• في البدايات العميقة والجذور البعيدة لفتنة البابية والبهائية، لما كان الأمر مجرَّد تيار شيعي بدأ يتبلور في الربع الأخير من القرن التاسع عشر بعنوان الشيخية أو الكشفية، على يد الشيخ أحمد بن زين الدين، أحد فضلاء الحوزة وأعيانها، ممن حضر ـ كما في ترجمته ـ على أعلام عصره كالوحيد البهبهاني والسيد مهدي بحر العلوم والشيخ جعفر الكبير، وحظي بإجازات رواية وتزكيات تشهد بورعه وتقواه. ومع توجُّس جملة من العلماء وحذرهم من بذرة حزب أو تيار أو جماعة خاصة تراءت لهم في أُفق هذه الحركة، تنشق عن الطائفة، تستقطع من جسمها، تؤسِّس فرقة وتُحدث مدرسة، وأنَّ هناك مرتكزات فكرية خطيرة تُغرس في الساحة، كمقولة الركن الرابع والنيابة الخاصة، والتلقي المباشر عن الإمام، عبر  مكاشفة في يقظة أو مشافهة في منام، لن تلبث أن تحشد أنصاراً وتجمع مريدين وأتباعاً… إلا أنَّ الأمر لم يتجاوز حالة نخبوية ومواقف فردية، أبرزها للشيخ الجواهري والفاضل الدربندي والآغا رضا الهمداني. حتى إذا توفي الشيخ الأحسائي رحمه الله، وبدأ دور السيد كاظم الرشتي، عندها، قامت الحوزة جمعاء ونهض المؤمنون معها في وجهه، فهو مجهول عندهم نكرة، تحفُّه الريبة من عدَّة وجوه، ولا سيما تبشيره بقرب ظهور الموعود، وجزمه الذي بلغ التوقيت! ما أحدث خلافاً شديداً في الساحة الإيمانية. ففي حين تأثرت شريحة من عامة المؤمنين بالدعوة الجديدة، رأت فيها عرضاً متفوِّقاً لمقامات أهل البيت، وتداولاً منصفاً لمعارف ولائية راقية مهملة مهجورة.. كانت الحوزة وعلماؤها بين متهِم له بالغلو والكفر، ورامٍ بالزندقة وعدم الالتزام بالأحكام، وبين مرتاب من الغموض والباطنية التي مسحت الحركة وطبعتها. وبين متوقف يتجنب الطعن، يحمل الأُمور على ظواهرها، ويُجري الأصل الشرعي عليها، مكتفياً بادعاء المرء وإقراره على نفسه، الذي يثبت إسلامه وحرمته، يحقن دمه ويصون عرضه وماله… ولك أن تحيط بالمشهد وتنتزع الصورة مما جاء في “العبقات العنبرية” وهو يتناول جانباً من سيرة الشيخ علي بن الشيخ جعفر الكبير:

    {وفي أيامه ظهرت الفتنة العمياء، والداهمة الدهماء، واشتهر وانتشر أمر الفرقة الشيخية، المعبَّر عنهم بالكشفية، وذلك أنَّ جماعة من فضلاء النجف عثروا على بعض رسائل السيد كاظم الرشتي القاطن بكربلاء، فرأوا بها مما ظاهره الكفر أشياء لا تحصى ولا تُعد، وشنائع أقوالٍ لم يأت بها عمر الزمان أحد، فاجتمعوا وكان رئيسهم شيخ موسى ابن الشيخ عيسى بن الشيخ خضر، وكلَّموا الشيخ علي في الحكم بكُفره، فأبى وامتنع، وقال: إنَّ أمر الدماء عندي من أعظم الأشياء، وحقن دماء المسلمين من أعظم المهمات،كيف والحدود تُدرأ بالـشبهات. فلما أيسوا منه، مضوا إلى الشيخ محمد حسن صاحب “الجواهر”، وكان قد استقلَّ بعد الشيخ موسى واستغنى عن الرجوع والحضور إلى أحد (أي بلغ الفقاهة والاجتهاد)، فأطلعوه على الرسائل وأشهدوا جماعة من الثقات أنَّ السيد كاظم يدين الله بما فيها من الأقوال. فقال الشيخ محمد حسن: إنَّ حكمي لا يفيد مع وجود مثل الشيخ علي فيكم، والناس منه أسمَع وله أطوَع. فذهبوا إلى الشيخ علي وقالوا له: إذا حكم الشيخ محمد حسن فما تصنع؟ قال: أُمضي حكومته. حكَم الشيخ محمد حسن بكفر السيد كاظم ومن اتَّبعه، وأحرق رسائله، بعد انتزاع الآيات والأحاديث والأسماء المشرَّفة منها.

    وقد استحكم الخلاف واستعر النزاع، واحتدم الأمر واشتد، حتى بلغ المحاكمة وطلب الفصل وإنهاء الفتنة عبر الحكم، إما بالبراءة وما يستتبعها من إخلاء سبيل وعدم تعرُّض، أو بالضلال وإجراء حدِّ الارتداد!… وكثر القيل في هذه المسألة وطال النزاع، حتى شدَّ الرحال السيد المطاع، ذو الحشم والأتباع، والرياسة والامتناع، السيد سعيد ثابت (كليدار كربلاء وحاكمها) فجمع الشيخ علي والشيخ محمد حسن والتمسهم وأصرَّ عليهم بالمسير إلى كربلاء والاجتماع مع السيد كاظم وتحقيق حاله، فأجابوه إلى ذلك وساروا جميعاً. وجمعهم السيد سعيد مع السيد كاظم وأتباعه في الصحن (الحسيني)، ووقف السيد سعيد وبيده سيف مسلول، وقال لهم: بيني وبينه هذا المجلس، فإن حكمتم بكفره ضربت عنقه من حينه وأخمدت نائرة هذه الفتن، وإلَّا ضربت عنق المخالف… فقال الشيخ محمد حسن للسيد كاظم: أنا أسألك عن فقرتين في رسائلك صريحة بالكفر، وهي هذه، فأخرج رسالة كانت تحت ردائه، وقال: هذه الأُولى، وهذه الثانية، فإن كنت تعتقد بهما فأنت ضال، وإلَّا فأنت مضلٌّ فتَّان. فقال السيد كاظم، وعيناه تدوران في أُم رأسه، يتوقع كلَّ حين وقوع السيف على عنقه، مخاطباً الشيخ علي (غير ملتفت إلى الشيخ محمد حسن): يا شيخنا، أنا أعتقد بهاتين الفقرتين، ولكن ليست هي كما يفهمون من ظاهرها، فإنَّ الأُولى لها تعلُّق بما قبلها، فهي كقوله تعالى: “عُزير ابن الله”، فالقائل بها ما لم يقدِّم: “قالت اليهود” يُظنُّ أنه كافر، فإذا ضمَّ إليها ما قبلها، زال ذلك الاشتباه. وكذا الثانية فإنَّ لها تعلُّقاً بما بعدها، فهي كقول القائل: “لا إله”، فإذا قال: “إلا الله”، تمَّ الكلام، وارتفع الإبهام. فلما سمع الشيخ علي ذلك نفض ثيابه وقال: يا سيد سعيد، “الحدود تُدرأ بالشبهات، وحفظ النفوس في شرعنا من أعظم المهمات”، فاترك الناس على غفلاتهم، ولا تكشف عن سوآتهم، وإن أبيتم فاتركوني واصنعوا ما شئتم، فأنا لا ألقى الله وفي عنقي دم المدَّعي للإسلام. فتفرَّق الحاضرون، ونجا السيد كاظم}. انتهى النقل من كتاب كاشف الغطاء.

    بعد سنين لم تمتد، تطوَّرت الحركة، واستفحلت الدعوة وتفاقمت، غالت وحادت عن مقاصد مؤسسها، وانحرفت عن عقائد الإمامية، فتجاوزت دعوى السفارة والنيابة الخاصة، إلى زعم الإمامة، بل دعوى النبوة وحلولها في السيد علي محمد الشيرازي الباب، ومن بعده صبح الأزل ميرزا يحيى النوري، ثم بلغت القول بأُلوهية شقيقه بهاء الله! وكانت فتن عمياء وهرج وفوضى وشحناء، صاحبتها مطاردات واغتيالات، تآمرت فيها الابنة الملقَّبة بقُرَّة العين على قتل والدها الفقيه الصالح البرغاني، فكان الشهيد الثالث!

    كان العالم يعيش تحولاً وينتقل إلى طور جديد، والقوى العظمى تعدُّ لحرب عالمية تتنافس فيها على أقاليم الدولة العثمانية وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة، لتتقاسمها كأسلاب… كانت بريطانيا (ومعها فرنسا) في صراع مع روسيا القيصيرية على الشرق الأوسط، وكان لا بد من إزاحة عائق الهوية الإسلامية لشعوب المنطقة، عبر صيغ جديدة تحوِّر الدين بما يسهِّل الانقلاب عليه ومن ثم التخلي عنه، على غرار ما جرى في عصر النهضة الأوروبية، التي كانت البروتستانتية من أُسس نجاحها في إسقاط الكنيسة وإنهاء دورها. وقد تحركت بريطانيا بالفعل في الجزيرة العربية، ونجحت الحركة الوهابية في الانقلاب على السلطة العثمانية، وتحركت روسيا على إيران، فاستولت على القفقاز وجرجستان (جورجيا)، وتوغلت داخل إيران…

    هناك علماء يتمتعون بذهنيات لمَّاحة وقرائح وقَّادة، قرأوا الأمر في بداياته، وقرنوه بالطموح الروسي في إسقاط التشيع، أو إسقاط البنية التي يقوم عليها المذهب، والدخول إلى ذلك من باب ”الإصلاح” وإنتاج صيغة عصرية مرنة، تواكب طموحهم ولا تعيق أو تعرقل مشروعهم… بلغ البصراء ذلك من متابعتهم للحوادث التي تجري في إيران والمنطقة، ونجاحهم في تحليلها وربطها، ثم من تظافر قرائن وشواهد التقطوها في أداء الجماعة، كوجود عناصر مريبة في تلاميذ الرشتي وحاشيته، من قبيل العنصر الروسي كينياز دالكوركي وادعائه الإسلام والاستبصار. ارتابوا بالحركة من إصرارها على التبشير بقرب الظهور، واستشرفوا عواقبها بخروجها عن السائد المألوف، وتنبَّؤوا بنتائجها ومخرجاتها من طبيعة مقدماتها، فواجهوها بما ظهر في حينه قسوة وشدَّة، وصُنِّف تطرفاً وحِدَّة. في مقابل علماء آخرين، اكتفوا بظاهر الأمر وتوقفوا عند ما يشكِّل حجة شرعية أو لا يفعل، دون تحليلات سياسية وقراءات تقفز على المعطيات الحسية الماثلة. أما معرفة أسباب هذا التفاوت في موقف العلماء وفهمهم للأُمور، هل هي السذاجة والبساطة مقابل الذكاء والفطنة والحنكة؟ ولا سيما مع افتراض العلم والعدالة في الطرفين! فهذا له مكانه ومناسبته، فنحن الآن بصدد انتزاع الأفكار واستخلاص العِبر.

    ذلك أنه ما نعيش مثيله اليوم، هناك خطر داهم ماحق، يتهدَّد أصل الدين والمذهب، ومعالم مؤامرة عظمى ترعاها “الحركة الإسلامية” بدولتها وأحزابها، ضمن محاور: ابتذال المرجعية وهتكها وجعلها في متناول القاصي والداني, إخضاع الحوزة للدولة بحجة تنظيمها وإخراجها من الفوضى، وتغيير مناهجها التي تهدر الطاقات وتضيِّع الأوقات. تبديد التراث وتضييعه بحجة تنقيته وتصحيحه. العبث بالشعائر الحسينية بذريعة إصلاحها… ومع شواهد صارخة، وخطوات تصاعدية متلاحقة، لكن قلَّ من العلماء مَن يلتفت لهذا الخطر ويقف عليه بوعي وبصيرة، والأقل من بينهم من يتصدَّى له ويواجهه. الغالبية العظمى يرون القول تكلُّفاً في التحليل ومبالغة في استشعار الخطر، فهم مأخوذون بالقدرة والقوة، وبإنجازات ظاهرية ملموسة (الحجة التي كانت دول الجَور تتشدَّق بها على مدى التاريخ لتستغفل الناس: الازدهار، التقدم العلمي، الفتوحات، حفظ الظاهر الديني، الأمن والاستقرار)! بل لعلَّ بعض العلماء الأصيلين، ممن يعارض فوضى المرجعية ويتمسَّك باستقلال الحوزة ويدعم رواج الشعائر الحسينية، تراه يمارس ما يرفد المؤامرة ويعين القوم على أهدافهم الشيطانية! فإذا حاورته وحاججته، رأيت ساذجاً بسيطاً سقيم الفهم، لا ينظر أبعد من أنفه، تحدِّثه عن الحيلة والمكيدة الكبرى، وعن استراتيجيات تمضي عليها، ستكون لها تبعات مدمرة في المستقبل القريب، فيشير إليك بثمار حصول الطلبة على شهادات جامعية (من جامعة المصطفى) تتيح لهم الالتحاق بوظائف حكومية، تؤمِّن لهم راتباً شهرياً ومعيشة هنيئة!

    يُقال أنَّ صِداماً دامياً وقع في البصرة إبان الحكم العثماني، لما أمر الوالي بمنع تقدُّم حصان لمسيرة العزاء الحسيني، يشبِّهه أهل الموكب بـ”ذي الجناح”، فرفض صاحب الموكب إزاحته، وأصرَّ على وجوده، فالتحم العسكر بالموكب، وكانت فاجعة ومأساة، لام بعدها بعض الوجهاء صاحب الموكب: وما خطر الحصان وأهميته، هلَّا طاوعتهم وأطفأت الفتنة؟! أجاب: يبدأون بالحصان، ثم الرايات، ثم الطبول والدمامات، ثم كوكبة القامات، فجوقات اللطامة، وهكذا حتى ينكفئ العزاء ويختفي!

    في بداية محاولات الدولة تغيير مناهج الحوزة، هدَّد السيد الكلبيكاني قدس سره، بالخروج إلى الطريق العام وشقِّ جيبه في الملأ، فكفَّت الدولة، حتى رحيله… ليت بعض العلماء الكرام، ورجال الحوزة الأعلام، يتمتعون بشجاعة الكلبيكاني وغيرته، فإن عزَّ ذلك فبحسِّ ووعي وغيرة صاحب ذلك الموكب، فيحافظون على المكاسب والرسائل والكفاية كما حافظ هو على الحصان!

