• عين الحياة، نبع ليس في جبل قاف، ولا أعماق بحر الظلمات، لا يجري في اليونان أو اليابان، ولا يطلب في الصين، ولا يناله مَن في عقيدته ظنين، وعن الخير بضنين… إنه في كربلاء، أُعدَّ لنجباء، عرفوه في الذر وآمنوا به في السماء، ها هم يتقاطرون من كلِّ فجٍّ عميق، قد علموا مشربهم، يريدون ما يشرف على البيت العتيق، يروون ظمأً من زمزمه، ويعفِّرون جباهً بخاتم تربته وميسمه، يجدِّدون به عهداً ويمضون معه بيعة، يسوقون بين أيديهم هديهم، صدوراً مشرعة ترغم الأهواء والشهوات وتتحدَّى الشرور والشيطنات، ويقودون أرواحاً متألقة تستهين بالطعون ولا تبالي بالاعتراضات، وتدوس بأقدامها الشبهات وتسحق التشكيكات!

    هنا عين الحياة، نبعها الذي مَن اغترف من معينه غرفة، وتناول من زلاله جرعة، خلُد إلى الأبد، واتصل بالأزل… قدَر مَن يمضي ربانياً ويصير إلهياً، فيكون سرمدياً، إذ تُزيل الرشفة كلَّ متعلقات الأنا، وتقشع ظلمات النفس وتقودها لخالص الرجاء وصحيح المنى، تنجلي الحجب وتنزاح، ويلتقي الحق ويرى ما تمناه موسى بطورٍ فانثنى عنه بكفَّي معدم.

    بعد الله تعالى الذي لا يخلو هنا من بقعة ولا يغيب للحظة، رأيت في هذا المسير العرشي والمسعى الملكوتي أخاً لي فرَّقتني عنه العقائد والأفكار، صديق حميم هجرني لأنني “أضعِّف المجاهدين” و”لا أوالي ولي أمر المسلمين”، فأصطف بذلك في جبهة الأعداء وألحق بالمستكبرين!.. كان يسبقني ويتقدم عليَّ بخطوات، دنوت منه، فلا محلَّ للصلح وقطع الخصام أفضل من هذا، ولا حين خير من الساعة، التفت نحوي قبل وصولي وهتف: إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفنِّدون! تعانقنا طويلاً، وبكينا نشيجاً، وراح ينثر: انتشلتني عبَرات تحادرت مني في مجلس عزاء، بعد قلب اكتوى بلوعة المصاب، فانكشف لي الغطاء وانزاحت الحجب وظهرت الحقائق، كنت ـ أي أخي ـ في تيه وضلال، فجئت مسترشداً تائباً، وجدت الأبواب مشرعة لنائم انتبه قبل الموت، وغافل استيقظ قبل الفوت، فأدرك بالحسين كل عيد، ليوافي صحباً قضوا في ربى الطفوف أضاحي.

    إنني أرى الحقائق الآن، أشهدها واضحة جلية، وأتطلَّع إلى عين الحياة في كربلاء، لا بشروط نمليها على صاحب الحوض، ولا بضوابط نرسمها لمفجِّر العين وحامل اللواء! بل وفق قانونه وعلى نهجه وشرعه، نشعلها ثورة وقياماً حيث ثار وقام، ونلتزمها قعوداً وسكوناً حيث التزم داره وكان حلس بيته…

    ‏رأيت هنا مَن تصطف في مرآب منزله أكثر من عشر سيارات فارهة، بينها رولزرويس وبنتلي وبورش ولامبرجيني وفيراري، من الترف وحياة البذخ ما يناهز عيشة الملوك والأباطرة في القرون الوسطى، رأيته ينام على الأرض متقرفصاً، وقد اتخذ من حذائه وسادة! وأعرف فتى تقدَّر ثروة أبيه بثلاثة مليارات دينار، طلب من أحد المواكب دوراً يحقِّق له عنوان خدمة الزوار، فاعتذروا لكفايتهم، ثم استدرك أحدهم وعرض عليه تنظيف المراحيض، فقبل وفعل، وما زال مرابطاً هناك، ينتظر خروج الزائر ليزيل مدفوعاته ويطهِّر المكان للتالي! وهنا متغطرس متكبر، يتجنب التسوق في الكويت حتى لا يخالط عامة الناس، فلا يبتاع حاجاته إلا من هاوس أوف بيجان في بيفرلي هيلز كالفورنيا، أو بوردون هاوس في لندن، أو لوي فيتون في باريس، وهو يعاني من رهاب التلوث والميكروبات، لا يكاد يلمس شيئاً إلا بادر لتعقيم يديه… رأيته يشرب من وعاء سبقه إليه غيره، ويتناول الطعام بملعقة معدنية (ليست من الستيل المصقول) لم تغسل بعد الاستعمال السابق! ورأيت رجلاً أعرفه في قمة مواقع السلطة والقرار في بلده، كان يجمع القمامة، ويكنس النفايات.

    ‏هنا تنكسر النفوس وتتحطَّم كل أنا، ويقوم الجهاد الأكبر… هنا ترقى الأرواح وتصعد لتحف بالعرش وتبلغ الذروة التي تُلحِقها بسادتها. إنه الباب الذي فتحه الحسين، والسفينة التي أبحر بها سيد الشهداء.. فُلك النجاة، وهؤلاء الناجون الأحياء.

    هنا الحياة، لا حيث كنا نحسبها حكومة عدل، والخانعين تحت نير الظالمين أمواتاً، ونرى الإمامة ثورة وقياماً، والقاعدين عنها ضُلَّالاً ونياماً! لعمري كم هم صغار تافهون، حتى ليغلبي الخجل والحياء كلما تذكرتهم يزهون بجهادهم ويفخرون بتضحياتهم، اخترقتهم الدنيا ونفذت في أرواحهم، وغلبهم الهوى وجرى مجرى دمائهم، فغدوا طوواويس يخطرون بريشهم، وينشرون أذيالاً تصنع قوس قزح، وتكرس الشيطان اسماً ورسماً!

    حقاً إنهم صغار تافهون، في الهامش يقبعون، وعلى شفا جرف هارٍ يمضون، لا يؤبه لهم ولا يُلتفت إليهم، حتى كأن الضجيج الذي يقيمونه في عالمهم، والصخب الذي يثيرونه في دنياهم، زبد وغثاء، وعفط عنز يأتي من نثر أنوفهم، فيُقابَل بزجر راعيهم وهو يحاكيهم، ولمن أحسن النظر وتبصَّر، هو عراق خنزير في يد مجذوم… ولست مأخوذاً في حكمي عليهم بهذا السيل العظيم والجموع المليونية التي يتصاغر أمامها كل حزب وجماعة وفئة، ولا من وحي عظمة المقصود، ما تتضاءل أمامه كل طاعة وعبادة،‏ بل هي عظمة الحقيقة، والروح الملكوتية التي تصاحبها، وتمتد لتهيمن وتغلب باسم الله الأعظم.

    كم استصغرنا عاشوراء واستهنَّا بكربلاء، كم حجَّمنا القضية بأحجامنا الصغيرة، وصببناها في قوالبنا الضيقة وصدورنا الحرجة! كم أهدرنا قيم السماء بهذا اللغو ومتسافل الخطاب، ثم كابدنا في نشره كل عناء! ونحن في غفلة أن الحسين سعى لحتفه لا لملكه، وتقدَّم لمقتله لا لحكومته، لم يحتل بحيلة ولا ناور بوسيلة، فكل الأنظار في عاشوراء كانت تتجه نحو الآخرة والحياة القادمة، لا هذه التافهة العابرة الخاطفة. في عاشوراء، رفعت الأشرعة في كل فضاء حتى ملأت السماء، واقتُلعت المراسي من كلِّ الأعماق، فتحررت جميع الأرواح، وأقلعت سفينة النجاة، وراحت تتهادى في خضم الطوفان، وتبحر في لججه البعيدة، وربانها ينادي ويحكي عن ولهه إلى أسلافه اشتياق يعقوب إلى يوسف، ومصرع هو لاقيه، وموت خُطَّ على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وعن حظيرة قدس تجمع فيها برسول الله لحمته، وقيامة يوفَّى فيها أجره…

    كان المشهد في نسخته الدنيوية قتلاً وأسراً وذلاً وهواناً وهزيمة، وها هي صورته الملكوتية تتجلى عشقاً وتحرراً وعطاء وتضحية، وبذلاً وإيثاراً وتكافلاً وحمية، إنه صراع الأرواح والمعاني، وحرب القيم والمثل، وما الدنيا بما فيها إلا كورقة في فم جرادة تقضمها، فانخدع المغترون بنعيم يفنى ولذة لا تبقى، وغلبهم سبات العقل وقبح الزلل. ولو أعاد داعيهم عليَّ نداءه الأول الذي غرَّني به، فقال لو كنا حظوراً في كربلاء لما قتل الحسين وما سبيت زينب! وأن قائدهم هو حسين عصرنا وعليُّ زماننا… لقابلته وواجهته بـ: هبلتك الهبول، أعن دين الله أتيتني لتخدعني، أمختبط أنت، أم ذو جِنَّة أم تهجُر؟!

    فإن لم يكن من الطواغيت وأئمة الضلال، وكان مغرراً به مثلي، لأخذت بيده، وجئت به إلى هذا المسير، وعلَّمته كيف يبكي وينوح، فيفتح المغاليق، وكيف ينكسر قلبه فيعتمر حباً وعشقاً، فتذل له وتطاوعه المقادير، يقول للشيء كن فيكون! ليعلم ويكتشف بنفسه أن هذا أداء يتخطى به أربابه حتى قوانين القيامة! فيقيم الله لهم محشراً خاصاً بهم، وقيامة تسبق قيامة الخلق، فيزفون إلى الجنان، والخلق في عرصات قيامتهم، في المحشر وعلى الصراط وأمام الميزان، يساقون إلى جهنم زمراً، كلما دخلت أمة لعنت أختها… ويرى التافهين الصغار، مستغرقين في بقعة ومتهالكين على برهة، لو جمعت إلى حجم الأرض والحياة عليها لما تجاوزت نقطة، ولا بلغت من بحر قطرة، ومن رمل الصحراء حبة، فكيف بها أمام الكواكب والنجوم والمجرات؟ وأمام العوالم التي تفصلنا عنا مليارات السنين الضوئية، وأمام كل ما في الكون من كائنات… لا شيء في عالمنا يمكن أن يقف وينهض، ويضاهي ويقهر، إلا هذا المشهد، والوجود يردد: أشهد أنك قُتلت ولم تمت، بل برجاء حياتك حييت قلوب شيعتك، وبضياء نورك اهتدى الطالبون إليك… وأشهد أن هذه التربة تربتك، وهذا الحرم حرمك، وهذا المصرع مصرع بدنك، لا ذليل والله معزُّك، ولا مغلوب والله ناصرك…

  • لا يبدو أن إطلاقات حسين العصر وعلي الزمان وما يدور في أوساط أتباع إيران ومقلدي السيد الخامنئي، يخضع لسقف وسطح، أو يتوقف عند حدٍّ ومدٍّ، يكفُّ عن الذهاب وراءه ويحجم عن المضي بعده. ولا هو من تنطُّع متزلِّفٍ لوى شدقه ليتفلسف ويتفصَّح، وتحذلقُ مداهنٍ متملِّق يطلب الجائزة من وزير ويرجو صلة الأمير، بل هو نهج وعقيدة، آن أوان كشفها والجهر بها، وسيرة ستمضي في تخطي الحواجز وكسر الحدود وصدم الواقع بما ينفي الوحشة، ويفرش أرضية البحث وبساط التداول، ما ينتهي إلى القبول، وفي أدنى المحصِّلة الاندراج في المعقول!

