• بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لوفاة الشيخ هاشمي رفسنجاني، يبدو أن عائلته أو رفاقه، سربوا إلى الإعلام، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فيلماً لجانب من الجلسة التاريخية لمجلس الخبراء، يحكي الدقائق الأخيرة التي سبقت التصويت على انتخاب السيد الخامنئي ولياً وقائداً للجمهورية الإسلامية، وقيل أن المسرِّب هو أحمدي نجاد (الذي كان يقال للناس أنه شعيب بن صالح، فمن استخفَّ بذلك أو رفضه، رمي بالعداء للثورة وخيانة دماء الشهداء!)، ولعله تسرب من غير هؤلاء… وهذه ترجمة لما جاء فيه، مع ملاحظة أن ما ذكرته بين قوسين هو ترجمة أخرى قد تكون أبلغ في إيصال المعنى، أو توضيح ينتظم به السياق، يقول السيد الخامنئي:

    “أولاً في الواقع، علينا أن نبكي دماً على الأمة الإسلامية، أن يصبح ترشيح شخص مثلي أنا (للقيادة) أمراً محتملاً، وليس هذا (الجانب من الكارثة هو) ما أريد أن أتحدث عنه، (ذلك أن) الأمر يعاني مشكلة فنية (قانونية، صناعية)، هناك معضلة أساسية (بنيوية)، سبق أن بينتها للشيخ الهاشمي الرفسنجاني قبل أسبوع أو إثنين، حين طرح (معي) هذا الأمر، وأجبته حينها بشكل جدي وقاطع أنني لن أقبل بهذا، ناهيك بأنني حقيقة غير لائق لهذا المنصب، وهذا مما أعلمه في نفسي، ولعل السادة (الحضور) كذلك يعرفونه عني…

    أصلاً الأمر سيعاني من الناحية الفنية من إشكال، سيجعل القيادة شكلية وليست واقعية. حسناً، إن قولي (حُكمي)، سواء من الناحية الدستورية، أو من الناحية الشرعية بالنسبة إلى كثير من السادة الحضور، لا يشكل حجة (يكون نافذاً)! أي قائد سيكون هذا؟! الدستور يوجب أن يكون (القائد) مرجعاً، إما أن يكون مرجعاً بالقوة (فقيهاً من شأنه أن يصبح مرجعاً)، أو يكون مرجعاً بالفعل، وهذا منتفٍ ومفقود  (لا شيء منه متحقق). ومن الناحية الشرعية، إنما يكتسب (حُكم) القائد الحجية (الشرعية)، في حالة إذا كان من يريد العمل به يراه فقيهاً صاحب رأي (مجتهداً قادراً على الاستنباط) في أُمور الدين. والحال أننا الآن، وفي هذه الجلسة، تحدَّث عدة أشخاص وصرحوا بأنني لستُ مجتهداً! كيف للشيخ الآذري (القمي)، الذي تحدث (معترضاً) أول ما طرح اسمي في هذا الاجتماع، أتراه سيمتثل أمري إذا حكمت؟ من المسلَّم أنهم لن يقبلوا.

    [وهنا يعرض لغط بين الأعضاء، يظهر منه قول أحدهم: نحن لا نريد أن نرجع إليك في التقليد]، فيجيبه السيد: البحث ليس في التقليد، بل في نفاذ الحكم، [ثم يعرض صوت آخر يحاججه أو يحاوره]، فيجيبه السيد: الأمر إذاً ليس ولاية الفقيه، بل ولاية عدول المؤمنين.

    انظروا أيها السادة، [يعرض لغط من جديد، ثم صوت أحدهم كأنه الشيخ إمامي كاشاني يقول]: إنه أمر مؤقت، أي بأس في ذلك؟! [ثم يتحدث عن مخرَج فنيٍّ لمعالجة مشكلة فقاهة السيد الخامنئي]، يقول: الذين لا يعتقدون باجتهادكم (يخاطب الخامنئي)، يعتقدون بأن الخبراء هنا هم مجتهدون، وهؤلاء المجتهدون يمنحونك الاستنابة (التوكيل والتفويض) لتولي المنصب.

    [يعود الخامنئي للحديث]: على أي حال أنا معارض (لانتخابي)، كنت أريد التحدث حول القيادة الجماعية والشخصية، ما كنت أحسب أن كفة (خيار القيادة) الفردية سترجح.

    رفسنجاني: وأنا كنت أيضاً أريد التحدث، وكنت أرجح الشورى (قيادة جماعية، شورى فقهاء)، ولكن الأكثرية مالوا إلى الفردية، فلا محل للكلام في هذا. جناب الشيخ المشكيني، دعني أتحدث بكلمتين، ما دام السيد الخامنئي قال ما عنده. أولاً، أنا في فترة شبابي (شبابنا) كنت مع السيد الخامنئي في المدرسة و(في) البحوث (العلمية)، والآن (في الوقت الحاضر، ما زالت) تطرح المسائل، وبينها قضايا رئيسة كبيرة، أنا واقعاً أرى السيد الخامنئي مجتهداً جاداً في المسائل الفقهية، لا بمعنى أنه أتم استنباط المسائل (مجتهد مطلق)، ولكن لو عرضت الآن للبلاد مسألة اجتماعية، وأراد أن يستنبط لها حكماً، وفقاً للنهج التقليدي (للاستنباط)، لن يشق عليه ذلك ولن يعسر، ولكن بشيء من بذل الجهد، بشيء من الاستعانة بالذين يملكون المصادر، لأنه لا يملك الوقت الكافي، يعينونه في استقصاء المصادر، فهو قادر على بلوغ الرأي الفقهي. ثم يطلب الشيخ هاشمي التصويت ويقول: السادة الموافقون على تولي السيد الخامنئي القيادة، وهذا الانتخاب سيكون مؤقتاً، إلى حين إجراء الاستفتاء الشعبي، (هذا الانتخاب والتعيين) ليس دائماً، (بل) إلى ذلك الحين (أي إجراء الاستفتاء)، ليتفضلوا بالوقوف“.. قال ذلك وفعله، وهو يُعرض عن صوت ارتفع في القاعة ينادي: “ألم يقل السيد الخامنئي نفسه بأنه غير مؤهل (كيف تقترعون عليه)”؟ [انتهى التسجيل].

    إن هذا التسجيل المسرَّب والوثيقة الخطيرة تعني أموراً كثيرة، منها:

    1/ إن الشيخ هاشمي رفسنجاني والسيد الخامنئي كانا عالمين بطبيعة مرض السيد الخميني وحقيقة حالته الصحية، وأنه عما قريب مفارق الحياة وراحل عن هذه الدنيا، ومن هنا كانا يتداولان في أمر خلافته قبل أسبوعين من وفاته. وهو أمر، وإن بدا ـ في نفسه ـ عادياً وطبيعياً، فهما يشكلان رأس النظام، وقمة المسؤولية في حينها… إلا أن حصر دائرة العارفين بالخبر، والمحيطين بهذه الحقيقة، بل حكرها في أضيق نطاق (لا يتجاوز الموالين للخيار، الموافقين على إسقاط أي خيار آخر)، هو أمر مريب. ولا سيما أنه استثنى شريحة عريضة من قادة النظام وشخصيات الطراز الأول فيه، ناهيك بالشعب الذي كان يلهج في المساجد ويتضرع بالدعاء لشفاء قائده، ويتباشر بأخبار تحسُّن حالته الصحية، أما جماهير الثورة والموالين البسطاء فقد كانوا جازمين أن الإمام الخميني سيتخطى الأزمة الصحية ويتجاوز الخطر، فمَن غيره الذي سيسلم الراية للمهدي المنتظر عليه السلام؟!

    2/ بلا تعسُّف ولا تكلُّف، ودون الحاجة إلى خبير ضليع وسياسي محنك يجيد قراءة الأحداث وربطها، فإن السياق يكشف بجلاء وينطق بوضوح أن هناك نوايا مبيَّتة وقرارات معدَّة مسبقاً، وأن ثمة خطة متقنة رُسمت، وحبكة مُحكمة حيكت، بل هناك سيناريو وُضع، وزِّعت فيه المواقع وأُسندت الأدوار، وفصِّلت الأحجام والمهام، ما أخرج المسرحية إلى الواقع، وترجمها قرارات تنفيذية، طُبقت وأُعملت  لتحكم مصير إيران وشعوب المنطقة (عبر المنظمات الموالية لها) لعقود لاحقة، ها نحن نقاسي الثالث منها.

    3/ لم يتضمَّن الإعلان الرسمي عن انتخاب القائد الجديد، أية إشارة إلى أنه انتخاب مؤقت، ولا ذكر أن الأمر معلَّق على إجراء استفتاء شعبي عام. فظن الناس أنه قرار نهائي باتٌّ لا رجعة فيه، وأن الأمر حُسم وانتهى واستقر على ولاية السيد الخامنئي.

    4/ منذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا، لم ينفذ مؤدى الاستفتاء الشعبي المشار إليه! ما يعني أن الشرط لم يُلتزم به، وبالتالي فإن مشروعية ذلك الإنتخاب لم تتحقق، وإن قيل أن الإشكال اندفع بجلسات مجلس الخبراء التالية التي أمضت ولاية السيد الخامنئي ولم تعترض على قيادته، فهذا تحايل والتفاف، لا يلغي بطلان جميع الجلسات اللاحقة، وما نتج عنها وترتَّب عليها، لأنها بُنيت على باطل، هو التخلف عن شرط أو قيد تعيين القائد الأصيل، أي التمتع بالفقاهة والاجتهاد المطلق، فهي باطل.

    5/ قد يتبادر إلى ذهن بعضهم لغلبة العاطفة وحسن الظن عليهم، أن عبارات السيد الخامنئي بحق نفسه، هي ضرب من التواضع وإنكار الذات الذي دأب عليه علماء الشيعة، وترسخ فيهم كخُلق… لكن القسم التالي من الشريط المصوَّر، وما عمد إليه السيد من تفصيل دقيق، يكشف أنه كان صادقاً لا مجاملاً أو متواضعاً، وصريحاً لا موارياً أو مُكنِّياً، فقد شرح بالتفصيل سبب عدم لياقته وأهليته، وبيَّن ماذا يعني بعدم استحقاقه وكفايته، وصرح أنه يفتقد أول عناصر القيادة والمرجعية، أي الفقاهة والاجتهاد، وأنه لا يتمتع بها لا بالفعل، ولا حتى بالقوة. (وبتعبيره هو: المرجعية الشأنية والفعلية).

    6/ شهادة رفسنجاني للخامنئي جاءت في أدنى مراتب الاجتهاد وأقل سطوحه، وقد علَّقه وجعله متوقفاً على تلقي المساعدة والأخذ بيده. وهي مرتبة أدنى حتى من بلوغ الاجتهاد المتجزئ، ولا تتجاوز دعوى التمتع بالملكة فحسب، وأنَّ إخراجها إلى الفعلية يفتقر مزيداً من العمل والاستعانة بآخرين… وهو مستوى وسطح مبذول، يتمتع به آلاف الطلبة في الحوزات العلمية.

    7/ التسجيل يفضح أكذوبة الشهادات التي صدرت أو انتُزعت بعد ذلك، ويعلن بطلان مهرجان المنشورات ومهزلة تأليف الكتب التي جمعت تلك الشهادات، وسطرت سيرة من صنع الوهم ونسج الخيال، رفعت السيد الخامنئي إلى مصاف الفقهاء العظماء، ونشرتها بين الناس، وتداولتها وتلقتها كمسلَّمات، كنت قد سمعت مشافهة من أصحاب بعضها ما ينقضها ويسقطها، وهم بين متوهم أنه سبيل الحفاظ على الجمهورية الإسلامية، أو مُكره أُجبر تحت التهديد والوعيد على شهادة الزور… وها قد حصحص الحق وظهر، وبان أن الرجل نفسه معترف بقصوره، مذعن بأن ترشيحه للأمر كارثة تستوجب أن يُبكى لها بدل الدموع دماً.

    8/ كنت قد كتبت مقالة نشرتها صحيفة القبس الكويتية في 8/9/2000 بعنوان “مشروعية ولاية الخامنئي بين العقل والنقل” (تجدها في كتاب ريح يوسف ص 49)، تناوشتني بعدها سهام رمتني بالكذب والافتراء، وطالبتني بالأدلة والإثباتات، وكيف للغالبية الساحقة، والسواد الأعظم أن يكون على باطل، وأنت وشرذمة قليلة على الحق!؟ وكان النظام قد حظر نشر مضبطة تلك الجلسة، وأنا متيقن من أحداثها بنقل متواتر، فاق سبعة أعضاء من الحضور في الجلسة… ولكني لم أملك الدليل المفحم، وإلا فالدليل المقنع كان مبذولاً، وقد عرضته لهم باستدلال منطقي متين، إلا أنهم أعرضوا مستكبرين. فسكتُّ من بعدها والتزمت الصمت، ولزمت داري وأعرضت، فقد نهضت بدوري وأتممت الحجة على مساكين مخدوعين، وأشقياء مستأكلين، ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

    أمام لحظة ظهور بصيص من نور الحقيقة، وحزمة ضوء صغيرة تقشع عن بقعة محدودة ظلمات الإعلام وقهر السلطان، لا يسعني إلا التفجُّع على المولى الأعظم، أول مظلوم غصب حقه، وأنا أستحضر السابقة التآمرية الأولى على الحكم في الإسلام… والبشرية تسمع على مدى التاريخ محتجين سخفاء، ومستأكلين أشقياء، وسواد من فراش النار، يرددون: هل يمكن أن يُعرِض أغلب الناس عن الحق؟ هل يمكن أن لا يكتشف الحقيقة إلا ستة؟! هل يعقل أن البطانة الأولى المقربة بالصحبة والمصاهرة تكون متآمرة، ومنقلبة على الحق ومزيفة للحقيقة؟!

    وبعد، فهناك مَن سيصرُّ أنها عنزة وإن طارت، وهناك مَن حكت عن حالهم الآية: “جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا”.

    (فيديو) انتخابالخامنئي

  • مدرسة “المتنورين” أو دار “الإصلاحيين” أو بيت “الحداثيين”، ولا نور ثمة ولا إصلاح ولا جديد، بل عتمة وظلام، وتخريب وإفساد، ثم قهقرى وارتداد. وكر دعارة قذر، وعمارة انحلال ومجون. نُزلُ السوَقة الأوباش، ومبغى السفلة الأوزاغ، ومأوى المتسكعين في الملاهي والسهارى في علب الليل، حين يطردهم مرتادوها لفرط صخبهم ومدى لغَطهم، وملجأ السكارى الذين تُطوِّح بهم خمور أمانيهم الرخيصة، فتلفظهم على أرصفة الطرقات الرطبة من عفن بول أقرانهم وقيئ نظرائهم، الموبوءة بنجاسة أرواح السائحين في تلك الأنحاء، ولوث نفسياتهم الدنيئة… يجمعهم ماخور، يقصدونه مستجيرين، ويؤمونه معتصمين، ويدخلونه مترنحين!

    هناك يلتقون بحَّارة المخابرات الأجنبية الممتلئين شبقاً، ورُسل الناصبية المسجورين غُلمة، وعمال الماسونية المترعين شذوذاً، يتفحصونهم ويقلِّبونهم ليختبروا البضاعة، ثم يطأونهم ويفترشونهم ويوقبونهم، فيتخيرون من بينهم من أرادوا وينتخبون، فيبتاعونه ويسترقُّونه، يطوقونه بقلادة، أو يخرمون شحمة أُذنه بقرط، أو ذراعه بسوار، أو عضده بدُملج، أو يوسَم بالكيِّ على جبهته أو إليته’ فيخضع ويرتهن بنير المذلَّة والصَّغار، ويُستعبد ما شاءوا، فلا عتق ولا تحرير.

    ماخور الحداثة هذا هو مجمع  كل مقلوم ظفر وكليل حدٍّ من أدعياء “الدين”، وكل مخضود شوكة ومسلوب كرامة وفاقد عزَّة من الإسلاميين الحركيين، يزعم الجهاد والإصلاح وقد أضرع جنبه للحسية، وعفَّر خده للعلمانية، واستسلم للمادية، فارتُهن حتى ذلت ناصيته لأرباب السلطة والمال، وأعطى القياد لأعداء الإسلام وأطاع أولياء الشيطان. إنه ملتقى الحشو والحثالات، عِرَّةُ الأقوام وخالفة البيوتات، طغام وأسقاط، أجلاف وأوغاد، رعاع وأنذال… تصاحبهم صنوج ودفوف وطنابير، وترافقهم غانيات ومغنيات وراقصات، يقضون في هزج وشدو وضرب، ويمضون في لهو وهزل، بين كركرة وقهقهة، وقرقرة وطخطخة.

    وليس هذا من كيل السباب وإرسال الشتائم، فالأمر أخطر من أن يواجه بذلك، والقضية أشرف من أن تبتذل بالانحدار إلى هذي الحدود، والخطب الجَلل لا تسير به الدواب ولا يُحمل على الجُلل، لكن يرفع على الرؤوس وفوق الأكتاف، بل دونه الأنفس والأرواح، وفي سبيله ضرب الرقاب وقطع الأعناق، وخوض اللجج وسفك المهج!.. إنما هو توصيفٌ لحال خفِيَ فاستبهم في صورة جميلة، وكشفٌ عن حقيقة توارت في حجاب شكل جذَّاب ومظهر برَّاق، وفضحٌ لخديعة كبرى تطال الدين، ودسيسة عظمى تنال المذهب، وكشف لإحدى أخطر صوَر تلبيس إبليس.

    نعم، العهر هو جوهر الحركة التي يخوضها القوم، والدعارة هي كنه وحقيقة ما يقومون به، وهم أسقاط وحشَوَات، سواء ظهروا بقلانس وقبعات، أو اعتمروا عمائم وارتدوا جُبَّات، وانحدروا من حركات إسلامية أو التحقوا بحوزات. وهم أذلة مهما تمتعوا بالجاه والمال، خاسئون وإن بسطت أيديهم بالسلطان وزهوا بحمل الصولجان، مهزومون في دواخلهم، مرتهنون في روحياتهم، يريدون اللحاق بالأغلبية، ويخشون أن يكونوا في الأقلية، يخجلون من شعائرهم ويتبرؤون من عقائدهم وتنكّرون لتراثهم! أسرهم الجهل، وغلبهم الوهم، ولعبت بهم خمرة العُقَد والآفات النفسية التي تدمر الأعاظم، فكيف بهؤلاء الأقزام؟!..

    السؤال الملحُّ الذي يشغل الساحة الإيمانية منذ حين، ولا سيما الأوساط العلمية، مع تمادي الحيدري وبلوغه المجاهرة بالتخلي عن أسس الإيمان، والجحد بالأُصول والأركان: ماذا يجري في هذه الدار الصاخبة؟ ما هذه اللوثة التي ضربت عقول سكان الماخور؟ كيف فضحوا أنفسهم فسقطوا في هذا الحضيض؟ ألا يشعرون أنهم ينكثون غزلاً وينقضون نسجاً ويفلُّون حبلاً طالما سهروا في فتله وحياكته وجمع صوفه ووبره؟! كيف يهدُّون بيتاً أنفقوا المليارات لرفع قواعده، وأهدروا عقوداً متمادية وصرفوا طاقات خرافية في تشييده وبنائه؟! وها هو ينهار بهم في جرف الحيدري الهار، ويتقوَّض في زلزال، يحسب الأنوَك أن حراكه يصنعه، حين يهزُّ مهفهف خصره، ويتمايل بممشوق قدِّه، ويكشف عن سوأته ويعرِّي عورته! وما هو إلا طوفان يطمو على مسرح وَصْلته، ليغرق هو وجوْقته، ثم لا يلبث أن يجرفه سيل فعاله لينصبَّ في مزاريب التصريف الصحي، فيلحق بالمجاري ويغرق في حفرة الكنيف وبيت الخلاء.

    فشل مشروع التهجين والالتقاطية المتدثر بالتنوير والحداثة فشلاً ذريعاً، وخاب سعيه لإبطال الأصالة ونسف التراث الشيعي، سواء استنباطاً للمفاهيم واستقاءً للمعارف، أو عملاً بالأحكام وانتظاماً في سلك الإيمان والإلتزام، سقطت دعوة التجديد والضلال وأفلست، على الرغم من الحملة الإعلامية المكثفة، والتغطية السياسية المحكمة، والدعم اللامتناهي، ولا سيما لشخص الحيدري، الذي زُوِّد بما شاء وأراد من ميزانية، وأُسست له قناة فضائية، وتولت حمايته فرقة من حماية الشخصيات الرسمية، وأُعين بضغط المخابرات، لمنع المراجع العظام وثنيهم عن التصريح برأيهم فيه، وإعلان موقفهم منه، وبُث الرعب في أوساط الحوزة من أي موقف يتخذ ضده على غرار ما جرى مع الهالك فضل الله.

    لكن مع كل هذا الدعم وتلك النصرة… فشل المشروع وسقط!

    ذلك لِما أدرك الشيعة من النجابة وطهارة المولد، وأسعفهم من بركات العتبات المقدسة ومجالس عزاء سيد الشهداء، وما شملهم من عناية صاحب العصر والزمان عليه صلوات الله… غلبت عناصرُ الخير هذه، وتفوَّقت العواملُ الإلهية، على كيد الشيطان وأوليائه، وهزمت شروره، وحصَّنت المؤمنين من مكر الأبالسة، وآمنتهم من دغل السحرة وختْل المشعوذين، وهي تزوِّدهم بالبصيرة والفطنة والكياسة، وتبثُّ فيهم المناعة، وتمنحهم الوقاية، حتى صرفتهم عن دعارة الماخور وقذارة فضائه، وأثنتهم عن أمِّه والدخول فيه، ونحَّتهم عن قصده وارتياده… ما خلَّفه خال من الرواد، قد كسدت تجارته وبارت سلَعه وبضاعته، فغدى أصحابه التعساء وأربابه الأشقياء يتداولون بضاعتهم وحدهم، قد ردَّت إليهم، وصارت تدور في نطاقهم، ليصبح جهدهم تحصيل حاصل، وجهادهم حصد الريح بمنجل الأماني والأوهام، لا أضاف في الغلة قبضة، ولا زاد في البيدر قشة!