  • الجولة الأخيرة من حرب صفين، كانت تسعة أيام طاحنة، لم يرَ العرب لها نظيراً، خطَّت ملحمة هي الأعنف والأشرس في تاريخ الإسلام، قتل فيها نحو سبعين ألفاً، ثلثاهم من جيش الشام، وثلث من جيش العراق، فيهم الصحابيان الجليلان عمار بن ياسر وخزيمة ذو الشهادتين. في اليوم التاسع، حين بلغ القتال ذروته، وصار في أوجه وقمته، بدأ جيش الشام بالانهيار، تفككت ألويته، وسقطت خطوطه، وتداخلت صفوفه، وعمَّه التقهقر والانكسار، ألقى كثير من جنده أسلحتهم وضربوا في البيداء، مدبرين فارِّين، لا متحفِّزين ولا مناورين. ظهرت بشائر النصر، ولاح الفتح، ولم تكن إلا سويعات، عبَّر عنها مالك الأشتر وهو يقرِّع المتخاذلين: “أمهلوني فوَاق ناقة”، أو “عدوة فرس” (وثبة)… عندها عمد جند الشام لمكيدة رفع المصاحف، جعلوها على الأسنَّة وهم يصيحون: “يا أهل العراق، بيننا وبينكم كتاب الله”! أقعت الذئاب، وكفَّت عن العواء، وراحت تطلب الحوار للنجاة، والمصاحف لفوز البغاة!

    انطلت الحيلة، اهتز الحمقى وتقلقل السذَّج، أمسك المتشرِّعون الورعون، ذوو الجباه السود، وتوقفوا عن القتال لينظروا في أمر عسكر الشام، فقد “جنحوا للسلم” ونزلوا على حكم الله!… بحَّت من أميرالمؤمنين وأصحابه وشيعته الأصوات وهم يبيِّنون لهم المكيدة، ويعرُّون الخديعة، والمهتبَلون يردُّون بحرمة كتاب الله ووجوب حقن الدماء، و”ظاهر” حسبوه حجة تمَّت، فألزمتهم التفاوض والسعي إلى الصلح! كانوا غلاظ أذهان بُلداء، لم يسعفهم ذكاؤهم التفطن لما وراء “الظاهر”، وعجزوا عن إدراك أن العدو يتجنَّب بالحيلة هزيمة ماحقة حالَّة به لا محالة. وقد تمادوا في المكابرة والعناد، حتى أنزلوا الإمام على التحكيم، ثم لم يكتفوا حتى أصروا أن يكون أبو موسى الأشعري اللين الهيِّن، المرن المعتدل، هو من يمثلهم، لا ابن عباس المتطرِّف المتشدِّد، والحادِّ القاطع، فهذا يتهدَّد المفاوضات بالفشل!

    على مدى التاريخ، كان هؤلاء المغفَّلون السذَّج، هم الذين يخذلون الحق ويقصمون ظهر أهله وحمَلَته، ولا سيما روَّاده وقادته، وفي الحديث عن أميرالمؤمنين: “قصم ظهري رجلان: عالم متهتك، وجاهل متنسك”، والجهل له وجوه، منها تردِّي الوعي وتخلُّف النباهة، وافتقاد الفطنة وانعدام الحصافة. وقد لا يُدرج هؤلاء في طبقة العوام وشريحة الجهلة، حين ترى بينهم علماء ومثقفين، وذوي باع لا ينكر في بعض العلوم، ولكنَّ مخادعاً صغيراً، ومراوغاً حقيراً، يحسن رسم الصوَر وحبك القصص وتمثيل المشاهد، يمكنه أن يسيطر عليهم جميعاً ويسخِّرهم لما يريد، وهو يترنم بحدائه أو يعزفه بمزماره وينفخ في نايِه! وإذا رأيت كيف يقود صبي في التاسعة قافلة مقطورة بأحمالها ومحاملها، تعرف كيف تُدرج الرجال في البغال والجِمال!

    تعال اليوم وانظر في مصاحف مرفوعة، وأباعر باركة أمامها، مخدَّرة سكراً باستبصار مُخالفٍ ودخوله في مذهب الحق، ومنتشية طرباً بمعزوفة شيطانية، تحسبها مزامير داوود عليه السلام! يحتجون على أهل البصائر: كيف لنا الحكم على كلمة حق، أنَّ ما يراد منها باطل؟ فلا صدراً شققنا، ولا قلباً كشفنا؟!

    بعد تدخلات فجَّة في صميم العقيدة والدين، واقتحام جريء لأخصِّ خصوصيات المذهب، من قبيل الشعائر الحسينية والتطبير، وسيَر المقاتل، وفرحة الزهراء، ومزارات الأولياء، ونقد لاذع لكتب فحول العلماء ونتاجات أساطين المذهب! وما إلى ذلك من قضايا حساسة يتجنبها أغلب المؤمنين، ويحذرها أكثر المغامرين، لما يكتنفها من خفر ويحفُّها من خطر، وكلُّها مما يفتقد الوقوف على الحق فيها ويتطلَّب إدراك حقائقها، مؤونة وباعاً، وتخصصاً واجتهاداً، لا يملك الرجل أدناه ولا يتوفر على أقلِّه… عمد هذا الطائش مؤخراً، فقحم ساحة الصراع السياسي في إيران، وهي في ذروة التأزم والاحتقان!

    الحقيقة أنه أمر يستحق التوقف عنده، بل البحث والدراسة فيه وحوله، أن يُسمح لغريب بالتطاول على السيد العلوي البروجردي، وهو شخصية علمية وروحية، تحظى بمكانة كبيرة ومنزلة متميزة، ويهتكه علانية! هل هو مؤشر على تطوُّر الأداء الإيراني وارتقائه، وكأنه تفوَّق على العصبية القومية وقهر النزعة الوطنية الضيقة، حتى صار ينظر إلى اللاجئ الفلسطيني، نظرته إلى الكرماني والأصفهاني؟ هل الأُممية الدينية بلغت عهدها الذهبي وجمهوريتها الأفلاطونية الفاضلة، حتى سمحت للمسلم العربي، من “الحفاة وأكلَة الجراد”، أو المؤمن الأجنبي المقيم في البلاد، بالتدخل والخوض في أدقِّ خصوصيات المجتمع الإيراني؟ ولم تمانع أن يدسَّ الدخيل أنفه في الواقع السياسي للنظام، ما يبلغ ثلب أحد أبرز الأعلام؟ لا لشيء إلا لنصح أسداه السيد الجليل للسلطة، ونقد وجهه إليها؟! هل تجاوَز الإيرانيون العصبية القومية ومقولة تفوُّق العرق الفارسي؟ هل تخلوا عن النظرة الدونية للعرب وبقية الأُمم غير الآرية؟!.. هذه تساؤلات تفرض نفسها في تحليل الواقعة، اللهم إلا أن ينتهي البحث ويخلص إلى أنَّه يندرج في تحريش الرعاع، وإرسال الأوباش، لمنابزة الأعيان ومشاكسة الأشراف! يعرِّض بهم لكعٌ، يرمي السيد الجليل بالسفه! فيترفَّع العلوي عن الرد ويأنف الانحدار، ثم لا يملك إلا الشكوى، أن كفُّوا أراذلكم وصبيانكم!

    لست معاتباً هذا المتطفِّل، ولا العُصبة الحزبية التي تسوقه، والخلية الأمنية التي توجِّهه وتقوده، فهؤلاء مكلَّفون، وتلك وظيفتهم ومهمتهم، ولا أنا ممن ينخدع بالظواهر ويؤخذ بالمظاهر… إنما العتب على الحاضنة الغبية التي تنصره، والزمرة المستغفَلة التي تبرِّر له وتدافع عنه بسذاجة قاتلة وأفن!

    وهؤلاء ـ نوعاً ـ من المؤمنين الأخيار، لكنهم يفتقدون الخبرة، لم يشتركوا في أي نشاط حركي، ولم يخوضوا أي تجربة على هذا الصعيد، لا سياسية ولا اجتماعية ولا أمنية، ولعلهم ممن يفتقد الحس والاستعداد الأوَّلي لذلك، فنحن هنا أمام ذهنية سطحية بليدة، أُحادية الأداء، تعجز عن تركيب أكثر من عنصر في تلقي الحوادث وفهمها، ولا سيما إذا كانت عِللاً متعارضة ومظاهر متناقضة، فالمصلي الملتزم يُستبعد من دائرة الظنة أو التهمة في تحقيق يباشره أحدهم حول سرقة، والموت والفقد حزن وخسارة، لا يجتمع معها التبريك والتهنئة، كما تفعل بعض الشعوب في الشهيد، وما إلى ذلك من قضايا عميقة وحوادث مركَّبة ومتداخلة في عللها، وحالات متقاطعة مع أُخرى، معارضة لها ومضادة، يواجهونها بسذاجة ويتلقونها بسخف ويتعاطون بخمول، وهي تتطلب حِذقاً وفطنة وحصافة. طالما ابتلت الأُمة بهذه النوعية… يتعاطى مع القضايا السياسية والاجتماعية والإنسانية جملة بالمنطق الرياضي، فحاصل جمع العدد 2 إلى مثيله، هو دائماً وأبداً 4، فيحسب أنَّ الأحكام الشرعية والمواقف الإسلامية والحركة الإنسانية تحكمها معادلات رياضية، ويرفض التحليل والتتبع، ويصر على الوقوف الأوَّلي عند المعطيات الظاهرية والحمل على الصحة… هذا هو ما حمل الخوارج على قبول التحكيم، وهو ما يحمل خلَفهم على السقوط في هذه المهالك اليوم، يحسبون أنهم التزموا الدين ونصروا الحق، وكانوا في سلامة من الوقوع في المحاذير ومخالفة الحدود الشرعية!

    ومما لا ينبغي إغفاله، أنَّ عنوان “الأخيار السذَّج” هذا، لا يبقى ليلازم هؤلاء أبداً، فإنَّ الحجة تتم عليهم بنحو وآخر، حتى ليجحد أحدهم الحق وقد ركن إليه وسكن في نفسه واستيقن به! فأنت تراه لا يلتزم هذا الجمود والتخشُّب في قضاياه الخاصة وأحواله الشخصية، فهو لا يأتمن ماله أو يشارك تجارته أحداً بناء على حسن ظاهره، ولا يكتفي بحسن الظاهر وعدم صدور المنافي، ليزوج ابنته من خاطبٍ، حتى يتحقَّق من صدق سلوكه وحسن خلقه، ويتثبت من مدَّعياته في عمله ومعيشته، فلا تُخدع ابنته وتنتقل إلى بيت فقير مسكين كان يتظاهر بالثراء مثلاً. ستتم الحجة على هؤلاء في سرائرهم، فيقفون في وجدانهم على أنَّ ما منعهم من اتخاذ الموقف والاصطفاف ضد هذا المنحرف وذاك المبتدع، ليس قصور الأدلة والعجز عن إدراك فساد ما يضمر أولئك وخطر ما ينتظر الدين والمذهب من ضلالاتهم، بل هي المصالح والمحافظة على العلاقات، والأثمان والكلفة التي لا يريدون دفعها وتحملها… لقد وقفوا على أدلة قضايا أُخرى، تثبتوا منها وفرغوا من ثبوتها، كبطلان بعض المرجعيات، لكنهم مع ذلك التزموا الصمت ولم يحركوا ساكناً تجاهها، ولم يفعلوا شيئاً لتنبيه العوام الغافلين عنها، بل لعلَّ كثيراً منهم انخرط في مؤسساتها، فتراه يدرس أو يدرِّس في جامعة المصطفى! إنها الكلفة والثمن، وهم يدارون هذا بذاك، وأحياناً يتحايلون على وخز الضمير وتأنيب الذات، فيمن يتنزه عن المصالح والحاجات!

    لعمري، كيف يؤخذ الكيِّس بالظواهر في زمن التظاهر؟ ويصدِّق الفطن الدعاوى في عصر الخداع والدجل؟ وقضايا فضل الله وانخداع سيد جعفر به ودفاعه عنه حتى حين، والحيدري الذي حظي بنصرة الملايين.. حاضرة ماثلة أمامهم، أ فلا يتَّعِظون؟! إنَّ الطعنة تأتينا من غافلين جاهلين لا يدرون كيف يدار العمل الأمني والمخابراتي والسياسي في حوزة قم، ولا سيما مع الطلاب الأجانب والحوزة العربية، ما هو دور “السربرستي” ومن هو المدير الفعلي هناك، ما هو موقع “بيت رهبري” وغرف العمل التي تتبعه، يحسبون أنَّ الفضاء (الافتراضي قبل الواقعي) في قم، مفتوح على مصراعيه، مشرعة أبوابه للولوج متى شئت والخروج متى اشتهيت!.. والحال أن هناك قبضة أمنية تحسب الأنفاس، وترصد اللفتات وتحصي أدنى الحركات، والسفه كل السفه، تصوُّر بعضهم أن ينطلق أحدهم بحُريَّة مطلقة، يصول ويجول، حتى يتطاول على رموز الحوزة وأحد أبرز مرشحي المرجعية القادمة، دون أوامر عمليات، وتكاليف ومهمات، وغطاء ووقاء!

    إنَّ مسيرة الحق ماضية في طريقها، والركب يتقدَّم نحو النصر والظفر، لا يعيقه شيء، لا يتوقف في محطة، ولا ينتظر أحداً، والأسماء أُدرجت في ديوان من انتصر لظلامة الزهراء، ودافع عن الشعائر الحسينية، وانتفض على تشويه التراث، وقاوم تضييع أحاديث آل محمد، وردَّ عن الحوزة العلمية والمرجعية هجمات التطويع والهيمنة الحكومية… وصفحات السجل تُطوى على عنوان “اللهم اجعلني ممن تنتصر به لدينك ولا تستبدل بي غيري”، والفرص تمر مرَّ السحاب، والمغفَّل الهُجعة يحسب أنه نجا بالسكوت وسلم بالوقوف على التل، متفرِّجاً، لا يبالي بما يقع ولا يكترث بما يكون، والغيث ينهمر في غير مكان، والغنائم تُجمع وتدَّخر ليوم لا ينفع مال ولا بنون!

