• من أعظم ما يمكن أن يحلَّ برسالة سماوية، وينزل بدين إلهي، أن يُحمَّل ضدَّه ويُرمى بنقيضه! فلا شيء يزري بالإسلام ويفسده مثل مغالطة تسلبه كُنهه ومصادرة تقلب جوهره، ولا سيما حين تأتي متنكِّرة خفيَّة، وتأخذ موقعها مندسَّة، وتستقر في الأنفس متوغِّلة، فيحملها أهل الدين وينادي بها أربابه، يحسبون أنهم يعزِّرونه ويوقِّرونه! إنها كارثة لا يشعر بها إلا نبيهٌ ألمعي، وطامة لا يدركها غير حصيف لوذعي. والمؤلم أنَّ “المثقفين” و”المتعلمين” الذين يفترض أنهم أكثر الناس “علمية” في تلقي الأفكار ثم قبولها أو رفضها، وأشدُّهم تمسكاً بالتخصُّص ونزولاً على معطياته، تراهم ينساقون مع الجنوح والشذوذ، ويجارون نهجاً إعلامياً تهريجياً، بل أداءً سوقياً، يدغدغ عواطف العوام، وهمجية تحاكي نهج المتهتكين الطغام!

    زعموا أنَّ الدين مريض، وأنهم شخَّصوا علَّته ووصفوا دواءه… وراحوا في “علاج” يجهز ـ في الواقع ـ على روحه، ويستخلف مكانه جسماً غريباً،  أو يستعيض عنه بروح جديدة متباينة مع الأصلية، وذلك عبر دسِّ السموم، وتزريق جرعات من عقاقير لا يسع المدمن عليها تركها، ولا يطيق متعاطيها فراراً منها، ما يورث وينزل موتاً بطيئاً… هذا هو ما فعلته وتفعله الحداثوية، سواء كانت إلحاداً صريحاً وعلمنة ظاهرة، أو مبطنة خفيَّة عبر الحداثة الدينية، وذراعها “الحركة الإسلامية”، حين أخذت الدين ونحت به تجاه المادية والحسية، وما يسمَّى بالعلمية والعقلية (والعقل والعلم منه براء)، فقد أقحمته أو دسَّته في مشروع دنيوي، يغيِّر حقيقته ويبدِّل ماهيته، يمسخ روحه ويتلف جوهره.

    فمقولة الإسلام يجاري العلم ويلتزم العقل، ويواكب العصر ويحاكي التطوير والتحرر والحداثة، وما إلى ذلك من شعارات عصر النهضة وحركة “التنوير”… ساقت الإيمان للعلمنة، والدين للدنيا، وأخذت تزرع في النفوس طلب الرفاه والسعة والدعة، وإعمار الأرض، وراح أربابه ينافسون “الذين من قبلهم،كانوا أشدَّ منهم قوَّة وأثاروا الأرض وعَمَرُوها أكثر مما عَمَرُوها”، كل ذلك باسم الدين وتحت غطائه، وبمزاعم الدعوة إليه! وكأن الآية الكريمة: “وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا”… معكوسة أمرت بـ “وابتغ الدار الدنيا ولا تنس نصيبك من الآخرة”! وأنها اعتبرت الانشغال بالآخرة وبث ثقافتها، هو رجعية ممقوتة ومن الإفساد في الأرض! لا أنها أنزلت الإنشغال بالدنيا منزلة البغي والفساد، ونادت: “ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين”.

    هكذا غدى الغيب في قاموسهم جهلاً ورجعية، وأصبحت الروحانية جموداً وانفصالاً عن الواقع، وأمسى الإيمان بمختلف معطياته وشتى ميادينه، سفهاً وقفزاً على “العقل”! ومن هنا صار الثراء قيمة وهدفاً، وكذا القوة والملك وكل ما ينتهي إلى الاقتدار والانتصار، مما يدغدغ المشاعر ويلهب العواطف ويجتذب بريقه العقول الواهية ويقنع النفوس الضعيفة، رهينة الحسِّ وأسيرة المادة، الغارقة في معطيات الشهود، والغافلة عن “الحقائق الكبرى”، وعالم عظيم يحيط بها، ويحلِّق فوقها، ويكمن وراء ما تلمس وتسمع وترى.

    والأمر ليس وليد اليوم أو نتاج هذا العصر، بل كان دائماً وأبداً حيلة الشيطان ومكيدته، مذ غلبت دعوة الحرص على “الاستقرار”، ومنع “الفرقة” و“الاختلاف” في الأُمة، ما أمضى غصب الخلافة الإلهية وسوَّق لعزل الأئمة، ثم الزهو بالفتوحات والفخر بالإمبراطوريات الأموية والعباسية والعثمانية، وما يسمَّى بالعصور الذهبية للدولة الإسلامية. وتفوَّق الاعتزاز بالعديد والعدة، على عظمة الغيب وما يستنزل النصرة الإلهية ويُظهر “يد الله” عياناً ويبرزها جهاراً في: “كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله”، و“بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين”! وصار الاعتداد بالقوة العسكرية والتفوُّق العلمي، مما يقع في الوجدان ويقنع الغافلين من العوام. حتى انتقل في عصرنا الفخر من المنصورين بالملائكة والرعب والريح (التي أسقطت الطائرات الأمريكية في طبس)، الى المتكئين على الصواريخ القاهرة، والرادارات الدقيقة، والمباهين بالقدرة الألكترونية (التي أسقطت الطائرة الأمريكية المسيرة قبل شهر)، ثم على المال والصناعة والازدهار، مما لا يُنكَر في نفسه ولذاته، ولكنه من أخطر ما يكون حين يأتي في سياق يسقط الحداثة والتطوير على الدين ويكتسح بلغته الإيمان والعقيدة.

    إنَّ نقض أطروحة القوم ودحضها متاح وميسَّر في مثال قرآني يقرِّر أصلاً طالما تمحورت حوله الأديان، هو القربان. ولك أن تتأمل في هذا الشاهد الذي يحكي علامة الحق “الذين قالوا إنَّ الله عهِد إلينا ألا نؤمن لِرسول حتى يأتينا بِقُربان تأكله النار، قُل قد جاءكم رسلٌ من قبلي بالبيِّنات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين”:

    ماذا لو نادى اليوم مُصلح بأنَّ علامة الحقِّ الذي يدعو إليه والدليل على رشده وصوابه، هو إتلاف أفضل حصاد المُزارعين، وحرق أسمن شياه الرُعاة؟! ونافسه “مصلح” آخر كان ينادي بالتوفير والاقتصاد، وأنَّ الإحراق إتلاف وهدر ينمُّ عن جهل وسفه، أو عن تغييبٍ للعقل ونزعةٍ موغلة في التخلُّف! وأنَّ الحق يندب إلى تحسين الإنتاج ووفرته، ونماء الاقتصاد وازدهاره، لا “الهراء” الذي يدعو له منافسه، و”التخريص” الذي يقول به خصمه. ثم مضى هذا الثاني في نهجه، ووظَّف العلم وطوى مراحله وتقدَّم بأطواره، وعمد لدارسات مخبرية وبحوث ميدانية، في سبيل تحقيق أفضل الإنتاج والحصاد، حتى اكتشف السرَّ في سمن هذه الشاة دون سواها، وفضل هذا البُرِّ على غيره، ليبلغ معادلة السلالات والخارطة الجينية للكائنات… ترى، أيهما سيتبع الناس، ولمن سيكون قصب السبق واليد الطولى في التأثير عليهم؟!

    إنَّ الحركة الحداثوية بمختلف عناوينها وشعاراتها: الإصلاحية الوقحة التي تفرض العطب والفساد في الدين، والتجديدية السمجة التي تفرض أنه يتآكل ويهترئ بتقادم الزمان! والتنويرية الجائرة التي تحسبه متاهة وتراه ظُلمة!.. مشروع دنيوي لا علاقة له بالدين، ولا بالحياة القادمة التي تنتظرنا عند موتنا وفي معادنا، وهي تريد ـ إن أحسنَّا الظن بها ـ “أكثر مما عمروها”، وتهدف ـ إن ارتبنا وأسأنا الظن ـ القضاء على الدين، وصرفه أو إفراغه من محتواه ومسخ جوهره، وهي على كلِّ حال مشروع شيطاني بامتياز. من هنا فإنَّ كل ما تراه من محاولات نبذ التراث والحديث الشريف، ومساعي التشكيك بالفضائل والمنازل، والنيل من العقائد والشعائر، والدعوة إلى تغيير الأحكام والالتفاف على مناهج الاستنباط، تصبُّ في هدم البنية القائمة، لصالح منظومة جديدة تقوم على معطيات العلم (التجريبي) لا الإيمان الديني، والفكر الإنساني لا الشرع الإلهي.

    ولكن المعضلة تكمن في الميدان الإعلامي والحرب البلاغية والدعائية، فإن أخطر الأدوات هي أكثرها لبساً، وهي التي يعسر ردُّها ويصعب دفعها، لشبهات استحكمت في أذهان العوام، وتركُّبات تراكمت من معطيات الحياة، من قبيل مقولة التفوق العلمي والصناعي والانتصار العسكري والازدهار المالي والرفاه المعيشي، وغيرها التي تحتل موقعها في الوجدان البشري، ومكانها في الحب والتعلق والزينة… فمن له اليوم أن يطرح: “الهدر” (القربان)؟ وأنه جوهر الإيمان، وعلامة الحق ورضا الرحمن!؟

    إنما جاء الدين لتنبيه الإنسان وإرشاده، والأخذ بيده نحو عالم آخر قادم، هو الحياة الحقيقية، دون هذه التي تعبِّر عنها الأحاديث الشريفة بالقنطرة (فاعبروها ولا تعمروها)، والكتاب العزيز باللعب واللهو “وما هذه الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون”، و”اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور”. والقوم مستغرقون في جمع حطامها، غارقون في غرورها، متحايلون على أنفسهم وعلى غيرهم بخطاب شيطاني، يعلمون في قرارتهم أنه كذب ودجل ونفاق.

    *     *     *

    توفي اليوم المرحوم السيد علي رضا الحائري، أحد أساتذة الحوزة العلمية في قم المقدسة، ومن تلاميذ الشهيد الصدر من قبل. والراحل العزيز كان من أنصار الأصالة والقلَّة الولائية المتبقية في جسم الثورة الإسلامية. كان حسينياً يجزع ويطبِّر ويدوس الجمر حافياً في عاشوراء، وغيوراً على الدين يحارب الضلال، وفي طليعة الذين تصدُّوا لفضل الله. وبعد، فإنَّ له فضلاً عليَّ لن أنساه، هو توظيف علاقاته (فهو صهر الشيخ المشكيني رئيس مجلس الخبراء، وعديل الريشهري وزير الإطلاعات) لإنقاذي من السجن وما لحقني من ظلم من القوم، وقد ذهب في ذلك وبلغ غاية وسعه ونهاية جهده وطاقته. فجزاه الله خير الجزاء، وتغمَّده برحمته الواسعة، وألحقه بأجداده الأطهار صلوات الله وسلامه عليهم.

  • كنت البارحة في محضر السيد علي أبوالحسن، زرته في بلدة الغازية، بوابة الجنوب اللبناني الموالي، أو “المتوالي”، أول ما يلقاك حين تيمِّم شطر القبلة، وتخلِّف وراءك صيدا وتوليها الدبر، فكأنك أمام التحلية بعد التخلية… والسيد من “بقية السيف، الأنمى عدداً والأكثر ولداً”، ثمالة كأس الأصالة، وعقب سلالة الطهارة، بعد ما أهرقته الحزبية وأتت عليه السياسة في هذه البلاد العزيزة، التي أنجبت الفحول والأساطين، وقدمت من شهداء الفضيلة على مذبح حب آل محمد ما شاء الله من قرابين، أتت عليهم سيوف المماليك والأيوبيين والصليبيين والعثمانيين، فشيَّد مِدادُهم المعمَّد بدمائهم حصوناً للمذهب، وأرخت شجرتهم الطيبة الباسقة عن كلمتهم الطيبة، ظلالها الوارفة على جميع بلاد الشيعة، بما فيها حواضرهم العلمية في العراق وإيران والبحرين والقطيف…

    ومن محاسن الصدف أن لقيت عنده كوكبة من الفضلاء ونخبة من الغيارى العاملين في ساحة الولاء، فجدَّدت عهداً ببعضهم وتشرفت بالتعرُّف على آخرين…

    في مثل هذا المحضر المبارك انعقد عنوان جاء من اعتراض كان قد أثاره بعض الأشرار، نقله للسيد أحد الحضور الأخيار، وها أنا أقرِّره وأُتبعه بجواب السيد، وذلك بعبارتي القاصرة، التي أتحمَّل تبعة عجزها عن بيان الفكرة، وجريرة سوء عرض الخاطرة…

    كان الاعتراض والإشكال يتوجَّه إلى الشدَّة والحدَّة التي يواجه بها بعض المؤمنين أهل الضلال، فلا رفق في أدائهم ولا سماحة، ولا استفسار ولا حوار، بل تسرُّع وغلظة، وغضب وانتقام؟!

