من الطرائف التي تُلقى كأحاجي وألغاز، سؤال: “أيهما أثقل، كيلو القطن أم كيلو الحديد”؟ يؤخذ المتسرِّع بغتة ويجيب غفلة إنه الحديد! جهلاً منه بأمر الكتلة والكثافة، وسهواً عن تأثير ذلك في الحجم والوزن… ومن أصل التميُّز النوعي هذا، ومن طبيعة المفاضلة هنا، ترى العقلاء، في تقديرهم وترجيحهم الاعتباريات بعد الطبيعيات، يزنون الذهب بالمثقال، ويقيِّمون الماس بالقيراط، بينما الفحم والحديد فبالأطنان… أما في القضايا المعنوية، كالمشاعر الإنسانية، فالأمر متشعِّب متوسِّع، لا يقف على ضوابطه إلا خبير حصيف، ولا يحسن تمييزه إلا مرهف دقيق. فكلمة تجرح شريفاً، تفوق صفعة على وجه وضيع، أو لكمة تهشِّم أسنانه وتدميه، ولربما آثر عزيز عفيف السجن على الابتذال، والموت على السؤال، وتحمَّل سريٌّ شتى الآلام والمحن، قاسى الفقر والجوع والعوَز دون أن يُهان أو يُفتضح، بينما يتلقَّى الدون الشتائم والمطاعن التي قد تطال عِرضه فلا يعبأ، ويعيش الصعلوك الذل والخضوع وما يساويه بالدابة فلا يبالي، ويُنتقص الحقير الخسيس ويُمتهن فلا يشعر ولا يكترث! ولربما فضَّل حسيب رفيع الموت على أن يواجَه بقول أو موقف يزري بشرفه وينال من مكانته. من هنا فالمصائب والنوائب والآلام تتفاوت على أهلها بحسب شأنهم ومرتبتهم، ويختلف وقعها عليهم ونيلها منهم، وفقاً لشرفهم، ثم دقَّة فهمهم وسموِّ أحاسيسهم ورهْف مشاعرهم.
من المشين المعيب أنَّ عالماً يدَّعي الفقاهة والاجتهاد، ويزعم السعي لتنقية التراث وتصحيح الاعتقاد، يجهل هذه المسلَّمة العقلية، لا يستوعبها ويقصر عن إدراكها! يقفز على حقيقة أنَّ ضربة واحدة يوم الخندق يمكن أن تعدل أو تفضل عبادة الثقلين إلى يوم القيامة! وأنَّ قتل أو إحياء نفس واحدة يساوي عند الحكيم العليم قتل أو إحياء الناس جميعاً! ثم يتجاهل الوعيد بالنكال الأبدي والخلود في الجحيم، للشرك الذي عاشه أحدهم حياة دامت سبعين أو مئة عام، والحال أن “العدالة” تقتضي أن يعاقب الفترة نفسها، أو ضعفها، ولك أن تقسو وتبالغ فتحكم بعشرة أضعاف، لكن الخلود الأبدي لجرم دام سنين معدودة، لو قيست بيوم كألف سنة، ما تجاوزت دقائق أو ساعات!.. عندما يكيل الرجل الدرر والمجوهرات بالدلاء والأكوام، ويحسب المسافة بين البلاد بالشبر والذراع، لا غرو أن يقدِّر الألم والمعاناة بالكيلو غرام! ثم يُسقِط هراءه هذا ويفرض جهالاته على مقدساتنا، فترجح عنده كفة، لا على أُخرى أثقل وأرجح، بل على صاحب الميزان! فإذا فعل، وقد فعل، فقد هتك نفسه، وأباح لنا ابتذاله وهتكه.
أن تخاطب ابنة أميرالمؤمنين يزيداً أو ابن زياد، تحضر مجلسه، ويقع صوتها في مسمعه، وشخصها في بصره، يفوق عند الكرام هلاك كل أهل الشام، ولو مات الناس جميعاً وساخت الأرض بأهلها حتى خرجت من برجها، وتناثرت كما تفعل النجوم في النوائب، ما كان عجباً ولا سرفاً، بل هو الجدير الحقيق بها! إنَّ أنَّة جرَّها سيد الشهداء على عليٍّ الأكبر، وزفرة أخرجت “على الدنيا بعدك العفا” تفوق جميع المحن والبلايا والظلامات التي وقعت في أفغانستان وجنوب لبنان، وبورما وراوندا وأفريقيا، وما كان من تبعات القنبلة الذرية في اليابان، وكل بلاء ومحنة يمكن أن يتصوَّرها إنسان!
