• تعني السلام عليك أيها القائد، الآمر… وفي الاصطلاح العسكري، هي تحية و”تتميم”، إعلان حضور وجاهزية، واستعداد لتلقي الأوامر وتنفيذها، قد يقابلها بالعربية: “لبيك”، أو كما في العسكرية الدارجة: “نعم سيدي”. وهو عنوان شاع مؤخراً في إيران، وراج في مختلف شرائح المجتمع وقطاعاته، وبلغ في الخامس والعشرين من شوال، ذكرى وفاة الإمام الصادق عليه السلام، الذروة والقمة، التي تحققت في حشدٍ بلغ مئة ألف نسمة ملؤوا مدرجات ملعب آزادي في طهران، تداعى لإقامته تلاميذ المدارس من مختلف المدن والمحافظات، تقاطروا في حافلات أعدَّتها الحكومة لنقلهم. والعنوان التحية، والنداء التلبية: “سلام فرمانده”، هو عمل فني من إنتاج فريق التعبئة الطلابية التابع لقوات حرس الثورة (الطلائع)، جاء على لسان جيل التسعينات (حسب التقويم الفارسي، وهم الأطفال أو الفتيان والفتيات الذين يبلغون سن المراهقة اليوم)، بعد أن تجاهل النظام أجيال الستينات والسبعينات، فتلقفهم الإعلام الغربي، واحتضنتهم الثقافة المعادية للجمهورية الإسلامية، فكانوا وقود المعارضة وعناصرها الفاعلة، سواء في جبهة التواصل الاجتماعي والنطاق الافتراضي، أو في المظاهرات والاضطرابات الميدانية. ما حمل النظام على إعادة النظر في استراتيجيته الإقصائية، وعمل على تغييرٍ يستدرك انحسار الغطاء الشعبي وتراجعه إلى أدنى حدود منذ انتصار الثورة. فكانت إجراءات وخطوات، ذهبت أُولاها في اتجاه لمِّ الشمل ورأب الصدع وترميم البيت الديني، الذي هتكه النظام من قبل بأفكاره الحداثوية، فشنَّ حرباً شعواء على الشعائر الحسينية، وأخضع الحوزة والمرجعية للدولة، وصيرها مؤسسة حكومية، وغيَّر المناهج فيها بما حوَّلها إلى أكاديمية، يريد أن يقطع الطريق على تربية علماء مستقلِّين، وظهور فقهاء حقيقيين ينافسون الفقيه الولي، أو يشكِّلون، بمحض وجودهم، تحدياً يتهدده!

    بدأ القوم باستمالة البيت الإيماني، واحتواء النشاط الولائي، وقُل إن شئت الركوب على صهوات جياده… شرع في حركته بابتداع ما عُرف بـ”عزاء الشور”، وإنشاء هيئات حسينية تنافس التقليدية الموروثة، وتصادر مواقعها لصالح هذه التجديدية المُحدثة التي تموِّلها وتديرها، من قريب أو بعيد، عناصر خفية تابعة للنظام (بدأ بعضها يسفر عن وجهه، ويكشف هويته ويجاهر بدوره)، وراحت تغالب الهيئات التقليدية في دعواها، وتقطع عليها سبيل الاحتجاج، فهي تقيم الشعائر وتمارسها بتركيز أشد وإغراق تقصر عنه المنافسة! فظهروا في الجزع ومظاهره “ملكيين أكثر من الملك”، ومجيدين أكثر من أرباب الصنعة المتمرسين، والخبراء الضليعين، والسابقين الأولين!.. وها هو النظام يُتبِع خطوته الأُولى بثانية تطال العقيدة المهدوية، فكانت “سلام فرمانده”. وهي أُنشودة تستنهض الإمام المهدي عجل الله فرجه، تدعوه وترجوه، أن يُنهي غيبته، تحمل خطاباً دينياً سياسياً، يمرُّ على “الخامنئية” بذكاء، ويأخذ المؤمنين إلى المهدوية عن طريق الجمهورية الإسلامية، يسوقهم بلطف لينتهوا إليها، كعتبة وبوابة ـ كما هو المفترض والظاهر من الأمر ـ تفتح على العهد الموعود والفرج المنتظر. وخلافاً لما عُرف من إعلام القوم، والسائد في أدوات الثقافة التي يروِّجون، تتحرَّك الأنشودة ـ هذه المرَّة ـ بمضامينها، بعيداً عن التعسف والإملاء المعهود، نائية عن الزهو والاعتداد المشهود، فلا حدَّة وغلظة تنبذ غير الموالين للجمهورية، وترتاب في غير المنخرطين في أحزابها، ولا كبر وطغيان يتبجَّح بالسلطة ويستعلي بالقوة! وبعد هذا وذاك، وعلى أي حال كان تقدير أداء الأُنشودة وواقع رواجها، فهي جرعة مركَّزة، ولغة لمادة ولائية أصيلة (المهدوية)، طالما كانت مغيَّبة عن أدبيات “الخامنئية”، وغريبة في فضائها، ما زواها عن الدور العقائدي الفاعل، لصالح الانخراط في النهج الثوري، وأقصاها عن الحضور الوجداني، حذر النيل من مكانة القائد الميداني! وفي العموم، فإن الخطاب والفكر الخامنئي، المستمد من علي شريعتي و”الإخوان”، الغارق في الإسلام العام، المتَّخذ سمته من القرآن والأحكام، المتنكِّب رداء الجهاد، العامل على ترسيخه كهوية مقابل الولائيين المهدويين أو “الحجتيين”، لم يكن ليلتفت يوماً إلى “غائب عن الساحة”، ولا ليرسم موقعاً لمقام غيبي “غير حاضر أو فاعل” في الشأن العام!

    الأنشودة ناجحة بامتياز، وقد جمعت إلى لحنها السلس السائغ، وكلماتها العميقة البليغة، مسحة بساطة وعفوية، لعلها أتت من لسان حال صغار السن، وهي تحكي حالهم في الشكوى والدعاء، وتحمل خطابهم في الاستعداد للتضحية والفداء… وقد صبَّ النظام طاقاته وجهوده لأقصى استغلال، ووظَّف مؤسساته الإعلامية والتثقيفية والتعليمية، ليصنع منها حالة شعبية، عبأ لها عشرات آلاف الأطفال في مختلف المدن، ينتظمون في صفوف شبه عسكرية، تحوم من فوقهم “درونات” التصوير، تلتقط المشاهد الانفعالية العاطفية، وتسلط الأنظار على طفلة تجهش في البكاء وهي تتضرَّع لربها وتتوسَّل بإمامها، وأُخرى ترمق الأُفق بنظرة حالمة، وطفل يؤدي التحية العسكرية، وتعود الأكف الصغيرة لترتفع بالدعاء والاستجداء، وتعكس كل ما في الطفولة من براءة ونقاء، يُنسي، أو يتجاهل الأزمة الاقتصادية الخانقة، والتردِّي المعيشي الذي يُشعل فتيل انفجار عام، سوف يُسقط النظام.

    مع هذا وذاك، يقرأ المراقبون، ولا سيما ـ هذه المرة ـ المتديِّنون الولائيون، وتذهب تقديراتهم أنَّ النظام سيفشل هنا ويخفق كما فشل هناك في مسعاه الأول وأخفق، فهيئات “الشور” أذكت الشعائر ونشرتها في أوساط سعى النظام لتغييبه عنها، لتأتي التقليدية لتتلقفها، ويعود العزاء النمطي ليجني ويحصد، فقد ذهب العبث، وثاب الحسينيون المخلصون إلى رشدهم وطُويت الظاهرة، أو هي في طريقها، وهم في طريقهم إلى ذلك، فالشاب الغيور الذي أخذته الحمية المذهبية يوماً وغلبه العشق الحسيني حيناً، سيعود من جولته الحماسية إلى داره، ويبيت من جديد في فراشه، ولن يُخدع بتخت عريض وسرير فاره!