    فأجاب حفظه الله ورعاه، وبدأ بمقدمة وجيزة عن مكانة نبي الله موسى (وهو يلفظها بلهجة جنوبية عذبة، تقلب الياء المرسلة إلى منقوطة)، وأنه من أُولي العزم، ومن العظمة بين الأنبياء ما بلغ به مقام كليم الله، فهو بلا ريب لا تعوزه الأناة والرفق والرحمة والسماحة، ولا تخفى عليه ضرورة التدرُّج في مراتب النهي عن المنكر، ولا يجهل أُصول التبليغ وقواعد البيان، ناهيك بالعصمة التي يتمتع بها، هو وأخوه هارون عليهما السلام، فليس هنا إلا الحق والصواب…

    تعال وانظر إلى الأداء النبوي في الخطوب الجليلة، وتدبَّر في طريقة عمله في الحوادث الخطيرة، وهي التي تمس الدين وتنال من العقيدة، مما تحكيه الآية الشريفة “وألْقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجرُّهُ إليه” عن ردِّ فعله على نكوص قومه وعبادتهم العجل…

    إننا أمام غضبة إلهية، بل ثورة تتفجَّر من غيرة عقائدية وحميَّة ربانية، تلقى الألواح، وهي الصحف، أي التوراة وتعاليمها المدوَّنة، التي في سبيلها تلقِّيها انقطع عن قومه! واندفع يأخذ برأس أخيه، وراح يجرُّرة من لحيته!

    أداء مزلزل صاعق، لكنه ـ في عرف الحق ـ يُنزل القضايا في محلِّها، ويُدرجها في موقعها، الذي يريده الله، فهنا كارثة وخطب، قد تزدريه الأعين الغافلة عن الحقائق، وتستوحشه الأنفس اللاهية بحطام الدنيا، وتستغربه العقول المنشغلة بالقشور عن اللباب والمأخوذة بالظواهر عن الجواهر، فتراه مبالغة وإفراطاً، وتصنِّفه تشدداً وتطرُّفاً..

    هذا هو الأداء العقلائي الطبيعي في “الكوارث”، فالتاجر الذي عقد موظفوه صفقة خسر بسببها الملايين، سيقحم مكاتبهم صارخاً مزمجراً، معلناً طردهم ومتوعِّداً بمحاكمتهم واستيفاء خسارته من رواتبهم، فهذا هو حقُّ الحدث وواجبه، وهو الرسالة التي تبلغ القريب والبعيد بالخطوط الحمراء هنا، وترسم نطاق الوعد والوعيد.

    هذه هي طريقة مواجهة أهل الضلال، وهو ما تستحقه القضية من أداء وآلية في العمل…

    § § §

    إن قضية الزهراء حدٌّ فاصل، وحكم المراجع العظام بخروج فضلة الشيطان عن الثوابت والمسلَّمات، ومروقه عن التشيع والولاء، باتٌّ لا ينقض، وقد نقل الهالك إلى حفرته مثقلاً بعزة الإثم، لا آب ولا تاب، وما يمارسه ابنه الوزغ، من حمل رايته، وتوسيع دائرته، بفضائية لم تكن على عهده، وإرسال “عورة” يعوي من سعار لا ينقطع، حملت عليه أم لم تحمل… يقضي باستمرار المواجهة فلا مهادنة في هذا ولا مسامحة.

    وهو موقف مراجعنا العظام قاطبة، السيستاني والوحيد والحكيم والصافي والروحاني، ومعهم أعلام الحوزة وأساتذتها… لا تفاوت بينهم ولا اختلاف على نصرة الولاء ومقاطعة الضالين المضلين.

    وفي الكافي الشريف عن الجعفري قال: “سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: مالي رأيتك عند عبدالرحمن بن يعقوب؟ فقلت: إنه خالي. فقال: إنه يقول في الله قولاً عظيماً، يصف الله ولا يوصف، فإما جلست معه وتركتنا، وإما جلست معنا وتركته!؟ فقلت: هو يقول ما شاء، أي شيء عليَّ منه إذا لم أقل ما يقول؟ فقال أبوالحسن عليه السلام: أما تخاف أن تنزل به نقمة فتصيبكم جميعاً”؟!

  • لم يكن ينقص الخلاف حول الشعائر الحسينية، والصراع الخامنئي الشيرازي، والإنقلاب على التراث وأسس استنباط المعارف الدينية في الحوزة العلمية، وغيرها من قضايا البيت الشيعي، التي تفتعلها الجمهورية الإسلامية… إلا أن يقحمها مستبصر حداثوي!

    في وليمة على شرف السيد التيجاني التونسي دعيت إليها قبل ثلاثين سنة، أثار أحد الحضور خوض الرجل في أمر الشعائر الحسينية ونيله منها، ولا سيما التطبير (وقد ألحق ذلك وضمَّنه إحدى طبعات كتابه “ثم اهتديت”)، وكان مما قاله العالمُ الخبير ونصح به السيد التيجاني: “أنت لم تنشأ على التشيُّع، لم تتوارثه وتندك فيه، هناك شؤون لطيفة دقيقة، وقضايا حساسة رقيقة، يصعب فهمها، ويشقُّ عليك إدراكها واستيعابها، فتستوحشها لغربتك عنها، أو غربتها عليك، فما لك ولها!؟ انصرف لشأنك، وانشغل بجبهتك، فالأيام كفيلة بمعالجة حالتك، أو لعلَّ الإيمان بها يكون من حظِّ وُلدك وذريتك، ونصيب الأجيال القادمة من نسلك”. سكت التيجاني وتفكَّر، ثم قال شيئاً أشبه التعهد بالأخذ بالنصيحة والعمل بها، وقد رآها في صميم الحكمة والصواب، بعد الحقيقة والإنصاف.

    هناك خصوصيات في الساحة الإيمانية والبُنية الشيعية لا يدركها الغريب، لطائف ورقائق تتطلَّب معايشة لصيقة، وحضوراً مستغرقاً في الحاضنة، مُندكّاً في البيئة، لا يتوفر إلَّا لمن ارتضع المذهب مع حليب أُمه، بل تلقَّاه من صُلب أبيه ونطفته، ثم تشرَّبه مع أنفاسه، وعاشه بخفايا أو لطائف أسراره، وبتفاصيل مِحَنِه وأرزائه، ودقائق شجونه ومعاناته. ولست بهذا انتقص من قيمة المستبصر، فليس كلهم يأتي فيتناول خصائص التشيُّع عابراً أو وارشاً، ويلجها مقتحماً أو متسوِّراً، ينظِّر ببرود، ويُفلسِف من ترف، بل فيهم من بلغ من العظمة ما يستحق أن يخلع عليه الإمام عليه السلام بردة من أستار حرمه الشريف، ويخصُّه بالتوقيع على قصيدته بماء الذهب، كما جرى للشاعر الخليعي الموصلي رضوان الله عليه… لكني أعرض بُعداً فنيّاً للقضية، فهذا هو شكلها وهذه هي طبيعتها. فلماذا يتجشَّم المسكين العناء في أمر خارج وسعه وفوق طاقته؟ ولماذا يكابد ويعاني ويتخبَّط، وهو بعيد عن ميدانه وساحته؟ ليترك “إصلاح” الشأن الشيعي الداخلي لابن البيت الشيعي، وينصرف هو لردِّ شبهات المخالفين، والربط على قلوب إخواننا المستجدِّين، والدفاع عن المذهب في ساحة يعرف طبيعتها ويُحسِن الحراك في أنحائها، يحيط بخفاياها ويقف على أسرارها، فهو ابنها الذي نشأ وترعرع فيها، وهؤلاء أهله وقرابته الأوْلى بالمعروف، الذين يفترض أن يتقطَّع ألماً على ضلالهم، وتذهب نفسه حسرات على ضياعهم، ولا يخرج لحظة من هاجس إنقاذهم… فإذا به يتسكَّع على أرصفة الترف الفكري، ويحتال بألف مقدمة ومقدمة ليجعل من حراكه الأهوج ولغوه وهذره في الدفاع عن حزب أو نظام، والذود عن قيادة وزعامة، تكليفاً شرعياً ومسؤولية رسالية. مع ملاحظة أنَّ هناك ـ اليوم ـ “تشيُّع” و“استبصار” مبتدَع، فليسوا كلهم على غرار الأمين الأنطاكي والدمرداشي العقالي، فهناك مستبصرون زيديون، أو جيفاريون وتشافيزيون! لا إماميون، مع التشيع ما دام ثورة وجهاداً، مفهوم خطابهم، وأحياناً صريح منطوقه: إدانة ـ والعياذ بالله ـ الأئمة الأطهار الحسن وزين العابدين والصادق والباقر والكاظم والرضا والجواد والهادي والعسكري عليهم السلام، وكل “قاعد” لم يثر على الحاكم ويخرج بالسيف. وهناك أيضاً متشيِّعون للجمهورية الإسلامية، لا لأهل البيت، والحثالات التي تتراقص في قناة الميادين، والقردة التي تطفر في الفضاء الافتراضي ببابك.

    إن المستبصر الحداثوي يصعب عليه أن يستوعب أو يهضم صيحة مدوية ارتفعت في الحوزة العلمية قبل أكثر من نصف قرن على كتاب “شهيد جاويد” الذي كتبه “صالحي نجف آبادي”، لمجرَّد أنه تضمَّن ما يُنتزع منه عدم علم سيد الشهداء عليه السلام المُسبق بمصيره! فصدرت البيانات وجُمعت الفتاوى، وقامت الحوزة ولم تقعد إلَّا بإخماد الفتنة والقضاء المبرم على الرجل (حتى ما عاد أحد من الأجيال اللاحقة سمع باسمه ولا بكتابه). ويصعب عليه، بل حتى على شيعة منحدرين من بيوت وسلالات مؤمنة، لكنهم تلوثوا بالفكر المخالف، وتأثَّروا بالمحدَث المنحرف، وتناغموا مع الضال المضل، يصعب عليهم تفهُّم موقف السيد الخميني قدِّس سره من سيد قطب، حين طالبوه بتأبينه، وإدانة إعدامه، فقال: “إذا كانت لجمال عبدالناصر فضيلة، فهي قتله هذا الذي تجاسر على أميرالمؤمنين فنسب إليه شرب الخمر” (انظر: “في ظلال القرآن” ج2 ص665، الذي ترجمه السيد القائد إلى الفارسية!)، وما زال الإسلاميون الحركيون يستهجنون، ويسجِّلون باستغراب وامتعاض موقف الخميني هذا، وكيف عاش “جزئية صغيرة” واستغرق فيها حتى أنسته فضائل عظيمة للرجل الثوري المجاهد، المقتول ظلماً وعدواناً، الذي حرَّر الفكر السني من صنمية “اسمعوا وأطيعوا”، بل من عُقدة حصانة الصحابة، حين نال من عثمان!… لا يمكن لأضراب هذا وذاك من القشريين المفتونين بلغة الأرقام والحسابات ومنطق الكسب والخسارة، والمرتهنين للحسِّ والمستغرقين في المادة وما يحسبونه “عقلاً”، المنسلخين عن الغيب وما وراء الطبيعة، فهْمَ جوهر الإسلام وإدراك كُنه رسالته. كما لا يمكنهم الوقوف على العلَّة الغائية للدين، والهدف من هذه الشريعة المقدسة، ولأجل مَن خلق الله الدنيا وما فيها، ولماذا أوجد الحياة؟!.. ولعمري، أنىَّ لهم التناوش من مكان بعيد، وكيف عساهم أن يفقهوا هذا الخطير وهم لا يسمعون أنشودة “حديث الكساء” تحكي القصة وتلخِّص الفكرة؟ وكيف لها أن تطربهم وقد صُمَّت آذانهم عن ترنُّم الكائنات ـ من الذرة إلى المجرة ـ بألحانها، أُنساً وغبطة ونشوة وعشقاً، فلم يبلغهم شدو ترديدها، ووقرت أسماعهم عن سحر ترتيلها. وذهلت عقولهم عن سبح الملائكة وسكان السماوات وحومها جذلاً وبلجاً، يطوفون بها الأرجاء ويملؤون بها الآفاق. كما عميت عيونهم عن الشهود، أو يبست مشاعرهم وتخشَّبت عن عيش، ولا أقول مشاركة، العرش اهتزازه وتمايله سروراً وبهجة… إنها آفاق حرمت عليهم، أو حرموا أنفسهم منها، بكِبْرهم واستعلائهم، بعد تناولهم فاسد الطعام وشربهم آسن الماء، وما نالها إلَّا ذو حظ عظيم، فلحقت بالمؤمنين السعداء شرفاً، وتلقفوها كرامة ومزيداً.

    وإنما ترد البلايا على ساحتنا وتنزل بنا الويلات عندما يتصدَّى للأمر ويتولاه هؤلاء، تُبسط أيديهم بالإمكانيات، ويؤمَّن لهم الغطاء من الدولة وأجهزة المخابرات، فيهتكون باسم الحداثة والتطوير الحُرُمات، ويتطاولون بحُجة الثورية والحركية على المقدسات، ثم يعيبون علينا الإنشغال بـ “التوافه” والاستغراق في ”الصغائر”، والحرب على “فضلة الشيطان”، والتصدِّي لأباطيله وتفنيد أساطيره. إنهم لا يرون بأساً في جحد فضائل آل محمد، والتشكيك في مصابهم، والسعي لتسويق ثقافة خصمائهم، ولا في محاربة شعائر عزائهم، لأنهم لا يعرفون قدر هذه القضايا الملكوتية وهي في صورتها المُلكِية، وتغلبهم المادية الحسيَّة، فما دام الجحد والاستخفاف والانقلاب يخدم المعركة، ويرفد الجبهة السياسية التي يخوضون فيها ويلعبون، ومنها يرتزقون، فلا ضير منها. وإن رأى بعضهم ضيراً وبأساً، فلن يبلغ ذلك مبلغ المعضلة، ولن يشكِّل كارثة، تتموضع وفقها الجبهات، وتنتظم الاصطفافات، وتدور عليها رحى الحروب والصراعات.

