• لم يكن البغض والنُصب فقط، ولا الخِسَّة والدناءة أو الغلظة والفضاضة فحسب، هي التي دعت للتنكيل والمُثلة، وحزِّ الرؤوس ورفعها على القنا، وحملت على وطء الأجساد بسنابك الأعوجية، وتفريق الأعضاء وتقطيع الأوصال، والمضي في ترويع النساء وتجويع الأطفال… ولا كان إشعال الحرائق وإضرام النار، واجتياح الأخبية ونهب الخيام، لمحض الظفر بـ “الغنائم”، ومجرَّد الفوز بذخائر ونفائس كانوا يحسبون أنها في بيوت “ملوك الأرض والسماء”.

    لا ريب في دور الحنق والحسيكة ومكان الدناءة والرذيلة، ولا شكَّ في تأثير الخبث والعهر واللؤم والدَّنس، فالقسوة والغلظة والشراسة… لكنها من جانب آخر، نتاج “طبيعي”، أو قُل تلقائي، لسير المعركة والطريقة التي دارت عليها رحاها ساعات عاشوراء، ويومها الممتد كثلاثة مما تعدُّون!.. إنها البسالة والشكيمة وعموم الكيفية التي قاتل فيها أبطالُ الصفا وفرسانُ الهيجا، ما أبادوه من عسكر أُمية، وأفنوه من جند الشام، وسطروه في الميدان وألحقوه بعدوِّهم الجبان.

    جهاد أورث القوم فزعاً وهلعاً لم يعرفوه، انخلعت له القلوب وبلغت الحناجر، رجفت فيه القوائم واصطكَّت الركب، اقشعرَّت منه الجلود وانكمش كلٌّ في ثوبه، واندسَّ في درعه. وكانت قد استولت عليهم الفكرة، في طور ومرحلة، أنَّ هؤلاء خارقون خالدون، وأنهم لا محالة منصورون، لا سبيل لقهرهم، ولا فرار من سيفهم! تسلل إليهم ذلك قبل بدء المعركة، وهم يشهدون إصرار قلَّة قليلة، دون المئة، بركب فيه النساء والأطفال، وكأنها قافلة في سفر أو عائلة في ترحال، لا كتيبة مقاتلة وفصيل ثائر يطلب قائده الحكم وبسط السلطان، ورفضهم النزول على رأي جيش جرَّار، عديده مئة ألف أو يزيدون… ثم لحق ذلك ما جرى في المعركة ودار في الميدان من صوَر الصراع وكيفية القتال!

    كان اليأس قد غلب القوم مع اللحظات الأولى، وتلاحق مما عاينوا في غير جولة وصولة، وهم يشهدون الالتحام والبراز، يحسبون أنهم فرغوا من هذا المبارز وقتلوه، وقد أمطره رماتهم بالسهام، تأتيه كعاصفة هوجاء، واحتوشه الخيالة من كل الأطراف، انصبَّ الرجالة من كل حدب وصوب، وانهالوا عليه جميعاً بسيوفهم ورماحهم وأعمدة الحديد والخشب والحجارة، منحدرين كسيل جارف… فتعلو غبرة ويغيب عنهم المشهد فترة، ثم يصعقون حين يجدون العباس أو الأكبر قد قام من بينهم على ركام من جثث هالكة، قد صرعهم وأفناهم عن بكرة أبيهم، لم ينجُ من الألف والألفين واحد! وقد تكرَّر هذا وتعاقب… حتى سكن في خلَد القوم واستقر في روعهم أنَّ هؤلاء لا يموتون! وأنهم ليسوا من جنس البشر، بل من طبيعة خارقة وخلقة خاصة وشاكلة مختلفة! وكانوا يتهامسون: إنهم أسباط الذي شقَّ القمر، وأنطق الحصى بسحره، وأبناء الذي أرجع الشمس وقلع باب خيبر بعزمه! فتنزو قلوبهم وتستطير أفئدتهم، وتكاد تتزايل أعضاؤهم من الفرَق!

    وقد لازمتهم اللوثة، وما برح فيهم الهوَس حتى نهاية المعركة، لم يفارقهم حتى حين رأوا أجساد الشهداء على صعيد كربلاء! كانوا يتوجَّسون أنَّ أرواحهم ستعود إليهم، وأنهم سينهضون من رقدتهم في أي لحظة، حتى خال بعضهم أنهم يتظاهرون بالموت، ويحتالون بافتراش الأرض، ليدنوا منهم أعداؤهم، فيصطادونهم ويتلقفونهم!

    كان الجند في انفعال واضطراب شديد، أخذهم إلى حافة الاختبال والجنون، اصفرَّت وجوههم وتغيرت ألوانهم، تهدَّجت أصواتهم وتلجلجت في حناجرهم الكلمات فما عادوا يتحدثون! يتلفَّتون من أدنى صوت، يحسبونه نئيم قوس أو صليل سيف، يشقُّ الفضاء نحوهم ليفلق هامهم، أو يخرق دروعهم ليقتلع قلوبهم! وقد زُلزلت الأرض زلزالها، فرجفت الأقدام واصطكَّت الركب، وأعجز الرعاش أيدي كثير منهم عن مقابض سيوفهم، لذا كانوا يتساقطون قبل الدنو من المبارز والخوض في النزال، ويُصرعون قبل تلقي الضربة والطعنة! يعينون على أنفسهم، فلا تعجب من تفرُّق الشياه إذا شدَّ فيها ليث غاضب، أو من فراش مبثوث وعهن منفوش، وقد تداعت القيامة وآذن الوجود بالفناء، فينكشف الجند ويتطايرون كالهباء، من رجَز الفارس الهاشمي، وخطاب البطل الصحابي…

    حتى إذا صُرع المولى، وتوقف القتال، وأُعلن انقضاء المعمعة وانتهاء المعركة… بقيت الدهشة تحكمهم، واستمر الذهول والوجل يدبِّرهم، وقد أركزهم في أرضهم، فشُلَّ جُلُّهم وفلج، وألزمهم الانكدار الكوني مقاعدهم ومواضعهم… كانوا يرون الحمرة في السماء، وانحسار الفرات المتلاطم من ساعات خلت، وتفجر الدماء من تحت حوافر خيولهم أينما مضت وجالت! فيحسبون أن النقمة قد آذنت بوقوع، وأن الشهداء سينهضون لينقموا منهم، ولعلَّ المهمة انتقلت إلى خلَفهم والبقية الباقية منهم! لذا كانوا يخشون أن تكون لقمة طعام يتناولها الأطفال تعيد إليهم الرمق، أو جرعة من ماء، تبل حرَّ أكبادهم، “مصدر طاقة”، أو ومضة تشكِّل مفتاح حركة و”إعادة تشغيل”، وسبب انطلاقة وانبعاث جديد!

    بين مقبل من غلٍّ مستحكم، قدم من قعر جهنم، تدفعه أحقاد بدرية وحنينية وخيبرية، وبين خائف يخشى أن تبعث الأجساد، ووجِل أن تقوم من مصارعها، أو أن تنتقل تلك الروح التي رأوها في الميدان، إلى باقي الركب وتحلُّ وتدبُّ في العليل أو الأطفال أو حتى النساء، فيرجع القتال ويعود الفتك بهم، وتُستأنف المعركة التي ما صدَّقوا أنهم أنهوها وفرغوا منها! هتف ابن زياد، هتافه السابق في حرملة: اقطع نزاع القوم، فجاء الأمر والنداء: “لا تُبقوا لأهل هذا البيت باقية”… فبدأ التمثيل والتنكيل، والتقييد والتكبيل، والتجويع والترويع.

    على باب الساعات، كانت العقارب المفترضة تزحف ببطء، تتثاقل لتعلن انتهاء المعركة وانقضاء المأساة، وتتلوا بيان النصر والظفر، مدعَّماً بشاهد ناطق لا يُكذَّب: هذه نساؤهم سبايا!.. فتلوح الرؤوس على القنا، تهتف: هيهات! وتتجلَّى زينب بحقيقتها الملكوتية: قسَم الله ويمينه، التي لا حنث فيها ولا غموس: “والله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا”… وها هم النجباء اليوم يبرُّون بيمين الله عبر زحفهم المليوني، يقهرون فريقاً ويرغمون آخرين، ويحققون وعد سيد الشهداء: “من لحق بنا استشهد، ومن لم يلحق لم يدرك الفتح”. ما زالت الدعوة مدوية، والرسالة تبلغ القاصي والداني، ما زال الباب مشرعاً، والسفينة مبحرة… وما برح شقي يأوي إلى جبل يحسب أنه سيحفظه وينجيه، ومنافق يلوذ بعورته، وخرَّاص مخاتل ودجَّال مهاتر، يزعم التطوير ويدعو إلى ثورة كاذبة تعيد سلطان يزيد… ولا عاصم لهذا اليوم من أمر الله، ولا نجاة لذاك من سخطه جلَّ وعلا.

  • من الطرائف التي تُلقى كأحاجي وألغاز، سؤال: “أيهما أثقل، كيلو القطن أم كيلو الحديد”؟ يؤخذ المتسرِّع بغتة ويجيب غفلة إنه الحديد! جهلاً منه بأمر الكتلة والكثافة، وسهواً عن تأثير ذلك في الحجم والوزن… ومن أصل التميُّز النوعي هذا، ومن طبيعة المفاضلة هنا، ترى العقلاء، في تقديرهم وترجيحهم الاعتباريات بعد الطبيعيات، يزنون الذهب بالمثقال، ويقيِّمون الماس بالقيراط، بينما الفحم والحديد فبالأطنان… أما في القضايا المعنوية، كالمشاعر الإنسانية، فالأمر متشعِّب متوسِّع، لا يقف على ضوابطه إلا خبير حصيف، ولا يحسن تمييزه إلا مرهف دقيق. فكلمة تجرح شريفاً، تفوق صفعة على وجه وضيع، أو لكمة تهشِّم أسنانه وتدميه، ولربما آثر عزيز عفيف السجن على الابتذال، والموت على السؤال، وتحمَّل سريٌّ شتى الآلام والمحن، قاسى الفقر والجوع والعوَز دون أن يُهان أو يُفتضح، بينما يتلقَّى الدون الشتائم والمطاعن التي قد تطال عِرضه فلا يعبأ، ويعيش الصعلوك الذل والخضوع وما يساويه بالدابة فلا يبالي، ويُنتقص الحقير الخسيس ويُمتهن فلا يشعر ولا يكترث! ولربما فضَّل حسيب رفيع الموت على أن يواجَه بقول أو موقف يزري بشرفه وينال من مكانته. من هنا فالمصائب والنوائب والآلام تتفاوت على أهلها بحسب شأنهم ومرتبتهم، ويختلف وقعها عليهم ونيلها منهم، وفقاً لشرفهم، ثم دقَّة فهمهم وسموِّ أحاسيسهم ورهْف مشاعرهم.

    من المشين المعيب أنَّ عالماً يدَّعي الفقاهة والاجتهاد، ويزعم السعي لتنقية التراث وتصحيح الاعتقاد، يجهل هذه المسلَّمة العقلية، لا يستوعبها ويقصر عن إدراكها! يقفز على حقيقة أنَّ ضربة واحدة يوم الخندق يمكن أن تعدل أو تفضل عبادة الثقلين إلى يوم القيامة! وأنَّ قتل أو إحياء نفس واحدة يساوي عند الحكيم العليم قتل أو إحياء الناس جميعاً! ثم يتجاهل الوعيد بالنكال الأبدي والخلود في الجحيم، للشرك الذي عاشه أحدهم حياة دامت سبعين أو مئة عام، والحال أن “العدالة” تقتضي أن يعاقب الفترة نفسها، أو ضعفها، ولك أن تقسو وتبالغ فتحكم بعشرة أضعاف، لكن الخلود الأبدي لجرم دام سنين معدودة، لو قيست بيوم كألف سنة، ما تجاوزت دقائق أو ساعات!.. عندما يكيل الرجل الدرر والمجوهرات بالدلاء والأكوام، ويحسب المسافة بين البلاد بالشبر والذراع، لا غرو أن يقدِّر الألم والمعاناة بالكيلو غرام! ثم يُسقِط هراءه هذا ويفرض جهالاته على مقدساتنا، فترجح عنده كفة، لا على أُخرى أثقل وأرجح، بل على صاحب الميزان! فإذا فعل، وقد فعل، فقد هتك نفسه، وأباح لنا ابتذاله وهتكه.

    أن تخاطب ابنة أميرالمؤمنين يزيداً أو ابن زياد، تحضر مجلسه، ويقع صوتها في مسمعه، وشخصها في بصره، يفوق عند الكرام هلاك كل أهل الشام، ولو مات الناس جميعاً وساخت الأرض بأهلها حتى خرجت من برجها، وتناثرت كما تفعل النجوم في النوائب، ما كان عجباً ولا سرفاً، بل هو الجدير الحقيق بها! إنَّ أنَّة جرَّها سيد الشهداء على عليٍّ الأكبر، وزفرة أخرجت “على الدنيا بعدك العفا” تفوق جميع المحن والبلايا والظلامات التي وقعت في أفغانستان وجنوب لبنان، وبورما وراوندا وأفريقيا، وما كان من تبعات القنبلة الذرية في اليابان، وكل بلاء ومحنة يمكن أن يتصوَّرها إنسان!

    فتعال وانظر إلى ما قال آصف محسني في مشرعته، تعليقاً على باب “شدَّة محنهم وأنهم أعظم الناس مصيبة، وأنهم لا يموتون إلا بالشهادة” (27: 207): “فيه 19رواية، كلها غير معتبرة. أما القسم الأول من العنوان، فالأصوب عدم ثبوته، وأنَّ أهل البيت، أو آل محمد، أو خصوص الأئمة مع رسول الله صلى الله عليه وآله، ليسوا بأعظم الناس مصيبة، وقد وقع في زماننا في أفغانستان على شعبها بعد احتلالها من قبل السوفيات، ثم من قبل بعض الأحزاب الجهادية والطالبان، مصائب لا مثيل لها، وكذا على شعب العراق وفيتنام وعلى شعب جنوب لبنان وعلى شعب فلسطين وعلى شعب راوندا في أفريقيا وعلى شعب الجزائر…والحياة عبارة عن استقبال المصائب والآلام، نعم لا شك أن حادثة كربلاء من المصائب الكبيرة، كما أن إيذاء الحسن المجتبى من قبل طاغية الشام من الحوادث المحرِقة، وليس في سجن الحجاج الثقفي خصوص الشيعة، بل عذَّب فيه غيرهم أيضاً. وجنايات المنصور والرشيد على الشباب الهاشميين وإن كانت تقشعر منها الجلود، لكن كم لها من نظير. لم يثبت بسند معتبر ما ينسب إلى النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، ما أوذي نبي مثل ما أوذيت، بل بعض الأحاديث يخالفه، وأن الله أعفى نبيه عن البلايا وألقاها على الأئمة أو أهل بيته عليهم السلام، فلا تحسُن المبالغة في النسبة لأجل المحبة”. انتهى نهيقه أو شحيجه  في ج 2 ص 11 من “مشرعة البحار”.