    غلب الإكسير السحري المكنون في عجين الولاء، فانتشر العفاف وراج الطهر وانتصر الحياء، الحياء من الخالق المنان، ومن أولياء النعم الذين تجري على أياديهم الخيرات، فيتلقاها المؤمن مترادفة متتالية، فهل له غير أن يؤدي بعض حقها من الشكر؟ ثم يتجنَّب هؤلاء الغواة الضلَّال؟ فلا يعض الكف المنعِمة كما يفعلون، ولا يركل اليد الباذلة، التي تجزل له العطاء وتدفع عنه السوء وتصرف البلاء؟!

    هكذا خسرت صفقة الماخور وقلَّ رواده… لذا أخذ أربابه في العروض التشجيعية والحسومات المغرية السخية، وتمادوا في ألوان الدعاية وطرق الترويج والتسويق، وراحوا يتنافسون في التهتك ويتبارون في الإباحية، كلٌّ يسقط قطعة من لباسه (ويكشف ورقة من لَـبْسه) ليتقدم المشهد، ويتخلى عن المزيد ليشق الصفوف ويختطف الأضواء، ولا تحسبنَّ جبهة الضلال جميعاً، وإن التقى أهلها على هدف واحد واجتمعوا على عدو مشترك، فإن قلوبهم شتى، كلٌّ يريد الصدارة لنفسه، ويستميت على الشهرة والصيت، ويتهالك على المكاسب والمغانم، يتنافسون ويتقاتلون عليها… وما زالوا في هذا، حتى غلبهم الحيدري وتفوَّق عليهم، حين أسقط ورقة التوت، وخرج عارياً كيوم استخلصه الشيطان لنفسه، تمثلت حقيقته جلية، وانكشفت حتى للسذَّج المستغفلين: ها هو ماثل لا يرتاب فيه أحد، قزم عضروط، أجلح أملط، أنزع أجرد، قبيح الصورة، دميم الخلقة، تقذى به النواظر، وتلفظه الآماق، أبشع من الغول وأقبح من الجاحظ! ومع كل هذه السماجة والجهومة والفظاعة، ما زال الطنف يحسب أن في غثِّه المقزز إغراء، وفي عرضه المبتذل إغواء، غافلاً عن حاله وأدائه، كم هو دميم مقيت، يثير النفور ويبعث الاشمئزاز!

    وكان الخبيث قد هتك أول ما هتك، لما بدأ بالعهر وشرع في عروض التعرِّي ووصلات المجون، المرجعية الشيعية، وتعرض لها مفهوماً وحكماً، ثم مصداقاً… فنفاها بالمعنى السائد المتداول، وعدَّها مرجعية تجزيئية لا شمولية، ما لم تخض في الفلسفة وتجعلها مدار التقليد والإفتاء! ما يُبطل جميع المرجعيات السابقة الممتدة منذ أكثر من ألف عام والحالية التي تنهض بالمهام، وقد خصَّ بالذكر مرجعيات النجف الأشرف، ولا سيما السيد السيستاني والسيد الحكيم. ومضى في السخرية والاستهزاء، بل تحقير المراجع العظام والاستخفاف بمقامهم ودورهم، ووسمهم بالتخلف والرجعية، والقصور عن مواكبة العصر، والتقصير في التصدي لحوادث الزمان… وما زالت الصفعات التي تردُّ وتدفع مقولته تترى على رأس الحيدري، واللطمات التي تدحض فكرته تتلاحق على وجهه، حتى جاءت فتوى السيد السيستاني بالجهاد، الذي أسقط مشروع الدولة التكفيرية وأنهاها، وحفظ الشعب والبلاد، فأسقط في يد الحيدري، ولم ينبس من بعدها في هذا الأمر ببنت شفة، وخرس عن السيد السيستاني وبكُم!

    ومع المرجعية، كان ينال من مناهج الدراسة والبحث في الحوزات ّالعلمية، ويقصف آلية استنباط الأحكام والمفاهيم، ويغير على مصادر المعارف الدينية، فلما رأى ضآلته أمام الجبال الشامخة، وحقارته إزاء البحار الزاخرة، عاش العجز ونزلت به الخيبة… لكنه لم يكن ليرتدع وينكفئ عن غيه، دون أن تأخذه العزة بالإثم، ويعمد إلى إشعال فتنة أُخرى، ففتح باب النيل من الثوابت والطعن في التراث، حتى قذف أغلب أحاديث الكافي الشريف ورماها بالوضع والإسرائيليات! وما زال يهوي في هذا السقوط والتعري، حتى بلغ حضيض أنكار مسلَّمات فضائل أميرالمؤمنين، فنفى زهده عليه السلام، الذي يقرُّ به حتى النواصب، ويعترف به معاوية بن أبي سفيان، فانحدر الحيدري دونه! ثم جاء أخيراً من قعر مستنقعه الآسن وقاع بركته الراكدة المتعفنة بعاشرة الأثافي، التي تخرجه من مذهب الحق، بلا شك ولا ريبة، فجحد وجود الحجة وحضور إمام العصر والزمان المهدي المنتظر عليه السلام.

    لم تستغفل هذه المدرسة المنحرفة ولم يستخف هذا النهج اللقيط إلا سذجاً بسطاء ظنوا أن صراخ الحيدري حُرقة على الدين، وحسبوا نحيبه توجعاً للمذهب، وأن همه هو الإسلام، وقضيته إصلاحه! وصدَّق بعضهم أيْمانه المغلَّظة بالله وتالله، وما بينه وبين الله، وأنه لا يضمر غرضاً ولا يعاني مرضاً، لا مصلحة تحدوه ولا منفعة، لا أموالاً يكدِّس ولا شهرة يرجو، لا رئاسة يطلب ولا عُقَداً يفرغ! لكن سرعان ما انكشف التهريج، وانفضح التمثيل والتزييف، وظهر أن تحت الأكمة تسكن الأحقاد، ووراءها تتوارى الشرور وتكمن الآفات، ترفٌ ورفاهية، وبطَر وسرف، وقصور باذخة وسيارات فارهة، وجمعيات تستخدم مستأكلين ومؤسسات توظِّف عاطلين، وحصانات وحمايات توفرها أنظمة الأبالسة وجنود الشياطين… وصفقة دنيوية لا تأبى أن تدفع الثمن أصول وفروع الدين.

    خرج الحيدري عارياً في عملية انتحارية تصرخ: “عليَّ وعلى أعدائي”! أسقط ورقة أخيرة تستر عورته، وكله عورة، وكشف عن غلٍّ أسود يضطرم في صدره الحرج، ومرض عضال يستوطن روحه الملوثة، إحَن دفينة، وأحقادٌ سوداء أعمته وصرعته، فلم يعد يملك إلا الرقص العاري، وهذا الابتذال الذي ترى! وهذا الطيش والتهور غالباً ما يكون عن عمىً جاء من حسد، وكبت جاء من بُكْم وإفحام ممتد، وصمَم ووقْر ملأ الأذن من إطراء كاذب ومديح أجوف استدرج صاحبه وما زال يدفعه حتى أسقطه.

    @   @   @

    في الختام، نصيحة مخلصة لأصحاب القرار في نظام الجمهورية الإسلامية. رأيتها واجباً متعيناً، لم يكفني مؤونته غالبية محيطة بالنظام من المنتفعين المستأكلين، ونخبة تخشى القمع والاضطهاد، وأخرى غلبها اليأس، فلم تعد ترى أُفقاً ولا ترجو أملاً:

    إن البطالة والتدهور الإقتصادي، والفساد المالي والإداري، والأخطاء السياسية القاتلة، والاستئثار بالسلطة والاستبداد بالرأي والدكتاتورية، ولا أستبعد دور المخابرات الأجنبية… كلها عوامل لثورة الشعب وانقلابه على النظام، وعناصر تهدد بتقويضه وإسقاطه، إما في هذا الحراك الناهض اليوم، أو عبر غيره من القادم، الذي سيتوقد من تحت الرماد. ولكن ذلك كله لا يعنيني، بمعنى أنني لا أملك الأرقام والأدلة الباتة التي تحسم الصواب فيها من الخطأ، أو الحق من الباطل.

    ولكن المؤكد الذي لا ريب فيه ولا شك، أن قيادة النظام الإسلامي في إيران أقدمت أو رعت ودعمت خطوات ومشاريع وبرامج تقصم ظهر المذهب الجعفري وتتهدده بالمحو والاستئصال، وذلك تحت عناوين الإصلاح والتجديد والتطوير (جوهرها اللامذهبية)، وقد فعلت ذلك بقوة وإصرار ومكابرة وعناد، ما  فصل قاعدة عريضة تشكل الغالبية العظمى من المؤمنين الموالين، عن هذه الدولة، زوَتهم إلى السلبية، أو حتى إلى  ترقب هزيمته وزواله، إما تشفياً وانتقاماً وشماتة، أو كبابٍ للخلاص من الخطر الذي يتهدد دينهم. والأخطر أنها ساقت النظام وقادته إلى حرب الله ورسوله، فما يجري أفظع من الربا أضعافاً مضاعفة، وأشنع من كل كبيرة وأقبح من كل جريمة، إنه خروج من حول الله وقوته، إلى حول المخابرات وقوة السلاح.. وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون!

    على قيادة النظام الإيراني، إن كانت حريصة على دماء الشهداء من الضياع، ضنينة على أهداف الثورة، أمينة على النظام والبقية الباقية من معالم الإسلام في إيران، أن تبادر لوقف حربها على الشعائر الحسينية فوراً، ووقف تدخلها في الحوزات العلمية، وسحب جميع عناصرها من مواقع الفعل والتأثير في الكيان العلمي والديني، وأن تنهي جميع مساعي تطويع المرجعيات، وتقطع سبل وحيَل ومؤامرات إخضاعها للدولة. على النظام الإسلامي أن يوقف العبث بمقدساتنا وهدم ثوابتنا، و يكف عن خطط المس بتراثنا العزيز، ولا سيما كتب الحديث التي تشكل مع القرآن الكريم جوهر ديننا وصلب عقيدتنا، وأن تترك المعالجات العلمية لأهلها، بعيداً عن تدخلاتها عبر ترغيب أموالها أو ترهيب مخابراتها.

    ونعم ما أنشد طرفة بن العبد:

    قد يبعثُ الأمرَ العظيمَ صغيرُهُ، حتى تظلَّ له الدماءُ تَصَبَّبُ

    أدُّوا الحقوق تَفِرْ لكم أعراضُكم، إنَّ الكريم إذا يُحَرَّبُ يَغضَبُ

    ألا هل بلغت، اللهم فاشهد.

  • في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وآله: “مِدادُ العلماء أفضلُ عند الله من دماء الشهداء”، وعن الصادق عليه السلام: “علماء شيعتنا مرابطون في الثغر الذي يلي إبليس وعفاريته، يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا، وعن أن يتسلط عليهم إبليس وشيعته والنواصب، ألا فمن انتصب لذلك من شيعتنا كان أفضل ممن جاهد الروم والترك والخزر ألف ألف مرة، لأنه يدفع عن أديان محبينا وذلك يدفع عن أبدانهم”.

    هلم لننظر في “المداد” الذي فاقَ في الفضل “الدماء”، ونتحرى عن اليراع الذي شرُف على السيف والسلاح، لا استجلاءً لوجه التفاضل وعلَّة التفضيل، فهي جلية في النص الثاني، واضحة لا ريب فيها، بل لمعرفة وتحديد: من هم “العلماء” ومن هم “المتعلمون على سبيل نجاة” ثم مَن هم الهمج الرعاع؟ ونحن نعيش أزمة على هذا الصعيد.. لتسقط إن فعلنا طائفتان، الأولى خارجة تخصصاً، فهم أدعياء، كشفهم أميرالمؤمنين عليه السلام بقوله: “ورجل قمَشَ جهلاً، موضِع (أي مسرع) في جهَّال الأُمة، غارٌّ في أغباش الفتنة، عَمٍ بما في عقد الهدنة، قد سمَّاه أشباه الناس عالماً وليس به، بكَّر فاستكثر من جمْعِ ما قلَّ منه خير مما كثر، حتى إذا ارتوى من ماء آجن، واكتنز من غير طائل، جلس بين الناس قاضياً ضامناً لتخليص ما التبس على غيره. فإن نزلت به إحدى المبهمات هيَّأ لها حشواً رثاً من رأيه، ثم قطع به، فهو من لبس الشبهات في مثل نسج العنكبوت، لا يدري أصاب أم أخطأ، فإن أصاب خاف أن يكون قد أخطأ، وإن أخطأ رجا أن يكون قد أصاب، جاهل خبَّاط جهالات، عاشٍ ركَّاب عشوات، لم يعضَّ على العلم بضرس قاطع، يذري الروايات إذراء الريح الهشيم، لا لا مليءٌ ـ والله ـ بإصدار ما ورد عليه، ولا هو أهل لما فوِّض إليه، لا يحسب العلم في شيء مما أنكره ، ولا يرى أن من وراء ما بلغ مذهباً لغيره، وإن أظلم عليه أمر اكتتم به لما يعلم من جهل نفسه، تصرخ من جور قضائه الدماء، وتعجُّ منه المواريث، إلى الله أشكو من معشر يعيشون جهالاً ويموتون ضلالاً… “. وتلحقهم طائفة ثانية، هم “وعاظ السلاطين” و”علماء البلاط”، “عمائم السلطة” و”مشايخ الحكومة والنظام”… وكثيراً ما يجتمع العنوانان ويلتقيان في الأشخاص الذين تُبتلى بهم الساحة، وما زالت تعاني من ضلالهم وانحرافهم، ومن إتجارهم واستئكالهم.

    من البلاءات المستجدة، ومَواطن الشكوى والمعاناة في الساحة الدينية المعاصرة، الضبابية والإبهام في قطاع “المعممين”، الخلط والتداخل والفوضى التي تحكم دعاوى العلم والتلبُّس بزي علماء الدين، المشرعة أبوابه لأيٍّ كان، المبذول الميسور لمن شاء وأراد، لا تحكمه ضابطة تنظيمية، ولا يخضع لمحاسبة قانونية… ما أورث الاضطراب والارتباك في تلقي الناس العقائد والأحكام الشرعية والمعارف الإسلامية والمواقف الدينية. وكثيراً ما يُرجع العوام فاسد فكرة يحملها أحدهم، وباطل عمل يمارسه، عند نهيه عنه، والسعي لثنيه عن تبنِّيه، وصرفه عن القول به، يرجعه إلى إفتاء هذا المعمم والأخذ برأيه، وإرشاد ذاك والعمل بقوله! يبرر خطأه باستِقاء الفكرة وأخذها عن “رجل دين” ظهر عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، أو توغَّل إلى بيته عبر قناة فضائية، أو التقاه في مسجد أو حسينية.

    وهذا ما يأخذنا إلى ضرورة تنقيح الأسس وتحرير الضوابط في تمييز المعممين وتقييم المتلبِّسين بزي أهل العلم، فهي وإن كانت معروفة، تأتي على رأسها العقيدة الصحيحة، ثم العدالة والتقوى، فالتحصيل العلمي والفضيلة… لكن يبدو أننا بحاجة إلى معالجة ظاهرة جديدة برزت، وعامل مستحدث عرَض، شكَّل عنصراً إضافياً في القضية، ينتزع من واقع معطيات الزمان ومواكبة التطورات التي غدت الساحة الإيمانية تعيشها اليوم. عنصر فرض نفسه في هذا العصر حتى غدى متقدماً على كل الشرائط، وسابقاً سائر الضوابط… إنه الانتساب السياسي للمعمم والانتماء الحزبي للعالم الديني!

    وهنا سنقف على حقيقة قد تكون صادمة لبعضهم، وهي تسفر وتبين، نظرياً عبر دليل منطقي وفكر مُبرهَن، وعملياً عبر سيرة مشهودة، متمادية في التوظيف والاستغلال، مغرِقة في السقوط والانحدار، أن المعمم الحزبي ورجل الدين الحكومي ساقط عن الوثاقة، فاقد للأهلية والاعتبار. فلا يمكن للمراقب الحصيف وهو يرصد الساحة، ولا يسع الباحث اللبيب وهو يتحرَّى الحقيقة، ولا يصح للمؤمن الفطن وهو يسأل عن موقف الدين وحكم الشرع، أن يثق بشيخ حكومي ويركن إلى معمم حزبي، لا في أخذ العقائد الدينية ولا في استقاء الأحكام الشرعية، ذلك أنه فاقد لأدنى مراتب الوثاقة والأمانة العلمية والعملية. فالمعمم الحزبي غير موثوق ولو كان صحيح العقيدة، مشكوكٌ وإن حظي بقسط من العلم والفضيلة، مريبٌ وإن تمتع بشيء من التقوى والعدالة، لأن ذلك كله لا يوفر له الإستقلالية اللازمة ولا يحقق فيه شرط الحرية المطلوبة، فهو سيبقى تابعاً مرؤوساً لمسؤوله الحزبي، محكِّماً الفقه برؤية زعيمه، مُنزلاً الدين على مقولة قائده، ومُقحماً المصلحة الشرعية والاجتماعية في إطار تنظيمه أو سياسة حكومته. ولك أن تتأمل ـ على سبيل المثال ـ في موقف المعممين الحزبيين من مسألة التقليد، وكم منهم يُرجع إلى غير ولي نعمته ورب عمله! على الرغم من أن جميع المرجعيات الحزبية والزعامات الفئوية تقبع في المراتب الدنيا من سلَّم الأعلمية، بعيداً عن درجاتها الأولى والثانية بل حتى دائرتها الرابعة والخامسة، هذا إن قلنا ـ تنزُّلاً ـ ببلوغها الفقاهة والاجتهاد! وهذه حقائق مسلَّمة يكاد لا يختلف عليها أحد في الأوساط العلمية والحوزوية… فهل لمعمم حزبي يقفز على هذه البديهيات، ويهتك هذه الحقائق الواضحة والمسلَّمات، أن يتمتع بمصداقية تسمح له بالتشكيك في سِفر نفيس كبحار الأنوار؟ أو يسقط رواية في الكافي؟ أو ينال من عقيدة ولائية أو شعيرة حسينية؟ هل لأضراب هؤلاء أن يقيِّموا تراثنا، سواء ما بلغَنا من أئمتنا المعصومين عليهم السلام، أو من عطاء أساطين الطائفة وعلمائنا الأعلام؟!

    إن الأصل الأول الذي يحكم الحوزات والمعاهد العلمية الشيعية هو الاستقلالية، والتمتع بالحرية، وعدم الخضوع لمقتضيات انتماء سياسي معيَّن تفرضه دولة أو حزب، والتقيُّد بلوازم مشرب فكري خاص يتبناه قائد أو حاكم أو زعيم… وكل معمم، من أصغر طالب علم، إلى مَن بلغ الفقاهة والاجتهاد، يجب أن يكون حُراً مستقلاً، لا يتلقّى الأوامر والتعليمات من أحد، ولا تفرض عليه المواقف، ولا تملى الأفكار، وإلا سيكون فاقداً للأهلية وساقطاً عن الاعتبار. وهذا ليس شرطاً كمالياً يتعلَّق بآلية العمل ووسائل الحركة والتبليغ الديني، ويرتبط بالتلقي الشعبي فحسب، بل هو مكوِّن أصيل، وعامل داخل في خلق الذهنية العلمية السوية، ورفد الروح الحوزوية بالموضوعية المطلوبة، التي تقود إلى رحاب الحقائق، وتفضي إلى نضج الأفكار واقترابها من الواقع، وتخدم بلورة الآراء في السياق والمسعى الصحيح، وتنتهي بالطالب والعالم إلى الحكم السليم، وتهدي الحركة العلمية إلى وجهتها المطلوبة وتهبها طابعها السوي، حين تعيش المعركة العلمية واصطكاك الأفكار وصراع النقض والإبرام، حتى تجتاز مخاض الأدلة وعسر الاستنباط، بعد مشقة حمل الوجوه وتقليب الرؤى، فيولد الحكم الشرعي ويخرج الفكر الديني متمتعاً بالنضج والتكامل المطلوب، وكذا بالصحة والعافية الكفيلة بإبقائه والضامنة لاستمراره.