    لقد دمَّر الله حضارة ثمود العظيمة، التي ما زالت آثارها ماثلة في مدائن صالح، لناقة عقروها! وأوقف سبحانه وتعالى نجاة أُمة بأكملها وعلَّقه على تلفظ كلمة واحدة: “حطَّة”، فبدَّلوها وما قالوها… والقوم يستكثرون تموضعنا ويسخرون من اصطفافنا انطلاقاً من “قضية الزهراء”، وهي التي على معرفتها دارت القرون الأولى!

    هذه هي قضيتنا وتلك رسالتنا، وليعيشوا هم ويلاحقوا سراب الأوهام، ويستغرقوا في زائل الحطام، “والذي نفس محمد بيده، لو أن الدنيا كانت تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر والفاجر منها شربة من ماء”.

  • ما زالت عظمة الشيخين الجليلين، العالمين الربانيين الميرزا التبريزي قدس سره والوحيد الخراساني دام ظله، تتجلى يوماً بعد يوم، وما برحت الحكمة والبصيرة، وعناية الناحية المقدسة التي حدتهما لإصدار ذلك الحكم التاريخي بضلال فضلة الشيطان وخروجه من المذهب، تضيء وتشرق، وما انفك الإنصاف يهتف: لولاهما لما حصحص الحق وانبلج، ولا وُصم الزيف وافتُضح الزيغ… فهذا الدفع والزخم الشيطاني المهول في نصرة الضلال، وهذا الدعم المستميت والتهالك العجيب في ترميم الصنم وإعادة إقامة النصب، يكشف أن تدخل الحوزة والمرجعية ووجوب تصديها، كان في محلِّه، وإلا فإن هذا التيار الشيطاني كان سيكتسح الساحة ويغمرها، وكانت القذارة المتدفقة من مجاريره ستطم القاصي والداني، والنجاسة الطافحة من كنيفه ستجمع القريب والبعيد على مائدته، يتناولون السموم ويرفعون الكؤوس ويتبادلون الأنخاب، ولا أحد ينظر إلى طعامه، فالجشع يعمي والطمع يصم والشره يزكم، والبطِر الأشِر لا يبالي أميتة أكل أم رجساً تناول وتداول، وآخرون مغلوبون على أمرهم، وكاد الفقر أن يكون كفراً!

    ولك أن تتأمل في ما جرى بالأمس على السيد نصرت قشاقش، لتقرأ الكتاب من هذا العنوان…

    لا أدعي أن السيد نصرت من العلماء الأعلام، ولا من المفكرين أصحاب الرؤى والنظريات، ولا هو عميد الخطباء ولا سلطان المنبر وقطب المنصات… الرجل ببساطة نموذج الراثي الحسيني الفطري، رمز العفوية في الأداء الشعائري، ومثال العطاء التلقائي للنجابة والغيرة والعشق والولاء، والحرص على الدين في جوهره وقيمه، كما في أحكامه وآدابه، وجملة من الخصال على رأسها الإخلاص، وما يفعل ويولِّد من آثار، جعلته الأكثر شعبية واستقطاباً للجمهور في لبنان، وحيثما حلَّ وارتحل، وقد بلغ عدد حضَّار مجلسه في محرم الماضي أكثر من خمسة وأربعين ألف نسمة، تضيق بهم شوارع وأحياء وأزقة “معوَّض”، والعدد هو أوسط تقدير، لأن جريدة “الأخبار” التي تمثل الجبهة المنافسة، ذكرت أن العدد بلغ (والمقالة في 2014) ستة عشر ألفاً، والرقم للمقاعد، فلك أن تضاعفه بحساب الوقوف ومن يفترش الأرض… واللافت أن هذا الحشد يبقى في انتظار المجلس لساعات، فإذا ارتقى السيد المنبر أطنب وأطال، حتى يتجاوز الساعة ونصف الساعة! والحضور لا مللاً يشكو ولا رهقاً يعاني، بل كلهم آذان صاغية وأنفاس مشدودة، ثم أرواح وقلوب متفجعة، وعيون باكية، في نشيج متواصل ونواح وجزع يليق بعشرة عاشوراء، مما كان يُفتقد في لبنان، ويعدُّ كشفاً ثميناً أثبت للناس وللتاريخ، ولمن يعنيهم الأمر، أن النجابة وطهارة المولد سئمت السياسة ومحاضرات الدجالين، وأنها تريد البكاء على إمامها ومشاركة الزهراء في مصابها.

    هذا المؤمن الكريم وخادم سيد الشهداء المعظم، بهذه المكانة والشعبية الجارفة والمحبة الغالبة في قلوب المؤمنين، والدور الرسالي والإلهي الخطير، يتعرض للسب البذيء والتطاول السوقي، من جماعة فضلة الشيطان، لا لشيء، إلا لأنه اعترض على سوق الأطفال لمسجد ضرار، وكرَّر موقف المراجع العظام من صنمهم الضال! وإن تذرع في احتجاجه بمنطق يلزم مخاطبه وتنزَّل ليقطع الطريق على محاوره، بأنه ولي دم والده الذي قتل بفتوى الضال المضل، فهلَّا يسمح ذلك بالاعتراض؟ أم عليه أن يبيع بعد دينه كرامته؟ ويقبض الثمن على موائد الساحة وعطايا السحت والحرام!

    لعمري أي طاغوت هذا الذي لا يُمسُّ وإن خاض في الدماء، ولا يقرب منه وإن هتك الدين واستباح الحرمات، ولا يقبَّح وإن حكم بإدانته المراجع العظام؟! وأين منه يغوث وسواع ويعوق ومناة؟!

    جرت العادة في مثل هذه الحالات أن يقال بأنني لا أُدافع عن الشخص بل عن النهج والفكرة، أما أنا فأدافع هنا عن الشخص والفكرة على السواء، وما دام نصرات يحملها ويتزين بها، فهو واجب النصرة، حتى إذا تراجع عنها يوماً لا سمح الله، انقلبتُ عليه، ولعلَّ الشيطان يغلبني قبله، فيتولى هو نصرتي بزجري ونصحي، فلا أحد يضمن حسن العاقبة وصلاح الخاتمة…

    السيد نصرت يشكِّل قيمة نادرة بين أقرانه، ويمثِّل حجة على غير صعيد في حقله! ذلك بما يحمل من عفوية تحكي مراتب عالية في نكران الذات، مما يفتقر إليه كبار، ويلاحقه ويتحراه عظماء، فلا يصلون ولا يبلغون، يغلبهم الكبر ويصرعهم الغرور، ولك أن تتصور الحال وأنت ترى بعضهم يهلك من متابعين في العالم الافتراضي! ويشمخ بأنفه ويختال ويتغطرس من طلب العوام التقاط الصور معه… بينما تجد هذه المكرمة والخصلة العزيزة في هذا الأريحي مبذولة وافرة جزيلة، يجمع إليها أخرى لا تقل خطراً، هي التسامي على المال والترفع عن الماديات، ثم التفوق على الشح والبخل، بشكل يبعث فيك الشك ويحملك على افتراض التصنُّع والتكلُّف، حتى تتحرى وتحقق، فتتثبت.

    وهنا همسة في آذان القادة من حركة أمل…

    إذا كانت للحركة قيمة تعني الطائفة ويكترث لها الشيعة اليوم، فهي حملها المشروع الشيعي المدني، لا الديني، وتصديها للتعديات والتفريطات التي أهدرت حقوق الطائفة لعقود متمادية بسبب صفقات الإقطاعيين، وخنوع المستسلمين، أو من تداعيات أوهام دعاة الوحدة من الإسلاميين. وقد انبرت الحركة من منطلق سياسي ووطني، لملئ هذه الفراغات وسدِّ هذا العجز ورفع الظلامات. ولست أدري كم نجحَت في هذا وكم أخفقت، وكم غلبها الفساد والتخلف وعوامل أخرى لا يدركها غير ابن البلد والبيئة، فلنتركها لأهلها… ولكن ما يمكن أن يسجَّل لها هو النأي بدماء الشيعة وعدم السماح بتوظيفها سلعة في لعبة الأُمم وورقة على مائدة الدول الكبرى، ومقاومتها الاستدراج، ونجاحها في تسجيل حقيقة تاريخية غاية في الأهمية، أن الشيعة ليسوا كلهم تحت راية إيران، ولا هم أتباع لمخابراتها، بل هم جزء من نسيج الشعوب في بلدانهم. نعم، هم يحبون إيران من باب الأُخوَّة الإيمانية، ويتمنون لها الفلاح والنجاح، ولا يرضون بالإضرار بها والنيل منها، كبلد مطبِق في التشيع، شأنه شأن العراق، لكن النظام السياسي الحاكم وسياساته شأن آخر، فهو قد يفضِّل الأرمني المسيحي على الشيعي الآذري ويقدِّمه في النصرة!

    في تقديري الشخصي، أن المرجع الأعلى دام ظله لم يشرِّف الأستاذ نبيه بري ويسمح له باستقباله في مطار بيروت وهو في طريقه للعلاج في بريطانيا، إلا لهذا الدور والأداء… ومن هنا، عليه أن يضبط كوادره وقادة حركته فلا يقحموا الدين في أدائهم ولا سيما بما ينصر الضلال ويفسد عقائد الناس، وينال من الشعائر الحسينية وخدام سيد الشهداء.

    هناك سواد شيعي أعظم هو الجمهور الإيماني العام الذي يشكل أكثر من ٩٠٪؜، لا علاقة له بالأحزاب والمنظمات، ولا يؤمن بالحركة الإسلامية وترهاتها الفكرية، وإن تعاطف مع جهادها وتألم لضحاياها، وكان يدعو لنجاتها وانتصارها، ولكنه لا يأخذ دينه منها، بل يأخذه من الحوزة والمرجعية، لا المارقة المطرودة، والمزيفة المنكرة، بل الأصيلة التي يتسالم عليها أركان الطائفة وأعلامها، وتحاكي ماضيها وتراثها.

    نصيحة لجميع الشيعة العاملين بالشأن السياسي: ابتعدوا عن ديننا، لا توظفوه سلعة تزايدون عليها، وبضاعة تتاجرون بها، ولا ورقة تناورون وتفاوضون فتكسبون هنا وتفرطون هناك. نحن لا نبحث عن عداوات ولا نريد صدامات، ولكننا لن نقف مكتوفي الأيدي أمام مَن يمس مقدساتنا، ويعبث بعقائدنا، ويريد تشويه أو تعطيل شعائرنا.

  • حضرني، وأنا أتلقَّى سُباب الصبيان، وافتراءات محركيهم، إثر مقالة رمتهم بطلب الشهرة، حذَّرت منهم، وطالبت بالتزام الأصالة في إحياء الشعائر الحسينية… ما تعرَّض له العالم الرباني الكبير الفاضل الدربندي قُدس سره، على يد البابية عند ظهورهم في كربلاء، حين دهموا داره وحاولوا اغتياله، فدافع عن نفسه، ما ألحق جراحاً بالغة في وجهه… فهان الخطب وكانت السلوة، فما أنا أمام ذاك الطود العظيم إلَّا كخادم يحمل له إبريق وضوئه، وصبيٍّ يكنس داره ويُصلح متاعه. ثم كان البلسم في “أُخرى تحبونها” جاءت في التأييد الذي لقيت من العلماء، وفيهم أساتذة حوزة وفضلاء من أعمدة الأصالة وقلاع الشعائر وحصون الولاء، يثنون ويدعون، ويطالبون بالاستمرار في ملاحقة الظاهرة، وردم الصدع الذي تُحدثه في جبهة الشعائر، وسدِّ الثغرة التي يتوغَّل منها الأعداء.

    هناك حالات يضطر فيها المرء إلى التنزِّل في الخطاب، وتجاوز الاستدلال العلمي التام، بسوق الحجج الشرعية والبراهين الفكرية، إلى التمثيل أو التشبيه وأدنى حدود التعريف… لذا يُقدَّم الأمر هنا بشكل تساؤل بسيط: هل يمكن أن نفرض وقوع اختراق للحوزة العلمية الشيعية أم لا؟ هل من العقل أن يسعى العدو، بشتى مُسمَّياته وعناوينه، الخارجي الكافر والناصب، أو الداخلي الحداثوي والحزبي، للنفوذ في حوزاتنا العلمية أم لا؟ هل يعمد لصنع أو تعويم “مراجع تقليد” ينفِّذون فكرته ويحققون غرضه أم لا؟ أليس هناك اليوم “أدعياء” يحظون بتمويل مالي وغطاء إعلامي ودعم سياسي إقليمي وعالمي؟ ترى من أين جاء الحبتري ومَن صنع اليعقوبي وأبرز الصرخي وأظهر البديري، وآخرين؟ وإن لم يشكِّل الأمر في واقعه خرقاً أو نفوذاً، فهؤلاء مكشوفون في الحوزة، مفضوحون عند أبنائها ورجالها، ولكن ألا تراهم يشكِّلون إغواءً للعوام، ومادة لخلق الفتنة والفوضى، تربك الساحة الإيمانية وتشوِّش الصورة الشيعية؟ ثم من بعد الحوزة والمرجعية، ألا يصحُّ افتراض أنَّ العدو يعمل على اختراق أقوى جبهة يتمتع بها التشيُّع وأعظم سلاح يحمله، أي الإرتباط بسيد الشهداء والتزام الشعائر الحسينية؟

    بعد الجواب على هذا السؤال، وهو عند جميع العقلاء: نعم، إنه يسعى ويبذل قصارى جهده للتوغل والنفوذ، ويعمد إلى ما يشوِّه الشعائر ويضرها ويتلفها ويسقطها عن دورها الإلهي المنظور. والسؤال التالي الذي يلحق الأول تلقائياً: كيف عساه أن يفعل ذلك، وبأي الطرق والوسائل؟

    لسنا في وارد كيل التهم، ولكننا في موقع التشكيك في كلِّ جديد مبتدَع (ومن الغريب أن يحسب بعضهم رفض البدع من مختصَّات الوهابية!)، وفي الكافي الشريف: “كلُّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة سبيلها إلى النار”. وفي نهج البلاغة: “وما أُحدثت بدعة إلا تُركت بها سُنَّة، فاتقوا البدع، والزموا المهيَع، إنَّ عوازم الأُمور أفضلها، وإن محدَثاتها شرارها”. وعن الباقر عليه السلام قال: “أيما عبد من عباد الله سنَّ سُنَّة هدى، كان له مثل أجر مَن عمِل بذلك، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، وأيما عبد من عباد الله سنَّ سُنَّة ضلال، كان عليه مثل وزر مَن فعل ذلك، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء”… من هنا نتوقف عند “محدَثات” أنماط العزاء، نرتاب في قائدها وسائقها، ونشكُّ في راكبها ومروِّجها، ونحتار في اندفاعٍ وأداء يفتقد التوازن والرصانة، ونهجٍ وطريقة تجانب الوقار والرزانة. لا بدعوى أنها بدَعٌ بالمصطلح الشرعي لتكون كلُّها محرَّمة، بل من منطلق تقييم فكري وقراءة اجتماعية وتحليل سياسي للحركة، يطرح المحدَثات على مائدة البحث، والنظر في المصلحة منها والمفسدة المترتبة عليها.

