• في خضم البلاء وفيضان الوباء، وقد بلغت أمواجه الذروة، وغمر سيله البلاد والعباد، وعمَّ كلَّ سهل وواد، ما زال المضلُّون يُمعِنون في الزندقة، ويسرفون في التيه والغطرسة، لا اتعظوا شيئاً قليلاً، ولا ارعووا حتى قدراً يسيراً! هذا والطوفان يأخذ الأرض من حولهم، وهم يعتلون صهوة الغرور، ويركبون ظهر المكابرة، ويأوون إلى جبل القدرة والسلطة، يرجون أن يعصمهم… يلقون هراءهم ويسوِّقون غطرستهم! ها هم يرمون خُلَّص الموالين لأهل البيت بـ “الشيرازية”، ويقذفونهم بـ “التشيُّع الإنكليزي”!

    دع عندك المزايدين من أصحاب الدكاكين، “غِزيَّة” و”ياسرية”، وما شاكلها من محاولات صبيان متسلِّقين، حوانيت تتَّجر بالدين، وتسوِّق كلَّ ما يرفعها ويميِّزها عن مجموع المؤمنين. إفراط في كلِّ شيء، واندفاع لا يرقب شرعاً ولا يعرف حدّاً، حتى يكون الولاء ومظاهره، من القول بالفضائل، وزيارة العتبات، وإقامة الشعائر، حكراً عليهم وحصراً فيهم… لا شأن لنا بهؤلاء الذين لا يشكلون عُشر معشار مجموع العاملين في الساحة الإيمانية. فإذا تجاوزت هؤلاء المزايدين، فلا أحد في المؤمنين ينفي الأسباب، ولا عاقل يزعم أنَّ السلب لا يعلق هنا، ولا يتحقَّق في هذي الرحاب، وتعبير الآية الكريمة “وطهِّرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود”، يقرِّر حقيقة نسبة التضايف، ويقرُّ بوقوع ما يترتَّب عليه التطهير، من عروض النجاسات وتعلُّق الملوِّثات، ومن ثمَّ، لُحوق ما إلى ذلك من النقائص والسلبيات الطبيعية، الواقعة في سلسلة العلل والأسباب. فالبيت الحرام يمكن أن يُنتهك، والكعبة المقدسة قد تُنتهب، فتسرق كسوتها، وركنها وحجرها الأسود، وقد لا يكون الحرم مأمناً للناس، بل سبباً وموضعاً للروع والقتل! كما قد يخلط بعضهم بين الجعل والإرادة التشريعية، وبين الأخرى التكوينية، فـ “كتب ربكم على نفسه الرحمة”، و”الشمس لا ينبغي لها أن تدرك القمر” لا يمكن أن تتخلَّف، لكن “كتب عليكم الصيام” و”القتال”، يمكن أن تتخلَّف بإفطار العصاة، وقعود المخلَّفين من الأعراب عن الجهاد، وكذا قوله تعالى “ومَن دخله كان آمناً” تشريع يحكم بحُرمة البيت الحرام، وأمان من يلوذ به، لكنه لا يمنع ـ في التكوين والطبيعة ـ من سريان العِلل وجريان الأسباب، فتُقصَف الكعبة بالمنجنيق حتى تُهدم، ويروَّع اللائذون بها ويُقتلوا أو يقعوا في الأسر.

    هناك مؤمنون متَّزنون، عقلاء بصراء، صادقون مخلصون، يعتقدون بقُدس مراقد الأئمة الأطهار ومناعتها، فيقصدونها، وفيهم فقهاء وعرفاء وحكماء وفضلاء، وكذا عوام بسطاء، مراهنين على غلبة البركة والمعنى على الحسِّ والمادة، وقهر الفيضُ المقدَّس الأسبابَ والعوامل الطبيعية، راجين تفوُّق الجود والكرم، والكمالات المطلقة المكنونة هنا، في هذا الكنز المخفي، على العِلل والقيود المادية الحاكمة في غير مكان، ويأملون بتحقق الكرامة وحصول المعجزة هنا، يتضرَّعون ويضجون وينادون: “يا من سبقت رحمته غضبه، ها نحن على أبواب رحمتك، نرجوها من البيوت التي خصصتها بها، لتكون معارج تأخذنا إليك، ومهابط لعفوك ورحمتك”. وهذه كلُّها أمور عقلية شرعية، والذين يمارسونها أو يؤمنون بها، هم السواد الأعظم من أبناء الطائفة، فهل هؤلاء كلهم “شيرازيون”؟ وهل ما ينادون به من فكر وعقيدة هو “تشيُّع بريطاني”؟! ما هذا الخطَل والهراء، أيُّ إفك هذا وبهتان، وتلفيق وهذيان؟ بالله كيف لمؤمن يدَّعي التشرُّع والإلتزام أن يرمي نخبة المؤمنين وصفوة المتدينين الكرام بهذه التهمة، ويقذفهم بهذه الفرية، ثم لا يبالي؟! أي دين هذا وأية عدالة، وأية دولة إسلامية وولاية فقيه هذه؟!

    إنَّ هذا الذي يدينون ويقبِّحون، هو عقيدة الشيعة قاطبة، ومسلَّمات المذهب بلا شبهة ولا ريبة، ومما تجمع عليه الطائفة المُحِقَّة، لا يشذُّ عنها وعنهم إلا متخلِّف زاهق ومتأخر مارق. ففي الكافي الشريف عن أبي جعفر الباقر عليه السلام في زيارة جدِّه سيد الشهداء: “وبكم تُنبِت الأرض أشجارها، وبكم تُخرج الأشجار أثمارها، وبكم تُنزل السماء قطرها ورزقها، بكم يكشف الله الكرب، وبكم ينزل الله الغيث، وبكم تسبِّح الأرض التي تحمل أبدانكم وتستقر جبالها عن مراسيها، إرادة الرب في مقادير أموره تهبط إليكم، وتصدر من بيوتكم، والصادر عما فُصِّل من أحكام العباد”، فإذا قصد المؤمن بيوتهم، وطرق أبوابهم، رجاء ما يهبط إليها من مقادير ويصدر عنها من إرادة، فلوى عنق التسول والاستجداء لسادته، ومدَّ يد التضرُّع لأئمته، نُسب إلى “الشيرازية” ورُميَ بالعمالة للإنجليز؟!

    ولعمري، لو انبرى العلماء من قبل لنظير هذا السخف والإسفاف، فأسكتوا دعاوى نسبة ممارسة الشعائر الحسينية (ولا سيما التطبير) إلى “الشيرازية”، وهي قائمة رائجة قبل ولادة الجد العاشر للشيرازي، وأفتى بها من المعاصرين حين نشبت فتنة الشاميين، الميرزا النائيني وأكثر من ثلاثين فقيهاً من أقرانه وتلاميذه، بلغ كثير منهم المرجعية، لو تصدَّى العلماء لذاك العبث والوسواس الخناس في حينه، لما تجرَّأ القوم اليوم على هذا الهتك والابتذال، ولما تجاسروا على مسلَّمات المذهب وطعنوا بممارسات أبنائه، من عوامه وعلمائه، ورموا ولاءهم وتشيُّعهم لآل محمد بـ “البريطاني”!

    وإن كان هذا يعني شيئاً من حال القوم، فهو يعني أنَّ الغشاوة ما زالت تقبع، والاستخفاف بالعقول ما فتئ يرعى ويرتع، والتسويق السفيه للفكر الحداثوي ما انفك يجتاح ويصفع! فينادى على كلِّ فكرة تخالف توجُّه السلطان، وكل عقيدة تباين معتقده، وكل رأي يخالف رؤية علي شريعتي ولا ترتضيها الوهابية المقنَّعة، ينادى عليها بالغلو! وهذا مما وقف عليه السيد البروجوردي قدس سره مبكِّراً، فشخَّص في كتابه “البدر الزاهر” الداء ووصف الدواء فقال: “كان السبب في ذلك يعود للقصور الفكري والعقائدي لبعض الشيعة، فكانوا لذلك ينسبون ذوي المعرفة الكاملة والعقائد الصحيحة من الشيعة إلى الغلو والإفراط”. ولكن من هوان الدنيا أن عادت السطوة للمقصِّرين، والغلبة للزنادقة والجاحدين. وهم طالما كانوا عامل هدم المذهب وجناح الضلال والمضلين.

    فعن جابر الجعفي في حديث طويل له مع الإمام الباقر عليه السلام، جاء فيه: قلت: يا ابن رسول الله ومن المقصِّر؟ قال: ” الذين قصروا في معرفة الأئمة وعن معرفة ما فرض الله عليهم من أمره وروحه”. قلت: يا سيدي وما معرفة روحه؟ قال عليه السلام: “أن يعرف كلَّ من خصه الله بالروح فقد فوض إليه أمره: يخلق بإذنه ويحيي بإذنه، ويُعلم الغير ما في الضمائر، ويعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وذلك أنَّ هذا الروح من أمر الله تعالى، فمن خصَّه الله تعالى بهذا الروح فهو كامل غير ناقص، يفعل ما يشاء بإذن الله، يسير من المشرق إلى المغرب في لحظة واحدة، يعرج به إلى السماء وينزل به إلى الأرض، ويفعل ما شاء وأراد”.

    وعن الرضا عليه السلام: يا ابن أبي محمود، إنَّ مخالفينا وضعوا أخباراً في فضائلنا، وجعلوها على ثلاثة أقسام: أحدها الغلوّ، وثانيها التقصير في أمرنا، وثالثها التصريح بمثالب أعدائنا، فإذا سمع الناس الغلوَّ فينا كفَّروا شيعتنا، ونسبوهم إلى القول بربوبيَّتنا، وإذا سمعوا التقصير اعتقدوه فينا، وإذا سمعوا مثالب أعدائنا بأسمائهم ثلبونا بأسمائنا، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم، يا ابن أبي محمود إذا أخذ الناس يميناً وشمالاً فالزم طريقتنا، فإنَّه من لزمنا لزمناه، ومن فارقنا فارقناه”.

    إنَّ ما اعترى الساحة في الأيام القليلة الماضية، في ظل تفاقم الوباء، من مبادرة “الروحانيين الماديين” والمعممين الحزبيين، وتطوُّعهم بإغلاق المساجد والحسينيات، وترحيبهم بتعطيل المزارات، دون أن ترى فيهم ألماً لذلك وتوجُّعاً، ولا حزناً عليه وحسرة، بل اندفاعاً ولهفة… يحكي جفافاً في الفكر، وآلية “مكانيكية” في الفعل والحركة، لا تخضع إلا للحسِّ ومعطياته، ولا تكترث بشيء غير الحزب وأهدافه، حتى تخال أنَّ شعائر الله ومواقع طاعته كانت عبئاً يثقل كواهلهم، ولقمة طالما غصُّوا بها وشرقوا! وها هي الفرصة قد واتتهم ليلفظوها، وسنحت ليصرفوا الأمة عن تلك المواقع الرحمانية والمحطات الروحانية، ويأخذوها إلى ميدان الإعلام بزيفه، وساحة السياسة بقذرها ووضرها، ما يُفسح للشيطان، ويطلق يده، فلا يُغلُّ ساعة ولا يُكبَّل مرَّة! إنَّ هذا الأداء المفاجئ والصاعق في مسلك القوم، يدقُّ ناقوس الخطر من جهة، ويكشف ـ من جهة أخرى ـ فضيحة. فقد بان أنهم يرون المساجد والحسينيات والعتبات المقدَّسة شيئاً أشبه بمراكز ومقرات حزبية، فإذا أغلقت، يمكن أن تُفتح غيرها، وتساق الجموع إلى أخرى تؤدي غرضها! وكأن تعطيل هذه البقاع المقدَّسة أمرٌ هيِّن عابر وخطب صغير يسير، فلا مصيبة حلَّت ولا نائبة وقعت، ولا خطباً جللاً حقَّ أن يبكى عليه ليلاً ونهاراً، فإذا مات المؤمن على هذا أسىً ولوعة، ما كان به ملوماً بل كان به جديراً. بل إنك إذا تبصَّرت وتفحَّصت، ودققت النظر وأمعنت الفكر، رأيت فرحتهم واستبشارهم بالخلاص من روافد ولاية آل محمد، وما يحسبونه يقطع السبيل عن قيادتهم، ويسوق الناس ويأخذهم إلى غيرهم! ففي واقع الأمر وحقيقته، هذه ليست ساحاتهم، ولا هي ميادينهم، فلا غضاضة في تعطيلها، بل هو على الرحب والسعة!

    كنا ننتظر بفارغ الصبر ونأمل ارتفاع النداء في غمار ظلمات الغضب وخضمِّ أمواج الوباء: “أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين”، ونرتقب بشوق وتوق أن يخضع العصاة ويؤوب الجناة. ونتطلَّع بلهفة أن تصدر القيادة الإيرانية بياناً مباركاً يتوجَّه إلى إمام العصر والزمان عجل الله فرجه، أن “واغوثاه يا ابن الحسن، ظلمنا أنفسنا وعدَوْنا بجهلنا، ما كان لنا أن نحارب عزاء جدِّك الحسين، ولا أن نستولي على حوزة أبيك الصادق، ولا أن نمكِّن الصعاليك من دينك، ونبذل أموالك في دعمهم ورفدهم بما يغوون به شيعتك ويضللون رعيتك”، ثم يطأطئون حياءً من أُمِّه الزهراء عليها السلام، ويتبرؤون ممن جحد مصابها وأنكر ظلامتها، ويبكون ويلعنون الساعة التي نصروا فيها فضل الله وانتشلوه من قبره وأعادوا بعثه، لتنتشر الجراثيم ويتفشى الوباء.

    في هذه العقبة الكؤود، والثنية الخطرة الكنود، هذه خُطى حذرة متثاقلة، تلتمس مواضع النجاة بين طين لزج لازب، يُلصِق القدم ويركزها، فلا يقوى السائر على انتزاعها، حتى إذا فعل، اقتلعها وكأنه بتر ساقه، وفي أحسن الأحوال احتفى وفقد حذاءه، وكانت خطاه غرساً وإركازاً، في معرض الجرح والإعاقة في أية لحظة، ومن أدنى استدراج وغفلة. ومعها خطىً أخرى تمضي لتجتاز بيداء قاحلة، لا ماء فيها ولا كلأ، جدب وقحط وجفاف، ظمأ وضرام وأوار، واختناق من لفح الهجير ورمض الصحراء، يستشرف المرء فيه الهلاك، ويقطع الأمل في الخلاص والنجاة، وكلُّ لوعته وجُلُّ أساه، على أمير انتدبه فأرسله، ورفقة ائتمنوه وصحب يترقَّبونه، فهو رائد قافلة، ودليل رهط وحشد، وطليعة ركب وكوكبة!

    بين طيش وإفراط، ومبالغة ومزايدة، تريد أن تصيغ الولاء وتصبَّه في قوالب صنعتها، وهي لا تملك إلا العاطفة، وعلماً لا يسمن ولا يغني من جوع، إذا نزَّهناها عن الغرض والمرض، وهو متحقِّق ـ ولا شك ـ في بعضها، الذي هو من دسائس الحداثويين، واختراقات الحزبيين لجبهة الولائيين، يمارس بفعله نزعة إسرائيلية تستنزل المعجزة تحدياً ورغماً، وتريد في كلِّ آنٍ مائدة من السماء، تكون له عيداً ولمباهاته وإفحامه خصومه كرامة ومزيداً. وبين أداء مادي حسي، وجمود وصنمية، لا نداوة روحانية فيه ولا طراوة معنوية، يحكي جفاف الدهريين، ويحمل روح الدنيويين، فكأن الحياة هي هذه الدنيا الفانية، والمعاد تقمُّص وتناسخ يرجعهم للملك الذي ساندوه، والقصر الذي شيَّدوه، والمال الذي جمعوه، فيحظون بهياكل أرقى من التي يقضون فيها الآن، وهذا شاهد ناطق بالدليل والوجدان، يستنسخ فضلة الشيطان، وهكذا سيفعل مع كل طواغيت الزمان.

