“ولا تتمنوا ما فضَّل الله به بعضكم على بعض، للرجال نصيبٌ مما اكتسبوا وللنساء نصيب”… هذه الآية الشريفة أعقبت مِنحة وكرامة إلهية كبرى، وبشارة بفضل وعطاء عظيم جاء في قوله تعالى: “إن تجتنبوا كبائر ما تُنهون عنه، نكفِّر عنكم سيئاتكم ونُدخلكم مُدخلاً كريماً”، فكأنها علَّقت هذه على تلك، أو أرادت بيان نموذج للكبائر، أو ذروة “كبائر ما تُنهون عنه”، ثم تعود الآيات لتقرِّر “الفضل” المُتمنَّى أو المحسود وتؤكده، في قوله: “الرجال قوَّامون على النساء بما فضَّل الله بعضهم على بعض”… وناهيك بأنَّ هذا التمنِّي والطمع يُسقط مرتكبه ويُبلي حامله بذنب روحي عقائدي، لا مجرَّد عمَلي سلوكي، حين يأخذه إلى ابتداعٍ وافتراءٍ يجعله في مواجهة السماء، ما يحرمه الكرامة والغفران وتكفير الذنوب.. ناهيك عن ذلك، فإنَّ هذا الطمع يوهن العقل ويمحقه، ولا يُبقي منه، وهو ملاك التفضيل، حتى على قدر ضئيل، ففي نهج البلاغة: “أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع”. تراه يريد الردَّ على رواية: “النساء نواقص إيمان وحظوظ وعقول”، أو الالتفاف عليها وتأويلها، بما يفرغها من محتواها، ويقفز على مدلولها والمتبادر من ألفاظها وحجيته… فيُصرَع ويهلك، ويلقيه الكِبْر في الزندقة، وينتهي به الطمع والحسد إلى الخروج من الدين!

لا شيء أفظع من “قال الله وأقول”، ولا أكثر هولاً من التعدِّي على النظام الأتم وخرق الناموس المُنزَل، ولا أقبح وأشنع من تحدِّيه تعالى في سنته وفطرته وخلقه، “فطرة الله التي خلق الناس عليها، لا تبديل لخلق الله“، فالذنوب التي تعود في علَّتها إلى عامليِّ الجهل والهوى ضربان، الأول: ترك الأوامر واقتراف المناهي في العبادات والمعاملات، والآخر الأخطر، هو الابتداع والافتراء على الدين، أن يقوِّل الآثمُ اللهَ ما يبرِّر لجريمته، يفرغ أمر ربِّه من واقعه وحقيقته، ويسلب عنه كنهه وجوهره. فبدل أن يعتذر عن وقوعه في الزنا أو السرقة أو ترك الصلاة والصيام بجهله، أو بطغيان شهوته وغلبة الطمع في اللذة عليه، تراه يبرِّر لذلك بالافتراء على الله والابتداع في دينه، والدعوى أنه تعالى لم يأمر بهذا ولم ينه عن ذاك! يسلب عن فعله الجاني ماهيته ويفرغ تركه الآثم من حقيقته، فيزعم أنَّ ما فعله لم يكن الزنا، فالطرف الآخر على خلاف مع زوجه، وقد طاوعه ولم يُكره عليه، جاعلاً للزنا قواماً هو الاغتصاب، أو أن ما تركه وأغفله لم يكن “الصلاة”، إذ هي علقة قلبية و”صلة” نفسية يؤديها بالتأمل مثلاً، ولا ضرورة للأفعال والأركان والشكل الذي هي عليه في الشريعة، وأنَّ ما هتكه وأفسده لم يكن “الصيام”، فهو نسك آخر يختلف عن ترك الطعام والشراب والمفطرات! إنَّ العبث في العقائد والمفاهيم الدينية، والقفز على مداليل القرآن والسنة، وقلب مسلَّمات المذهب وضرورات الدين، إلى مقولات توافِق العصر، وتنسجم مع ثقافة الغرب، وتحاكي ما تقدِّمه وترفعه منظومة “الإصلاح الديني” من شعارات: التنوير والعدالة والحرية والإخاء والمساواة، هو أخطر من مقارفة الذنب ومفارقة الطاعة بأضعاف مضاعفة.