    ذلك أن المضمون المأمون من أنماط الشعائر الحسينية، هو التراث المُستقى من الآباء والأجداد، الممضى بالتجربة الممتدة والممارسة المثبتة، المزكَّى بسيرة العلماء والتزام الصلحاء. هذا هو “المهيع” المأمون المضمون. يقابله جديد مبتَدع مختَرع، تحوم حوله الشكوك والشبهات، ولا يحمل أربابه في إثبات صحَّته وأحقيَّته، إلا الإغراق في الممارسة والمبالغة في الفعل (وهذه الصوفية تمتثل أمامك بالتفوُّق في العبادة والإفراط في الزهادة)! من الصعوبة بمكان أن نركن إلى نزاهة هذه المحدَثات، ونفصلها عن دور وفعل الدخلاء، ولا سيما أننا نلمس رعاية غريبة لها، ودفاعاً مستميتاً عنها، واحتضاناً خرافياً يتيح لها فُرَصاً ويوفِّر إمكانيات لا تتيسر لأي نطاق آخر من نطاقات التشيُّع! شأنها شأن مشروع المراجع المزيفين، سواء في الدعم الذي يلقون، أو في القفز على الحوزة وإمضائها. بل ما زال أربابها يلوِّحون بعصا التشنيع والتهويل على كل مَن يجاهر بالتحفَّظ على أدائهم، ويمارسون إرهاباً فكرياً مبتذلاً، خلق موجبات للتقية، وحمل العلماء على السكوت حذر الهتك والتشويه والتسقيط! وقد نشر أحدهم رسماً كاريكاتيرياً لحمار يربض على كومة كتب، معرِّضاً بعالم جليل نهض بالدفاع عن المذهب وقصم ظهر فضل الله في قضية الزهراء، لأنَّ تحقيقاته لم تثبت وجود ابنة للحسين باسم رقية عليها السلام، (دون أن ينكر قبرها)! ثم تراهم ـ وهذا من أعظم أسباب الريبة فيهم ـ في جبهة ردِّ الضلاليين ومواجهة الحداثيين الذين يعملون على هدم المذهب من أساسه، واقتلاع الشعائر من جذورها، خامدين هامدين، لا يعبأون بما يجري ولا يكترثون بما يدور! بل فيهم مَن يتعاون مع المضلين، يحتضنهم ويروِّج لهم! متجاهلين أن الشعائر الحسينية في كثير من مفرداتها كما هي موضوعية فهي طريقية، فبعد أداء العزاء وتحقُّقه في نفسه، هناك حفظ المذهب والذوْد عن العقيدة والدفاع عن الولاء لآل محمد. ولكنهم يتعامون عن ذلك، لأن التزامه والعمل به سيخلق أولويات، وتترتب عليه واجبات، تضيِّع تطلعاتهم للشهرة، وتهدم آمالهم بالصيت والسمعة، فلا يعودون هم الرموز التي تجتذب الأضواء. ثم إن خوض هذه المعارك والدخول في صراعات من هذه الطبيعة قد يوقظ الأتباع المستغفَلين وينبِّههم لحقيقة الضلال الذي يعيشونه!

    وبعد، فإن عزاء “الشور” في صورته الأصلية، شعيرة محترمة بل مقدَّسة، وقد ذكرتها في كتابي “الوصايا العشر” ، وهي شعيرة أفتخر بها وأُمارسها، وأُساهم ـ بما مكَّنني ربي ـ في هيئات تقيمها، بل أتبرك بالعرق الذي ينضح من وجوه اللاطمين، والدموع التي تترقرق من عيون الباكين، وطالما اتخذتها إكسيراً للشفاء، وحرزاً يدفع البلاء، لا كلام في هذا ولا مزيد، إنما التحفظ على دخول جماعات مريبة، تتفاوت في خطرها من ادعاء السفارة المهدوية، إلى المرجعية المزيفة والحزبية، إلى دكاكين الإتجار الشخصي والانتفاع المادي، وقد اتخذَت “الشور” سلعة وبالغت فيه حتى انقلب من شكله الأصلي إلى أنماط جديدة مبتدعة، بلغت مؤخراً أو أفسحت لما يسمى بـ “عزاء الراب”. كما فعلت في التطبير الذي جعلته في غير عاشوراء، ولعلَّ السلسلة تمتد والنطاق يتوسَّع، إذا لم يجد هؤلاء مَن يردعهم، وينبري مَن يوقفهم عند حدِّهم.

    إنَّ أصحاب الهيئات والحسينيات والمواكب في العالم الشيعي ليسوا حزباً ولا يخضعون لإمرة، بل يعيشون حرية تامة واستقلالية مطلقة… والرهان دائماً وأبداً في تمييز الغثِّ من السمين، على حسِّ المسؤولية الشرعية والدور العقائدي الرسالي الذي يضطلعون به. وتنشأ المشكلة عند الفوضى والتفلُّت، والصعود المريض لنكرات وتولي الصبيان زمام الأُمور، مما يكون على حساب الشعائر ومن رصيدها، فتبدأ سوق المغالاة والمزايدات، ويقع الخلط في حدود المقدَّسات، والفوضى في طرق وأُصول العزاء، حتى يبلغ الأمر التراقص والموسيقى والهتك الذي نشهده ونعاني جميعاً من ويلاته، وهي مظاهر وجدَت فسحتها واقتنصت فرصتها من تلك الفوضى، وفي ضوء تراجع موقع العلماء الأُمناء، لصالح الصبيان، فتغلب الدعاية التي تكرِّس الشخص، وتروج الصوَر المتأنقة بالغُرر، والشعور البراقة المسرَّحة بالدهون، والأزياء المبتكرة لأثواب الشهرة، وتوزيع الابتسامات واتخاذ “البوزات”… من هنا كان لا بدَّ من وقفة، قد تكون قاسية بعض الشيء، ولكنه مبضع الجراح الذي يشكِّل العلاج، ويحمل ـ إن شاء الله ـ الشفاء، بكل ما يصاحبه من ألم، ولا سيما حين تكون الجراحة دون تخدير.

    وعلى الرغم من أنني أقدِّر عالياً التوجيهات والنصائح التي بلغتني من بعض الشباب المخلص، وأعدهم بمراجعة الأسلوب واللين والحسنى في الخطاب… ولكني لا أملك إلا أن أصارحهم بأن الشعائر الحسينية حمىً دونه النفس والنفيس، لا يقبل مساومة ومجاملة، وهو ميدان له أربابه وأصحابه ورجاله الحقيقيون، وأنا أقلُّهم، وخادم لأصغرهم، ومن هنا أدعو إخوتي الكرام وأبنائي الأعزاء إلى الإرتقاء في الجانب العلمي والمعرفي والثقافي، والأخذ بما ينمي الوعي ويذكي البصيرة، عبر النهل من الأحاديث الشريفة والمطالعة في نتاج العلماء الأبرار، ما يخلق فيهم حسّاً ويبعث مَلكة تمكِّنهم من تمييز الأشخاص وتعينهم على تشخيص الموارد والحالات، وتستنقذهم من السرَّاق المتاجرين بهم والمستأكلين بدينهم وولائهم…

    وأدنى ذلك أن يفهموا أنَّ وصف الشعر بالبعر، جناس ناقص يراد به التعريض بهبوط مستوى الشعر، وهو استعمال مبذول متداول في محلِّه، لا يستوحش منه إلا غريب عن المطالعة، ولا يستنكره إلَّا من نشأ على مهاترات الفيسبوك وسوقيَّاته، وهو يصحُّ ولا يُستهجن وإن جاء في أقدس المقدسات، كما جعل الحديث الشريف الصلاة (وهي عمود الدين) نقراً كنقر الغراب، في معرض إدانة المستخف أو المتهاون بها.

    على المؤمنين الكرام أن يفهموا أنَّ التقدمة في ميدان العزاء الحسيني يجب أن تكون في قمة الكمال، وأن يكونوا كهابيل في عطائهم لا قابيل، فيرفعوا لمولاهم الأفضل والأكثر جودة وإتقاناً. وأن لا يخلطوا بين العبادة الشخصية الخاصة والأُخرى الشعائرية العامة، فإذا كان المولى عليه السلام يقبل بعطفه وشفقته من مواليه وعُشاقه الناقصَ والمَعيب، وأنك لا يجب أن تكون نموذجياً وكاملاً حتى تكون مقبولاً، فإن هذا على الصعيد الشخصي والحالة الخاصة التي يعيشها الفرد، وينقطع فيها المؤمن إلى إمامه، ينشد له ما نظم وإن كان ركيكاً، ويخاطبه بلغته العامية المليئة بالأخطاء، ويقرأ له المراثي بصوته النشاز، ويبكيه ويجزع على مصابه ما شاء، ليلاً ونهاراً، في عاشوراء وغيره وعلى مدار العام… له ذلك، وله الأجر العظيم عليه، بل هو من فعل الكُمَّل الذي لا يناله إلا ذو حظ عظيم.

    أما الحالة الشيعية العامة، والنطاق الذي تتحرك فيه المسيرة، وتمضي فيه الشعيرة، فهو محكوم بضوابط، ومقنن بآداب وأعراف، وله شرائط ومواصفات، ليس للصبيان تغييرها، ولا  للدخلاء والنكرات تجاوزها، ولن نسمح للأعداء بهدمها وتقويضها… فمن أراد أن يكون ناعياً عليه أن يلتزمها، ولا يقحم الحمى ويتطفَّل عليه بما يهتكه ويشينه ويزري به، فيكون مضحكاً وباعثاً على السخرية والاستهزاء، فنحن في حرب ومعركة دائمة، والعدو يرصد علينا الأخطاء ويحصي الزلات، ولا سيما مع هذا الفضاء المفتوح، وقبل أن يفعل العدو، فشأن القضية ومنزلتها تقتضي هذا الالتزام. ولا يستوحشن أحد من سبل الخدمة الحسينية وأبوابها، فهي مشرعة للجميع، ولربِّ خادم صغير يغسل أقداح الشاي، وآخر يرتب الأحذية ويسويها عند مدخل الحسينية، يبلغ من العظمة ما يرضي عنه مخدومه الأعظم، وكفى. ولعل هذا الحرص على الإنشاد والاندفاع فيه، على الرغم من افتقاد فنه والعجز عن أداء حقِّه، هو ملاك وضابطة تكشف الثكلى من المستأجرة، ومَن يعيش القضية الحسينية حقاً ممن قحمها طلباً للشهرة وتسلَّق أسوارها وتطفَّل عليها تهالكاً على الظهور، واستماتة في الصيت والسمعة.

    وأختم بموعظة ملكوتية وحكمة عرشية: “إن قدرتم أن لا تُعرفوا فافعلوا، وما عليك إن لم يثن عليك الناس؟ وما عليك أن تكون مذموماً عند الناس إذا كنت عند الله محموداً”. وبعد، إخوتي الكرام، ثقوا أن من ينهاكم عن الصلاة في حرم رقية عليها السلام، لأن حرمها جنة، والجنة لا صلاة فيها!.. هو شيطان أو دابة شيطان.

  • كانت الشهرة أمراً عظيماً عزيز المنال، قلَّ أن تتفق وتقع لأحد، ولا تلحق إلا الأوحدي الألمعي، المتميز بالنبوغ، المتفرِّد في حقل ومضمار، المتمتع بعبقرية ونُدرةٍ لا تكون إلا في الأكابر والأعاظم وأقطاب الناس وغطاريفهم… فهي لا تأتي إلَّا من زعامة ورئاسة، أو ثراء فاحش، ولا تكون إلا لتميُّز في صَنعة وألَق في ميدان، علم أو أدب أو شجاعة أو جود وسخاء، (وقد تأتي من إغراق في رذيلة وتمادٍ في عار واستيلاء منقصة، بخل أو جبن أو حمق وخرق، لكنها بطبيعة الحال لا تكون مما يُمدح ويُطلب). فإذا كان من أحدهم هذا التميُّز، تناقلته الألسن وتداولته المنتديات، ضربت به الأمثال، ونظمت فيه الأشعار، وسارت به الركبان.