    ففي خضم هذا التهابط والإسفاف، وحمَّى التسابق على السقوط في النار، انتشر مؤخراً تسجيل مرئي للشيخ أحمد جنتي رئيس مجلس الخبراء، بفجٍّ أشبه بالجلاميد، وغثٍّ تمجُّه الأسماع ويشنؤه كلُّ سويٍّ سليم، يستنطق فيه لسان حال السيد الخميني، يفترض له مقولة أو وصية تنادي بـ “إني تارك فيكم الثقلين”، “الثقل الأول هو الإمام الخامنئي الذي هو عليُّ زماننا، والثقل الثاني هو النظام والحكومة الإسلامية”! وبينما كانت الساحة في ذهولٍ حمَلها على التثبت من صحة التسجيل، وحقيقة النسبة وعدم التلفيق والتركيب، تلقت صفعة مدوِّية وخبطة قاضية من كاظم صدِّيقي إمام جمعة طهران، لبَطها ورمح بها وهو في معرض بيانه كيفية صناعة القرار الذي يحقِّق الإنتصار، قال: “إن الكلمة الأولى في رأس الهرم تصدر عن القائد، الذي ينفعل ويلتئم (يغلي ويضطرم)، فهو له حضوره وله علمه وله معرفته، ولكنه ليس هو! إنه الله الذي تجلى في وجوده”!.. والأمر كما هو بيِّن جلي، لا كناية ولا استعارة، ولا تشبيه ولا تمثيل، إنه بوضوح تام قول بالحلول! والجرح يسكنه الذي هو آلم، فإذا كان الخامنئي هو الله تعالى، فأي ضير أن يكون القرآن الكريم هو حكومة ظلم وفساد وضلال، وأي بأس أن تقرن العترة الطاهرة بهذه النظائر وتنحدر لتقاس بسلطان جائر!

    ويأتي هذا القول الشنيع والإفك المريع في سياقٍ باتت الحركة الإسلامية ونهجها الحداثوي التنويري تعيشه من جمود غير مسبوق للعقل، واستلاب مهين للفكر، ناهيك بانعدام الإرادة والقرار، وتسيير آليٍّ ما عاد له نظير حتى في الصين، اللهم إلا في كوريا الشمالية، وهنا كما هناك، عبادة مخجلة للشخص وتقديس وثني للرمز، وصنمية تتخطى البوذية وتفوق الهندوسية!

    والأمر وإن كان سابقة في التشيُّع، أن تتهاوى المفاهيم وتتحلل الأسماء والألقاب، وتهتك الحدود وتتداخل، فهو ليس وليد يومه ولا ابن ساعته، ولا بدعاً في تاريخ الحكَّام، ولا هي أول قارورة تكسر في الإسلام! فالصديق والفاروق، والأخطر أميرالمؤمنين، هي ألقاب علي عليه السلام وأُطلقت على غيره. وإن توقف هذا النهج بعض الشيء في العصر الأموي، لما يبدو من عزم على مسخ الأصل وتغيير الجسم، ما ينفي الحاجة لخلع الأثواب ولبس الألقاب! فإنه عاد بزخمه الأول في العصر العباسي، واستمر ليمتد حتى الفاطمي والأيوبي والأموي الأندلسي… وها هو يعود بأقبح صوره وأبشع أشكاله في العهد الخامنئي!

    ويبدو أن تناسباً عكسياً يحكم الغلو والتمادي في هذه الإطلاقات، فكلما استشعرت البطانة في قائدها مزيد جهل وصغار وضعف وهوان، عمدت إلى المبالغة والإسراف في الألقاب، عسى أن تمحى الصورة من الواقع وتزول من النفس على السواء.

    من هنا، لمَّا كان مكمن العقدة عند بني العباس هو البيت العلوي النبوي، تراهم عمدوا إلى ألقابهم وكناهم، فأطلق محمد بن علي بن عبدالله بن العباس السفاح على نفسه المرتضى، وتسمَّى محمد ابن المنصور بالمهدي، وابنه موسى بالهادي، ثم جاء الرشيد والأمين والمأمون، والمعتصم والواثق والمتوكل، والمنتصر والمستعين والمعتز، والمهتدي والمعتمد والمعتضد، والمقتدر والمرتضى والقاهر… وراحت تترى الألقاب والصفات وكلُّها بالله، الذي يُقتل أولياؤه على أيديهم، ويُزجُّ بهم في سجونهم! ولما جاءت الدولة الفاطمية الإسماعيلية كان المهدي والقائم بأمر الله، والمنصور بنصر الله، والمعز لدين الله، والعزيز بالله، والحاكم بأمر الله، والظاهر لإعزاز دين الله، والمستنصر بالله، والمستعلي بالله، والآمر بأحكام الله، والحافظ لدين الله، والظافر بأمر الله، والفائز بأمر الله، والعاضد لدين الله… وهكذا فعل الأيوبيون والمماليك والأمويون في الأندلس، حتى أنشد الشاعر:

    ومما يُزهدني في أرض أندلس @ أسماء معتمد فيها ومعتضد

    أسماء مملكة في غير موضعها @ كالهرِّ يحكي انتفاخاً صولة الأسد

    وهذه وتلك كما ترى، تبقى في حدود ونطاق لا يترتب عليه في ظاهر الأمر والحكم كفر أو زندقة، ولهم أن يعزوه إلى التيمُّن والتفاؤل والرجاء، وعناوين أخرى تزينها لهم شياطينهم… ولكن ما يجري في الدولة الخامنئية، على صعيد الحكومة والقاعدة، والمؤسسات والأحزاب، فهو شيء آخر يقرب من المسِّ والجنون ولوثة واختبال.

    وقد اعتمدتُ ما صدر من أعلام القوم كالسيد نصرالله والشيخ جنتي والشيخ صدِّيقي، أما ما أوكلوه لعوامهم، وما يجري على يد قاعدتهم، ولا سيما جيشهم الألكتروني، فمن الكفر البواح، والزندقة التي لا يتردد فيها مؤمن مهما احتاط وتورَّع، والتمس محامل الخير والبراءة.

    لم يحدِّثنا تاريخ الأديان عن مثل هذا الطغيان، من غير طبقة النمرود “أنا أحيي وأميت”، وفرعون: “أنا ربكم الأعلى”!.. وإن أحسن بعضهم الظن في الخامنئي ورأى أنه لا يحسب نفسه رباً ولا يقول بالحلول، ولكنه كما يبدو من قرائن وشواهد، يرى لنفسه ودولته مقام الثقلين، ولا يرى ما هرف به الجنتي شططاً..

    بالأمس بادرني أحد العرفاء الكمَّل، الذي طالما استبق برؤيته النافذة الحوادث ووقائع الأيام، وقرأ ببصيرته خارطة طريق النجاة والفلاح، كنت أشكو إليه قبل حين ما يفعلون بالمذهب والدين، فقال: أرأيت كيف فعل ربك بالمستكبرين؟ أرأيت عاقبة الجرأة على سيد الشهداء، وجزاء محاربة شعائر عزاء الحسين. إن هذا التمادي والوقوع في الكفر، هو علامة الخروج من حول الله وحفظه، والدخول في حولهم وقوتهم. وهو أقصى قصاصٌ يمكن أن ينزل بهم، وأشد عذاب استُدرجوا إليه ووقعوا فيه. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

  • كنت في مكتب أحد المراجع العظام في قم، عندما لاحظت بعض اضطراب بين العاملين هناك، سألت عن الأمر، فتبين أن أحدهم رصد عبارة ملتبسة في كتاب للمرجع الكبير، قد يُنتزع منها ما ينال من الشعائر الحسينية، وينتقص ـ بنحو ـ من مكانتها.. وكانوا يتحاورون في كيفية استدراك ذلك، هل عليهم أن يصدروا بياناً، أم يوجهوا سؤالاً وينظِّموا استفتاءً ليُنشر جوابه ويعالج القضية؟.. كنت أراقب الوضع سعيداً مغتبطاً، حامداً شاكراً، أن رئاسة المذهب في أيد أمينة، كلُّها حرص على تصحيح خطأ وقع واستدراك زلة عرضت، ولا أنفي هنا التفاوت في علل الحرص ومنشئه بين المرجع نفسه، الذي كان يخاف ربه ويرقب إمام زمانه، وبين ابنه أو الحاشية القلقة من التأثير السلبي على شعبيته، واستغلال الأعداء ذلك لتشويه صورته والنيل من مكانته.

    وفي مشهد مقارب، حكى آية الله السيد حسن فقيه إمامي (في تسجيل مصوَّر) أنه أخبر السيد الخميني قدس سره ـ إبان وجوده في النجف الأشرف ـ عن كتاب نُشر في أصفهان، نسب إليه تحريم جملة من الشعائر الحسينية كاللطم والزنجيل والتطبير، وكيف ظهرت عليه ـ وهو يتلقى الخبر ـ آثار الحزن والاستياء، وأنه سأل مستنكراً: “إليَّ أنا نُسب ذلك؟ ثم طلب إليه بأن يكذِّب تلك الدعوى. ولم يكتف ولا سكن حتى استدعاه ثانية وكرَّر عليه السؤال والطلب وقال: “كذِّبوه، كذِّبوه“.

    تذكرت الواقعتين وأنا ألحظ تصرفات قيادة حزب الله وقاعدته (على السواء، فقد اختلط الكبار بالصغار، والتحق الأطفال بالرجال، فما عاد هنا حكيم يُرجى ولا بصير يُخاطَب، والقلة الولائية مضطهدة، مراقبة ومترقبة، تلتمس لنفسها مخرجاً وتبحث عن منجى يدرأ الضغوط والحصار، وما زالت الساحة ترتقب حراًيهمز فرسه وينكزها، ليخرج من هذا المعسكر إلى الجنة، وهو يردد: والله لا أختار على الجنة شيئاً ولو قُطِّعت وحُرِّقت!) على الصعيد العقائدي والديني، والمسار الإعلامي والنهج التبليغي الذي اتخذه هذا الحزب، وما يمكن وصفه، دون تجنٍّ أو مبالغة، بالأرعن الأهوج!

