“هل أنبئكم على من تنزل الشياطين، تنزل على كلِّ أفَّاك أثيم، يلقون السمع وأكثرهم كاذبون”. إذا أردت أن تعلم أين تنزل الشياطين وعلى مَن؟ كيف تنصب فخاخها وتحيك مؤامراتها وتنفِّذ خططها، ثم تبلغ أهدافها؟ عليك أن تخرج من عالمك “المثالي الافتراضي”، الذي صنعته من مزيج عقائد صحيحة وأُخرى سقيمة، خلطتها بالتيقُّن من تطبيقات وتشخيصات من هذا القبيل وذاك، فانتهيت إلى صنع أوثان وأصنام عكفت عليها، وتقديس أشخاص ورموز جعلتهم بينك وبين الإمام الحق، كما في التحذير المعصوم: “إياك والرئاسة، وإياك أن تطأ أعقاب الرجال”. قال الراوي: جُعلت فداك، أما الرئاسة فقد عرفتها، وأما أن أطأ أعقاب الرجال، فما ثلُثا ما في يدي إلا مما وطئت أعقاب الرجال؟ فقال عليه السلام: “ليس حيث تذهب، إياك أن تنصب رجلاً دون الحجة فتصدِّقه في كلِّ ما قال”.

إنما تتنزل الأبالسة لتحوم حول إيران، وتسكن قيادتها الظاهرية، وتحلُّ في دولتها العميقة، تباشر مهمتين وتهدف غرضين، الأول: إنهاك إيران وإضعافها، وإبقاؤها على شفا السقوط والانهيار، متخبطة في أزمات اقتصادية ومالية، مركوسة في عجز خدمي مدني عمراني، منكوسة في تخلف علمي، غارقة في بدائية وبؤس صناعي، ولكنها ما إن تبلغ حدَّ الانهيار، تدخلت لدرء الخطر عنها، وإيقاف أسباب سقوطها، بعمليات إسعاف وإنقاذ، تعيد إليها الأنفاس، تنعشها وتبعثها من جديد! الأبالسة هي التي تدبِّر المكائد وتخلق الذرائع والحجج وتجريها على ألسن الناس، ولربما كان فيهم علماء وصلحاء! ليمتنع السقوط، ويبقى النظام أداة وداءً ينال من التشيُّع، في أصالة حوزته واستقلالية مرجعيته، وسلامة مناهج استنباطه الأحكام وبنائه المعارف. وهي تمارس الدورين بمكر ودهاء، يخفى على السذَّج البسطاء، يأخذون بظواهر الأُمور، ويخدعون بدعاوى وشعارات، ولربما بممارسات بطولية، تورث في واقعها الهلاك. أما في الجانب الآخر، فقد يبلغ الاستغراق في الإنهاك والذهاب في الإعطاب ما وصلته أو يمكن أن تصله الحرب الحالية، ويكون ذلك كله تحت سيطرة صارمة محكمة، وإدارة فاعلة في مناسيب التصعيد وحدود الضغط، ما يمنع الانفجار التام، ويحول دون سقوط النظام! الحقيقة المؤلمة أنها حروب مرسومة تديرها دوائر السي أي أيه والموساد، التي اخترقت قيادات الأحزاب والحرس الثوري وزرعت مَن يكشف لها مواقع المستودعات والمصانع والثكنات، كما دسَّت في بيت الخامنئي رجلاً “مخلصاً” لمدة ثلاثين عاماً، مهمته الوحيدة هي تحديد مكان القائد ساعة الصفر!

