“خط الإمام” … مصطلح شاع في الثمانينات في خضم صراع الثورة مع الأحزاب السياسية والمدارس الفكرية الحاضرة في الساحة آنذاك، يشير إلى الخصائص والمميزات التي تحملها الخمينية كفكر ومدرسة، والمعالم التي تميزها عن تلك الحركات والتيارات. ويمكن تلخيص الفروق والخصائص في محاور ثلاثة كان نهج الخميني يرتكز عليها وينفرد بها:
1/ الجمع بين الفقاهة والعرفان. فهو يتبع المدرسة والحوزة التقليدية، وما يعبر عنه بـ ”فقه الجواهري”، سواء في طريقة البحث وآلية الاستدلال واستنباط الأحكام، أو في الخلوص إلى النتائج وتبني المعارف الدينية. ومع أُنسه وميله الواضح إلى المشرب العرفاني، إلا أن ذلك لم يشطح به إلى “طريقة” دون “شريعة”، فهو فقيه إمامي إثني عشري ينزل على مسلّمات الطائفة ويقول بعقائدها دون زيادة أو نقيصة، ما تحكيه وتلخصه رسالة عملية تمثل مرجعية تقليد تفتي بجميع أحكام الشريعة من الطهارة إلى الديات، ترجعها إلى أدلة مستقاة من الكتاب والسنة، وفقاً للأصول والقواعد السائدة، دون إعمال للذوق وإقحام للفلسفة أو القراءات الصوفية والتأويلية الشاذة للدين، لا لآراء ابن عربي موقع في الفقه والعقيدة، ولا لأشعار المولوي دور في بنائها.
2/ الثورة والجهاد. من أهم معالم “خط الإمام” أنه ثائر مجاهد قائم، يتبنى طريق الرفض العمَلي وممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بجميع درجاته ومراتبه، ينادي بالثورة على حكام الجور، ويطالب بإسقاط الأنظمة المستبدة والحكومات الظالمة.
3/ التصدي للضلالات العقائدية، والنهضة والقيام بوجه المضلين، ومواجهة دعوات المبتدعين.
ولعل المعلمَيْن الثاني والثالث ينبعان من نفس العين: الغيرة والحمية والنفس الأبية. فهي متى ما حضرت في امرء لنازعٍ ديني، ونمت حتى ملكت روح مؤمن من منطلق إلهي، غلبه إباء الضيم وصبغته الغيرة والغضبة لأحكام الله وحدوده، وذروتها العقيدة ومقدسات الدين والمذهب. تدفع هناك لرفض الظلم وطلب العدالة، وجهاد الاستكبار ومقاومة الاستعمار.. وتأخذ هنا للقيام في وجه أصحاب البدع ومستعملي الرأي المخترع، والتصدي لانحرافاتهم وضلالاتهم.
أصل تراه يطبع سيرة الرجل ويصاحبه حياته كلها، ظهر في كتاب “كشف الأسرار” الذي ألفه وهو في بداية العقد الرابع من عمره، حين عطَّل درسه وأوقف بحثه وجمد نشاطه، وتفرغ للرد على ما جاء في كتاب “أسرار هزار ساله” لحكمي زاده، عمد فيه إلى نقض وردِّ شبهات الفكر الوهابي الناهض حينها في إيران بقيادة رواد الإصلاح الديني وعلى رأسهم أحمد كسروي (وهي بالمناسبة نفس شبهات وأفكار الحداثيين اليوم: تحفُّظ على تعظيم النبي وآله، في أشخاصهم وآثارهم، تهمة القبورية والهدر والإسراف في تبجيل العتبات المقدسة، والشرك في زيارة الأولياء والغلو في التوسل بهم، ورفض الشعائر الحسينية وتسفيه الناهضين بها، ومهاجمة الحوزة وعلماء الدين، ولا سيما المراجع العظام). ويتجلى في أواخر حياته بحُكمه الصاعق الذي أصدره وهو في العقد الثامن من عمره على امرأة كانت الإذاعة الإيرانية تجري لقاءً معها بمناسبة ميلاد الزهراء، قالت إن الزهراء عليها السلام غدت تاريخاً ماضياً، ولم تعد تصلح قدوة لنساء زماننا، وأنهن بحاجة لشخصية معاصرة، حاضرة بينهن، يلمسن عطاءها ويعشن قيم المثال ومعاني القدوة فيها، وأتت على ذكر ممثلة يابانية تلعب دور امرأة مكافحة في مسلل يحكي قصة اجتماعية إنسانية، تدعى “أوشين”، كان التلفزيون يبثه آنذاك.. حكم الخميني بإعدامها إذا ثبت قصد الإهانة منها، وكذا حكم على مذيع اللقاء ومخرج البرنامج!.. مروراً بفتواه التاريخية على سلمان رشدي لجسارته على رسول الله ونيله من مقامه الأسمى في كتابه الشهير “آيات شيطانية”.
