لا يمكن لأحد أن يعبِّر عن أميرالمؤمنين والزهراء والسبط الأكبر بالشكل الذي فعله آبق يمتهن الخطابة في البصرة، وإن كان فاسقاً فاجراً أو ملحداً كافراً، اللهم إلا مبغض حاقد، والرجل ليس من النواصب، فكيف تراه فعل ذلك؟ كيف تنعدم الأخلاق بأحدهم حتى يستخدم هذه اللغة السوقية مع أشرف الكائنات؟! كيف يبلغ الابتذال هذي الحدود؟ ممن تلقَّى الصعلوك وأخذ؟ في أي بيئة ترعرع ونشأ، أين تربَّى وتعلَّم؟.. ويأخذنا الاستغراب والاستنكار وتحرِّي الإجابة فيما يأخذ، إلى أن الأمر كالذاتي في وجود بعضهم، يقدم من جبلَّة، لا يسعه تجاوزها ولا يمكنه الخروج عنها! وإن شئت فعبِّر إنَّ الرجل رذل في فطرته، وضيع في نفسه، عاهر ماجن في طبعه، وسلوك البذاءة ذاك ينبع من هذا الأصل المنحط.
في البصرة دار لحزب الدعوة تديرها القنصلية، تسمى دار الحسين، الحضور فيها محدود والجماعة المنتسبة صغيرة، لكن أموالاً كثيرة تُضخ هناك وإمكانيات ضخمة تبذل في طوابقها الخمسة، جعلت من هذه البؤرة المريبة مركزاً لبث الفكر الملوَّث، ومحطة لنشر الثقافة المسمومة! المادة الشيطانية نفسها التي تريد تسييس الشعائر الحسينية، الخطوة الأولى في إنهائها والقضاء عليها، والسبيل الأكثر تلبيساً في صرف الناس عن أبواب الجنة، وأخذهم إلى مصالح قدَّروها من رؤى استظهروها، باجتهاد يقابل نصوصاً معصومة، وتأويل يحتال على صريح الظاهر والمتبادر. وهنا حفرة كبا فيها كبير مثل الشهيد مطهري، أفلس وعاد راجلاً حافياً بلا خفين ولا نعلين، يجر أذيال الخيبة، يلحقه فرس الخسران بعد سوء الرهان، ناهيك بمحسن الأمين ولائحة ممتدة من الحداثويين الجهلة، وسلسلة متصلة من التغريبيين الحسيين الذين ينسبون أنفسهم لدين العقلنة، حتى انتهى في أيامنا وبلغ أسلاف الزنج وأبناء الغجر في البصرة، ينطلقون من دار تستقطب الأسقاط، توكل إليهم مهاماً وتكاليف لا ينهض بها إلا حثالات، فوقعوا على صعلوك متسكِّع يحملك على استحضار تحذير الصادق عليه السلام: “فإنَّه خلق مشوَّه” و”إذا جاع سرق وإذا شبع فسق”، ويذكِّرك بقول المتنبي: “لا تشتَرِ العبد إلا والعصا معه، إنَّ العبيد لأنجاسٌ مناكيد. ما كنت أحسَبُني أحيا إلى زمن، يُسيء بي فيه عبد وهو محمود”. ولعمري، فالمماليك اليوم لا يسيئون إلى العلماء والأحرار، بل يتطاولون على حرمات الله، وينالون من مقدَّسات الدين!
دعك عما قاله نيتشه وابن خلدون وغيرهم من الفلاسفة وعلماء الاجتماع في خصائص العبيد وطباعهم، فالإسلام لا ينطلق من رؤية عنصرية، وقد طويت صفحة العبودية، وانتهت مقولة البناء على ما يسكن هذه الأعراق ويُتوارث في “جيناتها”، وباتت الرؤية تذهب إلى خصال وكمالات قد تظهر في “عبد” تبلغ به قمة ما بعدها شيء، وصفات دونية تكون في أحرار، نشأوا في بيوتات وانتسبوا إلى أشرف الطبقات… أبرز هذه الصفات هي الضعة وهوان النفس، وما يحمل على الاستخفاف بالخطوب والعجز عن إدراك المخاطر، فيلبس الصعلوك غير ثوبه، ويركب السافل غير فرسه، ويقحم حقولاً ليس له أن يدنو من أبوابها أو يستشرف آفاقها، ينفِّذ دَوْراً لا يقوم به غيره، وغرضاً لا يؤديه إلا مثله، فلا يهتك الحقيقة شيء مثل أن يتناولها وغد دون، ولا يزري بحملتها شيء مثل أن يباريهم رذل دنيء!