    هكذا سيرجع هذا المسعى المتقمِّص قضية المهدوية في عائده، ويصبُّ في مردوده لصالح الأصالة الولائية، وتكون الفكرة والعقيدة المغيبة قد توغلت في أوساط طالما حُجبت عنها، وقد خاضت بوجدانها الطاهر التجربة، وتلقَّت ما لامس النجابة فيها، وأهاج الفطرة منها، لتُبنى جسور الوصل من جديد، ويعيش المؤمنون غيبة إمامهم معايشة حقيقية، ترفعها إلى مقام القضية الأُولى في حياتهم.

    إن اقتحام النظام الإيراني الميدان الولائي وتسوُّره الساحة العقائدية للشيعة، في أخطر عناوينها، أي المهدوية، بعد محاربة الشعائر الحسينية (المباشر بحظر التقليدي ومنع الأصيل وملاحقة أبنائه بالتضييق والتنكيل، ثم إطلاق البديل عبر بدعة مستحدثة تحاكي الراب الغربي)، والاستيلاء على الحوزة العلمية وبث الفوضى في المرجعية، وكذا تمييع معالم التشيُّع عبر خلق التداخل والخلط في مفاهيم “الإمامة” و”الولاية” وغيرها… لن يعينها على أهدافها السياسية، ولن يسعفها وينقذ إفلاس خطابها الأصلي. فرفع وممارسة عناوين الجهاد ونصرة فلسطين ومقاومة إسرائيل ومواجهة الاستكبار العالمي، لم تبلغ بالفقيه المدَّعي الولاية التي ينشدها ويتطلَّع إليها، وبقي السيد القائد في إطاره السياسي، وبقيت قدرته مستمدَّة من الدولة والجيش والشرطة والمخابرات، وعموم أذرع القوة وشُعب البطش والاستبداد، ولم تبلغ يوماً المرجعية الدينية، والسلطة الروحية.

    الخامنئي القادم من غير مدرسة، من الحركة الإسلامية، من رحاب الفكر العملي الجاف، الذي ينبذ الغيب، ويقف على ضفاف الخشونة الحسية والجلافة المادية، لا يمكنه أن يعيش فضاء دعاء الندبة والعهد، ولا أن يستحضر حال المولى في زيارة الناحية! إن المهدي الذي كان في ثقافتهم غير المعلنة، المضمرة المسكوت عنها، أو حتى الصريحة في أوساط النخب السياسية والحركية، التي تسخر من الدعاء سخريتها من البكاء على سيد الشهداء، وتنظر إليه كقاعد متخاذل، يشهد الظلامات التي تقع في فلسطين، ويحضر تفرعن الاستكبار وجبروته فلا يقوم ولا ينهض، ولا يحرِّك ساكناً… هذا “المهدي” لن تغيِّر صورته أُنشودة، ولن يعود ليحتل في أرواحهم مكانته التي زوي عنها، عبر تكتيك سياسي، لسبب بسيط، هو أن القوم ليسوا أبناء الحقل والميدان، لا يحسنون حرثه ولا يجيدون زرعه، حتى إذا جاءهم الغرس من تلقائه، ووافوه من موروث تراثه، فلن يتمكنوا من رعايته… هذه تربة لا يعرفونها، كما لا نعرف نحن السياسة والتواءاتها، فالدخول في الشعائر وفي المهدوية وما إلى ذلك من ولائيات، هو توغل منهم واقتحام، لأنهم غرباء في واقعهم عن هذا الفضاء. من هنا تراهم وقعوا في خطأ فادح جعلهم في بؤرة البلاء، ذلك لما أساؤوا توقيت مهرجانهم، وجعلوه في ليلة وفاة الإمام الصادق، رئيس المذهب وعنوان الجعفرية! وبينما كان الحزن يخيم على الحوزات والمدن الإيرانية، راحت الحشود في ملعب آزادي تتغنى بالنشيد، آخذين في التصفيق والصفير، ومظاهر الفرح، والعالم الشيعي غارق في البكاء واللطم والعزاء.

    وأقتبس هنا من صفحة السيد عبدالصاحب الهاشمي، أحد الوعاظ الفضلاء: “إن إجراء أنشودة سلام فرمانده المصحوبة بالمعازف، وأجواء البهجة والسرور في ليلة استشهاد الإمام الصادق عليه السلام، هو هتك للمقدسات… تأكدوا أن عزف الموسيقى، والتصفيق والصفير والنفخ بالبوق، والتمايل في حركات موزونة على إيقاع، لن يحقق شيئاً في أمر تعجيل فرج الإمام، ولن يحظى برضاه. لا يمكن جذب الناس وربطهم بإمام الزمان عبر هذه الطرق الخاطئة”. وهذا السيد لا يُعَدُّ من أعداء النظام، ولا يصنَّف في خصوم الجمهورية الإسلامية.

    سيورق عشق المهدي في قلوب جيل التسعينات ويزهر، ثم يثمر، وعندها سينقلبون ويثورون على أدعياء الولاية ومتقمصي المهدوية، وسيعرفون من هو الآمر والقائد (فرمانده) الحقيقي.

  • الأمر في الشأن السياسي يختلف عنه في غير شأن، القضية هنا ليست أكلة تستسيغها أو تمقتها فتمجُّها، ولا لوحة فنية تُعجب بها فتنجذب إليها، أو تستقبحها فتنفر منها، ولا هي قصيدة تستعذب أبياتها وتنبهر بمعانيها، أو تنقبض من فسادها ويزعجك نشازها، ولا منظراً تهش لجماله أو تكره بشاعته وقبحه، أو أي شيء شخصيٍّ خاص من هذا القبيل، مما يعيشه المرء من معطيات حسِّه الراقي المنيف، أو السوقي المبتذل، وذائقته السوية السليمة، أو الغثة السقيمة… ففي عالم السياسة،كل فعل وقول وحتى صمت، بل كل خلجة نفس ونية وعزم، لخير أو شر، أصابت الواقع أو طاش سهمها عنه، سترفد المشهد الأُخروي لصاحبها وحاملها، وترجِّح كفة الحسنات أو السيئات في ميزانه، تدرجه في الأبرار الناجين، أو تلحقه بالفجَّار الهالكين. “ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد”، “يا بني إنها إن تكُ مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الارض يأت بها الله”! حتى إذا جاءت سكرة الموت، ونُفخ في الصور، ووُضع الميزان، وأوتي الشقي كتابه بشماله، أشفق مما فيه وقال: “مالِ هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها”؟ ولا ينحصر هذا بالمحرمات والنواهي الشرعية المنصوصة، من كبائر وصغائر وسائر المعاصي المعروفة فحسب، بل يطال، في ما يهمله الناس ويغفلون عنه، ويحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم، كل موقف سياسي، وفي هذه المواقف ما يبلغ أعظم الكبائر وأخطر الجرائم!