مواقف شديدة وردود أفعال حادة وقاسية، تهمل المشروع السياسي وكأنها تزري به وتستخف بقيمته، وتقفز على الطور والمرحلة التي تعيشها الثورة والجمهورية الإسلامية وكأن لا خطب لها ولا خطر، حرباً كانت ينبغي التفرغ لها وعدم التشويش على أهدافها واستراتيجيتها، وتجنُّب كل ما يشغل ويصرف عنها، أم مرحلة إعادة إعمار، وعودة لبناء جسور الدولة مع العالم، والوقوع في ما يشكِّل خرقاً للدبلوماسية وهتكاً للسمعة وإفساحاً للدعاية المعادية للطعن في الإسلام وتصويره دموياً عنيفاً.
ولست أدري ماذا كان أنصار إيران اليوم سيقولون، وماذا سيفعل “الثوريون” الجدد وأين يقفون، لو عاشوا تلك الحقبة وواكبوا تلك الأحداث؟ الوادعون الفاكهون المنعمون المترفون، الملتحقون بها بعد الفتح، المتشدقون بها في عهد العطايا والهبات، وزمن إغداق الأموال وتلميع النجوم وخلق الرموز، الذين يرقصون على جراح الدين في مواقع التواصل الاجتماعي، ويقبعون وراء المكاتب وخلف لوحات الحواسيب، ينقرون المفاتيح بأحرف تفتح لهم أبواب السعير، ويلهون بالهواتف الذكية في لعبة ستوردهم حفر النيران وقعر جهنم، أو ينتصبون أوثاناً خلف المنصات، ويغتصبون منابر الجمعة، ومجالس سيد الشهداء… لو قرأ هؤلاء هذه الأحداث ـ كتاريخ ـ ووقفوا عليها وفقاً لمعاييرهم المخنثة الخانعة، ومنطلقاتهم المتهتكة المتميعة، وعقولهم المؤنثة الذليلة، لصنفوا هذه المواقف مؤامرة رجعية تريد صرف المجاهدين عن الجبهة الحقيقية، وانشغالاً بقضايا هامشية أو جزئية يريدنا الاستكبار العالمي ويدفعنا لنلتهي بها عن العظيمة الخطيرة! ولذهب بعضهم في النكير إلى وصف الخميني بالمدافع عن الخرافات والمستغرق في الأساطير، فإذا تأدَّب واحتشم، نعتها بأكاذيب تاريخية وتلفيقات صفَوِية وطقوس مبتدعة تريد الوقيعة بين السنة والشيعة، وأن السفير البريطاني صرف عليها كما يصرف على إقامة عزاء الزهراء، ويبذل لشراء أكفان المطبرين يوم عاشوراء! وكنت ستجد بعض السذج أو أدعياء الاحتياط والورع اعتبروها فتناً تشق الساحة وتفرق الأمة، فوقفوا على التل، متمثلين: لا ضرعاً فيحلب ولا ظهراً فيركب… ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين.