    وطلب الشهرة وحبُّ انتشار الصيت، في نفسه، من الشهوات المستحكمة في النفس البشرية، وصنَّفها علماء الأخلاق في المهلِكات العظيمة التي قلَّ أن ينجو منها أحد، وهي تختلف عن الشهرة التي تلحق الصلحاء والأولياء الكُمَّل، دون سعي منهم وتكلُّف لأسبابه يصدر عنهم، ممن تأتيهم تبعاً لحكمة إلهية يتم من خلالها نشر الدين وإحقاق الحق، لذا تراهم، كما ذكر المرحوم النراقي في “جامع السعادات”، يفرون منها فرار الرجل من الحية السوداء، حتى أن بعضهم إذا جلس إليه أكثر من ثلاثة قام من مجلسه، وبعضهم إذا تبعه أُناس من عقبه التفت إليهم وقال: “علامَ تتبعوني؟ فو الله لو تعلمون ما أُغلق عليه بابي، ما تبعني منكم رجلان”. وبعضهم يقول: “لا أعرف رجلاً أحبَّ أن يُعرف، إلَّا ذهب دينه وافتُضح”. وآخر يقول: “لا يجد حلاوة الآخرة رجلٌ يحب أن يعرفه الناس”. وآخر يقول “والله ما صدق الله عبدٌ إلَّا سرَّه ألَّا يُشعَر بمكانه”.

    ومع تطوُّر وسائل الإعلام والاتصال، وظهور الطباعة والصحافة والإذاعة والتلفزيون، كبر نطاق الشهرة وتوسَّعت دائرتها، وصارت مبذولة لشريحة أعظم، وتطال قطاعاً أكبر… حتى وقعت طفرة خارقة في زماننا، مع ظهور العالم الإفتراضي ووسائل التواصل الاجتماعي، التي بذلت الشهرة وحققتها للقاصي والداني، ومكَّنت منها القريب والبعيد. ما أتاح لكلِّ نكِرة تافه، وسخيف جهول، أن يمتطي المكارم، ويعتلي صهوة الفضائل، ويتبجَّح بصفات يدَّعيها لنفسه، ويتنطَّع بإنجازات يزعم تحقُّقها على يده، يستقطب بها حشداً من رواد ورعاع ذلك الميدان، ويجمع “متابعين” من سنخه وعلى شاكلته.

    يحضرني أن صبياً لم يبلغ الحلم جاءني يوماً في المسجد، يحمل “نشرة دينية” يريد توزيعها على المصلين، فلما نظرت فيها ورأيت الوهن والسخف والتهافت، سألته عن كاتبها؟ فقال أنا هو! و”النشرة” تفضح الصبي، وتُعرِّيه لتعرضه خالي الوفاض، صفر اليدين من العلم والأدب، لا يحمل إلا “أنا” متضخِّمة، ونفساً متورِّمة، حملته على مغامرة تلو أُخرى، حتى ناطح صنواً له في لندن، فصرعه ذاك وطرحه أرضاً! وكان المسكين ضحية إغواء مرجع مزيف، ما زال يجتذب الشباب بإذكاء مطامع الشهرة فيهم! يدعوهم، بل يحرِّضهم ويدفعهم للكتابة دفعاً، ويوصيهم بالنشر فوراً، حتى تزيد ـ هكذا يزعم ـ الإصدارات التي تحمل رسالة التشيُّع، أو تدافع عنه، عن تلك المعادية التي تهاجمه! لا تخصُّص في قاموسه، ولا جودة وإتقان في عرفه، ولا حتى أدنى التزام بأُصول الفن والحرفة، ما جرَّ الويلات على المذهب، ولا سيما على صعيد خلق المعقَّدين وتوليد الملحدين (الشيعة) الذين ارتدوا عن الدين من هول ما رأوا في هذا التيار، وما وجدوه في معمميه ولمسوه عن قرب من افتقاد للأُصول وغياب للقيم وعبث وجهل وفساد.

    ولا ينحصر الداء في هذا التيار، بل هو مبذول في غيره، ومنهم من يحاربه منافسة على الحطام في اجتذاب العوام! في هذا السياق ترى “معمماً” تافهاً جعل الدين أُلعوبته والمذهب أداة لهوِه، فينشر صوَره وهو يضحك ويقهقه، ثم يعلِّق: “ليس الأمر بيدي إذا ابتسمت، فأنا اسمي الأصلي ابتسامة، سقطت منه الباء والتاء فصار أُسامة”! ولا يكتفي الشيطان من هَيِّ بن بيٍّ هذا بالإساءة للعنوان وهتك الزي، حتى يأخذه إلى مهاجمة التراث والطعن في العقائد وإعانة النواصب على ما ينالون من ديننا ومذهبنا.

    ولا تعجب من بعدُ مما ترى في ساحة الولاء وإحياء الشعائر من طلب للشهرة وسعي لنشر الصيت والسمعة، وفوضىً جرَّتها عجلة الغلمان وأتى بها طفر الصبيان، هيئات لا تدري مَن يدعمها، وجماعات لا يعرف أحدٌ مَن يغذِّيها ويمولها، لم يُرَ رأسهم يوماً في مسجد أو صفِّ جماعة، ولا رُفعَت فعُرِفت لهم قدمٌ بتشرُّع والتزام، مجاميع صبيانية بلا كبير يرعاها بفقه وعلم، وخلايا متحفِّزة بلا شيخ يقودها بورع ويهديها بخوف من الله وإخبات، وعَصَبات لا خبير يتعهدها بوقار وحكمة، ولا حصيف يسوقها بهدْيٍ وحنكة… تتنافس فتغرق في المزايدة، ويغالب بعضها بعضاً فترفع السقف، وتذهب في المغالاة، وتتكلَّف كل ما يلفت إليها الأنظار ويدير نحوها الأعناق، بما يجتذب المريدين، ويحقِّق مزيد كسبٍ وحشد.

    هذا يُدخل في “الشور”، وهو دقائق تُختم بها جولة اللطم، يبلغ فيها التفجُّع ذروته ومداه، يستوفي فيها اللاطم وطَره من الجزع على المصاب.. يُدخل فيه “رادوداً” مصاحباً، يقوم بالنفخ في لاقطة أُخرى (ميكروفون) غير التي يقرأ فيها الرادود الأول، يصدر صوتاً غير مفهوم، يفترض أنه تكرار اسم الحسين عليه السلام، لكن من فرط إعمال الصدى في مكبِّرات الصوت، وعبث المنشد في التنغيم، يغدو أشبه بالحشرجة والغمغمة، ما يصنع خلفية أو يفرش أرضية للقصيدة، ويصنع إيقاعاً مصاحباً للطم، وهو ذروةٌ ما كانت  لِتطول ـ وفقاً للأُصول ـ عن دقائق، وقمة أو قُل عرشٌ أو منصَّة تتويج، لا يصحُّ البقاء فيها والاستواء عليها إلَّا للحظات… فإذا بهم يمضون فيها لِساعات ويربضون هناك ويرتعون ولا يبالون! ما هتك الحِمى وأذهب الخفر وابتذل العزيز النادر، أفقده نكهته وأضاع عظمته، وقد صار سلعة للشارد والوارد! ولو تدبرت في الجهات الدافعة والداعمة لهؤلاء الصبية والشباب، وفكَّرت في المضلَّات الراعية لهذه الحسينيات والهيئات، ولو على نحو الاحتمال لا الجزم المبني على التحقيق والثبوت، لرأيت عجباً عجاباً، من التقاء النقائض واجتماع الأضداد، وتظافر الأصدقاء الدخلاء، مع الأجانب الأعداء، على إلهاء الساحة وتشويه الأصيل الرصين بهذا الجديد المبتدع!

    ومن “الشور” المحدَث، إلى “الراب” المقحَم، وهو في الأصل ضرب من الموسيقى والغناء، المصاحب لرقصة “الهيب هوب” الشعبية الأمريكية، يدبكون ويتمايلون على إيقاعها، وهم ينشدون المواعظ الاجتماعية والسياسية (لا المراثي)، ويلطمون!..

    فإذا وجد آخر أنه هُزم، وأن غيره قد سبقه وتجاوزه في استقطاب الأضواء، عمد إلى “الإبتكار” و”الاختراع”، فابتدع شعيرة “لبس السواد بشكل جماعي”! يدعو أتباعه للقدوم إلى المجلس أول محرم بثيابهم العادية، ثم يناولهم قمصاناً سوداء، يقومون بارتدائها معاً داخل الحسينية! وللسفَه والنزق صوَره، وللطيش والخفة ألوانها، وكما في المثل: إذا تلاحت الخصوم تسافهت الحلوم.

    والفوضى تضرب أطنابها وترسل ظلالها على الساحة، تغالب النزر الأصيل، وتتقدَّم بلا حياء على الحق القليل: أصوات قبيحة ونبرات نشاز، أبحُّ ينبري للقراءة، وأجشُّ يتصدَّى للإنشاد، وأخنُّ يصرُّ على الرثاء! أشعار مهلهلة، لا طلاوة فيها ولا حلاوة، سطَرها خامد بديهة، نكِد قريحة، صلد خاطر، شويعر، بل متشاعر، ينثر بعراً فيحسب أنه نظم شعراً، تُحمل إلى مشاهير الرواديد بالإغراء والاحتيال أو بالقهر وسطوة الدعاية، فينشدها التعس، فلا يقدح لها زناد، وتموت وهي في المهاد. ثم نظْمٌ في المدح ونشر الفضائل وتعديد المعاجز والكرامات، أو الحماسة والفخر والشجاعة، يلطم عليها الحضور! ولا أحد يسأل عن وجه الجزع والباعث على الافتجاع؟! وكأن اللطم مجرَّد إيقاع! فهل من ثمرة لهذا الأداء المتفلِّت من الضوابط والأُصول إلَّا التشويه والتنفير والإزراء؟ فإذا واجهت هذا وذاك، نقداً واعتراضاً، أو حتى نُصحاً وإرشاداً، تباكى على الخدمة واحتجَّ بحرصه على دوره في المشاركة، والإسهام بحصَّته في المسيرة! ولعمري، هل انحصرت الخدمة الحسينية في هذا النطاق حتى يتهالك عليه مَن لا يملك شيئاً من مقوماته؟ ومن الغريب الملفت، أنه إذا حوصر هذا وذاك من طلَّاب الصيت والشهرة، حين يفلس هنا، ويُفتَضح هناك، ولج بيت الكتابة والنشر دون أن يطرق الباب، وقدَّم المهزلة وساق البلية في غير صورة وشكل!

    مناقصات تجارية يسبق إليها أرخص العطاءات، ومزايدات يغلب فيها الأوسع ذمة والأقل تحرُّجاً وورعاً، والأكثر وقاحة والأصلب وجهاً، تخلط الأُمور وتورث التداخل، بما يُسقِط المقدَّسات ويزري بالمناسبات، هكذا أُضيع ـ على سبيل المثال ـ مفهوم الخضوع والتذلل لأهل البيت، باسم الخضوع والتذلل لهم! فإذا كان المرء كلباً لرقية، فماذا يكون لسيد الشهداء؟ وكيف عساه أن يعبِّر عن تذللـه وخضوعه من بعد، وهل ترضى هي عليها السلام بهذا التساوي والإقران؟ وإذا كان الموالي العاشق يطبِّر في ذكرى وفاة أم البنين وزينب الحوراء، فكيف عساه أن يجزع يوم عاشوراء، وماذا عليه أن يفعل حتى يحيي الذكرى ويميِّزها في نفسه وفي مجتمعه؟! وإذا كان يلطم بالشور لساعتين في مجلس أسبوعي من عوائد البيوت، فماذا سيفعل في الوفيات والحسينيات التي يحتشد فيها المؤمنون ويرتسم فيها عنوان الشعيرة ويتشخَّص العزاء؟!

    من السذاجة بمكان أن يحسب أحدٌ أنَّ الحرب على الشعائر تأتي بالصورة النمطية التي يقوم بها الحداثويون حين يحرِّمون التطبير ويسخِّفون بعض الأنماط وينالون من أُخرى بالطعن والمواجهة، ثم يغفل عن هذه الصوَر التي تمثل “حصان طروادة” وتعمل على إسقاط القلعة وانهيار الحصن من الداخل، ويذهل عن أداء هؤلاء الصبية الأغرار، وكل آمال أحدهم (إن فرضنا عدم العمالة وقُلنا بالنزاهة، وهي متحققة، ولا شك، في بعضهم، كما ثبوت تلك في آخرين) أن يرفع عدد متابعيه ومشاهديه ومسجلي علامات الإعجاب، ثم يغلبه الشيطان على ما يحوزه في العالم الافتراضي من “أرقام”، فيطمع أن يترجمها إلى حالة مشهودة وجماهير محتشدة، فيصدمه الواقع وتردعه الحقائق، ما يزيد في تركُّب عقدته، ويحمله على المضي في مكابرته. وقد أغرى تحقُّق الأمر في أحد الرواديد وبلوغه النجومية، وأطمع البقية بإمكانية تكرار الحالة واستنساخ الصورة، ولا سيما أنه استثمر الشهرة فتاجر فيها وأثرى منها.

