عندما كانت مجسَّات الإنذار المبكر في بصائر الواعين ومدرَكات الغيارى على الدين، تشير إلى أن إيران بصدد تقويض الحوزة العلمية وتدمير المرجعية الشيعية، وهدم معالم المذهب وأركانه، أو مسخ حقائقه وإفراغها من جوهرها، وأنها ـ بذرائع الإصلاح والعصرنة ـ ستخرج بدين جديد، فالفكر الحاكم هناك شريعتي إخواني دعوجي، وأنَّ ظواهر مثل فضل الله والحيدري وحب الله واليعقوبي وعودة وقصير، ليست عفوية ولا تلقائية، وأن هناك يداً تدير وتدبر، ومنهجاً معدّاً وخطة تمضي قدماً، وأن الأدوار في هذا الخطير موزعة والمهام مقسَّمة، بما يفرغ التشيع من محتواه الحقيقي ويخلق مذهباً جديداً لا يحكمه التراث (الذي يرونه مليئاً بالإسرائيليات!)، ولا يخضع للضوابط العلمية وأصول الاستنباط (التي يرونها رجعية تجزيئية، لا تنظر إلى الدين نظرة شمولية عصرية، ولا تتمتع بقراءة فلسفية للحياة وتطورها!)… كان بعض الإخوة الولائيين، يرفض هذا التحليل والقراءة، فلا يجاريها ولا يلتزم بمقتضياتها من مواجهة هؤلاء الذين يبثون الضلال وينشرون الانحراف، وكان بعضهم الآخر يعترض على من يقوم بالتصدي لهم، ليصطف مع القوم وفي جبهتهم، يزعم أنه يحافظ على لُحمة البيت الشيعي، ويخشى على الساحة التشرذم والصراع الداخلي!
قبل أيام فقط، لم يجد قائد الجمهورية الإسلامية السيد علي الخامنئي حرجاً ولا غضاضة، بل اندفع بشجاعة لافتة وموضوعية مستغربة وتوجَّه إلى أتباعه في الحوزة بالقول إن الثورة الإسلامية لم تنجح في صناعة مجتمع إسلامي أو حتى دولة إسلامية بعد! وقال بالنص: “نحن لا نملك اليوم مجتمعاً إسلامياً ولا دولة إسلامية، إنما نجحنا في إطلاق ثورة إسلامية مكنتنا من تأسيس نظام إسلامي. لحدّ الآن وُفِّقنا، وهذا مهم جداً، لكن نحن بحاجة إلى تأسيس دولة إسلامية وإدارة إسلامية للبلد، وهذا ما لم نحققه حتى الآن بل يفصلنا عن هذا الهدف مسافة كبيرة”… وهذه حقيقة يلمسها كل من يقرب من إيران، من لحظة دخوله المطار وتلقي ضابط الجوازات الذي يتفنن في إهانته وتحقيره وتأخيره، ما كأنه قادم للرضا عليه السلام فله كرامة الزائر، أو سائح فله حرمة الضيف، وكلاهما يدير عجلة اقتصاد بلده ويرفدها، وانتهاء بمظاهر الفساد والانحلال الأخلاقي، مروراً بكوارث التضخم والغلاء والبطالة وهبوط قيمة العملة وتفشي الرشوة، مع كل آفات الأنظمة الاستبدادية، من احتكار السلطة وقمع المعارضة، وإيداع المنافسين السجون والمعتقلات والإقامة الجبرية حتى دون محاكمة!
ولكن الغريب، أنه مع هذا الفشل الذريع، الذي يقر به قائد الجمهورية الاسلامية نفسه، ويعترف أنه ما زال ـ بعد ثمان وعشرين سنة من الحكم المطلق والسلطة الفردية والقبضة الحديدية ـ يراوح حيث تركه الخميني، لم يتقدم خطوة!.. تراهم في جبهة أخرى يمضون غير شاعرين بمصيبة هذا العجز، ويتقدمون غير عابئين بإصلاح الفساد واستدراك الفشل… يتقدمون في ضرب الحوزة ومحاربة التراث وتقويض المرجعية بما يظهر بوضوح ويرتسم بجلاء أنه خطة معدَّة واستراتيجية نافذة، لا تعوقها العوائق ولا تلحظ العجز والموانع، وكأنها من الأولوية والتقدم ما يرفعها إلى الأخطر الذي دونه كل شيء، فلا يمكن تعطيله أو تأجيله بحال!