    وفي هذه الفتنة والمحنة، همسة في آذان الأحبة، تسبقها قبلة خضوع وامتنان، تطبع على أيديهم المباركة وجباههم الشامخة، فهذه كنوز وذخائر لا ينبغي التفريط فيها، تماماً كما هي العقائد والمعارف الراقية، ودائع ونفائس دونها الغالي والنفيس. ليس الولاء سلعة للإتجار، ولا بضاعة للمزايدة وقهر الخصوم والانتصار، إنه نسمة العشق التي تعلق بها الأرواح العارفة، والعبق الذي يأخذ المشام، والهوى الذي يسكن الأنفس، فلا يساكن إلا الجلال، فيترفَّع عن كلِّ وضيع وصفيق، ولا يجاور غير الجمال، فيزدري كلَّ سقيم وقبيح، إنه الإكسير الذي يمنح حمَلته المناعة، ويهبهم جرعة ملكوتية تضفي عليهم الحصانة وتجللهم الوقاية، فلا يخضعون لأرباب من دون الله، ولا يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، لا يملأ أنظارهم ولا تستسيغ ذائقتهم ولا يهضم فكرهم ولا يعمر قلوبهم إلا الإمام من آل محمد. وينزلون كل كائن في هذا الوجود، من إنسان وحيوان وجماد، منزلته ويدرجونه في مكانته، وفقاً لقربه من الإمام. فعالم الدين هذا يغدو أسمى من ملاك في نظرهم لأنه يخدم معارف آل محمد ويذود عنها، وهذا الناعي وذاك المنشد، بل هذه الأعواد والألواح الخشبية، وتلك القضبان المعدنية. والعقود الفضية والسبائك الذهبية، تكتسب الجلال والجمال، والقدس والمجد والفخر، حين تتصل بهم وتنسب إليهم. حتى لتكرم حمامة تحوم على قبابهم، وذبيحة تنحر في مضافاتهم، وكلب يحرس أو يبات في كهفهم… فيتفوَّق ويرجح على ألف “إنسان” ضال مضل.

  • أخذت عدتي لرجبية هانئة، مفلحة رابحة، أُجدِّد فيها عهداً قطعته مع أئمتي، وميثاقاً أبرمته مع سادتي، أولياء نعمتي، وأنا عبدهم القن ورقيقهم المحض، ثم عتيقهم العاصي، وعسيفهم الآبق الجاني، أطوف تلكم البيوت، وأستلم هاتيك الأركان، ألثم الأعتاب، وأعفِّر خداً على الضريح، وأقلِّب وجهاً على الباب، ألوذ بهذا المستَجار، أقبِّل ذا الجدار وذا الجدار، وحبيبي لا يتمنَّع أو مولاي لا يحظر ولا يحجب ، فمنبع الفيض متدفق، وهو ـ مذ كان ـ سمِحٌ جواد لم يعرف البخل، نديٌّ لم يحضره شحٌّ، وسخيٌّ لم يغلبه حرص، وهذا حمىً يضيف ويقري، لا يصرف لائذاً ولا يمنع عائذاً، لا يصدُّ ابن سبيل ولا مستعطياً مستجدياً، فكيف بمن قاده الشوق وساقه الهوى؟ وحمله الولاء ودعاه الوفاء؟!

    بغتة وفي وهلة، وعلى حين غِرة، دهم المنع ووقع الصدُّ! قُطع سبيل الزيارة، وأوصد باب الوفد، فما عاد مُشرعاً ولا الضيف مُجاباً، وكأن النداء لا أهلاً ولا مرحباً! فيا للشقوة والعناء والبؤس واللأواء!

    إنها سُنَّة كونية وضرورة طبيعية، كما للمرض والوباء الذي يحل بالأبدان قانونه، فإن للروح آفاتها وأمراضها، وللسبيل الروحاني والمنظومة المعنوية قوانينها وسُننها، تدخل جرثومة هناك في البدن فتعطِّل الجهاز المناعي، وتتوغل فتعطب التنفسي، وتنفذ فتفسد الدورة الدموية، وتقحم فتصيب العضلات بالفلج والدماغ بالشلل، حتى تخرج الروح وتفارق البدن، كذلك الأمر هنا، تفعل الكبيرة فعلها، من فسق وفجور، قلب في قوم لوط عاليها سافلها، أو ركون إلى ظلم أو جحد فضل، يحجب لطفاً طالما غمر، ويسدَّ باب فضل طالما عمَّ فلم يُشكَر ويقدَّر!.. هكذا تمضي موبقة قاصمة فتعطِّل محطة عظمى للعروج، ومنطَلقاً متفوِّقاً للسمو والصعود، وتتحرك فاحشة وتسري جريمة لتوصد باباً وتقفل حرماً ومزاراً… “واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة”.

    لعمري، ماذا فعل المتغطرس المتعالي حتى غضب الحبيب وأعرض الطبيب؟ ماذا جنى الجناة واقترف الطغاة فحُرم الجميع؟! أية عصمة هتكوا فحُبِس الدعاء وقُطع الرجاء؟ ماذا فعلوا فأخرجوا الأمة من الكهف الحصين، وتركوا الناس بلا حام ولا مدافع ولا معين؟! كيف أخلوا الثغور فتسلَّق الأعداء الأسوار وتوغلوا في الحصون وأسقطوا القلاع!؟

    دع عنك العوام، ومستضعفين يغترُّون بالهالات المصطنعة، ويؤخذون بخطر الموقع وخفر العنوان، ينخرطون في عقل جمعي يسوقهم كقطيع ويقودهم لعبادة الأصنام، من زعماء ومفكرين وقادة وعلماء، ما أنزل الله في طاعتهم من سلطان. لن نُغلب على بصائرنا ولن نُستغفل في ديننا، نحن نقرأ الحدث بوعي وبصيرة، وندرجه في موضعه القويم ومكانه الصحيح، لا يغلبنا الإعلام ببهرجته وزخرفه، ولن ننشغل بالزيف والريب وننصرف إلى الأوهام والأحلام. إنَّ ما يجري على الأمة من البلاء هو حصائد بؤر الشؤم التي غرسها إمام الضلال وزرعها تياره الحداثوي الضال، سقاها بآسن الماء، وغذاها بفاسد الطعام أو السماد، أُتخمت من سحت الأموال، وأُترعت من سُكْر الحكم وطغيان السلطان. إنها مواطن نزول البلاء التي اصطنعتها ولاية إيران ورعتها دولتها!

    هل تحسبون أن هتك الحرمات وابتذال المقدَّسات ومحاربة أركان التشيُّع: الحوزة والمرجعية والشعائرالحسينية، سيمرُّ مرور الكرام؟! هل تحسبون أن تقادم الأيام يعني إلغاء سُنَّة الاستدراج والإملاء؟ ويُنسي قانون الإمهال؟! ها قد أخذ الوباء أرباب الدنيا وعمال الأبدان، غشيهم بياتاً وهم نائمون، وجاءهم ضحىً وهم يلعبون، وحرم المؤمنين، طلاب الآخرة وأرباب الأرواح، المزار فجأة، وهم وادعون فاكهون، يداهنون العصاة ويضارعون الجائرين الطغاة. أمنوا مكر الله “فلا يأمن مكر اللّه إلا القوم الخاسرون”!

    أوَ تدري ماذا يعني أن تتظافر جهود عشرات آلاف الرجال الأجلَّاء، من العلماء والرواة والخبراء، والفقهاء والأخيار والوجهاء، من نُخب عصورهم وأفذاذ أزمنتهم وأشراف بلادهم وغطاريف أقوامهم، خاضوا غمرات الحوادث، وركبوا أكتاف الشدائد، واقتعدوا ظهور المكاره، تحمَّلوا الفقر والضنك، وقاسوا أنواع المحن والبلاء، أرهقتهم الصعاب ووقعوا في ألوان من الكبَد والعناء، هجروا الأهل، تغرَّبوا أو شُرِّدوا ونُفوا عن الأوطان، لوحِقوا وطورِدوا وأودعوا السجون، طعن بهم الحسَدة ووشى وشنَّع عليهم علماء السوء والنصب، فعُذِّبوا في سجون الطغاة، ونكَّل بهم سلاطين الجور والولاة العتاة، حتى قضى كثير منهم شهداء، كلُّ ذلك في سبيل تتبع وحفظ وتدوين تراث الأئمة الأطهار، ونقل أحاديثهم الشريفة، ما انتهى اليوم في الكتب الأربعة ونهج البلاغة والصحيفة السجادية، ومصنفات الحديث المبذولة مثل كتب الصدوق، والموسوعات الروائية كالبحار والعوالم والوسائل وغيرها من الكنوز التي لا تقدَّر بثمن. ثم يأتي صلمعة بن قلعمة، كلُّ خامل ذِكر نكرة، غلبته العقد وصرعته الآفات، وأسرته الأوهام وسقيم الأفكار، من البهبودي إلى مرتضى العسكري إلى آصف محسني لينسف ذاك الكافي ويطمر هذا البحار، فيعقبهم صعلوك جانح، ومنحرف تائه، مثل حب الله، فيُلحِق بهذا الطنبور نغماته وألحانه وضرب دفوفه، ليهدم الشيطان بمعوله، أو يهدم هو بمعول الشيطان، سيان، إذ اتحدا، سكن هذا وركن ذاك، يبدد أعزَّ تركة ويقوِّض أنفس تراث، لا يُبقي منه إلا ما استحسن واستمزج، وطاوعه في “اللامذهبية” التي يروم، ويخدم ربَّ عمله. قد يجهل العوام قيمة التراث ولا يدرك البسطاء ما يجري في هذا الميدان، ويخفى عليهم خطر هتكه وانتهاكه، ولكن الرساليون، العاملون في الساحة الإيمانية، من علماء وأساتذة وخطباء ومثقفين وباحثين وكتاب، يعرفون جيداً أنها جريمة لا تقل بشاعة وقبحاً، عن هدم أبنية العتبات في البقيع وسامراء! ترى، هل من سبيل لنزول الغضب والبلاء، وباب يفتح على المحن واللأواء، وسبب للتعس والشقاء، أكبر من هذا؟! ثم نعجب إذا أُوصد الحرم وصُدَّ الزائر ومنع المزار؟!

    أوَ تحسب أن مطاردة مؤمنين ملتزمين، وملاحقتهم من سطح إلى سرداب، ومن دار إلى بستان، ومن زقاق إلى قرية، ثم القبض عليهم وزجهم في السجون والمعتقلات، وكيل ألوان الهتك والإهانات، بجرم ممارسة هي في صميم الدين وقلب الولاء، أي الجزع على سيد الشهداء بالإدماء، وهم عاملون بفتوى فقهاء، ومقيدون بالشريعة الغراء! ثم يمضي كلُّ هذا بلا رقيب ولا حسيب، ولا زاجر ولا مانع، حتى يحسب الغافل أن بهؤلاء على الله هواناً، وللظالم الجائر كرامة؟! وكأن لا زهراء هنا تنظر إلى معزِّي ولدها، ولا إمام زمانٍ يرى ما ينزل بأحبائه ورعيته؟! أتراهم لا يسمعون أو يرقبون ما يفعل هؤلاء؟ مئات الإصدارات من الكتب والمجلات والنشرات، والإذاعات والقنوات الفضائية، ومئات آلاف مواقع التواصل الاجتماعي المجنَّدة أو المستغفَلة، تضجُّ بعواء كلابهم المسعورة، تشنِّع على الشعائر والسيرة الحسينية، ترميها بالخرافة، وتقذفها بالبدعة، وتفتري عليها بالجهل، وتبهت ممارسيها والقائمين عليها بالعمالة؟ ماذا عسانا نرجو ونحن نراهم ينهشون كلَّ هيئة ولائية، وينبحون كلَّ ساع وباذل فيها؟! ماذا ستجرُّ هذه الطامات والويلات، التي لا تداريها شيطنات السياسة، ودعاوى الانتصارات الوهمية، ومزاعم التفوُّق في غير حقل وميدان، على البلاد والعباد، وماذا عساها أن تفعل بالطائفة والأُمة؟!

    تُرى ماذا ستُخلِّف الجريمة الكبرى والجناية العظمى في إخضاع الحوزة العلمية والمرجعية الدينية للسيطرة الحكومية؟ وإنهاء الإستقلالية التي ميزتها  منذ ألف عام ونيف، فتصاغرت أمام النجف وقم قريناتها الأزهر والزيتونة، وتضاءل شيخ الأزهر والإمام الأكبر قبال آية الله العظمى والمرجع الأعلى؟! بماذا سيعود هذا على وضع المؤمنين واستقرار أحوال المتدينين؟!

    ماذا ترجو الأمة بعد أن استخفَّت جمهوريتها الإسلامية بفتوى سبع من آيات الله العظام، يتربعون على قمم الهرم العلمي والروحي للشيعة، ومعهم كبار أساتذة الحوزة والطبقة الأولى من أعلام الطائفة، وأسقطت حكمهم وابتذلت فتواهم بضلال فضل الله؟ جمعت طروس بياناتهم وصكوك إمضاءاتهم، ضمتها في قبضتها كما تفعل بالمناديل الورقية، وألقتها في سلَّة المهملات! وأمرت بتعظيم الضال المضل وتكريمه وتبجيله، وإحيائه من لحظة تشييعه! ما كأن جحْد مصاب الزهراء أمر ذو بال، ولا كأن التماس الأعذار والمبررات لقاتليها خروج من المذهب واشتراك في ذاك الزلزل!؟

    بالله أي بركة ستبقى وأية رحمة ستظل وتثبت، وهذا السافل الحبتري ينتهك حرمة أميرالمؤمنين عليه السلام بمنتهي الوقاحة والصفاقة، فيستخف ويسخر بما أجمع المسلمون وأطبقوا عليه، من زهده صلوات الله عليه، فيتهكم ويهزأ من بطنته! لا يدنوه معترض ولا يقربه رافض! فهو يتمتع بحماية السلطان وغطاء الدولة الإسلامية التي تحكم باسم التشيُّع؟!

    بالله ماذا ننتظر ونحن نشهد أحد أعلام النظام، ومن صنَّاع القرار والطبقة الأولى في السلطة الدينية، المسمَّى بعلم الهدى وهو راية الضلال، بعد أن رمى مَن لا يؤمن بعصمة الخامنئي بالجنون، ينكر المعجزة وينفي أن ضريح الإمام وباب حرمه المنيف لا أثر فيه، ولا بركة ولا دواء ولا شفاء يرجى منه، والمؤمنون يتشافون من مئات السنين بتربته، ويتلقون إجابة الدعاء تحت قبَّته؟!

    إنَّ هذه الفجائع الروحية والكوارث المعنوية، التي راحت تتعاقب وتتراكم في ظل صمت شبه مُطبق، لا ناصح معترض، ولا منكِر ولا ناهٍ، كفيلة بكلِّ بلاء وحقيقة بكل غضب وسخط، وها قد وقع!

