“ولا تصعِّر خدَّك للناس ولا تمش في الأرض مرَحاً إن الله لا يحبُّ كلَّ مختال فخور”…

هذا مشهد له مسرح يظهر عليه، ومن ورائه خلفية تُبرزه وتُلفت إليه، وهذه محاولة متواضعة لعرضه من زاوية أخرى، مهملة أو مغفول عنها، وسعيٌ يريد توجيه النظَّارة المستوين على مقاعدهم في القاعة، والتأثير عليهم بما يصرفهم عنه، ويأخذهم إلى غير ما يريد المخرِج والمعدُّ والمنتج! فتحول أجواء حاكمة وأضواء ساطعة وموسيقى صاخبة، دون ذلك، فيبقى المشهد يستنزف المشاعر، ويستبيح الأفكار، ويهتك العقول. إنما هي محاولة، ليست بائسة يائسة، ولا عابثة، بعد أن عزَّ الإصلاح، ولكنها ثائرة طائشة، لا تروم هدفاً محدداً دون إزاحة ستائر الغرف الخلفية السوداء (الكواليس)، وخلع الألواح وإسقاط خشبة المسرح (الستيج)، ولا تقصد غرَضاً بعينه دون إقفال القاعة أو تقويض هذا البناء، الذي بلغ الغاية في قلب الحقائق والنهاية في تشويه الدين…

مع إن الأمر في تبني بعض الشعارات السياسية وتسويق جملة من المقولات “الدينية”، يظهر أشبه شيء بالدُعابة والطرفة، وأقرب إلى الهزل والمزاح منه إلى الجدِّ والصدق، والقضايا الهادفة الرصينة، ذلك لفرط وهيها وضعف أدلتها ووضوح بُطلانها، كأن حمَلتها يعبثون ويتفكهون.. لكن مع ذلك، تجد أربابها، الذين استخفهم فرعون فأطاعوه، فراحوا يسخرون من أقوال موسى ويضحكون من آيات الله (ولكلِّ عصر فرعونه وموساه، أو نزعته الفرعونية وحالته الموسوية)، صاروا اليوم يصدِّقون “قابلة” تولَّت والدة السيد الخامنئي، نقلت لهم أنه لما سقط من بطن أمه هتف: يا علي! ويسلِّمون لـ “غسَّال موتى” حكى لهم أن الشيخ مصباح يزدي فتح عينه لما خاطبه الرجل وطلب منه الشفاعة! ويقرُّون لدجَّال يخبرهم أن قائدهم اكتفى من دنياه بثوبيه، للشتاء واحد وآخر للصيف!.. وهؤلاء، كانوا حتى الأمس القريب، بل ما زالوا، ينفون المعاجز والكرامات التي تنسب لأئمة الهدى عليهم السلام، يشكِّكون في أحاديث ترويها، ويسقطونها عن الاعتبار! إغراقاً في “التعقُّل”، ونزولاً على الفكر، وحذراً من العصرنة أن تعيب رجعيَّتهم، وخوفاً من “التنوير” أن يؤاخذهم على تخلُّفهم!

في هذا السياق السقيم تمضي مقولات الثورة المتفجرة، والنضال المستمر الدائم، الذي لا يتوقف حتى يزيح الظلم وينهي الجور ويحرِّر كلَّ أرض، تصاحبها مزاعم القوة الخارقة ودعاوى القدرة القاهرة، وكلها تحت راية ضلال وقيادة باطلة… وما زالت الأنا تتضخم، والمأساة تتفاقم، والبلية تتمكَّن، فتترسَّخ الصورة ويستحكم الجهل، في فكر الجمهور وضميره، حتى يقوم من مقاعده ويشارك في الرقص، على إيقاع المسرحية السمجة التي تُعرض، والوصلة الماجنة التي تغنَّى، ويلحق ـ من القاعة الموبوءة ـ بالمشهد، ويجعل الحياة كلها مسرحاً لأدائه الهزلي… فقد أصبح هذا الوهم (وهم القوة الخارقة والثورة الدائمة)، ركيزة إعلامية للجماعات الإيرانية، وغدا ثقافة لهم وهوية، وعقيدة نضالية أو قتالية، وفقاً لمتطلبات الزمان وشرائط المرحلية!