    ليتنح الأغبياء، وليصمت من عُدِم الخبرة، لم يعش التجربة ولا خاض في الميدان، ويكفَّ عن بثِّ جهله وسذاجته، وتعميمها ثقافة ينخدع بها العوام… ولا نامت أعين الجبناء!

  • مشاريع سياسية، خطط حزبية، تدابير حكومية، تظهر في شخصيات تزرعها الأنظمة والأحزاب السياسية في الأوساط العلمية والساحات الثقافية. يقرأ الحزب أو ترصد الدولة أهمية الحقل العلمي وخطر الميدان الثقافي، فتقرِّر أن يكون لها حضورها الفاعل ووجودها العامل فيه، بما يبسط يدها ويمكِّنها من الحركة والتأثير، وسحب البساط من تحت المثقفين والعلماء الحقيقيين، فلا يكون بينهم رافض أو معارض يحمل فكراً وعقيدة تشكِّل تهديداً للحزب والنظام. يتأكَّد ذلك في الأنظمة القائمة على أيديولوجيات أو أُسس دينية، لها مرتكزات علمية، عقائدية وفقهية، كما الجمهورية الإسلامية، فإنَّ أهمية الحقل العلمي والثقافي وخطره عندها يتأكَّد ويتضاعف، وبالتالي حرصها على ضبطه وإحكام قبضتها عليه. ومن السذاجة بمكان تصوُّر أو افتراض إهمالها الأمر وتركه للأعداء أو للأقدار، تسوقه إلى ما ينال من الدولة ويتهدَّدها، ينخر أُسسها ويخلي الأرض من تحتها لتهوي وتسقط بعد حين.

    ولما كانت الجمهورية تفتقد العلماء والمثقفين، أو أنهم شحُّوا في رجالاتها وندروا بين أتباعها، فالعالم الحقيقي والمثقف الواقعي قلَّ أن يرتضي لنفسه دور عميل السلطة وخادم النظام، فإن قبِلَه أَنصاف العلماء ورضي به أشباه المثقفين، عسر عليهم تكلُّف الذرائع وشقَّ التماس المبرِّرات، اللهم إلا مَن قبع في حضيض الوضاعة وبلغ أرذل الخسَّة والصغار كالحيدري وحب الله، ومن قبلهم هبل الأكبر فضل الله، ممن عُدم فيهم الورع وزوي الحياء… عمدت السلطة لخلق بدائل وصنع أدعياء، تغرسهم في المحافل العلمية وتزرعهم في الأوساط الثقافية، وهم يأتون على شاكلتها والكيفية التي هي عليها، من الهزال العلمي والضعف الفكري، المسحة التي تصبغهم من القمة إلى القاع ومن الباب إلى المحراب! ثم تكتفي بصخب الإعلام، وتستغني بطنين الذباب، يروِّج ويهرِّج، ما يغلب الفضاء والأجواء، فكأنها حققت المطلوب وبلغت الغاية والمراد، فالحقيقة لا تعنيها ما دامت الأكاذيب تنطلي، والواقع لا يشكِّل خطراً ما دام الزيف يُشترى ويباع.

    يجمع أحدهم ثقافة متواضعة من قراءات سطحية مبعثرة، وشتات مطالعات عابرة، يُلحقها بدراسة أو شهادة جامعية في مرتبة دنيا بالكاد تتيح له وظيفة تدرُّ راتباً ومعاشاً، أو يكسب من التحصيل العلمي في الحوزة نزراً ويجني لمماً لا يسمن ولا يغني من جوع… ثم تراه يخوض في أُمور الدين ويلج ساحة الإرشاد، كأنه ابن بجدتها وأمهر فرسانها، يُسقط الثوابت والمسلَّمات، من راسخات المذهب ويقينياته، كمراتب المعصومين ومناقب الأئمة الأطهار، وشعائر العزاء والمزار، ويثبِّت المتقلقل المتزعزع، والضعيف المشكوك كالولاية المطلقة للفقيه، ويزرع المختَرع المبتَدع، فيعلو بالقدس ويجعل الأقصى القضية الأُولى، ويهمل العتبات المقدسة ويتجاهلها، أو يسخِّرها لطريقه والنهج الذي اختار. يقول برأي الزيدية في الجهاد، ويصوِّر النهوض به من أُصول الإمامية، ويدعو للمجاهرة بعداء القوى العظمى والتصدِّي للحكومات الموالية لها، ضمن نهج ما يسميه “الممانعة” أو “المقاومة”، يجعلها من أركان الدين، ليخرج من لا يقول بها ويلتزمها من ربقة الإيمان! يخوض في الرجال والأسانيد، فيضعِّف ما شاء من الأحاديث ويهمل ما لم يطب له من الروايات، وينتزع وجوهاً ما أنزل الله بها من سلطان في التفسير وتأويل الآيات!

    يتصدَّى للتحقيق والتأليف، وكأنه أُستاذ ضليع ومتخصِّص رفيع، ولربما قدَّم دراسة ونظَّر لفكرة وأسس لموضوع، فيحسبه الغافل باحثاً جاداً، وجهبذاً بلغ الاجتهاد، فيخبط بما يطال المذهب ومسلَّماته بالتشكيك، وأحياناً بالنقض والهدم، يأتيه من داء سكنه بهوس “فتحٍ غير مسبوق”، والظهور بجديدٍ غير مطروق! والعوام يلحقونه ويتبعونه، يتركون الكليني والمفيد والطوسي والصدوق والعلامة والمحقق والمجلسي والحر العاملي، والفحول من أعلام الطائفة وأفذاذها، والأساطين من علمائها ورجالها، من فقهاء وأصوليين ومحدِّثين ومفسرين وفلاسفة ومتكلمين، ويستبدلون بهم غرّاً مبتدئاً أو متطفلاً طارئاً ولصيقاً لاحقاً!.. فإذا جمعت المستوى الثقافي المتواضع والتحصيل العلمي الأدنى، إلى النشاط العريض وحجم الفعل والحركة، والمزمار الذي يعزف في كل عرس ووليمة ختان، إلى النتاج والمخرجات، وقرنت ذلك إلى العمر وما بلغه الفتى أو الرجل منهم! تقف على أحد أمرين: إما عبقرية معجزة، أو مهزلة مضجرة! وكمثال عابر يسلِّط الضوء على السائد المتصدِّر من اللغو والحشو، والرجال الذين أعدَّتهم الدولة وأحزابها، الذين سينهضون بـ ”جهاد التبيين” وينفِّذون أوامر القائد… تأمَّل في قضية كتاب “التمحيص”، وهو كتاب تم الفراغ من تحقيقه منذ سنوات خلت، على يد أحد أفذاذ المحققين، وأبرز العلماء المتخصصين، هو السيد محمد باقر الأبطحي، أنجزه وفق الضوابط العلمية والأُصول الفنية المرعية، من البناء على نُسَخ مخطوطة، ومقابلات وتطبيقات، ومعالجات تامة، حتى طُبع ونشر… ثم تفاجأت الأوساط العلمية بالأمس القريب بطبعة ثانية له، صدرت باسمٍ جديد يُنسب إليه “التحقيق”! وكل “جهد” صاحبنا هذا وإنجازه ينحصر في إرجاع الكتاب إلى ابن شعبة الحراني بعد أن نسبته الطبعة الأولى للإسكافي، الأمر الذي كان السيد الأبطحي قد سبق ونوَّه إليه في مقدمة طبعته على نحو الاحتمال! فكان ترجيح أحد الاحتمالين هو “الفتح المبين”، الذي حمل “المحقق الجديد” على بساط انتشله من ربوع العمالة للنظام، وطار به إلى فضاء الأصيلين الأخيار!

    ما الأمر هنا، وفي عشرات الموارد المشابهة، التي تبرق فيها نجوم في وسائل التواصل، وتسطع كواكب تجتذب المتابعين والملاحقين، تكرِّس رموزاً قادمين، إلا مشروع سياسي يحظى بدعم إعلامي خرافي، يصنع أبطالاً في شتى الفروع والوجهات، حتى الساحة الإيمانية الولائية، لهم أرقامهم الذين يظهرونهم قامات، وإن كانوا أقزاماً أو أحداثاً كهذا الذي يزعم التحقيق… والملفت المؤلم، أنَّ بعض المثقفين الحقيقيين، انطلت عليهم الحيلة ودخلوا في الصفقة، ورقصوا تحت الراية، فكانوا والمستغفَلين العوام سواء!

    لا يعنينا من يتبع العمائم الحكومية والمثقفين الحزبيين، من متجاهرين لا يخفون هويتهم، ومعلنين لا يدارون ولا يتوارون، فهذا خيار الأتباع وتلك قناعاتهم، “ومن يضلل الله فما له من هاد”، و”وأولئك هم الخاسرون”… إنما الحسرة على المغرَّر بهم، ومَن أغواهم ظاهر مزيَّف وانطلى عليهم زخرف الإعلام وغلبهم زخمه، فلحق عناوين: “المربي الفاضل” الذي يمحور الدين حول شخصه الشاخص ونفسه النفيسة، و”بخاري الشيعة” الذي لا يأتي أتباعه إلا بالصحيح ويطرح الأحاديث الضعيفة! و”الثعلب المراوغ”، الإشكوَري الذي يفاكه النساء ويمازحهن، ويستملح سماجته بتجاذب اللطائف، ودعوتهن للجرأة وترك الحياء، يؤسس جامعة نسوية، مغرِّراً بآلاف المؤمنات، يزعم أنها تابعة للمرجع الأعلى، فينتسبن إليها فرحين ويلتحقن بها واثقين معتمدين، والسيد السيستاني منها على براءة يوسف الصديق من السوء! والصفيق الوقح يمضي في سياسة الأمر الواقع، والسبق للمبادر! وكذا ”الذئب العاوي”، ”پناهيان”، الحمَل الوديع، الإلهي المحلِّق، العرفاني الخلوق، المهذب البشوش، الذي تغلبه من فرط سماحته الابتسامة.. ثم ينقلب في ساعة، ليشتم ويلعن، وينادي بالويل والثبور على عالم من أعلام الحوزة وواحد من كبار فقهائها، كلُّ ذنبه أن انتقد أداء الدولة وعجزها عن احتواء المتظاهرين، وتمام جرمه أن حذَّر من نتائج كارثية لهذا الحراك والصراع (وإن تمَّ إنهاؤه والقضاء عليه)، أخطرها الاصطفاف ضد الدين، عندها كشف “پناهيان” عن وجهه الآخر، وقفز إلى الواجهة يعضُّ لا يعِظ، وينهش لا يهش ويبش، وظهرت أسنانه الباسمة، أنياباً تقطر دماً! فعاد لما حسبه بعضهم زلة كانت منه، حين لحق باصطفاف حزبي مفضوح في معركة الانتخابات النيابية، فبان أنَّ هذا هو الأصل فيه، وما الظاهر إلا قبعة إخفاء، وجلد حمَل يسمح له بالرعي مع القطيع وسط الخرفان!.. وما زال العوام يلاحقون أفلام وتمثيليات أستاذ الأخلاق، ومربي الأجيال! يتوهمون فيه وفي أضرابه الأصالة الحوزوية والاستقلال، وما هم إلا مشاريع تتحرك تحت راية الجمهورية أو الحزبية وما يمثل الحركة الإسلامية، أصل الضلال والانحراف… قد يمطر بعض غمام هؤلاء، فيسقي العطاشى ويرويهم، ويخدع العوام ويعميهم، لكن الريع والعائد، سيكون دائماً للزارع، والمتعهد بالرعاية والمتكفِّل بالتسويق والدعاية، وتتفاوت هنا نسبته وتختلف حصَّته، باختلاف قوة الغيمة وحجمها ومكانتها، ودرجة إسهام النظام أو الحزب في صنعها وتكوينها، ليعود له الكل أو النصف أو الربع، وفي الأقل الأدنى سيحظى بالخمس ومعه مداليله الفقهية!

    هذه عينة من رجال “جهاد التبيين” الذي ندب القوم إليه مؤخراً كصيغة حركية، تفرغ الشحنات الثورية التي طالما زُرعت في هذا التيار، وباتت لا تنسجم مع المرحلة القادمة من الاستسلام! وهناك الأسوأ والأكثر انحطاطاً.. هؤلاء جميعاً سينخرطون ببدعة التبيين في طورهم القادم (ولولا أن دهمهم الحراك لقطعوا فيه شوطاً وصاروا اليوم في غير مرحلة)، ومن نافلة القول أنَّ هذا الجهاد عندهم يصبُّ في الحث على القيم الثورية والشعارات السياسية كالقدس والوحدة الإسلامية (كما صرَّح المسكين الذي انتقص من بصيرة الشيخ الوحيد!)، وما إلى ذلك من هراء سياسي باتوا يسحقونه في صفقات تبيع الأوطان، وتتبادل مناطق النفوذ بين العراق ولبنان!

    مع كل شواهد الانهيار السياسي والاقتصادي (وإن نجا النظام من كبوته الحالية)، والإفلاس الفكري، والخيانة العقائدية، وقد ظهرت للأعمى وأسمعت الأصم، في أداء هدم الحوزة وأزرى بالمرجعية، وزرع ورعى عناصر الضلال، وفَّر لهم الغطاء وزودهم بالمال، ومنحهم الحماية السياسية والاجتماعية… ما زال بعض الحمقى والبُلْه يبرِّئ النظام، ويمضي بجمود الخشب المسنَّدة، وبرود الموتى، وغفلة الشياه، تسقى في المسلخ الماء! فيلتمس للحزب والجمهورية الإسلامية الأعذار، ولا يرى شيئاً من كل الذي يعصف بالدين وإيران… ثم يعيب على الصحاف، ويسخر من وزير إعلام صدام!

