على فراش المرض الذي مات فيه، دنا منه أحد المقربين وحدَّثه في شبه همس: تعال لنقطع الطريق على القيل والقال، نسقط في أيدي أعدائك، بكتابة متن صريح واضح، لا لبس فيه ولا ريب، لا يحتمل وجهاً للتهرُّب ولا ذريعة للتملُّص، ينفي كل ما نسب إليك في قضية الزهراء عليها السلام، مما يبرِّئ أعداءها ويخدم خصماء آل محمد، يكون خاتمة خير وحسن عاقبة! ضحك بمجون، وراح يغالب صعوبة تردُّد أنفاسه، وخوف احتباسها، من قهقهة عرضت، استحالت سعالاً زاد في سرعة نبضه، تدخَّل على إثره الفريق الطبي الحاضر على مدار الساعة، فالرجل يرقد في مشفى يملكه، هو الأغلى كُلفة في الضاحية الجنوبية، على الرغم من أنه رُخِّص كمشروع خيري لعلاج الفقراء، وصُرف على بنائه من الحقوق الشرعية وأموال الصدقات! لما استقر وضعه وتجاوز نوبة الضحك القاتل، التفت إلى الشيخ السائل: حتى أنت تؤمن بهذه الخرافات وصرت مثل هؤلاء العوام؟ عن أية قضية تحكون، وأي باب وأي جدار؟! أي حطب وحرق ونار؟! أي سِقط وأي مسمار؟! وراح يعيد ما يعتقده في الحادثة، فهي عنده قصة على غرار أفلام هوليوود، من إخراج “الروزخونيه”!

كانت قناعاته هي دينه، ومعبوده هو فكره، الذي يطلق عليه: عقله! الحقيقة الصادمة أنَّ فضل الله كان دهرياً ملحداً، لا يؤمن بغير الحسِّ و”العقل”، لا يرى شيئاً وراء هذا وبعد ذاك، حتى وجود الخالق، كان يشك فيه: هو قانون طبيعي، الزمن وتقادمه، الدهر الذي يفرض سُننه، نواميس تحكم البيئة وتضبط النبات وتقهر الحيوان، وتغلب الإنسان وترسم حركة الحياة. كان يرى البرهان الذي يُبطل الدوْر والتسلسل، ويثبت واجب الوجود، ضرباً من التلاعب بالألفاظ، والتحايل على الواقع، والهروب إلى الأمام، ويعيش في نفسه أن الإذعان بالفكرة واستقرار المعتقد في القلب، أمرٌ يتجاوز الأدلَّة والبراهين النظرية، هو حالة وجدانية، وهو في وجدانه كان يرى أنَّ الطبيعة هي كل شيء، ولا شيء وراءها! هي المبدأ الذي تنقلب عنده قطعة من اللحم، مودعة في وعاء مغلق، وتستحيل دوداً، فتبدأ الحياة، كذلك تكون بداية كلِّ كائن، ولكن بكيفية تناسب رتبته الوجودية ومدى تعقيد كيانه العضوي والحسي، وقد تلقَّى “الاستنساخ” واعتبره أعظم دليل على ما يسكن قلبه، وأنهم لو أطلقوا الحرية للعلم، ولم تعد السلطة الخفية أو “الكنيسة الداخلية”، كما كان يحسبها، لسابق دورها في القرون والوسطى، وممارسة إرهابها الفكري ومحاكم التفتيش، لسقطت نظرية الدين في بدء الخلق. إنه الوجل النفسي الذي يسكن الضعفاء من مواجهة الحقيقة، يختبئون وراء منظومة القيم والمبادئ والأخلاق… وبعد، فإن الرجل لم يكن يؤمن بالقيامة والمعاد، كان يحسب أنَّ الموت هو النهاية، فناء، ليس وراءه شيء!

وبطبيعة الحال، لم يكن يصرِّح بهذا أو يعلنه، بل كان يقول بخلافه ويجاهر بضده وعكسه، يكتب في الدين والإسلام، ويتغنى بالتوحيد والإيمان، ويعظ بالفضيلة والأخلاق! يروِّج بضاعة متجره، ويسوِّق سلعة حانوته، ولولا ذلك لما تنامى وكبر ليكون سوقاً مركزية، وشركة تجارية عالمية، يجد فيها المتبضع الساذج والمشتري الغبي ما يريد، من المطاعم والفنادق والنشاط السياحي، حتى المستشفيات والخدمات الطبية العلاجية، ومن قبلها المدارس والفعاليات التعليمية، والأنشطة الاجتماعية كرعاية المسنين وتكفل الأيتام، إلى محطات الوقود، فالمباني والعقارات، والأسهم والسندات…

وبعد هذا الدور الدنيوي الهابط، فإن فضل الله ليس كما يحسبه كثيرون شيخاً وهابياً مقنَّعاً، ولا هو موبذان مجوسي ولا حتى مزدكي، ولا قسٌّ مسيحي أو حاخام يهودي، ولا كاهن وثني، ولا راهب بوذي أو بانديت هندوسي… إنه أقرب إلى نيتشه وفرويد وسارتر، دون اطلاع على الفلسفة، وخوض بحوث فكرية معمقة، بل بسطحية المتكبِّر وسُخف المتغطرس، مع فساد باطن وخبث سريرة بمرتبة منحطة ودرجة دنيئة، تنافس الأجدع وعزازيل، إن لم يكن أحدهم، سكن هذا البدن وحلَّ فيه، بعد مسخ هذه الروح!

في مثل هذا اليوم عام 2010، انخمد بيت للنار كانت ترتفع منه ألسنة اللهب، وتستعر شُعَل الفتن، وتنشأ الحرائق والكوارث.