رحل الخميني إلى ربه، ومات نهجه واندثر خطُّه، واضمحلت أفكاره وطويت صفحته، غاب هذا الفكر وتلاشى لصالح الحداثة والنزعة الحزبية والأداء السياسي، الذي أصبح حاكماً على كل شيء، فظهر ضربٌ من المتزعمين ونمط من القياديين، لا تجد فيهم شمة من عزة أو غيرة أو حمية، ولا حظ لهم في شهامة وإباء ضيم وأنفة، تولَّوا الإعلام وتصدَّوا لقيادة الحركة الثقافية، ورفدها بالمادة العلمية ورسم وجهتها العمَلية، ما أخذ الساحة إلى سلبية قاتلة تجاه الضلال والمضلين، بل احتضان لهم ودفاع عنهم، في سقوط وانحدار يندى له الجبين، وينزل العار الذي عجزت قوى الشرق والغرب أن تلحقه بالثورة، جاء المتشدقون بها والمنتسبون إليها والمتوغلون فيها، ليعظِّموا الضلال ويوفروا الغطاء لمن يهتك العقيدة ويستبيح المذهب، يهزأ ويسخر، يستخف ويتهكَّم، وقد اتخذ العقائد الشيعية مادة لتهريجه وسفاهته، وراح يدوس تراثنا وقيمنا، ويطأ أدعيتنا وزياراتنا، ويسخر من شعائرنا، ويعبث بمقدساتنا، ويتطاول على كل ذلك ببذاءة وسوقية، ولا من راد أو مستنكر، ناهيك بمانع قاهر أو رادع زاجر.
لو كان الخميني حياً، لما دنا فضل الله من حمى الزهراء ولا تجرأ أن يقرب من حياضها ويمسَّ قدسها، ناهيك بأن يجحد مقامها ويشكك في مصابها، إن الخميني الذي يقول عن الزهراء بأنها “قادمة من مرتبة الغيب الأحدية.. ويخطئ من يدَّعي معرفة مقامها المقدس من العرفاء أو الفلاسفة أو العلماء.. وكيف يمكن إماطة اللثام عن منزلتها الرفيعة… وكيف لي ولقلمي ولغة البشر أن تتحدث عن سيدة كانت تستنزل جبرائيل من غيب عالم الملكوت إلى عالم الملك وتجعل ما في الغيب ظاهراً في الشهود؟ إن فاطمة عليها السلام قد ظهرت في عالم الشهادة وتجسدت كأبيها وبعلها في صورة بشر ظاهر لتنهض بدورها ورسالتها في عالم الملك..”، لو سمع ـ قُدس سره ـ فضلة الشيطان يقول بأنها امرأة عادية، وأن عدم رؤيتها الحيض هو حالة مرضية أو ضرب من النقص في أنوثتها، وكذا لو سمعه يقول بأنه لا يتفاعل مع الروايات التي تنقل هجوم القوم على دارها وكسر ضلعها… لجاءته صفعة حيدرية تثرم أسنانه وتقطع لسانه، وتورثه البكَم والعيَّ باقي أيامه، فيخرس حتى يهلك ويموت. والخبيث كان يعرف هذا ويدركه، لذا صمت وأخفى، ودارى ووارى، حتى مضى الخميني وانتهى عهده، فأخرج الضال المضل رأسه من مغرس العهر والخنا، وظهر قرن الشيطان من تحت عمامة هي في الحقيقة قلنسوة يهودية أو قبعة غربية، أو كوفية (شماغ) حمراء مرقطة!
لو كان الخميني الذي يقول: “لو لا الفقهاء لما عُلم أي العلوم كانوا سيحمِّلونها الناس اليوم باسم علوم القرآن والإسلام وأهل البيت عليهم السلام.. إن جمع وحفظ علوم القرآن وآثار وأحاديث النبي الأعظم وسنة وسيرة المعصومين عليهم السلام وتدوينها وتصنيفها وتنقيحها في ظروف شحَّة الإمكانيات وسلاطين الجور والظلَمة وما يبذلون من طاقات في سبيل محو آثار الرسالة لم يكن بالعمل الهيِّن، ونحن اليوم نرى نتيجة تلك الجهود في الآثار والكتب المباركة مثل «الكتب الأربعة».. إذا لم نطلق على هذه الجهود والمعاناة جهاد في سبيل الله، فماذا عسانا أن نسميها؟”… لو كان حياً، لما كان لقصير أن يتحدى مشاعر مئات ملايين الشيعة في العالم في عقائدهم ومقدساتهم، ويأتي بالحيدري يهرف بترهاته، ويفجر بجهالاته، وما كانت قناة الكوثر التي تصرف من بيت مال المسلمين تسوِّق لحبتري يزعم أن علوم الحوزة لا قيمة لها، وأن شرائط التقليد غير متوفرة في أحد من مراجعنا، وأنهم لا يشكلون حجة في التقليد، لأنهم لم يأخذوا بالفلسفة! وأن كلَّ أو أغلب تراثنا وأحاديثنا إسرائيليات، ومن دس النصارى والمجوس! ترى ماذا كان ذلك العالم الرباني الذي ختم حياته بوصية سطر في ديباجتها: “إننا نفخر بأننا أتباع مذهب أسسه رسول الله وأميرالمؤمنين، بأمر من الله.. ونفخر أن الأئمة المعصومين عليهم آلاف التحية والسلام، بدءاً بعلي وانتهاءً بمنقذ البشرية الإمام المهدي صاحب الزمان، الحي الناظر بقدرة القادر، هم أئمتنا”… ماذا كان سيفعل وهو يشهد الحبتري يتبنى وينادي بإن المذاهب كلها سواء، ويمكن للمؤمن أن يتعبد بأيها شاء، فلا فرق بين مذهب أبي حنيفة ومذهب جعفر بن محمد؟!
