يفتقد السيد السيستاني كثيراً من أدوات القيادة التي يتمتع بها الحكَّام، وتعوزه أمور لا يستغني عنها الرؤساء، فلا أجهزة أمنية ودوائر مخابراتية تعمل لصالحه، وليس في إدارته منظومات خفية وشبكات تجسسية، ولا حتى لجان استشارية، كما يُعدم مراكز دراسات تخصصية ومؤسسات معلوماتية، تزوده بتقارير أخبارية عن الحوادث السرية، وتحليلات ميدانية دقيقة عن الحالة السياسية والاقتصادية، من تلك التي تقدَّم للرؤساء وتُرفع للقادة، تجعلهم يحيطون بالوقائع ويقفون على الحقائق، بعيداً عن تجاهلات أو تهويلات فإملاءات الإعلام، ومنأى عن استدراجات العواطف وتصويرات الأوهام. مما يُعتبر من أوليات صنع القرار، ولا سيما في المواقع العليا، والحالات المنقطعة، مثل التي يعيشها السيد. كما يفتقد ـ دام ظله ـ مقومات أخرى، ليس هذا ظرف إثارتها ولا مقام التنبيه لها…
لكنه في المقابل يمتلك عُملة ثمينة وجوهرة نادرة، ومفتاحاً “سحرياً” يفتح له مغاليق الإدارة ويمكِّنه من ضروب القيادة، ويأخذه لأداء في قمة النجاح وذروة السداد، وكأنه وقع على الإكسير الأحمر في عالم السياسة، والطلسم الذي يبحث عنه الحكَّام وينقِّب القادة، يستميتون للظفر به ويتهالكون على نيله، فلا يبلغون ولا يحظون.
إنه يملك إخلاصاً يفتح له أبواب السماء، وزهداً وترفعاً يذلل له كلَّ الصعاب، وتقوى تأخذ بيده إلى صميم الصواب، وورعاً يبصِّره بعصمة الدماء، من هنا رزقه الله حظاً مضاعفاً، اتقى، فآتاه الله كفلين من رحمته، كما وعد تعالى: “يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به”..
بعد أن حرَسه ورعُه ومنعه زهدُه عن طلب الرئاسة والشهرة والمال والجاه، ها هو يصونه عن التلوث بالدماء، ويحفظه عن تشويه الدين وإسقاطه من أعين الموالين. قد تغلب الحماسة بعض المؤمنين فيطالب بقمع دموي يرجع الأوباش إلى مواقعهم ويردع الدهماء عن غيِّهم، ويصرع الغضب آخرين، فتأخذهم الشدة إلى الدعوة للبطش والتنكيل، فهذا الغوغاء لا تجدي في وقفه رحمة، ولا تنفع هوادة ولين… لكن الأمر يختلف لدى فقهاء الدين والعلماء الربانيين.
السيد السيستاني لا يأبى أن يُهزَم في معركة، على أن لا يخسر الإسلامُ الحرب، ولا يمانع أن يريق ماء وجهه ويفدي نفسه، بشخصه والبرهة الزمنية العابرة التي يعيشها، دون أن تتلوث الحوزة وتتشوه المرجعية، فتظهر كأيِّ طاغوت جائر، يبطش بسلطانه ويقهر بقوة أعوانه! من هنا لم يكن المرجع الديني، الشديد على داعش، إلا رحيماً ورعاً حذراً هنا على إخوانه، فليس المؤمن كالتكفيري، وليس المسلَّح الإرهابي كالسلمي المدني، وإن اندسَّ في الجموع منافقون، وتدثر عملاء وتوغَّل مخادعون، فنحن لا نبدأ بقتال، ولا نقابل الإصلاح بنصرة الفساد. ليسجِّل التاريخ أن المرجعية الشيعية لم تبطش ولم تسفك الدماء، وأن الحوزة الشيعية ما خرجت يوماً أشراً ولا بطراً، بل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الصلاح والإرشاد نحو الفلاح.