    إنَّ ما فعله فضل الله ويفعله الحيدري وحب الله والعسر وأضرابهم، وما تقوم به قنوات الكوثر والميادين والإيمان وما شاكلها، والمرتزقة الأجراء في “الحوزات” ومنابر الجمعة، وكافة المراكز الدينية الحكومية، وما يسوِّقه وعاظ السلاطين وعلماء البلاط، وما تبثه العمائم الحزبية في العراق والخليج ولبنان، من انتحال صفات الأئمة واغتصاب مقاماتهم وإسقاطها على جهلة سفهاء، وإضفائها على ظلَمة أدعياء، والعبث بالمعتقدات والثوابت، وما يشكل جوهر الولاية ومصب علَّة الخلق وغايته، ثم حصر كل الحق في نطاق السياسة والجهاد، وحكره في أربابهم وأسيادهم هؤلاء… خطوب تزلزل العرش وتضعضع الوجود والفرش، وتدمي قلب المولى في مغيَّبه، وتجرح الأئمة الأطهار في رسالتهم، وما بذلوا في سبيله الغالي والنفيس، وتجرعوا لأجله الهموم والسموم وخاضوا الأهوال والحروب وسكنوا ظلم المطامير!… فماذا عسى هذه أن تنتج وتصنع غير السخط والغضب؟!

    إنها دعوة لتوبة نصوح، وأن نضج جميعاً ونفزع لإمام زماننا ونناديه: ”يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين”. وأولى الخطوات أن يخرج الواعون العالمون عن صمتهم وينهوا حكومة الضلال والإفساد العقائدي الذي يتهدد الهوية الشيعية الأصيلة، فـ “لا يقيم أمر الله سبحانه إلا من لا يصانع، ولا يضارع، ولا يتّبع المطامع”، ويعملوا بـ”لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى عليكم شراركم ثم تدعون فلا يُستجاب لكم”، وأن ينهضوا بتكفُّل أيتام آل محمد، “الله الله في الأيتام، فلا تغبوا أفواههم، ولا يضيعوا بحضرتكم” فيقوموا بدورهم، ويستدركوا ما فاتهم، ولا يتركوهم بعد هذا في تيه الضياع وطعمة لنيران الضلال؟… عسى أن تعود أبواب “بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه” لتفتح، وتفتح منها كوَّة على السماء، ونستمسك جميعاً بحبل الولاء.

  • لست أدري هل وقع التعاطي مع الوباء كورونا في الإفراط وطالته المبالغة والمغالاة، ما أدخله في التهويل وبث الهلع والترويع، أم أنه لم يلق حقَّ عنايته والواجب من رعايته، ولحقه من التغافل والتفريط، ما أفسح للتمادي والتفشي والاستفحال. إنَّ الصخب الذي يضجُّ به العالم، وحجم التداول الكبير في هذا الشأن، يخلط الأُمور على المراقبين، ويطيش ألباب الألبَّاء والعقلاء المجربين، ولا سيما مع حصر المعطيات الحقيقية، وحكر الأخبار والمعلومات الصحيحة، وإبقائها خفية في نطاق ذوي الشأن والسلطة.

    شخصياً أرجح أنَّ هذا الوباء مؤامرة، وأنَّ حرباً جرثومية وظَّفت سلاحاً مبتكراً من السموم المتطايرة أو الفيروسات الفتاكة المتحايلة، تتوغل في بدن الإنسان فتنزل به المرض أو الموت الزؤام. ولكنها ليست حرباً ضد إيران، ولا مؤامرة تستهدفها، ولا شيئاً مما ينطلق من رؤية ترى في الجمهورية الإسلامية محور الدنيا (والآخرة) وقطب رحى الحركة والصراع بل والوجود! ولعمري، ما قيمة إيران وعبثها السياسي؟ ما خطر الشغب الأمني والإعلامي الذي تثير؟ وما قدر الشيطنة العسكرية التي تقود، مقاومة شريفة وممانعة محقَّة كانت، أم مناورة وضيعة وخدعة باطلة أضحت؟ فإيران ـ على كل حال ـ رقم ملحق بالنظام العالمي، وصفحة في ديوانه وكتابه، منخرطة في المنظومة المهيمنة، وجزء من حكومة العالم الخفية. أما الصعاب التي تلاقيها، وما يظهر حصاراً وحرباً تستهدفها، ومحَناً تنصبُّ عليها، فهي بين إعلامية استعراضية، وأخرى مما يترتب على مساعيها لتحسين موقعها في هذه “المنظومة”، ومن تبعات تطلُّعها لمكانة متقدمة فيها، فصار عليها أن تدفع ثمن ذلك وتنتزعه انتزاعاً. لم تخرج إيران الحركة الإسلامية من “المنظومة” يوماً، ولا خطت في طريق إسقاط النظام العالمي خطوة!

    وفي الخطاب الأصيل الذي يتجاوز السائد الحاكم، والقول الحقِّ الذي يخرق أردية الباطل ويزيل الغشاوة المفروضة على الأبصار والبصائر، الذي يصدح بالهدى ويصرِّح بالرشاد، فإنَّ هذا النظام العالمي المهيمن، لا يبالي أن يغلب هذا أو يُهزم ذاك، ولا يكترث إن سقط نظام سياسي قائم وجاء بديل عنه، أو قاوم واستمر، ومضى في استنزاف شعبه، وتقويض بنية بلده، وتبديد ثروته وخيراته. ولا يعبأ ارتفع سعر النفط أم تراجع إنتاج الغاز. قفز الدولار أم سقطت الليرة والتومان. زاد محصول القمح والذرة أم تلف الأرز وفسد التمر! حتى ما يظهر كثوابت، أو أرقام ذهبية، وخطوط حمراء في هذه المعادلة، من قبيل وجود إسرائيل، ومرجعية النظام المصرفي، والتحكُّم بمصادر الطاقة، واحتكار أسرار التكنولوجيا، مما يُصنَّف في أُمهات القضايا ويُدرج في الأساسيات التي دونها الحروب، وفي الدنوِّ منها الإحتراق وقطع الرقاب، فإنَّ ذلك كله لا قيمة حقيقية له! ويمكن استبداله وتغييره، والرجوع عنه لصالح رؤى ومعادلات جديدة. ولك ـ مثلاً ـ أن تتصوَّر ما أرادته الشيوعية العالمية يوماً، والخطاب التغييري والثوري الذي حملته وسعت فيه وبذلت له، وكيف أنها كانت مع كل ذلك التمرد والعصيان، رقماً في “المنظومة”، ووحدة في “المصفوفة”! إن للشذوذ والطيش، والاندفاع والمغالاة، دوائر حسبت لصولاتها، ونطاقات أُفرغت لجولاتها، ومساحات خُصِّصت لاندفاعاتها، فإذا انجابت غمامةٌ يوماً حتى زال ظلُّها، فسيعود في المآل خراجها، فلا تأس على ما فات هنا، ولا تفرح بما أتى وتحقق! إن هذه الأنشطة السياسية، وما يتصورونه جهاداً ونضالاً، وعطاء ومعاناة، وفداءً وتضحية، ليست إلا بيادق وفرساناً وقلاعاً، تتقدم وتتأخر على رقعة شطرنج، وأوراقاً تلقى على مائدة مقامرة الدول الكبرى والقوى العظمى. لذا لا قيمة لها في عالم الحقائق.

    وبعد العدوِّ الحقيقي للمنظومة الشيطانية المهيمنة على العالم، الوحيد غير المنخرط فيها، الوِتر الخارج عن مؤسساتها ومنظماتها، المفارق لسلطاتها وحكوماتها، الذي لم يدخل فيها ألبتة، ولم تلزِمه أيٌّ منها ببيعة قطُّ، “الرافض” و”المقاوم” و”الحر” و”المجاهد” الوحيد بتمام الكلمة والمعنى، والقول والفعل، أي مولانا الحجة بن الحسن صلوات الله عليه… فإنَّ الصراع الحقيقي يدور في عرصة أخرى، والمعركة الواقعية تحتدم في غير ميدان!

    الحرب هناك، والقيمة الحقيقية للمواقف والأنشطة، ولكل شيء، هناك ولا غير. الحرب في تلك العرصة وذلك الميدان فحسب، في التحدي الأزلي الذي وقع عند بدء خلق الإنسان، مع التجلي البشري للنور الأحمدي، وفي الصراع الأبدي الذي جرى ومضى منذ تلك اللحظة، لحظة اعتراض الملائكة على خلق الأشباح الخمسة، وذهولها وانبهارها بالشموس الطالعة من تلك الغرر الساطعة، والأمر الصادر بالسجود لها، “وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة”، وقال “إني خالقٌ بشراً من صلصال من حمئ مسنون، فإذا سوَّيته فقعوا له ساجدين، فسجد الملائكة كلهم أجمعون”، حتى لحظة استكبار إبليس حين “أبى أن يكون من الساجدين”، و”قال أأسجد لمن خلقت طيناً”؟ وإلى أن بلغ في العصيان والكبر المدى، فتحدَّى الله واستمهله “قال أرأيتك هذا الذي كرَّمت عليَّ لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلاً”، وقال: “أنظرني إلى يوم يبعثون، قال إنك من المنظرين، قال فبما أغويتني لأقعُدنَّ لهم صراطك المستقيم، ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم ساجدين”!.. هنا الحرب، وما سوى ذلك وهمٌ وسراب.

    القيمة هي في إرغام إبليس، وكلُّ القيمة في هزيمة تحديه التاريخي الممتد والمتواصل. ولا يكون ذلك ـ بطبيعة الحال ـ بالسجود لله سبحانه وتعالى، بل بالسجود لمن أبى واستكبر أن يسجد ويخضع له، أي لمحمد وآل محمد. ولا يخدعنك أولياؤه بتسويلاتهم وزخرف مقولاتهم بأنَّ كل إنسان يؤجر على قناعاته، ويحاسب على ما قامت عليه الحجة عنده، فالله تعالى لا يقبل ديناً ونحلة غير الإسلام، ولا يرتضي فرقة ومذهباً ونهجاً إلا الولاية لآل محمد. هذه هي الحرب الحقيقية. هنا الميدان، وغيره زيف وتغرير وزخرف وتزيين وخداع. والمعركة من الدقة واللطف، ما يوقع كثيرين في الخلط ويأخذهم إلى الخبط، فيحسب أنَّ في صلاته وصيامه وحجِّه وزكاته إرغاماً للشيطان، وانتصاراً لوعد الله وتحديه إبليس. وهذا المعصوم عليه السلام يخبر بأن الأمر هو الولاية لا غير. فعن أبي حمزة الثمالي قال: “قال لنا علي بن الحسين عليه السلام: أي البقاع أفضل؟ فقلنا: الله ورسوله وابن رسوله صلى الله عليهم أعلم. فقال لنا: أفضل البقاع ما بين الركن والمقام، ولو أنَّ رجلاً عمَّر ما عمَّر نوحٌ في قومه، ألف سنة إلاّ خمسين عاماً، يصوم النهار ويقوم الليل في ذلك المكان، ثم لقى الله عز وجل بغير ولايتنا، لم ينفعه ذلك شيئاً”.

    إنها الحرب العقائدية، هنا الجهاد وهنا المقاومة، وهنا التضحية والشهادة، في تلقي السيوف التي تهوي على رؤوس حمَلة الحق، والصواريخ التي تقصف أعمدة وركائز الإيمان، والقنابل الفراغية التي تستهدف أعماقاً تدَّخر كنوز معارف آل محمد. المعركة التي تريد أن تهتز عقيدة المؤمن بالإمامة عن طريق المسِّ بآثارها ومقدَّساتها، وبكرامتها على الله، تستميت لتخلو هاتيك البقاع المقدَّسة من مرتاديها، فتتعطل معارج السالكين، وتصفر دور المعتكفين، وتخلو محافل الرثاء والبكاء من المعزين!

    لهذه المعركة فحسب، أعدَّ الشيطان مليارات الجند الإنتحاريين، امتطوا جراثيم صنعوها وأعدُّوها، وراحوا يقتحمون الأبدان فيُنزلون بها مرضاً لا دواء له ولا علاج منه، ومليارات أُخرى تقحم الأذهان وتسكن في النفوس، تزرع فيها الهلع، وتوسوس بالشك في الدين وزعزعة اليقين!

    وما أسهل عقد مقارنات ساقطة، وخلق مقايسات باطلة، تخلط بين القدرة والعظمة، وبين قواعد الطبيعة وقوانينها الحاكمة المطردة، وتربط بين عدم الفعل والعجز! وتهمل أصل الحكمة الحاكم على فعل المعصوم، كما على الحكيم المتعال. وكأن الله سبحانه الذي تُنتهك أحكامه في كلِّ لحظة، ويُستخفُّ بسلطانه في كلِّ آن، عاجز عن إنزال العقوبة بالعصاة والنكال والنقمة بالطاغين! أو غير قادر على تخليص المظلومين وفرض دينه وتطبيق شرعه ولو كره الكافرون.

    في أجواء هذه الحرب ـ الوباء الذي أعدَّه إبليس، يرسل جنوده من أمثال ميثاق والبطريق ومومس الأحساء، يلبسون على المؤمنين ويغالطون في فهم الدين، فتخلوا العتبات المقدسة من الزائرين، وتتعطَّل المجالس، وتتفرَّق جماعات المصلين، وهنا ينتشي الشيطان الرجيم وينتصر أعداء الحق والدين.

    هذا هو الهدف وهذا هو المستهدف، أن يدخل المؤمنَ الشكُّ في قدرة إمامه، لغلبة جرثومة وداء! ثم يحرم أداء أركانه حذراً من المرض والوباء، ثم عجز البصراء والعلماء الحكماء، أو قُل غلبة الجهالة وسطوة الإعلام، التي تحول دون إبلاغ الرسالة العلمية الصحيحة، وبث العقيدة الإيمانية السويَّة التي تفرز وتفصل، وتقطع الطريق على هذا الزيف والخلط والدغل والدجل.

    إنَّ ما يهم الشيطان هو تعطيل المجالس الحسينية وإضعاف إحياء عاشوراء وتجميد زيارة الأربعين، ولن يتوانى عن حشد جنده واستنهاض أوليائه، ليحقِّق هذا الغرض، وإنْ لأيام معدودات وموسم عابر، ثم لغرسٍ وبذرٍ وزرع يلقيه في النفوس الضعيفة، ويشحن به الأجواء المريضة، سيرعاه ويتعاهده فيما بعد، ليثمر ضلالاً وينتج حصاداً يغذيه الحبتري وحبُّ الشيطان وورثة فضلته. وكما أنَّ سجدة واحدة يخرُّ بها المؤمن لربِّه على نهج وليِّه، ترفع صوت الرجيم بصرخة توَجُّع تملأ السماوات، وتصكَّ مسامع أتباعه وتذهلهم حسرة وتقطِّعهم ألماً، كذلك العكس، كل مجلس حسيني يغلق بابه، وكل وفد زائر يُصدُّ ويُمنع، وكل صلاة جماعة وشعيرة من شعائر الله تتعطَّل، تورث الشيطان البهجة والفرح والرقص والطرب.

    غرقت الكعبة ورُميت بالمنجنيق، وغُزيت النجف وانتهبت نفائس الحرم العلوي بما فيها الضريح الشريف، وقُصفت قبة الرضا بالمدفعية في الحرب العالمية الأولى، وقُتل الحجاجُ بمكة والزوَّار بكربلاء في التدافع والزحام، وتفشَّت الأمراض والأوبئة بين المعتمرين والزائرين… وبقيت العقيدة في حُرمة المقدسات راسخة وكرامة أصحابها ثابتة، وهذه رمية شيطانية جديدة مدعومة بخطاب حداثوي وغطاء وإسناد عصري غير مسبوق… لكنها ستلقى مصير السابقات، وسينتصر الحق ومن يرعاه.

    لن يخلي الموالون المشاهد، ولن يعطلوا المجالس، سيلتزمون توجيهات المرجعية والتكاليف الشرعية بوجوب حفظ النفس، ومراعاة الشؤون الطبية والأخذ بالأسباب الطبيعية، ولكنهم سيمارسون شعائرهم الدينية ويرغمون إبليس وجنوده.. والله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين.