ولك أن تتأمَّل في قدر تسامح الأذرع والأحزاب التابعة لإيران مع العدو، ومرونتها ولينها في التنازل عن القيم والمراوغة في المبادئ، ومدى مضارعتها ومطاوعتها في التخلي عن الثوابت، والرضوخ لمعطيات الواقع. وما بلغته من الهزيمة، وصارت فيه من الاستسلام والانبطاح، الذي أنسانا ما سبق، فلم يعد الأمر جنوب الليطاني وشماله، بل صار في الحاصباني والوزاني، فالأوَّلي بعد صيدا والغازية، ثم الضاحية الجنوبية، تحوم فوقها المسيَّرات على مدار الساعة، بارتفاع وبطء يسمح باقتناصها ببندقية، وأحياناً بمقلاع وحجر، فلا يجرؤون خوف ردٍّ لا يُبقي ولا يذر! والبلاء الأكبر، أنه على قدر هذا الوهن والعجز، والخوَر والضعف، تجدهم ـ في الجبهة الداخلية ـ أشدَّاء قساة، أجلافاً غلاظاً، يظهرون فرساناً في الصراع مع “الحاضنة المنكوبة”، شجعاناً في مواجهة شرائح المجتمع الشيعي التي لا تحمل السلاح، بل لا تملكه لتحمله وترفعه… فلتجُل خيلهم ما شاءت، فلا نتنياهو هنا يردع ولا ترامب يعبث ويستهزئ!

ما زالوا على عتوِّهم وطغيانهم، يعيشون استبداداً وعسفاً على إخوانهم، وتعالياً وتكبُّراً على البيئة المبتلاة بأفعالهم، لا يطيقون أي رأي مخالف، نقداً ونصيحة كان، أو كشفاً للحقائق وشرحاً للمأساة، يخشون أن يكون أقلُّ هذا وأيسر ذاك تهديداً لوجودهم، كفيلاً باقتلاع جذور حزب عاش موعوداً بالنصر أبداً، منتسباً إلى الله اسماً ولفظاً، متلبِّساً بأسمائه الحسنى وصفاته العليا شكلاً ورسماً، وهو خالٍ أجوف ـ في واقعه ـ من هذا وذاك، مبتور ـ في حقيقته ـ من كلِّ صلة به تعالى وارتباط بالدين الحق. إنه ببساطة مشروع سياسي دنس، ينادي بالدين ليوظفه في أهدافه ويسخِّره لمصالحه. إنهم لا يتحملون أي نشاط معارض، وإن كان مجرَّد مقالات ودراسات علمية، فقهية واجتماعية وسياسية، دون أن يمتد ليبلغ تجنيد عناصر تنهض بـ “جهاد البيان” وتقوم بالتأسيس الفكري لتيار شيعي جديد، يحيي الأصالة والنقاء، ويطوي صفحة هذا الداء العضال الذي امتد لعقود. وسريعاً ما يربطون الأمر ويصوِّرونه اعتداءً على الله ودينه، ومسّاً بنبيِّه ووليه! فإذا أعيتهم الحيلة من دليل وبيِّنة، كان في القذف بالعمالة والاتهام بالخيانة سعة مبذولة، ولا أحد هنا من الهمج الرعاع يطالب بمستند، أو يسأل عن دليل. ما زالوا يعيشون النصر والبطولة في الأحلام، ويكرعون أكؤس العزَّة والشوكة في أنخاب المُدام، فيسكرون ويهذون ويتخبَّطون، ويصبحون يكابرون ويتبجحون. لا يريدون أن يدفعوا أي ثمن لأخطائهم، ويتنكَّرون للنكبة التي أنزلوها بالطائفة، وذيولها ماثلة تعصف بها وبهم، ولا أن يتحملوا المسؤولية، حتى الأدبية والأخلاقية، عما تسببوا فيه وألحقوه بالمذهب.

في إيران، أُم الضلال والانحراف، مركز البركان والعمق المتفجِّر بالحمم، تقذف هنا وهناك، ثار الإيرانيون على الظلم والقهر، والتحقوا بصفوف المعارضة، وقطع الأمر أشواطاً قاربت النهاية، لكنهم صدموا بخطاب المعارضة المنحط وأدائها المتسافل، وهالهم التجاهر بالكفر والإزراء بالمقدسات، الذي ظهر في سبِّ النبي والأئمة الأطهار، والاستهزاء بآيات القرآن وحرق المصحف الشريف (وكلها كانت تعليمات مخابراتية كشروط للدعم، فتأمَّل)! وغير ذلك من ممارسات كشفت أن الأمر ليس تمرداً على دكتاتورية الخامنئي، ولا رفضاً للفساد الذي عمَّ دولته ومؤسساتها، بل هو رفض للدين والأخلاق، وكفر وزندقة لم يظهر مثيل لهما في تاريخ إيران! ومع هذا وذاك، كانت الجمهورية تترنح، لا من سُكر ونشوة بطبيعة الحال، بل من ضغوط الحصار الذي خنق الاقتصاد وعطَّل الصناعة وقضى على التجارة، وأرجع العقيدة الدينية والالتزام الشرعي إلى ما قبل عهد الشاه، فقد سقط حجاب النساء، وظهرت الفحشاء، وبات الرقص في الشوارع وقطارات الأنفاق والمطارات، أمراً طبيعياً مثله مثل إسقاط عمائم رجال الدين، والتعرض للمحجبات في الطريق العام، فبدا للقريب والبعيد أن الجمهورية آيلة للسقوط، مشرفة على الهلاك والانهيار.