هناك مَن يعتقد أنه الذي حمى حرم السيدة زينب عليها السلام، وعلى يقين أن حزبه هو الذي ردَّ الغزو والهدم الذي كان يتهدده! وأنه بلا ريب سيحرِّر القدس والأقصى، لا يعوقه إلا صدور الأمر! وما زال يدرج نفسه في المجاهدين الثابتين المستجيبين لنداء الواجب المقدَّس، ويُلحق غيره بالمتخاذلين الفارين من الزحف، الذين أخلدوا إلى الدنيا واثَّاقلوا إلى الأرض، حين أخلوا الميدان وانصرفوا لطقوس عبادية وشعائر شكليَّة (بكاء ولطم وجزع وندبة)، إن لم تؤخِّر النصر، فهي لا تعينه ولا تعنيه من قريب أو بعيد!

إنَّ التباهي بالبأس والقوة والشوكة، والفخر بالنصر والقهر والغلبة، والزهو بالسلطة والملك والسطوة، والاختيال بالغنى والاغترار بالثراء والمال، كل هذا مجتمعاً يلحقه لازمٌ، هو جحد الغيب وعدم الإيمان به أو الإذعان له، وإنكار وجود ملك أعظم وقوة أكبر، متفوقة عليه وقادرة على هزيمته وإرغامه، وفقاً لمقولة وحالة: “ما أظن أن تبيد هذه أبداً”… هذا الجحد والإنكار وذاك التباهي والطغيان، ليس حالة جديدة في النهج الضلالي، ولا مقولة محدَثة وفكرة مبتكرة في منهج الإغواء وسبيل الإضلال، بل هي متقدمة سابقة، وما زالت متكرِّرة حاضرة، من قارون الذي خرج على قومه في زينته، فأغوى أرباب الحياة الدنيا الذين راحوا يرجون مثلما أوتي! إلى بلقيس، التي لم تكن خبيثة شريرة، بقدر ما كانت معتدَّة بنفسها، مزهوَّة بمُلكها وقوتها وشديد بأسها، ثم فرِحة بهديتها! فوقع به وبداره الخسف هناك، ونُكِّر لها عرشها هنا فتاهت، وما عادت تدري أين صارت، وما الذي تطؤه قدماها، تحسبه لجَّة، فكشفت عن ساقيها! إن جحد المعجزة، وإنكار الآيات الحقة، والعمل بالتفسير الطبيعي للظواهر، ورفض الأخذ بغير المحسوس المشهود.. سيرة في الضالين لا تتخلَّف، وسُنَّة في الحداثويين الماضين على نهجهم لن يتركوها، أخبر بذلك الله نبيه حين طالبوه بأن يفجر لهم من الأرض ينبوعاً، أو يجري في مكة مثل أنهار الشام وينبت مثل جنانها، أو يسقط عليهم من السماء كسفاً، أو غير ذلك من المعاجز التي تثبت وجود الغيب وارتباطه به، وأنهم سيُؤوِّلونها ويتحايلون عليها، ويدَّعون أنها عوامل جوية تراكم بسببها السحاب، وصار بعضه فوق بعض، فهوى لثقله! “وإن يروا كِسفاً من السماء ساقطاً يقولوا سحاب مركوم”.. لن يذعن هؤلاء إلا لما توحيه لهم شياطينهم، لن يؤمنوا بآية ولن يصدقوا بحديث. وكذلك الأمر في تعظيم كبرائهم، كانوا يتخذون أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، وهم اليوم يتخذون زعماءهم وقادة أحزابهم أولياء من دون الحجة.

إنه ـ ببساطة ـ الاستكبار، والغطرسة والاستعلاء. هذا ما استدرجهم وأملى لهم وبلغ بهم ما بلغ حتى زعموا أنَّ الحوثي أو نصرالله لو كان حاضراً في كربلاء، لتردَّد الحسين في منح رايته لأبي الفضل العباس!.. أن تتمهد الأرضية وتفسح الأجواء وتسمح بنشر وتداول حديث الزنادقة، في أوساط المؤمنين، فهذا من تبعات وتداعيات الغطرسة والكبر الذي باتوا فيه يعمهون، وما هذا الخطَل والوسواس الذي بثَّه هذا اللعين ونشره، إلا خطاب العلمانيين اللادينيين الذين لا يميزون المقدسات ولا يعرفون معايير السماء، وطالما قابلوا بهذا الهراء المؤمنين وأهل الولاء. وقد حمَله هذا الشقي، لتتنكر له كل قيمة وكرامة وشرف كان يحمله يوماً من هوية انتسب إليها..