هكذا أُعلن عن تدشين الخطوة العملية الأولى (بعد عشرات الخطوات النظرية التي مهَّدت الأرضية) في طريق هدم التراث وتزييفه، بالإعلان عن إنجاز مشروع “تصحيح” كتاب «مفاتيح الجنان»، وإصدار نسخة محرفة من كتاب الدعاء الأول في نطاق التداول الشيعي! وأقصد بالخطوة الأولى، مما يأتي ضمن استراتيجية إيران والسياق الذي يريد الهيمنة على الساحة الشيعية العالمية، وإلا فهناك متميع سبق إلى بتر «مفاتيح الجنان» وتقطيعه، لكنه بقي ضمن التداول الحزبي المحدود، فلم ينتشر ولا أثَّر في تداول الأصل. ولعل تقرير وكالة «تسنيم للأنباء» التابعة للحرس الثوري، يرسم أبعاد المأساة، ويتيح للحصيف قراءة ما ينتظرنا من كوارث! وقد جاء فيه: “شدَّد أحد “كبار مراجع التقليد الشيعة” الإيراني آية الله العظمى ناصر مكارم شيرازي، خلال لقاء رئيس وخبراء مركز الأبحاث الإسلامية في مدينة قم، على ضرورة تجميع المصادر الشيعية وصيانتها، وقال إنهم قد بدأوا مشروعاً مهماً لغربلة كتاب «بحار الأنوار» واستخلاصه. وأكد أنهم في حوزة قم يعملون بشكل جاد على تدوين طبعة جديدة من كتاب «بحار الأنوار» وعرض “فهم جديد” من أحد المصادر الرئيسية للفقه الشيعي للناس. وأوضح أنهم ومن خلال هذا المشروع الكبير يحاولون غربلة الأحاديث والروايات الضعيفة والزائفة، وأنهم انتهوا من طباعة 6 مجلدات من أصل 110 مجلدات من هذا الكتاب العملاق. ولفت شيرازي النظر إلى أن “الطبعة الجديدة” لكتاب «بحار الأنوار» ستحل العديد من المشاكل الحالية، دون أن يوضح أكثر عن ماهية هذه المشاكل أو الروايات التي تم حذفها. وشدد على ضرورة تعديل العديد من مصادر الفقه الشيعي والكتب الأخرى في هذا المجال وفق متطلبات العصر الحاضر. وأشار إلى أشهر كتب الدعاء الشيعي أي «مفاتيح الجنان». وقال إن «مفاتيح الجنان» لا يناسب العصر الحديث، وإنه يجب عليهم أن يعيدوا كتابته وأن يطبعوا نسخة حديثة وجديدة لهذا الكتاب”.
وهنا كارثتان تسابق إحداهما الأخرى: الجهل بعظمة «البحار» وقيمته العلمية وكنوز المعارف المبثوثة فيه والدرر المودعة في أعماقه، ثم كارثة مسِّ التراث والعبث في متون الكتب وتغيير أصولها! مما يرزي بأبسط ضوابط العلم، ويجافي أوليات البحث والتحقيق والدراسة، وهو ـ في الميزان العلمي الأكاديمي ـ يفوق في قبحه طمس الآثار الحسية وهدم الصروح والمباني الأثرية، مما عمدت إليه الوهابية في مكة والمدينة! فأنت لك أن لا تعمل برسالة كتاب، وترفض فكرة أو أفكاراً يحاول أن يثبتها ويروجها، ولكن ليس لك بتاتاً أن تقوم بتغيير متنه، فتحذف ما لا تستسيغ وتبتر ما لا يروق لك، أو تضيف ما تهوى وتقحم ما تحب، ثم تعيد طبعه منقوصاً أو مزيداً! ولك أن تتصور الضجة التي ستثيرها والأزمة التي ستخلقها طباعة كتاب لطه حسين أو عباس العقاد أو مصطفي الرافعي، مع حذف فصل منه أو أجزاء لا تروق للناشر المعاصر!… إنها خيانة عظمى لا مبرر لها في أي منطق وثقافة، اللهم إلا خطاب العوام الجاهلين، أو السلاطين المستبدين، وفراعين تنادي: “لا أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد”.