    هذا هو الأصل والشرط الأكثر إلحاحاً، والنطاق والحاجز الأول، والمعيار الأساس والاختبار الأخطر في هذا الزمان، ويليه ويستتبعه باقي الشروط، من علم وعدالة وسلامة عقيدة. فلا ثقة بالحزبي ولو كان متديناً ملتزماً، بل تقياً ورعاً، ولا اعتبار لرأيه ولو كان عالماً فاضلاً، لأنه ـ ببساطة ـ يلخِّص الإسلام في النظام السياسي الذي يخدم، ويرى عزَّ المذهب وشوكة الدين في شخص القائد الذي يوالي ويناصر، من هنا فكل مخالف للحزب هو عدوٌّ لله والدين، لا حرمة له ولا قيمة! وكل معارض للنظام فاسق فاجر، وكل نشاط منه وفعل وعطاء هو نفاق، ولو كانت منارة ترفع الأذان ومسجداً يقيم الصلاة، فهو “ضرار”، يجب هدمه وتقويضه! لذا ترى المعمم الحزبي والعالم الحكومي لا يتورَّع عن الكذب والتدليس، ولا يتأثم من المراوغة وإخفاء الحقائق والتلبيس، ولا يبالي بكل تحايل وخديعة يمارسها وكأنه إبليس، ما دامت تصب في أهداف الحزب ومصالح النظام “الإسلامي”! من هنا فهو لا يؤتمن، ولا يمكن الركون لنقله والبناء على قوله. فالمتديِّن المتشرع في الحزبيين والحكوميين (وهو قليل)، يُنزل التقوى ويسقطها على مشروعه، فيرى قمة التدين وتمام الإلتزام، في نصرة الحزب وخدمة الحكومة والنظام، بأية وسيلة وكل طريقة، لا يبالي بالكذب والافتراء، ولا يكترث بسحق القيم وامتهان المبادئ، بل يرى ذلك من صميم الدين، فالحزب أو النظام عنده هو مصداق بيضة الإسلام التي يقدم على مذبحها أعزِّ القرابين، ويباع في سبيلها كل غال وثمين!

    إن المرجعية لا تستوفي شرائطها، والعمامة الشيعية لا تستجمع كمالاتها، ولا سيما شرفها المهني، إلا في حوزة حرة مستقلة، بعيدة عن الإملاء السياسي والتوجيه الفكري والتلقين المسلكي أو الحركي. ولا يمكنها العطاء الحقيقي وممارسة دورها الإلهي ومسؤوليتها الشرعية إلا بهمم الرجال الأحرار، ونفوس الأعزَّة الأباة، وروحيات الكُمَّل، أو السائرين حقاً في طريق الكمال.. وكيف للحزبية وأنَّى لها ذلك وهي قرينة الخنوع والاستسلام، ولازمة الذلة والهوان، يمضي المنخرط فيها على السمع والطاعة، إمّعة لا يملك إلا التسليم، ولا يسمح له في كثير من الأحيان مجرد الاستفسار والسؤال! ناهيك بحق النقد والاعتراض، أما التخلُّف وعدم الامتثال، فهو في قاموسها زندقة وهرطقة، ومروق وتمرد وعصيان، أدنى عقوباته المحاصرة والتسقيط، والطرد والنفي، والإقصاء والحرمان… ما يُبقي المعمم الحزبي أسيراً، ولا سيما حين يبلغ في الحزبية شأواً ويحظى بشُهرة، ويتمتع بعنوان يُشار به إليه لا يلبث أن يطوَّقه، ووضع قيادي يكبِّله، ومستوى معيشي صار يرتهنه، فلا يمكنه التخلي عن هذا، ولا يسعه فقدان ذاك، فيبقى في القيود والأغلال، يجتر ما يقول القائد ويكرر ما يملي الحزب.

    وأعرف أحد هؤلاء، كان يهمس لي بأن القرار والموقف والفتوى التي أصدرها السيد القائد في موضوع ما، وحكمه على الفكرة والعقيدة والشعيرة، خاطئ باطل، ولعله مدمِّر مُهلك، يبذر الفتنة ويزرع الشقاق والنزاع، فإذا ارتقى نفس هذا الشخص المنصة وصعد المنبر أو خطَّ وكتب، راح يمجِّد الفتوى ويدافع عن القرار، وكأنه وحي موحى وقرآن منزل لا سبيل لمخالفته ولا طريق لتقويمه!

    علينا أن نعي أنَّ جميع المدارس والحوزات التابعة لأحزاب دينية أو لحكومات ودول، ولا سيما الجمهورية الإسلامية، هي حوزات ساقطة عن الاعتبار تفتقد الأهلية والصلاحية، غاية جهدها أن تقدم مثقفاً دينياً يشكل عنصر تبليغ وتعبئة للموقف السياسي الذي تمليه الجمهورية الاسلامية، يرفد ويدعم الفكر الديني الذي تتبناه تلك الدولة أو ذاك الحزب. من هنا فإن السؤال الأول الذي ينبغي أن يتوجه إلى أي معمم يتصدى لشأن ديني أو غير ديني، في الحياة العامة أو الخاصة للأفراد، في وسائل التواصل أو في الفضائيات أو المنابر والمحافل: من أية حوزة تخرَّجت؟ وأية مرجعية تتبع؟ فإذا كان المعمم خريج مدارس الجمهورية الإسلامية ومؤسساتها، أو حزب الدعوة، أو الشيرازية، أو فضل الله، أو غيرها من التيارات والأحزاب المنحرفة التي تعظم قادتها وتخدم أهدافها، المنفصلة والمنشقَّة والمبتورة عن الحوزة الأصلية، فلا يمكننا أن نحمل رأي هذا الرجل على الدين، ولا يمكن الركون إلى قوله بحال. مع العلم أن هناك شرفاء لا يعوزهم الإخلاص، يحصلون في جامعة المصطفى أو يعملون فيها، إما عن غفلة عما يعنيه ذلك، أو استسلاماً لواقع فرض نفسه في مخيلة هذا العامل الضعيف، وغلب مدركاته السطحية الساذجة، فاستسلم سريعاً والتحق بالركب، فساهم بنحو وآخر في الجريمة وانخرط عن حُسن نية في المؤامرة، فشارك في صنع مأساة تتهدد كيان الشيعة العلمي وحوزتهم ومرجعيتهم، ولعمري ما زال الحال يتمثل الأموي الذي كان يسلب قرط ابنة للحسين في كربلاء وهو يبكي، ثم علل فعلته بأنه إن لم يفعل فسيأتي غيره ويسلب السيدة المظلومة!

    وبعد، فمن نافلة القول أن الحوزة العلمية الأصيلة والمرجعية الحقة ليست ضد الجمهورية الإسلامية، ولا هي ضد أحزاب سياسية بعينها، اللهم إلا بمقدار ما تتدخل وتنال من ديننا وعقائدنا، فإذا انسجم الحزب أو السلطة مع الدين الأصيل والشريعة الحقة، فستحظى بمباركة الحوزة ورضا المرجعية، ناهيك بعدم مخالفتها والتصادم معها. كل ما هناك أن السلطة السياسية الحاكمة اليوم تعيش قصوراً شديداً وأُفقاً ضيقاً قادها إلى معركة باطلة توهمت فيها تطوير الحوزة ومناهجها، وأرادت منها “إصلاح” الشعائر الحسينية وتنزيهها، وتهذيب العقائد الولائية ونفي الغلو عنها، وهذه كلها موارد وقضايا في غاية الحساسية والتعقيد، تتطلب بعد التخصص المعمَّق، نزاهة وحياداً وموضوعية لا تتمتع الجمهورية الاسلامية ولا أية دولة في العالم بها، فالبديهة تحكم هنا أن الدول تراعي مصالحها ليس إلا… ولو رجعت الأُمور إلى نصابها وعرف كلٌّ حجمه ومكانته وبالتالي دوره، لقنع بأن يسترشد برأي المراجع العظام ومواقفهم، دون أن يضغط ويملي عليهم، ويتدخل في الحوزة بما يفقدها استقلاليتها ويسقطها عن موقعها في الأمة.

    الجمهورية الإسلامية نظام سياسي، يكتسب الاحترام ولربما القداسة بمقدار ما يخدم الدين وينصر المذهب، ويفقد الاعتبار والمكانة بمقدار ما يسيء إلى الدين ويحارب المذهب (وزخم الانتصارات وضجيج الشعارات لا يغري الأكياس ولا يغوي الفطنين!). ولربما يبلغ في الانحطاط ما يقتضي إسقاطه، كما قد يسمو في القيمة والشأن ما يبلغ وجوب الدفاع والجهاد دونه… كل هذا يدور مدار التزامه بالعقيدة والشريعة، وهو أمر تحدد المرجعية الدينية والحوزة العلمية مصداقيته، وهي التي ترسم معالمه وتبيِّن حدوده (لا الحكومة بما يخدم مصالحها)، يلاحظه ويتابعه أعلام الطائفة، وتراقبه الأمة بأسرها (لا أعضاء الحزب المسيَّرين كآلات)، ترصده وتقيِّمه، فلا ينطلي عليها الزيف والقلب والذي يهتك مسلمات المذهب، وينتهك مقدساته، ويبتذل أعز معالمه، ويبدد أثمن كنوزه، باسم الحداثة والتطوير، والإصلاح والتجديد.

    إن استقلال الحوزة الشيعية عن الحكومات معلم أساس في هذا المذهب، لازَمه على مدى تاريخه ولم ينفك عنه يوماً، وقد دفع علماء الطائفة الأجلاء ثمنه غالياً، سواء من شهداء الفضيلة، أو من الصبر على الملاحقة والتنكيل والاضطهاد، وكذا تحمُّل الفقر المدقع وشح الإمكانيات، لكنهم لم يمدوا أيديهم لسلطة ونظام، ولا باعوا أصول مذهبهم وكنوزه ببخس حطام، مما يتهالك عليه الأدعياء اليوم… حتى في المراحل التي ظهرت فيها حكومات ودول شيعية كالفاطمية، بل إمامية كالحمدانية والبويهية والصفوية والقاجارية، بقيت الحوزات محافظة على استقلالها، ومَن تعاون معها من الدول، استجابت له في حدود تسخير طاقات وإمكانيات الدولة لصالح العلم ونشر المذهب الحق، لا العكس… كان الشاه طهماسب موظفاً عند المحقق الكركي ولم يكن المحقق عميلاً وأجيراً في بلاطه، وكان الصفوية والقاجارية في الحقيقة والواقع يتسابقون لخدمة الحوزة والمرجعية، دون أن تضفي الحوزة عليهم المشروعية، ولا أن تسمح بتسخير الفقه والدين لصالح حكوماتهم وملكهم.

    ما أكثر المعممين الحزبيين وصخبهم، يهذرون ويهرفون ويملؤون الإعلام ضجيجاً، وما أقل نداءات الصدق ومواقف الحق التي يطلقها العلماء الربانيون، والفقهاء المخلصون…

    ويبقى الرهان على آذان واعية تعيها، ومؤمنون أكياس ينظرون ويتدبرون في طعامهم، ممن يأخذونه وعمن يتلقونه… الأمل في هؤلاء، والرهان عليهم.

  • عاد أميرالمؤمنين عليه السلام صعصة بن صوحان، فقال له: يا صعصعة، لا تجعل عيادتي إياك فخراً على قومك، وتواضع لله يرفعك.

    من أقبح وأخطر ما يمكن أن يصاب به المؤمن ويقع فيه الفرد الملتزم، هو العُجب والكِبر… أن يعجب أحدٌ بعمله ويزهو بعبادته، يستكثر صلاته ويستعظم جهاده، يدلُّ ويتباهى، يشمخ ويفخر. والخطر والبلاء هنا بلاءان والمصيبة تأتي من بابين، فتارة يعبِّر المبتلى بلسانه، ويمارس بجوارحه الزهو والتكبُّر، وأُخرى يعيش ذلك في روحه وتنطوي عليه جوانحه، وإن أخفى تيهه ولم يُظهِر غروره، فهو يرى نفسه خارجاً عن حد التقصير، بل متفوقاً ومتفضلاً، ومتقدماً ومتميزاً، ليس لفعله شبيه ولا لأدائه نظير. هكذا يُرخى حجاب ويسدل ستار بين القلب والرب، وينزل بالعبد العمى عن رؤية منن الله وإحسانه، ويذهل عن الإحساس بفضله تعالى وإنعامه، ويغفل عن إدراك أسباب توفيقه وما أخذه لرشده وسدَّده لصوابه، حتى قام بالعبادة ونهض بفعل الخير. وما يزال في هذا، يرى لنفسه مرتبة تفوق أقرانه، ويحسب لها مكانة وشأواً لم يبلغه إخوانه، ومنزلة يقصر عنها أصحابه وخلانه… ليقع بعد العُجب في الكِبر! ويسري المرض وينتقل من آفة بين المرء وربه، إلى داء بينه وبين أبناء نوعه، فيزدري غيره ويستصغره لتفوُّقه عليه، سواء في عمله وعبادته، أو نسبه وحسبه، أو علمه وفهمه، أو قدرته وسلطته، أم في جماله وماله، وحظوته بمكارم وتمتعه بمحاسن أختُصَّ بها، فتألَّق وتميَّز. هكذا يدخل في الكِبر، بعد أن أفسد عبادته بالعُجب، فيتعرض لما يستوجب سخط الله وغضبه، ففي القدسي: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني فيهما قصمت ظهره!

    العُجب والكبر… هذا ما يلحظه المراقب للساحة من أنصار حزب الله ورجاله، بل قادته وكباره..

    يذهل أحدهم عن نقائص تغمره، وقبائح وآفات تجلله، وخطايا وأخطاء تصبغه، غرق في لوثها، وتلطَّخ بعارها، حتى فشى خبره، وافتضح بشقوته، وعُرف بفساده، ما أزكم الأنوف ونشر النتن والعطن. فإن لم يكن من الفسقة المنحلِّين، ولا ممن ينام عن صلاة الفجر بعد السهر على التلفاز، أو التسكع في المقاهي على أنغام كركرة الأراكيل ونشوة دخنتها التي تخلق فضاء الحانات، ولا كان ممن “يحيي” ليله في المهاترات على الفيس والواتس، أو في التعرف وبناء العلاقات دون تمييز بين الجنسين، وكان من الملتزمين حقاً والعاملين صدقاً، فلا بد أن يستشعر نقائصه في طريق التهذيب، ويعيش فقره في منازل التزكية، وحاجته إلى المزيد من التربية، وينشغل بالتدقيق في حاله وتنمية أخلاقه… وإذا به يغفل عن كل هذا وذاك، وتشتعل فيه جذوة الزهو وتتأجج نار الفخر، ولا يلحظ من حاله، إلا جهاده وبطولاته، وانتصاراته وفتوحاته، فيشمخ ويتبجَّح، ويهذر ويتنفَّخ، حتى يتجشأ من غير شبع، ويعيط بغير أنواط، ويتخرَّج من غير شهادات!

    نفخ الشيطان في أنفه، فزهى وتجبَّر، وخرقه أو سكَنه فراح يميس ويتبختر: مَن مثلي وأنا الفاتح الظافر، والمجاهد القاهر، صاحب الصولات والجولات، وساطر البطولات ومقدم التضحيات، وأنتم أحلاس بيوتكم كالعجزة، قواعد كالنساء، أذلة يرعبكم إرهاب الظَلَمة، ومتخلفين تحتوشكم الرجعية والظُلْمة؟!.. كبر وتيه، سبقه عجب وخيلاء.. هنا المصرع والمقتل، وهنا ملعب الشيطان وموئل إبليس وبيت النيران، كما في الحديث الشريف إن الله عز وجل فوَّض الأمر إلى ملك من الملائكة، فخلق سبع سماوات وسبع أرضين وأشياء، فلما رأى (الملَك) الأشياء قد انقادت له، قال مَن مثلي؟! فأرسل الله عز وجل إليه نويرة من نار (شظية بقدر الأنملة)، فاستقبلها بجميع ما خلق، فتخللت حتى وصلت إلى نفسه، لما دخله من العُجب.

    إن من يلحظ خطاب تيار حزب الله ولغة أتباعه، ويتدبَّر في الثقافة التي يبثها إعلامه، وفي عموم الأجواء والفضاء الذي يعيشه، يقطع أن لا أحد من هؤلاء تلقى درساً في العقيدة، ولا حضر حلقة في الأخلاق! فإن بطُل الفرض وكانوا قد قطعوا دورات ثقافية، بجرعات أخلاقية، وأجواء روحية، فسيجزم أن البلاء في الرأس والآفة في الأستاذ، وأن الكلام والداء في المجيز والمجاز سواء!

    هنا هُزم حزب الله ودُحر، وفي هذه المعركة سقط وقُهر…

    لا في حرب تموز 2006 عندما دُمِّرت الضاحية الجنوبية وسوِّيت مواقع الحزب فيها بالأرض، ثم انسحب إلى ما وراء الليطاني، ونزل على شروط القرار الدولي الذى أفضى لتأمين المستوطنات الإسرائيلية. ولا عند عجزه عن الانتقام لاغتيال قادته، وضعفه عن الرد على تصفيتهم واحداً تلو الآخر. ولا عند تقديمه مئات الشهداء في معارك وحروب اليوم “الاستباقية” وجبهات عليك أن تتعسف لترى فيها الأحقية فالأولوية. ولا عندما صنفته أمريكا وأدرجه الاتحاد الأوروبي في لائحة الإرهاب الدولي. ولا عندما حوصر وقوطع ومنعت قناته الفضائية من البث عبر الأقمار الصناعية في المدارات العربية، ما حوَّلها إلى محطة شبه أرضية. ولا عندما يوغل ترامب في الاستخفاف به، ويعزم على ملاحقته في جريمة وقعت قبل تأسيسه (تفجير مقر المارينز في بيروت عام 1983)! ولا لشيء من التراجعات المتكررة والانتكاسات المتتالية التي تعرض له… فالحرب سجال، وما هو إلا فرٌّ سيعقبه كرٌّ، وظلمة لا تلبث أن تنجلي بفجر، وسقوط واندحار سيتلوه صعود وانتصار. بل ولا حتى حين تناوله غاضبون، من بيئته الحاضنة، بالسب واللعن، لتغطيته جرافات الدولة التي كسحت عشوائياتهم، وأزالت عن الأملاك العامة تعدياتهم.

    لا شيء من هذا ولا ذاك يشكّل هزيمة فعلية واندحاراً واقعياً لهذا الحزب القوي والتيار العريض…

    إنما هُزم حزب الله لما سقط (بجميع طبقاته) في العُجب، وأُصيب بالكِبر، ونزل به التغطرس والتعالي، وابتلي بالعتوِّ والغرور! هوى الحزب لما صار يتبجَّح بجهاده، ويمنُّ بتضحياته، ويفاخر بإنجازاته، ويزهو ببطولاته، لا على أعدائه، ولا في سياق متطلبات المعركة من تعبئة إعلامية وحرب نفسية، بل على المؤمنين من إخوانه! فصار يرمي مَن لا يسلك نهجه بالتقاعس والقعود، ويرى ممارسة الشعائر الحسينية وسيرة عشرات ملايين المؤمنين عبر مئات السنين، حيلة العاجز وخيار الضعيف الخائر، ويعيِّر الناهضين بها، ويهين العاملين بتكاليفهم الشرعية، ويحقِّر التزامهم بوظائفهم الدينية، ويستهزئ بقناعاتهم! ويصنِّف كلَّ صوت لا يكرر شعاراته، وأيَّ فعل لا يصبُّ في سياساته، سلوكاً يستمد من الجُبن، ومظهراً يداري الذل والهوان الذي يعيشه من لا ينتسب إليهم! فهم الشجعان ولا غير، وهم الأبطال وأباة الضيم، وهم أولياء الله، والآخرون في حزب الشيطان.

    لم يسمح الزهو والكبر الذي نزل بالقوم وأحاط بهم، والغرور الذي غمرهم، من وفرة المال وسطوة السلطة واليد الطولى التي يملكون، أن يتركوا هامشاً ـ ولو ضئيلاً ـ لحمل الآخر على الصحة والخير والحسن والصلاح، وأن السبب في عدم التحاقه بركبهم ودخوله في حزبهم، هو أمر شرعي يعود إلى التقليد والمرجعية التي يتعبَّد المرء بفتواها، أو إلى عدم قناعته بالراية التي ترفع والقيادة التي تتولى الأمر هنا، وأنه يفضِّل أخرى هناك. ولعله يذهب عميقاً ويتبنى أصلاً أصيلاً مقرَّراً في فكر الإمامية وسيرتهم، من أنها نفس واحدة، يدَّخرها المؤمن بانتظار الراية القادمة والقائد الأصلي، تاركاً ما يريب من أمر الرايات النائبة إلى ما لا يريب، صابراً محتسباً، حتى يكون المنتظر لهذا الأمر كالمتشحط بدمه في سبيل الله، ويُعطى الثابت على ولايتهم في غيبة قائمهم أجر ألف شهيد من شهداء بدر وأُحد!

    لم ينل سُباب الغوغاء من مكانة حزب الله، ولن ينال من زعيمه وقائده ما تعرَّض له، ولكنه الانتقام المؤلم، والرد بالمثل على عوام سوقيين غلبهم الغضب، هو ما يسقط الحزب ويزري به، ذلك حين يجمع ويحشد المتطاولين عليه في اليوم التالي ليعتذروا! فيفعلون ذلك أمام المصورين، بلغة المتمرغين على الأحذية ومقبلي مواطئ الأقدام! وهي ذلَّةٌ لم يرضها الحزب لأسراه من التكفيريين القتلة، فلم يصوِّر أو يُظهِر أحداً منهم بهذا الخنوع والضراعة والهوان!

    إننا أمام معضلة غريبة، ما كنَّا نتوقَّع أن نبتلى بها على يد حزب الله، وهو الذي تأسس ـ في المفترض ـ على فكر الإمام الخميني وعقائده الراقية، في الولاية التكوينية، والترتيل اليومي للزيارة الجامعة الكبيرة، والالتزام بالأنماط الموروثة والطرق التقليدية للشعائر الحسينية! وقام على ركام حزب الدعوة وتيار اليسار الإسلامي والهجين العلماني (شريعتي)، مُرسياً ركيزة للثورة والجهاد تستمد من الأصالة، وتستقي من المدرسة التقليدية، وصميم التراث الشيعي والحوزة العلمية، تتباين مع الحداثيين، وتتناقض مع التنويرين، وهنا القيمة الحقيقية، ومن ثمَّ الجريمة الكبرى التي يرتكبون اليوم… حين يسقط هذا الحزب الإلهي العزيز، في أحضان الحداثة ويبتلي بالالتقاطية! ويخلط في خطابه بين بشر عاديين تقلدوا قيادته، وبين الصادر الأول والعقل الكل والمظهر الأتم لأسماء الله الحسنى وصفاته العليا، والتعيُّنات الإلهية المتجلية في الأنوار الأربعة عشر التي سخر لها العرش والفرش، ودان لها الحجر والمدر، وخضع الكون والمكان، وانقاد وطأطأ كل إنسان، من أنبياء أولي العزم إلى سائر الكائنات مما يرى ولا يرى من خلق ربنا!