  • قحم مغامرة طائشة بامتياز، وأدار ثورة بمنتهى الحمق والغباء، وقاد شعبه في البحرين بتدبير يتنزَّه عنه أسفه السفهاء، ثم تراه ينظِّر للوعي ويحاضر في البصيرة!.. إنه تيار ولاية الفقيه، الذي يرمي الوحيد الخراساني، شيخ الفقهاء وزعيم الحوزة العلمية في قم، بافتقاد البصيرة، وعدم الكفاية لإدارة الساحة! ويأخذ عليه اضطراب الأولويات، والعجز عن إدراك الموارد المحقَّة التي يجب أن ينشغل بها المرجع، ذلك أنه يتحسَّس مما يطال المذهب ويمس العقيدة وينال من الولاء، ولا يبالي ـ كما يدعون أو يفترون ـ بالقدس وفلسطين والوحدة الإسلامية. وهذه شنشنة نعرفها من أخزم، تتجدَّد بين الفينة والأُخرى على غير لسان، وتصدر بحق غير واحد من مراجعنا العظام. والغريب أنها جاءت هذه المرة، والعالم يشهد واحدة من فضائح الإدارة ومهازل التدبير السياسي، وأجلى صوَر العمى وافتقاد البصيرة لقائد الجمهورية الإسلامية!.. ما يدعونا للنظر في وعي السيد القائد، ويحملنا على تقييم أدائه وأحوال دولته.

    الأرجح أنَّ نظام الجمهورية الإسلامية في إيران سوف يصمد ولن تسقطه الانتفاضة القائمة، لكنه سيخرج منهكاً مثقلاً، جريحاً مضعضعاً، يجر أقدامه وكأنه يقتلعها بعد وَتْد وارتكاز، من فرط الصمود، وإحاطة العدو والاحتواش، وتلاحق الضربات وإثخان الإصابات. فهي حلقة في سلسلة انتفاضات ممتدة، ولعلَّ الحراك القائم اليوم، هو الأقوى والأشد فيها، وقد فاق ـ في قراءة المحللين ـ الانتفاضة الخضراء عام 2009. والأهم الأخطر هنا، أنَّ الحراك وجَّه ضربة قاسية للفكر الديني، على الصعيد العقائدي والثقافي، وخلق أزمة عميقة في الساحة الإيمانية، نزلت بالحداثوي المغامر، كما طالت الأصيل الملتزم، وخلَّفت معضلة في الخطاب الديني، حلَّت بالحركي الضلالي، كما شملت التقليدي الوقور، النائي بنفسه عن لوث السياسة والمتحرِّز من ظلمة دهاليزها… مفادها أنَّ الشعب أو الأُمة ما عادت تريد الدين، وأنها باتت عازفة عنه، ضائقة ذرعاً بعقائده وأحكامه، لا تميِّز بين حمَلته من العلماء الأتقياء، وأدعيائه من الحكَّام القساة والولاة الأشقياء!

    فالحراك الذي يبدو أنَّ السلطات عاجزة عن كبح جماحه، ناهيك بوقفه وإنهائه، وفي ضوء إصرارها على توصيفه حراكاً يستهدف الإسلام وشعائره، لا النظام وسياساته، وفشله وإخفاقاته، وتصويرها المتظاهرين المحتجين معادين للدين، يريدون إسقاط الهوية المذهبية عن المجتمع والوطن، وأخذ إيران إلى انحلال الغرب وإباحيته، ومحاربة شعائر الإسلام على خطى رضا خان ونهج كمال أتاتورك… يفرز وضعاً خطيراً، ويخلق صدعاً غائراً، يعمِّق معضلة الخطاب الديني، ويعقِّد الأزمة المعاصرة له، التي صنعتها التيارات المتطرفة، ولا سيما العنيفة وفي رأسها الإرهابية التكفيرية.

    الأزمة والمعضلة التي عمل السيد السيستاني طويلاً وما زال يعمل على معالجتها، ومنع إصابتها الساحة الشيعية. وقد بذل ـ دام ظله الشريف ـ في هذا السبيل وثابر، وعانى الأمرَّين ليقدِّم الإسلام في إطار السلم والسماحة، وصورة الاعتدال والوسطية، النهج البعيد عن العنف والتطرف، المؤثر للحوار والتفاهم والحلول التوافقية، دون المواجهة والصدام. فكان الأداء الهادئ الجامع، الذي نجح في تحييد الشعب العراقي وعموم الشيعة في العالم عن الصراع العبثي الذي تخوضه الجمهورية الإسلامية مع أعدائها، وصدِّ الامتداد الإيراني وحصره في دوائر النفوذ المخابراتي، ونطاقات ضيقة من الأحزاب الموالية، دون شعوب البلاد وعموم المؤمنين. وقد ضرب سماحته في هذا السبيل أروع أمثلة النجاح، وأثبت بالوجدان، أنَّ ما يُنتزع بالحكمة والموعظة الحسنة، ويُكتسب بالهوادة والمداراة، هو أضعاف ما يُنال بالعنف والقوة، أو بالعناد والمكابرة، مردوداً، وكذا كُلفة وثمناً. وفي هذا السياق انتهى الاحتلال الأمريكي وأُقر الدستور العراقي وقامت الدولة الجديدة بديمقراطية محسودة، وتعددية لم يطقها الجوار! وما زالت المسيرة تمضي بنجاح، على الرغم من عوائق كبيرة، في رأسها فساد السياسيين من أبناء الحركة الإسلامية التي تقود الدولة (وجلُّهم من أتباع إيران ونهجها!)، بعد إعصار الإرهاب التكفيري، والمجازر والفجائع والدمار الذي أنزله. نجحت المرجعية في احتواء جميع الأزمات والأخطار، وقادت سفينة الطائفة والمذهب نحو برِّ الأمان، ووفِّقت في عرض نموذج عملي للفصل بين الدين والدولة، والنأي التام للحوزة العلمية عن شؤون الحكم والإدارة، وحصر التدخل في موارد إنقاذية تنزل عليها الأطراف المتنازعة، تتسوَّل وتتوسَّل المرجعية أن تفصل في الخصام، أو تُمضي وتبارك الوفاق!

    وهلى هذا النسق والمبنى عالجت المرجعية العليا “الحراك” في العراق!… ولم يعد خافياً أنَّ “الحراك الشعبي”، الثورات البيضاء والخضراء، الانتفاضات السلمية والمخملية، من تونس ومصر إلى لبنان والسودان، فالعراق وإيران، وغيرها من مواقع هبوب نسمات الربيع العربي، كلها مقولة واحدة، تحركها المخابرات وتديرها السفارات، وإذا كانت بعض الدُّمى التي تدِّعي البصيرة، قد استُغفلت واندفعت في بدايات الحراك، أو ارتبكت واضطربت وأسقط في يدها فلم تحر موقفاً وجواباً يفسِّر الظاهرة، فإنَّ الأمر الآن بات واضحاً، ولا ريب في أنه أداة التغيير الأمريكي. ونحن في الساحة الشيعية أمام نماذج أربعة للحراك الشعبي، بحريني ولبناني وعراقي وإيراني، ذهب الأول الذي كان التشيُّع الحركي فيه بموقع الفعل الجماهيري ووقود الحراك، أدراج الرياح، وكذا راح الثاني باصطفاف مفتضح مع النظام الطائفي! وبقي النموذجان العراقي والإيراني، وهما حالتان حريتان بالدراسة والبحث، للنظر في كيفية إدارة الأزمة، وأداء القيادة المتصدية في البلدين، المرجعية في العراق، وولي الفقيه في إيران، وآليات عمل كلٍّ منهما في معالجة القضية، ثم الوقوف على النتائج وانتزاع المعطيات.

    في العراق، ذهلت الجماهير والأحزاب والسلطة والعالم بأسره، من طريقة عمل المرجعية، وكيف امتنعت عن أي فتوى أو بيان يدين الحراك، وهو العلماني الإلحادي العميل! الذي يهتف ضد الدين، ويحرِّض على الأشقاء الشيعة الإيرانيين!.. ولم يقف الأمر عند السكوت وعدم المواجهة، بل بلغ الدعم الصريح، حين أمَّنت العتبات المقدسة للمتظاهرين حافلات تنقلهم، وبعض النقليات كانت لحراك مفتعل يخدم حشد الجماهير ونقلهم من مدينة لتسد النقص والعجز في أُخرى! ولم تكتف بذلك حتى وفَّرت للمعتصمين وجبات الطعام والمياه والمشروبات، ضمن مقولة أن هؤلاء يبقون من أبناء العراق، لهم حق التظاهر والاعتراض، وقد أغرقت السلطة في الفشل والفساد، وأنَّ المطالبة بإسقاطها حق مشروع، فلتذهب الحكومة ويسقط رئيس الجمهورية وليأت آخر غير هذا وذاك، أما شعاراتهم، فهي جهالة وخلط بين المبدأ والتطبيق، ونقمة على الظلم الذي يقاسون، لا الدين الذي يؤمنون… هكذا احتوت المرجعية الحراك، وأطفأته وأنهته، دون خسائر تذكر ولا فتنة تتهدد الدستور والاستقرار وأصل هوية النظام!

    هذا هو أداء تسعيني، مثقل بالأمراض وآلام الشيخوخة، لا يملك من أسباب وعناصر رفد القيادة، وأوليات العمل السياسي، عشر معشار ما لدى قائد الجمهورية.

    أما في إيران، التي تجاوز القوم فيها عن شرط الفقاهة، وقدَّموا المفضول على الفاضل، طلباً للحنكة السياسية والقدرة الإدارية التي يفترض أن يتفوَّق السيد القائد أو يتميَّز بها عن الفقهاء الحقيقيين والمراجع العظام، من الشيوخ المنقطعين في بيوتهم، الشيَبة المنزوين، المفتقدين لأي سابقة، والمفتقرين لأي خبرة، فترى أداءً تدميرياً وكأنه انتحاري!.. بدل أن يصطف مع الشعب، أو يتخذ موقف الحكم بينه وبين الحكومة، فيدينها ويغيِّرها إرضاءً للشعب ونزولاً على إرادته فيحتوي الأزمة، غضب وتعصَّب وجعل المعركة بين الشعب وأصل النظام، بل بينه وبين أصل الدين والإسلام!.. وراح يحدوه الجشع والشره في بسط نفوذه ووضع يده على جميع مواقع السلطة، دفع لإجراء انتخابات نيابية، في ظروف تعطيل عالمي بسبب الكورونا، وحتى يستحوذ أنصاره على السلطة التشريعية، لم يكترث أن يتفشَّى الوباء! ثم عمد لانتخابات رئاسية إقصائية، دفع فيها السيد رئيسي وحمل الأرض والسماء على تنصيبه، ومضى في ضيق أُفق وحسد لنجاحات رجال الدولة من غير تياره، جعله يشنُّ حملة شعواء على دولة روحاني وشخص وزير خارجيته ظريف، حتى علَّق الاتفاق النووي التاريخي الذي حققه وأنجزه، وها هو فريقه المفاوض يتسوَّل نفس الاتفاق، بل يخضع ويقدِّم المزيد من التنازلات، والغربيون يذلُّونه ويأبون التوقيع! هذا إلى جانب أداء اقتصادي أخذ البلاد والعباد إلى حافة الانهيار، فإذا انتفض الشعب وثار، عمد للطرق البوليسية في القمع، والحيل المخابراتية التي ملأت المعتقلات، وما زال في تخبُّط وتعثُّر، لا يدري كيف يصنع ويخرج؟! الرجل مستغرق في دنيا “سلام فرمانده” وما ينسجه الخيال ويسطره من فتوحات في شرق الأرض وغربها، ويحلل ثورة الشعب ويفسرها نقمة على نجاح الأنشودة!

    تُرى من هو السياسي المحنك، والحكيم الخبير، وأين “البصيرة”؟ هل هي في الشيبة المقدسة الذي يدير العالم وهو خال اليد إلا من الفقه وصلاة الليل؟ أم الذي يملك سابع قوة عسكرية في العالم وأقوى مخابرات في المنطقة، ومنظومة خرافية تزوده بالمعلومات الأمنية والسياسية والاقتصادية، وسلاح إعلامي جبار، سيل جارف من القنوات الفضائية والمواقع والجيوش الإلكترونية، ومئات آلاف الموظفين والأعوان؟!.. وليس يصحُّ في الأذهان شيءٌ، إذا احتاج النهارُ إلى دليل.

  • بعد الإرادة والنوازع النفسية، هناك عوامل خارجية، تربوية وبيئية واجتماعية وسياسية، تؤثر في حركة القيَم الدينية والحالة الإيمانية للفرد والمجتمع، والقراءة العميقة لمفهوم التقوى والورع، بمختلف مراتبه ومراحله، تأخذه إلى فضاء ما يحول دون الجنوح إلى الضلال والوقوع في المعصية، مع بذل أسباب الأخذ بالحق، والعمل بما يورث الالتزام السلوكي والارتقاء الروحي. وإذا كان أثر البيئة ومعطياتها في النفس الإنسانية مشهوداً ملموساً، فسكَّان الجبال يتميَّزون عن قاطني السهول، والرحَّل في البوادي يختلفون عن المستقرِّين في المدن، ومن يعيش في القرى والأرياف، مجاوراً الأنهار ومنابع المياه، لن يكون مثل الضاربين في الصحاري القاحلة، وأن هذا التفاوت يورث ـ في النوع ـ صفات ويودع طبائع القسوة والجلافة أو الرقة والشاعرية، البأس والقوة أو الضعف والوداعة، الشجاعة والإقدام أو الضراعة والاستسلام، وغيرها من صفات تسري وتعم لتبلغ الرحمة والعطف، مقابل الغلظة والخشونة، والرغبة في العلم والمعرفة مقابل الخمود والبلادة، والجود والكرم مقابل الحرص والشح… وهكذا فإنَّ دور العامل الاجتماعي والسياسي في الحركة الروحية، وموقع الدين ومكانه في حياة الفرد والمجتمع، من الأوْلى أن لا ينكر. فمن الطبيعي أن يكون للحكومات والأنظمة السياسية وما تخلقه من أجواء وفضاءات، تأثيرها على المجتمعات، وهي تصبغ البلاد بطابعها، فالناس على دين ملوكهم، كما أن الملوك أو الولاة هم من نتاج الناس وعلى شاكلتهم، وقد يبلغ الأمر في بعض الحالات، ضرباً من النفوذ الروحي والهيمنة المعنوية، فتجد بلداً ومجتمعاً بأسره يصبح بعيداً عن الفكاهة والمرح، تبعاً لملِكه أو سلطانه المتجهم العابس، أو امبراطوره الجاد! حتى ترى الدراما في الأعمال الفنية لهذا البلد، تغلب على الكوميديا، فإذا أنتج الفنانون مسرحية فكاهية، رأيتها تُبكي المشاهدين، لا تضحكهم!

