التفت العلامة وقال لي: لا يمكنني أن أتصور مولاي سيد الشهداء سيهمل أو لا يعتني بمن أنشد هذا البيت بحق علي الأكبر. انتهت القصة، وتمت الترجمة.

أردت أن أقدم لساحتنا العربية ترجمة لهذا التسجيل والتوثيق الثمين، فيذكو في الأرجاء عرفٌ، وينتشر عبير، ويضوع عبق، بعد هذا النتن والزنخ والعطن الذي تعيشه الساحة، وما صار يزكم الأنوف ويعطل العقول ويغشي الأبصار من فعل المعتدين الضلّال.. عسى أن يخرج القارئ من أجواء اللوث التي ابتليت بها الساحة من إملاءات الشيطان ومكائد أوليائه، ميثاق نكرة لا أصل له ولا فصل، انتضى على المذهب سيف عداوته، وسدد سهامه نحو مستضعف مغلوب على أمره، أُخذ بزبرج قوله وأُسر بمغالطات ومصادراته، وهو خالي الوفاض ومنزوع السلاح، فانطلت عليه الحيلة ووقع في المكيدة. أردت أن أفتح نافذة على هواء نقي ونسائم منعشة، تزيح أجواء اللوث والدعارة وفضاء العهر والفجور الذي يخلقه وينشره مومس الأحساء، وقد ذهب بها في السفه والحمق عريضة، وراح يبارز طواحين الهواء! أما صخب التهريج والضجيج بلا حجيج، مما يمارسه القرد الحبتري، هو وقرينه عودة البيروتي، وثالثهم صاحب الدف وضابط الإيقاع القصير، فكأنه خلفية ثابتة للمشهد، لا تنفك ما دام المدد يصلهم من كبيرهم والغطاء يجللهم من أصل الزيغ ومنبع الإفساد.

العلامة الطباطبائي، الفيلسوف الأبرز في زماننا، ورجل المدرسة “العقلية” الأول بلا منازع، الذي يرجع كل ظاهرة في الكون والحياة إلى موقعها العقلي، ويدرجها في موضعها من هذه المنظومة التي تكاد لا تُخترم، وهو بعد، المفكر المبدع الذي لا يملك الحداثويون والتنويريون إلا تعظيمه وإجلاله… يقايض أحد أكبر كتب التفسير، عشرين مجلداً حوَت أنفس العلوم وأشرف المعارف، وتكلفت سهر سنين متمادية وجهوداً مضنية من حياته العزيزة، يبيعها ببيت شعر واحد في عزاء علي الأكبر!.. من هنا يضوع المسك ويفوح الشذا، وتهب غدوات الجنان، تضمّخ من ألقى السمع وفتح الله منه المشام على نسائم الروح والريحان ونفحات الكمال وصَبا السمو والرفعة.

ولمن يتساءل عن السر والسبب، ويعيش الاستغراب من فرط بُعده عن هذه الأجواء، وانغماسه بلوث الماديين ودنس الدنيويين: كيف يقايض علامة جليل، فيلسوف عقلائي، عملاً علمياً متيناً، ونتاجاً فكرياً ثميناً، يقايضه ببيت من الشعر؟! إن الرجل ببساطة “مؤمن”، والعالم الرباني “عارف”، يدرك أن إياب الخلق إليهم، وحسابهم عليهم. وهو لا يبالي بالدنيا ولا يكترث بما سيقال عنه فيها، إنه ينظر إلى العالم الحقيقي، هناك حيث المعايير هي الحب والولاء، وصدق التعبير والوفاء. هناك يضمحل الكم ويتلاشى المقدار أمام النوع والكيف، ويصبح تدبر ساعة خير من عبادة سنة كاملة، ويغدو بيت شعر أو دمعة مراقة في عزاء سيد الشهداء، خير من مئة مبرة ترتهن أيتام آل محمد، وألف مطعم ساحة ومحطة وقود وبورصة أوراق مالية أدخلت خمس آل محمد وجعلته في استثمارات المترفين البطرين، ونهباً للفاسدين والسارقين.

لقد كان العلامة قدس سره، مؤمناً معتقداً… وأدعياء العقلنة والتنوير ودعاة الحداثة والإصلاح الذين يخوضون في الساحة اليوم، ليس فيهم مؤمن معتقد واحد، كلهم كاذبون، يتاجرون بالدين ويخوضون معركتهم لمجرد العناوين، لا أحد منهم يحمل همَّ الإسلام ولا منهم من يعنيه التشيع، كل ما هناك مشروع سياسي يؤمِّن لهم رواتبهم ومكاسبهم، ويكفل استمرارهم في مناصبهم. ولو اقتضت دنياهم عكس ما يطرحون، لفعلوا وانقلبوا، وصاروا ولائيين أكثر من الوحيد الخراساني والسيد هاشم البحراني.

وأملاً في مشاركة ذاك المجلس الملكوتي المعظم، أعرض باقي أبيات القصيدة، مع ترجمتها، لعلي أوفق في استدرار دمعة من عين قارئ فأحظى:

رسم است هر كه داغ جوان ديد، دوستان رأفت برند حالت آن داغديده را (قضت الأعراف أن يرفق الأصحاب بحال من فقد فتىً في ريعان الشباب)

يك دوست زير بازوي او گيرد از وفا، وآن يك ز چهره پاك كند اشك ديده را (يغلب الوفاء صاحبه فيحتمله من عضده، ويمسح آخر دموعه عن وجهه)

آن ديگري بر او بفشاند گلاب وشهد تا تقويت كند دل محنت كشيده را (وآخر ينضح وجهه بماء الورد، ليشد أعصابه ويقوي قلبه في مصابه)

جمعي دگر براي تسلاي او دهند شرح سياهكاري چرخ خميده را (وجمع يواسونه وهم يعددون له غدر الزمان وانتكاس عجلة الأقدار)

القصه هر كس به طريقي ز روي مهر تسكين دهد مصيبت بر وي رسيده را (هكذا يقوم كلٌّ بدوره في تسكين جرحه والمصاب الذي حلَّ به)

آيا كه داد تسليت خاطر حسين چون ديد نعش اكبر در خون تبيده را (فمن تراه واسى الحسين حين رأى جثمان الأكبر معفراً بدماه؟)

آيا كه غمگساري واندوه بري نمود، ليلاي داغديده ي محنت كشيده را (تُرى من أظهر الأحزان والهموم وشارك ليلى المصابة آلامها؟)

بعد از پسر دل پدر آماج تيغ شد، آتش زدند لانه ي مرغ پريده را (بعد الأبن، صار قلب الأب مأوىً وغرضاً للسهام، لقد أضرموا النار في عش الطائر المدهوش)

Posted in

رد واحد على “بماذا قايض الطباطبائي تفسيره”

  1. حسين

    الاستاذ عباس الموقر
    نلاحظ ان من ينتمي للمدرسة التفكيكية له موقف سلبي جدا من العلامة الطباطبائي والامام الخميني (رض) بشكل خاص ومن اتباع المدرسة الفلسفية بشكل عام وكما تعلمون ان هذا الخلاف وصل الى حد التكفير.
    فما الاسباب من وجهة نظرك؟

    إعجاب

التعليقات