  • في أروقة البيت الشيعي، والساحة الإيمانية التي تضم الملتزمين وتشمل عموم العاملين بالشأن الديني، صراعٌ ما كان أحدٌ يحسب له ولا يتنبأ بوقوعه يوماً، أن يدبَّ الخلاف بين أبناء المذهب الواحد (الإمامية) على أصل أُصوله، ويحتدم بينهم على أساسه الأول وركيزته الأعظم، ركنه الوثيق وقطبه المنيع: الولاية. يتنازعون في مصاديقها، ويختلفون على أحكامها ومظاهرها. فإذا كان الصدر الأول عانى بعض ضبابية لظروف التضييق والملاحقة والقمع والاضطهاد، وما صاحبها من تقيَّة، ولازمها من ضعف الإمكانيات وعجز الطاقات، وغلبة الجور وعموم الاستضعاف… فإنَّ تعاقب ظهور بعض الدول الشيعية كالحمدانية والبويهية والقاجارية والصفوية، أتاح للعلماء النظر في تراث الأئمة الأطهار، ومكَّنهم من إرساء بُنية علمية متينة حسمت معالم الهوية، وبلورت صورة متكاملة للمذهب. ومع المدِّ المدني الذي اجتاح البلاد الإسلامية إثر الحرب العالمية الأولى، نجحت الحوزات العلمية وتمكَّنت من إتمام تشييد منظومة متكاملة، بيَّنت أسس وطرق بناء المعارف الدينية، ورسَّخت مناهج البحث والتحقيق ونطاق الاجتهاد وطرق الاستنباط، كما أفسحت لكلِّ تطوير وتحديث، يقوم على معطيات علمية، بالتقدُّم ما شاءت له الأدلة ونهضت به الحجج، وقطعت الطريق على أي تطفُّل وانحراف، ووأدت فتن الضلال والإضلال في مهدها، بل أجهضتها وهي حملٌ في أحشاء أربابها.

    إذن، ماذا تعني الأزمة الحالية التي تعيشها الساحة الحركية، السياسية والثورية الشيعية، التي تلقي بظلالها ـ في زمن التواصل الاجتماعي والطفرة الإعلامية ـ على عموم الشيعة؟ ما هذه الفوضى التي تُشعِر بل تُخبِر باضطراب في الهوية؟ ما هذا الأداء الذي يتجاهل الثوابت والقواعد، ويتجاوز الأسس والمرتكَزات، ويقفز على البديهيات والمسلَّمات؟! هل نحن أمام فوضى واضطراب وتسيُّب وانحلال؟ أم هو مخاض يريد إعادة بناء معالم المذهب، وصياغة الهوية الشيعية من جديد، لصالح فكر ونهج جديد؟! ماذا وراء هذا الاندفاع في تعظيم الرموز السياسية؟ وإلى أين سيأخذهم إضفاء القداسة على هذا وذاك؟ سواء بخلع الألقاب وعقدالمقارنات وإنزالهم منزلة الأئمة المعصومين، أو بابتداع طقوس وعبادات تناهز الشعائر الحسينية، بل تصادرها، فتنظِّم حلقات اللطم على الزعيم الفقيد، وتذهب في الجزع على مصاب القائد الشهيد! وتقيم المناحة على هزيمة هذا الحزب، والندبة على غياب ذاك الرمز؟!

    الحقيقة الخفية على كثيرين، أنَّ أزمة الهوية معضلة متأصِّلة في فكر القوم، ومأزق متقدِّم وسابق في ثقافتهم، جاء مع تأسيس الحركة الإسلامية، ويعود لأيامها الأولى، فهي قامت على نفي المذهبية، حملت هذه الرسالة في جوهر دعوتها، وما انفكت تنادي بها وترفع شعار: “إسلام بلا مذاهب”. فالقوم أبناء جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وأخلاف سيد قطب وحسن البنا، وربائب عبدالهادي السبيتي وطالب الرفاعي، وهناك في الضفة الإيرانية هم امتداد شريعت سنكلجي وحكمي زاده وأحمد كسروي، وأبناء جمال الدين أسد آبادي (الإسم الإيراني للأفغاني!) وتلاميذ علي شريعتي، مع دخول حذر في تصوُّفٍ يعظِّم شمس التبريزي ويقدِّس جلال الدين الرومي. وبعيداً عن الخلط والاصطكاك في النهج السياسي والتيار الحركي الذي يحدِّد انتماء رجال الحداثة، وما يظهر من صراع بين هذا وذاك، فإن المشرب الفكري والمُستقى العقائدي واحد، يلتقي على نبذ الأصالة والقفز على التراث، والأهم الأخطر مصادرة موقع الحوزة في بناء المعارف الدينية، لصالح الحزب والمفكِّر والقائد، تحت ذرائع التنوير والتطوير والإصلاح والتطوير.

    إن الحركة الإسلامية (بعيداً عن نظرية المؤامرة، وقراءة تتلقاها ذراعاً للماسونية، ومعوَلاً لهدم الدين الحق)، تختصر رسالتها وتلخِّص أهدافها بنشر القيم الأخلاقية التي نادى بها الإسلام، وتتفق عليها الأديان، كالعدل والحرية والإخاء والمساواة. ثم تحث على التزام الشريعة في مجموع ضروراتها التي تحقِّق الهوية الإسلامية العامة، تدعو للعمل بالأركان، تريد مجتمعاً مصلياً وتالياً للقرآن، ولكن لا يعنيها أسبل المصلِّي أم كفَّر، على التربة سجد أم على مُحاك البساط، غسل قدميه للوضوء أم مسحهما. وكذا الحال في الصيام والحج وزكاة المال وسائر العبادات.

    وما خلا ذلك من أصول عقائدية ومباحث كلامية، ودراسة الحديث والسيرة والتاريخ، هو ترف فكري، وفضلة لا تقدِّم ولا تؤخِّر، بل إلهاء أرادنا الاستعمار الانشغال به! فلا قيمة للإمامة خارج إطارها العملي ودورها الحكومي، فإذا تعطَّل هذا لسبب وآخر، التحقوا بالقائد أو بالحزب، واختلقوا “إماماً”، وصنعوا أو صاغوا لأنفسهم عجلاً، لم يعدم الخوار وإصدار الأصوات من هراء التنظير الديني وترهات الفكر الإسلامي! إن التشيع كمذهب عقائدي ومدرسة فقهية وعبادات فارقة، ولا سيما الشعائرية، لا يعنيهم بتاتاً، ولا ينظرون إليه إلا كمُعطى سياسي يراعونه ما دام يخدم المشروع ويوظَّف لصالح الحركة، ولا يكترثون إلا بما يرفد نجاحها ويسعف تألقها. وقبل السلوك والأداء العملي والواقع الذي يشهد بهذه الحقيقة، فإنَّ الباحث لو اطَّلع على مدوَّنات ثقافة حزب الدعوة، ومذكرات طالب الرفاعي، وأعمال صلاح الخرسان، لظهر له الأمر وانكشف بجلاء. وكذا لو وقف على النزاع بل الصراع الذي عاشته الجمهورية الاسلامية بين تيار شريعتي والحزب الجمهوري (الحركيين الإسلاميين)، وبين الفقهاء التقليديين، عند تدوين الدستور حول مادة “مذهب الدولة”، وكيف نافح هذا التيار وكافح، لتجاهُل مذهب الدولة وإلغاء ذكره وتحديده، لصالح الاكتفاء بذكر“دين الدولة هو الإسلام”، وفي المقابل كيف جاهد الفقهاء وقاتلوا، حتى نجح المرحوم آية الله الشيخ مرتضى الحائري في تثبيت المادة، والنص على أن مذهب الدولة هو الشيعي الإثني عشري، حتى إذا فعل، وفرغ من هذا الدور العظيم، استقال رضوان الله عليه من المجلس، وعاد لطلابه وبحثه.

    إن دعم فضل الله، وتمكين الحيدري، وتجهيز حب الله، وإطلاق كلابهم المسعورة وإرسالها خلف طرائد الأصالة والولاء، والغطاء الذي تراه يجلِّل رأس كل حامل معولٍ يهدم المذهب، لم يأت من فراغ، ولا جاء عفواً وصدفة، إنه مقتضى الفكر الذي تحمله الحركة والقيادة، ولازمة المشروع الذي يرمون إليه. وكذا ما تراه من إسفاف وإسراف، بل زندقة ونفاق يرفع الخامنئي إلى مقام أميرالمؤمنين، ويدرج نصرالله في مرتبة الحسين، ويفسح لصعلوك يقبِّح البكاء وينفيه عن سيد الشهداء، وإن كان على مثل أشبه الناس خلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسول الله، ثم يخرس ويبكم حين بكى الخامنئي على سليماني! ويرفع مرتزقاً جاء بما تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّاً، أن دعا للرحمن ولداً، فغرَّد بأن سليماني ابن الله! هكذا صار بغل لا يفرِّق بين العيال والأبناء مُستقىً لمعارف الدين في هذه الفرقة، ورافداً لمعالم الولاء في هذا التيار، وكأنه يعاني في التملُّق نقصاً ويشكو شحاً! فراح يدفعه نحو الإغراق ويقذفه في التهتك ويلقيه في اللأواء، ويزيد نغمة في طنبور الشقاء.

    لقد بلغ الأمر حدوداً خرافية من العبث والتزييف والخلط والتشويه، تركت شبابهم في ذهول وحيرة، فلا يكاد يفقه حديثاً، كيف وقد صارت سيرة قاسم سليماني وخصوصياته مادة يُمتحن بها طلاب المدارس! فيُسألون عن تاريخ ميلاده؟ واسم الفيلق الذي عينه ولي الأمر قائداً له؟ ورتبة الوسام الذي تقلَّده؟ ثم تاريخ ومكان استشهاده؟ وصاروا مطالبين بإنشاء أسطر يكتبونها عن شخصيته وحياته؟ والمساكين لا يعرفون شيئاً عن الكاظم والصادق أو الهادي أو الجواد، ومَن سيُسألون عنهم في القبر والمعاد! فإذا فرغ الشاب من المدرسة، تلقفته الأنشطة الدينية، وحملته الهيئات الحزبية ليلطم على وقع: “يا أشتر السيد علي ما سرُّ هذا المقتل”، ويتغنَّى بمقولة السيد: “بلا راس كالحسين، وبلا كفين كالعباس، والجسد إرباً إرباً كالأكبر”. حتى إذا قضى وطره، أو قضوا منه وطرهم، وفرغ من وصلة الحماسة وجرعة التخدير هذه، لاحقته لوحات ترسم شخصاً يحكي سيد الشهداء يعانق سليماني، وهي لوحة كانت بالأصل لعلي الأكبر والعباس، فاستُبدلا بقاسم سليماني!

    عندما أراد الشاه أن يُفقد الثورة ركناً أصيلاً من أركانها،، وأن يوجع قلب الخميني ويشغله بمصابه عن ثورته ونشاطه، عمد لقتل السيد مصطفى الخميني بدسِّ السمِّ، لكن السيد الخميني تلقَّى الأمر كطود شامخ لا تهزه العواصف، حتى أنه لم يذرف على ابنه دمعة! وقد احتال تلاميذه وأصحابه الذين كانوا يرون تراكم الآلام على قلبه، ويشهدون احتباس الغصص في صدره، فصاروا يتعمَّدون ذكر مآثر الشهيد وفضائل الفقيد أمامه علَّه يبكي شيئاً فتكون له سلوة، فلا يفلحون. حتى أوصى أحدهم الخطيب الذي يرقى المنبر في بيت السيد، أن لا يتعرض في مجلسه للشهيد سيد مصطفى البتة، ويوقف خطابته على سيد الشهداء فحسب، يذكر مصابه على الطريقة التقليدية، وبالتلقائية المعهودة في هذه الطاعة الجليلة والعبادة العظيمة… عندها، انفجرالخميني بالبكاء واسترسل في الفجعة والجزع!

    في مصباح الكفعمي، “أن السيدة سكينة قالت: لما قتل الحسين اعتنقته، فأُغمي عليَّ، فسمعته يقول: شيعتي ما إن شربتم ريَّ عذب فاذكروني، أو سمعتم بغريب أو شهيد فاندبوني”… تعال الآن وانظر إلى المأساة: بكى الخامنئي على سليماني، فصار بكاؤه هو المصيبة! نظمت فيها الأشعار، وأقيمت الندبيات واللطميات، وما زال المرتزقة يتنافسون، والسفهاء يتبارون في إبكاء الناس على هذا المصاب… هل عرفتم كيف تضيع عاشوراء وتطمس كربلاء؟!

  • لا بدَّ في تثمين النتاج ومحاكمة الأداء، وعموم تقييم أفراد وشخصيات بهذا الحجم الكبير والدور الخطير، من رعاية أُمور وملاحقة شؤون ومراقبة تفاصيل، تتجاوز أمر الرتبة العلمية ودرجة الفقاهة والأعلمية، والتي يتفوَّق فيها السيد السيستاني بمراحل، تصنع بينه وبين الخامنئي بوناً شاسعاً، يُدرجه في طبقة دنيا… علينا دراسة المباني وملاحظة الأُسس التي ينطلق منها كلٌّ منهما في عمله القيادي ونهجه الإداري، وارتباط ذلك، بعد العلم والفقاهة والثقافة، بالعدالة والورع، وبأُمور أُخرى تفضي إلى الرشاد والسداد، والصواب والحكمة، بدرجاتها ومراتبها، من قبيل الوضع السيكولوجي، الروحية التي تحكم المرء، والخصال والملكات أو النزعات النفسية التي تغلبه وتطغى عليه.

    والباحث في حال السيد السيستاني سيعاني من غموض وإبهام يلفُّ هذا الجانب من شخصيته، فطالما عاش الرجل بعيداً عن الأضواء، حتى بعد أن تبوَّأ المرجعية وأطبقت شهرته الآفاق، ما زال غامضاً في كثير من شؤون حياته الخاصة، مبهَماً في سلوكياته، مجهولاً في خصاله، وكل ما ينمُّ عن طباعه الشخصية وصفاته النفسية. ولا سيما أنه مُقِلٌّ، في القول والفعل، حتى ليرهق الباحث ويعيا من ملاحقة تلاميذه والمقربين إليه أو اللصيقين به، فلا يرشح إلا نزر يسير، لا يسمن ولا يغني من جوع… أما في الخامنئي فإن الباحث لا يتجشِّم عناءً ولا يعاني أي إعياء. فمعرفة شخصية السيد الخامنئي، والوقوف على روحيته ونفسيته بشكل تفصيلي، مبذول متيسِّر لكلِّ باحث، ولا سيما لمن حظي بمتابعة حثيثة للشأن الإيراني منذ انتصار الثورة، وتمتَّع بقراءة دقيقة في تاريخها وسيرة رجالاتها. ومن هنا تسجَّل صفات الرجل وتُذكر، فلا تُجحد ولا تُنكَر.