    من الواضح البيّن أن الحزب يعاني من خلل فادح، ويقاسي من تراكم أخطاء جسيمة في بنية أتباعه على صعيدين: الأخلاقي الروحي، والعقائدي الفكري. فبعد الزهو والاختيال والتيه والغرور، الذي يرجع إلى مرض روحي خطير، ويكشف عن خلل تربوي جسيم، وبنية أخلاقية متضعضعة، وفشل ذريع في التهذيب والتزكية… هناك لوثة عقائدية خطيرة هي الأخرى، تتمثل في جهل مطبق وتخلُّف جسيم في معرفة الإمام، والإيمان بمقامات أهل البيت ومراتبهم، وتمييزهم عن القادة السياسيين والدينيين، والبون الذي يجعل مجرد القياس والمقارنة سفاهة وضلالاً، فكيف بالتشبية والإقران، بل المفاضلة؟

    ماذا يمكن أن نطلق على صورة للسيد حسن نصرالله كتب عليها “لا إله إلا أنت”؟ وأخرى تعبر عنه بـ “أميرمؤمنين العصر”، وثالثة تقول: “أول مرة يسبُّ فيها الله والعالم (الناس) تقوم قيامتهم”! وتغريدة يقول صاحبها: “السيد حسن عندي أهم من النبي، لأن ما عرفنا النبي إلا بالروايات، بينما السيد شفناه (رأيناه) نبي عصرنا”! وآخر ينادي: “من نعلك نستمد النور”، وثالث يقول: “السيد حسن لا يخطئ، وهو معصوم عن الخطأ بإذن الله”! وكلمات أخرى من الكفر البواح، سمعت السيد الخامنئي ينهى عنها بنفسه، ويعبِّر بأنها تبعث من هولها وفرط غلوها القشعريرة في بدنه! ولكن أتباعه وأنصاره يرددونها غير عابئين، ويرفعون بها الصوت غير مكترثين! ما يكشف أنها متأصلة فيهم من تربية تعاهدتهم، وتغذية نشأوا عليها ورعتهم. والغريب المريب الذي لا يسمح بحملها على زلات أقلام، وشطحات أغرار، لا ينبغي أن يؤخذ بها حزب كبير فيحكم من خلالها على توجهه، أنك لا تجد في هذا السيل المتدفق من “الطيش”، زلَّة واحدة تمس بمقدساتهم السياسية، أو “شطحة” تتجاوز خطوطهم الحمراء!

    ماذا يعني تزوير الحقائق والإصرار على عقد مقارنة متهافتة بين إحياء الشعائر الحسينية والجهاد؟ وكأنها مانعة جمع، فلا يمكن أن يكون الباكي واللاطم والجازع والمطبر مجاهداً بعد حين، بل في نفس الحين، يقيم شعيرته وهو في صف الجهاد وطليعة المجاهدين؟ ترى، ألا يصلُّون هناك في الجبهات؟ ألا يصومون في المعسكرات؟ كيف إذاً لا يمكنهم أن يبكوا إمامهم ويندبوه ويجزعوا عليه؟ كيف عميت أعينهم عن رؤية غيرهم من مجاهدي الحشد الشعبي وكلهم حسينيون، أصحاب مآتم أو خدام في مواكب؟ ألأنهم لا يقلدون السيد القائد؟ أم لأنهم يقيمون مآتمهم على سيد الشهداء ويبكون كربلاء، لا يرثون غزة وفلسطين، ولا يبكون أحمد ياسين؟!

    من الذي عبث في فكر هؤلاء وقلب عقولهم ومسخ براءتهم وطمس فطرتهم؟ فصاروا يرون أنهم هم الذين يحمون زينب عليها السلام ويمنعون سقوطها في الأسر ثانية! وليست هي التي تحميهم وتحمي العالمين، وهي عمَّة مَن بيُمنه يرزقون، وببركته تتصاعد الأنفاس في صدورهم، ولولاه لساخت الأرض بهم؟! كيف ارتدوا عن عقيدتهم الموروثة وتنكروا لثوابت مذهبهم ومسلَّمات دينهم، فحسبوا في أنفسهم قوة تفوق قوة الإمام وسلطانه، فيتنطَّع أحدهم، لما أفرجت جبهة النصرة عن بعض الأسرى، بأن الحزب لو كان في زمن الإمام الكاظم، لما حُبس عليه السلام في ظلَم المطامير، ولو حبس لحرَّره من أسره! المختال التياه، يريد أن “يحرر” الإمام الذي تستأذنه قيدوه قبل أن تكبِّل رجليه، وتلتمس جدران حبسه تكليفها منه، أن تبقى قائمة أو تزول من بين يديه؟! وآخر يزعم أن لو كان حزب الله في كربلاء، ما كانت لتسبى الحوراء!

    ماذا نزل بالقوم حتى يتجرأ أحدهم على شطب عبارة إمام معصوم، فيطمس “يا ليتنا كنَّا معكم” ويخط بدلها: “نحن معكم”! معرِّضاً بالحسينيين ومستهزئاً أنهم يقضون حياتهم في الأماني والآمال، ونحن رجال أفعال لا أقوال! ولا يبالي أنه ردَّ بهذا على الإمام الرضا الذي أمر الريان بن شبيب بذلك وقال له: إن سرَّك أن يكون لك من الثواب مثل ما لمن استُشهد مع الحسين، فقل متى ما ذكرته: يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً.

    من أين تلقَّى هؤلاء معارفهم، وممن أخذوا دينهم وعقائدهم؟ ما هذا الزهو والطغيان، الذي لا يوفِّر في التعالي على الآخرين حتى الإمام؟!.. وقد عرضت مقولات القوم ومداخلاتهم في وسائل التواصل والإعلام، على بعض الفضلاء الأعلام، فصعقوا وانعقدت ألسنتهم، وهالهم الخطب وأبكمهم، فلم يفوهوا إلا بالحوقلة والاسترجاع!

    كان تحرير المحمرة (خرمشهر) في 24 مايو 1982، بعد عامين من شن الحرب العراقية على إيران والاحتلال الصدامي للمدينة، نقطة تحوُّل رئيسة في الحرب، قلبت موازينها، وحملت النظام العراقي على رفع راية الاستسلام وطلب وقف القتال. استعاد الإيرانيون مدينتهم بعد قتال مرير شرس ومعارك دامية محتدمة، وصلت الاشتباك بالسلاح الأبيض، كبَّدوا فيها العراقيين خسائر فادحة، بلغ عدد الأسرى منهم نحو تسعة عشر ألف جندي، والقتلى ثلاثة أضعاف ذلك! وكان صدام حسين قد وعد بأنه سيُسلِّم الإيرانيين مفتاح البصرة إذا سقطت المحمرة! لذا كان مذهولاً من شجاعة الإيرانيين وبطولتهم، مصدوماً من بسالتهم وما أظهروه من إرادة حديدية وعزيمة خرافية، كما كان غاضباً جداً من الهزيمة.. وبعد ثلاثة أيام من تحرير المحمرة، بدأت دعوات وقف إطلاق النار في الحرب العراقية الإيرانية، وعمدت القوى العظمى إلى مساع مكثفة لإنقاذ صدام ونظامه من السقوط. وبدا كأن العالم بأسره صار يرى في العملية نهاية فعلية للحرب.

    في نشوة النصر الكبير، وزهو الفتح المبين، والملاحم الخالدة التي سطرها المقاتلون الشجعان… برز نزاع بين القوى المحررة المنتصرة، كلٌّ يُرجع النصر ويعزوه إليه، الحرس والجيش والبسيج، سلاح الجو والبحرية والقوة البرية… كلٌّ يتطاول ليعلق على صدره الوسام ويفخر ويشمخ على صاحبه ويمن على البلاد والعباد! هنا تدخل القائد الرباني ليعيد الأمور إلى نصابها، ويوجه أبناءه إلى مكائد الشيطان ويحذرهم حيلته الكبرى، فصدح الخميني بكلمته التاريخية التي حسمت النزاع وأرجعت الجميع إلى أماكنهم: “إن الله هو الذي حرر خرمشهر”. لا أنتم ولا نحن! كان عارفاً لا يرى في الوجود إلا الله، ويحسب الجميع أعداماً لا قيمة لهم، وهباءً لا شأن ولا قدر ولا خطر لهم، إلا بمقدار ما يتصلون بالله ويتخلَّقون بأخلاقه.

    وفي واقعة أخرى منفصلة، عندما عزم القضاء الإيراني على تقديم أحدهم للمحاكمة بتهمة سبِّه، ردَّ السيد الإمام الخميني على السيد الأردبيلي (رئيس القوة القضائية أنذاك): فليشتمني، وهل أنا من أصول الدين حتى يكفر من يشتمني فيحاكم ويعاقب؟! لم يكن غافلاً عما يمثله موقعه، ولا جاهلاً بما يرمز إليه شخصه، ولا تغيب عنه الإسقاطات التي تجعل التطاول عليه مساً بالدين وهتكاً للشرع المبين، وخطراً يتهدد تضحيات المجاهدين… لكنه لم يصدِّق شيطانه، ورسم سقفاً لم يرفع رأسه فوقه، فراشاً لم يمد رجله خارجه!

    أقترح أن يُبتعث قادة حزب الله وكوادره العليا إلى العراق، لا لكي يشعروا بحجمهم عندما يرون عظمة غيرهم، ولا لكي يدركوا بالحس ويشهدوا بالعيان أن هناك مجاهدين يفوقونهم بأساً وشجاعة، وعطاءً وتضحية… بل لكي ينخرطوا في دورات تربوية، ويخوضوا عمليات جهادية، في جبهة الجهاد الأكبر، أيام زيارة الأربعين: يمسحون أحذية الزوار، ويغسلون أقدامهم، ويدلكون أرجلهم، ويكنسون الخيم في المواكب، عسى أن تنكسر هذه النخوة الجاهلية، ويعود الأطهار إلى طهرهم، وتنقضي حسرتنا على شباب يتلفون دينهم ويهدرون عقيدتهم ويبددون ثروتهم، لا يحظون بمربٍّ فاضل يتعاهدهم، ولا متخلِّق صادق يأخذ بأيديهم وينجيهم، لا حكيم يرشدهم، ولا كبير ينقذهم …

    بعض تواضع يا قوم، فإن من تواضع لله رفعه، ومن تجبَّر أهلكه وقمعه.

  • من حسينية العباسية بالمنصورية، التي تبذل على نشاطها وتصرف على خطبائها من أموال حُبست للحسين عليه السلام، من ريع أملاك وعقارات أوقفها أصحابها لعزاء سيد الشهداء… تُشنُّ حرب معلَنة وأخرى خفية على الحسين وذكراه! تبرعات سخيَّة وأموال موقوفة، من عطاء أطهار في نواياهم، مخلصين في مقاصدهم، تصرف ـ استلاباً واغتصاباً وانتهاباً ـ على حرب الحسين وهدم شعائره، وتبذل على تقويض ذكراه، وإخماد حرقة مصابه! غارات غادرة تُشنُّ على هذا الحصن الصامد، ومعارك شرسة تدور حول أسوار هذه القلعة المنيعة، تقارع أصل العزاء الحسيني وتجالد فروعه وتفاصيله، تنازل فلسفته وترمي أحكامه وآدابه، تكافح أنماطه وتشوّه صوَره وأشكاله، يخوضونها بعنف وضراوة تارة، وقبضة تخنق بقفازات حريرية ناعمة تارة أخرى، بسمٍّ يداف في عسل، وزعاف يلاق ويخلط بطعام، يقدَّم بعنوان منابر عصرية، ومحاضرات تقدمية، يلقيها أرباب ثقافة التقاطية جوفاء وفقاهة مزيفة مدَّعاة، في غمار حصار وتضييق، وطعن وتشويه، ضمن صراع مرير وحرب شعواء ضروس، ما زالت محتدمة منذ شنَّها النظام الإسلامي في إيران عام 1994، حين عمد إلى ما توهمه تنزيهاً للشعائر وحسبه إصلاحاً لها.

    ولا تقف سخرية القدر، وقل إن شئت، لا تقف شيطنة “قُزح” عند هذا، بل تمتد لينفث الرجيم سمومه، ويبث غازاته المتطايرة المشلَّة للأعصاب والمجمدة لخلايا الإحساس والإدراك، المزرية بالعقول والمسفِّهة للحلوم والأفهام، ثم المُتلفة للعقائد الحقَّة، والقاتلة للأفكار النيِّرة، بما يزيِّف معارف الدين، ويهتك معالم المذهب، ويطفأ نور الولاية في نفوس المؤمنين النجباء… من حسينية طالما رُمي أصحابها وقُذفوا بالغلو في العقيدة، والإغراق في تعظيم أهل البيت، واتُّهموا بالسرف والشطط، بل بالكفر والزندقة! فتحملوا الطعون ودفعوا الأثمان، في طريق ولاء الأئمة الأطهار عليهم السلام… يقوم منتسب إلى التيار الذي كفَّرهم، ومنحدر من المدرسة التي حاربتهم (لولائهم فحسب، لا لشيء آخر ادَّعاه المكفِّرون في حينها واتَّخذوه ذريعة)، بارتقاء المنبر في حسينيتهم! ثم لا يكتفي بغصب الموقع والتوغل خلف الخطوط، وصنع طابور خامس “يُرجِف في المدينة”، حتى يغير على صميم عقائد الشيعة وأعز شعائر المذهب. والقوم نيام لا يدرون ما يُفعل بهم، في هجعة وسبات، وقد علا منهم الغطيط وارتفع الشخير!

    حقاً إنها من مفارقات الدهر ونوادره، وعجائب الدنيا ومهازلها، أن يعتلي المنبر في هذه الحسينية (التي ترفع صورة الشيخ الأوحد أحمد بن زين الدين الأحسائي) خطيب يحمل ويروِّج للفكر الذي كفَّر أصحاب الحسينية وطردهم من المذهب والطائفة، ونسبهم إلى فرقة محدثة مبتدعة، حتى منع دفن موتاهم في مقابر المسلمين، فأُفردت لهم مقبرة خاصة (الحساوية)، ما زالت آثارها قائمة في الكويت العاصمة، إلى جوار المقبرة الجعفرية!.. مدرسة البصرة ورائدها السيد مهدي الذي ارتضى نهج السيد محسن الأمين وتبنّى فتنته، وكرر شعاراته، فنصرت البصرة الشام ثانية وتعاضدتا على حرب علي وشيعته… حتى عقر أهلها جمله، ولفظوه وطردوه من بلدهم. والسيد مهدي هذا هو الذي كتب المرحوم الشيخ حسن المظفر رضوان الله عليه في ردِّ ضلالاته كتابه القيِّم “نصرة المظلوم”. فحلَّ الرجل في الكويت، وحلَّت معه الطامة وعصفت الفتنة ونزلت الكارثة! فقد نقل إليها سمومه وأظهر فيها على سيد الشهداء حسده ومارس عُقده، فمنع مواكب عزائه، وحرَّم التشابيه التي تصوِّر واقعة مصرعه وتحكي بعض مأساته، وعمد إلى بث الفرقة والنزاع، ما مزَّق البيت الشيعي وفصل العجم عن الحساوية، ودقَّ بينهم إسفيناً لم ينخلع إلا بعد سبعين عاماً!

    البارحة رأيت أبا مُرَّة…

    مستوياً على منبر العباسية، وقد أرسل لحية بيضاء، واعتمر عمامة تناهز في حجمها أمانيه وتطلعاته، وفي ضخامتها لائحة مصاريفه وكلفة طلباته… جلسة لا تدري من تيه واختيال وكبر وغرور، أسلطانٌ هذا أو أُوناسيس زمانه؟ أم رجل دين وروحاني يدَّعي الفقاهة بل المرجعية؟! كانت رسائله تصدر من هيئته قبل منطقه، ومن أدائه مقترناً بمحتوى خطابه، وقد ظهرت لذوي البصائر ألوان قوسه كنطاق يرتسم حوله، الأحمر القاني من الخارج، ويتدرَّج إلى البرتقالي فالأصفر والأخضر والأزرق والنيلي ثم البنفسجي، تحكي طيفاً يعيشه وأحلاماً تراوده، يريد لجمهوره أن يواكبه ويصاحبه فيها، ويلحتق به ويسعفه على تحقيقها!

    كان يُخرج من كنانته السهم بعد السهم، يسكنها كبد قوسه، يجذب وتَرها وينزعها، ليرميها زبرجاً يدغدغ المشاعر، ويسددها زخرفاً يهيج في أنفس الغرِّ الغرور، يتَّخذ شرذمة مسكونة بالعصرنة من مرضى التطوِّر والحداثة غرضاً، فتطلبهم النبال ويطلبونها، ويدعون أن تصمي قلوبهم! وإن أخرجَتهم من ثوبهم وسلختهم عن هويتهم، وأسقطت عنهم ما يداري سوءاتهم، وتركتهم أمام الملأ، مجردين من لباس الستر كما لباس التقوى، لا يشعرون بعُري ولا يبالون بعار…

    كان يتحدَّث باتزان ويخطب بوقار، ويمضي بثقة توحي للعوام بطول باع وسعة اطلاع، أناة تغوي السذَّج، وتؤدة تخدع الخُدَّج، تخاتل هذا وتغرِّر بذاك. فقد كفاه الهر القصير بموائه التهريج، وأغناه المسخ الحبتري عن النهيق والضجيج، فالأدوار موزَّعة، والمهام المنوطة بكل عامل من العمال مرسومة، والوظائف والتكاليف الموكلة بكلِّ أجير محدَّدة، طائفة تصيح وتصرخ، وأخرى تعوي وتنبح، وثالثة تصفق وترقص، لتأتي رابعة تجمع من انزعج، وتحصد من نجا من شباك أولئك وأفلت.

    وقلَّ من يميز بين أناة نابعة عن عزَّة وأنفة، ووقار يستمد من اعتدال قوى واتزان طباع، وبين تمثيل يضمر ضعة ودناءة، وتصنُّعٍ يخفي خسَّة وحقارة، فلا يأبى أن يبيع الدين والعقيدة في سبيل الوصول، ولا يمانع أن يبذل الشرف والكرامة لتحقيق الأماني والآمال ونيل الرغائب والأوطار. وكم انخدع الناس بشكل حسَنٍ وصورة جميلة، أخفت جوهراً سقيماً وأضمرت نوايا شريرة!

    ولكن، لعمري ما أسمى التطبير وأجلَّه، وما أعظم خطْبه وأشدَّه، وكأن كل شيء يتصل بسيد الشهداء، يكتسب شرفاً وجلالة ويحظى بقداسة وكرامة، فلا يسيء إليه أحد إلا نزل به الغضب ولحقه السخط، وابتلي بدفع الثمن من نفسه أو ماله أو عياله! فمن غرائب أمر هذه الشعيرة وعجائبها، أن كل من دنا لينال منها، وقرُب ليمسَّها بسوء، تراه يعمى عن أوليات ويغفل عن واضحات، كأنَّ حمّىً تنزل به، ولوثة تغلب عقله وتحجب فطنته، فيذهل عن بديهيات، وتخفى عليه أُمور لا تغيب عن أصغر الطلاب وأقلِّ العلماء! فيقع في ما يفضح دعواه الفقاهة، كأنه ما عاش يوماً أجواء الاستدلال ولا عرف طرق وآليات الاستنباط، ولا مارس الصناعة في حياته مرَّة، بل لم يطَّلع أو يحضر دروساً تمكِّنه من الفن وتضعه على طريقه… ثم يقع في خلط وخبط، ويرتكب أخطاءً فاحشة تظهره بعيداً عن الموضوعية والنزاهة، مفتَضحاً في حقده، مكشوفاً في تحامله وكيده.

    ودعك عن تعريضه بالمرجع الأعلى للطائفة، كون تولية العتبة الحسينية تفتح أبواب الحرم الشريف لاستقبال المطبرين، وتفرش لهم السجاد الأحمر! فهذا ليس أول خنجر غرس نصله المسموم في ظهر المذهب والطائفة، فقد سبق إبان الاحتضان الخليجي له (وكان مجرد مقدمات وترتيبات عبر الشيخ الجيراني في القطيف، ما لبثت أن انهارت وتقوَّضت مع انكشاف عجزه وظهور تواضع بل انعدام شعبيته)، أن بادر بتقديم فروض الولاء في إنكار ظلامة الزهراء، وعمد لـ “إقفال” قضية فدك بدعوى رضاها عن الشيخين، ثم لوَّح بورقة القومية، وعاب الأُمة وعيَّرها باتباعها مرجعاً أعجمياً! ثم عاد، في عهد الاحتضان الإيراني الذي يعيشه الآن (وهو الآخر مؤقت معلَّق، فلا أحد يثق بهذا الرجل، وقد غدر من قبل بآل الحكيم الذين تسلَّق على مجدهم مستغلاً مصاهرتهم، حتى استغنى، فكفر بالنعمة وبطر)، ليشهر سيفه على مرام الجمهورية وغرضها الأول: الشعائر الحسينية ولا سيما التطبير!

