في أروقة البيت الشيعي، والساحة الإيمانية التي تضم الملتزمين وتشمل عموم العاملين بالشأن الديني، صراعٌ ما كان أحدٌ يحسب له ولا يتنبأ بوقوعه يوماً، أن يدبَّ الخلاف بين أبناء المذهب الواحد (الإمامية) على أصل أُصوله، ويحتدم بينهم على أساسه الأول وركيزته الأعظم، ركنه الوثيق وقطبه المنيع: الولاية. يتنازعون في مصاديقها، ويختلفون على أحكامها ومظاهرها. فإذا كان الصدر الأول عانى بعض ضبابية لظروف التضييق والملاحقة والقمع والاضطهاد، وما صاحبها من تقيَّة، ولازمها من ضعف الإمكانيات وعجز الطاقات، وغلبة الجور وعموم الاستضعاف… فإنَّ تعاقب ظهور بعض الدول الشيعية كالحمدانية والبويهية والقاجارية والصفوية، أتاح للعلماء النظر في تراث الأئمة الأطهار، ومكَّنهم من إرساء بُنية علمية متينة حسمت معالم الهوية، وبلورت صورة متكاملة للمذهب. ومع المدِّ المدني الذي اجتاح البلاد الإسلامية إثر الحرب العالمية الأولى، نجحت الحوزات العلمية وتمكَّنت من إتمام تشييد منظومة متكاملة، بيَّنت أسس وطرق بناء المعارف الدينية، ورسَّخت مناهج البحث والتحقيق ونطاق الاجتهاد وطرق الاستنباط، كما أفسحت لكلِّ تطوير وتحديث، يقوم على معطيات علمية، بالتقدُّم ما شاءت له الأدلة ونهضت به الحجج، وقطعت الطريق على أي تطفُّل وانحراف، ووأدت فتن الضلال والإضلال في مهدها، بل أجهضتها وهي حملٌ في أحشاء أربابها.
إذن، ماذا تعني الأزمة الحالية التي تعيشها الساحة الحركية، السياسية والثورية الشيعية، التي تلقي بظلالها ـ في زمن التواصل الاجتماعي والطفرة الإعلامية ـ على عموم الشيعة؟ ما هذه الفوضى التي تُشعِر بل تُخبِر باضطراب في الهوية؟ ما هذا الأداء الذي يتجاهل الثوابت والقواعد، ويتجاوز الأسس والمرتكَزات، ويقفز على البديهيات والمسلَّمات؟! هل نحن أمام فوضى واضطراب وتسيُّب وانحلال؟ أم هو مخاض يريد إعادة بناء معالم المذهب، وصياغة الهوية الشيعية من جديد، لصالح فكر ونهج جديد؟! ماذا وراء هذا الاندفاع في تعظيم الرموز السياسية؟ وإلى أين سيأخذهم إضفاء القداسة على هذا وذاك؟ سواء بخلع الألقاب وعقدالمقارنات وإنزالهم منزلة الأئمة المعصومين، أو بابتداع طقوس وعبادات تناهز الشعائر الحسينية، بل تصادرها، فتنظِّم حلقات اللطم على الزعيم الفقيد، وتذهب في الجزع على مصاب القائد الشهيد! وتقيم المناحة على هزيمة هذا الحزب، والندبة على غياب ذاك الرمز؟!
الحقيقة الخفية على كثيرين، أنَّ أزمة الهوية معضلة متأصِّلة في فكر القوم، ومأزق متقدِّم وسابق في ثقافتهم، جاء مع تأسيس الحركة الإسلامية، ويعود لأيامها الأولى، فهي قامت على نفي المذهبية، حملت هذه الرسالة في جوهر دعوتها، وما انفكت تنادي بها وترفع شعار: “إسلام بلا مذاهب”. فالقوم أبناء جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وأخلاف سيد قطب وحسن البنا، وربائب عبدالهادي السبيتي وطالب الرفاعي، وهناك في الضفة الإيرانية هم امتداد شريعت سنكلجي وحكمي زاده وأحمد كسروي، وأبناء جمال الدين أسد آبادي (الإسم الإيراني للأفغاني!) وتلاميذ علي شريعتي، مع دخول حذر في تصوُّفٍ يعظِّم شمس التبريزي ويقدِّس جلال الدين الرومي. وبعيداً عن الخلط والاصطكاك في النهج السياسي والتيار الحركي الذي يحدِّد انتماء رجال الحداثة، وما يظهر من صراع بين هذا وذاك، فإن المشرب الفكري والمُستقى العقائدي واحد، يلتقي على نبذ الأصالة والقفز على التراث، والأهم الأخطر مصادرة موقع الحوزة في بناء المعارف الدينية، لصالح الحزب والمفكِّر والقائد، تحت ذرائع التنوير والتطوير والإصلاح والتطوير.