    إنَّ إيران تعيش منذ ثلاث عقود ونيف، حقبة في منتهى الخطورة، إذا قدِّر لها الدوام والاستمرار، فهي ذاهبة لتقويض البنية العقائدية وتعطيل الشعائرية وإلغاء الهوية الشيعية (الحقيقية) في هذا البلد، وآخذة في تأسيس بديل مرتكزه “اللامذهبية”. ولو نظر المراقب في تاريخ تشيُّع إيران، وقرأ الحقبة التي انتقلت بالإيرانيين (الفرس منهم والأتراك) من التسنن إلى التشيُّع، لعَلِم أن لا إغراق في هذه الدعوى، ولا تهويل في التوجُّس من هذا الخطر، ولوقف على أن الانتقال إلى مذهب جديد، والانقلاب على القائم، ممكن مُستطاع ومبذول متاح، وأنَّه في المحتمل المرجوِّ لأهله، بل المرجَّح المؤمَّل لأربابه! إننا نعيش في فضاء متلبِّد وأُفق مكفهر، استولت فيه الحركة الإسلامية على الساحة الشيعية، حكمت سياستها، وراجت ثقافتها، حتى طبعت أبناء الطائفة بهويتها المتميعة وصبغتها الباهتة. وذهبت بها في الشأن السياسي، واستغرقت في مقولات “الجهاد” و”المقاومة”، كما أمعنت ـ على نحو موازٍ ـ في التمسك بمبدأ وشعار الوحدة الإسلامية والتزام مقتضياته. إنَّ الأداء السياسي للتشيُّع، وإصرار الأحزاب على خلع هذا الثوب عليه، وإقحامه في تعريفه وقوامه، بما ينفي الشيعة الآخرين، الرافضين لولاية الفقيه وحمل السلاح والانخراط في المشاريع السياسية… سوف يقتل المذهب ويقضي عليه، لا كمدرسة فقهية ومذهب عقائدي فحسب، بل كوجود اجتماعي، وطائفة مستقلَّة وأُمة قائمة!

    في ساحة مكتظَّة مزدحمة، وميدان غاصٍّ بالنشاط والحراك على جميع الأصعدة، يضيع العاملون المستغرقون في مهامهم، ويغفل الناهضون المنشغلون بوظائفهم، عن خطر  داهم يحدق بالمذهب، وتهديد خطير عظيم يتوجه للطائفة، أنَّ جلَّ أبنائها ما عادوا يعيشون هاجس الحفاظ عليها، وما عاد دوام مذهبهم وبقاؤه، بمعالمه العقائدية وخصوصياته الفقهية، يشكِّل قضية مُلحَّة عندهم، بل صاروا يميلون للاندماج في مجتمعهم الكبير “السني” أو”المسيحي الغربي” أو “المدني” في العموم، فيتخلصون من عقدة الأقلية، ويتحرَّرون من ضغوط التمييز الطائفي، وما يستتبعه من اضطهاد وسطوة، وأحياناً بغي وتنكيل.

    إنَّ الرهان على السير التاريخي الذي مضى عليه المذهب حتى الآن، وبدا فيه عصياً على التغيير والتحويل، ناهيك بالزوال والاندثار، وقد قاوم مختلف الظروف، وصمد أمام صنوف العلل والنكبات… والتعويل عليه، يبدو مغامرة خطيرة غير مأمونة الجانب، ولا سليمة العواقب. وإذا كان الشاه إسماعيل الصفوي أعمَل القوة والضغط الأمني، في إحداث التغيير المذهبي، فإنَّ النقلة النوعية في وسائل الاتصال وطرق الإعلام، ماضية في فرض نمط غير معهود من خلق العقل الجمعي، وسبيل غير معروف في بناء التيارات والمدارس الفكرية، فنحن نشهد اليوم، بالحسِّ والوجدان، تغيُّر العادات والتقاليد وأنماط العيش المعهودة والمأثورة لأجيال سابقة وغابرة، كانت في الثوابت الراسخة، والأصول التي لا يمكن تصوُِّر تغيُّرها… لم يسبق للبشرية أن عهدت ظاهرة ـ من قبيل ـ اجتماع حشدٍ في محفل، دون أن يتبادلوا الحديث فيما بينهم، يمضون لساعات في صمت، وكلٌّ مستغرق في هاتفه النقال، يتواصل عبره مع قرين له في أقصى البلاد أو أدناها! إننا أمام مفاهيم جديدة ومحدثة لمعنى الخروج من البيت، والتزام الحجاب، والعفة والشرف، وكذا مظاهر البغض والعداء والحرب، كل هذا قد يجري بين اثنين يمضيان معاً في قاعة واحدة، يشنَّان حرباً شعواء على بعضهما من خلال وسائل التواصل، أو يتبادلان رسائل الغرام! هذه الحالة سوف تستتبع في قادم الأيام ما يهدم أسوار الهوية المذهبية والحمية الدينية، ويجعل كلَّ شيء ممكناً وقابلًا للتنفيذ والسريان، سوف يتغيَّر التحسس من الأُمور، والغضب على الوقائع والحوادث، وبعد أن زال مفهوم الحزن على القطيعة والسفر، فالإْبن منقطع عن أبيه في الحضر، قد يزول الحزن على موت عزيز، ويختفي مفهوم الحداد ويزول معناه!… لن يعود ما يثير الحفيظة مثيراً، ولا شيء في عالم المعاني والقيم يعدُّ خطباً أو طامة أو كارثة.

    إنَّ أبناء البادية اليوم يأكلون السوشي، والباريسيون الأقحاح صار إفطارهم الحمص والفول، والعراقي في الناصرية ما عاد يطيب له الكرواسان إلا بالزبدة الهولندية، وفي الكويت صفوف طويلة لا ينتظر المنتظمون فيها تلقي إعاشة، أو التصويت لانتخابات نيابية، بل مقعداً في ستاربكس، فإن عزَّ فكوباً أو قدحاً من قهوتها! وهذه لبنان تخرج بهدوء من الفرانكوفونية، وهي تتخلى عن الفرنسية، فالعولمة تقتضي الإنجليزية، فلتذهب الأم الحنون حيث تشاء… ما كان منعطفاً تاريخياً عصيباً في التصنيف والتبويب العلمي، صار يُطوى كطيِّ السجل، أو تقليب صفحات جريدة! مَن الذي سيضمن أنَّ الولاء لأهل البيت، هذه العقيدة الموغلة في الاستيحاش، ستمضي على حالها لا ينالها تغيير وتبديل؟ هناك واقع عصري يلتهم أبناء المذهب ويبتلع الشيعة ابتلاعاً… والبلاء الأعظم أنَّ النخبة الواعية والطليعة الرائدة من أبناء المذهب، لا يلمسون هذا الخطر ولا يعيشونه! وهم يمضون في خدرهم (ولك أن تفتح الخاء وبعدها الدال، أو تكسرها ثم تسكن ما بعدها!)، وادعين فاكهين، بين الرهان على التاريخ، دون لحظ لسُننه وفهم لنواميسه، ولا مراقبة لحركته، ولا اعتبار من سوابقه، وبين معزٍّ نفسه ومُسليها بـ “للبيت رب يحميه”! ثم لا يكتفي القاعد المتخاذل، حتى تثور حميته، وتنهض غيرته للوقوف في وجه فتية أقامهم وعيهم، ونهضت بهم بصيرتهم، فيثبِّطون هممهم، ويُعرقلون مسيرتهم…!

    لم ينحسر المشهد بعد عن أجيال ما زالت في الابتدائية والمتوسطة والثانوية، فتحت أعينها على صورة السيد القائد، وخضعت لتلقينٍ نفسي ومنهج تربوي وإعلامي مُحكم، وردَّدت دعاء الفرج كنشيد طابور الصباح، ثم عقدته وربطته بـ “سلام فرمنده”!

    إنَّ تفكيك زيارة الأربعين، وتمييع هذه الشعيرة الحسينية الأعظم في زماننا، بالتوغل الهادئ للنشاط السياسي والجهادي، أو قُل الحركي: مؤتمرات تدسُّ القدس في طريق كربلاء، وتستضيف أيتام صدام، وترفع صوَر الشهداء (الذين لا خلاف عليهم ولا توقُّف في ضرورة تكريمهم)، وأعمال فنية استعراضية (لموكب أولاد عامر) تشكِّل لوحات بين الحرمين، على غرار ما تقوم به الفرق الكشفية أو المدرسية في الملاعب الرياضية والمهرجانات الوطنية، وقد سبق ذلك ضرب المعازف في نفس المكان المقدَّس قبيل محرم، حتى تختم المسيرة على أعتاب الدخول لكربلاء، بالترخيص لمدينة ملاهٍ للأطفال، تتوهج ليلة أربعين الحسين بالأنوار، وقافلة الأسرى تحمل الرؤوس، تتهيأ لموافاة المزار، وإقامة المناحة وتجديد الأحزان على الفاجعة العظمى!

    إنَّ هذا غزو فكري، احتلال وإحلال، لن يعوزهم معه محاربة الشعائر، ولا استفزاز المشاعر، وخلق ردود الأفعال والصراعات، التي رأوا نتائجها وشهدوا خسائرهم فيها! إنهم يسحبون البساط، أو قل يحفرون الأرض تحت أنماط الجزع، ويتركونها لتهوي من تلقائها، أو أنها ستتراجع حكماً وفق قانون الإزاحة!.. ليست القضية أحمد الإشكوري أو عبدالمهدي الكربلائي أو غيرهما من المشاركين في هذه المؤامرة، عن علم وعمد، أم جهل وغفلة… البلاء في مفردات تتسرب، وثقافة تسود، وإعلام يهيمن، يخلق العقل الجمعي الذي يريده الشيطان، تلحق قناة العتبة الحسينية بقنوات العالم والميادين والمنار والصراط والكوثر، وتنساق في منظومة الحداثة والتطوير والحركة الإسلامية، تسبقها أجواء مريضة شاعت، فحكمت، وأتاحت إسقاط الشهادة الثالثة من الأذان في منارة حرم سيد الشهداء… سهواً!

    هذا قرع منبِّه لناقوس الخطر، ونداء في آذان القادة الولائيين، والمسؤولين في الحوزات والحسينيات والمساجد، والطلائع من الناشطين في وسائل التواصل، وكافة العاملين لنصرة الدين… لم يبلغ الصرخة ولا الإزعاج بالنفير، فإن سمعوه ووعوه فبها، وإلا سيظهر الفتية لهؤلاء بين سطور المكاسب والكفاية، وسينتصبون أمام عمائمهم وهم يتوجون بها رؤوسهم قبل الخروج من دورهم، وسيتمثلون أمامهم وهم يعتلون المنابر وينتصبون وراء المنصات، حتى يستفيقوا، ويخرجوا من السبات. “ألم تر أن المرء تدوي يمينه، فيقطعها عمداً ليسلم سائرهْ”..

  • على الرغم من براءته من خلفيات حركية، ونزاهته من سوابق تنظيمية، ومع التسالم على طهارته من لوث حزب الدعوة والإخوان المسلمين، إلا أن انخراط الأمين العام للعتبة الحسينية في النشاط “الحركي”، وتصاعد جهده ومثابرته على هذا الصعيد، بات واضحاً ومشهوداً للقاصي والداني. وبعد تمكين الحزبيين والإفساح للحداثويين، وتحكيمهم في المفاصل الإدارية والمواقع القيادية، وبسط أيديهم في الفعاليات الثقافية، مما طغت مظاهره ولم تعد خافية على المراقبين، البصراء الواعين منهم والغافلين، ابتداء من تعظيم الوائلي وانتهاء بمنح التبليغ الديني للإشكوري، مروراً بتسويق شخصيات حزبية وعمائم حداثوية، لسنا الآن في وارد إحصائها، ولا رصد الخرق الواسع للعتبات المقدَّسة… يستجدُّ اليوم طارئ خطير عرض مؤخراً، وشكَّل رقماً في انتقال إدارة العتبة، من طور الخضوع للنفوذ الحداثوي والتأثُّر بالتوغل الحركي، إلى مرحلة السيطرة والتحكُّم، والمباشرة والمبادرة، حتى بات العامل الفاعل في الأداء والسلطة الحقيقية، ولا سيما في القضايا الخطيرة والمواقف الحاسمة، هي للتيار الحركي الثوري، وما الواجهة العراقية أو عنوان المرجعية، إلا لافتة لا تغيِّر من الواقع الحاكم والمعادلة النافذة شيئاً… إنه إقحام العتبة الحسينية في الصراع العربي ـ الإسرائيلي! الذي انقلب مؤخراً ليصبح الإيراني ـ الإسرائيلي، بعد موجة التطبيع العربي، وما يُنتظر من موجة أخرى قادمة، بل موجات متلاحقة!

    ماذا يعني إقامة مؤتمر “نداء الأقصى الدولي” في كربلاء على هامش زيارة الأربعين المليونية؟ وماذا وراء الربط الذي أخذ عنوان “مبادئ النهضة الحسينية ودورها في تحرير القدس وثورة الشعب الفلسطيني”؟ ما هي دلالات دعوة جمال الدرة، الذي تدرَّع بطفله محمد، فأرداه الرصاص الإسرائيلي وصرعه، وراح السفهاء يشبهونه ويقرنونه برضيع الحسين! وهذا الاستقبال المميز الذي لاقاه به أمين العتبة شخصياً؟! ومن نافلة القول أن النقد والتحسس هنا، لا يطال أصل الزيارة والوفود على حرم سيد الشهداء، فالزائر مرحَّب به من أي ملَّة وطائفة كان، هو ضيف عزيز نحمله على رؤوسنا ونبسط له أشفار عيوننا. إنما التوقف في احتضان القضية الفلسطينية وتبني مشاريع المقاومة والتحرير (على تعددها، مما ظهر وتمثل في الشخصيات المدعوَّة وتنوع انتمائهم) من موقع العتبة الحسينية. وقبل ذلك، النظر في أصل الأمر، بعد الفراغ من الحق والظلامة، هل هو من تكاليفنا وواجباتنا، أم هو من القضايا العظمى المنوطة بالإمام المنتظر أرواحنا فداه؟

    تُرى، هل من نية لتحويل الحرم الحسيني المقدَّس إلى ثكنة عسكرية (ولو تعبويَّة)؟ هل من عزم على جعل كربلاء منطلقاً للمقاومة الفلسطينية بعد احتراق أوراق طهران، وتعثُّر مشروعها المصنَّف عالمياً في الإرهاب، والمدرج على لوائحه؟.. قد يرى كثيرون للأمر وجهاً وجيهاً، ويذهب الحركيون إلى ضرورته وحتميته، ويباركون دوره في سوْق الصراع وأخذه نحو محورية منشودة، ما برحت حلماً يراودهم منذ أمد بعيد… لهم ذلك، ولكن عليهم أن يحملوه إلى أي مكان وموقع غير العتبة الحسينية. لينهض به مَن شاء بعيداً عن مقدساتنا، ويمارسه بمنأى عن شعائرنا، فلا يقدَّم للعدو الذرائع المجانية لجعلها جبهة مستهدفة، بعد أن تحوَّلت إيران بأسرها إلى جبهة (بما فيها العتبة الرضوية التي طالتها العقوبات الأمريكية)، ولحقتها لبنان وسوريا واليمن، وكلها تئن وتقاسي، وتكاد تختنق وتموت!