    ودعك كذلك عن قطعه وجزمه بأمر له جذر نظري مختَلف فيه (هذا في أحسن الفروض التي تخدمه، وإلا فالحق أن لا فقيه حقيقي جامع للشرائط يحرم التطبير)، وتطبيق خارجي تتفاوت معطياته وقد تتعاكس، أن سيد الشهداء عليه السلام لا يرضى بهذا الفعل! فكيف تيقَّن حتى أقسم يميناً مغلَّظة هي الأولى في حياته كما زعم، وهو على منبر سيد الشهداء؟! هل رأى في ذلك رؤياً تلقَّاها وَحياً ونبوَّة؟ أم أن الباب بينه وبين الحجة مشرع والطريق سالكة؟ فأبلغه عليه السلام عدم رضاه، فما كان منه إلا أن أعلنه؟! هكذا نكون أمام بابيَّة جديدة، ومشروع سفارة ونيابة خاصة؟! ولا يتوهمن غافل أن الاجتهاد قد يقود إلى هذا القطع ويسمح بهذا القسم، فالمسألة خلافية، وفيها فتاوى بالإباحة والاستحباب، بل بالوجوب الكفائي، والقائلون بالتحريم قلَّة غير معترف بفقاهتهم، والمعترف به منهم لم يحرمها للدليل الشرعي (فلا دليل)، بل للمصلحة، وهي أمر خارجي مرن، متغير متقلِّب، لا يمكن لأحد أن يجزم ويتيقَّن حتى يحلف بتحققها في مورد. فليس لمؤمن أن يجزم فيقسم ـ مثلاً ـ بأن الإمام عليه السلام لا يرضى من حجاب المرأة إلا بتغطية الوجه، وإن كان الأفضل والأكثر ستراً، فهناك فتاوى (لها مرتكزاتها العلمية وخلفياتها الاستدلالية) تقول بغير ذلك.

    دعك عن كل هذا وذاك، فإن المالكي في آخر تعدياته، سنَّ بدعة جديدة خطيرة، وأسس في الدين وأحدث، حين أسقط التخصص العلمي ودعا الناس إلى تجاهل الحكم الشرعي الذي يستقونه من مرجعهم، وطالب بإخضاع الأمر إلى قياسات عقولهم واستحسانات فكرهم، وكرر مشجب صنوه الحبتري: “بينك وبين الله”! فيا لله وللدليل الذي يبيح تقبيح ما يتوهمه أو يصوِّره الإعلام قبيحاً، ورفض ما يرفضه فكرٌ سقيم ملوَّث، منفعل بروافد الحسية ومتأثر بالمادية والثقافة الأجنبية (التي قد ترى في الطواف حول البيت وثنية، وفي رمي الجمرات سفاهة، وفي نحر الهدي قسوة، أو إسرافاً وتبذيراً)، تقف على الضد من المعنوية والروحانية، وعلى التعارض مع منطق الخضوع لله والتسليم لأحكام الشريعة، بل التناقض مع جوهر الدين، وتقفز على ضالة المتعبِّدين والمتشرِّعين، أي ما يريده الشارع المقدس ويحكم به.

    والأهم الأخطر، أن حقده على الشعائر الحسينية وحرصه على تشويهها ومناصبتها العداء، أو قل استغراقه في تلقي الأوامر، والامتثال إلى التعليمات، واندماجه في تنفيذها، جعله يغفل عن أصل المسألة! فالشارع المقدس أمر في الأصل بمنع الجزع على الميت، وحث في المصائب على الرضا والصبر والتحمُّل والجلَد، فإذا فقد المؤمن عزيزاً لم يجز له الجزع بمختلف مظاهره المكروهة والمحرمة، وإن جاءت أحاديث تذكر صوَر الجزع، فهي تعدد بعض مصاديقه، لا تحصرها. والرجل غفل عن هذه الحقيقة وراح يعالج الاستثناء الوارد في حديث معاوية بن وهب: كل الجزع والبكاء مكروه، سوى الجزع على الحسين.. ليخلص إلى حرمة الإدماء كونه لم يذكر في المصاديق التي زعم أن رواية الباقر عليه السلام (المقبولة الأقوى سنداً عنده!) حدَّدَتها حصراً، كونها وصفت أشد الجزع ولم تذكره، فكأن الإدماء ليس من الجزع أصلاً، فخرج من المستثنيات الجائزة تفجعاً على الحسين!

    هكذا يصبح الإدماء جزعاً على سائر الأموات ـ في فقه فاضل المالكي ـ جائزاً، لأنه لم يذكر في حديث مصاديق الجزع، الذي يحصرها! وكذا التلطّخ بالطين والمشي على النار والدعس على مهشم الزجاج، وما إلى ذلك مما قد تبتكره الأذهان المصابة والنفوس المفجوعة على فقيدها! فإذا أهال امرءٌ ـ فقَدَ أباه ـ التراب على رأسه، ولطَّخ بالطين وجهه وثيابه، وضرب رأسه بالجدار أو هوى عليها بسيف حتى أُدمي، أو أتى بآلة حادة وشفرات راح يجرح بها صدره، أو بسلاسل وسياط ثبَّت فيها مواس، صار يجلد بها ظهره حتى تسيل منه الدماء وتجري… لم يكن جازعاً، لأن الحديث الذي ساقه “الفقيه الدكتور” للاستدلال على الجزع المحرَّم، لم يذكر هذه الصوَر في مسرد جرده! 

    ترتجف يد الفقيه وهو يسطر فتواه، ويتلجلج خوف الزلل، ويتلعثم من عظمة الفتيا وخطر التقوُّل على المكنون في اللوح المحفوظ، وتراه يعقِّب ما يقول ويذيِّل ما يكتب بـ”الله أعلم” و”كتَبه الأقل الأحقر”… بينما يمضي الجاهل باندفاع، ويقسم بأغلظ الأيمان أنَّ الله راض عن تخرُّصاته، ووليه الأعظم غير معترض على آرائه وتوجهاته!

    قد يصعب على أناس ماديين حسيين، غارقين في المال والسياسة، مدججين بالسلاح والعتاد، مستولين على الحكم والسلطة، ممارسين للقهر والغلبة، أن يصدقوا بدَوْرٍ لِـيَـدِ الغيب وإرادة سماوية قاهرة، ويذعنوا بوجود سبب خارج حسابات الحسِّ ومعطيات المادة (وإن لقلقت ألسنتم بالإيمان، ورفعته شعاراتهم للاستئكال، لكنه مما يصعب على النفوس ويعسُر على الضمائر)، ولعل مثل هذا القول يثير فيهم الضحك ويبعت على السخرية والاستهزاء… لا يؤمن هؤلاء بتدخلات الغيب، ولا يسلِّمون بأثره في ما ينزل بهم ويلاقون، لا يعترفون بالقواصم والمهلكات، ولا بالكهوف والحصون والأحراز المنجيات. أما نحن فنرجع انتكاسات وإخفاقات إيران وحلفائها، والصداع الدائم والبلاء الملازم لهم، المتمثل ـ قبل كل بلاء ـ في ضلالهم عن الحق وضياعهم عن جادة الولاء لأصحاب الولاية الحقة، ثم في معاداة العالم لهم ومحاصرتهم، على الرغم من تسليمهم وفتح معاملهم ومختبراتهم النووية، والنزول على الشروط الدولية، ونرى أن النكبات المتلاحقة عليهم، وفشلهم في إنجاز وإتمام أي نصر… يعود إلى إعراضهم عن أبواب الرحمة الإلهية، وأخطر ما يمكن للمؤمن أن يقع فيه: عداء شعائر عزاء سيد الشهداء! “ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم”، “ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذَّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون”.

    عظِّموا فضل الله وانصروه، ادعموا الحيدري ما شئتم واحرسوه، سخروا إعلامكم وفضائياتكم لحرب الأصالة وتشويه التراث، ابذلوا الأموال واصرفوا كنوز الأرض وخيراتها على حذف الأحاديث وتغيير الأدعية والزيارات وتزييف المفاتيح والبحار، ابتاعوا العملاء وجنِّدوهم لحرب شعائر العزاء، دسُّوا الأغراب ثم حركوهم لضرب المرجعية، ازرعوا عملاءكم لنخر وتفتيت ركائز الحوزة العلمية … “لعمرك إنهم في سكرتهم يعمهون، فأخذتهم الصيحة مشرقين، فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل، إن في ذلك لآيات للمتسومين، وإنها لبسبيل مقيم”.

    اللهم افتح بصائرنا وبصائر إخواننا، وخذ بأيديهم لما ينجيهم من شياطين الإنس والجن، واهدهم للعودة إلى طريق الحسين وركوب سفينة النجاة…

    البارحة رأيت أبا مرة، وقد فرغت يده من رمحه ذي الثلاث شعب، لا أدري أمن عجز وخوَر وقلة حيلة، أم أنه أرسلها فأودعها قلب ضحية له تحت منبره فأرداه، وكذا كانت خالية من صولجانه، الذي لهث عمره كله خلفه، وباع في سبيله شرف الدفاع عن الزهراء وبنيها، وتنكَّر لمخدومه وولي نعمته، فلم يلق إلا سراباً بقيعة، حسبه من شدة الظمأ للجاه وفرط اللهفة للرئاسة ماءً… ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

  • أعداء الشعائر الحسينية أنواع …

    هناك نغول غلبتهم أصولهم، وأبناء سفاح تمكَّن العهر من نفوسهم، يفرغون ما فيها من لؤم وخسَّة، ينزلونها شراً، ويباشرونها كيداً، ويمارسونها غلّاً وحقداً.

    وهناك فسقة خبثاء استولى عليهم الشيطان وطوَّعهم، فغدوا يرقصون على إيقاعه، ويلوِّحون براياته، وينطحون بقرونه، ويفرشون طريق المؤمنين بشوكه، طبَعَهم الانحلال والتسيُّب، وحكَمَتهم الإباحية والتهتك، فلا يطيقون تديناً وتسليماً، ولا يتحمَّلون تعبُّداً والتزاماً.

    وهناك من يعيش الدونية ويعاني الصَّغار والذلة، يتحايل لينسجم مع الأغلبية، ويتكلَّف ما يرضي الأكثرية، فيهدر ويفرِّط، ويهمل ويُغفِل، ويعطي من دينه ويبذل من مذهبه، ويمنح من عزته ويهب من كرامته.

    وهناك أرباب مصالح وذوو مطامع، متسلِّقون يتحرَّون المكاسب والمنافع، ويلتمسون الشهرة والرئاسة، فيتلوَّنون بما يسلك سبلها ويقطع بهم طرقها، ويبلغ الغايات والأهداف التي يتهالكون عليها.

    وخذ في أداء هذا وذاك ما شاء الشيطان من جرأة ووقاحة، وتجنٍّ وافتراء، وامتهان وابتذال، وما لا يسعه قاموس الانحراف والضلال من أقوال وأفعال، يعفُّ عنها الأشراف ويترفع النجباء، حتى لَيتجنبها من يتمتع ببعض أخلاق.

    لا تدري ما بالهم، وماذا يحل بأحدهم إذا تألَّق موسم العزاء الحسيني ومضى المؤمنون في ألوانه وأنماطه بنجاح.. تراه وقد امتلأ غيظاً وجاش كمداً، هاج هائجه وفار فائره، جحظت عيناه وانتفخت أوداجه وكشَّر عن أنيابه وارتعدت أطرافه، كأن ناراً تستعر في نفسه من الحسين، وجمرة تلهب كبده من عاشوراء، لا يطفئها إلا ما ترى من شيطنة وفساد، وتشهد من نصب وعداء، وما زال ينحطُّ برخيص أدائه، ويتسافل بتافه خطابه، ما يثير في الساحة القرف ويبعث كافة المؤمنين على الاشمئزاز. وجولة في مداخلات الهمج الرعاع وسائر الأتباع، وما يرشح منها وينضح من كفر بواح، وجرأة على حدود الله، كفيلة ببيان هذه الحقيقة. 

    ومع هذا وذاك، ففي أعداء الشعائر الحسينية قلة قليلة من أرباب دين، ونزر يسير من شرفاء مخلصين! هناك من يلحق بركب أبناء الحرام، وينضم إلى الفسقة المتهتكين، ويصطف مع الأذلة الخاسئين، قربة إلى الله تعالى! يحسب أنه يخدم المذهب، عبر ما يتوهمه إصلاحاً للشعائر، وتنزيهاً لها مما علق بها من بدع وخرافات… صدَّق المسكين مخرجات عقله الصغير، واغتر بفكره الضحل الفطير، فكان خياره كارثة ومصيبة، وأداؤه بلاءً وفتنة، والأخطر أنه ما زال مخدوعاً مستدرَجاً، يُملى له ليزداد إثماً، حتى تسوقه أعماله وتأخذه مواقفه إلى ما يفسد نيَّته، وتنقله إلى العصبية والعزة بالإثم، فتصطلمه اللأواء وتورثه الشقاء فيلحق بأولئك بعد أن كان في هؤلاء.

    القضية أنهم لا يرون الحسين إلا قياماً وثورة، ونهضة سياسية، وإحياء ذكراه إلا جبهة صراع مع أنظمة الجور والظالمين… والمعضلة أنهم يريدون سوق الشعائر الحسينية إلى ما يرفد قراءتهم هذه لحركة سيد الشهداء، ويغذي رؤيتهم لعاشوراء، فإذا لم تفعل، فهي أساطير وخرافات، وإذا لم تصب في نهرهم وتعظِّم مجراه وتسقي مزارعه وحقوله، فهي حركات باطلة وأدوات استعمارية خائنة، تقف خلفها السفارات الأجنبية، وترعاها أمريكا والموساد، فإن سلمَت من تهمة العمالة، فهي على أي حال تمثل تخلُّفاً يزري بالأمم ويُمعِن في رجعيتها، وأفيوناً يخدِّر الشعوب ويعطل تطورها، تماماً كما كان يرمي الشيوعيون الدين، وينالون منه في عقائده وشعائره.

    فالبكاء ينبغي أن يكون هادفاً (يعيش الحدث المعاصر في فلسطين مثلاً)، لا تفجُّعاً وجزعاً، وإلا فهو بعيد عن نهج الحسين. واللطم يجب أن يكون لكمات وصفعات على وجه الظالمين، وإلا فهو حيلة البائر وملاذ العاجز الخائر. والسيوف ينبغي أن تغرس في صدور الأعداء، لا أن تفلق هامات المطبرين، وإلا فهي مظاهر تخلُّف ومشاهد منفِّرة تشوِّه الدين. والذكر في المجالس يجب أن يخلق ثورة ويعبأ مجاهدين، يحاربون إسرائيل أو يدافعون عن سوريا، وإلا فهو هذر ولغو وتضييع وقت.

    قراءة تخرج تسعة أئمة معصومين من ولد الحسين عن نهجه! وتصنفهم ـ والعياذ بالله ـ قاعدين، قاصرين أو مقصِّرين (فقد نادى مناديهم بمحاسبة الإمام القاعد والساكت في داره كالأموات!)، فهم لم يشهروا سيفاً ويقوموا بثورة، بل ألتزموا السكون واختاروا “القعود”، وكذا تخرج عشرات آلاف العلماء الأبرار الذين يشكلون أعمدة المذهب وأساطين فقهه وأصوله، ورواة أحاديثه، وأرباب تفسيره القران، وحملة آرائه في الفلسفة والحكمة والكلام والعرفان، فالغالبية العظمى منهم على هذه الطريقة، من المشرب المرفوض والمسلك المدان لدى القوم، وإن استثنيت، فلن تتجاوز نسبة الثائرين منهم 5 %.

    وقد بُحَّت الأصوات وهي تعِظ القوم دون جدوى، وأنقطعت الأنفاس وهي تشرح وتبين لهم خطَلهم بلا فائدة، ما زالوا يجترون مقولاتهم الجوفاء (إذ الغالبية العظمى منهم يقولون ما لا يفعلون، غارقون في مقاعدهم الوثيرة، غاطسون في مناصبهم الأثيرة، مقيدون في ترفهم، متثاقلون إلى أرضهم. وما زالت فتوى قائدهم الخامنئي بجهاد أمريكا، التي أصدرها إثر الغزو العراقي للكويت، تنتظر من ينفذها منذ 1990، فلم يستجب لها أحد، ولكنهم جميعاً ينادون ويتبجِّحون بأن الحسين جهاد وقيام ونضال!)، حتى ليمَلَّ تنطعهم ويستثقل ظلالهم أكثر الناس دماثة وسماحة، ويضجر سماجتهم ويجتوي مقولتهم أكثر المؤمنين سعة صدر وهوادة. وحين علَـتْهم سياط العلم ولَسَعهم الفقهاء بفتاواهم وجلَدَهم الفضلاء بردودهم واحتجاجاتهم، لم يرعووا ولم يرتدعوا، وما زالوا يعاندون ويكابرون، مكبين على وجوههم، صُمٌّ بُكم عُمي، لا يعقلون… إنهم يقرأون مقطعاً ويغفلون عن باقي الصحيفة والكتاب، ويرون جانباً ويعمون عن عرض عريض أُرخي دونه حجاب. يسمعون صوتاً خافتاً، ويصمُّون عن جلبة تشغل العوالم، وضجة وصرخة تصك سمع الملكوت! فهم من أتم مصاديق قول الشاعر:

    فقل لمن يدَّعي في العلم معرفة ـ حفِظْتَ شيئاً، وغابت عنك أشياءُ

    ولعلَّ التمثيل بشاهد عصري يفتح مستغلق الأذهان، ويقرِّب إلى متناولهم ما لا يدركون من واضح البرهان…

    إن آخر ما توصل إليه العلم البشري في حفظ البيئة وإنهاء أسباب التلوث والتصحُّر والاحتباس وما إلى ذلك من كوارث وآفات، هو فكرة ونظرية حظر التدخل، وقوامها أن يترك الأمر في الطبيعة على حاله ويمنع تدخل الإنسان في معالجة أمراضها وتردياتها، بل يحظر دخوله ومجرد مسِّه بأي نحو بها! وكانت فكرة “المحميات الطبيعية” تجربة في منتهى التوفيق ونموذجاً غاية في النجاح. فالطبيعة كفيلة بمعالجة إفرازاتها، وتدوير مخلفاتها، والحفاظ على سكَّانها وكائناتها وثرواتها. فما تصوَّره الإنسان “استصلاحاً” للأراضي وسعياً لجعلها منتجة فاعلة، كان خطأ شكَّل كارثة مدمرة! حين توهَّم الخير في توجيه مياه الأمطار، وصرف روافد البحيرات المالحة، أن تصب هناك وتذهب هدراً، ما قلَّص مساحة هذه البحيرات وجفَّفها، فحوَّل تربة قيعانها المنكشفة إلى غبار قاتل، يغير الطقس ويلهب الجو، ويدمر المزروعات التي لأجلها صرفوا المياه عن البحيرة!

    هناك دوائر متَّصلة وحلقات مترابطة، تشكل منظومات متكاملة ودورات تامة، الإخلال بأي جزء منها، والمس بأية مفردة فيها، سيودي بالمنظومة ويدمِّر الدورة… هذا سارٍ في البحيرات المغلقة، كما في الغابات والحقول والمزروعات، وحاكم في مكافحة آفاتها ومقاومة أمراضها، وفي كافة النطاقات البيئية، كما هو سارٍ في معالجة الأبدان وملاحظة الآثار الجانبية للعقاقير والأدوية، ومطَّرد في جميع مناحي الحياة، وأهمها الاجتماعية والسياسية.

    تصوروا لو صدَّق الناس وأذعنوا لآراء وأفكار الحداثيين في الشعائر الحسينية، فصرفوا أموالهم على الفقراء بدل بذلها على المآتم والمضافات، كما فعلت منطقة “عفك” بالعراق (بزعم وسائل التواصل، وجل مزاعمها أكاذيب)… قرَّت إذاً أعين النواصب وملئت أكفُّهم مما يطلبون منذ أربعة عشر قرناً! ثم هل ستعالج هذه الخطوة مشكلة الفقر في “عفك” وتنهيها؟ ماذا لو كفَّ الشيعة عن النوح والبكاء واللطم والتطبير، كما فعل ثلة في البحرين، وقلبوا العزاء ثورة، والشعائر شعارات سياسية، ونقلوا الندبة وحوَّلوها من الحسين إلى شهدائهم وشهداء غزة؟ هل سيستمر شيء بعدها ويمضون في طقوسهم المبتدعة المحدثة؟ أم سيتوقفون كما توقفت الثورة هناك، وتعطَّلت على أبواب العجز وعدم القدرة، وتجمَّدت في دهاليز السياسة وصقيعها المستخف بكل تضحية؟ لتتحوَّل الثورة من إقامة حكم الله وتطبيق شرعه، إلى جمهورية ديمقراطية على الطراز الفرنسي، ثم إلى ملكية دستورية على الطريقة البريطانية، وما زالت تنحدر وتتقلَّص حتى بلغت إطلاق المعتقلين وحصة أوفر وتمثيل أفضل في البرلمان؟! ماذا لو انصاع الشيعة في العالم حيثما كانوا لهذا الخطاب، فحملوا السلاح وثاروا على حكوماتهم وعلى الأنظمة التي تحكم بلادهم، فخلعوا طاعة الظالمين، وتمردوا على مؤسسات الدولة الغاصبة الجائرة، وصاحوا: “مثلي لا يبايع مثله”… هل سيبقى منهم أحد دون أن يقتل أو يعتقل أو ينفى من الأرض؟! هل يملك مقرن المعازف بصلاة الليل في إيرلندا، الماجن الطالح أن يفعل شيئاً من هذا؟ هل يطيق أن يكون “حسينياً” بالمعنى الذي يطالب به الشيعة، ليوم واحد فقط؟! هل يستطيع الكذاب الرقيع والهر الوضيع الذي يدين النظام البحريني على ارتهان عيسى قاسم في الإقامة الجبرية، أن يهمس باسم الشيخ الكروبي ومير حسين الموسوي، وأنهما قيد الإقامة الجبرية أيضاً، وبنفس الجرم والتهمة، أي التفاف الجماهير بهما، واكتساحهما نتائج الإنتخابات أمام أحمدي نجاد، مرشح السلطة آنذاك؟!