    السيد الخامنئي رجل ملتزم جاد، مهذَّب عفيف شريف، قارئ جيد ومثقف من الطراز الأول، ولا سيما في الشعر والقصة وعموم الأدب والفن. وله إحاطة دقيقة بأدبيات حركات التحرُّر في جميع أنحاء العالم، ومعرفة بالأحزاب والتنظيمات السياسية على مختلف مشاربها. وهو ذو نزعة استبدادية تنفي الآخر وتكبته، لا يتحمَّل النقد ولا يطيق المعارضة، تحكمه ذهنية تنظيمية موغلة في التنظير، تجعله يسبح في رؤى خيالية حالمة، يصرُّ عليها ويتمسَّك بها على الرغم من الأفشال المتلاحقة، والإنكفاءات المتتالية، والإخفاقات الخانقة! وبعد، فهو غضوب مضغِن، حقود كالفيل أو الجمل، لا ينسى الإساءة، ولا يتوانى عن الانتقام مهما طال الزمان. ولو واكب أحدٌ مسيرته فترة رئاسته للجمهورية، لمَّا كان المنصب تشريفياً بروتوكولياً، والسلطة كلُّها لرئاسة الحكومة، التي تولاها ميرحسين موسوي لدورات متلاحقة، رغماً عن الخامنئي وعلى غير رغبته وإرادته في تعيين أحد أصدقائه (مصطفى ميرسليم). ومن طريف ما جرى، أن السيد الخميني كان يدعم ميرحسين موسوي (مرشح رفسنجاني)، حتى شكى إليه الخامنئي الأمر مرَّة، وقال إنَّ المهمة الوحيدة لرئيس الجمهورية في الدستور، هي ترشيح رئيس الوزراء، وما زال تيار “روحانيون”، (وهم صقور الثورة آنذاك، مقابل “روحانيت”، حمائمها)، يسلبونه هذا الحق بأكثرية مريحة يتمتعون بها في مجلس الشورى، تكفل لهم إسقاط أي مرشح آخر! يُقال أن السيد الخميني أجابه ممازحاً ومسلياً “أنت سيد، والسادة مظلومون عبر التاريخ، فتحمَّل الظلامة كما فعل أجدادك”!.. لو واكب أحَدٌ هذا الحدث وعشرات مثله، لفهم العقدة العميقة التي تركَّبت في نفسية الرجل، وأدرك سرَّ تعسُّفه برمي ميرحسين وقذفه بالخيانة العظمى! ثم إبقائه رهن الإقامة الجبرية للسنة الحادية عشرة دون محاكمة، هو والشيخ مهدي كروبي الذي لا يطيقه هو الآخر، والذي أمر به مؤخراً إلى الحبس، فأُودع زنزانة انفرادية، إثر بيان أصدره اعتراضاً على قمع الحراك الأخير، وسقوط عشرات القتلى!

    وعلى أية حال، فنحن الآن أمام حالتين يمكن اتخاذهما نموذجين لتقييم الرجلين وعقد مقارنة بينهما، سواء في أدائهما، أو في حالتيهما الروحية والنفسية، الأولى: الموقف في فتنة فضل الله، والثانية: أسلوب معالجة الحراك الشعبي المعارض للحكومة واستقرار النظام.

    دعَم السيد الخامنئي فضل الله دعماً كبيراً، وسانده كما لم يفعل أحدٌ ألبتة، ما بلغ أمره مقلديه في لبنان، أي حزب الله، وإلزام قاعدته حضور جماعة فضل الله والاقتداء بصلاته، ثم تحريم المسِّ به والخوض في انحرافاته، وتجنُّب البحث في الطعون التي تسقطه! ويقال أنَّ ذلك كان انتقاماً من المرجعية التي أبت الاعتراف به والانقياد لولايته، ونيلاً منها عبر هتك حكمها بضلال فضل الله، وإبطال مفاعيله التي كادت أن تنهي الفتنة وتقضي على فكر فضل الله المنحرف ونهجه الإضلالي، فالميرزا التبريزي والوحيد الخراساني، أبيا الاعتراف بفقاهة الخامنئي وأهليته، وامتنعا عن زيارته، ما أورثه الحقد ودفعه للنقمة. ويُلحِق آخرون ذلك بتوافق فكري والتقاء في الأهداف يجمع الخامنئي بفضل الله. فهما ربائب نفس المدرسة الفكرية، ويستقيان من عين المشرب الذي أسس التنوير الديني، وأرسى الحداثة الإسلامية، وابتدع الحركة الإخوانية.. ذاك من حزب الدعوة، وهذا من علي شريعتي. ناهيك بالدور الذي نهض به فضل الله، منطلقاً من قاعدة “صدم الواقع”، الأداء الذي فتح الباب لسيل متدفق من التهريج والإفساد الذي نهض به الحيدري وحب الله، ما زال يستهدف الحوزة والتراث والمعارف الأصيلة. اندفع السيد الخامنئي في الدفاع عن فضل الله واحتضان تياره، بما استغلَّه واستنزفه واعتصره حتى الرمق الأخير، فخلَّفه ورقة ملقاة في سلة المهملات، في أداء سياسي استغلالي قلَّ نظيره!

    أما موقفه من الحراك الشعبي، سواء كان في لبنان أو العراق أو إيران، فهو واحد، ينطلق من انكشاف ارتباط الحراك بالمشروع الأمريكي، وقراءة أنه ورقة ضغط ومناورة ضد إيران، أو استراتيجية بديلة للأنظمة الحاكمة في هذه البلاد، التي تربطها بالجمهورية الإسلامية حالة تفاهم ووئام. وهو يرى وجوب اجتثاث الحراك وقلعه من جذوره، ويسعى لقمعه وقطف رؤوسه، أينما طالت يده ووسعت سلطته وبلغت قدرته، فعل ذلك في إيران، وما زال يحاوله في غيرها.

    أما السيد السيستاني، فهو ينطلق هنا (في الحراك) وهناك (في فتنة فضل الله) من أصل واحد، يمليه خُلُقه الديني ونزعته الروحية، ويفرضه دوره الأبوي الرعوي… السيستاني يعرف جيداً من هو محرِّك الحراك، ومحيط بخلفيته وأهدافه، عالم بارتباطه بالأجندة الأمريكية للعراق، وواقف على مكانه في الصراع مع الإرادة والنفوذ الإيراني. وهو يعلم أن التعبئة الإعلامية المعادية أخذت الشارع العراقي صوب عداء الدين ورجاله ومراكزه وشعائره…

    لكنه يلحظ ـ في الوقت نفسه ـ أُموراً أُخرى، منها أحقية المطالب وتقصير الدولة في توفير الخدمات وتأمين حقوق الناس، ثم فساد رجال السلطة (أبناء الحركة الإسلامية من حزب الدعوة وغيره) وضرورة محاسبتهم واستبدالهم بغيرهم من شرفاء العراق وصلحائه. والأهم الأخطر أنه يلحظ السواد الأعظم من المشاركين في الحراك، وأنهم شباب مغرَّر به مخدوع، أضنته الحاجة ودفعه الفقر وأذلَّه العوَز، فأخذته العاطفة وهاج به الغضب وغلبته الحماسة، فخرج ثائراً. وأنه ربيب ثقافة هجينة ومناهج سقيمة، زيَّنت له النزعة القومية وأذكت فيه الحميَّة والعصبية، فطاش مع الشعارات الإلحادية والمقولات الكفرية، وأغلبهم لا يفقه ما يقول! السيد السيستاني شخَّص دوره في منع هدر دماء هؤلاء، ثم الحؤول دون وقوعهم في الكفر والمروق، والخروج من دين الله وهم لا يعلمون…

    وظيفة السيستاني الأولى إنقاذ النفوس ودوره الأصلي إحياؤها، وهو ما يمليه عليه كتاب الله “أنه من قتل نفساً بغير نفس، أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً”، وتفرضه سنة نبيه “يا علي! لا تقاتلن أحداً حتى تدعوه، وأيم الله لأنْ يهدي الله على يديك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت”، الإنسان عند السيستاني قيمة عظمى، والمؤمن رعية كبرى، هو المسؤول الأول عنها. لذا بذلت المرجعية غاية وسعها، وصرفت كل جهدها، لتحتوي الحراك، لا في قيادته المأتمرة بالأجنبي والمتآمرة على الوطن وأهله ونظامه، بل بالقاعدة الشعبية المندفعة. من هنا سخَّرت العتبة الحسينية حافلاتها لنقل المتظاهرين، وأعدَّت لهم الطعام، بل حتى نظَّمت أو حثَّت هي على بعض المظاهرات التي قادها معممون من الخطباء، وتوالت خطب الجمعة مواكِبةً للحراك، ومتفاعلة مع خطواته وتطوُّراته. ما أبلغ الناهضين به في وجدانهم أن المرجعية تتحسَّس آلامهم وتتفهَّم شكواهم، وأنها معهم في إنهاء الفساد، الذي يئن منه العباد وتشكو الدولة والبلاد.

    هكذا جذبت المرجعية النفوس، وروَّضت العواطف والقلوب، فألغى الحراك بعض شعاراته، وتراجع عن بعض مواقفه وخطواته، فبعد شعار “لا أربعين أو لا مشاية بعد اليوم” الذي رفعوه، أو رُفع لهم فاتبعوه، لم يمانعوا أن يوقفوا نشاطهم ويعطِّلوا مظاهراتهم، ويكفُّوا عن قطع الطرق، ريثما تنتهي زيارة الأربعين، ويقضي المؤمنون شعيرتهم المقدسة. وهكذا ما عاد الحراك ينظر إلى الحوزة والمرجعية والعمامة، جزءاً من السلطة والحكومة، وترسَّخ في نفوس المتظاهرين كما في شعاراتهم، وطال خطابهم السياسي، أنَّ الحوزة والمرجعية لا شأن لها بالحكومة وفسادها. السيستاني أب شفيق، وراع مسؤول، لا حاكم يبطش بسلطانه ويقمع بعسكره وأعوانه..

    وهذا الأصل نفسه هو الذي حكم موقف السيد المرجع من فضل الله وفتنته، فهو يرى ضلاله، تماماً كما فعل العلماء، وكما صرَّح جملة من تلاميذه الأفذاذ كالسيد أحمد المددي والشيخ هادي آل راضي والإيرواني والجواهري ونجاتي، ونقل آية الله السيد علي الميلاني، بما يقطع أيَّ شك وينفي كلَّ ريب، فبعد أن أدَّى العلَمَان التبريزي والوحيد الدور الإلهي في إبطال مقولات الرجل والحكم بضلاله، ما قطع الإغواء ونفى الاغترار، اكتفى السيستاني وكفَّ، فلم يصرِّح برأيه، تاركاً فسحة للاحتواء، وفاتحاً للمغرَّر بهم نافذة العودة إلى الدين، وعدم الغرق في الضلال المبين. هكذا انتشل كثيرين كانت تتقاذفهم أمواج الحداثة، وتتناهبهم أفكار الضلال، وحرَّر عنقاً كانت تأسرهم انتماءاتهم الحزبية.

    بين أبوَّة السيستاني وحكومة الخامنئي، ترتسم الحدود بين السلطة والرحمة. تتجسَّد هناك القوة والسطوة، ويظهر البطش والقسوة، وتتجلى هنا الشفقة والرأفة، ويغلب العلم وتحكم الحكمة… ومَن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً.

    الفرق الجوهري الأخطر هنا، أن السيد السيستاني يمارس دوره بالرفق واللين، ويسعى بكل حكمة لإنقاذ المؤمنين، ويعمل على تحييدهم عن الصراعات العالمية. بينما السيد الخامنئي يريد تطبيق الدين بالقهر والقوة، وإعماله بالإرغام والإكراه، ويريد محاربة أمريكا وإسرائيل وكل ظلم على هذه البسيطة… وهذا دور المهدي الموعود حصراً! والحر تكفيه الإشارة.

  • بعد القيَم والمبادئ والمثل المقدَّسة، أو قبلها، هناك أماكن وأحداث وأشخاص تضفي عليهم الأديان والمدارس الفكرية والتيارات والأحزاب القداسة. ومَن يفتقد ويُعدَم، يدَّعي ويزعم، ثم يفتعل ويختلق، فتنشأ الأساطير وتقوم الخرافات! لعلَّها ضرورة حركية، تمثِّل طوراً متقدِّماً من “المثال” و“النموذج”، وشكلاً متفوِّقاً من “القدوة ”، تصنع رافداً للزخم العاطفي، وموئلاً يُستقى منه الدفق المعنوي الذي تحتاجه المدرسة وتتطلَّبه الفكرة. وما زال قائد الحركة وشخص الزعيم، يحظى بنصيب الأسد من القداسة المختلَقة، وينال الحظَّ الأوفر من الألقاب والخصائص، تُخلَع عليه المزايا وتضفى عليه الكمالات، حتى يُكرَّس بالكرامات، ويُعمَّد بالمعاجز وخوارق العادات، فلا حركة تخلص من طوباوية تحدوها، ولا مذهب ينجو من نرجسية يغرق فيها، تجعله قابلاً يغلب كلَّ عائق، ومرحِّباً يزيل كلَّ مانع.

    لذا ما فتئ “المقدَّس” هاجس كل تيار وحركة، وما انفكَّ مطلَب كل فرقة دينية ومذهب… وهناك جماعات وأحزاب تعاني فقراً مدقعاً على هذا الصعيد، ومذاهب تشكو جدباً وقحطاً، ما زال يكشف فراغاً ويحكي عُرياً وخواءً، ينكأ فيها جراحاً، ويجدِّد أوجاعاً وآلاماً، ومن هنا أُصيبت هذه بمقتل، وعلى هذا النطع نُحرت تلك وانتهت! لا ريب أن ”المقدَّس” حاجة فكرية ثقافية حركية، كما هو روحية عاطفية نفسية… وهذا ما أخذ الأمر إلى الإفراط وألقاه في الإغراق، حتى كان التخبُّط وعمَّت الفوضى على هذا الصعيد. ولو جرى ذلك ووقع من الحركات غير الشيعية والأحزاب غير المنتسبة لأهل البيت، لتفهَّمه المراقب وتقبَّله المحلل والملاحظ، فهي حيلة المفلس العاجز، ووسيلة المعدَم القاصر، وما على المضطر إلا ركوبها… ولكن الشقاء والبلاء أن يعمد إليه ويقع فيه أبناء مدرسة زاخرة بالمقدسات، مفعمة بقمم سبل الاتصال بالغيب، وذرى الارتباط بالسماء، فالشيعي لا يعوزه رمز مقدس، حتى تعمد حركاته وأحزابه إلى اختلاقٍ وافتعال واصطناع، لا في الشخص والرمز وهو يوالي الأئمة الأطهار، ولا في المكان وهو يقصد العتبات العاليات، ولا في الحدث والزمان، ولديه كربلاء وعاشوراء! ولعمري، ماذا حلَّ بالحزبيين، وأي شيطان ركبهم حتى أهملوا كل هذا وذاك، وعمدوا لاختلاقٍ واصطناع؟ لست أدري!

    خلال العقود الأربعة الماضية، ترسَّخ خطاب “ثقافي” سقيم للحركة الإسلامية الشيعية، مُغرِق في السطحيَّة، مُفرط في الشعبوِيَّة، يمضي على شفا الابتذال وهاوية السوقية، من الضحالة والسخف ما يبلغ الخُرق والسَّفَه، بعد أن يبالغ في التفاهة والقشرية، ولو قارنته ـ مثلاً ـ بخطاب الحركات اليسارية (حتى بعد اندحار الشيوعية وسقوط النظرية)، لسجَّلت مفارقة وشهدت فضيحة، فالقوم كما يبدو لا يقرأون ولا يدعون للمطالعة ولا يحثون عليها، ولا يسعون للعلم والثقافة بأي نحو، وكأنَّ السطحية والعامية هي ما يؤمِّن الانقياد المطلوب، ويحقِّق التبعية المنشودة! يكتفون، بعد الصحف فيما مضى، بحوارات وسائل التواصل الاجتماعي، ويستغنون بنشرةٍ حزبية وِتر، تغذيهم فاسد الطعام وتلقِّنهم وترويهم من آسن الفكر.