    إنَّ مَن لا يميِّز بين الصورة والواقع، ويعجز عن فهم الفرق بين الكم والكيف، هذه الحقيقة الجلية، ويتخلَّف عن إدراك هذه الفكرة المسلَّمة التي تناهز البديهة، لن يكون قادراً على فهم الظروف الاجتماعية والسياسية، والعلل والمعطيات المؤثرة في تقييم الرواة، أسباب جرح هذا وتعديل ذاك، أسرار الذم الذي قد يبلغ اللعن، وما يظهر من اضطراب بين التوثيق والتضعيف، مما طال أجلَّة الأصحاب كزرارة والمعلى بن خنيس! متى حكمت التقية أقوال الأئمة، ومتى لم تفعل؟ ما هي حدود الغلو عندهم؟ هل يمكن للظروف السياسية والعوامل الأمنية والمعطيات الاجتماعية، كدرجة الفهم والعلم لدى عامة المؤمنين، أن تخلق حالة من التظاهر تشكِّل قرينة تصرف الظاهر!؟.. فمن الطبيعي أن تجد منه هذا الخبط والهدم، والضياع والتضييع!

    كيف لمن يقصر عن فهم أبعاد مأساة عاشوراء، ولا يقف ـ حتى من بعيد ـ على أسرار هذه النهضة الخارقة لجميع المقاييس، وموقعها من حركة أئمة الهدى، سواء في استمرار نهجهم، أو في بلوغه أهدافه في وراثة الأرض ومن عليها، ويعجز عن استيعاب هذه الآلية التي أسسوا لها وأكَّدوا عليها، وهم يطلبون إنشاد المراثي ويدعون ويحثون على البكاء، ويبذلون له تلك الأجور والأثمان التي لا تجدها في عبادة… فيعمد الشيطان لإسقاطها وسحب البساط من تحتها، وهو يقول: “أكثر تفاصيل حوادث كربلاء مجهولة، والناس يطلبون ما يبكيهم، وكثير من الوعاظ محتاجون إلى الجاه والمال، فآل أمر القصص إلى ما ترى”! (مشرعة البحار ج2 ص156)، لا يبالي أن يهدم، في سطر واحد، مشروعاً إلهياً احتار فيه العدو والصديق… كيف له أن يعرف معاريض كلامهم، ويدرك المراد الجدي من خطابهم؟ فيخوض في الدين ويباشر أعظم شؤونه وأخطرها: استنباط أحكامه ورسم معالمه وبناء معارفه؟ وخبط الرجل وهرفه أعظم من أن تستوعبه مقالة، فلك أن تراجع ما عرضه الفاضل الشيخ نزار سنبل وتناوله في سلسلة محاضرات له مبذولة في وسائل التواصل، فترى عجباً أن ينسب مثل هذا إلى الدين ويحسب على المذهب الحق!

    ولا يقف الأمر عند افتقاده العلم والتخصص، بل يتعداه لفقد النزاهة والعدالة والورع…

    فآصف هذا بشتوني جِلف، قندهاري شكِس، تقول له زيد فيكتب خالداً ويقرأه عمراً ويفهمه بكراً، سياسي بامتياز، مناور قذر، تورَّطت به بعد أفغانستان الطائفة بأسرها، وابتلي به بعد قومه وأبناء وطنه، الدين والمذهب، فقد أهدر الدماء في بلده وخاض ما بلغ به أقاصي الشقاء، ويكفيك النظر في مجزرة الضاحية الغربية لكابل، وهي المنطقة التي يقطنها الشيعة من العاصمة، وتعرف بـ “أفشار”، والتي راح ضحيتها في أيام أكثر من ثمانمئة مظلوم، غُدر بهم في صفقة تطويع كابل لقيادة الحكومة الإسلامية (التي كان آصف ناطقاً باسم شورى قيادتها!)، بعد سقوط نظام نجيب الله الشيوعي… وقد قبض الشقي الثمن: مكانة دولية، وجامعة علمية، وقناة فضائية، وميزانيات خرافية! وكما باع الرجل طائفته، باع مذهبه، حين فرَّط بأعزِّ مقدسات الشيعة وأثمنها، أي الحديث الشريف، فأزرى بتراث لم يصلنا إلا بخوض اللجج وشقِّ المهج، وتضحيات قلَّ نظيرها في تاريخ البشرية، وجهد وعناء وعطاء عجزت عن مثله الإنسانية.. ابتذله الصعلوك واسترخصه، وأضاعه العلج وخبط به الجدار، يريد نسفه وسلوك ما ينتهي بهدم صرحه!

    وهذا داء تجده في جمع من الحداثويين أو الإصلاحيين التنويريين، آفة أو دويبة أو جرثومة، تنخر رؤوسهم، وتأكل أمخاخهم، وتكون فضلاتها عفن يورث الزهو والغرور، والكبر والصلف، ضروب غريبة من الثقة بالنفس، تأخذ صاحبها إلى الجرأة على الفحول والأساطين، ومواجهة الأعاظم والقماقم… فيعالج نصوصنا المقدسة، موظفاً آليات باطلة في تقييمها، وقواعد فاسدة في إعادة بنائها، تستلهم من خطابات شعبوية تقول إنها سئمت الموروث وتريد التجديد والتطوير، فيأتينا بمعالجات على طريقة الوصفات الطبية الشائعة في وسائل التواصل الاجتماعي، تطالعك بالزنجبيل والكمون علاجاً للسرطان والجلطة الدماغية! ليعش هؤلاء عُقدتهم بعيداً عن عقائدنا، وما يمس أسس وركائز ولائنا لآل محمد، ولينعموا بالشهرة والتفاف أضرابهم من أنصاف المثقفين حولهم، لا شأن لنا بدنياهم، ولكن إياهم أن يقربوا من ديننا، ويعطِّلوا نقل ذخائره للأجيال القادمة، بزخارف وبدع نفثها الشيطان في روعهم فراقت لهم.

    هذه بركة ماء مضاف، لعله ماء الشعير، ولغ فيها كلب، ونفق خنزير، وأريقت خابية من نبيذ صرف، مع رطل من خمر اسكتلندي خالص (ويسكي)، وغسلت فيها مومس خرقة حيضها، حتى لو كان الماء مطلقاً لتغيَّر لونه وطعمه ورائحته… لا تجدي في معالجة نجاستها حيلة. فضل الله وحب الله والحيدري وأضرابهم ضلَّال منحرفون، وآصف محسني منهم، ضال ساقط، وكل من يحاول تطهيره، سيسقط في البركة، وستلحقه النجاسة ويحكم عليه باللوث والقذارة، كائناً من كان، ولو جاء بقربة من النيل وسطل من الفرات ودلوٍ من زمزم… لا عاصم لهم اليوم. لن نسمح لأحد أن يقطع علينا طريق ارتباطنا بأئمة الهدى، ولن ننخدع ونُستغفل بدعوى الرأي والاجتهاد، فمثل هذا تحت أقدامنا، نسحقه بعزة الله ومنعة حرماته ومقدساته، ونتوعده يوم المعاد، ومن قبله ساعة السكَرات، فليدع ناديه، وليلذ بمشرعته، لتخلصه من هجمة الزبانية.

  • في الحديث الشريف الذي يحكي زمن الظهور: “إذا قام قائمنا وضع يده على رؤوس العباد فجمع بها عقولهم وكملت بها أحلامهم”. وفي آخر: “وتؤتون الحكمة في زمانه، حتى إنَّ المرأة لتقضي في بيتها بكتاب الله تعالى وسنَّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم”… إن السير التكاملي نحو الحالة النموذجية، والتقدم صوب الصورة المثالية الموعودة، هو قدر الفرقة الناجية. نحن في حركتنا نمضي تجاه الظهور الشريف، علمنا أم جهلنا، قصدنا أم غفلنا، شئنا أم أبينا، نسعى ونكدح حتى نلاقي هذه القيامة الصغرى والغاية العظمى في الدنيا، ثم نوافي صورتها الكبرى ومثالها الأتم في المعاد والآخرة.

    من عاش الستينات والسبعينات من القرن الماضي يدرك جيداً أنَّ السمة البارزة في المؤمنين الملتزمين من أبناء ذلك العصر، كانت الثقافة وسعة الاطلاع والشغف بالعلم، السعي لتوفير وتحصيل المادة التي يحتاجونها لمواجهة الشيوعيين أو المخالفين، وخوض المساجلات والمطارحات الرائجة في ذلك الزمان، والانتصار للمذهب والدفاع عن العقيدة، ودخول قوي متمكِّن في حلقات المحاججة التي كانت تعقد بمناسبة ودون مناسبة، في المدارس وأماكن العمل ومختلف المحافل… كان جيلاً قارئاً مثقفاً، بصيراً مطَّلعاً، حريصاً على تحصيل المعلومات ونهماً بكسبها، ولعله تفوَّق ـ كتيار ديني ـ من بعض الجهات على اليسار، مضرب المثل على هذا الصعيد، ونجح في خلق صورة مشرِّفة حملت المخالفين على مقولة: لا تخاصم شيعياً، فيغلبك لا محالة!

    تُرى، ما الذي جرى حتى صرنا إلى تراجع وانحدار؟ من أين أتانا التقهقر والنكوص والانهزام؟ ماذا حلَّ بنا وجعلنا متخلِّفين على صعيد معارف الدين؟ من أين أُخذنا فاستباحتنا الحداثوية، وماذا فقدنا فغلبتنا السطحية، وأي فراغ رأت الجهالة فضربت أطنابها وخيَّمت علينا بالأُميَّة الدينية؟

    للوقوف على فهم صحيح لما يجري اليوم، مقارنة بما كان عليه الحال، علينا دراسة الواقع من خلال فهم سنن حركة الأُمم والمجتمعات على صعيد العلم والثقافة، ولا سيما المعارف الإلهية، وإدراك خضوعها لعلل ترفعها وتنميها، وأُخرى تروِّج السخف وتشيع الطيش والنزق، عوامل توسع في شريحة العلماء والماضين على سبيل نجاة، وتحسر نطاق العوام والحشو والطغام، وتورث ازدهار العلم والأخلاق والكمالات، تقابلها أسباب تدفع تجاه الهمجية والسوقية والجهالات. ولا بد من التيقظ إلى أن الجهلة وحراكهم يمضي دائماً على نحو حاد لا توسط فيه ولا استواء، كما جاء في العلوي “لا ترى الجاهل إلا مفرِطاً أو مفرِّطاً”. وكذا ملاحظة نتائج دخول الإعلام العصري في الحراك الديني، ولا سيما الفضائيات، ثم العالم الافتراضي ووسائل التواصل، المبذولة للجميع والمتوفرة على غير صعيد، والقادرة على بلوغ الأهواء ونيل الرغبات، وتلبية الشهوات وتحقيق النزعات، التي تكمن في كلِّ نفس، وتنازع كل شخص، وأخطرها طلب الشهرة…

    من الآثار الخطيرة للإعلام المبذول وساحته المستباحة، والتبعات المشهودة لطبيعة العوام في الإفراط، وشأن الجهلة وحالهم في المبالغات، يمكننا فهم أسباب الحالة المهيمنة على ساحتنا، والسمة التي غدت تصبغها وتطبعها، وما بات يتهدد بانتقال القيادة الميدانية للساحة الإيمانية، على الصعيد العلمي والمعرفي، وينذر بتحوُّل زمام الأُمور في هداية وتوجيه الحركة الثقافية والمتبنيات العقائدية، وتحديد جبهات المواجهة وميادين الصراع، من الحكماء والعلماء والمفكرين والوعاظ والمطَّلعين المتمرسين والخبراء المتيقظين، إلى أيدي الشعراء والرواديد وعوام المؤمنين، من أصحاب الحسينيات والمجالس والهيئات! ليصبح هؤلاء هم الذين يحركون الساحة الإيمانية، ويأخذونها في وجهاتهم، ينشطون ويسعون أن يجتذبوا الجماهير نحوهم ويكثِّروا السواد من حولهم، ما يبسط يدهم ويقوِّي شوكتهم ويعلي كعبهم،حتى يصبغوا الساحة بطابعهم وهويتهم!.. ما يسقطها في فوضى عارمة، ويأخذها نحو سطحية قاتلة، ما زالت تخلق موجات متتابعة من الحركات الانحرافية، تخنق الإبداع وتقطع الطريق على كل ألق ونموٍّ صوب السمو والكمال، وتورث أزمات متلاحقة تنزل بنا الكوارث وتحيق الفتن والبلاءات!

    تظهر شريحة من المؤمنين المخلصين الملتزمين، إلى درجة وحين، دون حرص على الفقه ولا تأكيد على المرجعية! لا يعنيهم التآمر على الحوزة، ولا يكترثون بتقويض أُسس المعارف الدينية وقواعد بنائها، لا يبالون بالحرب على كنوز مصادرنا وتراثنا، سواء من الحديث الشريف ونتاج السلف من الأعاظم والأساطين، ولا بالمعركة المستعرة في إخضاع الحوزة والمرجعية للدولة، بل حتى أسباب قطع روافد الحب وأواصر العشق الذي يربطهم بأهل البيت، من حركة مدروسة وتدبير محكم لجحد معاجز الأئمة الأطهار وكراماتهم، وإنكار فضائلهم وبخسهم المنازل التي أنزلهم الله فيها، تراهم سلبيين تجاه ما يدور على هذا الصعيد، ولربما محايدين وكأن الأمر لا يعنيهم من قريب أو بعيد! فما دام الغرُّ يغرِّد من قفصه في تويتر، ويصرف من حسابه في فيسبوك، ويرسم الجدارية التي يريد، وإن كان حائطه في زقاق لا يقطعه إلا هو صحبه، وما دامت الهيئة التي ينشط فيها تعقد جلساتها، وتلطم على مدار العام، وهو يعيد الاستماع للطمية تتلوها أُخرى على مدار الساعة، حين يعمل ويأكل وينام! وقد حوَّل الشعيرة التي يفترض أن تكون مفجعة، إلى لحن للتسلية وإيقاع يورثه الأنس… فالأُمور عنده بخير! وقد يُفهم هذا من ناسك منعزل لا يعنيه غيره، يعيش تكليفه في إطاره الخاص، ولكن إذا كان المؤمن “شعائرياً”، فهذا يعني أنه يعمل في النطاق العام، يجهد أن يجعل عزاء سيد الشهداء ظاهراً عاماً يملأ السكك والطرقات، ويعم البلاد والآفاق، أي أنه معنيٌّ بأهله وصحبه ومجتمعه وأُمته، ومع ذلك، لم تبلغ فطنته ولا أخذته بصيرته إلى أبعد من هذا الذي يعيش!