    هل الثورية والقيام الحسيني الذي ينادون به ويرفعونه أمام الرثاء والعزاء والشعائر، مشروع عمل، ومدرسة تطبيقية، أم هي مجرد شعارات، وأداء سياسي، وتقنية تستخدم لدغدغة المشاعر واستغفال العوام وكسب الأنصار؟ والأهم الأخطر: هدم القائم من الكيان الحسيني، وتقويض الذكرى على طريقة هزائمهم السياسية؟!

    بإختصار شديد… الشعائر الحسينية هي الوسط المذيب، والبوتقة، بل المرجل الذي تغلي وتنصهر فيه جميع معادن العلم والمعرفة، والسير والسلوك، وتمتزج فيه مفاهيم الصبر والجهاد، والرضا والإباء، ويلتقي العقل بالعاطفة، والشرع بالحب، ليفرز خليطاً ويصنع ترياقاً وإكسيراً، كفيل بعلاج كل آفات البشرية المعذبة، ومداواة كل جراحات الإنسان ومعاناته… ومن يمدُّ يده في هذا المرجل، ليلتقط شيئاً ويقتطع جانباً، يستله من المزيج الأعظم، ويسرقه ليخرجه من فضائه ويزيحه عن مكانه، لن يخرج إلا بخيبة تحرق يده، ويكون ما التقطه وبالاً عليه، ولعنة تورثه البلاء الذي ما زال فيه، فلم ينجز أو يتم مشروعاً جهادياً واحداً، فما ان يخرج من معركة حتى يبتلى بأُخرى، ثم يكتشف أنه تعجَّل هنا، وخُدع هناك، ولو كان يعلم لما أقدم. كل ذلك للفكر المعوج والمشرب الفاسد، وللإعراض عن قناة الفيض الإلهي، وترك النيابة والولاية الحقة.

    إن الثورة الحقيقية على الظلم والظالمين، لا تكون إلا على يد الحجة ابن الحسن العسكري، أو نائب حقيقي له، ممن يحقق المشروعية والنزاهة ويمثل التقوى والعدالة، وينطلق من معرفة بالإمامة وعلم بفقه آل محمد، ومن حرص حقيقي على الأمة، كما كان من المرجع الأعلى في حكم جهاد التكفيريين الغزاة، ولا يكون وليد مدارس الضلال، حزب الدعوة وعلي شريعتي وفضل الله، فهؤلاء لا يؤتمنون على دانق، فكيف بالدماء والأعراض، بل كيف بالدين ومصالحه العليا… وها قد راغوا إلى معالمه وشعائره ضرباً بمعاولهم، قبل أن يمسوا شعرة في رأس الظالم!

    هناك رؤية استراتيجية للأمور تسبر أغوار الماضي، وتستشرف آفاق المستقبل، فتعيش حاضرها في ضوء معطيات هذه وعلى أسس راسخة تلقتها من تلك، تقابلها نظرة مقطعية، وقراءة التقاطية، تعيش أفقاً محدوداً في جانب أسَرها، وفكرة انبهرت بها فاستحوذت عليها، تريد أن تخمد صوت القرآن والحديث والأخلاق والسيرة والفضائل والكرامات، وتخمد صيحة الألم والحسرة والفجعة، وتطفئ صورة المأساة والحزن والجزع على الحسين… لصالح صوت الثورة والقوة والجهاد! فإذا مضى هؤلاء السفهاء في طريقهم، واصطلمتهم البلية، أُسكت الصوت والنداء كلُّه، وأخمدت الصيحة والصرخة بجميع أشكالها، ودُمِّر المسرح وقُضي على المشهد بسائر صوره، ومُزِّق الكتاب وضاعت الذكرى.. ودفنت الواقعة!

    كم هو مؤلم أن تنقضي عشرة عاشوراء، والمؤمنون منقسمون، على اليمين يتلقون: ذهب العناء وبقي الأجر والثواب، يغمرهم الرضا والأنس بالطاعة والشكر على التوفيق للخدمة، والمساهمة في إحياء الذكرى. وعلى الشمال يتقطعون حقداً وغيظاً أن الشعائر في ألق وازدهار، ويتجرعون الغصص أن لم يتمكنوا من تعطيل واحدة، وفشلوا في صرف الناس عن شيء منها، يزفرون من غضب وينفثون من غيظ.

    لم أكن أتصور حجم الألم الذي صاحب إخفاقهم وفشلهم، والغضب والإحباط الذي أعقب هزيمتهم… وكنت أفترض حدوداً لن يتجاوزوها في عدائهم، لكنهم هذه المرة تجاوزوا كل حد وذهبوا بها عريضة، لم يبلغها علماني ولا بعثي. 

    ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

  • بزغ الفجر وامتد الشفق، ثم عاد واستدار على نفسه، فتقعَّر أسفله وضاق في قاعه، وانفرج أعلاه واتسع، وصنع قدحاً. وقد استجمعت الشمس أشعتها ولملمت ظفائرها، ثم هوت من برجها مُـساحة مُذابة، وانسكبت في قدح الفجر سُـلافاً سالَت من عصر، صَبوحاً يصل السمَّـار فيها ليلهم بالنهار. صرنا نتعاطى الشمس ونشربها حميّاً! وأنا أرتـشف منها حَبَبَ الكأس وأتمزمز بمرير المذاق، فإذا ارتويت منها، ما اكتفيت، حتى سألتها فأجابتني والتمست فما خذلـتني، فطوَّحت بي ودارت برأسي حتى ناولتني الدواء وسقتني الترياق من يد الطبيب، وأخذتني لأدخل الحضرة وأرى وجه الحبيب.

    في تلك الصبـيحة: رأيت الخيزران بعد أن قفَّ وقبَّ وجَفجَفَ وقَفِل، وصلُح لصنع الناي وترجمة الآهات حكايات وأشعاراً، والزفرات والأنات ألحاناً وأسفاراً.. رأيت هشـيم الخيزران قد أزهر، ورأيت الورد تفتَّح على قفيل أعواد القصب! نعم، ساحت الشمس وانصهرت، وغدت صَبُوحاً في القَدَح، ونَضَرَ القَفر، وعلى يابس عود الخيزران، أشرق زَهرٌ وانفتح.

    قد أبصرتُ يقيناً وتراءى لي النور، وتلألأ الفجر مشرقاً وضَّاءً، كما الأصداف في الماء الزلال، وجوهرة تتراقص فيها الأضواء وألوان الطيف، فتختطف الأنظار عن الشموع والقناديل، وتبهت السرج والمصابيح.

    أفقت عن طيف، كأني رأيت الشمس في منامي تعلو رمحاً! 

    : الشمس تعلو رمحاً؟

    : نعم، هذا ما رأيت، واقعاً لا في الخيال! والسحب تركض من وَجَلٍ وخوف، والنجوم في طيش واضطراب.

    كم مهول رؤية الشمس على رأس السنان، ترتل من آي القرآن “أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً”؟

    قد ترى الماء يسيل من صماء صيخد عذباً لا أُجاجاً، وترى النبت يـبسق عنها، فتورق وتزهر وتثمر. وقد ترى أرضاً تتزلزل وبركاناً يتفجَّر وإعصاراً يضرب ويهدر ونجماً يهوي وقمراً ينشق وشمساً ترجع. وقد ينفلق البحر فترى كل فرق كالطود العظيم، وتنقلب العصا حية تسعى تلقف ما يأفكون. وترى في الكهف رقوداً من سنين، تحسبهم أيقاظاً يتقلَّبون ذات الشمال واليمين، وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد، فتعجب حتى تولي منهم فراراً وتملأ رعباً… ولكن عزَّ أن ترى الشمس على رأس السنان! لن ترى الشمس ترتل آيات القرآن!

    أدرها أيها الساقي وابتدئ بي.. هلمَّ، وتولَّني بمزيد رعايتك، ودَع صحبي وقدِّمني. حنانيك، اسقنيها شَمُولاً تعمُّني بعصفها، وتُقْهني عن غيرها. أأُخي ارفق بي وقدِّمني الساعة.. فالسبق على الموارد والعيون حقٌّ للظماء، والأولى أن يُفسَح للعُطاشى ويُقدَّموا على سواهم. إن صحبي ليسوا في الغرام مثلي ولا هم على حالي، فلا تبالي… إن هؤلاء الندامى يسعهم الصبر ويطيقون الانتظار.

    لا تؤخذنَّ بسماحة هذي الوجوه ونضارتها، ولا يغرَّنك لطفها ورقتها، ولا تتوهمن من ملاحتها بطراً أو ترفاً.. إنها وجوه عركتها السنون بمِحَنِها وصقلها الدهر بصروفه وعتَّقتها الأيام بمصائبها. هذه الوجوه السمحاء النضرة التي ترى، طالما تحمَّلت خذلان الأقربين وتعنيف المحبين وجـفوة الأوطان وجَور الأهلين. وطالما قاست من ظِنَّة الشكاكين وسهام المتصيِّدين المتربصين وكيد الحاسدين، ولسع سياط الشامتين والمستهزئين. وجوهٌ طالما اكتوَت بفساد العلماء المتهتكين وعانت من الجهلة المتنسكين، وابتليت بالعوام المتفقهين، والفقهاء من وعاظ الـسلاطين! لقد قُتل هؤلاء الأخلاء السُجَراء مئات المرات بطعنات غدر المجاملين المتملِّقين، وأُخذوا بخِسَّة الوصوليين المتسلِّقين، وتجرَّعوا المرارة حتى الثمالة من كاسات ذل الـقاعدين وجزع الخروعين الرعاديد المرعوبين. لقد ضجروا مما تحمَّلوا وسئموا مما كابدوا… إنما الرقة التي ترى هي من فيض أرواح سَمَت وأنفُس عَظُمَت، فصبغت الوجوه بأنوارها، ومسحت عليها من طبعها، فأزهرت ولَطُفَت وشفَّت ورقَّت. رقة تحكي النُبل لا الترف، ولطف يعود إلى الشرف لا السرف. إنها ملاحة الزهد وصباحة التقى وجمال العفَّة وزهرة الطهر والنجابة.. إنهم يا صاح من “الأوَّلين” و”السابقين السابقين”… إنهم السائحون العابدون، الراكعون الساجدون، الماشون على الأرض هوناً، الآمرون بالمعروف، الناهون عن المنكر… هؤلاء هم العارفون العاشقون، الأخلاء المتحابُّون، الخُلصاء المتآخون، “ثلة من الأولين وقليل من الآخرين”. وإن تراهم يميدون من نشعة، ويترنَّحون من سُـكر، فحالهم ليس ما ترى، كما هي وجوههم غير ما تنظر:

    ورحنا وفي أفعالنا صحوة الحِجى @ وإن كان في ألبابنا نشوَةُ السكرِ

    كيف لجريح مثخن أن لا يقيم على السهر؟ مَن لي بسامر أصل معه ليلي بالسحر؟ سيطول هذا الحديث ولن يأتي على نزر مما أُعاني! فإذا بزغ الفجر ولاح النور، وأنا لم أفرغ من بث شكوىً تؤرقني، وبوح أنّاتِ جوىً تعتصر أضلاعي، ولم أنشر قصة حبي… دهمني الظلام! جثمت الظلمة وأطبقت…

    طوبى للعُمي بعد الـشُّــل والكُسح، وسعداً للأضراء بعد الصُّم والصلُخ، والبشرى للمكافيف بعد البُهم والخُرس والبُكم!.. ها قد جثمت الظُلمة وأطبقت، فلتـقـر عيون العُمي وتهنأ!

    أوَ تقر عيون كفَّت وذهب ماؤها فبصرها؟ إنها لا تعمى الأبصار ولا تكفُّ العيون، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، فتذهب العقول وتغشى البصائر وتكف الأفهام وتموت الألباب. طوبى للعُمي، فهم والبصراء في ظلمة هذا “المنزل”، وفي دهماء هذه “المدينة” وبهمتها… سواء! وأنت أيها الساقي، هنيئاً لك كَلَلُ الشاربين من أهل الديار وملل السكارى من سكُّان هذا الحي، فـقد أعفَوك من رهق مجاراتهم وأراحوك من نصَب متابعة طلباتهم… ولست أدري.. أدلالٌ ذاك منهم أم مَلال؟ أم تجنٍّ على الطريقة، وضلال وانحلال؟ أما أنا، فماض في شرابي، لا أُطيق صبراً ولا أُحسن تجمُّلاً، ولا أُريد نجاة ولا أنشد سلامة!

    أُريد أن أفنى وأتلاشى وأندك في مَن أهوى فلا يبقى منّي شيء! أُريد أن أموت وأحيا، أُدفن وأُنشر، أُذرى وأُبعث، فلا تبقى مني حتى «السويداء»! إيه يا صاح، اسقني.. فلا طِبَّ لهذا الداء المدنف العياء، ولا لهذا المرض المخامر المضني شفاء. لا شيء يدمل هذي الجراحات القديمة الغائرة، ويبرئ هذي الكلوم ويرأق نزفها.. إلا هذه الحميَّا. اسقني، فأنا جزوع انفصمت عُرى احتمالي ووَهَى جأشي، ونضب معين صبري ونفد، وَبِتُّ في أضيق من سَـمِّ الخـياط وآزف من بياض الميم. اسقني فقد تداعت حصون مناعتي وتهدَّمت أركان عصمتي.. فأنا في غربة موحشة. أنا غريب في هذي الديار، رغم الصحب والأقران، والندامى والخلان… إنني في غربة!

    أهلكني الصبر وأمضّني… إن لي والصبر أحقاداً وضغائن، وتِرَاتٍ وثارات!

    ما زالت حرقة «آدم» وحسراته على فراق الجنان تستعر في حنايا صدري وتكوي أضلاعي. ما زلت أنزف من ضربة «قابيل»، وأحتمل وزره، وأتحمَّل كلفة تبعة فعلته. ما زلت أنظر إليه مع المظلوم «هابيل».. وأتجرع الغُصص بحسرة يكتنفها إشفاق، وغضب يقودني إلى إطراق، فخوف وتشاؤم يغالب أملاً ورجاء، من عاقبة أخ، ومصير نَسلٍ وذرية عظيمة ستنحدر منه. كنت هناك، أُكابد واُعاني… عشت كل الآلام، وتلقيت الجراحات، وتجرَّعت المحن والويلات وقاسيت البلاءات. كنت شقيق «يوسف» في الجب، يعلِّمني النجوى والشكوى، وأسرار الصبر، وكيف يكون الابتلاء والاجتباء، ويلقّني أدب الرضا والتسليم وثقافة الانتظار والفرج… عسى أن يدلي مُدل دَلوَه. وشقيق «يحيى» في «نهر الأُردن»، يهدي ويبشِّر، يعمِّد ويطهِّر، حتى حُمِل رأسه إلى بغي من بغايا بني إسرائيل، وأنا أحوم فوق منديل يجلل الطبق، وحين أُزيح وطرح لتتشفى العاهر من مرأى الرأس القطيع، هويت مع الغطاء وطرحت جانباً، مُهمَلاً تدوسني الأقدام، ويسحقني العجز ويُمرِّغني الألم.

    كنت مع «النيـل» أحمل «التابوت» برفق وأناة، أرجو هبوبه أن لا تعصف وتخرق، وأتوسل إليها أن تكون نسائم رخاء، فلا يغدف هذا العظيم ولا يجيش، وأن تترقرق أمواجه فـتسوق التابوت يتهادى إلى «فرعون» ليلتقطه. و«النيل» ماضٍ كما أشاء، لا أدري أكان يسبقني بإرادته، وما الأمر بيننا إلا توافق والتقاء؟ أم كان يطاوعني ولاء؟ لا يصرُّ أن أُلقمه “عروساً” من أجمل قيان مصر قرباناً يسكِّن غضبه، فلا حاجة، إذ هو مثلي “مُوَال” يتقطَّع حباً ويجيش عـشقاً! وكنت مع «موسى» أمجُّ المراضع وألفظها، وأُدوِّي بالصياح حتى يضج الـقصر، فلا يسكن عن مرضعة تقرُّ عينها ولا تحزن. وقد لازمته وصاحبته بعد التابوت والقصر، في الثورة والنصر.. وهائماً يبحث في «سيناء»، يتحرَّى الخطاب، ويتمنى الرؤية، ونظرة إلى الأحباب. وعلى «الجُلجُلة» لُقِّنتُ الصمت عن الشـكوى وتعلَّمت كتمان الألم! هناك كنت أقرع الناقوس وأُنـذر مع «عيسى»، أحمل الصليب، وأذود عنه ما أمكنـني من العصي والحجارة والسياط، وأُشاطره ما يتحمل عن البشرية من آلام وأوجاع وتبعات خطايا وآثام.

    إنه عهد وميثاق أمضيته منذ اليتم مع «محمد» في «بني سعد»، إذ زهدت فيه المرضعات.. يخرج بغنم «حليمة»، وقد سرت “النسمة المباركة” حيثما حلَّ “القرشي اليتيم”، فاعـشوشب المرعى في مضاربهم بعد جدب ومحول، وأسمنت الأغنام بعد هزال ورعام، ودرَّت الألبان بعد شحص ومكود. إنه عهد العشق المعمَّد بالدم، وميثاق الحب المؤكَّد بالـروح، وقَـسَم بعـزم وحسم، أمضيتـه مـع «الأب» و«الجد» من المهد، لأُوفيه لـ «السبط» مع «المهدي». كنت مع السحابة أسبح وأزهو، ومع الأطيار أرفرف وأرنو… أُظلل له عن الشمس وأقيه من حرِّها. وعلى باب «ثور»، كنت أتدلَّى وأهتمش مع العناكب في الليل الحالك، أحوك ستراً وأنسج واقية تواريه في الغار وتصرف عنه الأنظار. في «أُحد» شققت جيبي وأعولت إعوال الثكلى، حتى رأيت «اليـعسوب» يذود عنه ويقيه بنفسه، فقرَّت نفسي وسكَن روْعي وعلمت أن نداء الموت الذي دوَّى في الميدان لم يكن إلا حرباً نفسية أو امتحاناً. كم يهون أن ترى الحدث ماضياً وتقرأه تاريخاً وخبراً، فتقلِّب صفحة أو اثنتين، لتتجاوز الكدر وتتخطى الحزن.. ولكني عشته وانفعلت به واندككت فيه، فانتقَلَت إليَّ الآلام وسَرَتِ المعاناة، تهد أركاني وتذوي كياني.

    في «الكوفة» كنت أنتظر لألتقط، فأسمع من رَجعَ آهاتٍ تلَجلَجَت في الحلق من “شجىً” أليم، وأستشعر نداوة عبرات أسالها “قذىً” مقيم.. فكأني حملت شيئاً فخفَّفت عن «مولاي» وداويت جرحاً! إذ لم يَضِعِ الصدى في فضاء البئر، ولم تختلط النداوة بمائه، يمتص الجدار هذا ويخفي القاع ذاك، فيضيع عن البشرية، فلا تعرفه بعد الرشا والدلو والجدران، إلا الجنُّ والغيلان!

    لقد حضرت انتفاضة الجياع المظلومين وثورة الفقراء المُعدَمين، ورأيت صَولَتهم على «قارون» عصره، حين قام نافجاً حضنيه بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع! كما شهدت غضبة الطاغوت وسطوة بطانته المستأثرة، تنكِّل بالصحابة: تكسر أضلاع هذا، وتفتق بطن ذاك، وتطرد وتهجِّر وتنفي.. هكذا طويت صحراء المنفى مع «أبي ذر»، وكَوَت قدمي حصاه اللاهبة، تدوسها وتقلّبتها مع ابنته حتى «الربذة»، ومعنا جميعاً كل ما تبقّى في ذلك العهد من عزٍّ ومضاء، وشرف وكرامة وإباء… والناس تواسيه وتقول: يا «أبا ذر» أبشر فهذا قليل في الله تعالى. وهو لا يعبأ بشيء مما نزل به، ويمضي يبشِّر أو يُنذر، ويقتنص الفرصة ليبث أخطر رسالة حملها ويبلغ أعظم خطاب عرفه، يداري فيه جانب “القربان” يظهر البلاء والامتحان!: “ما أيسر هذا، ولكن كيف أنتم إذا قـتل «الحسين بن علي» قتلاً أو ذبحاً، والله لا يكون في الإسلام أعظم قتيلاً منه، وإن الله سيسل سيفه على هذه الأُمة لا يغمده أبداً، حتى يبعث «قائماً» من ذريته فينتقم من الناس. وإنكم لو تعلمون ما يدخل على أهل البحار، وسكان الجبال في الغياض والآكام، وأهل السماء من قتله، لبكيتم والله حتى تزهق أنفسكم! وما من سماء تمر بها روح «الحسين» إلا فزع له سبعون ألف ملك، يقومون قياماً ترعد مفاصلهم إلى يوم القيامة، وما من سحابة تمر وترعد وتبرق إلا لعنت قاتله، وما من يوم ألا وتُعرَض روحه على «جدِّه» صلى الله عليه وآله فيلتقيان”.