    من هنا راجت سوق تعظيم الشخصيات وفشا خلْق المقدَّسات! وكأنها لوثة نزلت بهم، وُضعت فيها الأساطير وراحت تنسُج الأكاذيب، وتُحاك المبالغات وتُخاط لقادتها الأردية والأثواب، فلا تستوي على بدن وقامة، ولا تعتدل بهندام! والناس تسخر من هذا الخلِق المهلهل، والسمِل المرقَّع، وهم لا يشعرون، بل يحسبون الأكذوبة عبرت، والحيلة انطلت!

    صارت صلاة الجمعة امتثالاً لله ولرسوله وأهل بيته ولمحمد الصدر، وغدا الالتزام بها وفاءً له خاصة! وأصبحت الخطوط الحمراء في الإسلام، التي لا يجوز تخطِّيها هي: الله والنبي والإمام وآل الصدر!

    وراحت الخامنئية تنافس الصدرية، فانقلبوا من دعاء الندبة ومناجاة الحجة المنتظر بـ “أترانا نحفُّ بك وأنت تؤمُّ الملأ”، إلى الأمل بصلاة جماعة بإمامة السيد القائد! فكما كانت السهام تستخرج من جسم أميرالمؤمنين حين ينشغل بصلاته، هذه معزاة دخلت المسجد وراحت تجول بين صفوف الجماعة حتى أضحكت المصلِّين وأبطلت صلاتهم، وبقي الإمام وحيداً حتى أتم صلاته ولم يلتفت لشيء، وعندما سألوه أو حكوا له ما جرى، قال إنه لم يرَ معزاة ولم يشعر بضحك المصلين ولا أحسَّ بانفراط عقد الجماعة! والإمام ليس إلا علي بن الجواد الخامنئي! هكذا تصبح راية عادية للعزاء رفعها السيد القائد حزناً على سليماني، وهي سوداء اللون بطبيعة الحال، تصبح هي راية الخراساني وتكون برهاناً وإثباتاً على هذه “الحقيقة”، بعد إثبات أن “الخال” الذي جاء كعلامة ستكون بيمينه، هو تصحيف “خلة” وعطب! فيخاطب القائد بـ: “يا ابن رسول الله! أنا في الرخاء ألحس قصاعكم، وفي الشدة (الجوع والفقر والحرب) أخذلكم؟ والله إن ريحي لنتن، وإن حسبي للئيم، ولوني لأسود، فتنفَّس عليَّ بالجنة…”، كما خاطب جون سيد الشهداء. ومن زيِّ التفقه وعمامة الحوزة، التي ترمز إلى رسول الله وتنسب للإمام الصادق، تنتقل القداسة إلى شماغ البسيج وكوفية الجهاد، أو كوفية المقاومة الفلسطينية! من علَق الأضرحة والمنابر، وخيوط التبرُّك المأخوذة من أقمشة كسوتها أو المباشرة لهيكلها، المترشِّح إليها بركتها، إلى أوصال قميص الشهيد! ومن تربة كربلاء التي يخرق السجود عليها الحجب السبع، إلى تراب الجبهات في القصير والقلمون!

    كنت أحسب أنَّ ما يقوم به رجال الحركة الإسلامية على هذا الصعيد، هو من لوازم الحرب الإعلامية المحتدمة بين إيران وأعدائها، ولا سيما أمريكا، ومن ضرورات التعبئة الدعائية، والربط على القلوب، وما يقتضيه رصُّ الصفوف، وقطع الطريق على الطابور الخامس، ومنع الإرجاف في المدينة… لكن تبين أن رجال الميدان الثقافي وقادة الساحة الإعلامية الموالون للجمهورية الإسلامية، يصدِّقون الهراء الذي يطرحون، ويصرُّون على اللبط والرفس في شباك الأوهام التي تعثروا في حبائلها، والتخبُّط في ما نسجته شياطينهم وصوَّرته مخيلاتهم، حتى ليكبُّوا على وجوههم في مهاوي الفضيحة التي احتفروها، ويتلطَّخوا بصخام المواقد التي أشعلوها.. فلا يأبهون ولا يكترثون!

    كما تبيَّن أن كثيراً منهم يؤمنون بخطاب العوام الذي صنع هالات التعظيم والإجلال والتبجيل ورسمها حول القائد الأعظم والولي المفخم، وأنَّه “عليُّ” زماننا أو “حسين” عصرنا! وأن بكاءه في صلاة الجنازة على الشهيد سليماني، هو من الجري والتطبيق العصري لحديث الرضا عليه السلام للريان بن شبيب، لتكون صورته الحالية  وصيغته الفعلية: “إن كنت باكياً لشيء فإْبك على سليماني، فإنه المقتول غيلة حتى تناثرت أشلاؤه”. وأن كلَّ الجزع مكروه ما خلا الجزع على سليماني، لذا لا بأس أن تنشد المراثي فيه، وتقام المناحات، ويجري اللطم عليه، لا الرتيب الحزين التقليدي فحسب، بل حتى لطم “الشور” الذي يحكي تمام الفجعة وذروة الجزع!

    إن معممي الحركة الإسلامية وكتَّابها وجنودها في الفضاء الألكتروني، ينشرون هذا ويبثونه، يزينونه للناس ويزخرفونه، يخلقون عقلاً جمعياً يهيمن على أبناء الطائفة ويغلب الواقع الشيعي، ثم ينخرطون فيه! كجحا، أو الطفيلي الذي أراد صرف الصبيان من حوله، فكذب وزعم وجود وليمة في طرف، ثم صدَّق كذبته، وراح يسابق الناس إليها ويعدو معهم صوبها!

    حتى بلغ واقع الحال بقاعدتهم، والاستخفاف بعقول أتباعهم، ما حكاه التاريخ عن أهل الشام، مما رواه المسعودي، إن رجلاً من أهل الكوفة دخل على بعير له إلى دمشق في حال منصرفهم عن صفين، فتعلَّق به رجلٌ من دمشق، فقال: هذه ناقتي أُخذت مني بصفين. فارتفع أمرهما إلى معاوية، وأقام الدمشقي خمسين رجلاً بيِّنة يشهدون أنها ناقته. فقضى معاوية على الكوفي، وأمره بتسليم البعير إليه. فقال الكوفي: أصلحك الله، إنه جمل وليس بناقة! فقال معاوية: هذا حكمٌ قد مضى. ودسَّ إلى الكوفي بعد تفرُّقهم، فأحضره وسأله عن ثمن بعيره؟ فدفع إليه ضعفه، وبرَّه وأحسن إليه، وقال له: أبلغ علياً أنَّي أقابله بمئة ألف ما فيهم مَن يفرِّق بين الناقة والجمل. ويضيف: ولقد بلغ من أمرهم في طاعتهم له، أنه صلَّى بهم عند مسيرهم إلى صفين الجمعة في يوم الأربعاء. وأعاروه رؤوسهم عند القتال وحملوه بها، وركنوا إلى قول عمرو بن العاص: إن علياً هو الذي قتل عمار بن ياسر حين أخرجه لنُصرته، ثم ارتقى بهم الأمر في طاعته إلى أن جعلوا لعن علي سُنَّة ينشأ عليها الصغير ويهلك عليها الكبير.

    أعظم الخطوب وأفظعها هنا، أنَّ النجباء المدَّخرون لإقامة العدل الإلهي، المستضعفون المعدُّون لوراثة الأرض ومَن عليها، النخبة المصطفاة، والكوكبة الواعية البصيرة… تتحوَّل إلى قطيع شامي لا يميز بين نور الشمس وضوء الشمعة! ولا يفرِّق بين الثرى والثريا، ويخلط بين الذرة والمجرة! ثم تزهو الحركة الإسلامية بذلك وتفخر… هذا أخطر ما يمكن أن ينزل بأُمَّة، أن تكون طليعتها والنخبة الواعية فيها، أي العلماء والقادة الحركيين والكتَّاب والمحللين، مرتزقة يستأكلون بإضلال الناس وتسفيه مخاطبيهم. والأخطر من ذلك أن يكونوا هم أغبياء يصدقون هذا الهراء، وسفهاء يحملون هذا الشقاء!

    لعمري لو خلَت لهؤلاء الساحة، وقيِّض لهم قيادة الشيعة وإدارة دفة حركتهم، لاضمحل المذهب وتلاشى منذ أمد بعيد، والكلمة الذهبية هنا: لا تثق بحزبيٍّ ألبتة، معمماً كان أم مثقفاً، سياسياً كان أم إعلامياً، عسكرياً كان أم مدنياً… النزعة الحزبية والظاهرة الشامية وجهان لعملة واحدة.

  • لا ينكر مسلمٌ فريضة الجهاد ولا يجحد مؤمن واجب الدفاع، وليس لأحد أن يغالب حكماً هتف به الشارع المقدَّس في الكتاب والسنة والعقل والإجماع، إنما يحجم العلماء والبصراء ويتوقف الأكياس والألبَّـاء في “الرايات”، يرتابون من أصحابها والذين يحفُّون بها ويدعون إليها، يشكُّون في اتصال “قناة الفيض” التي تنحصر الرعاية أو العناية الخاصة لإمام الزمان عليه السلام بها وعبرها، فتنحدر على نوَّابه، وتنساب في المسارب المشروعة والمرضية لدى جنابه، وقد سرت من قبل على عهد الخميني فعصفت ريحاً في صحراء طبس، كريح عاد، صرصر عاتية، سخَّرها عليهم ثلاث ساعات كانت كافية، تصادمت فيها الهيركوليز بمروحيات البلاكهوك والسيكورسكي والشينوك، همدت كلُّها وتهاوت حطاماً وأشلاءً، وغدا القوم صرعى كأعجاز نخل خاوية. وكذا تنزَّلت بالأمس القريب على يد السيستاني، وجرت بيُمن زهده وإخلاصه، حشداً شعبياً ونهضة جهادية عارمة، أوقفت أعتى منظمات الأرهاب والتكفير على الإطلاق، ودحرتها حتى اقتلعت جذورها من العراق، وقطعت عن بلاد المقدَّسات دابر النفاق…

    قد لا يرمي العلماءُ صاحبَ الراية بأنه طاغوت يُعبد من دون الله، ولكنهم شهدوا وما زالوا يشهدون أنه ينصر الضلال ويعين المضلِّين، يمدُّهم بالمال ويحوطهم بالرعاية ويمنحهم الحماية، يعضدهم ويمكَّن لهم، وما الحيدري وحب الله وفضل الله إلا أمثلة ونماذج، يحارب بهم الشعائر الحسينية، ويعمل جاهداً على تقويض الحوزة والمرجعية، فشجَّع المزيفة واصطنع الوهمية، وأخضع ما استطاع منها فجعلها (لأول مرة في تاريخ الشيعة) حكومية، وشنَّ على الأخرى الحقيقية الأصيلة، التي رفضت وعصت حرباً خفية، وما انفك يصرُّ ويمضي في ذلك، عبر منظمات حكومية ومؤسسات ثورية، ومنظومة أمنية وإعلامية ضخمة، جمع لها المرتزقة وجنَّد العملاء، وشكَّل جيشاً ألكترونياً تفرَّغ لمحاربة الأصالة ومناكفة الولاء وإسقاط المقدَّسات، ما بلغ (مؤخراً) ابتذال ألقاب الأئمة الأطهار وصفاتهم واسترخاصها، فإلقاؤها يمنة ويسرة، وخلعها على كلِّ شارق وغارب.

    وكما يلمس العلماء وسائر الناس غلَبة التواضع ونكران الذات في المجاهدين الإلهيين العاملين بإذن المرجعية الحقَّة، المتمتعين بالمشروعية والمتصلين بها، فيظهر عليهم التواضع واللين والرفق بالمؤمنين، وكذا الخشوع والشكر والإنابة لله تعالى، سواء في التضرُّع والدعاء وطلب العون والغوث، أو في إرجاع النصر وعزو الظفر لتسديده تعالى ومدده… يغلب ـ في الفريق المقابل ـ التبجُّح والادِّعاء، والزهو والاستعلاء، ويفيض طغيان القوة والسلطة، وتتفجَّر غطرسة الكبر والخيلاء، وهذا خطابهم مشحون بالانتقاص والتعيير، ورمي غيرهم بالجبن والتخاذل، وكأن الآية عندهم “رحماء على الكفار أشداء بينهم”! فتراهم يراعون “الآخر” أيما مراعاة، لا ينالون من عقائده ولا يمسون مقدساته ويحافظون على مشاعره، لا يجرحونه بكلمة، أما المؤمن عندهم فهو ذليل مهان، لا كرامة لمعتقداته ولا حرمة لمقدساته.

    ولكن مع هذا وذاك، لم يتعرَّض العلماء لهم بالصدِّ والردع والإنكار، تركوهم وقناعاتهم، لهم أن يحاربوا أمريكا ويقاتلوا إسرائيل، ويقوموا لدفع الظلم وإنعاش الحق، ولم تقابلهم الساحة الإيمانية إلا بـ “عاشت الغيرة وأنعمت الحمية، وأفلحت الشجاعة وأنجحت التضحية”، وبالدعاء لهم، بل إخراج الصدقات لسلامتهم ودفع البلاء عنهم، والبكاء على قتلاهم وإعانة عوائل شهدائهم، والنهوض بكل ما تمليه الإنسانية، والأُخوَّة الإيمانية، وحفظ التواد والتراحم… لكن دون الالتحاق بهم والانضمام إليهم!

    لن نكون الطير أو الفرخ الذي نهض من عشِّه قبل أن يستوي جناحاه، فسقط فأخذه الصبيان يتلاعبون به. لن نتعجَّل ونهدر الأرواح، فالله لا يعجل لعجلة العباد، فهذه الدول والحكومات لها آجال كآجال البشر، ولإزالة جبل عن موضعه أهون من إزالة مُلك لم ينقض أجله وتتصرَّم أيامه. ولو كان لأحدنا نفسان فيقدِّم إحداهما ويجرِّب بها، ثم يستقبل التوبة بالأُخرى، لهان الأمر، ولكنها نفس واحدة، إذا ذهبت ضاعت الفرصة وذهبت والله التوبة. ونحن نعلم أن الرجل ما كان يطيع أئمته وهو وحده في مشهد، مغمور مجهول، يلاحق علي شريعتي ويترجم لسيد قطب، فكيف يطيعهم اليوم وقد ارتفعت من حوله الرايات وخفقت الأعلام، وجمعت له الأموال، وحفَّ به الجند والتفَّ الأعوان، وثنيت له الوسادة ونُصب العرش وأُعطي الصولجان!؟

    لتقاتل إيران أمريكا أو تصالحها، هذا شأنها، فهي دولة عظمى في المنطقة، لها مصالحها وسياستها، التي قد تقتضي عقد صفقات وإخراج مسرحيات، تستغفل العوام وتغرِّر بالسذج، فيُنذَر العدو ويبلَّغ بساعة الصفر، لتُقصف معسكرات خالية، فلا يجرَح، ناهيك بأن يُقتَل أحد… لتفعل إيران ذلك، ونعم ما تفعل، فتنجي بلادها وشعبها من دمار شامل كان ينتظرها إن هي انتقمت حقاً وضربت فأوجعت، ولعلَّ الرد الأمريكي كان سيبلغ في نهاية الأمر القصف النووي، وليس ترامب الأصهب بأكثر إنسانية من ترومان الأعرج، أما السيد الخامنئي فقد أفتى بحرمة صُنع القنبلة الذرية واستعمالها، فلا مانع ولا رادع!