    وبعد، فـ ”الصبيانية” داء لا يتوقف عند العمر، فقد ينزل بمن تخطَّى الصِّبا والمراهقة، بل الرجولة والكهولة، وبلغ الشيخوخة والهرم، فتراه يطفر كما الأطفال، ويعبث كما يلهون ويلعبون، يلاحق التقاط الصوَر مع الأعلام، ويتكالب على اللقاءات والزيارات عسى أن تُكسبه شرعية يفتقدها، ثم يغلبه حبُّ الشهرة والظهور ويصرعه التوق للزعامة، حتى يصاب بـ “الانفصام”، فيصدِّق أنه الذي أحيا زيارة الأربعين المليونية! وها هو يزعم أن له يداً في فتوى الجهاد ومقاومة الإرهاب، جنباً إلى جنب المرجع الأعلى، وقد نشروا إعلاناً في ذكرى إصدار الفتوى، أقحموا فيه صورته بين المراجع العظام، بل جعلوه يتوسَّطهم، وكأن الأمر مشاع، فلا علَم بعينه أصدر الفتوى، ولا زعيم قاد الجهاد… هذا هو فعل الصبيان، أما الرجال والكبار، والعظماء الأجلاء فقد سجل التاريخ مجدهم، فكتب بأسطر من نور:

    ارتقى السيد عبدالحسين شرف الدين منصة الخطابة في إحدى الاحتفالات الأدبية الحاشدة بالقاهرة، وفي الحضور مشايخ الأزهر وكبار الأدباء والمفكرين من قبيل طه حسين ومصطفى الرافعي ومي زيادة، وارتجل خطبة عصماء بدأها قائلاً: إن لم أقف حيث جيش الموت يزدحم، فلا مشت بي في طرُق العُلى قدمُ… فالتهبت القاعة بالتصفيق ودوَّت بالتطييب والترحيب، وقد ظنُّوا أنه قائل البيت، فاستوقفهم السيد الجليل واستدرك: رحم الله شاعر أهل البيت السيد حيدر الحلي، فالبيت له. عندئذ دوَّت القاعة بالتصفيق ثانية، وكثر الاستحسان من كل مكان، ثناءً على الإنصاف وتقديراً للأمانة العلمية وإكباراً لعلو النفس والهمة.

    والحر تكفيه الإشارة، وعسى أن لا تتوسع الظاهرة وتفشى فتقضي الحاجة ويحكم التكليف تناولها ثانية، فهي من مواطن الألم والحسرة التي يصعب على الموالي خوضها.

  • كثيرا ما تتقاطع المصالح الأمريكية مع الإيرانية، أمريكا الاستراتيجية، لا المقطعية الترامبية، هذه العارضة التي ينتظر الطرفان انقضاءها على وعود أو آمال بعدم تمديدها لفترة رئاسية ثانية، ومن هنا تصبر إيران وتتحمَّل وتمارس عضِّ الأصابع، وفي المقابل تتمادى أمريكا وتبالغ في الحصار وتغرق وتفرط في الاستفزاز، عسى أن يبلغ الاستدراجُ السقوطَ في المواجهة، وإتاحة الفرصة ولو لضربة خاطفة تعيد الصناعة العسكرية الإيرانية عقوداً إلى الوراء… أما أمريكا الدولة الكبرى والقوة العظمى، ففي استراتيجيتها مصالح كثيراً ما التقت وتقاطعت مع مصالح إيران، التي يصفها بعضهم بالعدو الودود، ولربما بالصديق اللدود! وقد ظهر ذلك بوضوح عند إسقاط طالبان في أفغانستان، والقضاء على صدام في العراق، ومواقع أخرى كانت آخذة في الظهور والانكشاف لولا ما باغتهم من عارض ترامب، وحمَّى اليمين المسيحي الإنجيلي (المسيحية المتصهينة).

    وفي السياسة التفصيلية يظهر في مواقع الاتفاق بين الطرفين، الالتقاء على تحجيم حوزة النجف وإسقاط المرجعية العليا المتسيِّدة هناك! منذ أن نحا السيد السيستاني نهجاً بعيداً عن الجمهورية الإسلامية، في فكره ونظرته السياسية، ثم في تطبيقاته ومواقفه، التي يمكن اختصار مفاصلها التاريخية في: منع مواجهة الإحتلال بـ ”مقاومة” عسكرية ووسائل عنيفة، والاكتفاء بالسلبية المتمثلة بالمقاطعة. وفي العمل على إنهاء الإحتلال وعودة السيادة للشعب العراقي، عبر الإصرار على طَي صفحة “مجلس الحكم” (الأمريكي)، ووضع دستور، وإجراء انتخابات، وتشكيل دولة وسلطة مركزية تحافظ على وحدة الشعب واستقلال البلاد. ثم في الفتوى التاريخية بجهاد الإرهاب التكفيري، ونجاحه في القضاء على داعش ومشروع المؤامرة التي كانت تريد الإرهاب قنطرة تعيد البعث أو تعيد تسلُّط الأقلية المذهبية العميلة لهم. هذا من جهة الأمريكان، الذين ظهر بوضوح انزعاجهم من هذا الاعتدال، واستياؤهم من الحكمة البالغة في الأداء، وامتعاضهم من الحركة الرصينة التي تمضي على نحو أورث أعداءها الدهشة والحيرة. وكأنهم أرادوا للسيستاني أن يجاري النموذج الإيراني، يتحداهم ويواجهم بقوة، فيُضرب ويُقمع ومعه الشيعة، يُدمَّرون ويُكبتون، فلا تقوم لهم قائمة تملك خياراً وتفرض قراراً، فتنفرد أمريكا وعملاؤها بالساحة، يأخذونها حيث شاؤوا وفق الخطة المعدَّة للعراق والمنطقة! ولك أن تقرأ الحال كمشهد من مشاهد سخرية القدر، أو مفارقات اللعبة السياسية، فالأمريكان (ومعهم الإقليم الحليف) باتوا يعاقبون النجف ومرجعيتها على عدم سقوطها في الإتجاه الإيراني!

    أما الإيرانيون فقد أصبحت النجف، وبات السيد السيستاني، بمقامه العلمي ومواصفاته وخصائصه، وتوسُّع مرجعيته واطراد أعداد مقلديه وأتباعه، هاجساً مقلقاً منذ اللحظة الأولى لظهوره، وما سجلته الدوائر وصنَّفته “أكبر تهديدٍ” لمشروع “مرجعية” ولي الفقيه وزعامته المطلقة للشيعة في العالم، التي كان يُعدُّ لها ويُرسم بدقة وإحكام منقطع النظير.

    في أفق النجف الأشرف اليوم، ترتسم حلبة صراع عظيمة، يتَّسع نطاقها وتمتد حبالها لتعانق أعمدة الأركان في طهران وواشنطن وبغداد، وتعود لتُعقَد أو توصل نهايتها ببدايتها، في شارع الرسول… هناك صراع مرير ومواجهة محتدمة منذ أمد يناهز ثلاثة عقود ونيف، حين تولى السيد الخامنئي القيادة، وتقرَّر تكريسه زعيماً مطلقاً للشيعة في العالم. أخذ الصراع شكلاً تقليدياً في بدايته، تمثَّل من جهة في تحمُّل السيد الخامنئي إرث حزب الدعوة الإسلامية، وصراعه مع حوزة النجف وموقعها الروحي، ومن جهة أُخرى ـ أكثر خطراً ـ سعي إيران للتوسع وبسط مرجعيتها الدينية والسياسية، وكغاية نهائية: كسب موقعها الأعلى لصالح ولي فقيهها. فلما اصدمت القوى الموكل إليها الأمر، والعاملة في الشأن (من حرس واطلاعات وإعلام وخارجية، حتى الفرق والوحدات والشخصيات المرتبطة بمكتب السيد القائد وإدارته المباشرة) بواقع قوة النجف الأشرف، وشعرت بسطوة الكيان الروحي المهيمن هناك، وعظمة السلطة المعنوية النافذة، والقوة القاهرة المتدفقة التي يتراجع أمامها الجميع، حتى الميليشيات التمردة، والقوى الفوضوية الموغلة في العصيان، التي لا ترقب حدّاً ولا تعرف ذمة!… أدركت إيران عجزها عن تحدِّي معطيات الصراع ومتطلبات المعركة (مع ما صرفته من أموال وبذلته من جهود نهض بها الآصفي، ذهبت كلها أدراج الرياح هباء منثوراً)، ولا سيما مسألة البُعد أو الجانب العلمي، فالسيد القائد لم يحظ باعتراف ـ واقعي حقيقي ـ في قم، فكيف بالنجف؟! عندها استدركت يأسها، وما وقفت عليه من عسر الأمر، بل استحالته، وعالجت خيبة السعي وخسران الصفقة، بتقديم بديل يقطع الحجة ويسد الذريعة، فانتدبت السيد محمود الهاشمي الشاهرودي وقدَّمته، بل دفعته دفعاً لتجعله زعيم الحوزة العلمية في النجف الأشرف، فهو ابنها وخريجها، وعالم مشهود له بالفضيلة، غاية الأمر، أن هناك من يتوقف في عدالته، التي تلوَّثت مع توليه السلطة القضائية ومظالمها الشنيعة، بل قبلها، مع شهادات الزور التي أصدرها، ما أفقده الوثاقة وأسقطه عن الاعتبار، لكن ـ في القراءة الإيرانية ـ فإن المال والإعلام كفيلان بتوفير ما يطمس ويقفز على كل هذا وذاك، ويغيَّر الصورة إلى بيضاء ناصعة… ولكن يد القدر اختطفته، وما أمهلته!

    من هنا وهناك، من تواطئ دوائر المخابرات الإقليمية والعالمية، على اختلاف مشاربها وتعدُّد مصالحها، تستعر الحرب على المرجعية العليا، ويبلغ العداء مبلغه الذي نشهد ونرى، وما عليك إلا الرصد بوعي والمراقبة ببصيرة، لترى كيف ترجع المظاهر إلى خلفياتها، والظواهر إلى جذورها وبواعثها، وتنكشف لك بين هذا وذاك الرؤوس التي تدبرها والأيدي التي تحركها، وكلها ترمي هدفاً بعينه دون غيره: إسقاط المرجعية!

    والأمر في هذا على سواء، من تيارات دعاوى النيابة والسفارة المهدوية كجماعة “أحمد الحسن اليماني” البصري، وحركات ”جند السماء” و”الممهدون المولوية” و”أبناء الله”،  أو من “مرجعيات” مزيفة وعناوين منتحَلة كاليعقوبي والصرخي والبديري، مروراً بصعاليك لندن المرضى المعقدين ياسر وعبدالحليم، والسفلة الجبناء ميثاق وسليم، إلى جراء بيروت ونباح عودة المسعور، وقهقهة قردة طهران الحيدري وقصير، ونقيق علاجم الأحساء المومس والطالح المسبِّح بالعود والطنبور، الذين لم يوفروا سبيلاً للنيل من المرجعية ولا سيما السيد السيستاني إلا سلكوه، فإن سقط في أيديهم وأعيتهم الحيلة في شخص سماحته، نالوا من وكلائه في العتبات المقدسة والأوقاف وأينما كان للمرجعية بصمة تفضح أداء الفاسدين وتعرِّي فشلهم، وهي تعالج الحال بنزاهة وإتقان.

    إن نداءات ترك التقليد، وإثارات البحث في أدلته، التي يقودها حداثويون تافهون، وما تلهو به وسائل التواصل والفضائيات من الطعن والتشوية، كلُّها تصب في مجرى واحد وترمي نفس المحصلة: إسقاط الحوزة والمرجعية، ولا سيما السيد السيستاني!

    من هنا كانت الصيحة التي علت بالأمس من عناصر “صرخية” في حرم سيد الشهداء أثناء صلاة الجمعة الماضية، زعقة شيطانية تأتي في هذا السياق. ومن هنا أيضاً يأتي الخطب الأخطر: إطلاق يد البهرة في عتباتنا المقدسة، حتى خُصِّص لهم ـ دون غيرهم من سائر الزوَّار الكرام ـ أجزاء من الحرم الشريف وأوقات يقيمون فيها طقوسهم الباطنية الخفية، التي يُبجَّل فيها ويفخَّم سلطانهم الذي ينازع ـ بلا مواربة ـ الحجة بن الحسن صلوات الله عليه الإمامة! يجري كل هذا في عهد يفترض أنه “حكم شيعي” بعد أن كانوا، في فترات سابقة، إبان حكومات العهود الملكية والعارفية، لا يسمح لهم بمجرد دخول الحرم! يبدو أن أمريكا والإقليم المتضرر من العراق الجديد، يريد أن يُحمِّل الحوزة والمرجعية (وعموم الشيعة الملتزمين) كُلفة باهظة، وسعراً مغال في الارتفاع، كثمن يُدفع إزاء سوقهم العراق وأخذه نحو نظام مدني، يكفل الحريات الدينية، في العقائد والشعائر والطقوس! فكأنها تقول: ها قد غزتكم “الحرية الدينية” ـ التي تريدون ـ في عقر داركم، ونالت منكم في أقدس مقدساتكم!

    باختصار شديد وإيجاز لا يتكلَّف: لا تتحدوا السيستاني ولا تختبروا غضبته! كل من تحدى السيستاني أخفق وسقط، وكل من تطاول عليه اندحر وهلك! السيد لا يملك ميليشيات ولا مخابرات، ولا أحزاباً سياسية ولا منظمات، إنما يملك محبة في قلوب المؤمنين تجعلهم طوع بنانه ورهن إشارة فتواه وحكمه. ويملك ـ من قبل ـ ورعاً وتقوى تستنزل غوث السماء، وإيماناً وإخلاصاً يجتذب عناية الناحية المقدسة، فيحظى بنُصرة تنماث أمامها العوائق، وتذوب في طريقها الصعاب، لا تنزاح وترحل، بل يقضى عليها وتُباد. ومن أراد التجربة والامتحان، فهذا الميدان يا أمريكا ويا إيران!