    فبعد خليط الثقافة العلمانية والفكر الزيدي الذي وقعوا فيه وصاروا يروِّجون له منذ أمد، وآلية الفرقة والفتنة وشق عصا الشيعة بمقولاتحسيننا وحسينكم، زينبنا وزينبكم، وبعد دورهم في محاربة الشعائر الحسينية الذي ما انفكوا يمارسونه منذ سنوات.. عمدوا مؤخراً لخطاب الغلاة وحكوا مسلكهم في النداء على وليهم، وأوغلوا في: “الخامنئي هو حسين العصر، وما أدخل الساحة في نزاع وصراع لن ينتهي إلا على دمار وهلاك، دنيوي يسبق الأخروي، ويفتح الباب على سفاهة ووقاحة أخذت السفلة والجهلة إلىنحن نريد أن ندخله فصلاً في الأذان، وأنتم تستكثرون إطلاق الحسين عليه“!؟ وإنه معصوم وهو الإمام الثالث عشر، والخامنئي هو مصباح الهدى وسفينة النجاة“… وما يمضي على نسق هذا المجون والجنون.

    من المشهود الملموس والواضح الجلي أن لا تربية هنا ولا أخلاق، لا تهذيب ولا تزكية، بل نزق وطيش وغطرسة، تستخف بمقدسات الدين وتتحدَّى مشاعر الملايين، جاء من طغيان القوة وغشَم السلاح، أخذ القوم إلى التباهي والاستعلاء فالبطر والبغي والإفساد، وسيمضي بهم إلى تيه وضياع، ويفضي إلى تداعي البنيان بعد أن هدُّوا بأنفسهم أعمدته، وسقوط الكيان بعد أن قوَّضوا بأيديهم ركائزه!

    والحق أنَّ الساحة في ذهول من هذا الطيش والغرور، وكيف بلغ الأمر هذا الحد من الغطرسة والاختيال، والتجبُّر والخيلاء الذي لا يحسب لشيءيهتكون ضرورات المذهب ومسلَّمات الدين فلا يبالون، ويزرون بقيم الإيمان وكرامة المؤمنين ولا يكترثون، فخصمهم أعزل لا صواريخ يملك ولا سلاح يحمل، ولا خلايا أمنية ترهب وترعب! وإلا للزموا حدودهم ووقفوا عندالآخروحرمته، كما يفعلون مع المسيحيين والدروز والسنة وغيرهم؟! وهذا من غريب الغفلة ومُستدرج السبات، الذي أنساهم حالهم في حرب 2006 حين زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، ولم يبق لهم من ناصر ومعين وملجأ ومغيث إلا بيئتهم الطائفية وحاضنتهم المذهبية، من الذين يعيبون عليهم اليوم البكاء على سيد الشهداء ويستهزئون بمعتقداتهم ويستبيحون مقدساتهم!

    دع عنك الآخرة والقيامة والحساب والعقاب، ألا يخشى الحزب أن ينفضَّ الناس من حوله لهذه الغلظة والفظاظة؟ أم تراه يحسب أن الشيعة طوع بنانه ورهن إشارته، يقبِّح معتقداتهم ويسبُّ دينهم في رخائه، ثم يستنجد بهم في شدَّته ويلجأ إليهم في بلائه!؟ إنني أعرف من باع حُلي زوجته ليعين القوم في حرب 2006، وهو نفسه اليوم يتبرأ منهم، بل ويلعنهم لحربهم الشعائر الحسينية، وتطاولهم على الإمامة وتعديهم على سيد الشهداء باستنساخ اسمه وتكرار صورته وإسقاطها على ولي أمرهم! فالشيعة يرَوْن الخامنئي وألفاً من قبيله لا يساوون تراب نعل الحسين، واللطيف أن السيد الخامنئي نفسه يقول بذلك ويصرِّح به! لكن قومه يجهلون ويكابرون، وحزبه يعاندون ويغالون. وكل رهانهم وغاية حجتهم: قوة السلاح وعطاء الجهاد الذي يتمتعون أو يتبجحون به، ووقاحة لم يسبقهم إليها منحرف أو ضال، اللهم إلا الحبتري وفضلة الشيطان!

    الحقيقة أن النخبة في الحوزة العلمية وعموم العاملين في الساحة الإيمانية، يعيشون حيرة في كيفية مواجهة هذا الجسم السقيم، وما يفرزه من دنس ويفشيه من لوث، وقد بلغ هذه الحدود من الصلف والكبر والتيه، وصار معلناً في الإضلال والتحريف، والفضلاء بين يائس من الإصلاح يراهن على حبل يلفه القوم بأيديهم على أعناقهم، ووجِل من إمهال يسبق صاعقة قاصفة، وصفعة مهدوية ناسفة، علينا أن نحذرهم منها وننقذهم قبل وقوعها، ولو بمقالة قد تبلغ آذانهم، لعلها توقظهم فتنتشلهم من الهلاك.

    في سيرة بني إسرائيل أن موسى استسقى لقومه وضرب بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، قد علم كل أناس مشربهم، لكنهم لم يصبروا على طعام واحد، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، وعثوا في الأرض مفسدين. وفي واقع أمة محمد أنه صلى الله عليه وآله خلَّف فيهم اثني عشر إماماً، لا يزيدون ولا ينقضون، لا نظير لهم ولا شبيه، سواء في ذواتهم أو أدوارهم وأعمالهمفظهر اليوم قوم يريدون أن يستبدلوا الأدنى بالذي هو خير، وراحوا يبحثون عن الثريا في الثرى، ويرسمون على طَلل الماء لوحة لزعيمهم، ويخطون على رمال الساحل اسم أميرهم.. يحكون ضفادع تقبع في قعر بئر، تحسب السماء بحجم فوهته، ولا شيء وراء فمه!

  • يبدو أن هامشاً كبيراً من الحرب على الشعائر الحسينية قد حُسم ـ ولله الحمد ـ لصالح الحق وأهله، وأن إعلان الهزيمة الكاملة لأتباع “الحركة الإسلامية” من “التنويريين” الماسون، وما يتبع ذلك أو يلزمه من بُكم مرتزقتهم وخرَس عملائهم، لا يعيقه إلا ما يأخذهم من مكابرة وعزَّة بالإثم، تدفعهم أن يستمروا في إثارة الزوابع، وإن كانت في فناجين يرتشفون منها الغلَّ، أو رنين كؤوس يقرعونها عند تتبادل أنخاب الفسق، وصخب تضج به محافلهم من لغو وهذر، فلا ينقطع “الدفع” ويستمر “القبض”، ويبقى بيت الشيطان عامراً! سقطت الحرب المباشِرة وهُزم الجمع وولوا الدبر، وتوقَّف الحديث عن حرمة التطبير وسكنت المراوح الإعلامية التي تثير غبار الكذب والزيف، وتهيج عواصف الأحقاد وتغري بالعداوات بين المؤمنين…

    لكن الذين دُحِروا بالأمس وصُدُّوا وطُردوا عن الأبواب، عادوا اليوم عبر النوافذ وتسوَّروا الجدران! فالحرب لم تنته ولا انقضى الصراع، ولعمري فهو باق ما دام أولياء الطاغوت وحزب الشيطان، الـمُنظَر إلى يوم يبعثون… إنما انتقل إلى جبهة جديدة، لعلَّها أخطر من الأولى الانفعالية الهوجاء، وكأنهم تعلَّموا من أخطائهم، فتجنَّبوا الصدام المباشر، وامتنعوا عن المواجهة بردٍّ ونقض، وعمدوا لأداء يقفز على الحال ويصادر الواقع بصمت ودون إثارة، ما يكفيهم الحاجة لاختلاق عناوين كاذبة، ويوفِّر عليهم الافتراء على الفقهاء بفتاوى مزيفة. ومَن يرصد حركة القوم ويتابع أنشطتهم وفعالياتهم، يلحظ وضعاً شمولياً وحالة تنبئ عن مركزية في القرار والإدارة، فهناك منطلق حركي واحد، يحكمه انضباط حزبي صارم، يسوقهم كقطيع ويقودهم كرتل وجمهرة… فكما صمتوا جميعاً عن التطبير وأخلوا جبهته، تراهم اندفعوا معاً لإسقاط الرثاء والبكاء، عبر بدعة محدَثة وهرطقة منكَرة: برامج محاضرات عشرة عاشوراء!

    كأننا في موسم العزاء هذا العام، نتعرَّض لغارة مباغتة ونعيش غزواً منظماً للمنبر الحسيني، في ضربة ستُبطل ـ إن كتب لها، لا سمح الله، النجاح والاستمرار ـ جوهره الذي تظافرت عليه مئات النصوص الشرعية التي بيَّن فيها الأئمة الأطهار قولاً وفعلاً وتقريراً كيف يكون إحياء عاشوراء، لحقت بها سيرة المتشرعة وممارسة أبناء الطائفة جيلاً بعد جيل، ممتدة أكثر من عشرة قرون، لتخلق منظومة الشعائر الحسينية، وترسم موقع الدمعة والبكاء فيها. المنظومة التي شكلت الزخم الأصلي لبقاء التشيُّع، مما لا يمكن تفهمه واستيعابه، إلا بكونه خطَّة غيبية، وتحفة عرشية وهبها سيد الشهداء عليه السلام تقدِمة للفرقة المحقة، وعطيًّة للطائفة الناجية.

    هذه المنظومة الحركية الفريدة التي لا نظير لها في دين ولا شبيه في مذهب، راح معممون حداثويون يهتكونها ويقوِّضون أصولها وأركانها، بكيد وخبث أو بحمق وخرق، لصالح بضاعتهم الكاسدة وتجارتهم الشيطانية ومقولاتهم الخاوية، وبما يشبه حمَّىً نزلت ببعضهم، حملتهم على الهذي ببرامج عاشوراء وعناوين محاضرات تضيِّع هذا الكنز العظيم وتبدِّد هذه التركة العزيزة! لجأوا إلى ما يدغدغ مشاعر عوام المؤمنين، ويأخذهم لشعور كاذب بالعلم وبثقافة جوفاء مضحكة. هكذا أنشأوا خطاباً مغرراً لا يشكِّل نقضه وردَّه قضية إلا لدى النخبة الواعية، فكيف لها بمواجهته ومحاربته في ساحة غلبها الجهل والدجل؟! ولعل الظروف تسمح بعد عاشوراء والفراغ من واجب المأتم والعزاء، للكشف عن الذي أفسح لهؤلاء! وبيان مَن الذي أسس هذا النهج وابتدع هذه الطريقة وبثَّ هذه الفوضى؟ ومَن الذي أمضى (من خفاء) وبارك؟ ولن يسلم من المحاسبة هنا كبير ولا صغير.

