بعد القيَم والمبادئ والمثل المقدَّسة، أو قبلها، هناك أماكن وأحداث وأشخاص تضفي عليهم الأديان والمدارس الفكرية والتيارات والأحزاب القداسة. ومَن يفتقد ويُعدَم، يدَّعي ويزعم، ثم يفتعل ويختلق، فتنشأ الأساطير وتقوم الخرافات! لعلَّها ضرورة حركية، تمثِّل طوراً متقدِّماً من “المثال” و“النموذج”، وشكلاً متفوِّقاً من “القدوة ”، تصنع رافداً للزخم العاطفي، وموئلاً يُستقى منه الدفق المعنوي الذي تحتاجه المدرسة وتتطلَّبه الفكرة. وما زال قائد الحركة وشخص الزعيم، يحظى بنصيب الأسد من القداسة المختلَقة، وينال الحظَّ الأوفر من الألقاب والخصائص، تُخلَع عليه المزايا وتضفى عليه الكمالات، حتى يُكرَّس بالكرامات، ويُعمَّد بالمعاجز وخوارق العادات، فلا حركة تخلص من طوباوية تحدوها، ولا مذهب ينجو من نرجسية يغرق فيها، تجعله قابلاً يغلب كلَّ عائق، ومرحِّباً يزيل كلَّ مانع.
لذا ما فتئ “المقدَّس” هاجس كل تيار وحركة، وما انفكَّ مطلَب كل فرقة دينية ومذهب… وهناك جماعات وأحزاب تعاني فقراً مدقعاً على هذا الصعيد، ومذاهب تشكو جدباً وقحطاً، ما زال يكشف فراغاً ويحكي عُرياً وخواءً، ينكأ فيها جراحاً، ويجدِّد أوجاعاً وآلاماً، ومن هنا أُصيبت هذه بمقتل، وعلى هذا النطع نُحرت تلك وانتهت! لا ريب أن ”المقدَّس” حاجة فكرية ثقافية حركية، كما هو روحية عاطفية نفسية… وهذا ما أخذ الأمر إلى الإفراط وألقاه في الإغراق، حتى كان التخبُّط وعمَّت الفوضى على هذا الصعيد. ولو جرى ذلك ووقع من الحركات غير الشيعية والأحزاب غير المنتسبة لأهل البيت، لتفهَّمه المراقب وتقبَّله المحلل والملاحظ، فهي حيلة المفلس العاجز، ووسيلة المعدَم القاصر، وما على المضطر إلا ركوبها… ولكن الشقاء والبلاء أن يعمد إليه ويقع فيه أبناء مدرسة زاخرة بالمقدسات، مفعمة بقمم سبل الاتصال بالغيب، وذرى الارتباط بالسماء، فالشيعي لا يعوزه رمز مقدس، حتى تعمد حركاته وأحزابه إلى اختلاقٍ وافتعال واصطناع، لا في الشخص والرمز وهو يوالي الأئمة الأطهار، ولا في المكان وهو يقصد العتبات العاليات، ولا في الحدث والزمان، ولديه كربلاء وعاشوراء! ولعمري، ماذا حلَّ بالحزبيين، وأي شيطان ركبهم حتى أهملوا كل هذا وذاك، وعمدوا لاختلاقٍ واصطناع؟ لست أدري!
خلال العقود الأربعة الماضية، ترسَّخ خطاب “ثقافي” سقيم للحركة الإسلامية الشيعية، مُغرِق في السطحيَّة، مُفرط في الشعبوِيَّة، يمضي على شفا الابتذال وهاوية السوقية، من الضحالة والسخف ما يبلغ الخُرق والسَّفَه، بعد أن يبالغ في التفاهة والقشرية، ولو قارنته ـ مثلاً ـ بخطاب الحركات اليسارية (حتى بعد اندحار الشيوعية وسقوط النظرية)، لسجَّلت مفارقة وشهدت فضيحة، فالقوم كما يبدو لا يقرأون ولا يدعون للمطالعة ولا يحثون عليها، ولا يسعون للعلم والثقافة بأي نحو، وكأنَّ السطحية والعامية هي ما يؤمِّن الانقياد المطلوب، ويحقِّق التبعية المنشودة! يكتفون، بعد الصحف فيما مضى، بحوارات وسائل التواصل الاجتماعي، ويستغنون بنشرةٍ حزبية وِتر، تغذيهم فاسد الطعام وتلقِّنهم وترويهم من آسن الفكر.