    في الحديث الشريف عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: “إنَّ الرجل ليأتي يوم القيامة ومعه قدْر مِحجمة من دم، فيقول: والله ما قَتلت ولا شركت في دم. قال: بلى، ذكرت عبدي فلاناً فترقَّى ذلك حتى قُتل، فأصابك من دمه”. وعن أبي عبدالله عليه السلام: “يجيئ يوم القيامة رجل إلى رجل حتى يلطخه بالدم والناس في الحساب. فيقول: يا عبد الله مالي ولك؟ فيقول: أعنت على (عليَّ) يوم كذا وكذا بكلمة، فقُتِلت”. وعن النبي صلى الله عليه وآله: “لو اجتمعت ربيعة ومضر على قتل مسلم قيدوا (من القوَد، وهو القصاص) به”… هذا في الأقوال والوشايات، فهل يسري الأمر إلى المواقف السياسية والاصطفافات الحزبية التي تفضي إلى القتل؟ هل يشترك المرء في فعل الجاني ويتحمَّل جريرته بمحض تأييده وتشجيعه والشدِّ على يده ومباركة فعله؟ تُرى كم يشترك عامة المؤمنين في وزر الدماء المسفوكة ظلماً، حين يؤيدون مَن أسالها، ويمضون أسباب إراقتها، ويدعمون بواعث وقوع المجازر التي تجريها؟ هل في الرضا بالأداء السياسي الذي يفضي إليها إثم وعقاب؟ هل في موافقة النظام الحاكم الذي يقف خلفها، أو يتسبب في وقوعها، جهلاً منه وحماقة، أو بدائية وتخلُّفاً سياسياً، تبعة أُخروية؟ فيأتي آلاف الشهداء بمحاجم الدماء، أو يلطخون بها وجوه هؤلاء، قائلين هذا نصيبكم مما نالنا ونزل بنا؟! ولا سيما الذين يبرِّرون للمتسبِّب في قتلهم، ينهضون باحتجاجه ويدافعون عن نظامه؟!

    الموقف في عالم السياسة ضرب من الشراكة المتضامنة، المعمول بها في عالم الأعمال والتجارة، يتحمَّل الشريك المتضامن التزامات الشركة، مما يمتد لديونها، فعليه سدادها من ماله الخاص، إن لم تف حصته في الشركة!.. وهنا يلحق الأعوان والأنصار، ناهيك بالمحازبين والمنتسبين العاملين في صميم الجسم السياسي، دولة ونظام حكم كان، أو حزباً ومنظمة وجمعية، أو غير ذلك من الكيانات والتيارات والتكتلات.

    هناك تحليل سياسي وقراءة تذهب إلى أنَّ الأداء الإيراني الموغل في المكابرة والعناد، الجامد على الشعارات، والمتصلِّب في بعض المواقف، دون أُخرى، تراه يتميَّع حتى زوال الهوية في شعائر الدين ومعالم المذهب، ثم يتشدَّد في السياسة إلى درجة التجمُّد والتحجُّر، حتى بات عاجزاً عن التطوُّر، ومواكبة أي تغيُّر يعيشه العصر ويقتضيه الظرف، قاصراً عن تفهُّم أي معطيات جديدة غدت تحكم الواقع وترسم شكلاً جديداً له!،، هذا الأداء المتخلِّف، الغارق في التباهي والاستعراض، هو الذي قلب استراتيجية القوى العظمى التي تتحكَّم في العالم، وعلى رأسها أمريكا، وغير سياستها في المنطقة، من عداء القاعدة وطالبان وعموم التكفيريين (مما كان بعد واقعة الحادي عشر من سبتمبر)، إلى عداء الشيعة وتضييق الخناق عليهم! والشواهد هنا كثيرة لا تخفى، آخرها الانسحاب الأمريكي “المفاجئ” من أفغانستان! بل وتسليمها البلاد والحكومة هناك لطالبان، لتعيد غرس الخنجر في خاصرة إيران، الدولة المارقة بالشغب والعصيان. ولو وسع أمريكا أن تطبق بفكيِّ الكماشة، وتلحق الجبهة الشمالية العليا بالجنوبية السفلى، فتعيد العراق للبعثيين، وترجع الحكم للأقلية السابقة، لفعلت دون ترديد، بل لما أبت أن تسلِّمه حتى لداعش والتكفيريين… لكن حكمة السيد السيستاني وعميق تدبيره، والعقلانية المشهودة في طبعه وأدائه من جهة، والدور الفاعل للشعائر الحسينية، ولا سيما الزيارة الأربعينية، وظهور دور العتبات المقدسة، في صبغ العراق بالهوية الشيعية من جهة أُخرى، فرض واقعاً لم يمكنهم تجاوزه، وحال بالتالي دون المصيبة والبلاء!

    إنَّ الإصرار على النهج الثوري الأجوف، والأداء السياسي العقيم، وسلسلة الفرص الضائعة المهدرة، والمواقف والقرارات التي شكَّلت أخطاءً قاتلة، هو الذي انتهى بإيران إلى طريق مسدود، وقاد إلى المواجهة مع أمريكا وتحدِّيها، وهو ما أفضى للحصار الذي يخنق الشيعة، ويفسح لإعادة تعويم الإرهاب التكفيري. والسؤال الكبير الذي يجب أن يقض مضاجع ساسة إيران وشركائهم، من رجال الأحزاب التابعة لولي الفقيه في البلاد العربية، أو عموم المؤمنين المنساقين مع هذه السياسة: هل سيلطخ الأطفال الهزارة، القتلى في مدارسهم غرب كابل، والمؤمنون المصلون في مساجدهم هناك، وجه الحاكم والقائد الذي رسم هذه السياسات، وخطَّ هذا النهج؟ ومعه وجوه أنصاره والمتضامنين معه في مختلف البلاد، وقد أفضت لهذه النتائج القاتلة!؟

    الإخوة الذين يدافعون عن الجمهورية الإسلامية ويبررون لها وينهضون باحتجاجها، هم أحرار في مواقفهم الآن، لهم أن ينصروا مَن يشاؤون، بالفعل والقول والبذل والدعاء، وحتى بالنيات، لكنهم سيكونون شركاء في الحساب غداً. وعلى جميع الأشخاص والشخصيات، والجماعات والأحزاب، التي تمجِّد قرارات القائد وتعظِّم شخصه، وتحول ـ بنحو  وآخر ـ دون انتقاده، وتقطع أي سبيل لنُصحه وتقويمه، تصوِّره مُلهماً مقدَّساً، ما يغرقه في الخطأ، ويركسه في الفتنة، ويغرسه في التيه، حتى صدَّق التعس كما روَّجوا وأشاعوا، أن أقواله وحي يوحى، وأفعاله تسديد إلهي لا يخطئ ولا يزل… هؤلاء جميعاً هم شركاء له، محاسَبون معه يوم القيامة.

    كل مقالة وموقف، كل استدلال وتبرير، كل مدح وإطراء، يُلحق أوراق إدانة جديدة في إضبارتهم الثقيلة، التي ستوافيهم في المحشر وهم يستلمون كتبهم بشمالهم. وبعد الدماء، سيُسألون عن الفقر والجوع والمرض والفساد، وعن مئات المليارات التي ضاعت بسبب أخطاء إدارية فاضحة، أو سياسات اقتصادية قاصمة لظهر الدولة والشعب، التي يتحملها الحاكم ويضمنها… هناك حزبيون وعمال وموظفون وأُجراء، يحظون بشيء من الغُنم، ينالون من الجمهورية الإسلامية مالاً وجاهاً وشهرة، وغير ذلك من حطام الدنيا، ما يغشيهم عن الالتفات إلى الخطر الذي صاروا فيه، والقعر الذي هووا إليه وباتوا يقبعون فيه، يصمُّهم ويعميهم، ثم يبكمهم ويخرسهم فلا ينطقون بكلمة حق، يمضون بلا هدي، مكبين على وجوههم، لا يلتفتون إلى ناصح حريص، ولا يصغون إلى مرشد شفيق، وهي حالة معروفة في النوع، منتظرة من هذا الجمع… ولكن المؤلم المحزن، والغريب العجيب، هو حال البيئة والحاضنة، التي تحتطب على ظهرها، وتتطوَّع لحمل أثقال غيرها مع أثقالها،،، تدفع الغُرم بلا أي غُنم!