    ماذا أصابكم يا قوم؟ ماذا حلَّ بكم ودهاكم؟ ألستم شيعة الصادق الذي قال: “مَن دمعت عيناه فينا دمعة لدم سُفك لنا، أو حقٍّ لنا نُقصناه، أو عرض انتهك لنا، أو لأحد من شيعتنا، إلا بوَّأ الله تعالى بها في الجنة حُقباً”؟ ألستم شيعة الرضا الذي قال: “فعلى مثل الحسين فليبك الباكون فإن البكاء عليه يحطُّ الذنوب العظام”؟ وقال: “كان أبي إذا دخل شهر المحرم لا يُرى ضاحكاً، وكانت الكآبة تغلب عليه حتى تمضي عشرة أيام، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه”؟ أين هذا من مجالس الأطفال ومسرح العرائس ومحترفات الرسم وليالي الأنس بالقرآن وحملات جمع القمامة من الشوارع؟ وأين هذا من عناوين محاضرات: “الصحة النفسية وتحديات الحياة”، و”الطرق التربوية لمعالجة الإلحاد”، و”لماذا المثلية الجنسية”، و”سيكلوجية الانتماء”، و”استراتيجية الازدهار”، و”جدلية الإلحاد”، و”سوسيولوجيا التربية والتسلط الأسري”، و”القوى الناعمة لمراهقة أيجابية”، و”المرأة بين التمكين والتهميش”، و”نظرة على الاستشراق والمستشرقين”، و”المساهمة الاجتماعية في التنمية”، و”الازدواجية السلوكية”؟!..

    جدب علمي وخواء عقدي، عجز عن فهم كُنه التشيُّع وإدراك جوهر الولاء، واهتزاز في الشخصية والبنية وسقوط في التربية أفضى إلى التماس غير سُبلنا، واستجداء المعرفة من غير مدرستنا، وتسوُّل الثقافة من غير مشربنا… إنها صولة مسكونين بعُقد الحداثة، وجولة مستشعري الصغار تجاه المثقفين، وحركة مهووسين بكل جديد، خلعوا أثوابهم واستبدلوها بأسمال رثَّة مهلهلة، وخرَق بالية لا تستر لهم سوأة ولا تداري عورة.

    ترى، لماذا لا نرى هذا التجديد في شعائر المسيحية واليهودية، وحتى الديانات غير السماوية؟ فلا أحد ينادي بتغيير طقوس اليهود، فيعيب على تمايلات تراتيل الحداد، وما يحكي نقر الجدار أمام حائط المبكى؟ ودسِّ الرقع وقصاصات الأوراق بين شقوق الأحجار؟ ولا أحد يسخر أو يطالب المسيحيين بالكفِّ عن حمل سعف النخيل أو غصون الزيتون في موكب الشعانين مع بداية أسبوع الآلام؟ ولا أحد يستقبح فعل الهندوس في تقاذف الأصباغ في يوم “هولي”؟ ولا أحد ينادي على أهالي راجستان وكهنة معبد كارني بالتوقف عن إطعام الفئران واستبدال ذلك بالبذل على جياع البشر والإنسان!.. بل لا أحد ينادي على المسلمين بتطوير الحج! فيقول كفى طوافاً حول أحجار كان الكفَّار يفعلونه في جاهليتهم، وكفى محاكاة لحراك جرى قبل آلاف السنين لامرأة تطلب لرضيعها الماء، فصار السعي نسكاً وأصبحت الصفا والمروة من شعائر الله، وكفى هدراً لملايين الهدي والذبائح احتفالاً بنجاة ابن نبي فداه الله من رؤيا تأمر بذبحه أراد أبوه أن ينفذِّها؟!.. لا شيء من هذا وذاك هنا ولا هناك، اللهم إلا شعائر العزاء على سيد الشهداء! هذه فحسب ما يعوزها التطوير وتتطلب التجديد والتغيير!.. ثكلتكم أمهاتكم، وشُلَّت أيمان كتَّابكم، وعييت الخطباء منكم وخرس الناطقون بمقولاتكم.

    ما زال مئات ملايين المسلمين من المغرب العربي إلى أقصى الشرق في ماليزيا واندونيسيا (وكل بلاد لا شيعة فيها)، يعيشون السنة الأموية، يتخذون يوم عاشوراء عيداً، يظهرون فيه الفرح والسرور، ويجهلون ما جرى فصعقت له السماوات، وضاع عليهم وما وقع فاهتز له العرش وتضعضع. وما زال النواصب وأرباب المنكرات ـ على سواء ـ يتبارون في منع الأحزان وبث الأفراح وتضييع القضية الحقيقية… ثم يأتي شيعيٌّ معمم، ليعين على اندراس ما أقام الحق، وتضييع ما حفظ الواقعة وخلَّد الذكرى، بمحاضرات جافة سخيفة تافهة تحكي سواد وجهه وقبح سريرته، يزعم تطوير الخطاب وتجديد الوسيلة، ولعمري، فلن يعدم بخيلٌ الحجة من رجحان التوفير والاقتصاد، ولا جبانٌ الذريعة في قبح التهور والاندفاع، وسيسوق لك هؤلاء من الذرائع والمبررات التي حملتهم على هذه البدعة ما يضحك الثكلى ويُبكي مبتهجاً مسروراً.

    نحن على يقين أن الذي أهلك يزيد بن معاوية على طغيانه، والمتوكل العباسي على بطشه وجبروته، وصدام العصري على عتوِّه وغروره، سيسحق هؤلاء، الخبثاء اللئام منهم، والجهلة الطغام، ويفنيهم عن بكرة أبيهم، فلا يذكرون إلا بالعار والشنار، ولا ينالون إلا القبح والسوء، وستلحقهم الهزيمة والانكسار… لكنه هنا العمل بالأسباب وإسقاط التكليف وإتمام الحجة، وما يقطع الطريق على معتذر موغل في الإساءة والتشويه. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

  • عندما يغلب سوء السريرة وفساد النية، ويستولي الشرُّ على قلب امرئ ويغمر القبحُ باطنه، يظهر في وجهه خزياً وللملأ فضيحه، وها قد سوَّد الله وجه قصير… وعلى الرغم من العبارة المضحكة والطرفة السمجة التي يسوِّق بها لسيِّده ويستخف بها عقول العوام: “السيدان العليان الحسينيان”، فما إن حكمت الفرصة ليطعن في الظهر، حتى بادر، ولم يترك ما سنح دون توظيف مريض واسخدام مبتذل، فنال من حوزة النجف الأشرف وتطاول على المرجع الأعلى، وراح يعيِّر العراقيين بخيار الدولة المدنية ويشمت بهم لترجيحها على الإسلامية.

    هكذا نزى على منبر الوعظ، واستوى على كرسي النصح والإرشاد، وراح ينظِّر للعظماء ويوجِّه الأشراف، وقد قدَّم اسمه ووقَّع على بيانه بـ “سماحة”! ولربما ألقت عاهرة محاضرة في العفة، ودعت راقصة إلى الحياء والحشمة، وردَّدت قين:

    “أنا التي أمشي كما يمشي الوجي، يكاد يصرعني تغنجي، من جنة الفردوس كان مخرجي”…

    لا يخفى أن الرجل بين غلٍّ يضطرم على المرجعية، وحقد يتفجَّر على الأصالة، وعلى كل ما يَفقد ولا يفتقد، وبين صفاقة وصلافة لا تكون إلا في ميِّت الإحساس ومنعدم الضمير والذمة، مما ملأ بطنه من حرام، وعاقبة سوء من فرط ما أساء، فما عاد يبصر نوراً ولا يعي حقاً أو يرشد صواباً.

    بين الدولة الدينية ودولة الهر قصير عموم وخصوص من وجه، يلتقيان في الاسم والعنوان، ويفترقان في كلِّ ما خلا ذلك وعداه (اللهم إلَّا ما يخدم بقاء الإطلاق واستمرار الشبهة في أذهان العوام)، ولولا ذلك لظهر التباين، وحكم به القاصي والداني…

    والحق أنك، بعد الإسم، لا تجد في إيران أندية قمار ومواخير بغاء ومرابع ليلية وخمارات علنية، ولا تجد سافرات… ولكن هناك رقص “شرعي”، وموسيقى وغناء “شرعي”، ومتبرجات أشد فتنة من السافرات! وفي إيران تمارس المرأة جميع أنواع الرياضة، فتركض وتهرول وتتدحرج وتستلقي على الأرض، ولكن بثوب ساتر، فبماذا اختلفن عن الراقصات في ملعب محافظة كربلاء؟ غير وجود الحرية التي تسمح بالاعتراض هنا، والبطش والاستبداد الذي يكبت ويقمع هناك؟!

    في إيران يحاربون الله ورسوله جهاراً، فالنظام المالي والمصرفي ما زال يرتكز على الربا، ضاربين قوله تعالى “يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله” عرض الجدار. وفي إيران تمييز عرقي يقدِّم الفارسي على غيره، والإيراني على “الغريب”، فالأرمني المسيحي أو البلوشي الوهابي الذي يحمل الجنسية الإيرانية هو أشرف وأعز، في نظام الجمهورية الإسلامية، من العراقي والبحراني الشيعي، ولا تسل عن الأفغاني! في إيران اليوم قهر ودكتاتورية تناهز، ما كان في عهد الشاه، فالثورة أكلت أبناءها وما زالت تطارد أصحابها، فهذا الشيخ الكروبي رئيس مجلس الشورى والسيد ميرحسين الموسوي رئيس وزراء الخميني، الذي قاد الجمهورية في أحلك ظروفها، وخرج من السلطة كما دخلها، طاهر الذمة نقي الثوب، عجزوا أن يتهموه بدانق سرقه أو تومان أثرى به… رهين معتقله وإقامته الجبرية، لمجرد طعنه بنتائج الانتخابات وأن فوز خصمه أحمدي نجاد كان بتزوير فاضح! أما الإنجاز الأكبر للدولة الدينية، فهو مكان إيران في جدول الفساد ومؤشر الشفافية العالمية، فقد جاءت الجمهورية الإسلامية في الترتيب الحادي والثلاثين بعد المئة (١٣١) عالمياً من بين 176 دولة!

