بعد مئة عام من العزل السياسي والعقاب الاستعماري، بكل الويلات التي لازمته والنكبات التي صاحبته، يبدو أن المقادير تتهيأ الآن والأسباب تنتظم ليعود عراق العتبات المقدسة إلى موقعه الصحيح، ويتسنَّم مكانته المستحقة، المستمَدة من تراثه وطبيعته وسكَّانه: جوهرة تاج الإسلام، وواسطة عقد التشيُّع، ونظام قلادة الفخر والعزِّ والكرامة.

والقضية تعود إلى نحو قرن مضى، في حدود عام ١٩١٨، حين وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها على معاهدة سايكس بيكو، التي تقاسم من خلالها الحلفاء الحصص، ووزعوا مناطق النفوذ من تركة الخلافة العثمانية المنهارة، ورسموا خارطة جديدة للشرق الأوسط، تكفل دوام نفوذهم وهيمنتهم،،، ويبدو أن “الخارطة” التي كان يُعدُّ لها ويجري تحضيرها منذ سنوات قبل إقرارها واعتمادها ثم تطبيقها، طالها التغيير والتعديل مرات عدَّة لأسباب مختلفة، منها الثورة البلشيفية التي أسقطت القيصرية وجاءت بالشيوعية، فقلَّصت حصَّة الروس، وحرمتهم حلمهم القديم في المياه الدافئة. ومنها ثورة العشرين في العراق، التي أزاحت القلم وأدارت الخطوط، لترسم واقعاً يتجاهل الأغلبية الشيعية لسكان البلاد، ويمنح حكم العراق للإخوة السنة! كثمن يجب أن يتحمَّله الشيعة بسبب ثورتهم وما نال بريطانيا العظمى منها،، وما برح الشيعة يدفعون الثمن ويتحمَّلون العقاب منذ مئة عام! ولم يقتصر الأثر على العراق فحسب، بل يقال أنه طال الشيعة في بلاد أخرى كالبحرين وخوزستان الشيخ خزعل وغيرها، ولم يُستثن من ذلك إلا إيران، لتمرُّس الحكم الشيعي فيها وتناغمه مع الهوية الراسخة للشعب، ما خلق جذوراً ضاربة في العمق، لا يمكن اقتلاعها، ثم لتعهُّد أُخذ على “رضا خان” بمسخ الهوية الدينية وطمسها، في حالة شبيهة بما تعهد به كمال أتاتورك في تركيا. كان الإنكليز في حيرة شديدة بلغت الذهول من موقف الشيعة في الدفاع عن دولة (العثمانية) طالما ناصبتهم العداء، وأمعنت في ظلمهم واضطهادهم، وأسرفت في التنكيل بهم، لكنهم أبوا إلا نصرتها والدفاع عنها تحت عنوان الحكم الشرعي الذي يقدِّم السلطان المسلم، على المستعمر الكافر!

بعد مئة عام من النوائب والكوارث، والصروف والقوارع، شاءت الأقدار لطغيان صدام وحماقته، أن يندفع في لحظة سُكر وغطرسة أعمته عن أي فطنة ونأت به عن كلِّ كياسة، ليغزو الكويت، ويقدح بيده شرارة حريق لم تخمد نيرانه إلا على إسقاط النظام البعثي، والإفساح لحكم شعبي أكثري، سيكون ـ لا محالة ـ شيعياً،،، وهذا ما تحقق ووقع، ففي غفلة من الزمن، وخلسة كأنها باغتت القاصي والداني، حلَّ “بديل” شيعي كنظام جديد يحكم العراق، لكنه كان ضعيفاً هزيلاً مترنحاً، ما فتئت الضربات تتلاحق عليه، فيعثر في مطب ويسقط في حفرة ويهوي من جرف، من التنافس والتجاذب الحزبي، إلى الفوضى الإدارية والفساد المالي والنهب الهمجي، إلى الفصل السابع والولاية الدولية التي تقلِّص السلطة وتحول دون بسطها، إلى داعش والإرهاب التكفيري، وهو فصل الختام الذي أُعدَّ كخشبة “خلاص” يُصلب عليها هذا “البديل”، وكأن المحيط تسالم على اعتباره طارئاً “مؤقتاً”، ويعود الحال بعد حين إلى نظام سني علماني يلتقي عليه التوافق الإقليمي مع القرار الدولي، ليستقر العراق عنده وتنتهي الاضطرابات السياسية والأمنية…

وفي المقابل، كانت المرجعية هي الأب الراعي لهذا النظام الفتي والحكم الناشئ، والطبيب المعالج لأمراضه وآفاته، والمرشد الحكيم الآخذ بيده والمقيل عثراته، والعضد المغيث الذي ما انفك يُنجده وينقذه! يشدُّ من أزره في الأزمات، ويسند خوَره ويقوِّم أوَده في الملمَّات، ويحكم تضعضع مفاصله ويُنبت مخضود شوكه ويجبر مفلول عزمه، ويستر على مهلهل ثوبه، ويداري عريه، يخلع عليه ويلبسه حُلَّة الدستور، ويمنحه بأس الانتخابات وقوة التمثيل النيابي، ويضفي عليه مشروعية قانونية تغرس قدمه في أرض السلطة وتثبِّته كنظام ودولة.. وما زال المرجع الأعلى في هذا، يرعى الدولة ويدفع عنها ويحميها، حتى جاءت الفتوى التاريخية بجهاد داعش، لينهض الشعب وتُرفع راية الحق، تنتشل الدولة من الانهيار الذي كانت تترنح على شُرُفه، والعالم ينتظر بين ساعة وأُخرى إعلان سقوط بغداد!