إن الحركة الإسلامية (بعيداً عن نظرية المؤامرة، وقراءة تتلقاها ذراعاً للماسونية، ومعوَلاً لهدم الدين الحق)، تختصر رسالتها وتلخِّص أهدافها بنشر القيم الأخلاقية التي نادى بها الإسلام، وتتفق عليها الأديان، كالعدل والحرية والإخاء والمساواة. ثم تحث على التزام الشريعة في مجموع ضروراتها التي تحقِّق الهوية الإسلامية العامة، تدعو للعمل بالأركان، تريد مجتمعاً مصلياً وتالياً للقرآن، ولكن لا يعنيها أسبل المصلِّي أم كفَّر، على التربة سجد أم على مُحاك البساط، غسل قدميه للوضوء أم مسحهما. وكذا الحال في الصيام والحج وزكاة المال وسائر العبادات.
وما خلا ذلك من أصول عقائدية ومباحث كلامية، ودراسة الحديث والسيرة والتاريخ، هو ترف فكري، وفضلة لا تقدِّم ولا تؤخِّر، بل إلهاء أرادنا الاستعمار الانشغال به! فلا قيمة للإمامة خارج إطارها العملي ودورها الحكومي، فإذا تعطَّل هذا لسبب وآخر، التحقوا بالقائد أو بالحزب، واختلقوا “إماماً”، وصنعوا أو صاغوا لأنفسهم عجلاً، لم يعدم الخوار وإصدار الأصوات من هراء التنظير الديني وترهات الفكر الإسلامي! إن التشيع كمذهب عقائدي ومدرسة فقهية وعبادات فارقة، ولا سيما الشعائرية، لا يعنيهم بتاتاً، ولا ينظرون إليه إلا كمُعطى سياسي يراعونه ما دام يخدم المشروع ويوظَّف لصالح الحركة، ولا يكترثون إلا بما يرفد نجاحها ويسعف تألقها. وقبل السلوك والأداء العملي والواقع الذي يشهد بهذه الحقيقة، فإنَّ الباحث لو اطَّلع على مدوَّنات ثقافة حزب الدعوة، ومذكرات طالب الرفاعي، وأعمال صلاح الخرسان، لظهر له الأمر وانكشف بجلاء. وكذا لو وقف على النزاع بل الصراع الذي عاشته الجمهورية الاسلامية بين تيار شريعتي والحزب الجمهوري (الحركيين الإسلاميين)، وبين الفقهاء التقليديين، عند تدوين الدستور حول مادة “مذهب الدولة”، وكيف نافح هذا التيار وكافح، لتجاهُل مذهب الدولة وإلغاء ذكره وتحديده، لصالح الاكتفاء بذكر“دين الدولة هو الإسلام”، وفي المقابل كيف جاهد الفقهاء وقاتلوا، حتى نجح المرحوم آية الله الشيخ مرتضى الحائري في تثبيت المادة، والنص على أن مذهب الدولة هو الشيعي الإثني عشري، حتى إذا فعل، وفرغ من هذا الدور العظيم، استقال رضوان الله عليه من المجلس، وعاد لطلابه وبحثه.