فلا تعجب من خطيب هذه الدار أو مغنِّيها، إذا رأيته يخوض في قضية غاية في الخطر والخفر، بلُغة السوقية ونباح السلوقية! يتسكَّع أو يمارس رياضة المشي في حقل ألغام، لا عن شجاعة وإقدام، أو مغامرة وجسارة، بل عن هوج وسفَه وضمور عقل وبَلَه، فهو لا يدرك على شفا أي جرف هارٍ يمضي، ولا قبح ما يتناول وتبعات ما يلقي! كمشرَّد نشأ في الغجر، يعتني بكلابهم، لم يعرف في حياته غير الرقص والتحريش، قاده شقاؤه إلى فلاة للأسود وسهب للسباع، وقع ـ من حظه العاثر ـ في باحة الكولوسيوم، وهو لا يميِّز بين الرمح والقصب، ويحسب مقبض السيف ذراع عود والنصل ريشة طنبور!
لقد عبَّر السافل البائس عن أميرالمؤمنين وسيد الوصيين، نفس رسول الله وصنوه وصهره، بـ”أبو حسيوِن”، تصغير حسن، السبط الأكبر وسيد شباب أهل الجنة، وقال مستحضراً لغة الغجر (الكواولة) وكأنه يحيي حفلة في حي الطرب، عن زواج النورين واقتران بضعة رسول الله وفلذة كبده، بكفؤ لا نظير له، آدم فما دونه، بزواج “من الدعامية للدعامية”!.. لغة الحشو الطغام تلقى من على أعواد، حين يرتقيها رجس أجير لا يميِّز بينها وبين مجرفة يجمع بها الملح من السباخ، أو الدلو الذي تُنزح بها نقرة الكنيف!
ولك أن تتصوَّر الانحطاط عندما يتناول هذا الوضيع أسماء أبناء أميرالمؤمنين ويفذلك نظرية الوحدة الإسلامية في ضوء سيرته، أو حين ينظِّر لنهضة سيد الشهداء، ويعمد لتحليل الوضع السياسي للمنطقة والعالم، وقراءة معادلة القوى العظمى في زماننا، وما يخلص إليه من أوهام تنقل مستمعيه على بساط الريح، يجولون في آفاق دولة الإسلام وجمهوريته الظافرة، مصوِّراً أنَّ الصولة والجولة والكلمة العليا في المنطقة لها، والبساط ما برح حلس داره! لا يشعر الفدم بالأزمة المالية والتردِّي الاقتصادي، فمخصصاته لم تنقطع بعد، ولا يأبه بالتفسُّخ الأخلاقي والضياع القيَمي، فلا غيرة هنا تُستثار ولا إحساس ينفعل، ولا يعي العلج الانهيار السياسي الذي يتهرب من استفتاء عام يرقب رأي الشعب في النظام، فغمامة حصان العربة تبقيه في دربه، يجرُّ أحماله أو ينقل ركَّابه، يحدِّد اللجام اتجاهه، فإن تباطأ أتاه السوط يلسع ظهره فيقوِّمه. لذا تراه يحسب القوة في صواريخ مدَّخرة في مرابضها، حتى إذا انطلقت يوماً لتضرب “عين الأسد”، أخطرت عدوها ونبهته ليخلي الهدف، فيتحوَّل المشهد إلى حفلة مفرقعات وألعاب نارية! ويظن السلطة والمُكنة في شغب وفوضى تحدثها إيران في لبنان والعراق وغزة واليمن والبحرين، حتى إذا رُدَّت عليها الصفعة وكالوها بمكيالها ورموها بدائها، اضطربت بمظاهرات أسقطت هيبة النظام وتراجعت شعبيته إلى نطاق جعل المرشد يشكو تزلزل رجاله ويندب تفرقهم من حوله! فعلمت أنَّ القوة والوجود ليس فيما تتوهم، وراحت تستجدي العلاقات مع أعداء الأمس، وتلتمس مخرجاً تلتقط فيه أنفاسها، فتنجو من الغرق!
الرجل يباهي بالنفوذ والحضور الإيراني في بلاده، ويفخر بإنجازات الجمهورية الإسلامية، ويصوِّر الواقع القائم انتصاراً لها، غافلاً عن فِراشٍ عجزت حربٌ دامت ثماني سنوات طاحنة عن نسجه، بسطته أمريكا لها في العراق وهي تقتلع البعث وتزيح صداماً، ومدَّت لها آخر أفغانستان، حين أزالت طالبان القاعدة، فلما أساء الإخوة التصرُّف ولم يحسنوا الشكر والامتنان، أعادت طالبان بصيغة جديدة تعتمد المذهب الحنفي بدل الوهابي.
إذا كان العلج يتمتع أو يحمل عُشر دعواه من الشجاعة والرجولة، فليلق هراءه هذا في طهران أو إصفهان أو شيراز أو تبريز، بل حتى في قم ومشهد؟! ولنا أن نرقى ونصعد بالتحدِّي إلى مجرَّد الجرأة على التجوال بعمامته في إحدى هذه المدن! ناهيك بإلقاء خطاباته البصرية، التي ستُقابل هناك بقذف الأحذية والرجم بحجارة الزناة!..
من الجلي الواضح أنَّ الصعلوك في معايير الفعل وميزان التأثير هو صفر كبير، لكن لربما قارف الذنب الجليل حقير. مرة أُخرى: ولولا الضرورة لم آته، وعند الضرورة آتي الكنيف.
التعليقات