فتعال وانظر إلى ما قال آصف محسني في مشرعته، تعليقاً على باب “شدَّة محنهم وأنهم أعظم الناس مصيبة، وأنهم لا يموتون إلا بالشهادة” (27: 207): “فيه 19رواية، كلها غير معتبرة. أما القسم الأول من العنوان، فالأصوب عدم ثبوته، وأنَّ أهل البيت، أو آل محمد، أو خصوص الأئمة مع رسول الله صلى الله عليه وآله، ليسوا بأعظم الناس مصيبة، وقد وقع في زماننا في أفغانستان على شعبها بعد احتلالها من قبل السوفيات، ثم من قبل بعض الأحزاب الجهادية والطالبان، مصائب لا مثيل لها، وكذا على شعب العراق وفيتنام وعلى شعب جنوب لبنان وعلى شعب فلسطين وعلى شعب راوندا في أفريقيا وعلى شعب الجزائر…والحياة عبارة عن استقبال المصائب والآلام، نعم لا شك أن حادثة كربلاء من المصائب الكبيرة، كما أن إيذاء الحسن المجتبى من قبل طاغية الشام من الحوادث المحرِقة، وليس في سجن الحجاج الثقفي خصوص الشيعة، بل عذَّب فيه غيرهم أيضاً. وجنايات المنصور والرشيد على الشباب الهاشميين وإن كانت تقشعر منها الجلود، لكن كم لها من نظير. لم يثبت بسند معتبر ما ينسب إلى النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، ما أوذي نبي مثل ما أوذيت، بل بعض الأحاديث يخالفه، وأن الله أعفى نبيه عن البلايا وألقاها على الأئمة أو أهل بيته عليهم السلام، فلا تحسُن المبالغة في النسبة لأجل المحبة”. انتهى نهيقه أو شحيجه في ج 2 ص 11 من “مشرعة البحار”.
إنَّ مَن لا يميِّز بين الصورة والواقع، ويعجز عن فهم الفرق بين الكم والكيف، هذه الحقيقة الجلية، ويتخلَّف عن إدراك هذه الفكرة المسلَّمة التي تناهز البديهة، لن يكون قادراً على فهم الظروف الاجتماعية والسياسية، والعلل والمعطيات المؤثرة في تقييم الرواة، أسباب جرح هذا وتعديل ذاك، أسرار الذم الذي قد يبلغ اللعن، وما يظهر من اضطراب بين التوثيق والتضعيف، مما طال أجلَّة الأصحاب كزرارة والمعلى بن خنيس! متى حكمت التقية أقوال الأئمة، ومتى لم تفعل؟ ما هي حدود الغلو عندهم؟ هل يمكن للظروف السياسية والعوامل الأمنية والمعطيات الاجتماعية، كدرجة الفهم والعلم لدى عامة المؤمنين، أن تخلق حالة من التظاهر تشكِّل قرينة تصرف الظاهر!؟.. فمن الطبيعي أن تجد منه هذا الخبط والهدم، والضياع والتضييع!
كيف لمن يقصر عن فهم أبعاد مأساة عاشوراء، ولا يقف ـ حتى من بعيد ـ على أسرار هذه النهضة الخارقة لجميع المقاييس، وموقعها من حركة أئمة الهدى، سواء في استمرار نهجهم، أو في بلوغه أهدافه في وراثة الأرض ومن عليها، ويعجز عن استيعاب هذه الآلية التي أسسوا لها وأكَّدوا عليها، وهم يطلبون إنشاد المراثي ويدعون ويحثون على البكاء، ويبذلون له تلك الأجور والأثمان التي لا تجدها في عبادة… فيعمد الشيطان لإسقاطها وسحب البساط من تحتها، وهو يقول: “أكثر تفاصيل حوادث كربلاء مجهولة، والناس يطلبون ما يبكيهم، وكثير من الوعاظ محتاجون إلى الجاه والمال، فآل أمر القصص إلى ما ترى”! (مشرعة البحار ج2 ص156)، لا يبالي أن يهدم، في سطر واحد، مشروعاً إلهياً احتار فيه العدو والصديق… كيف له أن يعرف معاريض كلامهم، ويدرك المراد الجدي من خطابهم؟ فيخوض في الدين ويباشر أعظم شؤونه وأخطرها: استنباط أحكامه ورسم معالمه وبناء معارفه؟ وخبط الرجل وهرفه أعظم من أن تستوعبه مقالة، فلك أن تراجع ما عرضه الفاضل الشيخ نزار سنبل وتناوله في سلسلة محاضرات له مبذولة في وسائل التواصل، فترى عجباً أن ينسب مثل هذا إلى الدين ويحسب على المذهب الحق!