إن دعم فضل الله، وتمكين الحيدري، وتجهيز حب الله، وإطلاق كلابهم المسعورة وإرسالها خلف طرائد الأصالة والولاء، والغطاء الذي تراه يجلِّل رأس كل حامل معولٍ يهدم المذهب، لم يأت من فراغ، ولا جاء عفواً وصدفة، إنه مقتضى الفكر الذي تحمله الحركة والقيادة، ولازمة المشروع الذي يرمون إليه. وكذا ما تراه من إسفاف وإسراف، بل زندقة ونفاق يرفع الخامنئي إلى مقام أميرالمؤمنين، ويدرج نصرالله في مرتبة الحسين، ويفسح لصعلوك يقبِّح البكاء وينفيه عن سيد الشهداء، وإن كان على مثل أشبه الناس خلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسول الله، ثم يخرس ويبكم حين بكى الخامنئي على سليماني! ويرفع مرتزقاً جاء بما تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّاً، أن دعا للرحمن ولداً، فغرَّد بأن سليماني ابن الله! هكذا صار بغل لا يفرِّق بين العيال والأبناء مُستقىً لمعارف الدين في هذه الفرقة، ورافداً لمعالم الولاء في هذا التيار، وكأنه يعاني في التملُّق نقصاً ويشكو شحاً! فراح يدفعه نحو الإغراق ويقذفه في التهتك ويلقيه في اللأواء، ويزيد نغمة في طنبور الشقاء.
لقد بلغ الأمر حدوداً خرافية من العبث والتزييف والخلط والتشويه، تركت شبابهم في ذهول وحيرة، فلا يكاد يفقه حديثاً، كيف وقد صارت سيرة قاسم سليماني وخصوصياته مادة يُمتحن بها طلاب المدارس! فيُسألون عن تاريخ ميلاده؟ واسم الفيلق الذي عينه ولي الأمر قائداً له؟ ورتبة الوسام الذي تقلَّده؟ ثم تاريخ ومكان استشهاده؟ وصاروا مطالبين بإنشاء أسطر يكتبونها عن شخصيته وحياته؟ والمساكين لا يعرفون شيئاً عن الكاظم والصادق أو الهادي أو الجواد، ومَن سيُسألون عنهم في القبر والمعاد! فإذا فرغ الشاب من المدرسة، تلقفته الأنشطة الدينية، وحملته الهيئات الحزبية ليلطم على وقع: “يا أشتر السيد علي ما سرُّ هذا المقتل”، ويتغنَّى بمقولة السيد: “بلا راس كالحسين، وبلا كفين كالعباس، والجسد إرباً إرباً كالأكبر”. حتى إذا قضى وطره، أو قضوا منه وطرهم، وفرغ من وصلة الحماسة وجرعة التخدير هذه، لاحقته لوحات ترسم شخصاً يحكي سيد الشهداء يعانق سليماني، وهي لوحة كانت بالأصل لعلي الأكبر والعباس، فاستُبدلا بقاسم سليماني!
عندما أراد الشاه أن يُفقد الثورة ركناً أصيلاً من أركانها،، وأن يوجع قلب الخميني ويشغله بمصابه عن ثورته ونشاطه، عمد لقتل السيد مصطفى الخميني بدسِّ السمِّ، لكن السيد الخميني تلقَّى الأمر كطود شامخ لا تهزه العواصف، حتى أنه لم يذرف على ابنه دمعة! وقد احتال تلاميذه وأصحابه الذين كانوا يرون تراكم الآلام على قلبه، ويشهدون احتباس الغصص في صدره، فصاروا يتعمَّدون ذكر مآثر الشهيد وفضائل الفقيد أمامه علَّه يبكي شيئاً فتكون له سلوة، فلا يفلحون. حتى أوصى أحدهم الخطيب الذي يرقى المنبر في بيت السيد، أن لا يتعرض في مجلسه للشهيد سيد مصطفى البتة، ويوقف خطابته على سيد الشهداء فحسب، يذكر مصابه على الطريقة التقليدية، وبالتلقائية المعهودة في هذه الطاعة الجليلة والعبادة العظيمة… عندها، انفجرالخميني بالبكاء واسترسل في الفجعة والجزع!
في مصباح الكفعمي، “أن السيدة سكينة قالت: لما قتل الحسين اعتنقته، فأُغمي عليَّ، فسمعته يقول: شيعتي ما إن شربتم ريَّ عذب فاذكروني، أو سمعتم بغريب أو شهيد فاندبوني”… تعال الآن وانظر إلى المأساة: بكى الخامنئي على سليماني، فصار بكاؤه هو المصيبة! نظمت فيها الأشعار، وأقيمت الندبيات واللطميات، وما زال المرتزقة يتنافسون، والسفهاء يتبارون في إبكاء الناس على هذا المصاب… هل عرفتم كيف تضيع عاشوراء وتطمس كربلاء؟!
التعليقات