ومما يأتي في هذا السياق، ويشكِّل واحدة من المواقع المفصلية والمحطات الرئيسة في هذا الميدان: العبث بدور المرأة ومكانتها. فهو من المعارك الشيطانية الكبرى، والجبهات التي تحتشد فيها الأبالسة ويستميت أولياؤهم، يريدون إلغاء التفضيل أو التفاوت بين الذكر على الأنثى، والقول بالمساواة بين الرجل والمرأة! ولعلَّ الهدف الخفي المضمر للشياطين، والمتقدِّم خطراً على الإغواء والإفساد الأخلاقي والتفكك الأسري، هو إغلاق المؤمنين باب الرحمة الإلهية بأيديهم، وحرمان أنفسهم “مُدخلاً كريماً”!

دع عنك خرعين متميِّعين، أنصاف رجال، خاضعين لسطوة المرأة، ومتنازلين عن ولايتهم وقيموميتهم، لسليطة متمنِّعة، وشدَّاقة مسترجلة، استخفته فأطاعها، واسترقته فرهن نفسه لها، فهذا ضرب خارج تخصصاً، فلا رجل في البين ليتفوَّق ويفضُل أو لينحدر ويسفُل… إنما الكلام في التنويريين (الماسون)، يلحقهم سذَّج مبهوتون، وحمقى مبهورون، فدام بلداء، صلمعة بن قلمعة وهيان بن بيان، وخوضهم في أمر المرأة وشأنها، وهم هنا في تخبُّط وتيه، بين دجالين خلعاء يغوون النساء، يبتاعوهن بمعسول يدغدغ مشاعرهن، ويناغي واهي عقولهن، فيصدِّقنه وينزلن عليه، فيخرجن إلى بيع محاسنهن للنُظَّارة والمتفرِّسين، والاتجار بجمالهن للمتذوقين والملتذين، ليصبحن بعد حين، سهاماً في كنانة إبليس الرجيم… وبين متطلعين لصيت وشهرة، وطامعين لرفعة ونجومية، خُطَّ دون بلوغها الوقوع في هذا العبث، وكُتب على أربابها الانخراط في هذا الفجور والخوض في الخبث، واشتُرط لنيلها مواكبة هذا الملأ الماجن والجوق الناعق واللفيف الراقص، ثم مبررين لذلك بفذلكات ما أنزل الله بها من سلطان، وتعسُّف وتكلُّف، وليٍّ لعنق الحقيقة لم يتوقعه أو يرجه حتى إبليس الرجيم!.. وما زال الهراء يتراكم والحشو يتكوَّم، حتى بنى جبالاً من الفضلات، وركاماً من النفايات، تطمر بعد البراري المدنَ والعمارات!

بعيداً عن كل إفك وتخرُّص يريد المساواة بين الرجل والمرأة، وكل حيلة ومكيدة تعمل على إلغاء الفوارق وطمس التغاير والتفاوت، وكل مسعى يبرِّر للاختلاط، ويأخذ المرأة إلى ممارسة الرياضة، من الماراثون وكرة القدم والفروسية وألعاب القوى إلى السباحة بالبوركيني “الساتر”، حتى يجعل ذلك معركة الهوية الإسلامية في بعض البلاد! كل دجل وخطل ينحو إلى التساوي في حصص الميراث، والتناظر في الشهادات، ويريدها وليَّة على أيتامها، وقاضية تفصل في النزاعات، وعالمة مجتهدة، ومرجعاً جامعاً لشرائط التقليد والإفتاء! يجاهد ويناضل في هذا السبيل، ويبرِّر ويدافع عن هذا الانقلاب الشنيع، أو لا يرى فيه ضيراً ولا غضاضة، فلا يرفع صوتاً بالاعتراض والنهي والنكير، ويمضي مع السواد على قارعة الطريق… بعيداً عن كل هذا وذاك، هناك حقيقة إنسانية ماثلة في الضمير البشري وحاضرة في كل عقل ووجدان، مطَّردة في جميع الأديان، سارية في مختلف الشعوب وشتى الحضارات والثقافات… تقرِّر الفارق بين الجنسين بعد الخلق والطبيعة في القدرات والاستعدادات، وتحتم التمييز بينهما في الأدوار والمهمات، حتى عدَّ الشهيد الصدر التزام المرأة بيتها من سنن التاريخ (والملفت أنَّ الحداثويين والحركيين الذين يتخذون الصدر إماماً، يتجاهلون فكرته هذه ويطمسونه رأيه هنا، ولا يذكرونه البتة!). والحالات الخاصة الاستثنائية التي ينطلق منها بعضهم للتحايل على هذه الحقيقة، كأن يتساءل: ”وماذا تصنع من مات عنها زوجها وأبوها وجدها، وفقدت كلَّ معيل”؟ أو “ومن الذي سيطبِّب النساء ويعالجهن في المستشفيات”؟… لا تعدو شيطنات تغوي العوام، وذرائع يعلمون قبل غيرهم أنها باطلة وقاصرة عن التبرير للواقع المتردي الذي تعيشه مجتمعاتنا.