من بديهيات البحث والتحقيق العلمي، ومن قواعد الشرف والأمانة فيه، أن لا يتلف الباحث ولا يمسح أو يطمس أثراً، وهنا، لا يلغي نصاً، ولا يزوِّر ويزيف فيُخفي حديثاً! له أن لا يعمل به، فيتركه ويُرجعه إلى أهله، فما لم يثبت عنده اعتباره من الأحاديث الشريفة، ولم يشكِّل له حجة شرعية أو عقلية، قد يثبت عند غيره من العلماء، بل قد يعود هو بعد سنين، حين يزداد علماً وفهماً، وينمو فكراً ويتكامل عقلاً، ليعمل ويأخذ بما رفضه بالأمس. وهذا متكرر في سيرة علمائنا، مطرد لا ينكر… فماذا يصنع ونصنع إذا أعدم الأعمى المصادر التي نستقي ويستقي هو منها؟ وطمس الحمار وأتلف المنابع التي نأخذ ويأخذ عنها؟! والتعبير ليس فورة غضب ولا زلة قلم، بل هو استشهاد بآية شريفة، تنطبق على من يحمل أسفاراً من كنوز آل محمد ولا يعرف قيمتها، ويملك عيناً ولكنها لا تبصر الأنوار التي تشع منها، وقد سقط آلاف الشهداء على مدى التاريخ، وأفنى عظماء الطائفة وأساطين المذهب أعمارهم حتى تصل هذه الأحاديث إلينا، وحافظوا عليها بأمانة وشرف طالما طبع سيرة علمائنا… فكيف السبيل حين يصبح الماء غوراً، لا نستطيع له طلباً؟.. من أين تأتينا الجمهورية الإسلامية بماء معين؟
إن الأمر أشبه بعامل سفيه ومستخدَم جاهل دمَّر مصنعاً كبيراً للأدوية، بحجة أنه شاهد في مختبراته أو مستودعاته قوارير السموم، بل رأى الصيادلة يصطادون العقارب والثعابين ويغامرون بالتقاطها لاستخلاص سمومها!… والصيادلة والأطباء يصرخون فيه ليكفَّ ويمسك، وينادون أنهم أدرى بما يجري هنا، وهو لا يصغي ولا يبالي، وما زال يُعمِل معوله، ويوغل في الهدم والتدمير!
ولست أدري كيف يطيق العلماء والفضلاء السكوت عن هذه الكارثة غير المسبوقة في تاريخ الشيعة، وقد نسب إلى السنة أنهم أعادوا طبع بعض كتب الصحاح الستة منقوصة مبتورة، حذفت الأحاديث التي تثبت ولاية أميرالمؤمنين وفضائل أهل البيت وتدين أعداءهم، ولكن قيل إن علماءهم أوقفوا المشروع، ورجَّحوا أن يتاح للشيعة الاحتجاج بهذه الكتب، وأن يتحملوا مؤونة تفنيد مدلولها ويتجشموا عناء إبطال مؤداها ولو بتكلُّف وتعسف، على أن يمسوا كتبهم ويحرفوها!.. وها هي الجمهورية الإسلامية تعلن بلا أدنى حياء أو خجل، بل تفاخر وتباهي أنها تدلس وتزيف في المتون العلمية!
ولمن يراهن على الغيب والقدر، وينتظر الفرج من ملك الموت عليه السلام، أن يقبض أرواح هؤلاء ويخلصنا من شرورهم، متصوراً أنها مرحلة ستنتهي، وحقبة لا بد أن تنقضي… ليعلم أن حركة الضلال والإضلال لن تتوقف، وسيمضي القوم بها حتى بعد أن يحين أجل مديرها ومدبرها، ويهلك راعيها وحاميها، هذا فضل الله مات، فماذا كان من الحال بعده غير مزيد الانتشار وتفشي الضلال؟ فالشيطان سيجد مُعقَّداً متغطرساً آخر يسكنه، والرجيم سيعثر على مغرور متكبر ثان ليقترن به ويملي له، وهكذا… وإن صح أن ننتظر مدداً ونرتقب غيباً ينقذ الدين من هؤلاء، فنحن موعودون بالنصر، مبشَّرون بغلبة أهل الحق ولو بعد حين، ولكن هذا لا يلغي الأسباب الطبيعية التي علينا الأخذ بها، ولا يسقط تكليفنا في التصدي والدفاع، كلٌّ على قدره وحسب دوره، بما تمكَّن واستطاع…