    والخطر لا يقف هنا، عند تقاعس هؤلاء وخذلانهم نصرة آل محمد أمام الأخطار الحقيقية التي تتوجه للدين والمذهب، بل إنهم لا يلبثون أن يصبحوا لقمة سائغة لتيارات الضلال ورموزه الناشطة في الساحة الشيعية، فتجدهم يخضعون لـ “المولى” المشعوذ، حتى يجعلونه باب الإمام، ولربما قصد أحدهم مشهد الرضا، قادماً من العراق أو بلاد الخليج أو لبنان، ثم عاد دون زيارة، مكتفياً بلقيا “الباب” الذي صرفه دون الحرم المطهر! وتبلغ الذروة فتكون الصرخية والقاطعية والبديرية، ونظيراتها من الفضلية والحيدرية والحب اللهية، وأضرابها من الحداثوية، وتحالف يجمعه مناصبة المرجعية والحوزة العلمية، كالياسرية والغزية واليعقوبية والمدرِّسية والشيرازية والصدرية والخامنئية… هذا يحارب الشعائر الحسينية ويحرِّم مظاهر الجزع ولا سيما التطبير، وذاك يأخذه ويحمله إلى الأربعين وذكرى أميرالمؤمنين بل حتى وفاة أم البنين! وثالث يقلبه مهرجاناً للتبرع بالدم! هذا ينادي بالمقاومة والجهاد، والتأسي بفعل سيد الشهداء، فيسخر من اللطم ويستهزئ بالبكاء، وذاك يزري به ويأخذه إلى المزايدة والابتذال، آخرون ينقلونه من العبادة والطاعة إلى الاستعراض والمسابقة! هذا يمسخ مفهوم البراءة، ويصرفه عن أعداء آل محمد، فيترضى عليهم ويربِّي قاعدته على الزيدية ويلقِّنهم تجاهل التاريخ، وعقم العقيدة الساكنة في القلب، وإن كانت فاعلة في الروح والضمير، ما لم تفض إلى موقف سياسي ونشاط حركي، وذاك يستأكل بها ويتاجر، فيرفع عقيرته بالسب والفحش ويجاهر بالطعن واللعن، بما يحصده الشيعة ويدفعون ثمنه فتناً ومجازر! وهذا وذاك يتهالكون على الأضواء، “عشرات” على غرار عشرة عاشوراء، مسيرات تحدٍّ جوفاء إلى سامراء، وثالثة الأثافي في مهرجان موسيقي بين الحرمين يرفع أذان لقاء المهدي بالغناء!

    في مثل هذه البيئة القاحلة والجدب والقحط، من السهل جداً أن يربض الحيدري في المفاوز، ويخرج حب الله من مغارته وينصب المسالح على الطرقات، ويظهر تونسي من بين الكثبان ومن تحت الروث الجاف كالخنفساء، وفلسطيني مستبصر يمعن في الإغواء، وسيد “يتفطَّن”، طالت لحيته فدلَّت على غير ما يحسب، يلقِّن أتباعه تحري “الصحيح” من الحديث، ويصطف ويتموضع ـ من حيث لا يدري ـ في جبهة الأعداء، يعينهم في المعركة الكبرى على الأصيل والصحيح الذي يتهالك عليه، فيفصل الشيعة عن كنوز وأنوار، بذريعة مبان رجالية عرف منها شيئاً وغابت عنه أشياء، وأعرض عن “بادِروا أولادكم بالحديث قبل أن يسبقكم إليهم المرجئة”، فترك أتباعه عرايا خاوين منقطعين، تتلقفهم الأحزاب ويتناوشهم الأسوأ من المرجئة!

    إنَّ الساحة الإيمانية بحاجة إلى ثقافة ولائية، ترفد وتدعم الممارسة الولائية، فيرقى صاحب الحسينية والهيئة ويتعالى على أصل الجذب والكسب، وينظر في الخطيب والرادود الذي يدعوه، ماذا تراه سيُطعم المستمعين ويلقِّنهم، وأين عساه أن يأخذهم؟ ومن المؤلم أنَّ الدخول الثقافي الذي يتجاوز سطحية أداء الرواديد واللطم على مدار العام، هو في أغلبه ضلالي حداثوي، أو حالة متميعة بينها وبين الأصالة، كالشيخ الذي يجعل من أقواله جواهر، والسيد الذي يقلب المنبر إلى محاضرات في الفيزياء، وثالث كنا نحسبه لنا، فإذا به يمجد صاحب مشرعة البحار! هذه مشاريع شخصية لا يهمها من المذهب والطائفة إلا ما يحقق ظهورها ويرفع شأنها ويعزز مكانتها. أما الوجود الأصيل في هذا النطاق فيكاد ينحصر بأعلام كالسيد حسين الحكيم والسيد علاء الموسوي والسيد ضياء الخباز والسيد رضا شرف الدين والسيد هاشم الهاشمي والشيخ نزار سنبل، ولم أرصد عناصر أصيلة فاعلة من خارج الحوزة، تعمل على الحالة الإيمانية لتنتقل بها من سطحية المظاهر إلى أعماق المعارف، وخلق ثقافة تستقي من العلم، كما تعيش الولاء شعائر حسينية وعزاء! إن العاطفة على عظمتها، لا يمكن الركون إليها والتعويل عليها، وقد رأينا كيف وُظِّفت، وخدعت شبابنا وسرقتهم، فغدوا يغنون للمهدي كما يغنون للرنتيسي وأحمد ياسين! إنَّ البنية العقائدية الصحيحة هي الركيزة التي علينا تأمينها، والرافد الحق الذي يمكنه أن ينتج أداءً ولائياً أصيلاً.

    في غياب الحراس يظهر السرَّاق، وينشط قطاع الطرق والصعاليك وكل آبق وعاق… إن الطاقات الولائية المخلصة المتفجرة في الهيئات الحسينية، لو حسنت تربيتها وهديها وتوجيهها، لما تجرأ الحيدري وحب الله والأشكوري وطالب وابن جدو وغيرهم أن يتجاسر على مقامات أهل البيت ومسِّ حرمات المذهب ومقدَّساته، وفي الأقل الأدنى،كان يمكن توظيفها كقوة ضاربة، وإن كان الحق أخذها نحو بنية علمية وعملية واعية وبصيرة، تحسن الرصد والتحسس، وتجيد الرد والمواجهة، تفحم الخصم وتبكِّت العدو، وتردع من تسوِّل له نفسه، فيعلم أنَّ الحمى هنا ليس مجرد آراء علمية ينبس بها الفضلاء على استحياء، نبس العذارى في عقد النكاح، بل هو أيدٍ ضاربة وصوارم قامعة وسهام تقطف الأعناق من بعيد، قبل أن تدنو الرؤوس وتقرب لتفسد النفوس.

  • هناك كتاب سيلقاه الإنسان يوم القيامة، يؤتاه بيمينه، أو يتناوله بشماله ومن وراء ظهره، أو منشوراً أمامه، يوافي الأبرار في عليين، ويلحق الفجَّار في سجين، مرقوم يلزم عنقه، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، سُجِّلت فيه النوايا وسُطرت الأفعال، الحسنات منها والسيئات، لتظهر النتائج، ولو لمثقال ذرة من خير أو شر، حتى العود أو العصا عبث بها، ستسأل: لم نكتَّ بي الأرض؟ والحصاة: لم طرحتني في النهر؟!.. وهنا، في الحياة الدنيا، كُتبٌ على هذا الغرار، تسجِّل الحوادث وتضبط الوقائع وتدوِّن التاريخ، تخبر الغائب وتعلم الجاهل، توقظ المهمِل وتنبِّه الغافل، تقدِّم العبرة وتبني النموذج القدوة. كُتب تذكر أخبار البلاد وأحوال العباد، وسير الملوك والرؤساء، عدلاً أفشوا في مجتمعاتهم ورخاء، أم ظلماً عاثوا وجوراً أسسوا وأشاعوا الفساد، تنقل إنجازات الأعلام والعظماء، إعماراً وإصلاحاً كانت، أو هدماً وخراباً خلَّفت، تجازي كلّاً بما حقَّق وقدَّم أو فرَّط وأهدر، مدحاً وتبجيلاً أو قدحاً وإدانة. هذا في المأمول المفترض، لكن الواقع من سير البشر وأداء الإنسان، وما كان حتى الآن وبان، يظهر أن “التاريخ” لم يكتب بأمانة، وكثيراً ما سجَّلته أقلام أجيرة، داهنت السلطة، وجبنت عن الحق، فجانبت الإنصاف والعدالة، وأخلَّت بالموضوعية وخانت الأمانة، وأزرت بالحقيقة وجانبت الصواب. والأكثر خفاء هنا وظلامة، هو ما وراء الظاهر، العلل غير المرئية للحوادث، والأسباب غير المعلَنة للوقائع، المعضلة المتكرِّرة في مواقع ضياع الحق، من خلال العوامل والعناصر التي تدبِّر الأمر من وراء الستار، وتحكم دون أن تظهر في المشهد، فلا تلتقطها مدوَّنات المراقبين وتسجيلات المؤرخين ومؤلفات الكتَّاب، اللهم إلا الأكياس الفطنين، وقلَّة هم.

    وحتى لا ينزل بالحاضر ويناله ما حلَّ بالغابر وأصابه، ويطال واقعنا ما أزرى بماضينا، يسعى العلماء، والباحثون الأمناء، لتدوين وقائع الأيام وتحليلها بما يزيح الستار ويكشف الخفايا ويوضح خلفيات كل مشهد، وتبعات كل موقف، هكذا يلحق بحكمة التدوين أمر آخر، هو الإسهام في إتمام الحجة بعد جلاء الحقيقة، ووضع النقاط على الحروف، وقطع الطريق على “المعذِّرين من الأعراب” وتبكيت المرتزقة الوصوليين!

    في مدرسة “الحركة الإسلامية الشيعية”، منبع الانحراف وجذر الضلال المعاصر، ومن بين “العلماء” في هذا التيار (وهم قلة نادرة، فالعمائم هنا ملاءة مطوية ونسيج ملفوف!)… تتميز شخصية السيد محمود الهاشمي بسجايا وخصال قلَّ أن تجدها في غيره، يشقُّ معها ويعزُّ على أي باحث يتحرَّى الموضوعية ويلتزم الإنصاف أن ينال منه! فإذا اضطرَّ لسبب وآخر، كان الأمر مرهقاً مزعجاً. فمن مجموع قرائن مشهودة، يظهر أنَّ الرجل كان يتمتع بصفات لا تتوفر في أقرانه وأصحابه، استتبعتها مواقف لم نرَ شيئاً منها في غيره، منها موقفه من كمال الحبتري، والبيان القاطع الذي أصدره في تفنيد نهجه وأفكاره، وتعاطيه في الشعائر الحسينية، فقد كان ينتصب واقفاً لأكثر من ساعة في العزاء، يواكب هيئة اللطم! وعلاقته بالفقيد العزيز السيد علي أكبر الحائري، الرجل العقائدي الصلب، الذي أبى مصافحة البطريق الغريفي، وغادر مجلساً دخله وكيل فضلة الشيطان الأكبر! وقد أسرَّ لي شخصياً، لما عاتبته على توليه رئاسة مكتب السيد محمود الهاشمي، بأن الرجل سليم العقيدة، وبعد جدال، تنزَّل إلى أنه ليس أكثر سوءاً من المتصدِّين!

    إلا أننا من جهة أُخرى نقف على مآسٍ وويلات، ورزايا ونكبات، تبدأ في شهادات الزور التي لفَّقها لفقاهة السيد الخامنئي، والفذلكة التي أخرج بها مهزلة أعلميته، ولا تنتهي بمساعيه لتعويم فضلة الشيطان وتخليصه من المأزق الذي وقع فيه بعد أن حكمت الحوزة والمراجع العظام بضلاله، حتى إذا هلك كان ممن نعاه ورثاه، وتجاهل إطباق الشيعة، وأبَّنه تبعاً للحركة الإسلامية التي إليها ينتميان!.. لكن هذه وتلك ليست جريمة السيد محمود الهاشمي الكبرى! فهناك الأنكى والأشنع، والأخطر الأفظع، إنه الغرس الآثم الذي زرع حيدر حب الله في جسم الحوزة العلمية، والمناصب التي عهد بها إليه في المؤسسات العريضة تحت ظل الدولة وسلطة الحكومة، والإمكانيات الهائلة والميزانيات الخيالية التي توفرت له جراء ذلك، ما أتاح له جمع لفيف من أرباع الفضلاء وأنصاف المحققين، وأطلق يده لتأليف عصابة انصرف للبحث فيما وجهها إليه، وإعداد “دراسات” كانت في رسالتها، وتفاصيل مادتها، معاول هدم في العقيدة والتراث! السيد محمود الهاشمي هو الذي زرع حيدر حب الله في الحديقة الخلفية لبيته، ليترعرع هناك آمناً محمياً مكفيّاً، ثم أتاح له أن ينطلق ليصول ويجول، يعيث فساداً في الحوزة، وينشر أخطر الأفكار التي تقوِّض المذهب وتهدم الدين! بدأ من “مرفأ الكلمة”، وانتهى بالإشراف على رسائل الماجستير والدكتوراه في الحوزة وجامعة المصطفى، وجامعة الأديان، وكلية أُصول الدين! في فضاء استعرت فيه حمَّى الرتب والدرجات الجامعية، وسياق من تدجين الحوزة وإقامتها على نسق أكاديمي أزرى بعمقها العلمي، وذهب باستقلالها فباتت تابعة للدولة، مرتهنة للسلطة، وراح طلابها يلاحقون الشهادات ويجاهدون لنيلها، فينتهي بهم المطاف عند حيدر حب الله، يتزلفون ويتملقون عسى أن يمنَّ بها عليهم، فيأبى حتى يقف على بصيص ضلال في الرسالة، أو يعمد لتوجيهات تُلحِق ذلك بها وتدسُّه فيها، هذا لمن لم يحظ بتوصيات مخابراتية ملزمة لحب الله وكره الله على السواء! الهاشمي الشاهرودي هو الذي أوكل لحب الله رئاسة القسم الشيعي الإمامي في مؤسسة خدمة علوم القرآن والسنة الشريفة في القاهرة، المكلَّفة كتابة موسوعة الحديث النبوي الصحيح عند المسلمين (الفريقين)، فكان أبوموسى الأشعري لزماننا، خلع خاتمه وأسقط أحاديث الشيعة، وفي المقابل ثبَّت عمرو بن عاصهم أحاديث القوم وأحكم ترسيخها! فكانت مكافأته على هذه الطامة أن ألحقه السيد محمود بالمجموعة البحثية لدائرة معارف الفقه الإسلامي، المكلَّفة تدوين أكبر دائرة معارف للفقه الشيعي الإمامي، والتي يشرف هو عليها بتكليف من الخامنئي، حتى تولَّى في عام 2009م مسؤولية المعاون العلمي له في الإشراف على الدائرة، ورئاسة الهيئة العلمية في المؤسسة! إن النوائب والفجائع التي ارتكبها ويرتكبها هذا الحمار بما يحمل من أسفار، تعد سوابق لم يقع فيها ضال، ولا تقدَّم عليه منحرف بطَّال! إنه يرمح فيسقط برفسة واحدة ما تبقى من “البحار”، بعد أن انحسرت “مشرعة آصف محسني” عن أقل من ثلث، ليغرق ثلثاه ويعود إلى الأعماق، ويسكن من جديد الأصداف، فتطيب النواصب نفساً، وتلقي الحداثوية عصاها ويستقر بها النوى، فقد طمرت اللآلئ والدرر، وما عادت في التداول ولا التناول، ناهيك بأن تزيَّن عقود المعارف الدينية وقلائد الولاء لآل محمد! إن الفظائع التي يرتكبها هذا الزنديق، ويبثها لتسمم أفكار شبابنا وتلوث الفضاء الإيماني للمثقف الشيعي، هو حصاد آثم لما بذره سيد محمود الهاشمي، وثمر فاسد من جني ما زرع وغرس، وطعام زنخ عفن من الذي قدَّمه للمجتمع والأُمة!