بلغ الأمر أنَّ مؤمناً إسلامياً، زاره قيادي مجاهد من أصحابه، ممن يبذل روحه في أية ساعة على مذبح ولي الفقيه أو الوطن أو مقاومة الاستكبار… رأى ابنته التي شاركتهم الجلسة بعد أن قدَّمت الضيافة، فلا ضير في عُرفهم من ذلك ولا غضاضة! فعرض عليه أن يسخِّر علاقاته لتسهيل عملها مذيعة في التلفزيون، مصرحاً أن جمالها الأخاذ وحسنها الآسر يجب أن يوظَّف لخدمة القضية! وقد شبَّه الأمر بحُسن الصوت في الآذان وتلاوة القرآن، وأنَّ الخطاب الديني الحق، يجب أن تحمله وجوه جميلة، تجذب المشاهدين ولا تنفرهم!

لا يمكن للبشرية مهما ارتقت وتسامت أن تبلغ كمالها المنشود وتدرك العلة الغائية لخلقها، دون تزاوج وسكَن، وهذا دور لم يُهيَّأ ويقيَّض، لا تكويناً جسمياً ولا فطرة نفسية ولا استعداداً وطاقة روحية، إلا للمرأة، ولا يمكن أن يؤديه غيرها، وهو دور يقتضي أموراً وتترتب عليه أخرى، قرَّرها الخلق والتكوين، ونظمها الشرع والدين، وأي إخلال بهذا وذاك سيربك مسيرة الحياة، وسيكون من قبيل القضاء على الآفات التي تُتلف المحاصيل برش سموم واستعمال مبيدات لوَّثت التربة وأهلكت الزرع مع ما قتلت من الحشرات!

الصالحات هن القانتات المطيعات لأزواجهن، الحافظات لعرضه وماله في غيبته، لا جمال كالحشمة والعفَّة، ولا حجاب كالخدر والخفر، ولا ألق كالغياب والخفاء، ولا ميدان للتكامل والسمو كحُسن التبعُّل، ولا فلاح ونجاح مثل أن لا تعرف من الرجال غير بعلها، ولا يعرفها من الرجال غيره… والأبواب مشرعة أمامها لتهذيب النفس والسير والسلوك ما يبلغ بها مقامات يقصر عنها أعاظم الرجال!

هذه هي التي تثلج قلب الحجة الموجَع، وتسكن غضبه وسخطه، المرأة التي تكون مصيبتها أن يتصفَّح وجهها القريب والبعيد والدني والشريف، لا أن تبادر وتتطوع لتتوجه إليها الأنظار، وتكون نجمة وعلماً يشار إليه! المرأة التي تعيش في مملكتها وتتجنب مهلكتها، تعرف عرشها وتاجها الذي كللها الله به، والمكان الذي أدرجها ووضعها فيه، والموقع الذي خُلقت له، والحدود التي رُسمت لها، فلا تتخطاها، ناهيك بأن تنادي بذلك وتدعو له، كما يفعل الأبالسة والشياطين من الرجال، ولا سيما علماء الدين والمعممين، الذين يريدونها حطاماً يجمعونه وركاماً يعتلونه.


ملحوظة: المقصود المدان في هذه المقالة هو مجموع النهج الحداثوي التغريبي، دون أحكام قد تفضي إليها الأدلة ويبلغها فقيه جامع في جزئية خاصة ومفردة بعينها.

Posted in

ردان على “مهلكة المرأة ومملكتها…”

  1. محمود

    المقال فيه وصف لمثل الشيخ مهدي شمس الدين والشيخ إسحاق الفياض وأي فقيه لديه فهم فقهي خاص في فقه المرأة بالدجل والخطل والانحراف.
    وفيه تعدي وتجاوز على صلاحيات الفقهاء والمجتهدين
    وأجل شيخنا الجليل الكاتب عن قصد ذلك

    مع خالص المحبة والاحترام والدعاء

    إعجاب

    1. مع الإقرار بالفضل وجزيل الشكر على هذا التنبيه، سأعمل على ملحق يستدرك ما وقع هنا ولم يقصد.

      إعجاب

التعليقات