    هل من المصلحة زجُّ العتبة الحسينية ودخولها في هذا الصراع؟ هل من الحكمة أن تنجرَّ مقدساتنا إلى الساحة السياسية، وتدخل في هذه اللعبة المعقَّدة والقذرة؟ بعد تاريخ ثابت راسخ وأداء وقور متوازن من الحياد والوسطية، والنأي بالنفس عن هذا الخوض واللوث؟! هل يخفى على أحد قوة اللوبي الصهيوني في العالم وخطر مواجهته وسلبيات استعدائه؟ وأنه المتحكِّم ـ كما يقال ـ بالقرار الأمريكي والغربي؟! هل من منفعة وخير في تحدِّي المسيطر الفعلي على الاقتصاد العالمي، ومجابهة المالك الحقيقي للمصارف والنقد وحركة العملات؟ هل نريد استنساخ وتكرار التجربة المريرة للجمهورية الإسلامية التي دفعت، وما زالت تدفع منذ أربعة عقود ونيف، ثمن هذا الاستعداء: حروباً وحصاراً وتجويعاً وبطالة، وتعطيلاً للتجارة والصناعة والاقتصاد، وانهياراً للعملة، وما أشرف بها على النزع والاحتضار؟! ثم ما هي الثمرة والنتيجة؟ هل سيُسقط هذا المؤتمر إسرائيل الغاصبة، يقتلعها من جذورها ويمحوها من الخارطة ويلقيها في البحر؟ وإذا قيل أنها مجرد حركة إعلامية، فهل تستحق هذه الفرقعة الثمن الباهظ الذي سوف ندفعه ونتكلَّفه؟!

    إنَّ العتبات المقدسة، والحرم الحسيني على الخصوص، لم يتعرَّض في تاريخه الممتد للهجوم والتخريب، وتعطيل المزار، إلا على أيدٍ عربية وإسلامية، من خلفاء الدولة العباسية ولا سيما المتوكل، إلى غارات الوهابية، وحملات العثمانية، ثم ما عاصرناه من الهجمة الصدامية… لا يخفى على أحد الدور الاستعماري أو اليد الماسونية في تحريك هؤلاء، ولكن الرصد الظاهري والتسجيل والمراقبة المشهودة والمحسوسة، تقرِّر أنَّ الغربيين، أمريكان ومن قبل إنكليز، لا يتعرَّضون للمقدسات الدينية بشكل مباشر، ولا يستهدفونها، ولا تعنيهم ما دامت لا تتدخل في شؤونهم، وما ينال من مشاريعهم.. فهل من الحكمة والصواب، أخذها إلى واحدة من أكثر القضايا السياسية تعقيداً، وإقحامها في معضلة مستحكمة أعجزت العرب جميعاً، وأعيت المسلمين قاطبة، وأزرت بالأمم المتحدة وجعلت قراراتها طعاماً لسلال المهملات والنفايات؟!

    لا يطعن المراقب المؤمن بالشعب الفلسطيني ولا يسمح لنفسه بتغليب أوصاف سلبية عليه، ولكنه يفعل ذلك مع الحركات السياسية الفلسطينية، العلمانية منها والإسلامية، هؤلاء لا يؤتمنون، والأصل فيهم الخيانة، إن لم نقل النصب والعداوة، وقد شهدنا نموذجاً لها في الزرقاوي، وفيهم عملاء يتعاونون مع الموساد ويخدمون الدولة الصهيونية، وتطويق الأعناق بالكوفية المرقطة، لا يكلِّف شيئاً ولا يعني بالضرورة اصطفافاً وتخندقاً حقيقياً. علينا أن لا نغفل ولا نسمح بتكرار التجارب الخاطئة بل القاتلة، ومنها ما جرى إبان ثورة العشرين، بينما كان الشيعة يواجهون الاستعمار الإنجليزي، يقاتلون المدفع (الطوب) بالمقوار (الهراوة)، راح إخوانهم في الدين والوطن في مفاوضة العدو، والدخول معه في صفقة، ارتسم على إثرها شكل الدولة العراقية الحديثة، ومُنح فيها الحكم للأقلية السنية!

    دعك عن القائلين بنظرية المؤامرة، الذين يرون أن الأيدي والنفوذ الإيراني في النجف والعراق، لن يسمح ببقاء موقع المرجعية وما صارت فيه من زعامة الشيعة في العالم، ومما يفعلونه لتقويض هذا الموقع، هو استدراج المؤسسات التابعة للمرجعية لمصادمات ومواجهة مع الغرب، والدخول أو السقوط في نشاط سياسي يدرجها في لائحة المغضوب عليهم، فلا يعود للمرجع القادم هذا الدور ولا المكانة… هناك رؤية أخرى ترى أن أمين العتبة يحسب لمستقبله، ويعيش واقعية نفوذ الجمهورية وسطوتها العسكرية والأمنية عبر فصائل وميليشيات خارج الدولة وقواتها المسلحة؟ فيعمد لما يرضي القوم ويتزلف إليهم، بإجراءات تتناغم مع سياساتهم وطموحهم وآمالهم؟

    إن أي واع بصير يسمع ناقوس الخطر يقرع، وجرس الإنذار يدق، وصوت الحكمة يهمس اليوم، ولربما صرخ غداً في كل أُذن واعية، وهتف بالقادة والمسؤولين والطلائع وكافة العاملين، أن يتيقظوا، ويقرأوا الاستراتيجيات لا الحوادث المقطعية، وأن ينهضوا ليقطعوا الطريق على هذا التسيب والانحراف.

  • لم يكن البغض والنُصب فقط، ولا الخِسَّة والدناءة أو الغلظة والفضاضة فحسب، هي التي دعت للتنكيل والمُثلة، وحزِّ الرؤوس ورفعها على القنا، وحملت على وطء الأجساد بسنابك الأعوجية، وتفريق الأعضاء وتقطيع الأوصال، والمضي في ترويع النساء وتجويع الأطفال… ولا كان إشعال الحرائق وإضرام النار، واجتياح الأخبية ونهب الخيام، لمحض الظفر بـ “الغنائم”، ومجرَّد الفوز بذخائر ونفائس كانوا يحسبون أنها في بيوت “ملوك الأرض والسماء”.

    لا ريب في دور الحنق والحسيكة ومكان الدناءة والرذيلة، ولا شكَّ في تأثير الخبث والعهر واللؤم والدَّنس، فالقسوة والغلظة والشراسة… لكنها من جانب آخر، نتاج “طبيعي”، أو قُل تلقائي، لسير المعركة والطريقة التي دارت عليها رحاها ساعات عاشوراء، ويومها الممتد كثلاثة مما تعدُّون!.. إنها البسالة والشكيمة وعموم الكيفية التي قاتل فيها أبطالُ الصفا وفرسانُ الهيجا، ما أبادوه من عسكر أُمية، وأفنوه من جند الشام، وسطروه في الميدان وألحقوه بعدوِّهم الجبان.

    جهاد أورث القوم فزعاً وهلعاً لم يعرفوه، انخلعت له القلوب وبلغت الحناجر، رجفت فيه القوائم واصطكَّت الركب، اقشعرَّت منه الجلود وانكمش كلٌّ في ثوبه، واندسَّ في درعه. وكانت قد استولت عليهم الفكرة، في طور ومرحلة، أنَّ هؤلاء خارقون خالدون، وأنهم لا محالة منصورون، لا سبيل لقهرهم، ولا فرار من سيفهم! تسلل إليهم ذلك قبل بدء المعركة، وهم يشهدون إصرار قلَّة قليلة، دون المئة، بركب فيه النساء والأطفال، وكأنها قافلة في سفر أو عائلة في ترحال، لا كتيبة مقاتلة وفصيل ثائر يطلب قائده الحكم وبسط السلطان، ورفضهم النزول على رأي جيش جرَّار، عديده مئة ألف أو يزيدون… ثم لحق ذلك ما جرى في المعركة ودار في الميدان من صوَر الصراع وكيفية القتال!

    كان اليأس قد غلب القوم مع اللحظات الأولى، وتلاحق مما عاينوا في غير جولة وصولة، وهم يشهدون الالتحام والبراز، يحسبون أنهم فرغوا من هذا المبارز وقتلوه، وقد أمطره رماتهم بالسهام، تأتيه كعاصفة هوجاء، واحتوشه الخيالة من كل الأطراف، انصبَّ الرجالة من كل حدب وصوب، وانهالوا عليه جميعاً بسيوفهم ورماحهم وأعمدة الحديد والخشب والحجارة، منحدرين كسيل جارف… فتعلو غبرة ويغيب عنهم المشهد فترة، ثم يصعقون حين يجدون العباس أو الأكبر قد قام من بينهم على ركام من جثث هالكة، قد صرعهم وأفناهم عن بكرة أبيهم، لم ينجُ من الألف والألفين واحد! وقد تكرَّر هذا وتعاقب… حتى سكن في خلَد القوم واستقر في روعهم أنَّ هؤلاء لا يموتون! وأنهم ليسوا من جنس البشر، بل من طبيعة خارقة وخلقة خاصة وشاكلة مختلفة! وكانوا يتهامسون: إنهم أسباط الذي شقَّ القمر، وأنطق الحصى بسحره، وأبناء الذي أرجع الشمس وقلع باب خيبر بعزمه! فتنزو قلوبهم وتستطير أفئدتهم، وتكاد تتزايل أعضاؤهم من الفرَق!

    وقد لازمتهم اللوثة، وما برح فيهم الهوَس حتى نهاية المعركة، لم يفارقهم حتى حين رأوا أجساد الشهداء على صعيد كربلاء! كانوا يتوجَّسون أنَّ أرواحهم ستعود إليهم، وأنهم سينهضون من رقدتهم في أي لحظة، حتى خال بعضهم أنهم يتظاهرون بالموت، ويحتالون بافتراش الأرض، ليدنوا منهم أعداؤهم، فيصطادونهم ويتلقفونهم!

    كان الجند في انفعال واضطراب شديد، أخذهم إلى حافة الاختبال والجنون، اصفرَّت وجوههم وتغيرت ألوانهم، تهدَّجت أصواتهم وتلجلجت في حناجرهم الكلمات فما عادوا يتحدثون! يتلفَّتون من أدنى صوت، يحسبونه نئيم قوس أو صليل سيف، يشقُّ الفضاء نحوهم ليفلق هامهم، أو يخرق دروعهم ليقتلع قلوبهم! وقد زُلزلت الأرض زلزالها، فرجفت الأقدام واصطكَّت الركب، وأعجز الرعاش أيدي كثير منهم عن مقابض سيوفهم، لذا كانوا يتساقطون قبل الدنو من المبارز والخوض في النزال، ويُصرعون قبل تلقي الضربة والطعنة! يعينون على أنفسهم، فلا تعجب من تفرُّق الشياه إذا شدَّ فيها ليث غاضب، أو من فراش مبثوث وعهن منفوش، وقد تداعت القيامة وآذن الوجود بالفناء، فينكشف الجند ويتطايرون كالهباء، من رجَز الفارس الهاشمي، وخطاب البطل الصحابي…

    حتى إذا صُرع المولى، وتوقف القتال، وأُعلن انقضاء المعمعة وانتهاء المعركة… بقيت الدهشة تحكمهم، واستمر الذهول والوجل يدبِّرهم، وقد أركزهم في أرضهم، فشُلَّ جُلُّهم وفلج، وألزمهم الانكدار الكوني مقاعدهم ومواضعهم… كانوا يرون الحمرة في السماء، وانحسار الفرات المتلاطم من ساعات خلت، وتفجر الدماء من تحت حوافر خيولهم أينما مضت وجالت! فيحسبون أن النقمة قد آذنت بوقوع، وأن الشهداء سينهضون لينقموا منهم، ولعلَّ المهمة انتقلت إلى خلَفهم والبقية الباقية منهم! لذا كانوا يخشون أن تكون لقمة طعام يتناولها الأطفال تعيد إليهم الرمق، أو جرعة من ماء، تبل حرَّ أكبادهم، “مصدر طاقة”، أو ومضة تشكِّل مفتاح حركة و”إعادة تشغيل”، وسبب انطلاقة وانبعاث جديد!

    بين مقبل من غلٍّ مستحكم، قدم من قعر جهنم، تدفعه أحقاد بدرية وحنينية وخيبرية، وبين خائف يخشى أن تبعث الأجساد، ووجِل أن تقوم من مصارعها، أو أن تنتقل تلك الروح التي رأوها في الميدان، إلى باقي الركب وتحلُّ وتدبُّ في العليل أو الأطفال أو حتى النساء، فيرجع القتال ويعود الفتك بهم، وتُستأنف المعركة التي ما صدَّقوا أنهم أنهوها وفرغوا منها! هتف ابن زياد، هتافه السابق في حرملة: اقطع نزاع القوم، فجاء الأمر والنداء: “لا تُبقوا لأهل هذا البيت باقية”… فبدأ التمثيل والتنكيل، والتقييد والتكبيل، والتجويع والترويع.