    وهذه حالة متكررة، تكاد تكون ظاهرة، فقد سبق أن زُرع الأشكوري في بطانة الشيخ الإيرواني، حين شرعوا في مؤامرة تغيير مناهج الحوزة، فوقف لهم المرحوم السيد الگلبيگاني قدس سره، قارئاً حصيفاً للمستقبل، ومستطلعاً متنبئاً لأهداف القوم، ورائداً بصيراً للحوزة، وراعياً أميناً للمذهب، فكأنه استشرف أقاصي غاياتهم ونهايات أهدافهم، فوقف بحزم وأبى أن يسمح بالخطوة الأُولى، حتى إذا رحل إلى ربه ولحقه أقرانه من الشيبات المقدسة التي كان النظام يخشاهم، عرضوا تغيير المناهج على أساتذة الحوزة العربية، فهم الحلقة الأضعف في قم، فأبى آل راضي والجواهري وغيرهم، عندها بدأ أو ظهر دور الأشكوري، الذي استطاع إقناع الشيخ باقر الإيرواني، فكُسرت القارورة الأولى بضربة فنية سحبت البساط من تحت أقدام المعارضين، فلا سبيل للنيل من فضل الإيرواني وأصالته وبعض استقلاله، وكانت مؤونة كشف بساطته وسذاجته كبيرة باهظة، خاف معها المعارضون أن تكون المفسدة أعظم من المنفعة، فآثروا السكوت! ثم أُعطيت الهراوة من بعدُ للحبتري وحيدر حب الله وأضرابهما، يخبطون ويخضمون، ومضت المسيرة لتصل إلى الشقاء والجدب الذي أضحت فيه اليوم.

    هناك مآثر وإنجازات مشهودة لبعض أعلام عصرنا، فضائل وبطولات، تجعل الجرائم المعاصرة التي تنال من ديننا ومقدساتنا وشعائرنا، تمرُّ على عامة الناس، وحتى على النخب والخاصة، مرور الكرام… ولكن التاريخ سيدوِّن بأقلام تخط مداداً داكناً لا يمحى وكلمات قاسية لا تزول، ويسجِّل مَن يقف وراء التلوث العمراني لأقدس مدن الشيعة، ما حجب القبة الشريفة لحرم أميرالمؤمنين ومنع أن تلوح للمقبلين، فتتلقاهم البنايات الشاهقة المحيطة، وصفائح “الچينكو” تغطي المخالفات وتداري المخلَّفات على الأسطح، فتزيد المنظر تشويهاً وبشاعة! وكذا مَن سمح بالغناء والعزف بآلات اللهو والطرب بين الحرمين الشريفين في كربلاء، ومَن سوَّق لنرجسيين قدَّمهم لإمامة حشود الزوَّار يوم العيد وأعان على التلبيس والإغواء، ويسجِّل أيضاً، على رأس الصفحة وبعنوان عريض، مَن مكَّن النظام الإيراني من اختراق الحوزة في النجف الأشرف، ولم يتعظ بالسابقة التي وقعت في قم المقدَّسة، فأفسح للسوسة أحمد الأشكوري، بالتوغل في أروقة الصرح والتسلل إلى دهاليز البيت، وسكنى الأعمدة التي ترفع البناء، كما أتاح سيد محمود الهاشمي للأرَضة حيدر حب الله النفوذ والنخر ما يشاء!

    لم يبقَ في الناس إلا المكرُ والمَلَقُ، شوكٌ إِذا لَمَسوا زهرٌ إِذا رمقوا. فإِن دعتكَ ضروراتٌ لِعِشرتهم، فكُن جحيماً لعلَّ الشوك يحترق.

  • كانوا يقولون إنه الخراساني، جاء ذكره في خبر “يخرج شاب من بني هاشم، بكفِّه اليمنى خال، يأتي من خراسان برايات سود. بين يديه شعيب بن صالح، يقاتل أصحاب السفياني فيهزمهم”… تداعت المقولة سريعاً وسقطت، فالثابت من تطبيقات الحديث لم يتعدَّ مفردة واحدة تنطبق على ملايين، هي أنه من بني هاشم، أما الخال بكفِّه، الذي أوَّلوه بعلامة هي الخلل، العطب أو الإعاقة، فتعسُّفٌ جلي وتكلُّف مرهق، وأما شعيب بن صالح الذي طُبِّق على أحمدي نجاد يتقدَّم بين يديه، فقد بات يتقدم عليه، فانقلبوا ضده وأخذوا يلعنونه! كما أن كون “السيد” من خراسان أو مشهد، مردود مدفوع، فهو آذري من خامنه، في محافظة تبريز، أي الطرف المقابل في الغرب، والحد المعاكس لخراسان في الشرق!..

    إنَّ قيادة الثورة و”الولاية” في نظام الجمهورية الإسلامية، أمر وجودي مصيري، لا يحتمل الفشل ولا يطيق الإخفاق، لا بدَّ من غطاء ديني يحقِّقه وبساط شرعي يؤمِّنه، والسيد الخامنئي الذي يفتقد إجازة فقاهة حقيقية تؤهله للقيادة والمرجعية، ولا يحظى باعتراف الحوزة العلمية ولا يتمتع بتزكيتها، لن يتمكن من منحها وخلعها على غيره، ليضمن استمرار ودوام مشروعيتها، ففاقد الشيء لا يعطيه… من هنا كان التوجُّه نحو صيغة جديدة تعالج القضية، ولا سيما أنها تعقَّدت، وبات مستقبل القيادة بعد الخامنئي، واحدة من المعضلات التي تواجه النظام، فالسيد الذي بلغ الثالثة والثمانين، ميت لا محالة، المسألة لن تطول لأشهر أو سنين، هي دون العقد، فإذا بلغته أو تجاوزته، لن يكون الرجل بكامل قواه، الجسمية أو العقلية… ومنشأ المعضلة أنَّ الخامنئي بنى النظام في سِنِي حكمه الثلاثين، على قياسه، ورسمه على شاكلته، ما زال يضيِّق الخناق ويحصر الدائرة والنطاق، حتى بات قالباً لا يحتمل غيره، وإطاراً لا يحيط إلا بصورته، أو مستنسَخ عنه، قد يكون ابنه السيد مجتبى. كان يعدُّ للسيد محمود الهاشمي، لكن الموت عاجله، ثم لم يلبث الخيار التالي، الشيخ مصباح يزدي، أن لحقه، وها قد ارتكس السيد رئيسي في وحول وعوده الجوفاء، وسقط في أدائه المزري كرئيس، فكيف بولي فقيه!

    هكذا حكمت الضرورة لفذلكة مُحكمة ـ هذه المرة ـ تخرج النظام من عنق الزجاجة، أو تجتاز به هذه العقبة الكؤود… تتوكأ هي الأُخرى، كما سابقتها التي سقطت (مقولة الخراساني)، على إقحام السيد الخامنئي ودسِّه في نطاق الدائرة المهدوية الأُولى، وأنه أحد أفراد الحلقة اللصيقة بالإمام عليه السلام، يتلقَّى منه التكاليف، سواء مباشرة ومشافهة، أو غير ذلك، فالمقولة هنا تحوم في أُفق يتخطَّى حساسيات أو جدليات النيابة العامة والخاصة! ترتكز على معطيات عقائدية مُحدثة، عمل عليها الإعلام باحتراف، وتقوم على ثقافة رسخها الخطاب الإسلامي الحداثوي بدهاء، عبثت بمفهوم “المقدَّس”، كونه مجرد فكرة ومحض صورة ذهنية مغرقة في الغيب والخيال، لصالح الحركي الثائر، الحاضر الفاعل، أو “العقلي” المنطقي، على حساب الموروث “الجامد”، و”الأصيل” الساكن الخامد، وأبطلت العقائد الإمامية وأخذتها تارة إلى الزيدية، وأُخرى نحو الوهابية المبطَّنة، وثالثة تجاه المادية الحسية! ثقافة ما زالت تغرس في الأجيال الناشئة، وتكرِّس الرمز السياسي “علياً” للعصر، والقائد الحزبي “حُسيناً” للزمان. وقد بلغ توغل الحداثوية في الجسم الإيماني، وشيوع هذه الفاحشة في الذين آمنوا، أن تنظِّم العتبة المقدسة للعسكريين عليهما السلام، التي ترعى دار الحجة ومنزل أبيه وجدِّه، حفلاً لإنشاد “سلام فرمنده”! ويقيم الشيخ حبيب الكاظمي صلاة العيد بين حرمي العباس والحسين!

    ومن الغريب الملفت، بل المؤلم، أنَّ هذا المخطط الشيطاني المدروس أخذ الساحة أو الشريحة المتمسكة بالغيب، المتفانية في التزام الموروث العقائدي، نحو “بديل” في المصداق، ينتهي إليه النهج وتفضي إليه الطريق! وراحت تضخ زخماً غيبوياً قلب الأُصول والبديهيات والمسلَّمات في القضية المهدوية، لصالح جديد مُحدث، ومُبتدع ملفَّق! وقد جاءت الخطوة وكأنها توطئة لقفزة ـ في الهروب إلى الأمام ـ ستتقدَّم بالسيد الخامنئي ليكون في المستقبل القريب، هو المهدي المنتظر، لا نائبه ولا ممثله!؟ هكذا تمضي المسيرة على خطىً نظيرةٍ لها من القرن الثاني عشر، في أداء يشبه، إلى حدٍّ كبير، النقلة التي أخذت البابية بعد انشقاقها عن الشيخية، إلى البهائية، وساقت البهائية من دعوى نيابة البهاء عن الإمام، إلى حلول الإمام في شخص البهاء، وتحوله نبياً برسالة جديدة، ثم الكفر البواح بدعوى حلول الله جل وعلا فيه!

    إنَّ الكيد الشيطاني الأخبث، والدغل الإبليسي الأخطر، الذي غلب أداء الفئة “الحداثوية” المتسلِّطة في إيران، وعموم الساحات الإيمانية الممتدة في المنطقة، هو النيل من العقيدة المهدوية بعد المرجعية الدينية والشعائر الحسينية، والسعي في مسخها إلى صورة شوهاء بكماء عمياء، باطلة عاطلة، تتغنى بالاسم وتلوِّح بالرسم، لتصرف الأنظار وتأخذ العقول وتذهب بالقلوب بعيداً عن الحقيقة، تُغيِّب “الإمام” وتمعن في إقصائه، وتقطع سبل الارتباط به عبر الدعاء والمزار، ما ينتهي ـ بعد حين ـ إلى جحده وإنكاره. هذه هي المعركة الأصلية ومرتكز الحرب الخفية، وما السلطة والحكم والنفوذ السياسي، والمال والاقتصاد، والنفط والطاقة، والغذاء والصحة، والأسلحة والأوبئة، والتسيُّب والإباحية، إلا معارك هامشية تشغل الساحة، وحروب جانبية تصرف الأنظار عن الجبهة الحقيقية.

    في هذا السياق أطلقت القوى الظلامية المهيمنة على العالم والمدبِّرة لهذه المؤامرة الأخطر، بالونات الاختبار الأولى، ورمت الساحة الشيعية بحجارة الصرخية الوهابية، وحركة “جند السماء”، جماعة الساحر المشعوذ ضياء الگرعاوي، وأحمد گاطع، الذي زعم أنه ابن الحسن اليماني… تزامناً معها، أُطلقت المرجعيات المزيفة ومواقع الإعلام اللندني الفضائي والافتراضي، اليعقوبي والمالكي والحيدري وحب الله والبديري والبغدادي والطائي والغزي والحبيب واللهياري والعسر، وخذ ما شئت من الهراء والفوضى والعبث الذي يكدِّر صفو المشرب ويشوِّه نقاء الصورة، هذا يجتذب الباعة بالمجاهرة في المطاعن، وذاك يسوِّق بضاعته بالمزايدة على الولائيات، وثالث يتَّجر بالتسيُّب والإباحيات، ورابع وخامس… مجتمعين ـ مع اختلافهم ـ على محور واحد هو إسقاط الحوزة والمرجعية!