لو كان الخميني حياً… لما تسلَّط بن جدو على ملايين بيت المال ليعبث في “الميادين” كما يهوى ويشاء، ويجعلها ساحة للمرتزق أبي زكريا وجوقة المظلين التي يستضيف، من كل متردية ونطيحة وما أكل السبع فلفظه من مرارته أو فساده وزنخه، ليروِّج للباطل وينال من الأصالة ويطعن في الحوزة العلمية والمرجعية الشيعية ما استطاع.
وبعد، لو كان الخميني حياً… لما كان للكيان الماسوني المندس في الوسط الشيعي أن يظهر على الساحة بهذا الشكل، ويفعِّل أدواته على هذا النطاق وبهذا الحجم، ولا كانت الوهابية المبطنة لترسل ذئابها تنهش في معالم الدين، وكلابها تنبح على المؤمنين العاملين، وما كنت ترى ياسر عورة يحمل دِرَّة جده ومعول خدينه وقرينه، يهوي به على عقائدنا ويثلم في حدودنا وثغورنا، يرمى الجامعة الكبيرة بالشرك والغلو، (وهي التي كان الخميني يزور بها جده أميرالمؤمنين ويتلوها كل يوم في حرمه)، ويزعم أن اللعن في زيارة عاشوراء دسٌّ، ويجحد دعاء التوسل وينسبه إلى الاختلاق والوضع، ويهتك قدس حبيب الله، ويتطاول على حضرة ما بعد سدرة المنتهى، وقاب قوسين أو أدنى، فيرميه بالجهل بمصيره!
وإن شك أحد في تقدير موقف الخميني وردة فعله على كل ما مضى، فلا أظنه يشك بأنه لو سمع ياسر عورة يهزأ بالرواية التي تتحدث عن دخول الزهراء إلى المحشر وحضورها في عرصات القيامة، وكيف تناول خطاب العرش: “غضوا أبصاركم”، والسوقية التي غمز بها إلى حال ثياب الزهراء ومنظرها! لما تردد بأن الخميني رحمه الله كان سيلاقيه بغير ما لاقى حكمي زاده وأحمد كسروي وغيرهما!.. وها هو القلم يغلبني والتعبير يسبقني لأرمي الخبيث في أصله وأنال من منبته، إذ لا يمكن لنجيب طيب المولد أن يبلغ به الانحطاط وتصل الرذالة إلى هذه الحدود، فإن فعلت، فأنا أريد نسبه المعنوي وانتسابه الفكري العقدي، لا الظاهري الشرعي الذي لا سبيل للطعن فيه إلا ببينة وحجة شرعية.
إنني أتمثل المشهد في إيران تلك الأيام وأقرأه ببصيرة لا تنال منها غشاوة الأوهام، وأرى البغل معلقاً من إحدى رجليه، بذراع رافعة كبيرة، يتدلى منكوساً، فإذا استوفى الحضور تكبيراتهم، أُرخي الحبل وحُلَّت عقدته، فيسقط على أم رأسه من شاهق… وفي طبيعة العقوبة سرُّ يعرفه من يعرف سرَّ طرده من حوزة بيروتية، آخر ما تعنى به الأخلاق والعفة، ومع ذلك فهي لم تطق عهره… فويل لمن كفَّره نمرود!
التعليقات