كان يستل الخيط الأبيض الذي يجمع النسيج من الثوب الأسود، ليسقط الرداء ويهتك الحياء، فتغشى الظلمة ويلتبس الفجر على المتسترين، وتضيع ساعته على المصلين! هذا هو الدور الذي أُنيط به، والمهمة التي أُوكلت إليه، والشأن الذي نهض به وسار، لا يقول كفراً بواحاً ولا يعلن بالزندقة، كما لا يدنو من الحق الصريح الخالص، بل يلبث ويكمن في المساحة الضيقة والحدود الفاصلة بينهما، يجول في هذا النطاق الحرج ليبث الاضطراب، ويزرع الشك والريبة، ويورث الإحراج، يتحرك مطلِقاً يداً هنا تتناول ضغثاً من الباطل المسموم، وأُخرى هناك تعود بقبضة من أثر الرسول، يتضمَّخ بها، وينثرها على بدنه، فيخور العجل، لينبهر الطغام ويفتتن العوام!

كان من دعاة تعظيم الفكر لا الشخص، حتى في الأئمة الأطهار، كان يرى أن ترويج أفكارهم ومبادئهم، وتعظيم القضية التي عاشوا لها، وهي الإسلام وقيَمه السامية، هو النهج الصحيح الذي ينبغي أن يُتَّبع، لا الاستغراق في أشخاصهم وسيرهم الذاتية وخصوصيات كلٍّ منهم، ألقابه وكُناه، متى ولد ومات، وما اسم خادمه وحاجبه، وبغلته وفرسه، وناقته ودابته، وسيفه ودرعه؟ وما هو نقش خاتمه؟ ومن هن زوجاته؟ وعدد أولاده وأسمائهم؟… كان يكرر دعونا من هذا كله إلى سيرة الإمام ونتاجه، وعطائه في سبيل تحقيق أهدافه! لذا لم يُقِم مسجده يوماً حفلاً لميلاد إمام، أو يعقد مجلساً لاستشهاده! اللهم إلا ما يضطر إليه من ضغوط الساحة، ويُحمَّله مرغماً من أعراف سائدة. والمفارقة اليوم أنَّ أتباعه جعلوا من قبره مزاراً، وأعلنوه “روضة”، وما زالوا يحتفلون في الرابع من كل تموز بموته، يحيون ذكراه ويكرِّسون شخصه، يملأون الطرقات، ومن بعدُ المزابل وحاويات النفايات، بصوَره ولافتات تحمل كلماته، ويخلدونه عبر البقاء على تقليده، بل يحملون الأجيال الجديدة على تقليد الميت ابتداءً، في بدعة لم يسبقهم إليها أحد، نسجوا لها فذلكة من أكاذيب، وتلفيقاً من افتراءات نسبوها لهذا وذاك، هم منها براء.

من هنا، يمكن لأي باحث فاحص أن يقف على هوية فضل الله ودينه الحقيقي بيُسر وسهولة. فمن مجموع حركته، والأهداف التي عمل لها طيلة حياته، والمحصلة التي تُنتزع من بواعث وخلفيات مواقفه، سيستشرف الحقيقة، فلا يغتر بالقول ولا بالفعل، دون تحري القصد ومعرفة النوايا الخفية، ولا يحمل الظاهر على الباطن، والمصرَّح به على المضمر المكنون… وهذا في مجموعه وتفصيله يخرج الرجل عن المذهب الحق، وهو ما حكم به المراجع العظام، أما غيره، فأنت وحسن ظنك بهذا الضال!

لا يحتاج المرء لكثير فطنة وذكاء ليدرك، أن صاحبه أو جاره أو زميله في العمل، من الأثرياء الميسورين، أو من متوسطي الدخل، أو من الفقراء المعدَمين؟ هل هو من المثقفين أم الجهلة الأُميين؟ هل هو منخرط في العمل السياسي، ينصر المعارضة ويصطف معها ضد الدولة، أم لا؟! يجري كل هذا وذاك، ويسكن القلوب وتنطوي عليه القناعات، دون أن تقام بينة شرعية، من شاهدين عدلين، أو اعتراف صريح يسمح بهذا الحكم ويجيز الإطلاق… هكذا يمكن تمييز المؤمنين الملتزمين عن غير الملتزمين، والتعرُّف على الفساق غير المتشرعين… إنَّ المقالة هنا لا تمتشق سيفاً لتقيم الحدَّ الشرعي على مرتد فطري، ولا سوطاً لتجلد فاسقاً يشيع أبشع الفاحشة في الذين آمنوا، إنما هو انتزاع يتجاوز الألاعيب السياسية، ويفوِّت على أربابها، الدهاة المخادعين، ما ينطلي على السذج والمتقدِّسين، الذين لا يتورعون عن السكوت على هتك حرمات الدين، ثم يُمسكون أن يقعوا في مبتدع ضال مضل فيبخسوه حقه أو يبهتوه!

من هنا، يمكن لأي باحث فاحص أن يقف على هوية فضل الله ودينه الحقيقي بيُسر وسهولة. فمن مجموع حركته، والأهداف التي عمل لها طيلة حياته، والمحصلة التي تُنتزع من بواعث وخلفيات مواقفه، سيستشرف الحقيقة، فلا يغتر بالقول ولا بالفعل، دون تحري القصد ومعرفة النوايا الخفية، ولا يحمل الظاهر على الباطن، والمصرَّح به على المضمر المكنون… وهذا في مجموعه وتفصيله يخرج الرجل عن المذهب الحق، وهو ما حكم به المراجع العظام، أما غيره، فأنت وحسن ظنك بهذا الضال!

Posted in

التعليقات