    ولكن، ليس لإيران ولا لأتباعها أن يُلزموا غيرهم بانتهاج دربهم والمضي في مسيرتهم، ولا أن يلوِّحوا لمن يأبى ويمتنع بعصا الإرهاب الفكري، أو التهديد بالتصفية الجسدية والإرهاب الأمني…

    ولعل ظهور العجز الإيراني سواء في عملية الانتقام المسرحي، أو في الارتباك والاضطراب الذي ولَّد خطأ إسقاط الطائرة المدنية (حتى الكنديين من ضحاياها هم من أصول إيرانية)، كان من خفيِّ الألطاف!.. وإلا فإن العقل الجمعي الشيعي المشحون عاطفة، المعبأ حماسة وثورة من جرح الغدر والغيلة التي استهدفت قادة قاتلوا داعش وأنقذوا البلاد والعباد من شرِّها، كان يأخذ الساحة إلى مواقع واصطفافات بعيدة عن العقل والحكمة، وعن المرجعية العليا، ويهوي بها في أحضان الجمهورية الإسلامية، وأيد غير مؤتمنة ولا تتمتع بالكفاية، لا الشرعية ولا العملية، وهذا ما استدركه السيد السيستاني دام ظله في شجبه للانتهاكات والاعتداءات التي طالت العراق من الطرفين الأمريكي والإيراني على السواء، وإدانته كل ما ينال من السيادة والاستقلال ويحول دون الأمن والاستقرار. هكذا مال بالكفَّة فاعتدل الميزان، وعاد بالأمر إلى نصابه. وهنا عاودت أسراب الذباب الألكتروني دويَّها، وشاعت همهمة وعمَّ تطاول على المرجعية، وشنشنة نعرفها من أخزم، الأمر الذي أفاد الحقَّ كما أضرَّه! ففضح خطاب التدليس وكشف أداء النفاق الذي كانوا يلقون به العوام، من قبيل مقولة “السيدين العليين الحسينيين”، وأضرَّ من حيث هتك المرجعية العليا، فتطاول السفلة على الطرائق والوجوه، وتحامل الصعاليك على العرانين والسراة، وبغى الأراذل على الأشراف والهامات.

    وخلاصة الحال ومختصر المقال، أن الأمر يدور مدار الراية، إذا حملها فقيه جامع للشرائط، يمثل نيابة حقيقية عن الإمام عجل الله فرجه، تبعه المؤمنون وامتثلوا قيادته، وإذا تسنَّمها مدَّع من أبناء الحداثة، باطل العقيدة، منتفي العدالة، فلن تتبعه الساحة الشيعية، وحسْبه الذين يقبضون مرتَّباته، ويعتاشون من خيراته، وهم حزب مغلق وجماعة محدودة.

    من الجلي الذي لا يخفى أن السيد الخامنئي بروحه النرجسية، ونزعته الطوباوية، وأدائه المتحكِّم المستبد، وقع في أخطاء كارثية أفضت إلى إنهاء مقولة حكم الدين، وطي صفحة الحكومة الإسلامية، وأغلاق هذا الكتاب، بل ركنه على أرفف التاريخ، أو إيداعه صندوق الزوائد والفضول أو المهملات، ولن أخال عاقلاً ـ حتى ظهور المهدي عليه السلام ـ سينظر أو يقرأ فيه بعد اليوم. ولا أريد بهذا ما انتهت إليه البلاد من تردٍ معيشي وانهيار اقتصادي وفقر يكاد أن يكون كفراً… بل هو تضييع القيم الدينية وتبديل الشعائر الاسلامية وانقلاب المنكر معروفاً، وخروج الناس من دين الله ودخولهم في الوهابية المقنَّعة أفواجاً… وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. ولو سألت أتباعه وذبابه لاحتالوا وتحايلوا حتى برَّروا كلَّ خطئ وخطيئة، وأظهروه طاهر الذيل نقي الجيب، معصوماً لم يفتك ولم يظلم ولم يحبس ولم يشطح ولم يزل!

    “الإنجاز الأعظم” الذي حققه الخامنئي في مسيرته الجهادية والعملية، هو أنه أثبت بالحسِّ والوجدان قبل الدليل والبرهان، ورسَّخ في أعماق العاملين الشيعة، على مختلف مشاربهم وانتماءاتهم وتياراتهم، أنَّ الحق في منع القيام قبل الظهور، وأن المفاسد التي ترتبت على الدولة والجمهورية الإسلامية، على صعيد تشويه العقائد وتزييف الأحكام، بل على صعيد الحرية والاستقلال (الضلعين الآخرين الذين يشكلان مع “الإسلام” مثلث شعار الثورة)، هو أضعاف المنافع المجنيَّة والمكاسب المحصَّلة. ولو كفَّ المنافقون في صدر الثورة ولم يعمدوا للعنف والإرهاب، وتركوها لأمثال مهدي بزركان، بدل طالقاني وبهشتي ورفسنجاني، لكان خيراً للإسلام والتشيُّع، وهذا ما يسعى السيد السيستاني إليه اليوم، عبر منع الطلبة والعلماء من الدخول في السلطة وتسلُّم أية مسؤولية حكومية… ومن هنا فإن السيد الخامنئي مدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى لطاعة المرجع الأعلى والتنحي والإستقالة.

    لن يلحق جمهور الشيعة بالخامنئية، ولن يركنوا إلى الثورية الحزبية، ولن يتبعوا الحركة المريبة التي يقودها… لا يمكن لهذا الهجين الالتقاطي أن يغير هوية ترسخت عبر أربعة عشر قرناً، وما زالت تنتظر الفرج وترتقب العدل الإلهي والحق الحقيق في وارث الأنبياء وبقية الأئمة الأصفياء.

    نحن بانتظار راية رسول الله العقاب، وعصاه الممشوق وسيفه ذي الفقار، نحن بانتظار قميصه الكرباس وعمامته السحاب، وناقته القصواء وبغلته دلدل. نحن بانتظار التابوت والسكينة، والعصا والحجر، والخاتم والبساط، نحن بانتظار آدم في علمه ونوح في فهمه وإبراهيم في حلمه وموسى في مناجاته ويوسف في جماله وداوود في بأسه وسليمان في ملكه ويحيى في عبادته وعيسى في زهادته… نحن بانتظار محمد في تمامه وكماله، وعلي يحكي مثاله. نحن بانتظار مَن يأتيه عرش سليمان المضيع أو المخفي في بيت المقدس قبل أن يقوم من مقامه، يلحقه البيت الأبيض قبل أن يرتد إليه طرفه، نحن بانتظار مَن يشير بيده فتتناثر الأقمار الصناعية وتتطاير الموجات وتتداخل الذبذبات فتتعطل الإتصالات، كما تخرس النواقيس وتتهاوى الأصنام والتماثيل. نحن بانتظار مَن يلتفت فتنصرف إرادته تلقاء القنابل النووية، فيمنع إطلاقها، ويفجِّرها في أرضها. نحن بانتظار مَن يعطِّل الآلة من رأسها، من تدفُق الطاقة في أسلاكها وحركة الأقسام داخل البندقية، إلى محركات المدرعات ومراوح النفاثات… نحن بانتظار مَن يعيد المعركة إلى قتال الشجعان وبطولة الفرسان، إغارة بالخيل وبرازاً بالسيف…

    وحتى ذلك الحين…

    “يا سدير إلزم بيتك وكن حلساً من أحلاسه واسكن ما سكن الليل والنهار فإذا بلغك أنَّ السفياني قد خرج فارحل إلينا ولو على رجلك”.

    “الزموا الأرض، واصبروا على البلاء، ولا تحركوا بأيديكم وسيوفكم في هوى ألسنتكم، ولا تستعجلوا بما لم يعجل الله لكم، فإنه من مات منكم على فراشه وهو على معرفة حق ربه وحق رسوله وأهل بيته مات شهيداً، ووقع أجره على الله، واستوجب ثواب ما نوى من صالح عمله، وقامت النية مقام إصلاته بسيفه”…

  • يفتقد السيد السيستاني كثيراً من أدوات القيادة التي يتمتع بها الحكَّام، وتعوزه أمور لا يستغني عنها الرؤساء، فلا أجهزة أمنية ودوائر مخابراتية تعمل لصالحه، وليس في إدارته منظومات خفية وشبكات تجسسية، ولا حتى لجان استشارية، كما يُعدم مراكز دراسات تخصصية ومؤسسات معلوماتية، تزوده بتقارير أخبارية عن الحوادث السرية، وتحليلات ميدانية دقيقة عن الحالة السياسية والاقتصادية، من تلك التي تقدَّم للرؤساء وتُرفع للقادة، تجعلهم يحيطون بالوقائع ويقفون على الحقائق، بعيداً عن تجاهلات أو تهويلات فإملاءات الإعلام، ومنأى عن استدراجات العواطف وتصويرات الأوهام. مما يُعتبر من أوليات صنع القرار، ولا سيما في المواقع العليا، والحالات المنقطعة، مثل التي يعيشها السيد. كما يفتقد ـ دام ظله ـ مقومات أخرى، ليس هذا ظرف إثارتها ولا مقام التنبيه لها…

    لكنه في المقابل يمتلك عُملة ثمينة وجوهرة نادرة، ومفتاحاً “سحرياً” يفتح له مغاليق الإدارة ويمكِّنه من ضروب القيادة، ويأخذه لأداء في قمة النجاح وذروة السداد، وكأنه وقع على الإكسير الأحمر في عالم السياسة، والطلسم الذي يبحث عنه الحكَّام وينقِّب القادة، يستميتون للظفر به ويتهالكون على نيله، فلا يبلغون ولا يحظون.

    إنه يملك إخلاصاً يفتح له أبواب السماء، وزهداً وترفعاً يذلل له كلَّ الصعاب، وتقوى تأخذ بيده إلى صميم الصواب، وورعاً يبصِّره بعصمة الدماء، من هنا رزقه الله حظاً مضاعفاً، اتقى، فآتاه الله كفلين من رحمته، كما وعد تعالى: “يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به”..

    بعد أن حرَسه ورعُه ومنعه زهدُه عن طلب الرئاسة والشهرة والمال والجاه، ها هو يصونه عن التلوث بالدماء، ويحفظه عن تشويه الدين وإسقاطه من أعين الموالين. قد تغلب الحماسة بعض المؤمنين فيطالب بقمع دموي يرجع الأوباش إلى مواقعهم ويردع الدهماء عن غيِّهم، ويصرع الغضب آخرين، فتأخذهم الشدة إلى الدعوة للبطش والتنكيل، فهذا الغوغاء لا تجدي في وقفه رحمة، ولا تنفع هوادة ولين… لكن الأمر يختلف لدى فقهاء الدين والعلماء الربانيين.

    السيد السيستاني لا يأبى أن يُهزَم في معركة، على أن لا يخسر الإسلامُ الحرب، ولا يمانع أن يريق ماء وجهه ويفدي نفسه، بشخصه والبرهة الزمنية العابرة التي يعيشها، دون أن تتلوث الحوزة وتتشوه المرجعية، فتظهر كأيِّ طاغوت جائر، يبطش بسلطانه ويقهر بقوة أعوانه! من هنا لم يكن المرجع الديني، الشديد على داعش، إلا رحيماً ورعاً حذراً هنا على إخوانه، فليس المؤمن كالتكفيري، وليس المسلَّح الإرهابي كالسلمي المدني، وإن اندسَّ في الجموع منافقون، وتدثر عملاء وتوغَّل مخادعون، فنحن لا نبدأ بقتال، ولا نقابل الإصلاح بنصرة الفساد. ليسجِّل التاريخ أن المرجعية الشيعية لم تبطش ولم تسفك الدماء، وأن الحوزة الشيعية ما خرجت يوماً أشراً ولا بطراً، بل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الصلاح والإرشاد نحو الفلاح.

    وبعد، ففي خطبة الجمعة الأخيرة عبارة ذهبية حقَّ أن تنحني لها القامات وتخضع الهامات، ولا يتهادى بعدها طاغوت أو طاووس بين أذيال تيهه، ويتخطَّى الرقاب مدعياً أولويته! ذلك لما قال: “إنَّ المرجعية الدينية ستبقى سنداً للشعب العراقي الكريم، وليس لها إلا النصح والإرشاد إلى ما ترى أنه في مصلحة الشعب، ويبقى للشعب أن يختار ما يرتئي أنه الأصلح لحاضره ومستقبله، بلا وصاية لأحد عليه”… السيد السيستاني لم ينزِّه هنا الشعب عن السَّفَه الذي يقتضي وصاية، ولا كرَّم الأمة عن التخلُّف الذي يوجب حجراً وولاية فحسب، بل أفسح للمعادلة التكوينية وخضع لإرادة عظمى تحكمها، فللدول والحكومات نهايات، كما للبشر والأفراد آجال، والإصرار على أمر، يحتاج إلى إحاطة بالغيب واستشراف لقادم الأحداث والمقدَّرات الإلهية، مما لا يكون ولا يتوفر إلا في شخص واحد دون غيره، هو الولي المعصوم، الناظر في مصحف أمه فاطمة صلوات الله عليها. من هنا أخلى ـ دام ظله ـ مسؤوليته إلا عن النصح والإرشاد، وأعاد القرار للناس وأرجع الخيار لهم، فلا داعي للمكابرة والعناد، ولا موجب للقهر والإرغام. لم يتجاهل السيستاني ولاية الولي الحقيقي عليه السلام، ولا تطاول وقفز عليها، ولم يسمح لنفسه أو للسياسيين أن يختلقوا العناوين الثانوية والمسوغات الشرعية التي تفسح لهم الضرب بالقبضة الحديدية، ولا استجاب للجموع العشائرية التي زحفت إلى النجف الأشرف تهتف بالثأر وردع المتطاولين. كفَّ الفقيه الإلهي وأمسك، وصبر وتجلَّد، والجماهير تتحرَّق لإشارة من إصبعه، كان يمكن أن تجري بها أنهار من دماء، وتتكدَّس تلال متراكمة من جثث القتلى والشهداء. هناك ولاة وحكَّام باسم الدين والإسلام، لا تتكلَّف ولا تتجشَّم أي عناء في نسبتهم إلى قوله تعالى “وإذا بطشتم بطشتم جبارين”، وهنا نحن أمام آية أخرى تهتف بالانطباق: “الذين إن مكنَّاهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر”.. مكنَّه الله وألقى في قلوب الناس محبَّته وطاعته، فانقادت له طوعاً، فروَّضها وطوَّعها لتكتم جراحها وتجحد غضبها، وتصبر.

    نحن نعرف جيداً من الذي يهتك النجف الأشرف ويريد إسقاط مرجعيتها، لمن يعمل وممن ينتقم، وأي حقد دفين يلتعج في صدره، وغلٍّ مكين يفري كبده، نعرف زعيمهم وأذرعه وأياديه وأصابعه، كيف تحركت هناك، ولماذا تكف عن التدخل وردع المعتدين هنا. لا نعتب عليهم ولا نشكوهم إلا إلى ولي أمرنا، الذي سيريهم ويوفيهم جزاء فعلهم نكالاً أشد مرارة من الانهيار الذي يعيشون فيه، والهاوية التي باتوا يترنحون على جرفها.

    ستزول هذه الغمة، وتنقضي هذه المحنة، وسيذهب الزبد جفاء، ويبقى ما ينفع الناس. وما زال حديث الإمام الصادق عليه السلام يتلألأ، وتشع أنواره فتعم ذوي البصائر: “ما ولَّت أمة أمرها رجلاً قط وفيهم من هو أعلم منه، إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالاً حتى يرجعوا إلى ما تركوا”.. وسيعود الذين شرقوا وغربوا، كما في حديث  أبي جعفر لسلمة بن كهيل والحكم بن عتيبة (من علماء الزيدية): “شرِّقا وغرِّبا فلا تجدان علماً صحيحاً إلا شيئاً خرج من عندنا أهل البيت “، وسيخضعون يوماً ويكتشفون أن “الزيدية المبطنة”، ما هي إلا صيغة أُخرى لـ “الوهابية المبطنة”. ونجي الذين سبقت لهم من الله الحسنى.