    وبعد، فالدولة الدينية التقت مع الاستكبار العالمي في إنهاء استقلالية الحوزة العلمية الشيعية وجعلها تابعة للنظام الحاكم، في خطوة عجزت عنها الملكيات الصفوية والقاجارية والبهلوية! وهي تمارس تضييقاً غير مسبوق على المرجعيات، وتقوم بالتنكيل بأيِّ طالب علم يأبى سيطرة الدولة على الحوزة وإخضاعها لإرادتها وإدارتها.

    والدولة الدينية التقت مع العلمانية الكافرة، أي حزب البعث العربي الإشتراكي في محاربة الشعائر الحسينية، وقد قمعت المطبرين بوحشية، وما زالت تضيِّق على المعزين، وتعمل على توغل المخابرات في الهيئات والحسينيات، تسعى من خلال ذلك لتشويهها والإساءة إلى الشعائر، تمهيداً لإنهائها بجميع أشكالها.

    والدولة الدينية جنَّدت الحبتري وحب الله وعشرات الفرق والمجاميع ومراكز البحوث والدراسات التي ترعاها وتمولها، وجيشاً خفياً وذباباً ألكترونياً، زودته براجمات وقذائف وصواريخ ومعاول، ليهد البنية العلمية الشيعية ويقوِّض قواعد استنباط المعارف الدينية، لصالح نهج هجين ومدرسة لقيطة وضع أساسها سيد قطب وحسن البنا.

    هذا في الدفع بالنقض، أما في الحل… فإن الشعب العراقي لم يطلب الدولة المدنية بقدر ما رفض ولاية الفقيه المزوَّرة، ولم يتبنَّ النظام العلماني بقدر ما كان عاقلاً في إدارة معركته، حكيماً في تدوير زوايا صراعه مع أعدائه، حين أجاد قراءة إمكانياته، وأحسن تقدير قوة أعدائه، فنظَّم الجبهات، وتراجع عن الدنيوية (المنهوبة المستلبة على أية حال) لصالح الدينية التي دونها الدفاع والجهاد، عسى أن يكسب حسنات الدولة المدنية ويوظفها لإنعاش الشعب وإخراجه من ظلم واضطهاد تراكم عليه أربعة عشر قرناً. ولا يعنيه، بعد هذا أن يتنطَّع فاسق حاقد ويعيب عليه خياره..

    وطالما كانت حركة الدجال عوراء، تطرح نصف الحقيقة…

    ولو أنصف لعاب حزب الله، أم تراه لا يدري لأيِّ أنظمة الحكم يدعو الحزب؟! هل لحكومة دينية أم مدنية؟ وهل هو في طور الدعوة والفكرة أم تجاوز ذلك إلى العمل والانخراط الفعلي في الدولة المدنية؟! ولو كان من “السابقين” لسجَّل المفارقة وعاش تراجع الحزب، في أدبياته كما في واقعه، عن مقولة الدولة الإسلامية، وعن “لبانستان” منذ أمد بعيد! حتى أنه خذل حراكاً شعبياً عفوياً للنهي عن المنكر وقع منذ أشهر في “البازورية”، مسقط رأس أمينه العام، حين نهض أحدهم لمنع بيع الخمور وترويجها، فوقف حزب الله على الحياد، بل فيه من أدان الحراك على تجاوزه القانون وتعديه على الحريات!

    وقد بلغ الحزب من “المدنية” أن جمَّد نشاط أو عضوية أحد نوابه (نواف الموسوي) لأنه تطاول على نائب حزب الكتائب اللبنانية، ابن بشير الجميل، فكأنه استعاد ذكريات التموضع الديني والإسلامي، فعوقب لصالح الوطني والمدني!

    كما كان الذباب الألكتروني في جيش الدولة الدينية يرمي المرجع الأعلى بالقعود عن الجهاد والخيانة والعمالة للإنكليز والأمريكان في عدم الاصطفاف مع المقاومة المسلحة… فخمد وخرس بفتوى الجهاد حين حان أوانه الحقيقي وجاء مورده الصحيح، كذلك سيخرسون وتخمد أنفاسهم لما تعلو صرخة الشعب الإيراني الذي يتمنى وقف الإتجار بالدين وإنهاء تشويه المذهب، ويحلم بإنهاء الاستبداد الديني الذي سلَّط عليه هذه الحثالات، من سماسرة البلاط وعملاء المخابرات.

  • من السذاجة بمكان أن يحسب أحدٌ أنَّ ما يجري في الساحة الإيمانية الشيعية من فوضى ومحدَثات، على صعيدي العقائد والأفكار، والسلوكيات العامة والممارسات، هو تعثُّر عارض واستثناء عابر تمرُّ به الساحة من أزمة مفاجئة ألـمَّت بها وأمر طارئ وقع لها، ظهر في أداء مريض هنا، وسلوك شاذ هناك، وارتباك وفوضى غمرت الأجواء وطغت على أصل الأداء…

    حفل غنائي ومهرجان راقص في افتتاح دورة رياضية، يستبيح حرمة واحدة من أقدس مدن الشيعة وأكثرها خفراً وأعظمها شأناً: كربلاء… يريدون أن ينتزعوا شجواً وكمداً اندك في “كربها” أبداً، وينهوا لوعة وجوى ما انفك في “بلائها” سرمداً، وكأن جرحها النازف قد رقأ واندمل، وقلبها النَّصِب الدنِف قد عوفي وبرئ. أم تراهم حسبوه قد أمسك أن يضرب ويخفق؟ فما عاد يبعث في شيعته النبض، وبرجاء حياته حييت قلوبهم؟ وبضياء نوره اهتدى الطالبون إليه منهم؟ ومن قبل نقلت وسائل التواصل الاجتماعي بثاً مباشراً لداعر سافل، تعدَّى فيه على شخص الإمام الكاظم عليه السلام، بما بلغ الكفر البواح، وذلك من مقهى يقع في مدينة جده أميرالمؤمنين عليه السلام. وفي لبنان يقيمون حفلاً غنائياً صاخباً في يوم استشهاد الكاظم عليه السلام بلا مبالاة ودون أدنى اكتراث، وهناك دعوة لتكرار الحفل في ليلة استشهاد الإمام الباقر أيضاً… وهكذا تمضي المناسبات المقدسة الحزينة، لتنقلب أفراحاً، وفي أحسن الحالات ندوات ومحاضرات، وبرامج تثقيفية وأنشطة اجتماعية من قبيل تعليم المؤمنين وتدريبهم على قواعد الإسعاف، أو تلقي دروساً في الطاقة الإيجابية والسلبية، وفي أحسن الأحوال أو أسوئها (لست أدري، هل اللبس الشيطاني يغلب هنا أم التخفيف من القبح ببديل شريف) تكون حلقات القرآن ودروس تعليم التلاوة والتجويد، أو أي شيء يصرف عنوان العزاء ويحول دون الحزن والرثاء والبكاء، لتتحول فجعة عاشوراء ورنَّة العرش وصرخة تصكُّ سمع الملكوت، إلى أوبرا تحكي “تراجيديا شيعية راقية”، بل “ميثولوجيا” تدرج الحدث في الأساطير وتسطره في الخرافات، فتلقي “الحداثة” عصاها ويستقر بـ “التنويريين” النوى، كما قرَّ عيناً بالإياب المسافر، فقد أضناهم هذا الترحال الطويل، وآن لهم أن يلتقطوا أنفاسهم ويستريحوا شيئاً، بعد أن حققوا وضعاً جديداً للواقع الشيعي، ينسلخ به عن حاضره ويتنكَّر لماضيه! ولا أبرِّئ بعض المؤمنين الحسينيين من المسؤولية، ممن عمد لأداء انتهى بهم للانخراط في هذه المؤامرة من حيث لا يدرون، ومشاركة القوم جريمتهم وهم لا يشعرون! حين سمحوا لأنفسهم بالاجتهاد، وتطوير أنماط العزاء، خارج الأصالة الموروثة في الشعائر الحسينية، فأحدثوا وابتدعوا، ما فتح الباب لهؤلاء وأفسح لهذا الفساد والإفساد، فما دام التجديد والتطوير مباحاً، فليُقم كلٌّ الذكرى ويُحيها كما يرى ويشاء!

    وقبل هذا الفجور، والسلوكيات المارقة والأفعال المتهتكة الماجنة، كانت هرطقات وزندقات، أداء “علمي” واتجار فكري، أسقط التراث (من أحاديث معصومة ونتاج علماء)، واستباح المسلَّمات (من عصمة الإمام وعلمه، إلى ميلاد المهدي وظهوره بالسيف، مروراً باعتماد عدالة الصحابة والعمل بالمصالح المرسلة)… خلَط ودلَّس وكذب وافترى، وراح في الدجل وتسفيه العقول وخطاب العوام ما شاء له الشيطان، فلم يقصِّر “الحبتري” في استدراك ما فات “فضلة الشيطان” حين عاجله وسبقه عليه الموت، ولم يوفِّر ”الإصلاحيون” شيئاً مما نادى به الملحدون ورفعه العلمانيون.

    علينا أن نعي، ونقف ببصيرة على حقيقة ناصعة جليَّة، هي أننا أمام مرحلة جديدة وطور متقدِّم بدأت تدخله الحركة الإسلامية، وأنها بصدد أخذ الواقع الشيعي والانتقال به معها، إلى حيث تذهب وتتحوَّل, وهي في العراق وإيران ولبنان، ومن بعد في بلاد الخليج، إنما تدفع ثمن قبولها في “المنظومة”، والموافقة على “منحها” السلطة، أو تبذل كُلفة إصدار ترخيص ذلك وإجازته، وأنها تقدِّم “الرسوم” المقررة لحصولها على “جواز” أو “سمة” دخولها “النادي” وانتسابها لـ ”المحفل”. إنها ـ بهذا الأداء ـ تستصدر شهادة الاعتراف بها، وتجتاز “الاختبارات” اللازمة لذلك، وهي ”تتكيَّف” بما يجعلها جزءاً منهم… كل ذلك من ديننا وعقيدتنا، وعلى حساب شعائرنا وشريعتنا!

    كل ما تراه من فعل وحراك في نطاق “تحرير” المرأة، وإقحامها في ميدان العمل من جميع أبوابه، وإدخالها في النشاط الديني والاجتماعي والسياسي بكافة أشكاله، والعبث في قانون الأحوال الشخصية من ميراث وحضانة وتمكين وقوامة، والتحايل على الأحكام الشرعية في الخدر والحجاب، ونداءات المساواة في الحقوق والواجبات، هو ضريبة وثمن لا بد أن يُدفع، وإلا فلن يجتاز الامتحان وينجح في الاختبار مَن يريد اللحاق بركب الأشرار!