  • هذه ترجمة للتسجيل المصوَّر المرفق، الذي نشره مركز الإسلام الأصيل للثقافة والإعلام، وهو وحدة إعلامية تتبع مكتب السيد الخامنئي مباشرة. كما نشر موقع “الخامنئي” (KHAMENEI.IR) في شبكة الإنترنت الترجمة أيضاً، ككلمة له في مستهل بحث خارج الفقه الذي يلقيه على جمع يبلغ مئات “الطلبة” و”العلماء”، تناول فيه حديثاً شريفاً للإمام الصادق عليه السلام… وفي هذه الدقائق الست وقع السيد الخامنئي في أخطاء علمية فاحشة، تعتبر فضيحة بجميع المقاييس!

    قال: [“عن أبي قتادة عن داود بن سرحان قال: كُنَّا عند أبي عبدالله عليه السلام إذ دخل‏ عليه سدير الصيرفي”. سند هذه الرواية من الأسانيد الجيدة جداً. طبعاً لم يجرِ توثيق سدير الصيرفي، لكن لا أهمية لذلك، لأنه ليس الراوي، فالراوي هو داود بن سرحان، وهو داود الرّقي (!) وهو ثقة، والسند سند جيد. يقول كُنَّا عند الإمام إذ دخل سدير الصيرفي “فسلَّم وجلس، فقال له”. والظاهر أن الإمام ابتدأه، من دون مقدمة، ومن دون أن يعمد هذا المسكين إلى السؤال أو يتكلَّم بشيء، توجه إليه الإمام “فقال له يا سدير ما كثُر مالُ رجل قَطُّ إلَّا عظُمَت الحجَّة لله تعالى عليه”، وكان سدير الصيرفي من أهل الصيرفة، والصيرفي هو الصرَّاف ومن يشتري الدنانير والفضة (الدراهم) وما إلى ذلك ويبيعها، ويفترض أن يكون شخصاً ثرياً. بمجرَّد أن جلس، إلتفت إليه الإمام وقال: “يا سدير! كلُّ مَن كثر ماله ازدادت وعظمت حجُّة الله عليه”…], ثم استطرد السيد الخامنئي هنا وجاء على ذكر كلمة لأميرالمؤمنين، وكأنه يعلَّل مقابلة الإمام الصادق لسدير بهذا القول، أو أنه وقع في خلط وعرضت له هفوة ذهنية أنسته البحث وما هو فيه، ولكننا نحمله على الفرض الأول، فقال: [لأنّه “ما أخذ الله على العلماءِ ألَّا يُقارُّوا على كِظَّةِ ظالم ولا سغَب مظلوم”، هذا هو الأمر، أخذ الله تعالى عهداً وميثاقاً من العالمين ـ وليس العلماء بمعنى الفقهاء فقط ـ من أهل العلم والمعرفة والنخبة والزبدة في المجتمع، بأن لا يصبروا على جوع الجائعين وتخمة المتخمين الأغنياء، بل يجب عليهم أن يعترضوا. عليهم أن يعترضوا إذا وجدوا ظالماً ثرياً متخماً و(كذا) مظلوماً جائعاً. حسنٌ، هذا حجَّة الله، و(هو) عهد وميثاق إلهي. هنا يقول الإمام لسدير: إذا كثر مال امرئ عظمت حجّة الله عليه وثقلت وسوف يحتجّ الله تعالى عليه. الشخص الذي لا مال له وضعه حتماً مختلف عن وضع الشخص الذي له أموال، وتترتب على الأخير واجبات. “فإن قدرتُم أن تدفعوها عن‏ أنفسكُم فافعلوا”، إن استطعتم أن تبعدوا وتدفعوا عنكم هذه الأموال الكثيرة فافعلوا ذلك! حسنٌ، كيف ندفعها؟ هل نرمي الأموال في الماء أو البحر أو البئر مثلاً؟ أو نسرف في الإنفاق في غير مواضعه من أجل أن نفني الأموال، فننفق إنفاقات غير مبرَّرة؟ ليس هذا هو المراد. “قال له يا ابن رسول الله بماذا؟” كيف ندفع هذه الأموال عن أنفسنا؟ “قال: بقضاء حوائج إخوانكم من أموالكم”، هذا هو السبيل، أن تنظروا ما هي حوائج إخوانكم في أموالكم فتقضوا تلك الحوائج. البعض متمكِّنون مالياً لكنَّهم يأتون إلينا ـ لأنَّ بيت المال في أيدينا، فيطلبون منَّا ـ ويقولون مثلاً إنَّ فلاناً محتاج فأعطه بعض المال. يا رجل، أنت تملك المال فأعطه أنت! فإذا لم تستطع، عند ذلك تعال إلى بيت المال. يصعب على البعض أن يقتطعوا شيئاً من أموالهم وينفقوه في سبيل الله. يقول الإمام هنا: إبعد هذا المال الفائض الزائد عنك كيفما استطعت. وبالتأكيد، كيفما استطعت بمعنى أن تعطيه لإخوانك المحتاجين وتقضي حوائجهم]. انتهى التسجيل.

    وهنا وقفة لا أريد منها إدانة السيد الخامنئي وفضحه، فللرجل عذره من الانقطاع المتمادي عن الأجواء العلمية، محاورات ومطالعات ودراسات، والانفصال التام عن معترك التحصيل والتدريس في الحوزة، والانشغال منذ أربعين عاماً (بل حتى قبل انتصار الثورة، فقد قضى السيد عمره مطارَداً أو رهن الاعتقال) بالشأن السياسي، بل الإداري، الذي نهض بأعباء ثقيلة وخطيرة، لا تترك له سعة لمطالعة، وفراغاً لمباحثة، وفرصة للتفكير في غير الحرب والصراعات المحتدمة على مختلف الجبهات الداخلية قبل الخارجية… بل تريد إدانة الحاشية، ولا سيما الحضور من “الطلبة” الذين لم يعترض ويستشكل منهم أحد، ثم الجهاز الإداري الذي يحيط بالسيد القائد، الذي نشر التسجيل مفاخراً ومباهياً، لا توقفَ ولا تمهَّل، لا سأل ولا استوضح، وكأن الجهل قد أطبق على ذلك الفضاء وحكم، فلا رائحة لشمَّة فضل، ولا بصيص نور لعلم وفهم!

    لقد شطح السيد الخامنئي في فهم الحديث وأُخذ، فحسِب أن قول الإمام عليه السلام “فإن قدرتُم أن تدفعوها عن‏ أنفسكُم فافعلوا” يعود إلى المال! والحال أن السؤال في “كيف ندفعها” يعود إلى “الحجة”، بعد أن قال عليه السلام: “ازدادت وعظمت حجُّة الله عليه”. فسدير يسأل كيف يدفع الحجة عن نفسه، فيبين له الإمام أن ذلك يكون بالإنفاق والبذل على الإخوان. ومع أن الأمر واضح جلي لا يخفى على أقل الطلبة، لكني لفرط الدهشة والعجب حملت السؤال إلى عدد من الفضلاء، فجاء الجواب جازماً ببعدِ وخطأ الوجه الذي انتزعه السيد القائد.

    ثم أنه ـ غفر الله له ـ وقع في فضيحة أخرى، حين جعل داود بن سرحان الثقة، هو نفسه داود الرقي! والحال أنهما شخصان: داود بن سرحان العطار، وداود بن كثير الرقي، ثم أن ابن سرحان لا خلاف في وثاقته، ولكن داود بن كثير الرقي تعارض فيه تضعيف النجاشي مع توثيق غيره.

    ومما علينا أن نستحضره هنا فلا نغفل عنه، أننا في رحاب هذا التسجيل المصوَّر والكلمة الملقاة، لسنا مع مقالة صحفية يكتبها مثقف غريب، أو متطفل على علوم الدين، ولا في مقابلة تلفزيونية عابرة تجرى مع معمم على قارعة الطريق، بل نحن في بحث الخارج، أي قمة وذروة الدراسات الحوزوية، والعرض الأكثر عمقاً ودقة، يلقيه رجل لو توقف أحدٌ ـ كما يُدَّعى له ـ في تسلُّطه على الفقه، وتردَّدَ في مُكنته من علم الأُصول، فلن يسعه إلا الإذعان لقوته وبراعته في علم الرجال! ثم تراه يجهل معلومة مبذولة يمكن نيلها بأدنى مطالعة ومراجعة، دون تبحُّر وتضلُّع واجتهاد، فيحسب داود بن سرحان هو داود الرقي!

    وأكثر ما أخشاه أن استنباط الأحكام في منظومة القوم يجري بهذه الكيفية من السلق واللعق والازدراد، والتسرُّع والإعجال والارتجال، وهناك عنق من الناس يدينون ربهم بها، ومواقف يتعلق بها مصير البلاد والعباد، بل الشيعة في المنطقة والعالم، فلاحاً وإعماراً أو خراباً ودماراً، تبنى وتترتب عليها…

    والطامة من بعدُ في الثقة المفرطة التي يتعاطون بها، وهي نزعة لا تأتي إلا من تيه واغترار وزهو وخيلاء، وهي سمة تلحظها حتى على الاتباع في طروحاتهم ومشاركاتهم “العلمية” في غير ساحة وميدان، تحمل جزماً وقطعاً لا يكون إلا عن كشف وعيان أو من علم بيقين، والقوم في حضيض وخبط ـ كما رأيت ـ لا يميز الشمال عن اليمين.

    إن السبيل الوحيد لمعالجة هذه الحالة، هي فتح باب الحوار، والسماح بالنقد والاعتراض، عبر إتاحة الفرصة لكافة الطلبة بالمشاركة والحضور، ما يصحح الأخطاء ويمنع الشطحات، ويحيي البحث ويبعث فيه الروح، بعد موته على يد الحضور المخابراتي والحشد الحزبي المسبِّح بحمد ربه، والمقدِّس لولي أمره.

  • هناك طريق لكل هدف، وباب لكل بيت، ونطاق لكل حقل، وميدان لكل حرب، وساحة ومضمار لكل شأن وشيء… وهناك مادة للموضوع، وبضاعة للحانوت، ومهنة للحرفي، كلٌّ في محله ومكانه، وفي دائرته وشأنه. ذلك قبل ظهور الأسواق المركزية و”السوبر ماركت”، قاتل الله هذا “السوبر”، فأغلب بلاءاتنا منه، أخذ الجميع يصبو نحوه، وكلٌّ يريد أن يكون مثله: متميزاً، خارقاً، جامعاً، مستحوذاً… دكان واحد، يبيع البقالة والخضار واللحوم والحبوب والمرطبات، ثم الأدوات المنزلية والأجهزة الكهربائية والألكترونية وحتى ألعاب الأطفال، وكل أثاث ومتاع!

    وإذا كان هذا من دواعي السير التصاعدي للحياة المدنيَّة ومقتضيات تطوُّرها، حين لم تترك سعة في الوقت تسمح للإنسان بجولة على الأسواق، وشراء يومي لحاجياته، فجمعتها له في مكان، وهيأت له البرادات والمجمِّدات، وصرفته ليستهلك وقته في “الأخطر”، ولعمري ماذا عساه أن يكون غير توفير المال، لتكتمل الدورة، دورة السعي واللهث اليومي غير المتناهي… فهذا المشهد في الشخصية الاستهلاكية، نراه في جبهة أخرى، هي العلم، قد جاء معكوساً! فالحقل العلمي، ما زال ينحى في التطوُّر بما يأخذ صوب مزيد من التوسُّع والتفريع والتخصص والتركيز، ومقارنة حقول الطب وفروع الهندسة وأقسام التكنلوجيا في بداية القرن العشرين مع ما بلغته في نهايته وصارت فيه اليوم، تبدو كطُرفة تحكى ودُعابة تلقى.

    في ضوء هذا وذاك، من البديهي أن تكون هناك نطاقات للحركة تخص كل شريحة اجتماعية أو منهجية علمية أو مدرسة فكرية، ساحات وميادين، سمها ما شئت، يتحرَّك في نطاقها هذا ويخضع لمعطياتها ذاك، ويتقدم المجتمع وتمضي الحياة وفقاً لذلك… والتيار الديني العامل وفق مباني وأُصول المدرسة الإسلامية، ولا سيما الشيعية، له حقله ونطاقه الذي يتحرك فيه، ولهذا الميدان رسالته ومواده ومعالمه، سِلَعه وبضائعه، ومن بعدُ نتائجه ومخرجاته. وإنما يقع الخلط وتتحقق الفوضى عند التداخل، واقتحام أو توغل رجال ميدان ما في حقل وميدان آخر، يفتقدون التخصص فيه ويعانون من الغربة. وتتعقد القضية لتصير أزمة خطاب وأحياناً هوية، لما يقع ذلك من رجال وأعلام مشهود لهم، كما كان من المستشرقين، ومن رجال “النهضة العربية” (التنويريين) الأوائل، الذين أخذوا ينظِّرون في الدين، ويجاهدون لتجديده و”إصلاحه”! لا من طارئين يتسلَّقون، أو تجاريين يتكسَّبون، مثل الحثالات التي تبعتهم اليوم من قبيل فضل الله والحيدري، ولسان حالهم دعنا “نخوض مع الخائضين”.