    وفي قصص العرب أن فتاة زُوِّجت وهي صغيرة، فحملت، فلما ضربها المخاض، ظنت أنها تريد الخلاء! فبرزت إلى بعض الغيطان، فولدت، فصاح الوليد وبكى، فانصرفت تظن أنها أحدثت، فقالت لضرتها: يا هناة، هل يفغر الجعر (العذرة المتيبسة) فاه؟ فقالت: نعم، ويدعو أباه.

  • بعد الذروة القصوى والمرقاة الأعلى، المتمثلة في الوحي المُنزل والقرآن الصاعد، كتاب الله وحديث أئمة الهدى، ومواضع تجليات الحق، التي تدك الجبال وتهدُّها، ويخرُّ لها الأنبياء مصعوقين… فإنَّ بعض الأقوال البشرية، من فرط ما تستلهم من الحق وتحمل الرشد والصواب، ولشدَّة ما تعيش من الكمال وتتمتع بالجمال، تلحق بتلك من طرف، وتحوم في ذلك الحمى بنحو، فيكون لها وقع عظيم ودور جليل، ولربما حاصل هائل وأثر مزلزل صاعق!

    هناك كلمات أُطلقت وأقوال أُنشئت، ما برحت تغلي في مرجل ظرفها، وتفور في وعاء زمانها، فيضيق عليها ويعجز عن احتوائها، حتى تفيض وتسري، تنبعث متخطية الزمان والمكان، تحمل المجد والسنا، وترفل في التقدير والإكبار، ما تتناقله الأجيال وتنهل منه الأعصار… ولعلها أُنشئت في ساعتها بهدوء، حتى كادت تكون نبساً وهمساً، وتمضي ركزاً، لكنها ما برحت تبعث جلبة، وتورث صعقاً صدحاً، وتُحدث زمجرة وهدَّة. قول لا يقرُّ وكلمات لا تسكن، ما زالت متفاعلة متفجِّرة، كأنها معمعة ميدان وجهجهة حرب، قد يسمع فيها واعٍ أنَّة متوجِّع وشهقة متألِّم، ويتلقَّى عالمٌ درساً عميقاً وحكمة بليغة، وينتزع فقيه حكماً ويستنبط رأياً، ولعلَّ أُذناً سمعتها هتاف استغاثة وطلب نجدة، تشكو المتطفلين على الحق، وتلعن المتسلِّقين المتَّجرين بالمذهب، وتتبرأ من المستأكلين بالدين! ولا يعني هذا فعل المعجزة وخرق العادة، فهناك ـ دائماً ـ أسماع وقرت وآذان صُمَّت، فلا وعت حكمة وأدركت رسالة، ولا شعرت بموعظة ونالت هداية!

    من هذه النصوص التاريخية الخالدة التي ما انفك وقعها يقرع أجراس الإنذار، ويدق نواقيس الحذر من التمادي والانجرار، فالهويِّ والانهيار، حوار دار بين أحد أصحاب الإمام الصادق عليه السلام وابن عمه رضي الله عنه، متوكل بن هارون ويحيى بن زيد، لما لقيه متوجهاً إلى خراسان، فسلَّم عليه وقال له: “من أين أقبلت؟ قال: من الحج. فسأله عن أهله وبني عمه بالمدينة، وأحفى السؤال عن جعفر بن محمد عليه السلام، فأخبره بخبره وخبرهم، وحزنهم على أبيه زيد بن علي. فقال زيد: قد كان عمي محمد بن علي (الباقر) أشار على أبي بترك الخروج، وعرَّفه إن هو خرج وفارق المدينة ما يكون إليه مصير أمره، فهل لقيت ابن عمي جعفر بن محمد عليه السلام؟ قال: نعم. قال: فهل سمعته يذكر شيئاً من أمري؟ قال: نعم. قال: بم ذكرني؟ خبِّرني. قال: جعلت فداك، ما أحبُّ أن أستقبلك بما سمعته منه. فقال: أبالموت تخوفني؟ هات ما سمعته. فقال: سمعته يقول: إنك تُقتل وتُصلب كما قتل أبوك وصُلب! فتغيَّر وجهه وقال: يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب، يا متوكل إنَّ الله عزَّ وجل، أيَّد هذا الأمر بنا، وجعل لنا العلم والسيف، فجُمعا لنا، وخصَّ بنو عمنا بالعلم وحده. فقال: جُعلت فداك، إني رأيت الناس إلى ابن عمك جعفر عليه السلام أميل منهم إليك وإلى أبيك. فقال: إن عمي محمد بن علي، وابنه جعفراً عليهما السلام دعوا الناس إلى الحياة، ونحن دعوناهم إلى الموت. فقال: يا بن رسول الله، أهم أعلم أم أنتم؟ فأطرق إلى الأرض ملياً ثم رفع رأسه وقال: كلنا له علم، غير أنهم يعلمون كلَّ ما نعلم، ولا نعلم كلَّ ما يعلمون”.

    ما زال الصوت والقول يسري في كل أُفقٍ يدعو للثورة، وفضاء يستنهض الأُمة ويحثها للسعي والعمل لما ينعش حقاً ويدفع ظلماً، ناهيك بما هو أعظم، أي دعوى الرضا من آل محمد. ولكن نداء الثورة الساعة، لا يصدر من عالم رباني وفقيه صمداني، ولا يطلق من لسان ورع مثل يحيى، وقائم لله صدوق مثل زيد، الذي لو ظفر لوفى، ولا حتى من فقيه جامع للشرائط يدعو للدفاع والجهاد، أو يمارس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تختلط من حوله الأهواء، وتتداخل بشأنه الآراء، فلا تدري الأُمة هل أخطأ في تشخيصه أم أصاب؟ هل أحسن التقدير أم أساء الحساب؟.. بل هي اليوم شُبهة ومعضلة تنعقد من نداء يطلقه تيار “الحركة الإسلامية”، وشعار يرفعه سياسيون يستأكلون بالمذهب ويتَّجرون بالدين، ظفروا وبسطت أيديهم إلى حين، فادعوا نيابة الإمام وتنكَّبوا ألقابه وخلعوا على أنفسهم أوصافه!

    وهذا ما يستعيد السؤال، ويلح في طلب الإجابة: هل أنتم أعلم أم هم؟

    وما برح القول يتكرَّر والشُّبهة تتجدَّد، والسؤال يُعاد: لماذا سكت الباقر وصمت، ونطق زيد وصدح؟ لماذا قعد الصادق وسكن، ونهض يحيى وقام؟ ثم لماذا هاج مَن هاج لحرب إسرائيل وتحرير فلسطين، وسكن أو ركد إمام الزمان عليه السلام؟! هل يفوقونه علماً، فعرفوا من أدلة القيام ووجوب الجهاد ما غاب عنه ولم يحط به خبرا؟! هل هم أشد غيْرة منه على الحق والدين؟! أم هم أكثر استشعاراً بمظالم وآلام المحرومين؟! هل تراهم أمضى عزماً وأوسع وعياً ويقظة، فغاب عنه ما عرفوا من أخطار تحيط بالدين ومؤامرات تحاك ضد الإسلام، فهبُّوا ونهضوا وأغفى هو وقعد؟! هل أربت شجاعتهم الفاعلة وفاق بأسهم الحاضر شجاعة وبأس الإمام الغائب؟! هل زهدوا في الدنيا وزخرفها، ورغب بها وطمع؟! هل غلبهم الإخلاص واستحثهم الشوق، وغرَّته هو الحياة الدنيا وأبطأت اللذات!؟ هل طاب لهم ركوب الأهوال وتجشم العناء فنفروا للقتال، وراقت له الدعة والسعة والأمن والراحة، فلحق بـ  “المعذرين” وإثاقل الى الأرض؟!.. قد لا يجرؤون على التصريح بهذا الكفر وإعلانه في منطوقهم، ولكن هذه الأسباب التي يقشعر لهول فرضها العرش، مكنونة في مفهوم رسالتهم، ومخبوءة في مُضمر دعوتهم!