    على باب الساعات، كانت العقارب المفترضة تزحف ببطء، تتثاقل لتعلن انتهاء المعركة وانقضاء المأساة، وتتلوا بيان النصر والظفر، مدعَّماً بشاهد ناطق لا يُكذَّب: هذه نساؤهم سبايا!.. فتلوح الرؤوس على القنا، تهتف: هيهات! وتتجلَّى زينب بحقيقتها الملكوتية: قسَم الله ويمينه، التي لا حنث فيها ولا غموس: “والله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا”… وها هم النجباء اليوم يبرُّون بيمين الله عبر زحفهم المليوني، يقهرون فريقاً ويرغمون آخرين، ويحققون وعد سيد الشهداء: “من لحق بنا استشهد، ومن لم يلحق لم يدرك الفتح”. ما زالت الدعوة مدوية، والرسالة تبلغ القاصي والداني، ما زال الباب مشرعاً، والسفينة مبحرة… وما برح شقي يأوي إلى جبل يحسب أنه سيحفظه وينجيه، ومنافق يلوذ بعورته، وخرَّاص مخاتل ودجَّال مهاتر، يزعم التطوير ويدعو إلى ثورة كاذبة تعيد سلطان يزيد… ولا عاصم لهذا اليوم من أمر الله، ولا نجاة لذاك من سخطه جلَّ وعلا.

  • من الطرائف التي تُلقى كأحاجي وألغاز، سؤال: “أيهما أثقل، كيلو القطن أم كيلو الحديد”؟ يؤخذ المتسرِّع بغتة ويجيب غفلة إنه الحديد! جهلاً منه بأمر الكتلة والكثافة، وسهواً عن تأثير ذلك في الحجم والوزن… ومن أصل التميُّز النوعي هذا، ومن طبيعة المفاضلة هنا، ترى العقلاء، في تقديرهم وترجيحهم الاعتباريات بعد الطبيعيات، يزنون الذهب بالمثقال، ويقيِّمون الماس بالقيراط، بينما الفحم والحديد فبالأطنان… أما في القضايا المعنوية، كالمشاعر الإنسانية، فالأمر متشعِّب متوسِّع، لا يقف على ضوابطه إلا خبير حصيف، ولا يحسن تمييزه إلا مرهف دقيق. فكلمة تجرح شريفاً، تفوق صفعة على وجه وضيع، أو لكمة تهشِّم أسنانه وتدميه، ولربما آثر عزيز عفيف السجن على الابتذال، والموت على السؤال، وتحمَّل سريٌّ شتى الآلام والمحن، قاسى الفقر والجوع والعوَز دون أن يُهان أو يُفتضح، بينما يتلقَّى الدون الشتائم والمطاعن التي قد تطال عِرضه فلا يعبأ، ويعيش الصعلوك الذل والخضوع وما يساويه بالدابة فلا يبالي، ويُنتقص الحقير الخسيس ويُمتهن فلا يشعر ولا يكترث! ولربما فضَّل حسيب رفيع الموت على أن يواجَه بقول أو موقف يزري بشرفه وينال من مكانته. من هنا فالمصائب والنوائب والآلام تتفاوت على أهلها بحسب شأنهم ومرتبتهم، ويختلف وقعها عليهم ونيلها منهم، وفقاً لشرفهم، ثم دقَّة فهمهم وسموِّ أحاسيسهم ورهْف مشاعرهم.

    من المشين المعيب أنَّ عالماً يدَّعي الفقاهة والاجتهاد، ويزعم السعي لتنقية التراث وتصحيح الاعتقاد، يجهل هذه المسلَّمة العقلية، لا يستوعبها ويقصر عن إدراكها! يقفز على حقيقة أنَّ ضربة واحدة يوم الخندق يمكن أن تعدل أو تفضل عبادة الثقلين إلى يوم القيامة! وأنَّ قتل أو إحياء نفس واحدة يساوي عند الحكيم العليم قتل أو إحياء الناس جميعاً! ثم يتجاهل الوعيد بالنكال الأبدي والخلود في الجحيم، للشرك الذي عاشه أحدهم حياة دامت سبعين أو مئة عام، والحال أن “العدالة” تقتضي أن يعاقب الفترة نفسها، أو ضعفها، ولك أن تقسو وتبالغ فتحكم بعشرة أضعاف، لكن الخلود الأبدي لجرم دام سنين معدودة، لو قيست بيوم كألف سنة، ما تجاوزت دقائق أو ساعات!.. عندما يكيل الرجل الدرر والمجوهرات بالدلاء والأكوام، ويحسب المسافة بين البلاد بالشبر والذراع، لا غرو أن يقدِّر الألم والمعاناة بالكيلو غرام! ثم يُسقِط هراءه هذا ويفرض جهالاته على مقدساتنا، فترجح عنده كفة، لا على أُخرى أثقل وأرجح، بل على صاحب الميزان! فإذا فعل، وقد فعل، فقد هتك نفسه، وأباح لنا ابتذاله وهتكه.

    أن تخاطب ابنة أميرالمؤمنين يزيداً أو ابن زياد، تحضر مجلسه، ويقع صوتها في مسمعه، وشخصها في بصره، يفوق عند الكرام هلاك كل أهل الشام، ولو مات الناس جميعاً وساخت الأرض بأهلها حتى خرجت من برجها، وتناثرت كما تفعل النجوم في النوائب، ما كان عجباً ولا سرفاً، بل هو الجدير الحقيق بها! إنَّ أنَّة جرَّها سيد الشهداء على عليٍّ الأكبر، وزفرة أخرجت “على الدنيا بعدك العفا” تفوق جميع المحن والبلايا والظلامات التي وقعت في أفغانستان وجنوب لبنان، وبورما وراوندا وأفريقيا، وما كان من تبعات القنبلة الذرية في اليابان، وكل بلاء ومحنة يمكن أن يتصوَّرها إنسان!

    فتعال وانظر إلى ما قال آصف محسني في مشرعته، تعليقاً على باب “شدَّة محنهم وأنهم أعظم الناس مصيبة، وأنهم لا يموتون إلا بالشهادة” (27: 207): “فيه 19رواية، كلها غير معتبرة. أما القسم الأول من العنوان، فالأصوب عدم ثبوته، وأنَّ أهل البيت، أو آل محمد، أو خصوص الأئمة مع رسول الله صلى الله عليه وآله، ليسوا بأعظم الناس مصيبة، وقد وقع في زماننا في أفغانستان على شعبها بعد احتلالها من قبل السوفيات، ثم من قبل بعض الأحزاب الجهادية والطالبان، مصائب لا مثيل لها، وكذا على شعب العراق وفيتنام وعلى شعب جنوب لبنان وعلى شعب فلسطين وعلى شعب راوندا في أفريقيا وعلى شعب الجزائر…والحياة عبارة عن استقبال المصائب والآلام، نعم لا شك أن حادثة كربلاء من المصائب الكبيرة، كما أن إيذاء الحسن المجتبى من قبل طاغية الشام من الحوادث المحرِقة، وليس في سجن الحجاج الثقفي خصوص الشيعة، بل عذَّب فيه غيرهم أيضاً. وجنايات المنصور والرشيد على الشباب الهاشميين وإن كانت تقشعر منها الجلود، لكن كم لها من نظير. لم يثبت بسند معتبر ما ينسب إلى النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، ما أوذي نبي مثل ما أوذيت، بل بعض الأحاديث يخالفه، وأن الله أعفى نبيه عن البلايا وألقاها على الأئمة أو أهل بيته عليهم السلام، فلا تحسُن المبالغة في النسبة لأجل المحبة”. انتهى نهيقه أو شحيجه  في ج 2 ص 11 من “مشرعة البحار”.

    إنَّ مَن لا يميِّز بين الصورة والواقع، ويعجز عن فهم الفرق بين الكم والكيف، هذه الحقيقة الجلية، ويتخلَّف عن إدراك هذه الفكرة المسلَّمة التي تناهز البديهة، لن يكون قادراً على فهم الظروف الاجتماعية والسياسية، والعلل والمعطيات المؤثرة في تقييم الرواة، أسباب جرح هذا وتعديل ذاك، أسرار الذم الذي قد يبلغ اللعن، وما يظهر من اضطراب بين التوثيق والتضعيف، مما طال أجلَّة الأصحاب كزرارة والمعلى بن خنيس! متى حكمت التقية أقوال الأئمة، ومتى لم تفعل؟ ما هي حدود الغلو عندهم؟ هل يمكن للظروف السياسية والعوامل الأمنية والمعطيات الاجتماعية، كدرجة الفهم والعلم لدى عامة المؤمنين، أن تخلق حالة من التظاهر تشكِّل قرينة تصرف الظاهر!؟.. فمن الطبيعي أن تجد منه هذا الخبط والهدم، والضياع والتضييع!

    كيف لمن يقصر عن فهم أبعاد مأساة عاشوراء، ولا يقف ـ حتى من بعيد ـ على أسرار هذه النهضة الخارقة لجميع المقاييس، وموقعها من حركة أئمة الهدى، سواء في استمرار نهجهم، أو في بلوغه أهدافه في وراثة الأرض ومن عليها، ويعجز عن استيعاب هذه الآلية التي أسسوا لها وأكَّدوا عليها، وهم يطلبون إنشاد المراثي ويدعون ويحثون على البكاء، ويبذلون له تلك الأجور والأثمان التي لا تجدها في عبادة… فيعمد الشيطان لإسقاطها وسحب البساط من تحتها، وهو يقول: “أكثر تفاصيل حوادث كربلاء مجهولة، والناس يطلبون ما يبكيهم، وكثير من الوعاظ محتاجون إلى الجاه والمال، فآل أمر القصص إلى ما ترى”! (مشرعة البحار ج2 ص156)، لا يبالي أن يهدم، في سطر واحد، مشروعاً إلهياً احتار فيه العدو والصديق… كيف له أن يعرف معاريض كلامهم، ويدرك المراد الجدي من خطابهم؟ فيخوض في الدين ويباشر أعظم شؤونه وأخطرها: استنباط أحكامه ورسم معالمه وبناء معارفه؟ وخبط الرجل وهرفه أعظم من أن تستوعبه مقالة، فلك أن تراجع ما عرضه الفاضل الشيخ نزار سنبل وتناوله في سلسلة محاضرات له مبذولة في وسائل التواصل، فترى عجباً أن ينسب مثل هذا إلى الدين ويحسب على المذهب الحق!

    ولا يقف الأمر عند افتقاده العلم والتخصص، بل يتعداه لفقد النزاهة والعدالة والورع…

    فآصف هذا بشتوني جِلف، قندهاري شكِس، تقول له زيد فيكتب خالداً ويقرأه عمراً ويفهمه بكراً، سياسي بامتياز، مناور قذر، تورَّطت به بعد أفغانستان الطائفة بأسرها، وابتلي به بعد قومه وأبناء وطنه، الدين والمذهب، فقد أهدر الدماء في بلده وخاض ما بلغ به أقاصي الشقاء، ويكفيك النظر في مجزرة الضاحية الغربية لكابل، وهي المنطقة التي يقطنها الشيعة من العاصمة، وتعرف بـ “أفشار”، والتي راح ضحيتها في أيام أكثر من ثمانمئة مظلوم، غُدر بهم في صفقة تطويع كابل لقيادة الحكومة الإسلامية (التي كان آصف ناطقاً باسم شورى قيادتها!)، بعد سقوط نظام نجيب الله الشيوعي… وقد قبض الشقي الثمن: مكانة دولية، وجامعة علمية، وقناة فضائية، وميزانيات خرافية! وكما باع الرجل طائفته، باع مذهبه، حين فرَّط بأعزِّ مقدسات الشيعة وأثمنها، أي الحديث الشريف، فأزرى بتراث لم يصلنا إلا بخوض اللجج وشقِّ المهج، وتضحيات قلَّ نظيرها في تاريخ البشرية، وجهد وعناء وعطاء عجزت عن مثله الإنسانية.. ابتذله الصعلوك واسترخصه، وأضاعه العلج وخبط به الجدار، يريد نسفه وسلوك ما ينتهي بهدم صرحه!

    وهذا داء تجده في جمع من الحداثويين أو الإصلاحيين التنويريين، آفة أو دويبة أو جرثومة، تنخر رؤوسهم، وتأكل أمخاخهم، وتكون فضلاتها عفن يورث الزهو والغرور، والكبر والصلف، ضروب غريبة من الثقة بالنفس، تأخذ صاحبها إلى الجرأة على الفحول والأساطين، ومواجهة الأعاظم والقماقم… فيعالج نصوصنا المقدسة، موظفاً آليات باطلة في تقييمها، وقواعد فاسدة في إعادة بنائها، تستلهم من خطابات شعبوية تقول إنها سئمت الموروث وتريد التجديد والتطوير، فيأتينا بمعالجات على طريقة الوصفات الطبية الشائعة في وسائل التواصل الاجتماعي، تطالعك بالزنجبيل والكمون علاجاً للسرطان والجلطة الدماغية! ليعش هؤلاء عُقدتهم بعيداً عن عقائدنا، وما يمس أسس وركائز ولائنا لآل محمد، ولينعموا بالشهرة والتفاف أضرابهم من أنصاف المثقفين حولهم، لا شأن لنا بدنياهم، ولكن إياهم أن يقربوا من ديننا، ويعطِّلوا نقل ذخائره للأجيال القادمة، بزخارف وبدع نفثها الشيطان في روعهم فراقت لهم.

    هذه بركة ماء مضاف، لعله ماء الشعير، ولغ فيها كلب، ونفق خنزير، وأريقت خابية من نبيذ صرف، مع رطل من خمر اسكتلندي خالص (ويسكي)، وغسلت فيها مومس خرقة حيضها، حتى لو كان الماء مطلقاً لتغيَّر لونه وطعمه ورائحته… لا تجدي في معالجة نجاستها حيلة. فضل الله وحب الله والحيدري وأضرابهم ضلَّال منحرفون، وآصف محسني منهم، ضال ساقط، وكل من يحاول تطهيره، سيسقط في البركة، وستلحقه النجاسة ويحكم عليه باللوث والقذارة، كائناً من كان، ولو جاء بقربة من النيل وسطل من الفرات ودلوٍ من زمزم… لا عاصم لهم اليوم. لن نسمح لأحد أن يقطع علينا طريق ارتباطنا بأئمة الهدى، ولن ننخدع ونُستغفل بدعوى الرأي والاجتهاد، فمثل هذا تحت أقدامنا، نسحقه بعزة الله ومنعة حرماته ومقدساته، ونتوعده يوم المعاد، ومن قبله ساعة السكَرات، فليدع ناديه، وليلذ بمشرعته، لتخلصه من هجمة الزبانية.