    وإذا كانت الشكوى من توغل الأغراب، وتطفُّل غير المتخصصين، وخوضهم في مفاهيم وأحكام الدين، هي القضية المتكررة والأزمة المشهودة من بدايات حركة التغريب التي تسمَّى بالتنوير والحداثة إلى زماننا هذا، فإننا نشهد اليوم صورة مقلوبة ومنظراً لا نحسد عليه من تطفُّل “رجال” الدين وتدخُّلهم في حقول الطب والهندسة والفلك والرياضيات والاقتصاد، ناهيك بالتربية والاجتماع! وهذه قضية علينا التوقف عندها، وحسم الأمر فيها قبل أن تتحول هي الأخرى إلى أزمة، وتصبح معضلة، ولا سيما أن روافد التأزيم ما انفكت تضخُّ وتضخِّم، فهي تستمد من نفس العين الكبريتية، وتقرأ في نفس الكتاب الذي يحسِّن للطرف الآخر تدخُّله في الدين ويغريه ويملي عليه من “سجين”!

    وببيان بسيط وحاسم، سيعقبه ـ إن استمر هذا التشويه ـ موقف شديد في النهي والزجر والتصدي والتقريع… علينا أن نعي أنَّ رجال العلم والفقاهة، والتهذيب والتربية، والوعظ والإرشاد في الحقل الديني يحملون رسالة وحيدة، مرتكزها وجوهرها: سوق الناس إلى الله سبحانه وتعالى، والأخذ بأيديهم لما ينجيهم في أُخراهم، أي الإيمان بـ “الدين” والعمل به. ويتركون في جانب من حركتهم هامشاً لـ “ولا تنس نصيبك من الدنيا”، دون تحضيض وترغيب، ولا تزيين وتشجيع، فالنوازع البشرية الطبيعية كفيلة بأخذ الإنسان صوب هذه، لينصبَّ العمل بعد حين على نفيها والتخلُّص من آفاتها، والردع عن التمادي والإغراق فيها.

    السيد منير الخباز، منذ أمد وهو يخوض في غير حقله، ويسعى لتطعيم محاضراته ومنابره ومجالسه بشيء من العلوم التجريبية، لا على نحو الاستشهاد العابر، والطرح المجمَل الذي يُرجع الأمر إلى أهله، بل بشكل معمَّق ونحوٍ تحقيقي شبه تخصصي، وقد افتتن به جمع من المؤمنين، ما أغرى بعضهم بمحاكاة طريقته وتقليد نهجه والعمل وفق خطته، فكأنه بصدد خلق اتجاه وتيار يغيِّر نمطية المجلس الحسيني إلى محاضرة في الفيزياء وندوة في الطب أو الكيمياء، وهذه لوائح إعلانات الحسينيات عن برامجها، غدت كلمات متقاطعة وجملاً رنانة تحكي عن “خروج سلس من التضخم الأبدي” كورقة تناقش “ستيفن هوكنج”، ولك أن تقرأ بقية السلسلة من هذا الإيحاء الذي تملَّك أحدهم، والمستمعون الصم لا يعرفون عن إرث الأئمة الأطهار إلا مقولة “ليس عندنا صِحاح”، ولا عن الإمام الهادي إلا “باتوا على قلل الجبال”!,,, لست وجلاً من ذلك، فلن يلبث هذا الطارئ مديداً، ولن يسعه الصمود طويلاً، وسينفذ سريعاً مخزون الفيزياء، وحتى علم النفس والاجتماع، ويعود الشارد إلى سربه والباذر إلى حقله، ولا أقول الآبق إلى مولاه، بل سيرجع الطبيب الدوار إلى عقاقيره ومراهمه، ويستأنف عرض بضاعته وترويج سلعته.

    ولكن الوجل والخوف يأتي من أمر آخر… من التأثر بالتيار الحداثي ومحاكاة مفاهيمه وأفكاره، والنزول عليها، ثم عرضها في صميم ساحتنا، وتناولها في خاص معاقلنا وحكر قلاعنا، أي المجالس الحسينية، وإلقائها كمسلَّمات علمية وبديهيات اجتماعية أو حركية… من قبيل طرح “قضية المرأة”.

    ولو تدبرت وتأملت شيئاً لوجدت أن ليس في ثقافتنا الخالصة ولا في ساحتنا الأصيلة وميداننا الديني قضية باسم المرأة! ولاتضح لك أن هذه من مفردات العلمانية والمدنية (المضادة للدين)، ومن مقولات شرعة حقوق الانسان، وقضايا اليونسكو والأمم المتحدة، شأنها شأن السلم والإخاء والمساوة والتعددية، التي رفعتها الثورة الفرنسية وتبنتها القوى المسيطرة على العالم.

    نعم، هناك أزمات أخلاقية وتخلُّفات روحية وترديات سلوكية يعيشها المؤمنون الملتزمون على مختلف الصعد، في التعامل مع المرأة والرجل والأبناء والأسرة والمجتمع والحق العام، هناك فشل وإخفاق في آداب العِشرة ككل، وهناك آفات، معلنة ومضمرة، تستوطن النفوس، كِبرٌ واستعلاء وخيلاء، وغضب وتجبر وعناد… وحصر الأزمة وتخصيص القضية بالمرأة، دون بقية عناصر المجتمع وعوامل الحياة ومفردات العيش، ليس من مقولاتنا ولا من قضايانا، بل أمر مندسٌّ وحالة متوغلة خلف الخطوط، ومهرَّبة على حين غفلة من رقابة الوعي والبصيرة، وخلسة عن نظارة النقاء والأصالة!

    وإنما اخترت هذا الشاهد لما يظهر من تبعات التمادي فيه والانسياق خلفه، فهو الباب الذي أفضى إلى تحدي القرآن الكريم والمجاهرة في معارضته عبر نداء المساواة في الإرث، وهو مدخل المطالبة بتولي القضاء، وحرية الحركة (إسقاط إذن الزوج في الخروج من البيت)، والتراخي في الحجاب، والاختلاط بالرجال. ومن عجب أن تكون ذريعة إقحام العلوم التجريبية وحجة تناول القضايا العصرية، هي مواجهة الغزو الثقافي الغربي، والحال أنهم يعيشون الغزو في دواخلهم ويمارسونه بأنفسهم، فالاحتلال يضرب أطنابه في صدورهم، ويبني أعشاشه وأوكاره في عقولهم، فيجترُّون مفرداته ويكررون مقولاته ويستنسخون قضاياه، ثم يزعمون مواجهته وحربه!

    إنَّ الصرخة التي يرفعها الحداثويون في قضية المرأة معروفة المنشأ مفضوحة الهدف، تراوح بين إملاءات مضارعة الغرب ومداهنة العلمنة، وبين دغدغة مشاعر النساء الضعيفات، ناقصات العقل والدين، إما كسباً للشعبية وخلقاً للكاريزما، أو استمالتهن خناً وخيانة،  وهي مرتقبة من أمثال متمشيخ جهول، تتدلى غرته من تحت عمامته، يصبغ صفحته بلون الورد أو البنفسج، يخضع ويتأنث، و”يحاضر” في النساء باسترخاء حتى ترجو كل ضعيفة أن زوجها بهذا اللين والهوادة! والسيد منير مشهود له بالعفة والنزاهة، والجدية والرجولة… فما له والتباكي على جراح محمد عبده وقاسم أمين؟ وإسعاف صرخة هدى الشعراوي ونوال السعداوي؟

    نعم، هناك واقع مشهود، لا يجحده إلا غافل أو مكابر، فلا أحد ينفي “وقائع” تضج بها الساحات وتحتدم فيها النزاعات. هناك معارك عظيمة في عالم السياسة لها تأثيرها المباشر على حياتنا، ومثلها في الصناعة والاقتصاد والإعلام ومختلف الساحات، حتى ميدان الرياضة، ودنيا الأزياء والكماليات، فإن حجم الإشغال والإلهاء، والأموال المتداولة فيه تبلغ الترليونات، بما يمكنه أن يقيم نظاماً هنا ويسقط دولة هناك!… فهل نحن مكلفون بالدخول فيها وتناولها بالمعالجة؟! من المؤكد أنها ليست مياديننا، ولا تشكل جبهاتنا، والمعارك فيها وهمية، والانشغال بها انحطاط وسفاهة، فالحقائق في مكان آخر، والصراع في جبهة أخرى! وهذه مغريات تستدرجنا على طريقة البالونات الحرارية التي تنثرها الطائرات المغيرة.

    وهنا يأتي دور العالم الرباني في انتشال المؤمنين الأخيار من التغرُّب والاغترار، ونجاتهم من الخوض في هذه العوالم العبثية، التي تستنفذ طاقاتهم، وتهدر إمكانياتهم، وتضيِّع أوقاتهم، وتتجلى وظيفته في إنقاذهم من تصديقها والنزول على معطياتها، حين يتصدَّى للواقع المهيمن، فلا يفسح له أن يستقر في النفوس كحقائق، ويكافح مظاهره وأدواته فلا يسمح له أن يغلب العقول ويسقط الألباب لصالح مفرداته… إن الوقائع ليست إلا حالة عارضة، ولا محالة زائلة، ورسالة الدين تقوم على إلفات الأنظار وإذكاء البصائر وأخذ القلوب صوب الحقيقة، وهي أننا في سفر عابر، وعلى جسر، والبيوت لا تبنى على الجسور والقناطر، وأن أحسِنوا دينكم عقيدة وسلوكاً، فما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور وأن الآخرة هي الحيوان.

    إن الانتصار لمقولة الخوض في هذه الأمور من منطلق أنها واقع معاش لا يمكن تجاوزه، هو الأزمة الكبرى والأحبولة العظمى التي اصطادت أنصاف العلماء، أو السذج من المؤمنين المثقفين… دع الخطاب الدنيوي لأهله، وانهض أنت بدورك، ذر المكذبين والمدلسين وما يفترون، وانصرف أنت لشأنك. إنما العالم الرباني هو من لا تأخذه الأجواء ولا تغلبه فيجاريها ببيان يصدره بعد منتصف الليل، يلحق فيه ويتبع مواكب الرقص في الطرقات فرحاً بانتصار كروي! لأنه يعلم أن كأس العالم أكذوبة وزيف وزخرف، وإن اجتذب سكان الكرة الأرضية كلها، وسرت حمَّاه وتفشى وباؤه في البسيطة حتى عمَّها…

    العالم الرباني هو الذي يكشف الزخرف والزيف، ويعرِّي الصوَر الحياتية التي يختلقها الشيطان ومنظومته الاستكبارية ليجتذب العقول الواهية، ويفضح المعارك والجبهات التي يفتعلها ليخدع بها الأنفس الضعيفة. المرأة والتعليم والرياضة والديمقراطية والتعددية والسلم والاستغراق في الكماليات واللهث خلف اللهو والشهوات، وعموم معطيات الدنيا، هي حراب إبليس وسهامه، والمعضلة الكبرى أن يحسبها المؤمن حقيقة، ويتلقاها وكأنها دائمة، وهذا ما يفعله تناولها في أقدس المواقع، وما يتأتى من طرحها من على أشرف المنابر، مما وقع ويقع فيه أرباب التيار الحداثي في المنبر الحسيني، وهذا هو ما ينسي الآخرة، ويورث المتلقي رسالة خفية غير مقروءة، أنها غير قادمة!

    إن الراغبين والمرحِّبين بهذا النمط المحدَث هم قلَّة من المترفين الذين يتَّخذون الدين عضين، ينتقون منه ما يوافق أهواءهم ويحافظ على علاقاتهم ولا يزري بدنياهم، الإسلام يقع على هامش حياتهم أو ـ في أحسن الفروض ـ في عداد أساسياتها، أي مثله مثل العمل والأسرة والمال والمعاش، لا يشكل محوراً ولا أصلاً يدورون حوله ويقاتلون ويستميتون دونه… علينا أن لا نحفل بهؤلاء ولا نكترث بهم، إلا مع فضلة الوقت وعند بقية الجهد. ليس من الحق، ولا من الحكمة والحصافة والنباهة، أن ننزل على صنيعة الإعلام وتلقيناته فنحسب لهذا التيار خطراً وشأناً في الساحة الإيمانية، فنتخلى عن تراثنا وطريقتنا التي أثبتت جدواها عبر تجربة امتدت مئات السنين، في سبيل إرضاء هؤلاء!

    أسمعني أحد الإخوة تسجيلاً للسيد منير يذكر فيه العريف أنه متأثر بمدرسة فضل الله الفكرية، وهذا مما لا أبني عليه ولا أجعله مرتكزاً، بل أعزوه إلى مرحلة سبقت النضج الفكري والعلمي الذي أخذه إلى الحوزة الأصيلة فصار من تلاميذ الروحاني والكوكبي والتبريزي، ما يجعله على النقيض من تلك التي بدأ منها أو نشأ عليها.

    إن جبهات المواجهة كثيرة ومحتدمة، ونحن في أمس الحاجة إلى عطاء علمي متين يربط على قلوب المؤمنين، ينفي عنهم الريب والشك، ويزيح اللبس والزيغ، لصالح النقاء والأصالة والطهر، وقد خسرنا قبل سنوات الشيخ فاضل المالكي، وكان في صميم المعركة والخط الأمامي للجبهة، خسرناه لصالح مشروع شخصي، أرداه وصرعه وقضى عليه حين أخذه في متاهات لم يخرج منها، نسأل الله أن لا نخسر هذا السيد الجليل، وأن يعود إلينا غير مكابر ولا معتزاً بإثم.