    إنَّ نداء “أ هُم أعلم أم أنتم”، حاضر ماثل في كلِّ فرض وحالة، مرتسم كخلفية تملأ فضاء كلِّ مشهد، وتصرخ في وجه كل صاحب راية! و“الأعلمية” التي ينادي بها، لا تقف عند المعارف الدينية، بل تشمل العلم بفنون السياسة وأسرار الاقتصاد وأساليب الإدارة، ومعرفة التاريخ وسنن الحركة وطرُق التغيير، والإحاطة بمكائد العدو وحيَله، وكل ما يحول دون استدراج بعضهم إلى مستنقعات الطين وبؤر الرمال المتحركة، يغرق فيها ويركس، فيركل ويرمح ويرفس، ويضرب بيديه ويخبط، فلا يزداد إلا غرقاً ورسوباً! إنها إحاطة تقطع الطريق على مواجهات يُستدرج إليها القائد الغبي، تستنزفه وتأخذ طائفته إلى الفقر والحصار، والوقوف على شرف الانهيار، فينشغل السواد الأعظم من رعيته بأوليات العيش، وينصرف إلى ما يسد الرمق دون الهلاك، ويمنع التسوُّل والاستجداء، مقابل أن يستقر ويزدهر، فيتحرى سُبل الكمال، ويأخذ بأسباب التطور والرقي الروحي، وما يسمو به ويحقق الغاية الإلهية من خلقه!

    إنَّ السؤال ـ “النداء”، يستدعي وعياً يدرك خفايا الحرب الإعلامية، وكيف يغذِّي العدو نرجسية قائد مغرور، أحرق مساحة النقد من حوله، وأقصى كل مستشار ينبِّه إلى خطئه، وأحاط نفسه ببطانة تتفنن في مدحه وإطرائه… فيدخل العدو ليدغدغ فجَوات في روحه، ومركَّبات نقص في نفسه، يلعب عليها ويناور، يزرع فيه البطولة أو يوهمه بكمال يتمتَّع به! ثم يروِّج له وينفخ فيه، وإن دفع على ذلك ثمناً زهيداً لا ينال من قوته، حتى ينزل عليها الرجل ويؤمن بها المسكين، فيفخر أنَّ العدو يعترف له بها! وهو يعلم أنه يكذب، بل يعيش الأكاذيب ويغرق فيها، وأنه يسبح في جماعة ويحوم في منظومة قامت على الكذب وتمضي على الدجل!

    لا أحد هنا يريد التصدِّي لموقع تعيين التكليف الشرعي، ولا مصادرة صنعه، أو المغالطة في كيفية استنباطه ورسمه، فينفي أحكام الجهاد والدفاع، ويُيطل العمل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يرفع هذا الصوت والنداء ليدين أو يتحفظ على فقيه جامع للشرائط نهض للحق أو أفتى بالجهاد، سواء في ماضي الحوزة من أمثال الميرزا محمد تقي الشيرازي والسيد الحبوبي ضد الإنكليز، والشيخ كاشف الغطاء ضد الهجوم الروسي على إيران، والسيد الطباطبائي صاحب الرياض والميرزا القمي في أحداث القوقاز، أو حاضرها كثورة السيد الخميني ضد الشاه، والسيد السيستاني ضد داعش والإرهاب التكفيري. فهذه مواقف وإن تفاوت المحللون السياسيون في تقييمها، لكنها على الصعيد الشرعي والتقييم الديني، تامة صحيحة، كون من أصدرها ونهض بها فقهاء جامعون للشرائط…

    ولكن الموقف اليوم يختلف، فالراية باتت بيد تيار لقيط هجين، يستل أفكاره من علي شريعتي والإخوان المسلمين، ويكتسب مشروعيته من دعوى باطلة، تجاوز عوائقها بمكيدة وحيلة، وشهادات مزيفة، وأرساها بمناورة سياسية أشبه بالانقلاب الذي رفع هذا وأسقط ذاك!.. ليس لهؤلاء أن يقودوا الشيعة، ولا أن يمثلوا الشريعة، وهم يحملون الناس على أكتاف آل محمد، ويأخذون شيعتهم إلى مواجهة انتحارية في سبيل بطولات وهمية… فإذا توقف بصير، وامتنع حصيف، وأمسك حكيم، رُمي بالقعود، وطعن في إخلاصه، بل في حقيقة تشيعه وولائه!

    لقد تهاونت الساحة الإيمانية في دعاوى الاجتهاد والمرجعية، التي تستبطن الأعلم وتصادر موقع من يُستقى منه التكليف، جاملت في هذا وداهنت، وصانعت وضارعت، وها هي تدفع الثمن عبثاً في الدين وضلالاً عن الحق، وخراباً في الدنيا، وكوارث في الحياة الاجتماعية، وانحداراً في الأخلاق.

    ومن حديث الروح لمحمد إقبال: إذا الإيمان ضاع فلا أمان، ولا دنيا لمن لم يحي ديناً…

  • يضم أصابعه الخمسة ـ مبسوطة لا مقبوضة ـ إلى نقطةٍ تجمع الأنامل من الخنصر والبنصر والوسطى والسبابة إلى الإبهام، وكأنه يمسك أو يلتقط شيئاً ببنانه لا بيده، يحمل نقطة “المجمع” فوق راحته، ثم يومئ ـ ببطئ ـ رفعاً وخفضاً، يقول بها: مهلاً أو رويداً، وبالدارجة: “على كيفك” أو “يواش”! هذه الحركة، على عفويتها وتلقائيتها، هي الأكثر شيوعاً في حوزة النجف الأشرف! وتكاد تغلب دلالتها لتكون سمة في مسلك الفضلاء والعلماء هنا. يلقاك بها كلُّ مَن تحدِّثه عن الأخطار التي تحدق بالمذهب، وضرورة مواجهة الضلال ومقارعة الانحراف، أو تشكو له المظالم والمآسي التي تنزل بالشيعة في مختلف البلاد… يأتيك الجواب ويرتسم لك الموقف عبر خطاب النجف الثابت ورسالته الدائمة: الرويَّة والاعتدال.

    ومن غفلة عن الأصالة والعمق وعموم نهج الحوزة العلمية، وجهل بتاريخ المرجعية وما يحكم مواقفها، يحسب بعضهم الأمر تقاعساً وسلبية وقعوداً، ونكوصاً عن النهوض بالدفاع والقيام بالجهاد، ويتمادى آخرون ويمعنون، فيتدثرون به ويتذرعون، يدارون جُبنهم وقعودهم، ويبرِّرون ركونهم إلى الدنيا، وطلبهم الراحة والدعة، فيتمثَّل أحدهم هذه الحركة، بمداليلها ومعطياتها، مدَّعياً الرصانة ومنتحلاً الوقار، متظاهراً بسيماء الحكماء والخبراء، يوحي أنه عاش أمثال هذه القضايا، وخاض تجارب مشابهة، فيرسم لك تكليفك وكأنه لقمان، ولربما صاحب العصر والزمان! والمسكين التعِس، أو الشقي الصلِف، أجوف إلَّا من ضراعة وهوان، فارغ إلَّا من جُبن وخذلان، خاوٍ إلا من تكسُّب وتمسُّك بالحطام. ولك أن تتأوَّه هنا وتطلق زفرة طويلة تأسى فيها وتتحسَّر على”الاعتدال”، المفهوم المنتهَك والصريع، شأنه شأن “الجهاد” الذي يُستدل على ضده ويُدعى لتركه بآية تدعو إليه وتتوعَّد تاركيه أو تزجر المفرِّطين فيه: “ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة”!