وبعد، ففي خطبة الجمعة الأخيرة عبارة ذهبية حقَّ أن تنحني لها القامات وتخضع الهامات، ولا يتهادى بعدها طاغوت أو طاووس بين أذيال تيهه، ويتخطَّى الرقاب مدعياً أولويته! ذلك لما قال: “إنَّ المرجعية الدينية ستبقى سنداً للشعب العراقي الكريم، وليس لها إلا النصح والإرشاد إلى ما ترى أنه في مصلحة الشعب، ويبقى للشعب أن يختار ما يرتئي أنه الأصلح لحاضره ومستقبله، بلا وصاية لأحد عليه”… السيد السيستاني لم ينزِّه هنا الشعب عن السَّفَه الذي يقتضي وصاية، ولا كرَّم الأمة عن التخلُّف الذي يوجب حجراً وولاية فحسب، بل أفسح للمعادلة التكوينية وخضع لإرادة عظمى تحكمها، فللدول والحكومات نهايات، كما للبشر والأفراد آجال، والإصرار على أمر، يحتاج إلى إحاطة بالغيب واستشراف لقادم الأحداث والمقدَّرات الإلهية، مما لا يكون ولا يتوفر إلا في شخص واحد دون غيره، هو الولي المعصوم، الناظر في مصحف أمه فاطمة صلوات الله عليها. من هنا أخلى ـ دام ظله ـ مسؤوليته إلا عن النصح والإرشاد، وأعاد القرار للناس وأرجع الخيار لهم، فلا داعي للمكابرة والعناد، ولا موجب للقهر والإرغام. لم يتجاهل السيستاني ولاية الولي الحقيقي عليه السلام، ولا تطاول وقفز عليها، ولم يسمح لنفسه أو للسياسيين أن يختلقوا العناوين الثانوية والمسوغات الشرعية التي تفسح لهم الضرب بالقبضة الحديدية، ولا استجاب للجموع العشائرية التي زحفت إلى النجف الأشرف تهتف بالثأر وردع المتطاولين. كفَّ الفقيه الإلهي وأمسك، وصبر وتجلَّد، والجماهير تتحرَّق لإشارة من إصبعه، كان يمكن أن تجري بها أنهار من دماء، وتتكدَّس تلال متراكمة من جثث القتلى والشهداء. هناك ولاة وحكَّام باسم الدين والإسلام، لا تتكلَّف ولا تتجشَّم أي عناء في نسبتهم إلى قوله تعالى “وإذا بطشتم بطشتم جبارين”، وهنا نحن أمام آية أخرى تهتف بالانطباق: “الذين إن مكنَّاهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر”.. مكنَّه الله وألقى في قلوب الناس محبَّته وطاعته، فانقادت له طوعاً، فروَّضها وطوَّعها لتكتم جراحها وتجحد غضبها، وتصبر.
نحن نعرف جيداً من الذي يهتك النجف الأشرف ويريد إسقاط مرجعيتها، لمن يعمل وممن ينتقم، وأي حقد دفين يلتعج في صدره، وغلٍّ مكين يفري كبده، نعرف زعيمهم وأذرعه وأياديه وأصابعه، كيف تحركت هناك، ولماذا تكف عن التدخل وردع المعتدين هنا. لا نعتب عليهم ولا نشكوهم إلا إلى ولي أمرنا، الذي سيريهم ويوفيهم جزاء فعلهم نكالاً أشد مرارة من الانهيار الذي يعيشون فيه، والهاوية التي باتوا يترنحون على جرفها.
ستزول هذه الغمة، وتنقضي هذه المحنة، وسيذهب الزبد جفاء، ويبقى ما ينفع الناس. وما زال حديث الإمام الصادق عليه السلام يتلألأ، وتشع أنواره فتعم ذوي البصائر: “ما ولَّت أمة أمرها رجلاً قط وفيهم من هو أعلم منه، إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالاً حتى يرجعوا إلى ما تركوا”.. وسيعود الذين شرقوا وغربوا، كما في حديث أبي جعفر لسلمة بن كهيل والحكم بن عتيبة (من علماء الزيدية): “شرِّقا وغرِّبا فلا تجدان علماً صحيحاً إلا شيئاً خرج من عندنا أهل البيت “، وسيخضعون يوماً ويكتشفون أن “الزيدية المبطنة”، ما هي إلا صيغة أُخرى لـ “الوهابية المبطنة”. ونجي الذين سبقت لهم من الله الحسنى.
التعليقات