    وكل ما تراه من حماية للحبتري وجهود لتسويقه، ومساع للتطبيع مع فضلة الشيطان، بدأت من لحظة موته وساعة حمل جنازته، وما زالت قائمة، وما يظهر بين فينة وأُخرى وينتشر من أفلام ومقاطع لمعمم يقود الشباب في تمارين رياضية ويعلِّمهم المصارعة، وآخر يشارك في مسابقات لهوية، وثالث يجمع القمامة ويكنس الطرقات، ورابع تلتقط معه النساء صوراً (سيلفي)… وكذا ما تراه من تخلٍّ عن الحزن والعزاء، ودخولٍ في الفرح والبهجة، ومسايرة للثقافة الغربية أو غير الدينية في اللهو والطرب الغناء، وتدليس يصرف المؤمن عن المعاني الحقيقية للرحمة الإلهية ويُلبس عليه فيها، حين يُغفِل موارد الغضب والنقمة الربانية، وكذا عرض “اليسر” في الدين تسيُّباً وتهتكاً وإباحية، وتسويق الاختلاط والعلاقات المحرمة تحضُّراً ومدَنية، وتناول الميتة والشبهات رُخصة وسعة، وما إلى ذلك من معالم الأداء الحداثوي الذي تنهض به الحركة الإسلامية الشيعية وتقوم به بمختلف الطرق والوسائل… هو جزء من الصفقة، وحصَّة من الثمن الذي عليها أن تدفعه، لتُقبل في “المنظومة” وتُدرج في اللائحة، فتدخل في الحكومات والوزارات والبرلمانات، وتحظى بنصيبها من السلطة وما يترتب على ذلك من جاه ومال، فقد نشأت في تعاليمها وثقافتها، وترعرعت في عقائدها على قيم الدنيا ومرتكزات العيش، مما لا يطيق النبذ والإقصاء، والإهمال والانزواء، والاستخفاف بفكرة الانشغال بالآخرة عن طلب الأولى، واستهجانها وإن حكمت سيرة أئمة الهدى عليهم السلام والصالحين من أتباعهم على مدى التاريخ…. وما تراه من حرب عسكرية أو أمنية تطال الحركة الإسلامية هنا، وحصار اقتصادي ينال منها هناك، وضغوط ومناكفات لا تكاد تنقضي وتنفك، هي مناورات وتكتيكات، وضرب من المفاوضات لزوم عقد الصفقة وإبرام الصيغة النهائية للاتفاق، الذي يحدد الحصص والأحجام، ويرسم النطاقات الممنوحة والمساحات المبذولة.

    باختصار شديد، القوم عازمون على مواكبة معطيات العصر ومفردات المدنيَّة، وقد فرغوا من النزول على شروط الماسونية، وهم على استعداد لليِّ عنق العقيدة والشريعة ـ حتى الدق والكسر! ـ في سبيل هذا التماهي والمواءمة، بما يرضي القوم عنهم ويحقق لهم الحضور الذي يرجون ويتطلعون.

    هذا ما وقع من قبل وجرى على المسيحية في عصر النهضة، وانتهى إلى إحداث مذهب جديد باسم الإصلاح الديني (البروتستانتية)، ولم يحسم أمر الدين في واقعهم وتستقر مجتمعاتهم على شكل “مرضي” عنه، إلا عندما نجح أرباب النهضة ورجال التنوير في اختراق الكنيسة (الفاتيكان)، والنفوذ في قمة الإكليروس والبابوية وشخص الحبر الأعظم… وهذا ما كان من حال الزيتونة والأزهر، ولم يبق إلا النجف الأشرف، ورجال لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة في قم المحتلة!

    وما زال الرجاء في رحمة يستنزلها الوحيد الخراساني والصافي الكلبيكاني حين يخرجان حفاة في موكب عزاء الزهراء، والأمل في عناية يلتمسها السعيد الحكيم حين يدفع عربة لمعوَّق في طريق زيارة الأربعين، ثم الرهان على مرجع أعلى رسم بقاني الحمرة نطاقاً حول النجف الأشرف، لا يسمح لوارش حداثي أو متوغل تنويري أن يدنو من أسس الاستنباط وطريقة بناء المعارف الدينية في مدرسة آل محمد.

  • من أعظم ما يمكن أن يحلَّ برسالة سماوية، وينزل بدين إلهي، أن يُحمَّل ضدَّه ويُرمى بنقيضه! فلا شيء يزري بالإسلام ويفسده مثل مغالطة تسلبه كُنهه ومصادرة تقلب جوهره، ولا سيما حين تأتي متنكِّرة خفيَّة، وتأخذ موقعها مندسَّة، وتستقر في الأنفس متوغِّلة، فيحملها أهل الدين وينادي بها أربابه، يحسبون أنهم يعزِّرونه ويوقِّرونه! إنها كارثة لا يشعر بها إلا نبيهٌ ألمعي، وطامة لا يدركها غير حصيف لوذعي. والمؤلم أنَّ “المثقفين” و”المتعلمين” الذين يفترض أنهم أكثر الناس “علمية” في تلقي الأفكار ثم قبولها أو رفضها، وأشدُّهم تمسكاً بالتخصُّص ونزولاً على معطياته، تراهم ينساقون مع الجنوح والشذوذ، ويجارون نهجاً إعلامياً تهريجياً، بل أداءً سوقياً، يدغدغ عواطف العوام، وهمجية تحاكي نهج المتهتكين الطغام!

    زعموا أنَّ الدين مريض، وأنهم شخَّصوا علَّته ووصفوا دواءه… وراحوا في “علاج” يجهز ـ في الواقع ـ على روحه، ويستخلف مكانه جسماً غريباً،  أو يستعيض عنه بروح جديدة متباينة مع الأصلية، وذلك عبر دسِّ السموم، وتزريق جرعات من عقاقير لا يسع المدمن عليها تركها، ولا يطيق متعاطيها فراراً منها، ما يورث وينزل موتاً بطيئاً… هذا هو ما فعلته وتفعله الحداثوية، سواء كانت إلحاداً صريحاً وعلمنة ظاهرة، أو مبطنة خفيَّة عبر الحداثة الدينية، وذراعها “الحركة الإسلامية”، حين أخذت الدين ونحت به تجاه المادية والحسية، وما يسمَّى بالعلمية والعقلية (والعقل والعلم منه براء)، فقد أقحمته أو دسَّته في مشروع دنيوي، يغيِّر حقيقته ويبدِّل ماهيته، يمسخ روحه ويتلف جوهره.

    فمقولة الإسلام يجاري العلم ويلتزم العقل، ويواكب العصر ويحاكي التطوير والتحرر والحداثة، وما إلى ذلك من شعارات عصر النهضة وحركة “التنوير”… ساقت الإيمان للعلمنة، والدين للدنيا، وأخذت تزرع في النفوس طلب الرفاه والسعة والدعة، وإعمار الأرض، وراح أربابه ينافسون “الذين من قبلهم،كانوا أشدَّ منهم قوَّة وأثاروا الأرض وعَمَرُوها أكثر مما عَمَرُوها”، كل ذلك باسم الدين وتحت غطائه، وبمزاعم الدعوة إليه! وكأن الآية الكريمة: “وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا”… معكوسة أمرت بـ “وابتغ الدار الدنيا ولا تنس نصيبك من الآخرة”! وأنها اعتبرت الانشغال بالآخرة وبث ثقافتها، هو رجعية ممقوتة ومن الإفساد في الأرض! لا أنها أنزلت الإنشغال بالدنيا منزلة البغي والفساد، ونادت: “ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين”.

    هكذا غدى الغيب في قاموسهم جهلاً ورجعية، وأصبحت الروحانية جموداً وانفصالاً عن الواقع، وأمسى الإيمان بمختلف معطياته وشتى ميادينه، سفهاً وقفزاً على “العقل”! ومن هنا صار الثراء قيمة وهدفاً، وكذا القوة والملك وكل ما ينتهي إلى الاقتدار والانتصار، مما يدغدغ المشاعر ويلهب العواطف ويجتذب بريقه العقول الواهية ويقنع النفوس الضعيفة، رهينة الحسِّ وأسيرة المادة، الغارقة في معطيات الشهود، والغافلة عن “الحقائق الكبرى”، وعالم عظيم يحيط بها، ويحلِّق فوقها، ويكمن وراء ما تلمس وتسمع وترى.

    والأمر ليس وليد اليوم أو نتاج هذا العصر، بل كان دائماً وأبداً حيلة الشيطان ومكيدته، مذ غلبت دعوة الحرص على “الاستقرار”، ومنع “الفرقة” و“الاختلاف” في الأُمة، ما أمضى غصب الخلافة الإلهية وسوَّق لعزل الأئمة، ثم الزهو بالفتوحات والفخر بالإمبراطوريات الأموية والعباسية والعثمانية، وما يسمَّى بالعصور الذهبية للدولة الإسلامية. وتفوَّق الاعتزاز بالعديد والعدة، على عظمة الغيب وما يستنزل النصرة الإلهية ويُظهر “يد الله” عياناً ويبرزها جهاراً في: “كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله”، و“بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين”! وصار الاعتداد بالقوة العسكرية والتفوُّق العلمي، مما يقع في الوجدان ويقنع الغافلين من العوام. حتى انتقل في عصرنا الفخر من المنصورين بالملائكة والرعب والريح (التي أسقطت الطائرات الأمريكية في طبس)، الى المتكئين على الصواريخ القاهرة، والرادارات الدقيقة، والمباهين بالقدرة الألكترونية (التي أسقطت الطائرة الأمريكية المسيرة قبل شهر)، ثم على المال والصناعة والازدهار، مما لا يُنكَر في نفسه ولذاته، ولكنه من أخطر ما يكون حين يأتي في سياق يسقط الحداثة والتطوير على الدين ويكتسح بلغته الإيمان والعقيدة.

    إنَّ نقض أطروحة القوم ودحضها متاح وميسَّر في مثال قرآني يقرِّر أصلاً طالما تمحورت حوله الأديان، هو القربان. ولك أن تتأمل في هذا الشاهد الذي يحكي علامة الحق “الذين قالوا إنَّ الله عهِد إلينا ألا نؤمن لِرسول حتى يأتينا بِقُربان تأكله النار، قُل قد جاءكم رسلٌ من قبلي بالبيِّنات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين”:

    ماذا لو نادى اليوم مُصلح بأنَّ علامة الحقِّ الذي يدعو إليه والدليل على رشده وصوابه، هو إتلاف أفضل حصاد المُزارعين، وحرق أسمن شياه الرُعاة؟! ونافسه “مصلح” آخر كان ينادي بالتوفير والاقتصاد، وأنَّ الإحراق إتلاف وهدر ينمُّ عن جهل وسفه، أو عن تغييبٍ للعقل ونزعةٍ موغلة في التخلُّف! وأنَّ الحق يندب إلى تحسين الإنتاج ووفرته، ونماء الاقتصاد وازدهاره، لا “الهراء” الذي يدعو له منافسه، و”التخريص” الذي يقول به خصمه. ثم مضى هذا الثاني في نهجه، ووظَّف العلم وطوى مراحله وتقدَّم بأطواره، وعمد لدارسات مخبرية وبحوث ميدانية، في سبيل تحقيق أفضل الإنتاج والحصاد، حتى اكتشف السرَّ في سمن هذه الشاة دون سواها، وفضل هذا البُرِّ على غيره، ليبلغ معادلة السلالات والخارطة الجينية للكائنات… ترى، أيهما سيتبع الناس، ولمن سيكون قصب السبق واليد الطولى في التأثير عليهم؟!