    هنا “اعتدال” يعطِّل دور الصبيان والغلمان، و”رويَّة” تقطع السبيل على الأحزاب، وتحول دون الاندفاع في مؤامرات الحركات السرية، والوقوع في شراك مساعيها لاستدراج المرجعية إلى غير حجى، ينفذ فيها صبرها على طخية عمياء، فتخوض مواجهات تقحمها بيد جذَّاء! إنَّ وقار العلم ورصانة التقوى والزهد، هو ما ينكِّس الرايات المرفوعة دون الحجة، المتقدِّمة المارقة والمتأخرة الزاهقة، وينقذ الشيعة من الشعارات الجوفاء التي ترفعها والنداءات الكاذبة التي تطلقها، وتبسط نموذجاً يحقِّق النيابة الحقيقية، ويوفِّر للأُمة ما يكفيها لالتزام وصية المولى عليه السلام في غيبته “أما الحوادث الواقعة…”.

    لا يخفى أنَّ العمل بالمداراة والأخذ بالتقية هو من أبرز عناصر صنع القرار وعوامل تشخيص المرجعية الدينية موقفها، وأنَّ الاضطرار إلى المصانعة والمجاملة، واللجوء إلى اللين والمهادنة، هو من لوازم النهوض بموقع القيادة الدينية والزعامة المذهبية… وفي العموم، الأخذ بما يكفي الأُمة تحمُّل كُلفة أكبر وثمن أعظم مما تدفعه بالإعراض عن التعديات والإغضاء عن الأخطاء، وما تخسره جرَّاء السكوت عن المظالم والصبر على العدوان. ولكن هذا لا يعني التفريط بدور حفظ المذهب والذود عن الطائفة، ولا تعطيل دور المرجعية في الريادة والهداية، وترك تقويم الحركة وتصحيح المسار أبداً، ولا التخلي عن كشف الباطل والنهوض ببيان الحق، والسعي لقطع أسباب الافتتان والزيغ عن الدين والمذهب، فالمرجعية تتدخل حين يقتضي الأمر، وتسجِّل حضورها بحسم إذا تحقَّقت الضرورة، وهذا مطَّرد ثابت، سواء على الصعيد السياسي والأمني، كما في فتوى الجهاد التي قصمت ظهر داعش، ودفعت شرَّ الإرهاب عن العراق، وجرى من قبل في ثورة العشرين وحكم تحريم التنباك، والتصدِّي لقضية “المشروطة”، أو على الصعيد العقائدي كما في مواجهة البابية، ما قاد إليها وما أفضت إليه. وفي عصرنا شاهدٌ في الموقف الرباني من فتنة فضل الله، وقد جاء، كما هو غالبٌ في أداء المرجعية، على نحو توزيع الأدوار والتناغم في المسار، مما أطلق يد بعض المراجع والحوزات، وكفَّ أُخرى، لمصالح وأهداف عُليا، جهلها بعضهم، فتوهَّم عجزاً في عمق العقيدة وتفاوتاً في مراتب الولاء! ومع تكرار الرسائل (نقل إحداها علم ثقة ثبت، هو آية الله السيد علي الميلاني) التي تؤكد أنَّ المرجع الأعلى إنما اكتفى هنا بما نهض به العلمان التبريزي والوحيد، الأمر الذي ترك له سعة في الحركة يجبر بها ما سيفقده المتصدُّون نتيجة الحرب التي سيلقونها من الحكومات والأحزاب والتيارات الضالة، إلا أنَّ بعض المؤمنين بقي متوجساً من “ضعف ولائي” حكم القرار و”تراخٍ برائي” رسم الموقف!

    وبالأمس القريب، في احتفالات الميلاد الشريف، طويت صفحة الشبهات التي تركَّبت من توغل الفكر الحداثوي الملازم للانتشار الإيراني في بيانات ونصائح وُجهت يوماً للخطباء الحسينيين، وظهر الرجاء في قطع دابر فئة تمكَّنت بعض عناصرها من النفوذ إلى مواقع التوجيه والإرشاد باسم المرجعية في مسيرة الأربعين… تصدَّى السيد السيستاني بوضوح، ووضع النقاط على الحروف، وظهر على حقيقته، عاشقاً لإمام زمانه، متحسساً آلامه، ورابطاً على قلوب أيتامه، فكتب:

    “وليستحضروا عناءه عليه السلام في غيبته، لما يراه من المظالم والمفاسد في كلِّ مكان، وشوقه إلى أن يكون ظاهراً ليصلح ما انحرف من دين الله ويقيم العدل بين عباده. وليعلموا أنهم جميعاً محل اهتمامه وعنايته، وهو أرأف بهم من آبائهم وأُمهاتهم، وتهمه أُمورهم وأحوالهم، ويتعاهدهم بالدعاء والرعاية، وينبغي أن يتوسلوا بجاهه في قضاء الحوائج ورفع المشكلات”. ويمضي دام ظله، فينشغل بما أرادوا تصنيفه فضولاً، ويخوض فيما جعلوه نافلة أمام أُمور حسبوا لها الأولوية والأهمية، فانصرفوا إليها وانشغلوا بها عن الفتن المضلة والأهواء المغوية، ليُمضي التراث والسيرة التي دأبت عليها الطائفة، ويذكَّر أبناءه: “وليحذروا عن الوقوع في الشبهات المضلَّة والفتن المهلكة التي تتفق في غيبته، وأشدها ما أضرَّ بالعقيدة فزلَّ صاحبها عن الدين أو ضلَّ عن الولاء لهم عليهم السلام. ومن جملة ذلك الوقوع في فخّ من يدَّعي النيابة الخاصة أو يزعم الاتصال الخاص وينقل عنه عليه السلام تعليمات خاصة، فإنَّ هؤلاء قُطَّاع طرق لعقائد الشيعة في رجوعهم إلى أهل البيت، بل الواجب الذي لا شك فيه في هذا المذهب، كما جرت عليه سيرة المؤمنين جميعاً طيلة اثني عشر قرناً من غيبته، ما أوصى به أولياءه وشيعته من الرجوع فيما اشتبه عليهم من أُمور الدين إلى الأمثل فالأمثل من الفقهاء العدول المتقين من شيعتهم المقتفين لآثارهم وهديهم، فإنهم حجته عليهم وهو حجة الله على الناس جميعاً. كما أن من البدع المهلكة الدعوة إلى الرجوع إلى كل ما نُسب إلى الأئمة عليهم السلام من دون معرفة واختصاص، ولا تنقيح وتمحيص، ليتبوأ الجاهلون بالآثار وأُصول تمحيصها وتنقيحها مقام العلماء العاملين المتخصصين في شأن ذلك. كما أن من البدع المهلكة إنكار ثوابت الدين وقواعده أياً كانت الشبهة الباعثة عليه، ومن صعب عليه العمل بشيء من التعاليم، فلا يندفعنَّ بذلك إلى إنكارها أو التشكيك فيها، فإنَّ على العاصي إثماً واحداً وعلى المنكر والمشِّكك إثمين”.

    بوضوح لا ريب فيه، يُمضي السيد السيستاني هنا ما قام ويقوم به بقية المراجع العظام والعلماء الكرام، ومعهم تيار عريض من الناشطين في التصدي للضالين: فضل الله والحيدري وحب الله وأضرابهم، ويصطف في جبهة المدافعين عن الأصالة والتراث، ويكشف عن وجهه الحقيقي الذي دارته التقية حيناً ووارته المصلحة فترة، وظهر وبان ليخلع على الأُمة الأمان، وينجيها من الضلال والافتتان الذي حاول أن يندسَّ تحت مظلته الأبوية، ويكتسب من سكوته المشروعية، ويستغل أداءً سعى للموازنة والموقع الجامع الذي يجاهد في الإبقاء على المؤمنين في دائرة المذهب وعدم نبذهم من الطائفة. وثبت إن المرجع الأعلى لا يختلف، في فكره وعقيدته ورؤيته، عن الميرزا التبريزي والوحيد الخراساني، والشيخ بهجت والسيد الوحيدي والسيد صادق الروحاني وكل من انبرى وحكم بضلال فضلة الشيطان.