    وما زالت العربة تدرج، والصخور تتدحرج، حتى وصل الأمر ودخل في نقلة نوعية ومنعطف يبدو تاريخياً من خلال التغني بأُنشودة “سلام فرمنده”، بالزخم النوعي والكمي الذي ترى، من صوَر الانفعال والإجهاش في البكاء، والإخراج الفني لبعض المشاهد، الذي يعكس الصدق ويصبُّ في العفوية ويغلق أبواب الشك والتمثيلية، إلى الحشد الكمي الذي لم يوفر مدرسة في إيران، ولا حزباً وهيئة كشفية وشبيبة ناشطة خارجها… ويبقى السؤال المدوِّي بصمت!: من هو “الفرمنده” الذي تؤدى له التحية؟ من هو القائد الآمر الذي يمتثل أمامه الجند ويعلنون استعدادهم لتلقي تعاليمه؟ جنود مَن هؤلاء الذين يردِّدون النشيد، كلٌّ بلغته وعلى طريقته، ولكن بلحن واحد جامع؟! تُرى، هل وقع الخلط عفواً في تحديد المراد المقصود بين الخامنئي والمهدي؟ أم قُصد الإبهام كصيغة بديعية في التمويه؟ أم هو إجراء أمني وسياسي يحمي الأتباع ويدفع عن الأنصار؟ لا شك أنَّ الأمر يتبع خطة حزبية غاية في التنظيم والدقة، والضبط والربط، وقد بلغ من ذلك أنَّ “النُسَخ” كانت تراعي ظروف وخصوصيات كل بلد وإقليم، ففي البحرين والخليج، حيث الدول قوية وخطر الملاحقة الأمنية، أغرق النشيد في ذكر وتعظيم “المهدي”، ولم يقرب من الخامنئي وسليماني وأي رمز سياسي، بينما في لبنان أخذ الشوط انبساطه، فتغنى بالإضافة لأولئك، بروح الله وعباس وراغب وعماد (لا ذو الفقار!)، ومزج الأصل الفارسي بالعربي، وخرج بملمَّع قهر أزمة الوقود, وراح ينقل الأفواج ويحمل الوفود، من هذه المدينة إلى ذاك الملعب والساحة، والزهرات يلبسن أثوابهن البيضاء، ويؤدين التحية العسكرية بأيديهن الصغيرة، أمام صور آلهة باتوا عليها عاكفين!

    ترى من هو صادق الوعد؟ هل هو الإمام الثاني عشر المهدي المنتظر، أم السيد حسن نصرالله؟ أم هما واحد في المفهوم، فلا يضر المصداق وانطباقه، ولا تشاح في المسميات ما دام المعنى منطبقاً!؟ إنَّ الجواب مبذول في الفكر الحقيقي لهذا التيار، والرسالة الخفية لهذه المدرسة، وخير من يحملها شيخ حقَّ أن يُدعى “يزيد شين الدين”، منطاد نُفخ بغازاتهم السامة، تخرج منه فرقعات إعلامية بنتن الكبريت وعفن الكعكة الصفراء، يعلن الزنديق وينادي جهاراً أنَّ المهدي الغائب ليس إمام زمانه، وأنَّ: “الإمام هو مَن تقتدي به لا مَن تعتقد به”! السيناريو، أو التراتبية المنظورة، أنَّ موت الخامنئي ستعقبه “فترة”، يزعم فيها “اتصال” ما بالمهدي، ثم يُلقَّن القطيع أنَّ الأمر قد فوِّض إلى مجتبى، أو لجنة صورية يقودها… إنهم بصدد فذلكة، تجمع العقيدة الإثني عشرية بالمهدي المنتظر، مع الفكرة الخامنئية أو الحركية بقائد حاضر فاعل، يستمد مشروعيته من السماء، لا من أزقة النجف، والأتربة المتصاعدة من أكبر مقبرة في العالم!

    إن الزخم العاطفي، وشواهد الصدق، والمظاهر الملتبسة بين الحق والباطل، المرتسمة في مشهد الأطفال الباكين، المنفعلين بفطرتهم شوقاً لإمامهم، والتوظيف البارع لاسم وعنوان المهدي، وكيف باتوا يحملونه بعد عهود متمادية من الهجر والجفاء، والتجاهل والإقصاء… هو الأزمة الجديدة التي ستعاني منها الطلائع الواعية، والمعضلة القادمة التي على البصراء تفكيك تركيبها المعقَّد، وإرجاع كل رقم إلى جذره، وإعادة كل عدد إلى أصله ومحله. وهنا معركة محتدمة مع السذاجة، وجولة ستطول مع سحر الأجواء والانبهار، وعناء شديد في تبديد البريق المتلألئ من بعيد، وكيف لهم أن يثبتوا للظماء الراحلين صوبه، والقاصدين بل اللاهثين المندفعين نحوه… أنه سراب، بل حميم وغساق، ومهل، من الرصاص المذاب! قد يرى بعض السذج أنَّ المقالة ذهبت بعيداً، وبالغت في سوء مقاصد القوم وخبث غاياتهم، ولكن هؤلاء هم أنفسهم الذين أنكروا وجود الحرب في جبهات الشعائر والحوزة والمرجعية، ثم عادوا معترفين، بعد أن خدموا ترسيخ المؤامرة والمنظومة المباشرة لها بسكوتهم، وأعانوا على الظلم والعدوان بالتشكيك الذي أفسح للقوم ومنع مواجهتهم!

    كما أرى “البهرة” في حرم سيد الشهداء وأميرالمؤمنين، رأيت “أبوذر روحي”، المداح الإيراني صاحب “سلام فرمنده”، في حرم العسكريين، قابضاً على شباك الضريح الشريف، ولكنه لم يكن يتلو نصوص الناحية المقدسة ودعاء الندبة، ولا مرويات الأئمة الأطهار في المزار، ولا يلتزم آدابهم في خطاب أجدادهم عند المثول في حضرتهم… كان يردد كلمات “مهدي لنگرودي” ويترنم بألحان “مهيار طالبي”، ويغني “سلام فرمانده”! ومعه جمع يتمايل طرباً. والحق أنني لم أرَ أحداً يفرد ذراعيه ويدور حول نفسه، ويرقص من الوجد… حتى الآن! إن الذين كانوا يقبِّحون البكاء ويستخفُّون بالتضرع والدعاء، يرون ذلك حيلة العاجز، و”أفيوناً يخدِّر الشعوب”، باتوا يحسبون الفرج والظهور ويرجون إقامة دولة العدل الإلهي المنتظر، عبر الغناء والمعازف، وأوتار العود والطنبور!

    وصدق مصطفى صادق الرافعي إذ قال: إذا انحرفَ القطارُ براكبيهِ، فقد وجدوا المحطةَ في اللحودِ. وسيَّانَ البصيرُ وكلُّ أعمى، إذا نظرَا إلى شيءٍ بعيدِ.

  • على فراش المرض الذي مات فيه، دنا منه أحد المقربين وحدَّثه في شبه همس: تعال لنقطع الطريق على القيل والقال، نسقط في أيدي أعدائك، بكتابة متن صريح واضح، لا لبس فيه ولا ريب، لا يحتمل وجهاً للتهرُّب ولا ذريعة للتملُّص، ينفي كل ما نسب إليك في قضية الزهراء عليها السلام، مما يبرِّئ أعداءها ويخدم خصماء آل محمد، يكون خاتمة خير وحسن عاقبة! ضحك بمجون، وراح يغالب صعوبة تردُّد أنفاسه، وخوف احتباسها، من قهقهة عرضت، استحالت سعالاً زاد في سرعة نبضه، تدخَّل على إثره الفريق الطبي الحاضر على مدار الساعة، فالرجل يرقد في مشفى يملكه، هو الأغلى كُلفة في الضاحية الجنوبية، على الرغم من أنه رُخِّص كمشروع خيري لعلاج الفقراء، وصُرف على بنائه من الحقوق الشرعية وأموال الصدقات! لما استقر وضعه وتجاوز نوبة الضحك القاتل، التفت إلى الشيخ السائل: حتى أنت تؤمن بهذه الخرافات وصرت مثل هؤلاء العوام؟ عن أية قضية تحكون، وأي باب وأي جدار؟! أي حطب وحرق ونار؟! أي سِقط وأي مسمار؟! وراح يعيد ما يعتقده في الحادثة، فهي عنده قصة على غرار أفلام هوليوود، من إخراج “الروزخونيه”!

    كانت قناعاته هي دينه، ومعبوده هو فكره، الذي يطلق عليه: عقله! الحقيقة الصادمة أنَّ فضل الله كان دهرياً ملحداً، لا يؤمن بغير الحسِّ و”العقل”، لا يرى شيئاً وراء هذا وبعد ذاك، حتى وجود الخالق، كان يشك فيه: هو قانون طبيعي، الزمن وتقادمه، الدهر الذي يفرض سُننه، نواميس تحكم البيئة وتضبط النبات وتقهر الحيوان، وتغلب الإنسان وترسم حركة الحياة. كان يرى البرهان الذي يُبطل الدوْر والتسلسل، ويثبت واجب الوجود، ضرباً من التلاعب بالألفاظ، والتحايل على الواقع، والهروب إلى الأمام، ويعيش في نفسه أن الإذعان بالفكرة واستقرار المعتقد في القلب، أمرٌ يتجاوز الأدلَّة والبراهين النظرية، هو حالة وجدانية، وهو في وجدانه كان يرى أنَّ الطبيعة هي كل شيء، ولا شيء وراءها! هي المبدأ الذي تنقلب عنده قطعة من اللحم، مودعة في وعاء مغلق، وتستحيل دوداً، فتبدأ الحياة، كذلك تكون بداية كلِّ كائن، ولكن بكيفية تناسب رتبته الوجودية ومدى تعقيد كيانه العضوي والحسي، وقد تلقَّى “الاستنساخ” واعتبره أعظم دليل على ما يسكن قلبه، وأنهم لو أطلقوا الحرية للعلم، ولم تعد السلطة الخفية أو “الكنيسة الداخلية”، كما كان يحسبها، لسابق دورها في القرون والوسطى، وممارسة إرهابها الفكري ومحاكم التفتيش، لسقطت نظرية الدين في بدء الخلق. إنه الوجل النفسي الذي يسكن الضعفاء من مواجهة الحقيقة، يختبئون وراء منظومة القيم والمبادئ والأخلاق… وبعد، فإن الرجل لم يكن يؤمن بالقيامة والمعاد، كان يحسب أنَّ الموت هو النهاية، فناء، ليس وراءه شيء!

    وبطبيعة الحال، لم يكن يصرِّح بهذا أو يعلنه، بل كان يقول بخلافه ويجاهر بضده وعكسه، يكتب في الدين والإسلام، ويتغنى بالتوحيد والإيمان، ويعظ بالفضيلة والأخلاق! يروِّج بضاعة متجره، ويسوِّق سلعة حانوته، ولولا ذلك لما تنامى وكبر ليكون سوقاً مركزية، وشركة تجارية عالمية، يجد فيها المتبضع الساذج والمشتري الغبي ما يريد، من المطاعم والفنادق والنشاط السياحي، حتى المستشفيات والخدمات الطبية العلاجية، ومن قبلها المدارس والفعاليات التعليمية، والأنشطة الاجتماعية كرعاية المسنين وتكفل الأيتام، إلى محطات الوقود، فالمباني والعقارات، والأسهم والسندات…

    وبعد هذا الدور الدنيوي الهابط، فإن فضل الله ليس كما يحسبه كثيرون شيخاً وهابياً مقنَّعاً، ولا هو موبذان مجوسي ولا حتى مزدكي، ولا قسٌّ مسيحي أو حاخام يهودي، ولا كاهن وثني، ولا راهب بوذي أو بانديت هندوسي… إنه أقرب إلى نيتشه وفرويد وسارتر، دون اطلاع على الفلسفة، وخوض بحوث فكرية معمقة، بل بسطحية المتكبِّر وسُخف المتغطرس، مع فساد باطن وخبث سريرة بمرتبة منحطة ودرجة دنيئة، تنافس الأجدع وعزازيل، إن لم يكن أحدهم، سكن هذا البدن وحلَّ فيه، بعد مسخ هذه الروح!

    في مثل هذا اليوم عام 2010، انخمد بيت للنار كانت ترتفع منه ألسنة اللهب، وتستعر شُعَل الفتن، وتنشأ الحرائق والكوارث.

    كان يستل الخيط الأبيض الذي يجمع النسيج من الثوب الأسود، ليسقط الرداء ويهتك الحياء، فتغشى الظلمة ويلتبس الفجر على المتسترين، وتضيع ساعته على المصلين! هذا هو الدور الذي أُنيط به، والمهمة التي أُوكلت إليه، والشأن الذي نهض به وسار، لا يقول كفراً بواحاً ولا يعلن بالزندقة، كما لا يدنو من الحق الصريح الخالص، بل يلبث ويكمن في المساحة الضيقة والحدود الفاصلة بينهما، يجول في هذا النطاق الحرج ليبث الاضطراب، ويزرع الشك والريبة، ويورث الإحراج، يتحرك مطلِقاً يداً هنا تتناول ضغثاً من الباطل المسموم، وأُخرى هناك تعود بقبضة من أثر الرسول، يتضمَّخ بها، وينثرها على بدنه، فيخور العجل، لينبهر الطغام ويفتتن العوام!

    كان من دعاة تعظيم الفكر لا الشخص، حتى في الأئمة الأطهار، كان يرى أن ترويج أفكارهم ومبادئهم، وتعظيم القضية التي عاشوا لها، وهي الإسلام وقيَمه السامية، هو النهج الصحيح الذي ينبغي أن يُتَّبع، لا الاستغراق في أشخاصهم وسيرهم الذاتية وخصوصيات كلٍّ منهم، ألقابه وكُناه، متى ولد ومات، وما اسم خادمه وحاجبه، وبغلته وفرسه، وناقته ودابته، وسيفه ودرعه؟ وما هو نقش خاتمه؟ ومن هن زوجاته؟ وعدد أولاده وأسمائهم؟… كان يكرر دعونا من هذا كله إلى سيرة الإمام ونتاجه، وعطائه في سبيل تحقيق أهدافه! لذا لم يُقِم مسجده يوماً حفلاً لميلاد إمام، أو يعقد مجلساً لاستشهاده! اللهم إلا ما يضطر إليه من ضغوط الساحة، ويُحمَّله مرغماً من أعراف سائدة. والمفارقة اليوم أنَّ أتباعه جعلوا من قبره مزاراً، وأعلنوه “روضة”، وما زالوا يحتفلون في الرابع من كل تموز بموته، يحيون ذكراه ويكرِّسون شخصه، يملأون الطرقات، ومن بعدُ المزابل وحاويات النفايات، بصوَره ولافتات تحمل كلماته، ويخلدونه عبر البقاء على تقليده، بل يحملون الأجيال الجديدة على تقليد الميت ابتداءً، في بدعة لم يسبقهم إليها أحد، نسجوا لها فذلكة من أكاذيب، وتلفيقاً من افتراءات نسبوها لهذا وذاك، هم منها براء.

    من هنا، يمكن لأي باحث فاحص أن يقف على هوية فضل الله ودينه الحقيقي بيُسر وسهولة. فمن مجموع حركته، والأهداف التي عمل لها طيلة حياته، والمحصلة التي تُنتزع من بواعث وخلفيات مواقفه، سيستشرف الحقيقة، فلا يغتر بالقول ولا بالفعل، دون تحري القصد ومعرفة النوايا الخفية، ولا يحمل الظاهر على الباطن، والمصرَّح به على المضمر المكنون… وهذا في مجموعه وتفصيله يخرج الرجل عن المذهب الحق، وهو ما حكم به المراجع العظام، أما غيره، فأنت وحسن ظنك بهذا الضال!