    مع «عمار» تلقيت ركل الغلمان وضربهم، مثلما رأيت الخضراء تبكي وتنعى، والغبراء تندب وتنتحب، وهي تنظر وتشهد كيف يفتـقون بطن وليٍّ “ما أقلَّت ولا أظلَّت ذا لهجة أصدق منه ولا أبَرّ”! كالسحب كنت أهطل وأُدمي، أبكي وأسبح، لأطوي الفيافي والقفار… وكالبحار، كنت أتمدد لأحتضن الشواطئ، أضمها وأغسلها، ثم أنحسر عن جرف خلا من كل الهموم الرابضة، وأعود بكل الآلام المستلقية هناك! كما «الأشتر» ومعه كنت أُجاهد وأُقاتل، تدفعني نيتي فتسوقني، ويسبقني عزمي فيقودني.. أبى السُكرَ من زهرة الحياة الدنيا أو الافتتان بحطامها، وأصرَّ أن يخلع أثواب الغفوة وينضو أغلال الأسرِ ويقطِّع قيود الخوف، ويخف فلا يخلد ولا يثقله إلى الأرض شيء. ينطلق في الميادين يطلب الشهادة فلا يصيبها، ويخوض السوح يطارد الموت فلا يدركه.. فيوقعه متعثراً، وينزله كخبط عشواء بكل مَن برز إليه ولقيه ووقف في دربه! يفرّقه في أعداء «مولاه» بِعَدل، وينشره في جموعهم، فلا يغادر نغلاً. وكأنه أبى إلا أن يشارك “خازن النيران” فعله بعد اسمه، فكان يحـصد لجهنم ويملأ، فيتلـقاهم «مالك» هناك ويزجُّهم في دركاتها، وينادي: هل من مزيد!

    كنت مع التمار «ميثم»، أشدو وأُناغي للعروج. وعلى مقصلة الشهادة ألهج بمدح «مولاي»، أُغنّي، ولعرسي أترنّم… ماذا تقول يا هذا وماذا تزعم؟ أين أنت عما أنا فيه؟ آه لو تدرك شيئاً أو تعلم… إنها غصص مرارة “صبر الله” في حلقي ما ساغت منذ كانت، وشجى حرقة وحسرة ما جازت وما زالت منذ عَرَفتني وعرفتها. ما زال رَشحُ سَمِّ «جعدة»، ولوعةٌ تقطِّع كبد «السبط المجـتبى» تلهب أحشائي وتمزق أمعائي، وتضرب وجهي بصفرة وتصبغ محياي بذبول… فيسألني من يراني عن علِّتي ومرضي؟! إنني مثخن بالجراح، مثقل بالمحن، مهدود الأركان، مضعضع الأعضاء، مُدمى القلب، مفطور الكبد، مشلول الجوارح، منهـوك القوى…

    إنني مرابـط في «كربلاء» مذ خُلِقَت، فدخلت باء العقد من الكرب في باء البلاء… كَرُبَتِ الأرض وانعقدت البقعة على البلاء، فلا انفصام ولا فكاك. ظهرت الرزايا وبانت أم توارت فكأنها ليست هناك! إنني مقيم فيها مذ أناخ الركب، وَقْفٌ عليه وعليها، مستوطن مجاور هاتيك الديار، هائم على وجهي أقبِّل ذا الجدار وذا الجدار. أشم الثرى وأطوف في الأكناف إنها مذبح «القربان» إنها أرض من الجنان.

    في صبيحة اليوم الذي ساحت الشمس وانصهرت، وغدت صَـبُـوحاً في القَدَح…. نَضَرَ القَفر، وعلى يابس عود الخيزران الـقـب، أشرق زَهرٌ وانفتح.

    رباه.. كيف لتوجُّعات متكتِّمة وأنين، وتألُّم مكبوت وحنين، كيف لصيحات خافتة ونداءات ضعيفة خفيضة، لا تكاد تحس ولا تسمع، أن تعلو وتصعد وترتفع وتضج، فتنتشر في الفضاء وتملأ الآفاق، لتقرع الآذان وتصك سمع الإنس والجان؟! كيف لقطرات زاكية من دماء الأطهار، شربتها الأرض بقعاً صغيرة مترامية، ثم عادت بلقعاً، أن تفور وتتفجر، حتى تغمر أمواجُ الدماء السهولَ والوديان، وتنذر بالعصف والطوفان!؟ تسيل السهول وتجري بالدماء، وتتلاطم الأمواج وتتدفق في واد بعد واد، وتصبـغ الحمرةُ الأرض وتسري لتـطال الأُفـق وتطمو على السماء، وتضرب الشفق بلونها القاني وتخلفه مُدمىً ما بقيت أرض، وأشرقت شمس ولاح فجر.@

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    @ من فصل في كتاب «القربان»

  • عندما كانت مجسَّات الإنذار المبكر في بصائر الواعين ومدرَكات الغيارى على الدين، تشير إلى أن إيران بصدد تقويض الحوزة العلمية وتدمير المرجعية الشيعية، وهدم معالم المذهب وأركانه، أو مسخ حقائقه وإفراغها من جوهرها، وأنها ـ بذرائع الإصلاح والعصرنة ـ ستخرج بدين جديد، فالفكر الحاكم هناك شريعتي إخواني دعوجي، وأنَّ ظواهر مثل فضل الله والحيدري وحب الله واليعقوبي وعودة وقصير، ليست عفوية ولا تلقائية، وأن هناك يداً تدير وتدبر، ومنهجاً معدّاً وخطة تمضي قدماً، وأن الأدوار في هذا الخطير موزعة والمهام مقسَّمة، بما يفرغ التشيع من محتواه الحقيقي ويخلق مذهباً جديداً لا يحكمه التراث (الذي يرونه مليئاً بالإسرائيليات!)، ولا يخضع للضوابط العلمية وأصول الاستنباط (التي يرونها رجعية تجزيئية، لا تنظر إلى الدين نظرة شمولية عصرية، ولا تتمتع بقراءة فلسفية للحياة وتطورها!)… كان بعض الإخوة الولائيين، يرفض هذا التحليل والقراءة، فلا يجاريها ولا يلتزم بمقتضياتها من مواجهة هؤلاء الذين يبثون الضلال وينشرون الانحراف، وكان بعضهم الآخر يعترض على من يقوم بالتصدي لهم، ليصطف مع القوم وفي جبهتهم، يزعم أنه يحافظ على لُحمة البيت الشيعي، ويخشى على الساحة التشرذم والصراع الداخلي!

    قبل أيام فقط، لم يجد قائد الجمهورية الإسلامية السيد علي الخامنئي حرجاً ولا غضاضة، بل اندفع بشجاعة لافتة وموضوعية مستغربة وتوجَّه إلى أتباعه في الحوزة بالقول إن الثورة الإسلامية لم تنجح في صناعة مجتمع إسلامي أو حتى دولة إسلامية بعد! وقال بالنص: “نحن لا نملك اليوم مجتمعاً إسلامياً ولا دولة إسلامية، إنما نجحنا في إطلاق ثورة إسلامية مكنتنا من تأسيس نظام إسلامي. لحدّ الآن وُفِّقنا، وهذا مهم جداً، لكن نحن بحاجة إلى تأسيس دولة إسلامية وإدارة إسلامية للبلد، وهذا ما لم نحققه حتى الآن بل يفصلنا عن هذا الهدف مسافة كبيرة”… وهذه حقيقة يلمسها كل من يقرب من إيران، من لحظة دخوله المطار وتلقي ضابط الجوازات الذي يتفنن في إهانته وتحقيره وتأخيره، ما كأنه قادم للرضا عليه السلام فله كرامة الزائر، أو سائح فله حرمة الضيف، وكلاهما يدير عجلة اقتصاد بلده ويرفدها، وانتهاء بمظاهر الفساد والانحلال الأخلاقي، مروراً بكوارث التضخم والغلاء والبطالة وهبوط قيمة العملة وتفشي الرشوة، مع كل آفات الأنظمة الاستبدادية، من احتكار السلطة وقمع المعارضة، وإيداع المنافسين السجون والمعتقلات والإقامة الجبرية حتى دون محاكمة!

    ولكن الغريب، أنه مع هذا الفشل الذريع، الذي يقر به قائد الجمهورية الاسلامية نفسه، ويعترف أنه ما زال ـ بعد ثمان وعشرين سنة من الحكم المطلق والسلطة الفردية والقبضة الحديدية ـ يراوح حيث تركه الخميني، لم يتقدم خطوة!.. تراهم في جبهة أخرى يمضون غير شاعرين بمصيبة هذا العجز، ويتقدمون غير عابئين بإصلاح الفساد واستدراك الفشل… يتقدمون في ضرب الحوزة ومحاربة التراث وتقويض المرجعية بما يظهر بوضوح ويرتسم بجلاء أنه خطة معدَّة واستراتيجية نافذة، لا تعوقها العوائق ولا تلحظ العجز والموانع، وكأنها من الأولوية والتقدم ما يرفعها إلى الأخطر الذي دونه كل شيء، فلا يمكن تعطيله أو تأجيله بحال!

    هكذا أُعلن عن تدشين الخطوة العملية الأولى (بعد عشرات الخطوات النظرية التي مهَّدت الأرضية) في طريق هدم التراث وتزييفه، بالإعلان عن إنجاز مشروع “تصحيح” كتاب «مفاتيح الجنان»، وإصدار نسخة محرفة من كتاب الدعاء الأول في نطاق التداول الشيعي! وأقصد بالخطوة الأولى، مما يأتي ضمن استراتيجية إيران والسياق الذي يريد الهيمنة على الساحة الشيعية العالمية، وإلا فهناك متميع سبق إلى بتر «مفاتيح الجنان» وتقطيعه، لكنه بقي ضمن التداول الحزبي المحدود، فلم ينتشر ولا أثَّر في تداول الأصل. ولعل تقرير وكالة «تسنيم للأنباء» التابعة للحرس الثوري، يرسم أبعاد المأساة، ويتيح للحصيف قراءة ما ينتظرنا من كوارث! وقد جاء فيه: “شدَّد أحد “كبار مراجع التقليد الشيعة” الإيراني آية الله العظمى ناصر مكارم شيرازي، خلال لقاء رئيس وخبراء مركز الأبحاث الإسلامية في مدينة قم، على ضرورة تجميع المصادر الشيعية وصيانتها، وقال إنهم قد بدأوا مشروعاً مهماً لغربلة كتاب «بحار الأنوار» واستخلاصه. وأكد أنهم في حوزة قم يعملون بشكل جاد على تدوين طبعة جديدة من كتاب «بحار الأنوار» وعرض “فهم جديد” من أحد المصادر الرئيسية للفقه الشيعي للناس. وأوضح أنهم ومن خلال هذا المشروع الكبير يحاولون غربلة الأحاديث والروايات الضعيفة والزائفة، وأنهم انتهوا من طباعة 6 مجلدات من أصل 110 مجلدات من هذا الكتاب العملاق. ولفت شيرازي النظر إلى أن “الطبعة الجديدة” لكتاب «بحار الأنوار» ستحل العديد من المشاكل الحالية، دون أن يوضح أكثر عن ماهية هذه المشاكل أو الروايات التي تم حذفها. وشدد على ضرورة تعديل العديد من مصادر الفقه الشيعي والكتب الأخرى في هذا المجال وفق متطلبات العصر الحاضر. وأشار إلى أشهر كتب الدعاء الشيعي أي «مفاتيح الجنان». وقال إن «مفاتيح الجنان» لا يناسب العصر الحديث، وإنه يجب عليهم أن يعيدوا كتابته وأن يطبعوا نسخة حديثة وجديدة لهذا الكتاب”.

    وهنا كارثتان تسابق إحداهما الأخرى: الجهل بعظمة «البحار» وقيمته العلمية وكنوز المعارف المبثوثة فيه والدرر المودعة في أعماقه، ثم كارثة مسِّ التراث والعبث في متون الكتب وتغيير أصولها! مما يرزي بأبسط ضوابط العلم، ويجافي أوليات البحث والتحقيق والدراسة، وهو ـ في الميزان العلمي الأكاديمي ـ يفوق في قبحه طمس الآثار الحسية وهدم الصروح والمباني الأثرية، مما عمدت إليه الوهابية في مكة والمدينة! فأنت لك أن لا تعمل برسالة كتاب، وترفض فكرة أو أفكاراً يحاول أن يثبتها ويروجها، ولكن ليس لك بتاتاً أن تقوم بتغيير متنه، فتحذف ما لا تستسيغ وتبتر ما لا يروق لك، أو تضيف ما تهوى وتقحم ما تحب، ثم تعيد طبعه منقوصاً أو مزيداً! ولك أن تتصور الضجة التي ستثيرها والأزمة التي ستخلقها طباعة كتاب لطه حسين أو عباس العقاد أو مصطفي الرافعي، مع حذف فصل منه أو أجزاء لا تروق للناشر المعاصر!… إنها خيانة عظمى لا مبرر لها في أي منطق وثقافة، اللهم إلا خطاب العوام الجاهلين، أو السلاطين المستبدين، وفراعين تنادي: “لا أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد”.

    من بديهيات البحث والتحقيق العلمي، ومن قواعد الشرف والأمانة فيه، أن لا يتلف الباحث ولا يمسح أو يطمس أثراً، وهنا، لا يلغي نصاً، ولا يزوِّر ويزيف فيُخفي حديثاً! له أن لا يعمل به، فيتركه ويُرجعه إلى أهله، فما لم يثبت عنده اعتباره من الأحاديث الشريفة، ولم يشكِّل له حجة شرعية أو عقلية، قد يثبت عند غيره من العلماء، بل قد يعود هو بعد سنين، حين يزداد علماً وفهماً، وينمو فكراً ويتكامل عقلاً، ليعمل ويأخذ بما رفضه بالأمس. وهذا متكرر في سيرة علمائنا، مطرد لا ينكر… فماذا يصنع ونصنع إذا أعدم الأعمى المصادر التي نستقي ويستقي هو منها؟ وطمس الحمار وأتلف المنابع التي نأخذ ويأخذ عنها؟! والتعبير ليس فورة غضب ولا زلة قلم، بل هو استشهاد بآية شريفة، تنطبق على من يحمل أسفاراً من كنوز آل محمد ولا يعرف قيمتها، ويملك عيناً ولكنها لا تبصر الأنوار التي تشع منها، وقد سقط آلاف الشهداء على مدى التاريخ، وأفنى عظماء الطائفة وأساطين المذهب أعمارهم حتى تصل هذه الأحاديث إلينا، وحافظوا عليها بأمانة وشرف طالما طبع سيرة علمائنا… فكيف السبيل حين يصبح الماء غوراً، لا نستطيع له طلباً؟.. من أين تأتينا الجمهورية الإسلامية بماء معين؟

    إن الأمر أشبه بعامل سفيه ومستخدَم جاهل دمَّر مصنعاً كبيراً للأدوية، بحجة أنه شاهد في مختبراته أو مستودعاته قوارير السموم، بل رأى الصيادلة يصطادون العقارب والثعابين ويغامرون بالتقاطها لاستخلاص سمومها!… والصيادلة والأطباء يصرخون فيه ليكفَّ ويمسك، وينادون أنهم أدرى بما يجري هنا، وهو لا يصغي ولا يبالي، وما زال يُعمِل معوله، ويوغل في الهدم والتدمير!

    ولست أدري كيف يطيق العلماء والفضلاء السكوت عن هذه الكارثة غير المسبوقة في تاريخ الشيعة، وقد نسب إلى السنة أنهم أعادوا طبع بعض كتب الصحاح الستة منقوصة مبتورة، حذفت الأحاديث التي تثبت ولاية أميرالمؤمنين وفضائل أهل البيت وتدين أعداءهم، ولكن قيل إن علماءهم أوقفوا المشروع، ورجَّحوا أن يتاح للشيعة الاحتجاج بهذه الكتب، وأن يتحملوا مؤونة تفنيد مدلولها ويتجشموا عناء إبطال مؤداها ولو بتكلُّف وتعسف، على أن يمسوا كتبهم ويحرفوها!.. وها هي الجمهورية الإسلامية تعلن بلا أدنى حياء أو خجل، بل تفاخر وتباهي أنها تدلس وتزيف في المتون العلمية!

    ولمن يراهن على الغيب والقدر، وينتظر الفرج من ملك الموت عليه السلام، أن يقبض أرواح هؤلاء ويخلصنا من شرورهم، متصوراً أنها مرحلة ستنتهي، وحقبة لا بد أن تنقضي… ليعلم أن حركة الضلال والإضلال لن تتوقف، وسيمضي القوم بها حتى بعد أن يحين أجل مديرها ومدبرها، ويهلك راعيها وحاميها، هذا فضل الله مات، فماذا كان من الحال بعده غير مزيد الانتشار وتفشي الضلال؟ فالشيطان سيجد مُعقَّداً متغطرساً آخر يسكنه، والرجيم سيعثر على مغرور متكبر ثان ليقترن به ويملي له، وهكذا… وإن صح أن ننتظر مدداً ونرتقب غيباً ينقذ الدين من هؤلاء، فنحن موعودون بالنصر، مبشَّرون بغلبة أهل الحق ولو بعد حين، ولكن هذا لا يلغي الأسباب الطبيعية التي علينا الأخذ بها، ولا يسقط تكليفنا في التصدي والدفاع، كلٌّ على قدره وحسب دوره، بما تمكَّن واستطاع…

    وكذا الذين ما زالوا يظنون الأمر عارضاً عابراً، ولا يدركون حجم القضية، فيرموننا بالارتهان لنظرية المؤامرة، وأننا أسرى أوهام وخيالات تنسج صوراً كبيرة عن أحداث جزئية صغيرة! وأننا نبالغ في الخطر، نهوِّل اليسير ونعظِّم الحقير… هذه الأجنحة قد ظهرت، وهذا الجسم “المختَلف عليه” قد أقلع وحلَّق، فهل من غير البلادة والغباء (أو العمالة والانتساب المبطن للقوم) أن يصرَّ بعضهم أنها عنزة (وإن طارت)؟! لقد ظهر وبان صحة الموقف وسلامة التحليل، وتبين بُعد نظر وبصيرة الذين قرأوا الأمر وفهموا المخطط من بداياته، وتلقوا تغيير مناهج الحوزة ومتونها التحصيلية، ثم محاربة الشعائر الحسينية، وقدَّروا القضية بحجمها الحقيقي، كرأس جبل جليدي، يخفي العظائم والويلات، ويداري نطاقه الأكبر تحت السطح، وهكذا ما أعقب ذلك من ظهور حركات ونشوء تيارات، وتدفق سيل الانحراف، وهبوب رياح الضلال والالتقاط، عصفت بالساحة، وجرفت ما جرفت من الحطام، أرغت وأزبدت، حتى وصلت إلى الإنتاج الفعلي، وصارت في طور الظهور والتحقق… فهل من سبيل لإنكارها؟ هل من شك بعدُ في المؤامرة وأهدافها؟ هل من ساذج يقول بأنهم لا يرمون التراث، ولا يتناوشون الحوزة والمرجعية؟

    لم تكن القضية يوماً التطبير فحسب، ولا النزاع على أنه يشوِّه المذهب أو لا يشوِّهه، ولا همَّ القوم “تنزيه” الشعائر الحسينية، ونفي “الخرافات” عنها… بل كان الباب الذي توهموه أيسر المداخل وأهونها لبلوغ مشروعهم الكبير، الذي يريد نسف الحديث، من الكتب الأربعة إلى البحار فما يليها، ويرمي تقويض أدوات الاستنباط وطرق الاستدلال التي عليها حوزاتنا ومراجعنا العظام، ويهدف طمس معالم التشيع وكل شعيرة تميزه عن غيره من المذاهب، بل يريد عرض دين مُحدَث ومذهب مبتدَع جديد. وقد وظفوا لهذا الخطير أُجراء واستخدموا عمالاً: فضل الله وعودة لنشر الإباحية والانحلال، الحيدري وحب الله لهتك العلم وتمييع أصوله، قصير لضرب الشعائر وترويج الأكاذيب، وهذا ناصر مكارم يتولى التحريف والتزييف المعلن، فأصدر بدائل عن «مفاتيح الجنان»، و«بحار الأنوار» و«فرائد الأصول» و«تفسير الميزان»، ما هي إلا “مفاتيح” لمعامل إنتاج السكر التي قبضها ثمناً لدينة حين باعه للسلطان، و”بحار إتجار” لا أنوار، و”فرائد” تسيُّبٍ وفوضى لا أُصول، واختلال أو تطفيف ميزان، لا تفسير قرآن.

    هذا مشروع القنبلة النووية الذي قصم ظهر الاقتصاد واستنزف إنتاج النفط لربع قرن ونيف، يذهب أدراج الرياح، والشعب يرزح تحت أعباء الفقر والبطالة، والفساد الأخلاقي يفتك بإيران، والحس القومي الفارسي ينخر جذور الإسلام هناك، وخيار القائد البديل يترنح بمرض الهاشمي الشاهرودي وتعيينه (بعد إعلانه مرجعاً) موظفاً في النظام! والإقليم ملتهب بحرب اليمن، والصراع الدولي في سوريا، والمكاره تجثم على شعب البحرين من ثورته، والنزاع مع السعودية إلى تصعيد واحتدام، وانفصال كردستان وظلال تحالفها مع إسرائيل تخيم على المنطقة، والإرهاب يضرب ويفتك في كل مكان…

    والجمهورية الإسلامية تحشد وتعبئ لحرب الشعائر الحسينية، وتستنفر قواها وطاقاتها لإنتاج بدائل عن «بحار الأنوار» و«مفاتيح الجنان»! لا تبالي أن تتمزق الجبهة الداخلية، ولا تكترث أن يتشرذم الشيعة، ولا يعنيها أن يتنازعوا فيفشلوا وتذهب ريحهم… صدق أبوالأسود الدؤلي إذ قال:

    وترى سفيه القوم يتركُ عِرضَهُ @ دنِساً ويمسَحُ نعلهُ وشِراكَها

  • كثيرة هي القراءات السياسية التي تعرض لحال حزب الله وتنظُر في أدائه، ترصد مواقفه وتتابع خطواته وتلاحق انتصاراته وإخفاقاته، وتجهد في فهمه وإدراك ما يعيشه اليوم بعد نحو ثلاثة عقود ونيف من تأسيسه، كانت وما زالت حافلة بل ملتهبة، احتل فيها الصدارة وموقع المحورية في الساحة اللبنانية، والإقليمية أحياناً.