    إنَّ الحركة الحداثوية بمختلف عناوينها وشعاراتها: الإصلاحية الوقحة التي تفرض العطب والفساد في الدين، والتجديدية السمجة التي تفرض أنه يتآكل ويهترئ بتقادم الزمان! والتنويرية الجائرة التي تحسبه متاهة وتراه ظُلمة!.. مشروع دنيوي لا علاقة له بالدين، ولا بالحياة القادمة التي تنتظرنا عند موتنا وفي معادنا، وهي تريد ـ إن أحسنَّا الظن بها ـ “أكثر مما عمروها”، وتهدف ـ إن ارتبنا وأسأنا الظن ـ القضاء على الدين، وصرفه أو إفراغه من محتواه ومسخ جوهره، وهي على كلِّ حال مشروع شيطاني بامتياز. من هنا فإنَّ كل ما تراه من محاولات نبذ التراث والحديث الشريف، ومساعي التشكيك بالفضائل والمنازل، والنيل من العقائد والشعائر، والدعوة إلى تغيير الأحكام والالتفاف على مناهج الاستنباط، تصبُّ في هدم البنية القائمة، لصالح منظومة جديدة تقوم على معطيات العلم (التجريبي) لا الإيمان الديني، والفكر الإنساني لا الشرع الإلهي.

    ولكن المعضلة تكمن في الميدان الإعلامي والحرب البلاغية والدعائية، فإن أخطر الأدوات هي أكثرها لبساً، وهي التي يعسر ردُّها ويصعب دفعها، لشبهات استحكمت في أذهان العوام، وتركُّبات تراكمت من معطيات الحياة، من قبيل مقولة التفوق العلمي والصناعي والانتصار العسكري والازدهار المالي والرفاه المعيشي، وغيرها التي تحتل موقعها في الوجدان البشري، ومكانها في الحب والتعلق والزينة… فمن له اليوم أن يطرح: “الهدر” (القربان)؟ وأنه جوهر الإيمان، وعلامة الحق ورضا الرحمن!؟

    إنما جاء الدين لتنبيه الإنسان وإرشاده، والأخذ بيده نحو عالم آخر قادم، هو الحياة الحقيقية، دون هذه التي تعبِّر عنها الأحاديث الشريفة بالقنطرة (فاعبروها ولا تعمروها)، والكتاب العزيز باللعب واللهو “وما هذه الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون”، و”اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور”. والقوم مستغرقون في جمع حطامها، غارقون في غرورها، متحايلون على أنفسهم وعلى غيرهم بخطاب شيطاني، يعلمون في قرارتهم أنه كذب ودجل ونفاق.

    *     *     *

    توفي اليوم المرحوم السيد علي رضا الحائري، أحد أساتذة الحوزة العلمية في قم المقدسة، ومن تلاميذ الشهيد الصدر من قبل. والراحل العزيز كان من أنصار الأصالة والقلَّة الولائية المتبقية في جسم الثورة الإسلامية. كان حسينياً يجزع ويطبِّر ويدوس الجمر حافياً في عاشوراء، وغيوراً على الدين يحارب الضلال، وفي طليعة الذين تصدُّوا لفضل الله. وبعد، فإنَّ له فضلاً عليَّ لن أنساه، هو توظيف علاقاته (فهو صهر الشيخ المشكيني رئيس مجلس الخبراء، وعديل الريشهري وزير الإطلاعات) لإنقاذي من السجن وما لحقني من ظلم من القوم، وقد ذهب في ذلك وبلغ غاية وسعه ونهاية جهده وطاقته. فجزاه الله خير الجزاء، وتغمَّده برحمته الواسعة، وألحقه بأجداده الأطهار صلوات الله وسلامه عليهم.

  • كنت البارحة في محضر السيد علي أبوالحسن، زرته في بلدة الغازية، بوابة الجنوب اللبناني الموالي، أو “المتوالي”، أول ما يلقاك حين تيمِّم شطر القبلة، وتخلِّف وراءك صيدا وتوليها الدبر، فكأنك أمام التحلية بعد التخلية… والسيد من “بقية السيف، الأنمى عدداً والأكثر ولداً”، ثمالة كأس الأصالة، وعقب سلالة الطهارة، بعد ما أهرقته الحزبية وأتت عليه السياسة في هذه البلاد العزيزة، التي أنجبت الفحول والأساطين، وقدمت من شهداء الفضيلة على مذبح حب آل محمد ما شاء الله من قرابين، أتت عليهم سيوف المماليك والأيوبيين والصليبيين والعثمانيين، فشيَّد مِدادُهم المعمَّد بدمائهم حصوناً للمذهب، وأرخت شجرتهم الطيبة الباسقة عن كلمتهم الطيبة، ظلالها الوارفة على جميع بلاد الشيعة، بما فيها حواضرهم العلمية في العراق وإيران والبحرين والقطيف…

    ومن محاسن الصدف أن لقيت عنده كوكبة من الفضلاء ونخبة من الغيارى العاملين في ساحة الولاء، فجدَّدت عهداً ببعضهم وتشرفت بالتعرُّف على آخرين…

    في مثل هذا المحضر المبارك انعقد عنوان جاء من اعتراض كان قد أثاره بعض الأشرار، نقله للسيد أحد الحضور الأخيار، وها أنا أقرِّره وأُتبعه بجواب السيد، وذلك بعبارتي القاصرة، التي أتحمَّل تبعة عجزها عن بيان الفكرة، وجريرة سوء عرض الخاطرة…

    كان الاعتراض والإشكال يتوجَّه إلى الشدَّة والحدَّة التي يواجه بها بعض المؤمنين أهل الضلال، فلا رفق في أدائهم ولا سماحة، ولا استفسار ولا حوار، بل تسرُّع وغلظة، وغضب وانتقام؟!

    فأجاب حفظه الله ورعاه، وبدأ بمقدمة وجيزة عن مكانة نبي الله موسى (وهو يلفظها بلهجة جنوبية عذبة، تقلب الياء المرسلة إلى منقوطة)، وأنه من أُولي العزم، ومن العظمة بين الأنبياء ما بلغ به مقام كليم الله، فهو بلا ريب لا تعوزه الأناة والرفق والرحمة والسماحة، ولا تخفى عليه ضرورة التدرُّج في مراتب النهي عن المنكر، ولا يجهل أُصول التبليغ وقواعد البيان، ناهيك بالعصمة التي يتمتع بها، هو وأخوه هارون عليهما السلام، فليس هنا إلا الحق والصواب…

    تعال وانظر إلى الأداء النبوي في الخطوب الجليلة، وتدبَّر في طريقة عمله في الحوادث الخطيرة، وهي التي تمس الدين وتنال من العقيدة، مما تحكيه الآية الشريفة “وألْقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجرُّهُ إليه” عن ردِّ فعله على نكوص قومه وعبادتهم العجل…

    إننا أمام غضبة إلهية، بل ثورة تتفجَّر من غيرة عقائدية وحميَّة ربانية، تلقى الألواح، وهي الصحف، أي التوراة وتعاليمها المدوَّنة، التي في سبيلها تلقِّيها انقطع عن قومه! واندفع يأخذ برأس أخيه، وراح يجرُّرة من لحيته!

    أداء مزلزل صاعق، لكنه ـ في عرف الحق ـ يُنزل القضايا في محلِّها، ويُدرجها في موقعها، الذي يريده الله، فهنا كارثة وخطب، قد تزدريه الأعين الغافلة عن الحقائق، وتستوحشه الأنفس اللاهية بحطام الدنيا، وتستغربه العقول المنشغلة بالقشور عن اللباب والمأخوذة بالظواهر عن الجواهر، فتراه مبالغة وإفراطاً، وتصنِّفه تشدداً وتطرُّفاً..

    هذا هو الأداء العقلائي الطبيعي في “الكوارث”، فالتاجر الذي عقد موظفوه صفقة خسر بسببها الملايين، سيقحم مكاتبهم صارخاً مزمجراً، معلناً طردهم ومتوعِّداً بمحاكمتهم واستيفاء خسارته من رواتبهم، فهذا هو حقُّ الحدث وواجبه، وهو الرسالة التي تبلغ القريب والبعيد بالخطوط الحمراء هنا، وترسم نطاق الوعد والوعيد.

    هذه هي طريقة مواجهة أهل الضلال، وهو ما تستحقه القضية من أداء وآلية في العمل…

    § § §

    إن قضية الزهراء حدٌّ فاصل، وحكم المراجع العظام بخروج فضلة الشيطان عن الثوابت والمسلَّمات، ومروقه عن التشيع والولاء، باتٌّ لا ينقض، وقد نقل الهالك إلى حفرته مثقلاً بعزة الإثم، لا آب ولا تاب، وما يمارسه ابنه الوزغ، من حمل رايته، وتوسيع دائرته، بفضائية لم تكن على عهده، وإرسال “عورة” يعوي من سعار لا ينقطع، حملت عليه أم لم تحمل… يقضي باستمرار المواجهة فلا مهادنة في هذا ولا مسامحة.

    وهو موقف مراجعنا العظام قاطبة، السيستاني والوحيد والحكيم والصافي والروحاني، ومعهم أعلام الحوزة وأساتذتها… لا تفاوت بينهم ولا اختلاف على نصرة الولاء ومقاطعة الضالين المضلين.

    وفي الكافي الشريف عن الجعفري قال: “سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: مالي رأيتك عند عبدالرحمن بن يعقوب؟ فقلت: إنه خالي. فقال: إنه يقول في الله قولاً عظيماً، يصف الله ولا يوصف، فإما جلست معه وتركتنا، وإما جلست معنا وتركته!؟ فقلت: هو يقول ما شاء، أي شيء عليَّ منه إذا لم أقل ما يقول؟ فقال أبوالحسن عليه السلام: أما تخاف أن تنزل به نقمة فتصيبكم جميعاً”؟!