    ومما ينبغي بيانه بصراحة وجلاء، وعرضه بحسم ومضاء، أنَّ الساحة الإيمانية ماضية في أدائها الولائي ودورها الرسالي على الصعيد الفردي الشخصي والجماعي العام، تخضع للحوزة والفقاهة والتخصص العلمي بتسليم وإذعان، وتنزل على رأي الفقهاء وفتواهم برحابة صدر تقهر كل كبْر، كما تمارس ـ في الوقت نفسه ـ دوراً رقابياً عليهم! تتحرَّى شرط العدالة في العلماء الأعلام بعين فاحصة وقراءة نقدية، لا تغتر بصلاة وصيام، فلربما لهج الرجل بالصلاة حتى لو تركها استوحش، ولكنها تختبرهم عند صدق الحديث وأداء الأمانة، فمن يدَّعي لنفسه مرتبة علمية لم يبلغها، وينتحل مقاماً لا يستحقه، فهو كاذب ساقط العدالة، مهما تزهَّد وتنسَّك… من هنا تعرف المتهالكين على الشهرة، واللاهثين خلف الدنيا، وتميِّز العاملين لولاية الفقه، عن الساعين لولاية الفقيه، يستبدلون آل محمد برعيتهم ومن تجري عليه نعمتهم! وتعرف مَن يريد بناء مجده ورفع مكانته عبر تشييد العلاقات، يتخذها قنوات دعائية، لا يردعه فساد هذا ولا يثنيه ضلال ذاك، ما دامت العلاقة تكسبه الأنصار وتتيح له التوسع وزيادة المتابعين والمعجبين! هؤلاء جميعاً ساقطو عدالة، لا نقلِّدهم ولا نعترف بمرجعيتهم. وما دام الشأن علمياً يدور في نطاق البحث التخصصي فنحن تابعون منقادون، أما في تطبيق الكليات وتشخيص الموضوعات الخارجية، فللمؤمنين كلمتهم ومن ثمَّ موقفهم، وهذا يتفاوت بتفاوت علمهم بالموضوعات ووعيهم بفضاء الحوادث وبصيرتهم بأجواء الواقعة وما يرسم التكليف تجاهها. وما موقف المراجع العظام إلا عقدٌ يربط على القلوب، وأُنس يخرج من الوحشة،

    وإلا فلو عدمنا حتى هذه النصرة لحيثيات تحكم موقف المرجع، فنحن ماضون في طريق الولاء لآل محمد، لا نبالي بخلو الديار ولا نكترث بالانفراد.

    أما شرط الإيمان فيرسم الأداء فيه والموقف تجاهه ما جاء في الكافي عن أبي عبدالله عليه السلام: “الإيمان حالات ودرجات وطبقات ومنازل، فمنه التام المنتهي تمامه، ومنه الناقص البيِّن نقصانه، ومنه الراجح الزائد رجحانه”. وفي الخصال عن أبي عبدالله أيضاً: “إنَّ الاِيمان عشر درجات بمنزلة السلَّم، يصعد منه مرقاة بعد مرقاة.. وكان المقداد في الثانية، وأبو ذر في التاسعة، وسلمان في العاشرة”، والساحة الولائية تتحرَّى الإيمان (ولاية وبراءة) في مرجع التقليد وتطلبه في أعلى حدوده وأقصى درجاته، من الثبات والرسوخ في طبيعته، والاطمئنان واليقين في مرتبته، كما تطلب العدالة والعلم وما إليها من شروط كسبية وتريدها في الذروة.

    هناك حزبيون، وهناك حداثويون، وهناك جهلة غارقون في أسر إعلام أُولئك وهؤلاء، وهناك شيعة خلَّص، لا يُخدعون عن دينهم ولا يوالون غير الأئمة الأطهار، وهؤلاء بدورهم، لا يعظِّمون عالماً ولا زعيماً مهما بلغ من العلم والمكانة والسلطة والشهرة، إلا بمقدار ما يشير إلى ذاك الجمال ويحكي ذاك الكمال.

    صدح المرجع الأعلى دام ظله بالكلمة الحق، وتمت بها الحجة، ولا عذر بعد هذا ولا ذريعة، وإذا لم يبادر المخلَّفون من “أعراب المدينة”، بترك الانشغال بأموالهم وأهليهم، والرجوع وتصحيح مواقفهم، فأمامهم يوم “لا يؤذن لهم فيعتذرون” و”لا تنفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يُستعتبون”…

  • علمتني التجارب أن لا أُصدِّق المدَّعيات، وبصَّرتني الحياة أن لا أنخدع بالظواهر، وألهمتني أن لا أركن للمزاعم، بل لا أنبهر حتى بالأفعال وإن طابقت الأقوال! فالأهداف تأتي على مراحل، والأغراض تُنال عبر أطوار، وما يبدو اليوم لك، قد يكون خطوة في مسير سينتهي عليك. علينا أن نقرأ ما بين السطور، ونبحث عن المنطلقات والجذور، نستكشف العلل والبواعث هناك، ونتحرَّى الأسباب والمنطلقات في هذا وذاك، فالذئب لا يبتسم وإن بدت أنيابه، والسياسي لا يصدق وإن أعجبك أداؤه، وترحيب الكاسب واحتفاؤه لا يعني سمو روحه ودماثة خلقه، إنما هو سعي لبيع بضاعته ونماء تجارته… لكلٍّ ليلاه وللعاشق هواه، هذا مال وتجارة وذاك جاه وسلطان، وآخر غُلب من البطن والفرج، ورابع صرعته الشهرة والأضواء. والأعم الأغلب في مَشاهد واقعنا الملتبَس من أداء الأحزاب الدينية، هو صوَر مختلَقة وصنائع إعلام، وهامش الحقائق في القليل المتبقي، ينحسر لصالح الأوهام! قد يُفقِد هذا التوجس والحذر المؤمن سمة البساطة والتلقائية المحببة فيه، ويُخسره صفة حُسن الظن بالآخرين وسلامة الطويَّة، لصالح الكياسة والفطنة والألمعية، ولكن ألا يستحق المُثمن هذا الثمن، وهو يخرجه من الإمَّعية؟ فلا يخدع عن دينه ويُستخف بعقله ويُسخَّر دابة ومطية؟ وعدم الأخذ بالظاهر والتسليم بالمدَّعى، هو سيرة ماضية، وحقيقة ماثلة في سلوك العقلاء أبداً…

    دع عنك خطر الفتوحات التي تعطَّلت، وانتشار الإسلام الذي توقَّف في عهد أميرالمؤمنين، والفتن والحروب الداخلية التي فتكت بالمسلمين، وغير ذلك مما يسوقه خصومه في تحفظهم على عهده، أو معارضتهم لإمامته وسياسته، وخلِّ عنك دعوى الحرص على الوحدة ودوام اللحمة، والتباكي على وقوع الاختلاف والفرقة في الأُمة… فهناك علل خفية للنصب، وأسباب لا تذكر لبغض علي!… في علل الشرائع للصدوق عليه الرحمة: كانت عداوة أحمد بن حنبل لأميرالمؤمنين عليه السلام، أنَّ جدَّه “ذا الثدية”، قتله أميرالمؤمنين يوم النهروان. وكان الأصمعي، الشاعر واللغوي، يبغض علياً، لأن أميرالمؤمنين عليه السلام قطع يد جدِّه أصمع بن مظهر في سرقة. وقال أبو العيناء لعلي بن الجهم: إنما تبغض علياً عليه السلام لأنه كان يقتل الفاعل والمفعول، وأنت أحدهما. فقال له: يا مخنث! فقال أبو العيناء: “وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه”…

    من عاش الواقع الإيماني، وخاض معترك النزاع والصراع بين الأصالة والحداثوية في الساحة الشيعية، يدرك بوضوح أنَّ هناك موتورون، باغتتهم صولة الولاء فأبطلت سحرهم وعطَّلت حوانيتهم حتى بارت سلَعهم وتعطَّل مشروعهم، وقد تصدَّت لبدعهم ومُحدَثاتهم، فقطعت عنهم المدد، وأنقصت منهم العدد، وملأت أفئدتهم الرعب، وأخزمت ألسنتهم عن النطق، وشرَّدت بهم مَن خلفهم، وقطعت بخزيهم أطماع مَن بعدهم. هكذا أفسدت عليهم دنياهم، وأبطلت كيدهم وأفشلت زعامتهم.