ولا يقف الأمر عند افتقاده العلم والتخصص، بل يتعداه لفقد النزاهة والعدالة والورع…
فآصف هذا بشتوني جِلف، قندهاري شكِس، تقول له زيد فيكتب خالداً ويقرأه عمراً ويفهمه بكراً، سياسي بامتياز، مناور قذر، تورَّطت به بعد أفغانستان الطائفة بأسرها، وابتلي به بعد قومه وأبناء وطنه، الدين والمذهب، فقد أهدر الدماء في بلده وخاض ما بلغ به أقاصي الشقاء، ويكفيك النظر في مجزرة الضاحية الغربية لكابل، وهي المنطقة التي يقطنها الشيعة من العاصمة، وتعرف بـ “أفشار”، والتي راح ضحيتها في أيام أكثر من ثمانمئة مظلوم، غُدر بهم في صفقة تطويع كابل لقيادة الحكومة الإسلامية (التي كان آصف ناطقاً باسم شورى قيادتها!)، بعد سقوط نظام نجيب الله الشيوعي… وقد قبض الشقي الثمن: مكانة دولية، وجامعة علمية، وقناة فضائية، وميزانيات خرافية! وكما باع الرجل طائفته، باع مذهبه، حين فرَّط بأعزِّ مقدسات الشيعة وأثمنها، أي الحديث الشريف، فأزرى بتراث لم يصلنا إلا بخوض اللجج وشقِّ المهج، وتضحيات قلَّ نظيرها في تاريخ البشرية، وجهد وعناء وعطاء عجزت عن مثله الإنسانية.. ابتذله الصعلوك واسترخصه، وأضاعه العلج وخبط به الجدار، يريد نسفه وسلوك ما ينتهي بهدم صرحه!
وهذا داء تجده في جمع من الحداثويين أو الإصلاحيين التنويريين، آفة أو دويبة أو جرثومة، تنخر رؤوسهم، وتأكل أمخاخهم، وتكون فضلاتها عفن يورث الزهو والغرور، والكبر والصلف، ضروب غريبة من الثقة بالنفس، تأخذ صاحبها إلى الجرأة على الفحول والأساطين، ومواجهة الأعاظم والقماقم… فيعالج نصوصنا المقدسة، موظفاً آليات باطلة في تقييمها، وقواعد فاسدة في إعادة بنائها، تستلهم من خطابات شعبوية تقول إنها سئمت الموروث وتريد التجديد والتطوير، فيأتينا بمعالجات على طريقة الوصفات الطبية الشائعة في وسائل التواصل الاجتماعي، تطالعك بالزنجبيل والكمون علاجاً للسرطان والجلطة الدماغية! ليعش هؤلاء عُقدتهم بعيداً عن عقائدنا، وما يمس أسس وركائز ولائنا لآل محمد، ولينعموا بالشهرة والتفاف أضرابهم من أنصاف المثقفين حولهم، لا شأن لنا بدنياهم، ولكن إياهم أن يقربوا من ديننا، ويعطِّلوا نقل ذخائره للأجيال القادمة، بزخارف وبدع نفثها الشيطان في روعهم فراقت لهم.
هذه بركة ماء مضاف، لعله ماء الشعير، ولغ فيها كلب، ونفق خنزير، وأريقت خابية من نبيذ صرف، مع رطل من خمر اسكتلندي خالص (ويسكي)، وغسلت فيها مومس خرقة حيضها، حتى لو كان الماء مطلقاً لتغيَّر لونه وطعمه ورائحته… لا تجدي في معالجة نجاستها حيلة. فضل الله وحب الله والحيدري وأضرابهم ضلَّال منحرفون، وآصف محسني منهم، ضال ساقط، وكل من يحاول تطهيره، سيسقط في البركة، وستلحقه النجاسة ويحكم عليه باللوث والقذارة، كائناً من كان، ولو جاء بقربة من النيل وسطل من الفرات ودلوٍ من زمزم… لا عاصم لهم اليوم. لن نسمح لأحد أن يقطع علينا طريق ارتباطنا بأئمة الهدى، ولن ننخدع ونُستغفل بدعوى الرأي والاجتهاد، فمثل هذا تحت أقدامنا، نسحقه بعزة الله ومنعة حرماته ومقدساته، ونتوعده يوم المعاد، ومن قبله ساعة السكَرات، فليدع ناديه، وليلذ بمشرعته، لتخلصه من هجمة الزبانية.
اترك رداً على عباس بــن نخي إلغاء الرد