هكذا مضى الأمر حتى وصل الحال إلى ما هو عليه اليوم… ليأخذ السيد السيستاني الدولة العراقية ويدخلها في طور جديد، ومرحلة تشكل منعطفاً تاريخياً، ينتقل بالعراق إلى عهد غير مسبوق من النصر والظفر والفتح والاستقرار والأمن والرفاه، لا يصلح لها عنوان أكثر من قوله تعالى: “اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشونِ”…

إن زيارة البابا تحمل معطيات وتخترن نتائج سوف تظهر تباعاً وتنكشف للملإ بالتدريج.. إن أمر القيادة الروحية والزعامة الدينية وحسمها لصالح السيد السيستاني ومرجعيته، صفحة طويت وكأنها تحصيل حاصل، فرغ منها الشيعة وانتهى الأمر فيها وتم، لصالح اعتراف دولي شيعي سني مسيحي، وعلمي سياسي ديني، يمتثل بين يدي السيد ويلقي القياد لزعامته الروحية ودوره القيادي.

وها هو الفتح ونصر الله الأكبر يلحق في تكريس العراق في نظام حُكمه بلداً شيعياً، يحتضن باقي الطوائف والأديان في تواد وتراحم ومحبة ووئام. إن الزيارة البابوية تعني فيما تعني النزول والاعتراف بالهوية المذهبية الجديدة للنظام العراقي، وتحمل إشعاراً على توافق دولي وتسالم عالمي ينهي النزاع ويحسم الخلاف على هذا الصعيد لصالح هذا الخيار. إن المُعطى الاستراتيجي الأخطر الذي يخلص من زيارة البابا للمرجع الأعلى، هو تحديد الهوية المذهبية للنظام ولشخص الحاكم في العراق، وأن ذلك بات أمراً نهائياً ومحسوماً لصالح الشيعة.

والقلوب تتوجه من بعد، والآمال تنعقد وترجو، أن يلحق ذلك، نجاة إيران من الحصار وتخليصها من البلاء، والعمل على بنائها أو الإخلاء أمامها لتبنى دولة قوية ناجحة، وبلداً آمناً مزدهراً، وشعباً عزيزاً كريماً، ينتخب قيادته بحُرية، ويختار دولته التي يرتضي، ونظام الحكم الذي يصلح حاله ويحقق له الأمن والرخاء، في كنف العدالة وظل رعاية الشريعة الغراء.

كثيرة هي البطولات والحماسات، ولكن الانجازات قليلة، قد يُظهر المؤمن بأساً وبسالة وشكيمة، ويسطر ملاحم عظيمة، ويسجِّل إقداماً وتضحية، ولكنه لن يحقق إنجازات جليلة، ولا نجاحاً ملموساً وفلاحاً مشهوداً، إلا إذا عمل تحت راية تمثل امتداداً للولي الحق، وفي طول قناة الفيض الإلهي وقطبها الحجة بن الحسن صلوات الله عليه… لا شك أن لجماعة إيران تضحياتهم وبطولاتهم، ولكن أين هي إنجازاتهم؟! لن تجد شيئاً على هذا الصعيد، إلا “زيادة في مكروهنا وشيعتنا”، وضجيجاً يملؤون به الدنيا ويشغلون الرؤوس الفارغة والعقول القاصرة والأفهام الساذجة.. إن الإنجاز والانتصار لا يكون إلا بفضل من الله وإنعام، وعبر وليِّ الأمر حقاً، إمام العصر والزمان، والشعب العراقي ما برح معظِّماً شعائر الله وناهضاً بواجبه تجاه أئمته، عزاءً وزيارةً وخدمة وحُرمة، لا يستبدلها بمهرجانات خطابية وأناشيد وحفلات موسيقية، ولا يستبدل بهم ـ صلوات الله عليهم ـ زعامات سياسية ورموزاً ضلالية… هذا هو سر الفلاح وإكسير النجاح، والتخلي عنه هو مجلبة الإخفاق وعلَّة الفشل، وما يتردى فيه من يفعل.

ويبقى بين أولئك وهؤلاء، بين مجرَّد التضحية والبطولة، ودفع الأثمان بلا طائل ولا مردود، وبين أداء حكيم يفضي إلى النجاح والإنجاز… هناك “رجال لقصعة وثريد”، تافهون، لا عطاء وبذل، ولا نتاج ونصر، إنها مرجعية الصوَر واللقاءات والزيارات، تتقطَّع حسرة وتتلوَّع حسداً وكمداً، تبكي حظها على فوت صورة مع البابا فرنسيس، ومادة تؤلف حولها الأكاذيب وتنسج الأساطير!

Posted in

التعليقات