لا أعرف القائل الخبيث، ولا يهمني شخصه، ولكني أعرف تكليفي تجاه عظمة أبي الفضل وقدس مقامه، الذي وقفتُ على جانب منه مما قاله سيد الساجدين عليه السلام: “إنَّ للعباس عند الله تبارك وتعالى منزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة”، من هابيل وشعيا وزكريا ويحيى وإدريس إلى شهداء بدر وكربلاء، وما بينهم مما لا يعلمهم إلا الله، كل هؤلاء يغبطون العباس على مقامه ومكانته. وأعرف الخفر والخطر مما حكاه صادق آل محمد، في زيارته: “سلام الله وسلام ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين وجميع الشهداء والصديقين.. أشهد لك بالتسليم والتصديق والوفاء.. فجزاك الله عن رسوله وعن أميرالمؤمنين والحسن والحسين أفضل الجزاء، بما صبرت واحتسبت وأعنت، فنعم عقبى الدار”… ومن سيرة حملت آلاف العلماء على الخضوع والتذلل، والشعراء على الإبداع، والصلحاء على التشفُّع والتوسل، علَّهم يحظون منه بنظرة والتفاتة، ومن جوده بعطية وكرامة.

وبعد، فالأمر في عالم الحقائق، هو ما يحمله قلب عالم الإمكان وقطب رحى الوجود وإمام العصر والزمان من حب لعمِّه قمر بني هاشم، وغيرة وحرص على منزلته ومقامه، وما يعتريه من أذى وغضب على من يتطاول عليه ويغمضه حقه، وأنا لا شأن لي بغيري، ولا أُلزم أحداً بتشخيصي للحوادث وتقييمي للخطوب وكيفية التفاعل معها واتخاذ المواقف إزاءها، لا أعرف أعذار الناس، ولا سيما العلماء والصلحاء، فهم أدرى بتكاليفهم تجاه ربهم وإمام زمانهم. ولكنني كنت أسابق نفسي في كتابة هذه المقالة، لأفرغ ذمتي، أخشى أن أتأخر شيئاً فيكون ذلك تباطؤاً وتخاذلاً وتقاعساً، فلا أدري كيف فرغت منها وأتممتها، لأختمها بأن صدوراً تتردد فيها أنفاس يحتبسها “ترامب”، يأتي “بايدن” ليعيد إليها الحياة، ويطلقها فتتنفس الصعداء، لا يمكن أن تبلغ معشار ذرة من بأس العباس وشجاعته، الذي يجملها قول الشاعر: قسماً بصارمه الصقيل وإنّني، في غير صاعقة السما لا أُقسم. لولا القضا لمحا الوجود بسيفه، واللّه يقضي ما يشاء ويحكم. والأمر ليس طفرة ظهرت في فورة كربلاء، بل خلْق وخلُق وسيرة، ففي بعض أيّام صفّين خرج من جيش أميرالمؤمنين فتى منقَّب، تعلوه الهيبة، وتظهر عليه الشجاعة، يقدَّر عمره بسبع عشر سنة، يطلب المبارزة. فهابه الناس، وندب معاوية إليه “أبا الشعثاء”، فقال: إنَّ أهل الشام يعدونني بألف فارس، ولكن أُرسل إليه أحد أولادي. وكانوا سبعة، وكُلَّما خرج أحدهم قتله، حتّى أتى عليهم، فساء ذلك “أبا الشعثاء” وأغضبه، ولمَّا برز إليه ألحقه بهم، فهابه الجمع ولم يجرؤ أحد على مبارزته، وتعجَّب أصحاب أميرالمؤمنين من هذه البسالة التي لا تعدو الهاشميين، ولم يعرفوه لمكان نقابه، ولما رجع إلى مقرِّه دعاه أبوه عليه السلام وأزال النقاب عنه، فإذا هو “قمر بني هاشم” ولده العباس عليه السلام.

إنَّ شوكة أو سنّاً في مهماز كعب حذاء العباس، نخس بها بطن دابته، وهو ينفر بها ليقحم المشرعة، تعادل ألف نصرالله بلحمه وعظمه وعمامته وعباءته، وعشرة آلاف حوثي، ولا مفهوم للعدد هنا.

وآخر دعوانا اللهم لا ترفعني في الناس درجة إلا حططتني عند نفسي مثلها، ولا تُحدث لي عزاً ظاهراً إلا أحدثت لي ذلة باطنة عند نفسي بقدرها. أدعو السيد حسن أن لا يبات ليلته قبل أن يتوب وينيب، وأن يخرج فوراً ليستغفر علناً ويتبرأ من هذا الزعم، وأرجو أن لا يستخف عقول مخاطبيه بعدم هيمنته على ما يقول الأتباع ويكتبون.

Posted in

التعليقات