    لا يحتاج المرء لكثير فطنة وذكاء ليدرك، أن صاحبه أو جاره أو زميله في العمل، من الأثرياء الميسورين، أو من متوسطي الدخل، أو من الفقراء المعدَمين؟ هل هو من المثقفين أم الجهلة الأُميين؟ هل هو منخرط في العمل السياسي، ينصر المعارضة ويصطف معها ضد الدولة، أم لا؟! يجري كل هذا وذاك، ويسكن القلوب وتنطوي عليه القناعات، دون أن تقام بينة شرعية، من شاهدين عدلين، أو اعتراف صريح يسمح بهذا الحكم ويجيز الإطلاق… هكذا يمكن تمييز المؤمنين الملتزمين عن غير الملتزمين، والتعرُّف على الفساق غير المتشرعين… إنَّ المقالة هنا لا تمتشق سيفاً لتقيم الحدَّ الشرعي على مرتد فطري، ولا سوطاً لتجلد فاسقاً يشيع أبشع الفاحشة في الذين آمنوا، إنما هو انتزاع يتجاوز الألاعيب السياسية، ويفوِّت على أربابها، الدهاة المخادعين، ما ينطلي على السذج والمتقدِّسين، الذين لا يتورعون عن السكوت على هتك حرمات الدين، ثم يُمسكون أن يقعوا في مبتدع ضال مضل فيبخسوه حقه أو يبهتوه!

    من هنا، يمكن لأي باحث فاحص أن يقف على هوية فضل الله ودينه الحقيقي بيُسر وسهولة. فمن مجموع حركته، والأهداف التي عمل لها طيلة حياته، والمحصلة التي تُنتزع من بواعث وخلفيات مواقفه، سيستشرف الحقيقة، فلا يغتر بالقول ولا بالفعل، دون تحري القصد ومعرفة النوايا الخفية، ولا يحمل الظاهر على الباطن، والمصرَّح به على المضمر المكنون… وهذا في مجموعه وتفصيله يخرج الرجل عن المذهب الحق، وهو ما حكم به المراجع العظام، أما غيره، فأنت وحسن ظنك بهذا الضال!

  • كما يمكن تشخيص المنافقين، فتعرفهم بسيماهم، ومن لحن القول، تكشف مكنونات نفوسهم من صفحات وجوههم، وتلتقطها من فلتات ألسنتهم، تلحظ أغراض أسئلتهم وما وراء استفساراتهم، فلا تجدها مرة استفهاماً حقيقياً، وطلباً للعلم وما ينفي الجهل، محض تحسُّس وتجسس، وسعي لجمع المعلومات واستطلاع الآراء، تشخِّصهم من تحرياتهم وطبيعة متابعاتهم، وشغفهم بتقصِّي الأخبار والإحاطة بالأوضاع. تُميزهم بحركاتهم ولفتاتهم، ومقاعدهم من المحافل، مواقع الرصد أو الظهور التي يتخذونها (حسب الغرض والهدف). تتفطَّن إليهم من ابتعادهم وتجنبهم أُموراً، وتجاهلهم قضايا خطيرة مُلحَّة، يتعمَّدون إهمالها ويكافحون تصدُّرها، مقابل توغلهم في أُخرى عارضة تافهة، يحرصون على تداولها، لترويج تحليل بعينه وقراءة دون سواها، مما يرون أنها ترسِّخ واقعاً يريدون تحكيمه، ويروِّج مقولات يحملونها، وكل ما يوحي بارتفاع راية الضلال، وثبات دولة الباطل واستحالة زوالها، ويبعث في الناس اليأس من تقويضها.

    ويمكن تشخيص “محدثي النعمة” أو الأثرياء الجدد، من تعاطيهم المتخلِّف، وتردِّي سلوكهم الاجتماعي، الملحوظ في الملبس والمأكل والمسكن، الذي يطبع بيوتهم والمتاع الذي يتخذون، إلى التكلُّف والمبالغة في كلِّ ما يفعلون، بذخ في غير محله، وبطر بلا داع ولا عائد، يدعو أحدهم شخصاً أو اثنين، فيقيم وليمة ويبسط مائدة لعشرين أو ثلاثين! تعرفه من ميول إلى الفاقع الصارخ، وولع بالغريب الشاذ وبالنشاز، من ثياب وأزياء أو أثاث، وقد تراه مولعاً بتصاميم وقطع تعالج عُقد نقصٍ من قديمٍ لم يحظَ به أيام فقره، يستدرك الحسرة على فوته، فإن سلم أحدهم منها، سقط في جديد لا يناسب عمره ولا طبيعة عمله، ولا يراعي الساعة والمناسبة التي يظهر فيها… وفي المجموع السمة الملحوظة في هؤلاء هي الزهو والتكبُّر والمبالغة في التفاخر بالثراء والمباهاة بالغنى، لا يحسنون إليه سبيلاً إلا بالتصنُّع والتكلُّف والإفراط! مع افتقار لقيم وأخلاق النبلاء، ولا أُريد الطبقة والأرستقراطية، بل الذين أُشبعت نفوسهم لا بطونهم، وامتلأت عيونهم لا جيوبهم.

    كما عرفت هؤلاء وشخَّصت أولئك، يمكنك أن تعرف وتشخِّص المتطفلين على الساحة الدينية والساعين لقيادة الحركة الإيمانية، من “مُحدثي نعمة الولاء” و”الملتزمين الجدد”، أو الطارئين على العلم والحوزة، وفي الضفة الأُخرى من الساحة الإيمانية: المتطفلين على الجهاد والثورة! فـ ”محدثو النعمة” ظاهرة سارية في كل حقل وميدان، بتعدُّد النعَم وتكثُّرها، فالنعمة ليست مالاً فحسب، هي صحة وأمان وعلم ودين وغير ذلك.

    إنَّ الساحة في الحوزة ونطاق “علماء الدين” تعاني من “مُحدَثي النعمة” هؤلاء، سواء من أدعياء الصفة ومنتحلي العنوان، أو بالغيه حقاً ومدركيه صدقاً، وهو مشاع مبذول لمن بذل جهده وصرف جِدَّه، وإن لم ينحدر من بيوتات علمية، متقدِّمة في خدمة العلم والانخراط في الحوزة، وسابقة في تبوُّء الرئاسة والزعامة الدينية. ولا عيب في مُحدَث نعمة العلم، فجميع البيوتات العلمية الحالية، كانت يوماً، عند جدِّها الأعلى المؤسس للأُسرة، مبتدئة وطارئة و”محدَثة نعمة”، تعيش غربة الأجواء والفضاء، وتُرمى بالتسلُّق والتطفُّل! فلا منقصة ولا غضاضة في الملتحقين الجدد، إذ لا وصاية في الحوزة ولا حصرية ولا احتكار.

    إنما الوقفة عند نوعيات خاصة، تجد طباع “مُحدَثي النعمة” السلبية غالبة فيهم وحاكمة عليهم، من قبيل التهوُّر والإفراط، والمبالغة والإسراف، الجنوح إلى الغريب الشاذ، وتحرِّي الإثارة وملاحقة الأضواء، وما يعالج خمول الذكر بين الفضلاء. تجده يطفر متمرداً على الواقع، وينهض جامحاً على السائد، حين يرى ـ بمحدود اجتهاده ـ فساده، ويقدِّر ـ بمتواضع خبرته ـ ضرورة تغييره! ولعلَّه في “الأنا الخفية”، يتطلَّع إلى عنوان “المصلح” و”المجدِّد”، ما يداري كونه طارئاً على الساحة، ويدفع النظرة إليه كدخيل دعيٍّ، وعابر طارف، غير أصيل أثيل، ولا عريق تليد، لا من اللحمة القريبة ولا من العصبة اللصيقة… والفارق المشهود هنا، أنَّ سليل البيت المعتَّق، الحسيب في خدمة الدين ونصرة المذهب، إذا زلَّ وشطح، أو عثر وجنح، فإنَّ موقفاً زاجراً من كبار أُسرته، وكلمة واحدة من عِلية قومه، تكفي لردعه ولجمه، وترويض شَموسه وتطويع حِرانه، وحمله على الكفِّ والإمساك، بينما “مُحدث النعمة”، لا يصغي لناصح مشفق، ولا يسمع لواعظ مرشد، يمضي على ما يهوى، ويصرُّ على ما يركب، يتمادى ويبالغ، يحسب أنه جمع العلم من أطرافه، لا في أُصوله وكلِّياته، بل حتى في مصاديقه وتطبيقاته، وقرأ ما خفي على غيره. لا مشير يردعه ولا حصيف يقنعه، فيمضي إما إلى عطبه وهلاكه، أو إفساد الدين وتمزيق صفِّه وجبهته. قد يصعب على كثيرين تفهُّم ما يكون من بعض العلماء، ولا سيما مَن عُرف بالإخلاص وتميَّز بالمعرفة والولاء، والأمر عند الفحص المعمَّق يعود إلى أنَّه مُحدَث النعمة في الفقاهة، يلاحق المواضيع بلهفة الطارئ وشغف المفتون، فما إن يقع على ما ينقض السائد، وقد حلَّت فيه الملَكة، وبات يشعر بقدرته على الاستنباط وتفوُّقه في الانتزاع، حتى راح يصول ويجول، يسرح في فضاء الأدلة ويمرح بين أشباهها، يراها طوع بنانه وكما يشتهي من لقمة بين أسنانه، وقد تكون رغبته نبيلة حميدة، لكنه في ملاحقتها وسعيه لتطويعها، وإدراجها في المنظومة المتكاملة للدين، يقع فيما يفتقد للحكمة ويجانب الوقار والرزانة. هذا لمن بلغ الفقاهة حقاً، أما منتحلها الذي يسابق مراهقته، والمتطفِّل الذي يغالب استشرافه، يُسقط نفسه ويحمِّلها ما لا تطيق، فهو خارجٌ تخصصاً، إذ لا “نعمة” هنا لتكون متأصلة، أو طارئة “مُحدثة” فيه.

    وكذا الحال مع الملتحقين بساحة إقامة العزاء، والناهضين بالمآتم والهيئات، وإحياء الشعائر الحسينية. تعرف مُحدثي النعمة هنا بصفات، وتُشخِّصهم بسلوك وأداء، يميِّز هيئاتهم المحدَثة ويفرز مآتمهم المستحدَثة، يفصلها عن مجموع المعزين وجموع الحسينيين، أداء لا تجده في حسينية قديمة وهيئة أصيلة، مضى على تأسيسها أجيال، أشرف الأبناء على ما تلقوه من الآباء، وحفظ الآباء ما ورثوه عن الأجداد، فاستمر الأحفاد على الأصالة، والتزموا الموروث من الشعائر والطقوس، ومضوا في إدارة الحسينية باتزان، وقيادة الهيئة بحكمة ورصانة… بينما ترى مُحدَث النعمة سبَّاقاً إلى كلِّ جديد، مبادراً لكلِّ مبتَدع، حريصاً على لفت الأنظار وجلب الأضواء، مفرطاً مبالغاً مزايداً ما تمكَّن، متطاولاً ممعناً ما استطاع!.. تقيم سائر الهيئات اللطم لساعة أو اثنتين، فيتمادى هو إلى ثلاث وأربع! يرتقي المنبر في الحسينيات خطيب ورادود، فيتعاقب عنده أربعة قرَّاء ومثلهم من الرواديد، يتناولون الحضور المنهك، والجمع السئم الضجِر، بما يغدو عقاباً لا عبادة وإحياءً! تكون حصة الرثاء والبكاء ربع وقت المجلس أو نصفه، حسب الأيام والمناسبات، بينما يستغرق لدى القوم المجلس كلَّه! من أوله إلى آخره، يقضونه بذكر المصيبة والافتجاع! تسلل “الشور” والخلفيات الصوتية (ما يسمونه التسبيح) إلى العزاء، واندسَّ في المجالس والهيئات، مقترناً بالتمايل والقفز، ما قلب الحسينيات وقرَّبها من المسارح والملاعب، فتلقفوه وروَّجوا له ونهضوا به، ليستقطب ويحشد، وتكبر الهيئة وتنمو الحسينية، ويشتهر الرادود ويذيع صيته.

    والشكوى هنا تطول من “محدَثي النعمة”، ولن أعبِّر بالمتطفلين، فهذه رحاب، بل جنة دُعي إليها كلُّ مؤمن، العالم منهم وغير العالم، الملتزم وغير الملتزم، الأصيل الأثيل في الميدان، والأوَّل السابق، كما الطارئ العابر، سيَّان، وما قيام وبقاء ودوام الشعائر، إلا لشعبيتها وعدم نخبويتها، ولبقاء الباب مفتوحاً لدخول المزيد، مشرَعاً أمام كلِّ ملتحق جديد، ومنتسب قريب من الحقل والميدان أو محبٍّ جاء من بعيد… ولكننا لن نغفل عن الأيدي السياسية والأذرع الحزبية التي تريد خرق الساحة الحسينية، عبر هيئات يقف خلفها “محدثو نعمة”، من غرباء مبتدعين، باعثي فوضى وناشري عبث في شعائر الدين، سنتصدى لهم ونكشفهم، ونحذِّر شبابنا من الانخراط في صفوفهم، والتأثر بزخرف مقولاتهم، وباطل تهريجاتهم! وعلى المؤمنين المنخدعين التيقظ، والوقوف في وجه من يريد “التناوش من مكان بعيد”، والتطاول إلى ما يزري بأُصول الشعائر وضوابطها الموروثة، ويطمع أن يتسنَّم قيادة هذا الحقل وإدارة هذا الميدان وأخذه حيث يريد! إنَّ ميدان الشعائر الحسينية وساحة عزاء سيد الشهداء، لا تخضع لتنظيم حزبي يجمع العاملين، ويسيطر على الخدَّام والمعزِّين، تطيب للحزب أُنشودة تمجِّد بالسلطان في طهران، فتجد الطبول تحكي رجعها والجموع الآلية في العراق والبحرين ولبنان، وأفريقيا وباكستان تكرر صداها: “سلام فرمانده”! لن نمكِّنهم من هيئاتنا وحسينياتنا وعزاء مخدومنا، لن نسمح لدولة تحكم باسم ولي الفقيه، ولا لأحزاب تدور في فلكها كثيران الطواحين، أن تسيِّس الشعائر وتمسخها، وتعمد في سبيل هذا الخطير إلى كلِّ وسيلة وحيلة، وتقحم أي باب. ولن تنطلي علينا الأكاذيب التي تتستر خلف واجهات “ضرورة التنسيق” ولافتات ”حسن التنظيم والترتيب”!