  • في الحديث الشريف الذي يحكي زمن الظهور: “إذا قام قائمنا وضع يده على رؤوس العباد فجمع بها عقولهم وكملت بها أحلامهم”. وفي آخر: “وتؤتون الحكمة في زمانه، حتى إنَّ المرأة لتقضي في بيتها بكتاب الله تعالى وسنَّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم”… إن السير التكاملي نحو الحالة النموذجية، والتقدم صوب الصورة المثالية الموعودة، هو قدر الفرقة الناجية. نحن في حركتنا نمضي تجاه الظهور الشريف، علمنا أم جهلنا، قصدنا أم غفلنا، شئنا أم أبينا، نسعى ونكدح حتى نلاقي هذه القيامة الصغرى والغاية العظمى في الدنيا، ثم نوافي صورتها الكبرى ومثالها الأتم في المعاد والآخرة.

    من عاش الستينات والسبعينات من القرن الماضي يدرك جيداً أنَّ السمة البارزة في المؤمنين الملتزمين من أبناء ذلك العصر، كانت الثقافة وسعة الاطلاع والشغف بالعلم، السعي لتوفير وتحصيل المادة التي يحتاجونها لمواجهة الشيوعيين أو المخالفين، وخوض المساجلات والمطارحات الرائجة في ذلك الزمان، والانتصار للمذهب والدفاع عن العقيدة، ودخول قوي متمكِّن في حلقات المحاججة التي كانت تعقد بمناسبة ودون مناسبة، في المدارس وأماكن العمل ومختلف المحافل… كان جيلاً قارئاً مثقفاً، بصيراً مطَّلعاً، حريصاً على تحصيل المعلومات ونهماً بكسبها، ولعله تفوَّق ـ كتيار ديني ـ من بعض الجهات على اليسار، مضرب المثل على هذا الصعيد، ونجح في خلق صورة مشرِّفة حملت المخالفين على مقولة: لا تخاصم شيعياً، فيغلبك لا محالة!

    تُرى، ما الذي جرى حتى صرنا إلى تراجع وانحدار؟ من أين أتانا التقهقر والنكوص والانهزام؟ ماذا حلَّ بنا وجعلنا متخلِّفين على صعيد معارف الدين؟ من أين أُخذنا فاستباحتنا الحداثوية، وماذا فقدنا فغلبتنا السطحية، وأي فراغ رأت الجهالة فضربت أطنابها وخيَّمت علينا بالأُميَّة الدينية؟

    للوقوف على فهم صحيح لما يجري اليوم، مقارنة بما كان عليه الحال، علينا دراسة الواقع من خلال فهم سنن حركة الأُمم والمجتمعات على صعيد العلم والثقافة، ولا سيما المعارف الإلهية، وإدراك خضوعها لعلل ترفعها وتنميها، وأُخرى تروِّج السخف وتشيع الطيش والنزق، عوامل توسع في شريحة العلماء والماضين على سبيل نجاة، وتحسر نطاق العوام والحشو والطغام، وتورث ازدهار العلم والأخلاق والكمالات، تقابلها أسباب تدفع تجاه الهمجية والسوقية والجهالات. ولا بد من التيقظ إلى أن الجهلة وحراكهم يمضي دائماً على نحو حاد لا توسط فيه ولا استواء، كما جاء في العلوي “لا ترى الجاهل إلا مفرِطاً أو مفرِّطاً”. وكذا ملاحظة نتائج دخول الإعلام العصري في الحراك الديني، ولا سيما الفضائيات، ثم العالم الافتراضي ووسائل التواصل، المبذولة للجميع والمتوفرة على غير صعيد، والقادرة على بلوغ الأهواء ونيل الرغبات، وتلبية الشهوات وتحقيق النزعات، التي تكمن في كلِّ نفس، وتنازع كل شخص، وأخطرها طلب الشهرة…

    من الآثار الخطيرة للإعلام المبذول وساحته المستباحة، والتبعات المشهودة لطبيعة العوام في الإفراط، وشأن الجهلة وحالهم في المبالغات، يمكننا فهم أسباب الحالة المهيمنة على ساحتنا، والسمة التي غدت تصبغها وتطبعها، وما بات يتهدد بانتقال القيادة الميدانية للساحة الإيمانية، على الصعيد العلمي والمعرفي، وينذر بتحوُّل زمام الأُمور في هداية وتوجيه الحركة الثقافية والمتبنيات العقائدية، وتحديد جبهات المواجهة وميادين الصراع، من الحكماء والعلماء والمفكرين والوعاظ والمطَّلعين المتمرسين والخبراء المتيقظين، إلى أيدي الشعراء والرواديد وعوام المؤمنين، من أصحاب الحسينيات والمجالس والهيئات! ليصبح هؤلاء هم الذين يحركون الساحة الإيمانية، ويأخذونها في وجهاتهم، ينشطون ويسعون أن يجتذبوا الجماهير نحوهم ويكثِّروا السواد من حولهم، ما يبسط يدهم ويقوِّي شوكتهم ويعلي كعبهم،حتى يصبغوا الساحة بطابعهم وهويتهم!.. ما يسقطها في فوضى عارمة، ويأخذها نحو سطحية قاتلة، ما زالت تخلق موجات متتابعة من الحركات الانحرافية، تخنق الإبداع وتقطع الطريق على كل ألق ونموٍّ صوب السمو والكمال، وتورث أزمات متلاحقة تنزل بنا الكوارث وتحيق الفتن والبلاءات!

    تظهر شريحة من المؤمنين المخلصين الملتزمين، إلى درجة وحين، دون حرص على الفقه ولا تأكيد على المرجعية! لا يعنيهم التآمر على الحوزة، ولا يكترثون بتقويض أُسس المعارف الدينية وقواعد بنائها، لا يبالون بالحرب على كنوز مصادرنا وتراثنا، سواء من الحديث الشريف ونتاج السلف من الأعاظم والأساطين، ولا بالمعركة المستعرة في إخضاع الحوزة والمرجعية للدولة، بل حتى أسباب قطع روافد الحب وأواصر العشق الذي يربطهم بأهل البيت، من حركة مدروسة وتدبير محكم لجحد معاجز الأئمة الأطهار وكراماتهم، وإنكار فضائلهم وبخسهم المنازل التي أنزلهم الله فيها، تراهم سلبيين تجاه ما يدور على هذا الصعيد، ولربما محايدين وكأن الأمر لا يعنيهم من قريب أو بعيد! فما دام الغرُّ يغرِّد من قفصه في تويتر، ويصرف من حسابه في فيسبوك، ويرسم الجدارية التي يريد، وإن كان حائطه في زقاق لا يقطعه إلا هو صحبه، وما دامت الهيئة التي ينشط فيها تعقد جلساتها، وتلطم على مدار العام، وهو يعيد الاستماع للطمية تتلوها أُخرى على مدار الساعة، حين يعمل ويأكل وينام! وقد حوَّل الشعيرة التي يفترض أن تكون مفجعة، إلى لحن للتسلية وإيقاع يورثه الأنس… فالأُمور عنده بخير! وقد يُفهم هذا من ناسك منعزل لا يعنيه غيره، يعيش تكليفه في إطاره الخاص، ولكن إذا كان المؤمن “شعائرياً”، فهذا يعني أنه يعمل في النطاق العام، يجهد أن يجعل عزاء سيد الشهداء ظاهراً عاماً يملأ السكك والطرقات، ويعم البلاد والآفاق، أي أنه معنيٌّ بأهله وصحبه ومجتمعه وأُمته، ومع ذلك، لم تبلغ فطنته ولا أخذته بصيرته إلى أبعد من هذا الذي يعيش!

    والخطر لا يقف هنا، عند تقاعس هؤلاء وخذلانهم نصرة آل محمد أمام الأخطار الحقيقية التي تتوجه للدين والمذهب، بل إنهم لا يلبثون أن يصبحوا لقمة سائغة لتيارات الضلال ورموزه الناشطة في الساحة الشيعية، فتجدهم يخضعون لـ “المولى” المشعوذ، حتى يجعلونه باب الإمام، ولربما قصد أحدهم مشهد الرضا، قادماً من العراق أو بلاد الخليج أو لبنان، ثم عاد دون زيارة، مكتفياً بلقيا “الباب” الذي صرفه دون الحرم المطهر! وتبلغ الذروة فتكون الصرخية والقاطعية والبديرية، ونظيراتها من الفضلية والحيدرية والحب اللهية، وأضرابها من الحداثوية، وتحالف يجمعه مناصبة المرجعية والحوزة العلمية، كالياسرية والغزية واليعقوبية والمدرِّسية والشيرازية والصدرية والخامنئية… هذا يحارب الشعائر الحسينية ويحرِّم مظاهر الجزع ولا سيما التطبير، وذاك يأخذه ويحمله إلى الأربعين وذكرى أميرالمؤمنين بل حتى وفاة أم البنين! وثالث يقلبه مهرجاناً للتبرع بالدم! هذا ينادي بالمقاومة والجهاد، والتأسي بفعل سيد الشهداء، فيسخر من اللطم ويستهزئ بالبكاء، وذاك يزري به ويأخذه إلى المزايدة والابتذال، آخرون ينقلونه من العبادة والطاعة إلى الاستعراض والمسابقة! هذا يمسخ مفهوم البراءة، ويصرفه عن أعداء آل محمد، فيترضى عليهم ويربِّي قاعدته على الزيدية ويلقِّنهم تجاهل التاريخ، وعقم العقيدة الساكنة في القلب، وإن كانت فاعلة في الروح والضمير، ما لم تفض إلى موقف سياسي ونشاط حركي، وذاك يستأكل بها ويتاجر، فيرفع عقيرته بالسب والفحش ويجاهر بالطعن واللعن، بما يحصده الشيعة ويدفعون ثمنه فتناً ومجازر! وهذا وذاك يتهالكون على الأضواء، “عشرات” على غرار عشرة عاشوراء، مسيرات تحدٍّ جوفاء إلى سامراء، وثالثة الأثافي في مهرجان موسيقي بين الحرمين يرفع أذان لقاء المهدي بالغناء!

    في مثل هذه البيئة القاحلة والجدب والقحط، من السهل جداً أن يربض الحيدري في المفاوز، ويخرج حب الله من مغارته وينصب المسالح على الطرقات، ويظهر تونسي من بين الكثبان ومن تحت الروث الجاف كالخنفساء، وفلسطيني مستبصر يمعن في الإغواء، وسيد “يتفطَّن”، طالت لحيته فدلَّت على غير ما يحسب، يلقِّن أتباعه تحري “الصحيح” من الحديث، ويصطف ويتموضع ـ من حيث لا يدري ـ في جبهة الأعداء، يعينهم في المعركة الكبرى على الأصيل والصحيح الذي يتهالك عليه، فيفصل الشيعة عن كنوز وأنوار، بذريعة مبان رجالية عرف منها شيئاً وغابت عنه أشياء، وأعرض عن “بادِروا أولادكم بالحديث قبل أن يسبقكم إليهم المرجئة”، فترك أتباعه عرايا خاوين منقطعين، تتلقفهم الأحزاب ويتناوشهم الأسوأ من المرجئة!

    إنَّ الساحة الإيمانية بحاجة إلى ثقافة ولائية، ترفد وتدعم الممارسة الولائية، فيرقى صاحب الحسينية والهيئة ويتعالى على أصل الجذب والكسب، وينظر في الخطيب والرادود الذي يدعوه، ماذا تراه سيُطعم المستمعين ويلقِّنهم، وأين عساه أن يأخذهم؟ ومن المؤلم أنَّ الدخول الثقافي الذي يتجاوز سطحية أداء الرواديد واللطم على مدار العام، هو في أغلبه ضلالي حداثوي، أو حالة متميعة بينها وبين الأصالة، كالشيخ الذي يجعل من أقواله جواهر، والسيد الذي يقلب المنبر إلى محاضرات في الفيزياء، وثالث كنا نحسبه لنا، فإذا به يمجد صاحب مشرعة البحار! هذه مشاريع شخصية لا يهمها من المذهب والطائفة إلا ما يحقق ظهورها ويرفع شأنها ويعزز مكانتها. أما الوجود الأصيل في هذا النطاق فيكاد ينحصر بأعلام كالسيد حسين الحكيم والسيد علاء الموسوي والسيد ضياء الخباز والسيد رضا شرف الدين والسيد هاشم الهاشمي والشيخ نزار سنبل، ولم أرصد عناصر أصيلة فاعلة من خارج الحوزة، تعمل على الحالة الإيمانية لتنتقل بها من سطحية المظاهر إلى أعماق المعارف، وخلق ثقافة تستقي من العلم، كما تعيش الولاء شعائر حسينية وعزاء! إن العاطفة على عظمتها، لا يمكن الركون إليها والتعويل عليها، وقد رأينا كيف وُظِّفت، وخدعت شبابنا وسرقتهم، فغدوا يغنون للمهدي كما يغنون للرنتيسي وأحمد ياسين! إنَّ البنية العقائدية الصحيحة هي الركيزة التي علينا تأمينها، والرافد الحق الذي يمكنه أن ينتج أداءً ولائياً أصيلاً.

    في غياب الحراس يظهر السرَّاق، وينشط قطاع الطرق والصعاليك وكل آبق وعاق… إن الطاقات الولائية المخلصة المتفجرة في الهيئات الحسينية، لو حسنت تربيتها وهديها وتوجيهها، لما تجرأ الحيدري وحب الله والأشكوري وطالب وابن جدو وغيرهم أن يتجاسر على مقامات أهل البيت ومسِّ حرمات المذهب ومقدَّساته، وفي الأقل الأدنى،كان يمكن توظيفها كقوة ضاربة، وإن كان الحق أخذها نحو بنية علمية وعملية واعية وبصيرة، تحسن الرصد والتحسس، وتجيد الرد والمواجهة، تفحم الخصم وتبكِّت العدو، وتردع من تسوِّل له نفسه، فيعلم أنَّ الحمى هنا ليس مجرد آراء علمية ينبس بها الفضلاء على استحياء، نبس العذارى في عقد النكاح، بل هو أيدٍ ضاربة وصوارم قامعة وسهام تقطف الأعناق من بعيد، قبل أن تدنو الرؤوس وتقرب لتفسد النفوس.