من هنا راجت سوق تعظيم الشخصيات وفشا خلْق المقدَّسات! وكأنها لوثة نزلت بهم، وُضعت فيها الأساطير وراحت تنسُج الأكاذيب، وتُحاك المبالغات وتُخاط لقادتها الأردية والأثواب، فلا تستوي على بدن وقامة، ولا تعتدل بهندام! والناس تسخر من هذا الخلِق المهلهل، والسمِل المرقَّع، وهم لا يشعرون، بل يحسبون الأكذوبة عبرت، والحيلة انطلت!
صارت صلاة الجمعة امتثالاً لله ولرسوله وأهل بيته ولمحمد الصدر، وغدا الالتزام بها وفاءً له خاصة! وأصبحت الخطوط الحمراء في الإسلام، التي لا يجوز تخطِّيها هي: الله والنبي والإمام وآل الصدر!
وراحت الخامنئية تنافس الصدرية، فانقلبوا من دعاء الندبة ومناجاة الحجة المنتظر بـ “أترانا نحفُّ بك وأنت تؤمُّ الملأ”، إلى الأمل بصلاة جماعة بإمامة السيد القائد! فكما كانت السهام تستخرج من جسم أميرالمؤمنين حين ينشغل بصلاته، هذه معزاة دخلت المسجد وراحت تجول بين صفوف الجماعة حتى أضحكت المصلِّين وأبطلت صلاتهم، وبقي الإمام وحيداً حتى أتم صلاته ولم يلتفت لشيء، وعندما سألوه أو حكوا له ما جرى، قال إنه لم يرَ معزاة ولم يشعر بضحك المصلين ولا أحسَّ بانفراط عقد الجماعة! والإمام ليس إلا علي بن الجواد الخامنئي! هكذا تصبح راية عادية للعزاء رفعها السيد القائد حزناً على سليماني، وهي سوداء اللون بطبيعة الحال، تصبح هي راية الخراساني وتكون برهاناً وإثباتاً على هذه “الحقيقة”، بعد إثبات أن “الخال” الذي جاء كعلامة ستكون بيمينه، هو تصحيف “خلة” وعطب! فيخاطب القائد بـ: “يا ابن رسول الله! أنا في الرخاء ألحس قصاعكم، وفي الشدة (الجوع والفقر والحرب) أخذلكم؟ والله إن ريحي لنتن، وإن حسبي للئيم، ولوني لأسود، فتنفَّس عليَّ بالجنة…”، كما خاطب جون سيد الشهداء. ومن زيِّ التفقه وعمامة الحوزة، التي ترمز إلى رسول الله وتنسب للإمام الصادق، تنتقل القداسة إلى شماغ البسيج وكوفية الجهاد، أو كوفية المقاومة الفلسطينية! من علَق الأضرحة والمنابر، وخيوط التبرُّك المأخوذة من أقمشة كسوتها أو المباشرة لهيكلها، المترشِّح إليها بركتها، إلى أوصال قميص الشهيد! ومن تربة كربلاء التي يخرق السجود عليها الحجب السبع، إلى تراب الجبهات في القصير والقلمون!
كنت أحسب أنَّ ما يقوم به رجال الحركة الإسلامية على هذا الصعيد، هو من لوازم الحرب الإعلامية المحتدمة بين إيران وأعدائها، ولا سيما أمريكا، ومن ضرورات التعبئة الدعائية، والربط على القلوب، وما يقتضيه رصُّ الصفوف، وقطع الطريق على الطابور الخامس، ومنع الإرجاف في المدينة… لكن تبين أن رجال الميدان الثقافي وقادة الساحة الإعلامية الموالون للجمهورية الإسلامية، يصدِّقون الهراء الذي يطرحون، ويصرُّون على اللبط والرفس في شباك الأوهام التي تعثروا في حبائلها، والتخبُّط في ما نسجته شياطينهم وصوَّرته مخيلاتهم، حتى ليكبُّوا على وجوههم في مهاوي الفضيحة التي احتفروها، ويتلطَّخوا بصخام المواقد التي أشعلوها.. فلا يأبهون ولا يكترثون!
