في مكتبتي عدة نسخ من كتاب “دون كيشوت” ، إحدى روائع الأدب العالمي، للمبدع الإسباني “سارفانتس”، وما زلت أعجز عن مقاومة اقتناء المزيد، كلما وقعتُ على طبعة جديدة لدى الباعة في المكتبات… تدور القصة حول صاحب مزرعة ثري بعض الشيء، يملك من المال ما يكفيه، وما يتيح له عيشاً كريماً يغنيه عن العمل، ويفسح له ليقضي وقته في المطالعة، وكان يُكثر القراءة حول الفروسية وفرسان العصور الوسطى، أولئك الذين يركبون صهوات الجياد، يطاردون الأشرار، ويقاتلون التنانين ويصرعون الغيلان، ويحظون بصحبة الأميرات، ويتعاملون بنُبل ولباقة، فأصبح يحلم أن يكون فارساً مثلهم… ولما استحكمت فيه الفكرة وغلبه الشوق والأمل، ارتدى لباس الفرسان واعتمر من قبعاتهم، وأطلق على نفسه اسم “دون كيشوت”، واعتلى فرسه، وراح يجول في القرى والأرياف بحثاً عن المغامرات، ولما كانت التنانين والغيلان غير موجودة إلَّا في رأسه، فإنه صار يتخيل طواحين الهواء وحُوشاً وعماليق، امتشق سيفه وراح يبارزها ويلوِّح لأذرعها الطويلة التي تديرها الرياح، يحسبها تغير وتتناوب عليه!.. وصارت القصة مضرب مثل في اختلاق الجبهات الوهمية، وافتعال الحروب الباطلة.

وإذا كانت القصة تمثل ـ في عمقها الفلسفي ـ صراع المثالية والواقعية، فهي في حياتنا المعاشة وقضيتنا الماثلة، تحكي صراع الوهم والخيال مع الواقع والمثال! هذا إن أحسنَّا الظن، وحملنا القوم على الخير والصحة، ونفينا عنهم التآمر على الدين والتحالف مع العدو للقضاء على المذهب.

الحق أنه لا خلاف بين قم المقدسة والنجف الأشرف، ولا صراع بين مرجعية عربية وأخرى فارسية… ومن لا يدرك هذه الحقيقة ويصر على تصوُّر جبهات لا وجود لها، فهو إما أن يكون مغرقاً في الجهل والعماية، أو مدلِّساً على طريقة فضل الله، الذي كان يتلوَّن كما الحرباء، ينشر بين العرب أن نزعة قومية فارسية هي التي تحارب مرجعيته، ويشيع بين الثوريين أن القاعدين التقليديين يحاربونه، ويهمس للتقليديين بأن الثوريين يريدون منه مواقف لا يطاوعهم عليها ورعه والتزامه!

الحقيقة أنها حرب إيرانية على الأصالة الشيعية، سعيٌ لقلب المذهب وتحويله إلى صيغة جديدة عنوانها الحداثة والتطور ومواكبة العصر… ففي فهم السلطة والحكم: لم يعد التشيع القائم مناسباً، وفي قاموس علي شريعتي: علينا دفن الركام الذي يحول دون الثورة والقيام، وفي خطاب “الحركة الإسلامية”: المذهبية تخلُّف ورجعية، وعلينا أن نرقى إلى “إسلام بلا مذاهب”.

لا أدري من الذي أغوى إيران ووسوس لها بهذا الاحتراب؟ هل هو طلب دولي مُلح؟ أمر ماسوني قاهر؟ إملاء من القوى العظمى كثمنٍ لقبول الجمهورية الإسلامية في المنظومة الدولية؟ أم هو ـ على أفضل المحامل ـ مجرد شهوة شيطانية، وهوى نفس معقدة، وتطلعات روح مريضة لا تطيق وجود “آخر”، تتلهف إلى المزيد من النفوذ والقوة والجاه والسلطة.

منذ الثالث من أغسطس آب 1989، وتيار “الحداثة والتنوير” (روشنفكران) يخوض حرباً بلا هوادة على الحوزة العلمية والمرجعية الشيعية. حرب على جبهات ثلاث: أولى على التراث، المعصوم في أحاديث آل محمد، وغير المعصوم في نتاج العلماء وجهودهم التي بني عليها المذهب وما زال يقوم، وبفضلها كان آباء هؤلاء وأجدادهم، شيعة إمامية تولَّدوا من طهر ونجابة، لم يدنِّسهم سفاح النصب، ولا لوَّثهم الجهل بحكم طواف النساء. وثانية على الظواهر الدينية المميزة والمعالم المشخصة التي ترسم الهوية الشيعية، ولا سيما الشعائر الحسينية وتعظيم العتبات المقدسة. وثالثة على الحوزة والمرجعية، بتشويهها والنيل منها، وتكثير منتحليها وإقحام من هب ودبَّ فيها، وقطع طرق تمويلها وإن انتهى ذلك وأفضى لإسقاط حكم شرعي ثابت في فقه أهل البيت، بعد التشكيك فيه وزرع الريبة في مصارفه وإدارته، فالنفط والدولة تغني عن الخمس، والهدف النهائي قطع وإنهاء استقلال الحوزة والمرجعية، وإخضاعها للحكومة والدولة، فتتمكن عندها من تحديد مفاهيم الدين وبيان أحكامه، والهيمنة على الملتزمين به وأتباعه… كما جرى على الزيتونة ونزل بالأزهر ووقع في المذهب السني منذ مئات السنين.