    بمقدار رحابة الساحة الحسينية وسعة صدرها للقاصي والداني والفرص المتاحة لمن شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً، فهي في مقام القيادة والإدارة، موصدة بقوة أمام المتآمرين الأشقياء، وكذا أمام الغرباء ومحدثي النعمة من السذَّج البسطاء، الذين انطلت عليهم الحيلة وابتلعوا الطعم ووقعوا من حيث لم يشعروا في شباك الجمهورية وأحزابها، ودائرة أعداء الشعائر ومناصبي العزاء (تابع سلسلة “جنود القائد” على اليوتيوب)… هؤلاء، الذين ثبت أنهم لا يحسنون التشخيص والتدبير، وأنهم يُخدعون بمنتهى السهولة، لا يليقون بقيادة الساحة وتولي زمامها، وابتداع أنماط جديدة تنعطف بمسيرة، ما بلغتنا إلا بخوض اللجج وسفك المهج!

    ببساطة شديدة، هو “بروتوكول شرف”، أعراف متوارثة، وأنماط أصيلة، وطريقة تجاوزت التجربة والاختبار، إلى النجاح في إبلاغنا المسيرة ووصولها إلينا من الآباء والأجداد، لن يُسمح لأحد هنا بالاجتهاد. لسنا في مهرجان ولا فلكلور شعبي، لا “سلام فرمانده” ولا “خدا حافظ آغا”، هذه عبادة مقدسة، تركبنا سفينة النجاة، وتأخذنا عبر أقصر الطرق إلى عنان السماء، وتفتح لنا على الجنة أوسع الأبواب، وتتيح لنا التعبير عن عشقنا وولائنا لأهل البيت عليهم السلام، لن نغيِّر الطريق ولن نبدِّل النهج، ولا بمسِّ وتيرة واحدة في إيقاع منضبط منذ مئات السنين. ليعرف كلٌّ قدره ومكانه، ويلتزم درجته، ويقبع في رتبته، ولا يتجاوز حدَّه ودوره… قيادة الساحة الإيمانية بمختلف فروعها وتشعب نشاطاتها، من الفقاهة والمرجعية، إلى الشعائر الحسينية، حقول مقدسة وحصون منيعة، لها أربابها ورجالها، وما علينا إلا الالتحاق بركبها، لا تأسيس مواقع محدثة وقوافل جديدة، ولا اتباع طارئين على الميدان والخدمة، من “محدثي النعمة”.

    لا أشربُ الماء ما لم يَصفُ موردُهُ، ولا أقولُ لِمُعوَجِّ الوِصال صِلِ ولك أن تتمثل: لكُلِّ أُناسٍ سيِّدٌ يَعرِفونَهُ، وسيِّدُنا حتى الممات ربيعُ.

  • بون شاسع بين أن يقرأ “رادود” وينشد ليقيم المأتم والعزاء على سيد الشهداء، يحيي الذكرى بالتفجُّع، ويعظِّم الشعيرة بالجزع، وبين أن يقرأ للتصوير والتسجيل التلفزيوني والبث في العالم الافتراضي، سواء لأغراض تجارية أو غير تجارية، يتحرَّى كسب المتابعين والملاحقين، ويرجو زيادة أعداد المعجبين، يجعل المجلس الحسيني “استيديو” أو مسرحاً مفتوحاً لإنتاجه القادم وإصداره المرتقب، يكون اللطم فيه ضرباً من المؤثرات الصوتية وضبط الإيقاع، وعذوبة الصوت في الزفرات والآهات ومدِّ الأنين على مدى النفَس، حركة فنية لإبراز طبقته واستعراض قوته، ونوبات البكاء وصدق الافتجاع، آلية للتسويق وأداة للترويج. فرق كبير بين أن تحضر مجلساً وتشارك في لطمية لتمارس نمطاً من صوَر الجزع الذي تواسي به خاتم النبيين وأميرالمؤمنين وسيدة نساء العالمين، وبين أن تترقب رادوداً مشهوراً، تحسبه نجماً في سماء الخدمة الحسينية، فإذا لم يوافك، تركت المجلس وأخليته!

    و”الرادود” هنا عنوان مشير، يراد به كل موقع ديني ينشط صاحبه في ساحة التبليغ، ويخوض في المعترك الإعلامي، خطيباً كان أو محاضراً، إمام جماعة أو كاتباً، أو واعظاً خلع عليه أتباعه عنوان “المربي الفاضل”، يتحرَّك عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويظهر في الفضائيات، حتى صار له حضوره في قنواتها، ومكانه في مواقعها، وذكره وصيته في عالمها… هؤلاء جميعاً معرَّضون للخطر في جبهة الجهاد الأكبر، ومحكومون بمعطيات السقوط والهلاك حتف أهوائهم وتطلُّعاتهم! يتلهَّف أحدهم للأضواء، ويسيل لعابه للمدح والإطراء، ويهش حتى يسبح ويهيم، وتخاله سيحلِّق في الفضاء ويطير… يذهب في سبيل تحقيق أهدافه وبلوغ آماله كل مذهب، ويلتمس كلَّ حجة، ويعمد لكل مغالطة وحيلة.

    فما قد يكون من الرواديد وحلقات اللطم، قد تجده في الخطباء ومجالس الرثاء، حين يفرِّط الخطيب بالمسؤولية الشرعية (بالمعنى الأخص)، يضيع أصالة الصنعة، ويعبث بضوابط المهنة والحِرفة، فيوظِّف مصيبة “المصرع” وهول “المقتل” وما إليه من “الذِّكر الخاص”، المنوط بمناسبته والمتعلِّق بموعده وساعته، ليبلغ من مستمعه التفاعل الذي يطمح، ويطيب نفساً بما بلغ، يحقِّق ضجَّة وصرخة ودمعة، عجزت محفوظاته المتواضعة، وقصُر المتداول الشائع من المراثي والأشعار عن استدرارها، فيلجأ إلى الذخائر، ويوظِّف “رأس المال” بدل أن يتحمَّل الخسائر! عجز عن إيقاد جمرة اللوعة في القلوب المؤمنة بأعواد الثقاب المبذولة، فعمد إلى البروق والصواعق وإشعال الحرائق! ولجَّ في الإلحاح وأغرق في الإصرار، غافلاً أن للأنفس إقبالاً وإدباراً، وللأرواح في تفاعلاتها حالات صعود وهبوط وارتفاع وانخفاض، وأنَّ هناك اضطراباً كونياً يعتري الوجود في عشرة عاشوراء، هو الذي يُخضع قلوب المؤمنين، لو دام مدى العام لمات العشاق وهلك الناس… يطمس ذلك كله، ويصر على تطويع المستمع وإرغامه، وأخذه إلى ما يريده من “إنجاح” مجلسه، وما يحول دون رقم أو سابقة في الإخلال بقدراته والطعن بكفايته! فيهتك في طريقه خفر المصيبة وخصوصيات تناولها وذكرها، وظروف إلقائها ونشرها، وأسباب كتمانها وطيِّها، غير مكترث ولا مبال. وما برح الداء مقيماً والبلاء ملازماً مجالس الطارئين من “مُحدثي نعمة الولاء والخدمة”، حتى تبدَّد وقْع عاشوراء وذهبت وطأتها بما يتناولون في العوائد الأُسبوعية، وضاع خفر محرم وتوزَّع على باقي العام وتشتت في سائر الأيام، فصارت المئة المدَّخرة لعاشوراء، يوم انطباق الأرض على السماء، عشرة أو عشريناً ذهبت بقيتها أقساطاً دفعت مُسبقاً، على يد هؤلاء “العوام”! والأهم الأخطر، زوال التأثُّر بالفجعة، وذهاب النفوس إلى الغلظة والقسوة، من فرط التكرار، ومعاودة استذكار الصوَر واستحضارها شعراً ونثراً، فلم تعد القلوب ترقُّ ولا الأدمع تنهمر!؟ ولا أدَّى الخطيب الدخيل والراثي المتطفِّل، ولا بلغ المجلس المبتلى به، من حقِّ المصائب التي يذكرها والفجائع التي يعدِّدها، عُشر معشار! وقد ذكر خطيبٌ في محضر عالم جملة: “دخلت زينب مجلس يزيد”، فضجَّ بالنحيب، وأمره أن يكفَّ حتى يؤدَّى حق هذا القول وواجب هذه المصيبة!

    لا أحد يقف على إحصاءات غيبية تستطلع الأغراض والنوايا وتكشف الضمائر والخبايا، لكن الظواهر والشواهد تحكي أنَّ أعداداً متزايدة من الرواديد، ولا سيما من الجيل الجديد، لم يخضعوا لأي نوع من الإعداد التربوي الأخلاقي، ولا مارسوا أي سير في تهذيب النفس، وسلوك في الرياضة الروحية، بما يقف بهم على خطر الشهرة، بل لم يطالع أكثرهم في “جامع السعادات” ليقرأ: [اعلم أنَّ حب الجاه والشهرة من المهلكات العظيمة، وطالبهما طالب الآفات الدنيوية والأُخروية، ومن اشتهر اسمه وانتشر صيته لا يكاد أن تسلم دنياه وعقباه، إلا من شهرَه الله لنشر دينه من غير تكلُّف طلبٍ للشهرة منه. ولذا ورد في ذمِّهما ما لا يمكن إحصاؤه من الآيات والأخبار… ولكثرة آفاتها لا يزال أكابر العلماء وأعاظم الأتقياء يفرون منهما فرار الرجل من الحية السوداء، حتى أنَّ بعضهم إذا جلس إليه أكثر من ثلاثة قام من مجلسه، وبعضهم يبكي لأجل أن اسمه بلغ المسجد الجامع، وبعضهم إذا تبعه أُناس من عقبه التفت إليهم وقال: “على مَ تتبعوني؟ فوالله لو تعلمون ما أغلق عليه بابي، ما تبعني منكم رجلان”. وبعضهم يقول: “لا أعرف رجلاً أحبَّ أن يُعرَف، إلا ذهب دينه وافتُضح”. وآخر يقول: “لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب أن يعرفه الناس”. ومن فساد حب الجاه أنَّ من غلب على قلبه حب الجاه، صار مقصور الهم على مراعاة الخلق، مشغوفاً بالتودد إليهم والمراءاة لأجلهم، ولا يزال في أقواله وأفعاله ملتفتاً إلى ما يعظِّم منزلته عندهم، وذلك بذْر النفاق وأصل الفساد، ويجرُّ لا محالة إلى التساهل في العبادات والمراءاة بها، وإلى اقتحام المحظورات للتوصل بها إلى اقتناص القلوب].

    من الجلي الذي لا يخفى، أنَّ جُلَّهم لم يحصِّل حتى ثقافة عامة تؤهله لخوض هذا الميدان بنزاهة، وتمكِّنه من العمل بإخلاص، لم يحضر درساً ويعرف أستاذاً، فلا تعجب من طالب مقدمات على أعتاب العشرين، ينشر صورته تحت عنوان: “يرفع الله الذين آمنوا منكم وأوتوا العلم درجات”! وآخر يجعل نفسه مصداقاً لحديث: “إنَّ الملائكة لتضع أجنحتها لطلبة العلم”! وثالث يلحق صورته بحديث: “الناس موتى وأهل العلم أحياء”!.. قد لا يُسجَّل الأمر على هؤلاء كضلال وانحراف، إذ الأرجح أنهم سيندمون بعد حين، ويتراجعون ويصححون ما وقعوا فيه حين يتقدَّم بهم العمر وتنضج منهم الأفهام، لكنه شاهد أنَّ ليس لأحد منهم شيخاً يأخذ عنه الرزانة والوقار، ولا أُستاذاً يعلِّمه الأدب ويفهِّمه الأُصول، ولا كبيراً يلجأ إليه ويراجعه ليستنصحه فيرشده، فلا يصدر منه ويكون هذا الشطط، وإذا كان لبعضهم شيخ يلقِّنه هذا الزهو، وأُستاذ يحمله على هذا الطيش وينفخ فيه هذا الكبر، حتى تورَّم المسكين وانتفخ، فطار شكيراً، لم ينبت له ريش ولا اشتد له جناح… فإنَّ البلاء مستحكم والمصيبة أعظم!

    إنَّ المسيرة تمضي اليوم ـ مع الأسف الشديد ـ بمنتهى الهوان والاستخفاف، يحسب الماضون فيها أنَّ الصنعة من الوهي والبخس ما يمكن التقاطه من قارعة الطريق، وأخذه بلا تعليم وتدريس، وأنَّ الحرفة متوفرة مبذولة بلا إجازة وشهادة، والسبيل أمام وسام “خادم الحسين”، مشرع بلا مقدمة ودون أساس ومقياس! فيأخذ الصنعة عن أي رفيق وزميل، ويتناولها من أي دخيل وغريب، ويكسبها من غير أهلها وأربابها، يتلقاها من أشرطة مسجَّلة، يحاكيها ويؤدي ما فيها، يمثِّل ويكرِّر… فيُستنسَخ العبث، وتروج الفوضى، وتشيع البدع!

    لفتني أحد الإخوة ونحن نتداول الأمر، ونبثُّ هذي الهموم ونتبادل الشكوى منها، أنَّ الشيخ عباس القمي طيب الله ثراه سبق إلى تناول الموضوع في “نفس المهموم”، ضمن جملة وصاياه للخطباء، قال: “ينبغي أن يراعي في ذكر المصائب، لا سيَّما في غير أيام عاشوراء، ما لا تقسى به القلوب، ولا تهون به الخطوب، كالمصائب الموجعة الفادحة”. ثم ساق شاهداً من رؤيا نقلها عن المحدِّث الفاضل المؤرخ المتبحِّر الميرزا هادي الخراساني النجفي أيده الله، أنه رأى في عالم الرؤيا أميرالمؤمنين عليه السلام كأنه في حجرة من حجرات صحن حرمه الشريف، يرافقه الأئمة من ولده، أو بعضهم، وقد اجتمعوا لعقد مجلس حسيني، وكان أحد الخطباء يقرأ لهم التعزية وهم يستمعون، حتى إذا قال: “قال شمر لسكينة يا بنت الخارجي”! ظهر الامتعاض والاشمئزاز في وجه أميرالمؤمنين، وقد اكفهرَّ وانقبض أشد انقباض. فبادر ميرزا هادي للإشارة إلى الراثي أن يكفَّ ويصمت! وهنا التفت إليه أميرالمؤمنين عليه السلام وقال: لم يكن الذي قلت بالأمس، أقل من هذا! فتذكَّر أنه قرأ مصيبة رأس أبي الفضل، عند تعليقه على لبان الفرس! فاعتذر إلى المولى وتاب.