فجأة، وعلى حين غِرَّة من تسالم القانون الدولي، وبديهة العرف الأُممي، شنت أمريكا وإسرائيل هجوماً مشتركاً صاعقاً دمَّر العديد من القواعد العسكرية والبنى المدنية لإيران. وعلى خلاف المتوقع، وعكس المرجو المنتظر، تنفس النظام الصعداء، واستطاع امتصاص زخم الضربات، والالتفاف على وقعها المرعب المهول! فالغارات الجوية والدمار الهائل أثار الغيرة الوطنية، وأجج العصبية القومية، التي توجَّهت وانصبَّت لنصرة النظام ودعمه! والرئة التي يتنفس منها نظام الجمهورية بعد المعطى الفقهي الشرعي، هي الالتفاف الشعبي والاحتضان الجماهيري، الذي أمَّنه العدوان وكفله لإيران، فهذه الجمهورية لا يهمها الدمار والترليونات التي أهدرت، بقدر ما ينجح ذلك في رفد دوامها ودعم بقائها. ولم يكتف العدوان الثنائي بما فعل، حتى عاد بعد أشهر معدودة ليشن حرباً ثانية، هوجاء شعواء، ضروس طاحنة، حامية الوطيس، مستعرة الأوار، بدأت باستهداف شخص المرشد الأعلى، وقادة القوات المسلحة، وتلاحقت باقتناص أركان النظام ومفاصل الدولة، وما زالت رحاها تدور حتى لم تُبقِ شيئاً مما حصَّلته إيران في أعوامها الأربعين، منذ انتهاء حربها مع العراق، وقضت على جميع المنجزات الاقتصادية والعسكرية والمدنية والبنى التحتية، وخلَّفت البلاد في عراء وغلاء وبلاء لا يطاق. لكنها نقلت النظام إلى منطقة “الظُلامة”، ومساحة “البراءة” و”الاستعطاف”، بل الفخر والنبل الذي سُجِّل للمرشد وقادته الذين كانوا وأُسرهم في طليعة الشهداء والمضحين. ولم يكن لأمريكا أن تقدم لإيران أعظم من هذه الخدمة!