  • كنت أسلك الطريق السريع من بيروت إلى الجنوب… ماضياً في دربي، عاملاً بقوانين السير، متنكِّباً حزام الأمان، ملتزماً الأدب الذي يتأكَّد في الغريب، ولا سيما في أجواء التسيُّب والفوضى التي تعيشها البلاد هذه الأيام. ما أسأت لراكب ولا اعتديت على راجل، ماضٍ مع سيل متدفق من مئات أو آلاف السيارات، حين اعترضنا صبيَّان أو شابان، قطعا الطريق بدراجتيهما، راح أحدهما يشير إلينا ـ بسبابته، وأحياناً بإيماءة من رأسه ـ بالتنحي عن سمْتنا والانصراف عن دربنا، وسلوك طريق جانبية، فحُشِر السيل، وكأنه انصب في قُمع، تجاه طريق فرعية ضيقة، تنتهي إلى زقاق، وصرنا نطوي الأذرع ونقطع الأمتار بالساعات! الغريب أن قطع الطريق إلى الجنوب لا يخضع لفلسفة الإلتحاق القسري والدفع الإجباري تجاه العصيان المدني، عبر منع الناس من مزاولة العمل، وبالتالي شل مرافق الدولة وتعطيل الحياة العامة، فهذه الفلسفة، على وهيها وركيك أدلتها، لا تنطبق على العائدين من بيروت إلى بيوتهم في الجنوب! بل بدا واضحاً أن منطلق المضايقة مذهبي بحت، كما شرح مرافقي وبيَّن، مستدلاً بهوية المنطقة والبلدة التي قطع أهلُها الطريق على الناس. أفقد الموقفُ الثوارَ كلَّ تعاطف في قلبي، وقلب مشاعري إلى غيظ وغضب، وصيَّر الامتهان والإذلال الذي لاقيت أو أحسست، حنقاً ونقمة! كما أزال صورة الثورة أو الحِراك الذي يتطلَّع أو يرجى منه إنهاء الظلم ومكافحة الفساد، ومسخها إلى شغب وممارسة جائرة مجحفة، وسلوك متعسف أهوج يقوم به سفلة أوغاد، ما صنع ـ في واقع الحال ـ وضعاً وحالة تحضُّ على التمسُّك بالفاسدين، وتحمل على تمني دوام دولتهم وبقاء سلطتهم! فقد كانت تمنع تحكُّم صبيٍّ رذل بآلاف الرجال، يسوقهم مع مركباتهم وعوائلهم كقطيع أغنام، باسم الثورة وإسقاط النظام!

    ترى، مَن له أن يشعر بما أُعاني ويدرك مبلغ ضيمي ومدى ظُلامتي، وغيري ممن صفعتهم المهانة وقهرهم الإذلال؟!.. ما زلت أفكر في الأمر، وأصرف وقتي في الزحام وأشرد بهذا الهاجس، حتى توالت عليَّ صوَر “الجوشن الصغير” ولا سيما فقرات: وكم من عبد أمسى وأصبح مغلولاً مُكبَّلاً في الحديد بأيدي العُداة لا يرحمونه، فقيداً من أهله وولده، مُنقطعاً عن إخوانه وبلده، يتوقَّع كلَّ ساعة بأيِّ قتلة يُقتل، وبأيِّ مُثلة يُمَثَّلُ.. وكم من عبد أمسى وأصبح يُقاسي الحرب ومُباشرة القتال، قد غشيه الأعداءُ من كلِّ جانب بالسيوف والرِّماح وآلة الحرب، يتقعقع في الحديد، قد بلغ مجهوده، لا يعرف حيلة ولا يجدُ مهرباً، قد أُدنف بالجراحات، أو مُتشحِّطاً بدمه تحت السَّنابك والأرجُل، يتمنَّى شربة من ماء، أو نظرة إلى أهله وولده لا يقدر عليها.. وما يتلو كلَّ فقرة من قوله: وأنا في عافية من ذلك كلِّه، فلك الحمد يا ربِّ من مُقتدر لا يُغلب، وذي أناة لا يعجل، صلِّ على محمد وآل محمد واجعلني لنعمائك من الشَّاكرين، ولآلائك من الذاكرين…

    هان الخطب عليَّ وسكن جرحي من ألم غيري، وغلبني الخجل من ترف ما أشكو وبطر ما أعاني. أعرضتُ عما جرى في الطريق وتناسيته، وأرحت قلباً وشرحت صدراً، ومضيت لشأني…

    عند المساء التقيت أحد رجالات الجنوب وقمم جبل عامل. سيد مقاوم، لا بصاروخ وبندقية، ولا بسياسة ماكرة وأداء متحايل خادع، بل بجهاد مخلص يذود عن العقيدة، ودفاع صادق يرد عن المذهب، يحمل قلماً يردع الأدعياء الدجالين، ويمتشق يراعاً يهوي على المنحرفين الضالين، قلعة تحفظ المقدسات عن التشويه، وتصون الثوابت عن التحريف والتزييف، وحصن دون الخرافات والأساطير والأراجيف… وهناك تلقيت درسي وحظيت بموعظتي. في صومعة منفصلة عن كل الصخب الذي تضجُّ به الشوارع والساحات، سكون وطمأنينة لا تكترث برعب أهل القصور، وارتجاج خزائن البنوك، وهرج أروقة المؤسسات، ووجيب قلوب ذوي الحسابات، ولا تعرف القلق والاضطراب، لا تبالي بالحراك إلا بما يمسُّ الدين وينال من المؤمنين… حضر العلم وزهت الفضيلة، ودار الحديث وجال، بين الوسائل وجامع الأحاديث، وعن التهذيب والاستبصار، وطال الأسانيد والرجال، حتى انتهى، لمحض صدفة، إلى مفهوم الغضب والنقمة!

    ذكر حديثاً يحكي أن الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وآله رحمة، ويبعث القائم عليه السلام نقمة، أعادني إلى دعاء الجوشن، لكنه نقلني من آلام ومعاناة الأفراد، إلى ما يصيب محور الوجود ومفزع الموجود، ويعتري قلب عالم الإمكان، ويجيش فيملأ صدر إرادة الله ومجلاة أسمائه وصفاته، ومن قبل، كيف عسى الغضب أن يتحقَّق فيه سبحانه وتعالى، فتحلُّ نقمته على المجرمين العُصاة وتنزل بالعتاة الطغاة، وهو منزَّه عن الانفعال، لا يعتريه تغيير من حال إلى حال؟ وبعد أن يُحمل ذلك على المجاز الذي ينتهي في الحقيقة إلى عقابه، كما رضاه إلى ثوابه، فإن لله عزَّ وجلَّ وليّـاً من خلقه، يحكي آياته، ويجسِّد صفات أفعاله، فيكون مظهراً لها، بعد أن تعلق بروحه الإنسانية فتندك فيها، ويعيشها في ذاته البشرية فتطبعها وتصبغها.

    وهنا السؤال الأخطر والتساؤل الأكبر، تُرى ماذا أوقد غضب المتكبِّر القهَّار، وأسعر غيظ القوي المتين، وأذكى سخط العزيز الجبَّار، فحلَّت هذه الأسماء وتجلَّت هذه الصفات في وليه المنتظر صلوات الله عليه؟ فصار تِرةً ووتراً وثاراً وسيُبعث نقمة، يمثِّل “إنَّ الله عزيز ذو انتقام” و”إنَّا من المجرمين منتقمون”! لعمري، ما الذي أقضَّ مضجع هذا الولي المؤتمن على إدارة الكون وأسهر ليله؟ وهو شريك القرآن وحامل الفرقان، حارس الخلائق وحافظ الودائع؟ ما الذي آلمه وأشجاه، وأمضَّه وأعياه؟ فحمله أن يندب للعولة ويدعو لذرف الدموع والبكاء مع الباكين، والصرخة مع الصارخين، والضجَّة مع الضاجِّين؟ لعلَّ معالم المأساة ارتسمت بعض الشيء في نصِّ إحدى الزيارات وهي تعدِّد: “وهم بين صريع في المحراب قد فلق السيف هامته، وشهيد فوق الجنازة قد شُكَّت بالسهام أكفانه، وقتيل بالعراء قد رُفع فوق القناة رأسه، ومكبَّل في السجن قد رضَّت بالحديد أعضاؤه، ومسموم قد قطِّعت بجرع السمِّ أمعاؤه”… ولعلَّه ـ سلام الله عليه ـ كتم صوراً أخرى في نفسه، لم يبح بها، إلا كزفرات تدع المدائن بلاقع، والرياض يباباً وقاعاً صفصفاً.. ما زال يستحضر هتك خدر عمَّته تساق أسيرة من العراق إلى الشام، ويعيش قهر جدَّته من ردِّ قولها وتمزيق كتابها وإحراق بابها وكسر ضلعها وإسقاط جنينها، وما انفكت صرختها: “فلا دافع ولا مانع، خرجتُ كاظمة وعُدت راغمة، أضرعتَ خدَّك يوم أضعت حدَّك، افترست الذئاب وافترشت التراب، ما كففت قائلاً ولا أغنيت طائلاً، ولا خيار لي، ليتني متُّ قبل هنيئتي ودون ذلتي، عُذيري الله منه عادياً ومنك حامياً، ويلاي في كلِّ شارق، ويلاي في كلِّ غارب، مات العمد ووهن العضد، شكواي إلى أبي، وعدواي إلى ربي، اللهم إنك أشد منهم قوة وحولاً، وأشد بأساً وتنكيلاً”.. تدوِّي وتسري، تنتشر في الآفاق وتتجدَّد في الأزمان، لتقرع الأسماع الشاهدة، وتعيها الآذان الواعية، وتُلقَّاها النفوس الخاشعة، وكأنها ميثاق الإمامة وعهد الولاية، ومدار العصور الباقية وناموس الأزمان التالية، وكُنه الفرج وسر الإنتظار، ومعنى العدل الذي يختم الله به الدنيا ويرث الأرض ومَن عليها. وفي الحديث عن زكريا بن آدم قال: “إني لعند الرضا إذ جيء بأبي جعفر الجواد عليه السلام وسنُّه أقل من أربع سنين، فضرب بيده إلى الأرض ورفع رأسه إلى السماء فأطال الفكر، فقال له الرضا عليه السلام: بنفسي، لم طال فكرك؟ فقال: فيما صُنع بأُمي فاطمة. أما والله لأُخرجنَّهما ثم لأُحرقنَّهما ثم لأذرينهما ثم لأنسفنهما في اليم نسفاً، فاستدناه وقبَّل بين عينيه، ثم قال: بأبي أنت وأمي أنت لها. يعني الإمامة”…

    هذا ما يستعر ويتلظى، فيستطير الأتمَّ الأعقل، ويملأ الأبصر الأكمل، ثم يفور منه الأعظم فالأعظم، يجيش مرجل غيظه، وتلتهب الحميَّة في نفسه، ثم يكبت تنمُّره وتسخُّطه، ويجحد تحرُّقه وتلعُّجه، حتى تقرأ الكائنات من حوله لهيب غضبه في محيَّاه، فيكدر الفضاء ويكفهر، وترتجُّ الأرض من خطوه وتتزلزل، ويتوثَّب الحنق في أنحائها، وتتطاير شظاياه في أرجائها، فتستقلُّ الأشياء رعدة يُقام لها ويُقعد، لا يستقر بها مكان ولا يقر عليها مقام، تكتم نهيماً وزمجرة، تتضوَّر جوعاً لما يؤجِّج سوْرتها، وتلتاع عطشاً لما يذكي غلَّتها… لا تدري هل تمدُّ المولى وترفده وتسعفه بمزيد، أم تواسيه وتعزيه فتخفف من فورته إلى حين اليوم الموعود، فيمضي ليكون صرحاً من غضب خالص، يتحقَّق فيه ثار الله ونقمته، فإذا قام تفجَّرت النقمة وغلب الثأر. يخرج في اثني عشر ألفاً إن قلُّوا، وخمسة عشر ألفاً إن كثروا، يسير الرعب بين يديه، لا يلقاه عدوٌّ إلا هزمه، شعارهم: أمت أمت. وما يزال يقتل بقتل الحسين، حتى لو قتل أهل الأرض كلهم ما كان سرفاً، وهو قوله تعالى “ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل”.

    ولا يعنينا بعد هذا أن يكره العالم المتمدن (الذي يرعى الفوضى الخلَّاقة) العنف، ويبغض الغرب الشدَّة، ويستهجن الآخر ما يحسبه فتكاً، ويدين ما يراه قوة مفرطة، ثم يستبشع مفهوم الانتقام ويستقبح فكرة الثأر، ويدرجها في الجاهلية والرجعية… هذا هو ديننا، لن نتنكَّر لقرآننا وآيات العذاب والعقاب والنكال والغضب والنقمة، ولا للأحاديث الشريفة والسيرة النبوية التي تحكي هذه الحقائق فكراً وسلوكاً وممارسة، ولن نتحايل على الأدلة العقلية ونتعسَّف لنركِّب ونلفِّق ما يوفِّق بيننا وبين الأديان الأخرى، فننبذ ونقبِّح ما حسَّنه الشارع المقدَّس في موضعه، ونقلب الصيحة والصعقة والموت الأحمر والأبيض والخسف والزلزال والفتنة والبلاء، والعرَق والعلق، إلى عبير الرحمة، وأية فذلكة أخرى عوراء تنفي عنا “التطرف” و”الإرهاب”! حتى ترضى عنَّا اليهود والنصارى، وتقبل الدول المستكبرة أوراق اعتمادنا. نحن مسلمون، نؤمن بجنة ونار، لهم منها مهاد ومن فوقهم غواش، وإنَّ لدى الله أنكالاً وجحيماً وطعاماً ذا غصة وعذاباً أليماً، وسلاسل وأغلالاً وسعيراً، وماءً صديداً، وآخر يأتيهم إن استغاثوا، كالمهل يشوي الوجوه، وناراً تصلي الكافرين كلما نضجت جلودهم بدِّلت جلوداً غيرها! ومن قبل نؤمن بقصاص وحدود تُبتر فيها الأعضاء، وتجلد الظهور، وتقطع الأيدي والأرجل من خلاف، نعم، نحن نعلِّق ذلك على حكم  الإمام وإذنه، على خلاف غيرنا الذي يوظِّفها لأغراضه السياسية، فإذا رآها تعيقه و”تشوِّه” صورته، بدَّلها وغيَّرها، ونبذها وراء ظهره.

    يقول دعبل: “لما انتهيت إلى: خروج إمام لا محالة خارج، يقوم على اسم الله والبركات. يميز فينا كل حق وباطل، ويجزي على النعماء والنقمات. بكى الرضا عليه السلام بكاءً شديداً، ثم رفع رأسه إليَّ فقال لي: يا خزاعي، نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين، فهل تدري مَن هذا الإمام ومتى يقوم؟ فقلت لا يا مولاي، إلَّا أني سمعت بخروج إمام منكم يطهر الأرض من الفساد ويملأها عدلاً، فقال: يا دعبل، الإمام بعدي محمد ابني، وبعد محمد ابنه علي، وبعد علي ابنه الحسن، وبعد الحسن ابنه الحجة القائم المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره، ولو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يخرج فيملأها عدلاً كما ملئت جوراً”… هذا الرضا، الذي أدخلوه في ولاية العهد والحكم والسلطان، وضربت باسمه الدنانير، يجهش لذكر المهدي، ويرقب دولته بحرقة ويتطلَّع إليها بلهفة وحسرة.. ونحن خدعتنا الدنيا بغرورها، وغلبتنا قوتنا حتى صارت شيطاناً جعلنا ننسى إمامنا ونتجاهله، فغيَّبناه حتى كأننا استغنينا عنه!