  • لم يكن ينقص الخلاف حول الشعائر الحسينية، والصراع الخامنئي الشيرازي، والإنقلاب على التراث وأسس استنباط المعارف الدينية في الحوزة العلمية، وغيرها من قضايا البيت الشيعي، التي تفتعلها الجمهورية الإسلامية… إلا أن يقحمها مستبصر حداثوي!

    في وليمة على شرف السيد التيجاني التونسي دعيت إليها قبل ثلاثين سنة، أثار أحد الحضور خوض الرجل في أمر الشعائر الحسينية ونيله منها، ولا سيما التطبير (وقد ألحق ذلك وضمَّنه إحدى طبعات كتابه “ثم اهتديت”)، وكان مما قاله العالمُ الخبير ونصح به السيد التيجاني: “أنت لم تنشأ على التشيُّع، لم تتوارثه وتندك فيه، هناك شؤون لطيفة دقيقة، وقضايا حساسة رقيقة، يصعب فهمها، ويشقُّ عليك إدراكها واستيعابها، فتستوحشها لغربتك عنها، أو غربتها عليك، فما لك ولها!؟ انصرف لشأنك، وانشغل بجبهتك، فالأيام كفيلة بمعالجة حالتك، أو لعلَّ الإيمان بها يكون من حظِّ وُلدك وذريتك، ونصيب الأجيال القادمة من نسلك”. سكت التيجاني وتفكَّر، ثم قال شيئاً أشبه التعهد بالأخذ بالنصيحة والعمل بها، وقد رآها في صميم الحكمة والصواب، بعد الحقيقة والإنصاف.

    هناك خصوصيات في الساحة الإيمانية والبُنية الشيعية لا يدركها الغريب، لطائف ورقائق تتطلَّب معايشة لصيقة، وحضوراً مستغرقاً في الحاضنة، مُندكّاً في البيئة، لا يتوفر إلَّا لمن ارتضع المذهب مع حليب أُمه، بل تلقَّاه من صُلب أبيه ونطفته، ثم تشرَّبه مع أنفاسه، وعاشه بخفايا أو لطائف أسراره، وبتفاصيل مِحَنِه وأرزائه، ودقائق شجونه ومعاناته. ولست بهذا انتقص من قيمة المستبصر، فليس كلهم يأتي فيتناول خصائص التشيُّع عابراً أو وارشاً، ويلجها مقتحماً أو متسوِّراً، ينظِّر ببرود، ويُفلسِف من ترف، بل فيهم من بلغ من العظمة ما يستحق أن يخلع عليه الإمام عليه السلام بردة من أستار حرمه الشريف، ويخصُّه بالتوقيع على قصيدته بماء الذهب، كما جرى للشاعر الخليعي الموصلي رضوان الله عليه… لكني أعرض بُعداً فنيّاً للقضية، فهذا هو شكلها وهذه هي طبيعتها. فلماذا يتجشَّم المسكين العناء في أمر خارج وسعه وفوق طاقته؟ ولماذا يكابد ويعاني ويتخبَّط، وهو بعيد عن ميدانه وساحته؟ ليترك “إصلاح” الشأن الشيعي الداخلي لابن البيت الشيعي، وينصرف هو لردِّ شبهات المخالفين، والربط على قلوب إخواننا المستجدِّين، والدفاع عن المذهب في ساحة يعرف طبيعتها ويُحسِن الحراك في أنحائها، يحيط بخفاياها ويقف على أسرارها، فهو ابنها الذي نشأ وترعرع فيها، وهؤلاء أهله وقرابته الأوْلى بالمعروف، الذين يفترض أن يتقطَّع ألماً على ضلالهم، وتذهب نفسه حسرات على ضياعهم، ولا يخرج لحظة من هاجس إنقاذهم… فإذا به يتسكَّع على أرصفة الترف الفكري، ويحتال بألف مقدمة ومقدمة ليجعل من حراكه الأهوج ولغوه وهذره في الدفاع عن حزب أو نظام، والذود عن قيادة وزعامة، تكليفاً شرعياً ومسؤولية رسالية. مع ملاحظة أنَّ هناك ـ اليوم ـ “تشيُّع” و“استبصار” مبتدَع، فليسوا كلهم على غرار الأمين الأنطاكي والدمرداشي العقالي، فهناك مستبصرون زيديون، أو جيفاريون وتشافيزيون! لا إماميون، مع التشيع ما دام ثورة وجهاداً، مفهوم خطابهم، وأحياناً صريح منطوقه: إدانة ـ والعياذ بالله ـ الأئمة الأطهار الحسن وزين العابدين والصادق والباقر والكاظم والرضا والجواد والهادي والعسكري عليهم السلام، وكل “قاعد” لم يثر على الحاكم ويخرج بالسيف. وهناك أيضاً متشيِّعون للجمهورية الإسلامية، لا لأهل البيت، والحثالات التي تتراقص في قناة الميادين، والقردة التي تطفر في الفضاء الافتراضي ببابك.

    إن المستبصر الحداثوي يصعب عليه أن يستوعب أو يهضم صيحة مدوية ارتفعت في الحوزة العلمية قبل أكثر من نصف قرن على كتاب “شهيد جاويد” الذي كتبه “صالحي نجف آبادي”، لمجرَّد أنه تضمَّن ما يُنتزع منه عدم علم سيد الشهداء عليه السلام المُسبق بمصيره! فصدرت البيانات وجُمعت الفتاوى، وقامت الحوزة ولم تقعد إلَّا بإخماد الفتنة والقضاء المبرم على الرجل (حتى ما عاد أحد من الأجيال اللاحقة سمع باسمه ولا بكتابه). ويصعب عليه، بل حتى على شيعة منحدرين من بيوت وسلالات مؤمنة، لكنهم تلوثوا بالفكر المخالف، وتأثَّروا بالمحدَث المنحرف، وتناغموا مع الضال المضل، يصعب عليهم تفهُّم موقف السيد الخميني قدِّس سره من سيد قطب، حين طالبوه بتأبينه، وإدانة إعدامه، فقال: “إذا كانت لجمال عبدالناصر فضيلة، فهي قتله هذا الذي تجاسر على أميرالمؤمنين فنسب إليه شرب الخمر” (انظر: “في ظلال القرآن” ج2 ص665، الذي ترجمه السيد القائد إلى الفارسية!)، وما زال الإسلاميون الحركيون يستهجنون، ويسجِّلون باستغراب وامتعاض موقف الخميني هذا، وكيف عاش “جزئية صغيرة” واستغرق فيها حتى أنسته فضائل عظيمة للرجل الثوري المجاهد، المقتول ظلماً وعدواناً، الذي حرَّر الفكر السني من صنمية “اسمعوا وأطيعوا”، بل من عُقدة حصانة الصحابة، حين نال من عثمان!… لا يمكن لأضراب هذا وذاك من القشريين المفتونين بلغة الأرقام والحسابات ومنطق الكسب والخسارة، والمرتهنين للحسِّ والمستغرقين في المادة وما يحسبونه “عقلاً”، المنسلخين عن الغيب وما وراء الطبيعة، فهْمَ جوهر الإسلام وإدراك كُنه رسالته. كما لا يمكنهم الوقوف على العلَّة الغائية للدين، والهدف من هذه الشريعة المقدسة، ولأجل مَن خلق الله الدنيا وما فيها، ولماذا أوجد الحياة؟!.. ولعمري، أنىَّ لهم التناوش من مكان بعيد، وكيف عساهم أن يفقهوا هذا الخطير وهم لا يسمعون أنشودة “حديث الكساء” تحكي القصة وتلخِّص الفكرة؟ وكيف لها أن تطربهم وقد صُمَّت آذانهم عن ترنُّم الكائنات ـ من الذرة إلى المجرة ـ بألحانها، أُنساً وغبطة ونشوة وعشقاً، فلم يبلغهم شدو ترديدها، ووقرت أسماعهم عن سحر ترتيلها. وذهلت عقولهم عن سبح الملائكة وسكان السماوات وحومها جذلاً وبلجاً، يطوفون بها الأرجاء ويملؤون بها الآفاق. كما عميت عيونهم عن الشهود، أو يبست مشاعرهم وتخشَّبت عن عيش، ولا أقول مشاركة، العرش اهتزازه وتمايله سروراً وبهجة… إنها آفاق حرمت عليهم، أو حرموا أنفسهم منها، بكِبْرهم واستعلائهم، بعد تناولهم فاسد الطعام وشربهم آسن الماء، وما نالها إلَّا ذو حظ عظيم، فلحقت بالمؤمنين السعداء شرفاً، وتلقفوها كرامة ومزيداً.

    وإنما ترد البلايا على ساحتنا وتنزل بنا الويلات عندما يتصدَّى للأمر ويتولاه هؤلاء، تُبسط أيديهم بالإمكانيات، ويؤمَّن لهم الغطاء من الدولة وأجهزة المخابرات، فيهتكون باسم الحداثة والتطوير الحُرُمات، ويتطاولون بحُجة الثورية والحركية على المقدسات، ثم يعيبون علينا الإنشغال بـ “التوافه” والاستغراق في ”الصغائر”، والحرب على “فضلة الشيطان”، والتصدِّي لأباطيله وتفنيد أساطيره. إنهم لا يرون بأساً في جحد فضائل آل محمد، والتشكيك في مصابهم، والسعي لتسويق ثقافة خصمائهم، ولا في محاربة شعائر عزائهم، لأنهم لا يعرفون قدر هذه القضايا الملكوتية وهي في صورتها المُلكِية، وتغلبهم المادية الحسيَّة، فما دام الجحد والاستخفاف والانقلاب يخدم المعركة، ويرفد الجبهة السياسية التي يخوضون فيها ويلعبون، ومنها يرتزقون، فلا ضير منها. وإن رأى بعضهم ضيراً وبأساً، فلن يبلغ ذلك مبلغ المعضلة، ولن يشكِّل كارثة، تتموضع وفقها الجبهات، وتنتظم الاصطفافات، وتدور عليها رحى الحروب والصراعات.

    لقد دمَّر الله حضارة ثمود العظيمة، التي ما زالت آثارها ماثلة في مدائن صالح، لناقة عقروها! وأوقف سبحانه وتعالى نجاة أُمة بأكملها وعلَّقه على تلفظ كلمة واحدة: “حطَّة”، فبدَّلوها وما قالوها… والقوم يستكثرون تموضعنا ويسخرون من اصطفافنا انطلاقاً من “قضية الزهراء”، وهي التي على معرفتها دارت القرون الأولى!

    هذه هي قضيتنا وتلك رسالتنا، وليعيشوا هم ويلاحقوا سراب الأوهام، ويستغرقوا في زائل الحطام، “والذي نفس محمد بيده، لو أن الدنيا كانت تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر والفاجر منها شربة من ماء”.