نجحت الجمهورية الإسلامية في إخضاع حوزة قم، وبسطت سيطرتها الأمنية والإدارية عليها، سواء تنظيمياً أو على صعيد المناهج والعلوم التي أسقطت المتون التقليدية بما أودى بالدقة والعمق الذي عُرف علماء الشيعة واشتُهروا به، ومن الروح المعنوية والإخلاص الذي طبعهم أبداً مذ كانوا، لصالح سعي وتهافت بل تكالب على “شهادة” تؤمِّن وظيفة وعيشاً كريماً، مضموناً لا ينتظر مدداً غيبياً، ولا يرقب سعي الرزق ووصوله طائعاً، كما لم يطأ أجنحة الملائكة من قبل في فترة التحصيل، وقد غدا “أكاديمياً”.

ومن هنا، انطلقت الجمهورية الإسلامية لاحتلال النجف وإخضاعها… ومضت الخطة كما رُسم لها، فتولت المدفعية الإيرانية (الحيدري وحب الله وميثاق) القصف بعيد المدى، وتولت فرق التخريب وعناصر الطابور الخامس (الآصفي) التوغل وبناء رؤوس الجسور، ومارس (قصير) التضليل وخلق اللبس والكذب والدجل واختلاق القصص والحكايات وافتراء الأحكام والروايات! فإذا دُكَّت الحصون والقلاع بالمدفعية، وانطلت أحابيل الحرب الإعلامية، وأرجفت الأكاذيب في المدينة، وخرقت الأسوار بأحصنة طروادة… جرى إنزال السيد محمود الهاشمي، وتتويجه مرجعاً أعلى وزعيماً للحوزة العلمية في النجف الأشرف.

هذه معركة قائمة بضراوة، ومن ينكرها أو يجحدها إما أن يكون من غير المبالين، لا يعنيه الدين إلا بالقدر الذي يؤمِّن له الانتساب وأداء بعض التكاليف، أو ممن ينعدم فيه الإحساس لفرط الخرق والفدامة، فلا يشعر بما يجري حوله، أو هو جندي مقاتل في جبهة الضلال، ممن يعينه الجحد والإنكار على أداء دوره وإنجاز مهمته دون عوائق ولا مواجهات! ببساطة شديدة، السيد محمود الهاشمي كان رقماً أساساً في هذه الحرب، ويداً وإن بدت ناعمة بقفازات مخملية (على عكس الأخرى الحديدية التي ظهر بطشها في القضاء)، لكنها كانت تعمل لتفتك بالحوزة وهي تجرُّها إلى السيطرة الحكومية.

السيد محمود الهاشمي، الذي كتب رداً رصيناً محكماً في دحض ترهات الحيدري، وكان يشارك في اللطم واقفاً حتى نهاية المجلس، وحظي بتزكية السيد علي الحائري، أحد رجال الولاء المشهود لهم، ومن الذين تصدوا للضلال ووقفوا ببطولة في وجهه… هو نفسه الذي احتضن ودعم حيدر حب الله أحد أخطر العاملين في هدم المذهب الإمامي، وهو الذي أعطى ابن الضال المضل، وكالة تمنحه شأناً من أخطر شؤون الولاية وتخوله طلاق الحاكم! وهو الذي شهد من قبل بالزور حين تعسرت الولادة وأعضل الوضع، فأزرى بتقواه وأسقط عدالته، قبل أن يصيب المرجعية في مقتل. وبعد، فهو الذي رمى النجف وافترى عليها يوم قال:

“وبهذا استطاع صدام أن يقضي على الحوزة في النجف ويخليها من الفضلاء والعلماء، فلم يبق من الإيرانيين سوى عدد قليل، أما أكابر العرب واللبنانيين فبين راحل وسجين، نعم، بقي فيها مجموعة من البعثيين (!). لقد تلقت الحوزة من صدام ضربة لم تتعاف منها حتى يومنا هذا، واليوم بعد مرور أربع أو خمس سنوات على زوال حكم صدام قد يتحدث القادم من هناك عن وجود حوزة في ذلك البلد، لكن الحقيقة أنه لا وجود لحوزة هناك، فقد استأصلها صدام من جذورها وأتى على أساسها”.