وكذا الذين ما زالوا يظنون الأمر عارضاً عابراً، ولا يدركون حجم القضية، فيرموننا بالارتهان لنظرية المؤامرة، وأننا أسرى أوهام وخيالات تنسج صوراً كبيرة عن أحداث جزئية صغيرة! وأننا نبالغ في الخطر، نهوِّل اليسير ونعظِّم الحقير… هذه الأجنحة قد ظهرت، وهذا الجسم “المختَلف عليه” قد أقلع وحلَّق، فهل من غير البلادة والغباء (أو العمالة والانتساب المبطن للقوم) أن يصرَّ بعضهم أنها عنزة (وإن طارت)؟! لقد ظهر وبان صحة الموقف وسلامة التحليل، وتبين بُعد نظر وبصيرة الذين قرأوا الأمر وفهموا المخطط من بداياته، وتلقوا تغيير مناهج الحوزة ومتونها التحصيلية، ثم محاربة الشعائر الحسينية، وقدَّروا القضية بحجمها الحقيقي، كرأس جبل جليدي، يخفي العظائم والويلات، ويداري نطاقه الأكبر تحت السطح، وهكذا ما أعقب ذلك من ظهور حركات ونشوء تيارات، وتدفق سيل الانحراف، وهبوب رياح الضلال والالتقاط، عصفت بالساحة، وجرفت ما جرفت من الحطام، أرغت وأزبدت، حتى وصلت إلى الإنتاج الفعلي، وصارت في طور الظهور والتحقق… فهل من سبيل لإنكارها؟ هل من شك بعدُ في المؤامرة وأهدافها؟ هل من ساذج يقول بأنهم لا يرمون التراث، ولا يتناوشون الحوزة والمرجعية؟
لم تكن القضية يوماً التطبير فحسب، ولا النزاع على أنه يشوِّه المذهب أو لا يشوِّهه، ولا همَّ القوم “تنزيه” الشعائر الحسينية، ونفي “الخرافات” عنها… بل كان الباب الذي توهموه أيسر المداخل وأهونها لبلوغ مشروعهم الكبير، الذي يريد نسف الحديث، من الكتب الأربعة إلى البحار فما يليها، ويرمي تقويض أدوات الاستنباط وطرق الاستدلال التي عليها حوزاتنا ومراجعنا العظام، ويهدف طمس معالم التشيع وكل شعيرة تميزه عن غيره من المذاهب، بل يريد عرض دين مُحدَث ومذهب مبتدَع جديد. وقد وظفوا لهذا الخطير أُجراء واستخدموا عمالاً: فضل الله وعودة لنشر الإباحية والانحلال، الحيدري وحب الله لهتك العلم وتمييع أصوله، قصير لضرب الشعائر وترويج الأكاذيب، وهذا ناصر مكارم يتولى التحريف والتزييف المعلن، فأصدر بدائل عن «مفاتيح الجنان»، و«بحار الأنوار» و«فرائد الأصول» و«تفسير الميزان»، ما هي إلا “مفاتيح” لمعامل إنتاج السكر التي قبضها ثمناً لدينة حين باعه للسلطان، و”بحار إتجار” لا أنوار، و”فرائد” تسيُّبٍ وفوضى لا أُصول، واختلال أو تطفيف ميزان، لا تفسير قرآن.
هذا مشروع القنبلة النووية الذي قصم ظهر الاقتصاد واستنزف إنتاج النفط لربع قرن ونيف، يذهب أدراج الرياح، والشعب يرزح تحت أعباء الفقر والبطالة، والفساد الأخلاقي يفتك بإيران، والحس القومي الفارسي ينخر جذور الإسلام هناك، وخيار القائد البديل يترنح بمرض الهاشمي الشاهرودي وتعيينه (بعد إعلانه مرجعاً) موظفاً في النظام! والإقليم ملتهب بحرب اليمن، والصراع الدولي في سوريا، والمكاره تجثم على شعب البحرين من ثورته، والنزاع مع السعودية إلى تصعيد واحتدام، وانفصال كردستان وظلال تحالفها مع إسرائيل تخيم على المنطقة، والإرهاب يضرب ويفتك في كل مكان…
والجمهورية الإسلامية تحشد وتعبئ لحرب الشعائر الحسينية، وتستنفر قواها وطاقاتها لإنتاج بدائل عن «بحار الأنوار» و«مفاتيح الجنان»! لا تبالي أن تتمزق الجبهة الداخلية، ولا تكترث أن يتشرذم الشيعة، ولا يعنيها أن يتنازعوا فيفشلوا وتذهب ريحهم… صدق أبوالأسود الدؤلي إذ قال:
وترى سفيه القوم يتركُ عِرضَهُ @ دنِساً ويمسَحُ نعلهُ وشِراكَها
التعليقات