كما تبيَّن أن كثيراً منهم يؤمنون بخطاب العوام الذي صنع هالات التعظيم والإجلال والتبجيل ورسمها حول القائد الأعظم والولي المفخم، وأنَّه “عليُّ” زماننا أو “حسين” عصرنا! وأن بكاءه في صلاة الجنازة على الشهيد سليماني، هو من الجري والتطبيق العصري لحديث الرضا عليه السلام للريان بن شبيب، لتكون صورته الحالية وصيغته الفعلية: “إن كنت باكياً لشيء فإْبك على سليماني، فإنه المقتول غيلة حتى تناثرت أشلاؤه”. وأن كلَّ الجزع مكروه ما خلا الجزع على سليماني، لذا لا بأس أن تنشد المراثي فيه، وتقام المناحات، ويجري اللطم عليه، لا الرتيب الحزين التقليدي فحسب، بل حتى لطم “الشور” الذي يحكي تمام الفجعة وذروة الجزع!
إن معممي الحركة الإسلامية وكتَّابها وجنودها في الفضاء الألكتروني، ينشرون هذا ويبثونه، يزينونه للناس ويزخرفونه، يخلقون عقلاً جمعياً يهيمن على أبناء الطائفة ويغلب الواقع الشيعي، ثم ينخرطون فيه! كجحا، أو الطفيلي الذي أراد صرف الصبيان من حوله، فكذب وزعم وجود وليمة في طرف، ثم صدَّق كذبته، وراح يسابق الناس إليها ويعدو معهم صوبها!
حتى بلغ واقع الحال بقاعدتهم، والاستخفاف بعقول أتباعهم، ما حكاه التاريخ عن أهل الشام، مما رواه المسعودي، إن رجلاً من أهل الكوفة دخل على بعير له إلى دمشق في حال منصرفهم عن صفين، فتعلَّق به رجلٌ من دمشق، فقال: هذه ناقتي أُخذت مني بصفين. فارتفع أمرهما إلى معاوية، وأقام الدمشقي خمسين رجلاً بيِّنة يشهدون أنها ناقته. فقضى معاوية على الكوفي، وأمره بتسليم البعير إليه. فقال الكوفي: أصلحك الله، إنه جمل وليس بناقة! فقال معاوية: هذا حكمٌ قد مضى. ودسَّ إلى الكوفي بعد تفرُّقهم، فأحضره وسأله عن ثمن بعيره؟ فدفع إليه ضعفه، وبرَّه وأحسن إليه، وقال له: أبلغ علياً أنَّي أقابله بمئة ألف ما فيهم مَن يفرِّق بين الناقة والجمل. ويضيف: ولقد بلغ من أمرهم في طاعتهم له، أنه صلَّى بهم عند مسيرهم إلى صفين الجمعة في يوم الأربعاء. وأعاروه رؤوسهم عند القتال وحملوه بها، وركنوا إلى قول عمرو بن العاص: إن علياً هو الذي قتل عمار بن ياسر حين أخرجه لنُصرته، ثم ارتقى بهم الأمر في طاعته إلى أن جعلوا لعن علي سُنَّة ينشأ عليها الصغير ويهلك عليها الكبير.
أعظم الخطوب وأفظعها هنا، أنَّ النجباء المدَّخرون لإقامة العدل الإلهي، المستضعفون المعدُّون لوراثة الأرض ومَن عليها، النخبة المصطفاة، والكوكبة الواعية البصيرة… تتحوَّل إلى قطيع شامي لا يميز بين نور الشمس وضوء الشمعة! ولا يفرِّق بين الثرى والثريا، ويخلط بين الذرة والمجرة! ثم تزهو الحركة الإسلامية بذلك وتفخر… هذا أخطر ما يمكن أن ينزل بأُمَّة، أن تكون طليعتها والنخبة الواعية فيها، أي العلماء والقادة الحركيين والكتَّاب والمحللين، مرتزقة يستأكلون بإضلال الناس وتسفيه مخاطبيهم. والأخطر من ذلك أن يكونوا هم أغبياء يصدقون هذا الهراء، وسفهاء يحملون هذا الشقاء!
لعمري لو خلَت لهؤلاء الساحة، وقيِّض لهم قيادة الشيعة وإدارة دفة حركتهم، لاضمحل المذهب وتلاشى منذ أمد بعيد، والكلمة الذهبية هنا: لا تثق بحزبيٍّ ألبتة، معمماً كان أم مثقفاً، سياسياً كان أم إعلامياً، عسكرياً كان أم مدنياً… النزعة الحزبية والظاهرة الشامية وجهان لعملة واحدة.
التعليقات