ومع كل هذا وذاك، فقد التزمت حوزة النجف الرفق والوقار، ولم تحد عن الهوادة والاعتدال، ولم تجار القوم في ظلم الهجمات ودفع الافتراءات، واكتفت في أغلب الأحيان بالتجاهل والإعراض، حتى إذا بلغ السيل الزبى، أسقطت وكالة جرو تمادى في النباح والعواء، ورفضت استقبال بعض العملاء والأدعياء. ثم تسامت فأبنت الآصفي والشاهرودي في حدود أبقتهم في الأبناء، ولم تنتقم منهم للعقوق، ولا جازتهم بما لاقوها به من جفاء، يضمر المكر والدهاء. ومارست الأبوة كما ينبغي للآباء الكرماء، فاستقبلت عيسى قاسم، لا تفكر فيما جنت يداه، بقدر ما تحمل من همِّ إنقاذ شعب بأسره تورط بسياسة رعناء.

هكذا انتصرت المرجعية وأظهرت المشروع الإيراني (الحداثي) واهياً سخيفاً، مبتلى بضيق الأُفق وحرج الصدر، وراحت تحتضن الأمة في ممارسة أبوية لا تستثني حتى العاقين الذين يحاربونها (ما لم يبلغوا حد الإعلان والمجاهرة بالضلال والعدوان كفضل الله والحيدري) لا تنبذهم ولا تسعى للقضاء عليهم، ففي رحاب المرجعية مَن يطبِّر ومَن لا يطبِّر هم أبناء أعزاء، ومَن يجاهد ومَن لا يجاهد هم أبناء أحباء، ومَن يقلد هذا المرجع أو ذاك هم أبناء أصفياء وأعزة أودَّاء… هكذا اندحر المشروع الإيراني أمام السلوك والأداء، بعد أن سقط من قبلُ أمام الدليل العلمي والحجة والبرهان. بهذا الأداء الرصين هزمت المرجعية البغي والطغيان، وأعادت قيادة التشيع وزمام الأمة إلى قبضة الأمناء الأوفياء، بعد عهود “صيرتها في حوزة خشناء”… فالمشروع الإيراني انكفأ وتقوقع، والتيار الحداثي هوى وانحدر والساحة تصنفه اليوم فئة (صغيرة أو كبيرة) وتياراً (محدوداً أو عريضاً)، بعد أن كان يدَّعي أنه “الأُمة” (والأصل الجامع) ويزعم تمثل التشيُّع وانحصاره فيه، ما يدرج الخارجين عنه في المروق ويلحقهم بالشذود! وقد لا يلتفت لهذه الحقيقة الصاعقة الصغار المنشغلون بالمناكفات، ولا سيما السابحون في الفضاء الافتراضي، المحلِّقون ما شاءت لهم أوهامهم، يبنون جبالاً ويهدمون قلاعاً، يحفرون أنفاقاً ويرفعون سدوداً، كل ذلك على رمال الشاطئ، فلا تلبث أن تزيلها وتودي بها موجة! فالحقيقة المفجعة لقيادة الجمهورية الإسلامية أن مدرسة الحداثة، في الرؤية العامة بعيدة المدى (الاستراتيجية) قد سقطت، وتهاوت بعد صولة دامت طويلاً، انهارت دعائمها، وانكشف خواؤها، وبان وَهنُها، وعادت الحوزة والأصالة لموقعها، وتسنمت في الأُمة مقامها… ولا بأس بعد هذا أن يأنس كاتب بعدم انقطاع راتبه، وتسكن لوعته وفجعته باستمرار الهيكل التنظيمي الذي يلقنه تعاليمه يملي عليه أوامره، فيعالج ضعفه بالانتساب، ويداري فقره بزاهي الثياب… لكن هذا لا يغيِّر من واقع الزعامة الروحية ومحل وجودها الحقيقي، الذي تراه في الحشد وفي زيارة الأربعين وفي الشعائر الحسينية المزدهرة، ثم في استسلام القوم، وهم يلتمسون لرموزهم مشروعية بنعيٍ وتأبين، ويرجون لـ “ثوارهم” خلاصاً بكياسة افتقدوها وحسن تدبير يرشدهم إليه حكيم خبير. هنا زعامة الطائفة والقيادة الحقيقية للأُمة.

والحمد لله على إكمال الدين وإتمام النعمة بولاية أميرالمؤمنين لا غيره ولا سواه.

Posted in

التعليقات