    من المؤكد أنَّ هذه الحالة طفرة ستزول وأزمة ستنقضي، وموجة عاتية ستركد، وعاصفة هوجاء ستسكن، كما قطعت أُخريات سبقتها، وستكون قادمات تلحقها… إنما الحسرة على طاقات مخلصة من شباب الشيعة، وإمكانيات كبيرة من عموم المؤمنين، هي من ذخائر وكنوز أهل البيت، ما برحت تُبدَّد وتُهدر في عبث رغبات طائشة واجتهادات جهولة، تعيش الجولة، وتحسب أن لها الصولة، تنتعش بالصيت والسمعة، وتلتذ بالتفاف الجمهور، وتسكر وتترنح من طلبات “السيلفي”!

    إنَّ وصف الطبيب للدواء، لا يعني تناوله بأي مقدار وفي كل آن وحال، إنَّ تجاوز الجرعة المقررة، قد يفقد الدواء فاعليته ويودي بأثره وفائدته، بل قد يخلِّف آثاراً جانبية ويفضي على المدى البعيد إلى مضاعفات وانتكاسات، يستفحل فيها الداء ويتمكَّن المرض ويعضل على الشفاء. فمجرَّد ظهور الأثر الإيجابي السريع لجرعة كبيرة في غير الوقت المقرر، لا يعني صحة الخطوة التي اتخذها مريض متهوِّر يعمل باجتهاده.

    حتى تعود لنا الأصالة، ويتأدب عليها شبابنا، فلا ينبري للخطابة مَن لم يلبث “صانعاً” لخمس أو عشر سنين، لا يتجاوز المرقاة الثانية لمنبر أُستاذه، ولا يتصدَّى لقيادة اللطم مَن لم ينظِّم الحلقات والدوائر لأستاذه وهو يردِّد: “آ يا حسين ومصابه”… دعونا نسأل كل رادود وخطيب: من هو معلمك وكم تلمَّذت عليه؟

  • من المعضلات المستعصية في الساحة الإيمانية، والأزمات الماثلة في غير نطاق، تطال أفراداً لا يستهان بهم من العاملين المخلصين، وتعمُّ شخصيات مرموقة في الحوزات العلمية، لها موقعها من الأصالة ومكانتها من العراقة: العجز عن تشخيص الموضوعات السياسية والاجتماعية بشكل صحيح، أو قُل الإخفاق في إصابة الحق على هذا الصعيد. وطالما أُشير إلى أعلام بالسذاجة ونُعتوا بالبساطة! بل نُسبت بيوتات من رأسها إلى هذه الصفة!.. يقع الاختلاف في تمييز الحدِّ الفاصل الذي يقلب الحكم تبعاً لتغيُّر الموضوع، ويقوم اللغط حول رسم التكليف الشرعي لما يطرأ من حوادث، هل الإمساك والإحجام فيها يرجع إلى الجبن والخرَع، أم إلى الحنكة والحكمة؟ هل الإقدام يأتي من الغيرة والشجاعة، أم من الطيش والتهوُّر؟ أتراها من موارد الصبر والتقية، أم من مواقع إباء الضيم وعدم الركون إلى الظلم والظالمين؟! هل القدرة متوفرة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ هل يُحتَمل التأثير، فيرتدع العاصي ويكفُّ، أم سيحمله ذلك على العناد والمكابرة، فيتفاقم السوء ويفشى بدل أن ينحسر ويزول؟! هل هذه البدعة من الباطل الذي يموت بتركه، أم مما ينبغي مواجهته وقمعه؟ هل هذا المنحرف المندس، والضال المتوغل في الجسم الإيماني، حتى صار علماً يُشار إليه، ورمزاً يُؤخذ عنه ويُقتدى به، ممن ينبغي الإضاءة عليه والتشهير به حتى ينقطع دابره، ويأمن العوام والخواص شرَّه، أم علينا تحمُّله لدرء مفاسد أُخرى ستترتب على فضحه؟

    إنَّ العجز عن التقييم الصحيح، والحيرة في عملية الموازنة والترجيح، هي ـ إلى حدٍّ ما ـ نتيجة طبيعية لفقد أدوات البناء، بناء الرأي واتخاذ القرار، وضيق ذات اليد من المعلومات، وخلو الوفاض من عناصر تكوين الرؤية وكسب الوعي والبصيرة، والعجز عن أسباب الرشد والسداد… فلا دراسات ميدانية تقدِّم صورة واقعية، أو قريبة من الواقع، ولا استبيانات وإحصاءات تكشف عن حيثياتٍ أساسٍ في تشخيص الحالة ومعرفة القضية، ولا إحاطة بالمعطيات الأُخرى، كالخلفية التاريخية، وعلم الاجتماع وسنن الحركة والتغيير، والحالة الاقتصادية، والمداخلات الإعلامية، ناهيك بدوْر المخابرات وشبكات العملاء التي تعمل ليل نهار، تحوك وتغزل، لينفذ عنصر لها هنا فيستحكم، ويتوغل آخر هناك ينخر ويهدم…

    وبعد، فإنَّ هذا العجز والإخفاق يبقى هو النصف الأهون من البلاء، والجانب الأقل سوءاً من المأساة، إذ يذهب الآخر إلى التردد في أصل معرفة الخطر والاعتناء بالضرر! قبل تشخيص مصداقه وتعيين مورده، فيعجز بعضهم، عن فهم حديث الرضا عليه السلام: “إنَّ ممن يتَّخذ مودَّتنا أهل البيت، لَمن هو أشدُّ فتنة على شيعتنا من الدجال”! فيسأل الراوي: يا بن رسول الله بماذا؟ قال: “بموالاة أعدائنا ومعاداة أوليائنا، إنه إذا كان كذلك اختلط الحق بالباطل، واشتبه الأمر فلم يُعرف مؤمن من منافق”… يتحرَّك “عالم دين” في علاقاته وارتباطاته، مُعرضاً عن هذا الحديث الشريف، وطائفة من قبيله، لا يرى غضاضة في تقريب منافقين وجعلهم حاشية، ولا بأساً في اتخاذ حزبيين منحرفين بطانة ووليجة، يتجاهل ما يضمرون لثقل المذهب وحصنه المتمثل بالحوزة، ويتغافل عما يكيدون بمحور الطائفة ورأسها الناهض بالمرجعية! فيعين ـ أراد أم لم يُرِد ـ على اللبس، ويشترك في الإغواء، ويُخفي على الشيعة الدجل والدجالين، ويخلط عليهم الحق بالباطل، فلا يُعرف المؤمن من المنافق! عندما يعجز “عالم دين” عن تشخيص خطر الضلال المندس في الحوزة، المتوغل وراء أسوارها، المنتحل هويتها، المرتدي ثوبها، ويقدِّم مصالحه الشخصية أو العائلية، وكذا الأعراف الاجتماعية، فيوقِّر المبتدع ومَن يلحق به، ولا يحسب في الترويج لكتب فضل الله وحب الله والحيدري والخشن، ومن لفَّ لفهم، خطراً أو تهديداً، بل يعمد لتعويمهم وإعادة تسويقهم، بعد أن بذل المؤمنون المجاهدون، وأساتذة الحوزة، ومراجعنا العظام، جهوداً مضنية، وتحمَّلوا كُلفة باهظة، في سبيل تعريتهم، فنبذهم وإسقاطهم… فهذا يعني أننا أمام معضلة كبرى تتطلب وقفة قد تطول، ومعالجة قد تؤلم.

    فمن غريب الأمر وعجيب الحال، درجة الثقة بالنفس، والجزم والبت الذي ينطلق منه هؤلاء في قراراتهم ومواقفهم، سواء من الحوادث أو الأشخاص، وما يفضي إلى التموضع الخاطئ، وفي أحسن الأحوال إلى السلبية المريضة والحياد القاتل… ينطلقون في آرائهم ويمضون في قراراتهم وكأن نافذة قد فتحت لهم على الغيب، فانكشفت لهم الحقائق واطلعوا على الوقائع، تحسب أنهم يستمدون من اللوح المحفوظ، ويقرؤون في مصحف فاطمة عليها السلام! والحال أنه يتلقى من كبر وغرور، ونرجسية يعيشها المبتلى، ما زالت ـ مع كل قرار خاطئ وتشخيص ظالم ـ تأخذ صاحبها إلى دركات جديدة وهوَّات أكثر عمقاً وأشد ظُلمة، وإلَّا فهو التهتك والمجون الخفي، الذي يستخف بالدين ويزدري خطْبه، فتهون عنده حرُماته ومقدَّساته وحدوده، وتراه يعيش قشرية وضحالة تحفظ ظاهره فحسب!

    في مقابل هؤلاء المندفعين المتشيطنين، أعرف، على سبيل المثال، عالماً جليلاً من آل الحكيم، يذكر أنَّ دعاءه الدائم، وحاجته الحاضرة الملحَّة، هي أن يكفيه الله الانخداع بالدجالين، ويكشف له خبيئة المخادعين، ويصرف عنه المنافقين الذين يتظاهرون بالورع وسلامة النهج، ويزعمون العمل للمذهب والدين، وهم في واقعهم أشرار خبثاء، يلاحقون مصالحهم ويتبعون منافعهم. ولفرط إخلاص الرجل وصدقه، وشديد معاناته بعد إدراكه الخطر، ثم لوقوفه على عجزه وخلو ذات يده عن أسباب معرفة الحوادث والرجال، تراه يقع موقع الإجابة من الدعاء، قد جعل الله له مخرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب، وجعل له نوراً يمشي به في الناس، فتراه يتمتع بسداد قلَّ أن تجده في أقرانه، ووهبه رؤية واضحة للفتن والبدع التي تعصف بالساحة، ووفَّقه لمواقف صلبة من أربابها، لا يسمح لنفسه ومكانته أن تكون مطية لهم، ولا لاسمه وعنوانه جسراً يعبرون عليه إلى مآربهم. وهناك ـ بطبيعة الحال، غير هذا السيد الجليل ـ شريحة عريضة من ذوي البصائر، وإن غلبهم العجز عن التأثير في القرارات العامة والمواقف المصيرية للأُمة، إلا أنهم رجال الله وجنود الحجة وحصون الإسلام الحق، القائمون بالدفاع والرد، والعاملون على استنقاذ أيتام آل محمد عليهم السلام وإرشادهم.

    بعيداً عن العموميات والخطابيات، وما يراعي الاعتباريات، ويخضع للمجاملات ويلتزم الأعراف (وبعضها جاهلية!)، فإنَّ الهوية التي تميز الفقيد السعيد السيد محمد سعيد عن غيره من الأعلام والأعاظم، واضحة جليَّة، بيِّنة الحدود والمعالم، رسمها الرجل في حياته نموذجاً فريداً من نوعه، جمع الصمود والجهاد بأقصى درجاته وأتمِّ مراتبه التي سطرت ملاحم مقاساة التعذيب والارتهان في السجون، إلى جانب مقولة رفض الثورة ومنع القيام قبل الظهور الشريف! وجمع الأصالة والنهج التقليدي إلى مواكبة العصر في طرح مؤلفات قـيِّمة بلغة سلسة تخاطب عامة المؤمنين، ولا سيما الطبقة المثقفة، ومضى في المعلم الثالث بعزم وصلابة سعت إلى إعادة مكانة الحديث، وإحياء دوره في بناء المعارف الدينية، مع نبذ الفلسفة والأخذ من غير المعدن الصافي والعين الكافية الوافية لآل محمد عليهم السلام.

    والسيد الأشكوَري، بما يعنيه ويعمل له في الخفاء والعلن، من ترويج للفلسفة ومناداة بالحداثة ودعوة إلى “الحركية الإسلامية”، وتبنٍّ لمختلف سياسات ومفردات المشروع الإيراني الداعم للضلال والقائم على المضلين، يمثل الجبهة المقابلة لهوية السيد الحكيم، والصورة المعاكسة للعناصر التي تكوِّن شخصيته العلمية وسيرته العملية. وهو ملتحق بمعسكر ومنخرط في جبهة، تكافح بكل ما وسعها من مكر وبأس وسلطة، لتسقط الحوزة العلمية الحرَّة المستقلة، وتلحق النجف الأشرف بالمعتقل الذي ترتهن فيه قم المقدسة!.. ثم تراه متربِّعاً على المقاعد المتصدِّرة في مؤتمر تكريم السيد محمد سعيد الحكيم، وتجده فاعلاً في الغرف الجانبية لأعمال المؤتمر! حتى يصدر البيان أو التقرير النهائي لأعمال المؤتمر باللغة الفارسية، بما يظلم السيد الفقيد ويبخسه حقه، ويسلبه أهم معالم هويته، وليس المراد القومية بطبيعة الحال، ولكن الحوزوية الأصيلة مقابل السياسية التابعة للجمهورية الإسلامية الإيرانية!

    لست أدري من الذي دعا هذا اللوث، وصنع ما يشكِّل استخفافاً بشخصية السيد الحكيم ورسالته… هل هي سذاجة بعضهم، والدخول في لعبة الكسب والإرضاء على حساب السيد الفقيد، أم هو جري على ما سبق من بسط يده على أخطر موقع للتبليغ الديني في العراق، الذي يواكب زيارة الأربعين، بأعداد تبلغ آلاف المبلغين، وميزانية خيالية من أموال الخمس أو الوقف؟! ترى أين هو الخرق والخلل، في المرجعية أم إدارة العتبة الحسينية؟ إن قوة المرجعية وعزتها وشرفها هو في رضا المولى صلوات الله عليه عنها، الذي يكون بأداء دورها في ردِّ الأباطيل وكشف الزيف وتبصرة أيتام آل محمد، وفيهم مَن تغويه زيارة عائلية، وتطمس عليه الحقيقة مجاملةٌ اجتماعية… وكان الجدير بالعتبة الحسينية أن تقتدي بالعباسية التي تعيش وعياً متميزاً تجاه النفوذ الإيراني، وتبدي تحسساً أصيلاً صنع حاجز صدٍّ حال دون كثير من التوغل والاختراق، بينما بقيت العتبة الحسينية مسرحاً للنشاط الإيراني، عبر حزب الدعوة وغيره!

    لا أحد ينادي بحمل هراوة يخبط فيها المرء كل من يقف في طريقه، ولا سوط يلسع كلَّ من يريد أن ينمي علاقاته وارتباطاته ويحسِّن وضعه الاجتماعي ويؤمن مستقبله السياسي، ويرفع رصيده لدى هذه الدولة وتلك، ويتقرَّب من هذا الحزب وذاك التيار، أو عند الحمل على الصحة، يعمد لما يأمن كيدهم ويكف عن نفسه شرهم… ولكن ليدفع لهذا الاستثمار ويبني هذا الوجود من حُرِّ ماله، وخالص طاقاته وإمكانياته، لا من العتبات المقدسة والمرجعية المعظمة، فهذه “أملاك” المذهب والطائفة، لا الشخص والعائلة.