لم تحتج إيران في تفنيد الدعاوى والحجج الأمريكية والإسرائيلية إلى كثير مؤونة وجهد، بل كانت هي التي تكرِّر نشر صور مظاهرات أتباع الشاه، وتعيد بث أفلام نشاطاتهم المقززة، وكذا صور الدمار الذي حلَّ بالبلاد، كانت مشاهد وممارسات تخلق فائضاً كبيراً في القوة المعنوية التي أرست وثبَّتت النظام، وجعلته يتحمل تصفية قادته، وهدم جسوره وقطع طرقه وتدمير مصانعه ومعسكراته وكل ما يتصل ببنيته الأمنية والعسكرية. اللافت المستغرب أنَّ النظام لم يسجل في ساحة الحرب الإعلامية والمواجهة المعنوية أي جهد في الحرب العسكرية، ولا تكلف أي عناء في ردِّ العدو ودفعه، لكنك ـ في المقابل ـ تراهم يستنفرون إعلامهم وصحافتهم، ويستنهضون قنواتهم ومواقعهم، ويعبِّئون صعاليكهم وذبابهم، يتشنَّجون من فقيه رصين صلب، عالم رباني ورع، بلغ مرتبة عالية في العلوم والمعارف الدينية، وظفر بحصيلة غنية، وتسنَّم موقعاً شهدت له الحوزة العلمية بالأهلية، وثنيت له الوسادة، التي لم يتمكَّن أي معمم حزبي من الدنوِّ منها، والاتكاء عليها. وهو بعدُ، شجاع لا يخشى في الله لومة لائم، بصير يعيش آلام أُمته وبلاءات شعبه ومحن طائفته، يلج الميدان بحرص ووقار، ويقوم بتفكيك بيت “مكعبات الليغو”، أو دحرجة “أحجار الدومينو”، بأدلة وحجج دون ردِّها خرط القتاد، يعجز أعلاهم عن إبطال أدناها، فتنهار المنظومة من تلقائها، وتنعقد ألسنة أربابها، فتنبري جماعة الخناسين، الذين لا يرحمون ولا يريدون للرحمة أن تحل، زمرة الرعاديد المخاريع، الذين لا يطيقون بروز غيرهم، ويرجِّحون مصالحهم على ضرورات الدين، وكأن ليس لكتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجود، ولا لأحاديثه مصادر، ولا لأحكامه بحوث، والمضحك أنهم يتذرَّعون بالحكمة والوقار، وينادون بالتروي والانتظار، والحقيقة أنهم لا يبالون، لم يكونوا يوماً من المبالين بظلم الزهراء، فيقفوا في وجه إمام الضلال محمد حسين فضلة الشيطان، ولا برفع الخامنئي إلى مصاف أميرالمؤمنين ليكون علي العصر، ونصرالله إلى سيد الشهداء ليجعلوه حسين الزمان، سكتوا وغضوا طرفهم على ما يستباح من دينهم، ولا هم اليوم يبالون بإراقة دماء الشيعة وامتهان كرامتهم بالنزوح والشتات في الطرقات، وتهديد وجودهم في بلادهم بترحيل وهجرات! ولو وسعهم لصافحوا فضل الله ووالوا الخامنئي الصغير وقبَّلوا يده، ولكل صفقة ثمن، وكل حيلة شرعية ووصفة مصلحية عنوان وبيان.

الضربات العسكرية لن تجدي، الجمهورية الإسلامية ليست نظام العلمنة في تونس، ولا ضباط الجيش في مصر، ولا هو البعث العراقي والسوري، ناهيك بنيكولاس مادورو في فنزويلا، ولا نورييغا في بنما من قبل!السبيل الوحيد لإسقاط النظام هو تفكيك البنية الفكرية التي يستمد منها النظام المشروعية التي يقوم عليها، وهي الفقه والشريعة. هكذا استطاع عالم رباني وحيد منفرد، هو الشيخ محمد حيدر العاملي، بصولته الحيدرية وحجته الباقرية الجعفرية، خطا الخطوة الأولى في عملية تفكيك وجود النظام الإيراني في امتداده الخارجي، وهو لا يحتاج إلا أن تكفَّ أمريكا وإسرائيل عن ولوج هذا الحقل والعبث بهذا الميدان، فلا شيء يخدم النظام مثل الظُلامة، ولا سيما التي وجدها الشعب ورآها الشيعة تنزل بهم، فكان التعاطف والتناصر.. كما يحتاج إلى العون والنصرة، وأدناها أن تتحفنا بعض “البيوتات” بسكوتها، ويكرمنا أتباعهم بالكفِّ عن شيطنتهم، ولن نطمح أن يرقوا إلى موقف المرجعية، وإن لم يسعها إعلانه. ومن نافلة القول أنَّ المراد هنا الشيخ محمد حيدر النوع لا الشخص، الذي يتمتع بالعلم والورع والغيرة والشجاعة، وفي لبنان كنوز أخفاها ركام العصف الحزبي، وطمرها إعلامه الشيطاني، آن الأوان لإظهاره ونهوضه بمواجهة جادة واستعداد للتضحية، ينقذ المذهب والطائفة.. واستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، “إن كيد الشيطان كان ضعيفاً”.

Posted in

التعليقات