    شخصياً لست ضليعاً في هذا الفن (التحليل السياسي)، وإن أكثرت القراءة ونوَّعت المطالعة، وأطلت المراقبة والمتابعة، وتجربتي السياسية الفاشلة زوتني عن هذه الساحة، ولا تسمح لي بالعودة، لذا لا أراهن على فهمي للأحداث وانتزاعاتي من المواقف، كما أرى جُلَّ المحللين والسياسيين، حتى القادة والمسؤولين في الساحة الشيعية، هم على شاكلتي، إن لم يكونوا أسوأ حالاً مني، لكن قاتل الله الجهل المركب والمكابرة التي تأبى عليهم الاعتراف، فالتوبة والاستغفار، ومن ثم التوقف وعدم الاستمرار! كنت أثق بالسيد الخميني، كعالم رباني، ذي إخلاص وزهد وورع، ووعي وبصيرة، أحسبه مُلهماً أو محدَّثاً من غيب مهيمن، فلما مضى إلى ربه، ما عدت أرى إلا شياطين، أو جهلة سفهاء غلبهم الغرور، يتقلبون في ظلمات، ويخبطون خبط عشواء، ما زالوا يأخذون أتباعهم إلى المهالك ويُلقونهم في المصائب، فلا يكادون يتخلصون من معضلة ويجتازون أزمة ويفرغون من محنة، حتى تنزل بهم أخرى. جل إنجازهم إحكام قبضاتهم على مناصبهم، والاستغراق في وهم عدم استغناء الساحة عنهم.

    لذا فإن التحليلات السياسية المتداولة في الإعلام، وحتى في دوائر صنع القرار، هي مجرد تخمينات ورجم بالغيب، جلُّها تعكس ما يشتهي المحلل، وتصوِّر ما يرجو ويتمنى، وبقيتها موجَّهة، تشكِّل نطاقاً ودوراً ومرحلة في الأداء السياسي، تمهد الأرضية، وتمد البساط، أو توقد الموقد وتنصب أثافي القدر الذي تنضج فيه الطبخة، وتعدُّ المائدة، لتؤكل وتلتهم! اللهم إلا ما يدور في النطاق الأضيق، بين قادة القوى العظمى، أو في المحفل الماسوني الأعظم الذي يتحكَّم بالأمر، ويتولاه بالفعل، لا بالشكل والصورة، ويوظف البقية أدوات ويسخِّرهم واجهات! ولا يغير من هذه الحقيقة وجود تحليلات متينة، تقوم على آلية علمية ومهنية، تبدو موضوعية، تبني على أرقام وإحصاءات، وتنتزع من شواهد محسوسة ومعطيات ملموسة، وترتكز على معلومات لا تبذل أو تتوفَّر إلا في دوائر خاصة، وليست في متناول غير”الكبار”… فهذه أيضاً تندرج في سياق الشيطنة التي تستحوذ على كل شيء في عالم السياسة.

    لذا لست أدري، أو لست جازماً: هل أصاب الحزب في دخول الحرب في سوريا، أم أنه استُدرج وخُدع؟ هل كان خطر استيلاء التكفيريين على سوريا، ليشكلوا مع إسرائيل كفَّي كماشة تعتصره وتخنقنه ثم تزحف إليه لتجهز عليه، حقيقياً، ليعمل بـ”ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا”؟ أم أن الحزب هو الذي استفزَّهم وأثارهم ودفعهم إلى استهدافه؟ وإلا فهم مجرد مشروع ”عربة نقل”، أو”جرافة” يغلي فيها مرجل الأحقاد، تتقدم بوقود عقائدي يستمد من نُصْب دفين، وقد أعماها التعصُّب واستحوذ عليها الحقد، لتدمِّر وتفجِّر وتنشر الأهوال حيثما مرَّت وبلغت.. سخَّرها الأمريكان لشق الطريق وتمهيدها، فإذا أدركت غايتها، كانت من الإنهاك والإرهاق والتهلهل والانشقاق، ما يسمح بل يوجب أن تُستبدل وتُزاح، ليتسلَّم الأمر علمانيون من صنائعهم وليبراليون على شاكلتهم، لا يعنيهم الشيعة إلا بمقدار تصادم المصالح وتنازع النفوذ والسلطة، فلا تعود الحرب عقائدية ولا المستهدف فيها الهوية؟ ثم هل كانت المصلحة سارية في جميع المقاطع والجبهات، وما زالت تقتضي ضخ مزيد من الدماء وتقديم الشهداء؟ أم كان يكفيه مجرد إعلان موقف مؤيد، داعم ومساند دون أن يلحقه بذل وفعل، كما فعلت حركة أمل وسائر قوى المقاومة في لبنان (البعث، والقومي السوري، والقوميون والناصريون)؟ أليست لعبة قذرة ومكيدة خطرة، استُدرج إليها الحزب وأُقحم فيها، لينوب عن الروس في الحرب، فهم أصحاب المصلحة الحقيقيون في بقاء النظام السوري، واستمرار تواجدهم في المياه الدافئة؟ فكان الأولى أن يرسلوا هم أبناءهم ليقتلوا، ويضحوا بمدخراتهم ومواردهم ويدمروا اقتصادهم، في سبيل الحفاظ على مصالحهم ووجودهم الاستراتيجي، وهذا ما كانوا سيفعلونه إن لم يبادر حزب الله ويملأ الفراغ منذ البداية، كما اضطروا للدخول أخيراً حين عجز الحزب واستنزف في النهاية؟

    وهنا قراءة بأنهم كانوا على مقاعد المتفرجين ينتظرون هذه اللحظة لينقضوا على المغانم، ويجنوا ويحصدوا ما نبت من دماء أبنائنا وتضحياتنا؟! وها هم ينزلون بأعداد من الشرطة العسكرية ليطبقوا الخارطة التي توافقوا عليها مع أمريكا وتركيا وإسرائيل، وخلقوا مناطق عازلة، من قبيل الجنوبية المحاذية لإسرائيل، من درعا إلى الجولان، لا يمكن للجندي السوري أن يتواجد فيها بأكثر من سلاحه الفردي!  فهل هذه قراءات منطقية معقولة، أم هي متحاملة أو سطحية ساذجة؟

    بل هناك من يسأل: هل من الصحيح البناء على استراتيجية الصراع مع إسرائيل، وقد تغيرت معادلته من زوالها إلى مشروع الدولتين؟ وانسلخ المبدأ الديني والمنطلق المقدس وتحول إلا مجرد شعار وورقة ضغط ومناورة؟! في واقع كشف خيانة حماس، وأثبت خطأ دعمها وتدريب كوادرها؟ أم أن تغيير المنطلقات والعودة بها إلى دينية عقائدية تلحظ عداء اليهود المتأصِّل لـ”بني هاشم”، وقد كان أحبارهم ينتظرون النبوة الخاتمة في “بني إسرائيل”، أمر في حكم المستحيل؟ فالواقع السياسي اليوم لا يطيق خطاباً دينياً بهذه الحدود، وقد تنازل الحزب عن ولاية الفقيه في لبنان، نزولاً على التعددية والتنوع الديني والمذهبي، فطوى صفحة “لبنانستان” (كإقليم تابع للجمهورية الإسلامية الإيرانية) إلى الأبد، وصار ينادي بالوطن ويتغنى بالأرزة، وانخرط في مشروع الدولة؟

    ثم هل المصلحة هي في الاصطفاف مع النخب السياسية اللبنانية من أحزاب بنيت على ركام الإقطاع، فشكَّلت بدائل مستنسخة له من محدثي النعمة وراكبي الموجة، أو زعامات من بقاياه، من حملة ويلاته ورموز فظائعه، من المعتقين في العمالة للاستعمار والاستكبار؟ مقابل الشعب الفقير المستضعف، المسحوق بالفقر والعوز، المضطر إلى الهجرة وترك الوطن؟ المبتلى بافتقاد أو تردِّي الخدمات الأولية من ماء وكهرباء وتعليم وصحة؟ ضحية النهب والفساد الذي يمارسه ويعيشه هؤلاء؟ أم أن العكس رهان خاسر لا يعمل به عاقل، ونحن في عصر لا موضع فيه للمبدئية، ولا محل للثورية! فلا سبيل أن يقود الحزب حركة شعبية تكتسح وتجرف الطبقة السياسية الفاسدة، وتعيد تأسيس البلاد على قواعد العدالة الاجتماعية وقيم المساواة وضوابط الشفافية، ما سيرحب به المسيحي قبل المسلم والسني قبل الشيعي! فهي معادلة مستحيلة! ولكن ألم يعودنا الحزب على المستحيلات؟

    لا أعرف الجواب الحق على هذه الأسئلة، والرأي الصواب في هذه الوقائع والأحداث، ولا أظن أحداً يعرفه، وإن كنت أُرجِّح جانباً على آخر، في نطاق قناعتي الشخصية وتكليفي الخاص، الذي لا أسمح لنفسي أن أعممه ولا أتحمل مسؤولية تطبيقه. ولكن هناك دائماً ـ كما أسلفت ـ من يرجم بالغيب ويغامر ويدَّعي، فيقحم الميدان، يسوق أمامه الرعيان أو يقود خلفه السفهاء والعميان!

    وهكذا الحال في الحدث الأخير الذي ظهر في الصفقة التي أبرمها حزب الله مع داعش، وقضت بنقل مئات المقاتلين من جرود لبنان إلى الحدود العراقية السورية. ما اعتبره إخوة الإيمان والجهاد في العراق المنكوب، غدراً، وأدرجوه خيانة وغشاً… هل هو كما يصفون ويتلقون؟ وأن الحق كان أن يخوض الحزب مع الجيش اللبناني معركة تقضي على هذه الكتيبة المحاصرة، وتبيد الشرذمة اليائسة البائسة، وتدفنهم حيث هم، بدل نقلهم لمواجهة العراقيين؟ ثم هل كان الصراخ والتباكي عند محاصرة قافلتهم من قبل الأمريكان أمراً ضرورياً؟ وقد خرجوا من عهدة الحزب وشرف الالتزام بعهده (وفي حكَم نهج البلاغة عن أميرالمؤمنين عليه السلام: الوفاء لأهل الغدر غدر عند الله، والغدر بأهل الغدر وفاء عند الله!)؟ لست أدري، ولا أنا في وارد الحكم على أمر أفتقد كامل معطياته، وتقييم أداء ملتهب بالنار والدماء، والعرق والعلق، وأنا حلس داري، لا أعرف غير مسجدي وحسينيتي ومكتبتي!

    ولكني ـ في المقابل ـ أعرف شيئاً آخر، يمكنني بسط القول فيه والتمسك به، وسوق ما شاء الله من الأدلة عليه، وأنه العلة التي قدحت والشرارة التي أشعلت، وتسببت في ترتيب سلسلة العلل وتواليها، ما أفضى إلى تدهور شعبية الحزب، وتلاحق البلاءات والمحن عليه، وهو سرُّ حلول النكبات التي”قلبت” القلوب وصرفتها عن حب قائده… أعرف القواصم التي تعرض لها الحزب، ولا عاصم ينجيه ولا كهف يأويه! وأعرف النقمة الإلهية وتحقق الوعيد القرآني الخطير: “فذرني ومن يكذب بهذا الحديث، سنستدرجهم من حيث لا يعلمون، وأُملي لهم إن كيدي متين”.

    لقد فرَّط حزب الله في أقدس المقدسات، وقطع الحبل الذي يوصله بولي الله الأعظم، وتخلَّى عن السبب المتصل بين الأرض والسماء، وركَن إلى عدته وعديده، وراهن على قوته وصواريخه… وهنا وقع في الخطأ الأكبر في مسيرته، والخطيئة القاتلة في تاريخه.

    إن حرمة الزهراء عليها السلام وظلامتها أعظم ـ بما لا يقاس ـ من حرمة الربا مثلاً، فكيف لا يأذن من هتكها واستخف بها بحرب من الله ورسوله؟.. عندما يفتي مراجع الشيعة العظام، وتحكم الحوزة العلمية بقمم أساتذتها وأعلامها، بضلال فضل الله، وتموج الجماهير المؤمنة غيرةً على سيدة نساء العالمين، تضطرم غضباً وسخطاً على هتك حرمتها، وتتحرق لهفة للانتقام من المستخف بها، ثم يتجاهل حزب الله كلَّ هذا ويتلقاه بتعالٍ وازدراء، وكأن لا أحد هنا غيره ودولته، فلا خطب في قاموسه إلا لحمٓلة السلاح، ولا شان إلا لأرباب الحُكم والسلطة، ولا قيمة إلا لقوارين المال، ولا مراقبة إلا لإمبراطوريات الإعلام… والأمة في تقييمه، وربما في واقعها، مستضعفة مغلوبة على أمرها، وجماهيرها مثل حوزتها ومرجعيتها، فبمن يعبأ ولمن يكترث؟! هكذا أصدر الحزب بيانه المشؤوم في هلاك الضال المضل، ثم لم يكتف حتى أعاد تمجيده ـ بلا داعٍ ولا مقتضٍ ـ في احتفال بنت جبيل، في ذكرى حرب تشرين، غير مراقب ولا متأثّم، لا حذر ولا خائف، أن تطرقه صاعقة تقصمه… فماذا عساه أن يلقى من المنتقم الجبار، ومن وليه الأعظم، سيفه الذي لا ينبو، غير ما تأذَّن به من الحرب، ودعى إليه من التحدي والبِراز؟! وأدنى ذلك وأقله قطع النصرة والمدد، وأن يوكَّل الحزب إلى نفسه. وأرى أن هذا الإبطاء والإمهال كان مراعاة لحرمة الدماء وخفر ذوي الشهداء، وإلا فالصاعقة ما كانت لتطرق إلا وتبيد، فلا تبقي ولا تذر!

    وعندما يتنكَّر الحزب لأصول وثوابت عقيدتنا في عزاء الحسين، وينخرط في معركة دنيئة، وهابية علمانية في أصلها، لمحاربة الشعائر الحسينية (تحت شتى العناوين وبمختلف الذرائع)، فماذا يرجو من صاحب العصر والزمان، وولي الدم، المنتظر للثأر؟.. وهو الراعي الأول لمجالس عزاء جده سيد الشهداء؟ يرعاها بجميع أشكالها وأنماطها، ويوليها العناية بقدر إخلاص أصحابها وعشق روَّادها… غير السخط والغضب؟

    أحسِب الحزب أن الشعائر الحسينية أُلعوبة مثل الانتخابات النيابية والتحالفات السياسية؟ أم هي ورقة تلقى على مائدة صفقاته، وتُقدَّم لإثبات حضاريته ومدَنيته وقابليته للانخراط في مشروع الدولة؟ هل فاجعة يهتز لها العرش مذ وقعت، وما زالت صرخة واعيتها تصك سمع الملكوت، تصلح أن تكون مادة لتملق السادة الأرباب، وسلعة لكسب ودهم ورضاهم؟! كيف يلتزم الحزب بحكم جزئي صغير، يتمثل بامتناع رجاله عن وضع ربطة العنق، فيتمسك به ولا يتخلى عنه، ثم لا يمانع أن ينسف ركناً أساساً من أركان التشيع، واسطوانة قام عليها، ومعلماً طالما ميزه؟! والحرب لا تقف عند التطبير ومساعي منعه، بل بالتدخل وتخريب جميع المجالس، حيث تطال أيديهم وتبلغ سلطتهم، هناك سعي لقلبها سياسية تخدم أهدافهم، وحرص لمنع دورها في الرثاء والعزاء!

    لم تكن صفقة داعش هي التي قصمت ظهر حزب الله، ولا الأخطاء السياسية المشهودة هي السبب… ما هذه كلها إلا حزمة قشٍّ، أضيفت إلى أثقال سابقة، سوَّل لهم الشيطان حملها، وأضلهم السامري بالركون إليها والعمل بها، وهي قاصمة مهلكة، تنوء بها البشرية جمعاء، ولم يسلم من شؤمها وبلائها كل من تعرض لها وتعاطى بها.. ولعل هذا الإمهال الذي رأينا في مآل الحزب، يعود إلى غفلة الجمهور المأخوذ، وحرمة دماء الشهداء وإخلاص المجاهدين، وإلا فأسباب السخط والغضب قائمة منذ أمد، وحاكمة من لحظة ووقوع الكبيرة والجرأة الخطيرة، “ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة، ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون”.

    ويبقى الأمل في حالتين والرجاء يلوح من أمرين:

    الأول: إعلان السيد حسن نصرالله أن حزب الله يتخذ الشيخ بهجت قدس سره مرشداً روحياً، وهو فقيه جامع ومرجع أصيل وعارف كامل، وما على الحزب الآن إلا أن يستأنس برأيه وينزل على حكمه في قضية الزهراء عليها السلام (وليراجع كتاب «البرهان القاطع» في أجوبة المسائل العقائدية)، وأن يستطلع آفاق الخطْب الفظيع الذي وقع فيه فضل الله، واقتضى أن يذهب الشيخ بهجت في تبجيل السيد جعفر مرتضى فيخاطبه قائلاً: “لو ألقيت عمامتك عن رأسك، فلن تسقط إلى الأرض، لأن الملائكة سترفعها إلى السماء، لنصرتك الزهراء عليها السلام”! وكذا عليه أن يسترشد برأي الشيخ قدس سره في جواز التطبير ونصرته للشعائر الحسينية، ويرتب الأثر في توجيه قاعدته للكف عن الاستغلال والمسخ، فإن عجزوا كان الاستخفاف والاستهزاء الذي لم يرَ المؤمنون نظيره حتى من الملحدين واللادينيين، فصاروا يلقونه من إخوانهم في المذهب والدين، (وإن كان أغلب الناشطين هنا هم من المتسلقين المتَّجرين في حزب الله، لا المجاهدين الحقيقيين، وهي ملحوظة غريبة!)، ولا سيما الزهو والتفاخر بالجهاد، ووصم الموالين بالقعود، وهم يعلمون ما يفعل ليوث الجيش الشعبي، وتبلغهم بطولات وصولات فرسانه وتضحياتهم، وكلهم حسينيون من أصحاب المجالس، ومن المطبرين والمشاية أو الخدام في مواكب الأربعين.

    الثاني: الرهان على موقفه الموفَّق في قضية ياسر عودة، حين أشار للمحازبين بالضوء الأخضر وأفسح لهم لردِّ هذا الساقط وردعه، والدفاع عن دينهم ومقدساتهم بما يمليه الواجب الشرعي عليهم.. وما مقولات هذا الخبيث إلا اجترار لآراء فضل الله وتكرار لترهاته. وهذا يكشف عن دين وعقيدة، ويشير إلى غيرة وحمية، يمكن التعويل عليها والانطلاق منها إلى ما يصحح الوضع المأساوي القائم، ويعيد تموضع هذا التيار في المكان الشرعي الصحيح والموقع العقائدي الأصيل، بما يزحزحه عن أسباب السخط ومواضع الغضب، وينجيه من الهلاك الدنيوي قبل الأخروي.

    أخي العزيز السيد حسن…

    إذا خرج النشاط السياسي لأي حركة شيعية عن المنظومة الشيطانية، وانفصل عن السلطات والأنظمة التي تدير الدنيا الدنية، فاعلم أنه لا يمكن لها تغيير المعادلة الدولية، ولا تعديل الخارطة الإقليمية، ولا حتى إعادة ترسيم تموضع القوى المحلية، دون تدخُّل الناحية المقدسة، فالأمور طراً بيد المولى صلوات الله عليه… ولا يمكن لمستخف بآلام أمه الزهراء، مشكك في مصابها وجاحد لمقامها، أن يكون مرضياً عنده، ويحظى بفرصة الخدمة في رحابه وشرف اللحوق بركابه. ولا لمحارب لعزاء جده، متحايل على مجالسه، مخادع يريد توظيفها لزعامته، من باطل أهوائه أو سقيم أفكاره، لا يمكنه أن يحظى برعايته، ناهيك بخاصة عنايته. لتقُل مراكز الدراسات ما تشاء، ولتركِّب القوى الفاعلة معادلاتها على الأرض بما أُوتيت من قوة، لتقم الدول وتسقط الأنظمة، ولتنتصر الجيوش وتخسر الأحزاب… لن يخالف ذلك كله حرفاً واحداً في مصحف فاطمة، ولن يتجاوز قدراً وإرادة أخلى لها المولى، وكانت في سابق علمه!

    مع هلال محرم… أسأل الله أن يرزقك وإيانا بصيرة تتجلى معها الحقائق، فترى الكعبة وقد شقت جيبها، بل تصدَّعت من فجعتها بحبيبها، فإذا أرسلت طرفك إلى السماء رأيت المجرات تستل خيوط انتظامها في أبراجها ومداراتها من عباءة فاطمة، ثم رأيتها صلوات الله عليها، تلقيها من الهول وتندفع نحو مصرع حسينها نادبة صارخة، فتنقلب السماء وتتناثر النجوم، ويتدكدك العرش ويطوى الفرش…

    فليتك تأمر الحزب أن يكف عن أذى المؤمنين في دينهم وعقائدهم وشعائرهم، بل يكف عن أذى ولي الله الأعظم، وتدرك أن المكابرة هنا والعناد فيها الشقاء والهلاك، وهذه نذر توقظ، ورسل تتم الحجة، وها هي كفريات تسقط الغدير على الواقع السياسي المريض تترى من معمميكم، وأنا أسجل الفقرة الأخيرة من مقالتي… ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.