    لمَّا أصدر العلمان الميرزا جواد التبريزي قدس سره والوحيد الخراساني دام ظله، ومعهما بقية المراجع العظام وأساتذة الحوزة الكرام، حكمهم بضلالة فضل الله، ونهض المؤمنون الغيارى بدورهم، حتى أسقطوا الصنم ونكسوا رايته، ودفعوا أقرانه وألجأوا نُظراءه ليندسُّوا في جحورهم من جديد… تصرَّفت القيادة الإيرانية بمكر ودهاء، انحنت للعاصفة، والتزمت السكوت وما تراءى للجهلاء حياداً ونأياً بالنفس، وللبسطاء المغلوبين بحسن الظن ترفُّعاً عن الصراع في الجبهة الداخلية، وانشغالاً بالجهاد ومقاومة العدو الخارجي، ربضت ولبدت، حتى إذا حلَّت المنيَّة بالرجل فهلك، قام السيد الخامنئي وحشد أحزابه، وعبأ جنده واستفز أعوانه، وأعلن النفير العام لتشييعه وتأبينه، والاحتفاء بموته بجلال وتفخيم يمضي على سنن الفراعنة، وكأنه “تحنيط” أودع الميت ناووساً سيخلِّده، لا جثة دُفنت في قبر سيضغطه ويعتصره! ولم تكتف المنظومة الماسونية بهذا “الوفاء”، فنهضت بـ “إحيائه” في نهجه، وبعثه في أفكاره! عبر كلاب حرشتها تنبح الأصالة، وضباع أرسلتها تنهش الولاء، تعوي ليلاً ونهاراً، يمتلئ الإعلام بصخبها ويضجُّ التواصل الاجتماعي بهُرائها، حتى ألِفت الأسماع منكر الأصوات، وخرج العواء والضباح عن الإزعاج والنشاز! هكذا يعملون وعلى هذا النهج يمضون، لم يكن كمال الحيدري أولهم، ولا حيدر حب الله آخرهم… اخترقوا بيت التبريزي، في شرِّ انتقام، فقلبوه واحتلُّوه، واندسوا في بيت المرجع الأعلى وتوغلوا حتى تمكَّنوا، وتولوا التبليغ والتوجيه في أعظم موسم وأخطر “جبهة” إعلامية يعيشها الشيعة في كل عام: زيارة الأربعين، أُوكلت إلى سيد أحمد الأشكوَري!

    نشأ الأشكوَري، كصنوه الحيدري، شيرازياً، وبالتحديد مُدرِّسياً، تلقَّى جرعات الانحراف الأولى من بؤر الجهل في طهران، والتقط العدوى من قيحٍ تنزُّه مدرستهم الموبوءة هناك، ومن تلك الجرثومة جرى النخر الأول في الفكر، ووقع الخرق المتقدِّم في الروح، تأصَّل هذا بمرور الزمن وترسَّخ ذاك: ثقة بالنفس واعتداداً وزهواً، يقلب ضئيل المعلومات والنزر اليسير منها هالة متوهِّجة، توهِم بشأنٍ وخطب، وتورث هذه بدورها تضخُّماً وتورُّماً، كعقاقير الشعور بالشبع لطلاب التنحيف والحمْية، أو عمليات تكميم المعدة، التي تُشعر بالامتلاء من أدنى زاد وأقل طعام، هكذا تمتلئ النفس ببالونات فارغة، أُطر وعناوين كبيرة، تحلُّ وتستقر دون سبر غور وإحاطة، ناهيك بتنقيح وتمحيص، أو تعمُّق وتدقيق، حالة أشبه بالثقافة العامة، وأداء أقرب إلى الخطابة والتهريج… بهذا انتقل وعاش في قم، ليلحقه، من شبكة العلاقات التي بناها (ولعل الحاجة دعت لكشف تفاصيل علاقاته وارتباطاته وبيان دورها في ضلاله)، مزيد نفخٍ ودفعٍ فتباهٍ وخيلاء، مقترن بتواصل وارتباط بمراكز النفوذ والسلطة، ووعود بدوْر مرموق ومقام غير مسبوق، وشهادة “دكتوراه” من شيطان الطلبة الأكبر: “جامعة المصطفى”! وصاحبنا يتيه ويزهو، ويختال ويغتر، يحسب أنَّ العلم جُمع له من أطرافه، وصُبَّ في صدره وجلبابه. ومما عضد الضلال في الرجل ووافى مرتعاً خصباً فيه، نزعة حبِّ الظهور وطلب الشهرة المستحكمة فيه، فراح يتَّكئ دون مسند، ويستند على غير ساعد وعضد، فيهوي في الحضيض ولا يدري، ويستوي على وضرٍ يحسب أنه يتربع على كرسي رفيع أو عرش منيع!

    تلقفته “الاطلاعات” وتولت تربيته من بعيد وقريب، وما زالت تتعهدُّه وترعاه، حتى حان دور “سيد لواء” وآن أوانه، عند انتقاله إلى النجف الأشرف. وها هو اليوم ينفِّذ الأمر والمهمة، ويباشر التكليف والوظيفة، ويعيد تسويق المهترئ من المتاع والتالف من البضاعة، ويطبع على غلاف التعليب تاريخاً زائفاً يجدِّد الصلاحية، ويتيح العودة للاستعمال والاستهلاك. يدسُّ السموم على طريقة الشيطان، قطرة في جرَّة عسل، وجرعة في خابية خمر، ونفثة قذرة ملوثة في قدر يغلي، يُعدُّ فيه طعام، ينتظره سذَّج لا ينظرون، ونظراء له طامحون.

    قد لا يلفُّ الرجل عنقه بكوفية، ولا يبكي القدس ويجعل من فلسطين القضية، لكنه بلا ريب، رجل إيران في حوزة النجف الأشرف، لا يغيب عنَّا ولا نغفل عنه… عجزوا عن النفوذ في المناهج الحوزوية، فعمدوا إلى منظومة المؤسسات والمراكز العلمية، والأشكوري يحمل نهجاً خطابياً في المعقول الذي يفتقده أو يتعطش الطلبة في النجف إلى التوسُّع فيه والاستزادة منه، فيغري ويغوي، ويجذب ويرسخ قدمه، ويغرس الشبهات وينفث السموم ويبذر الضلالات.

    يسوِّق بهدوء لرجال الحداثة وأركان الضلال، معتبراً من أخطاء أسلافه، ومتعلِّماً من إثارات أقرانه، وزلَّات نظرائه، فيتجنَّب المسَّ بالمقدسات، ويحذر من الصدام والنزاعات! يتحدَّث ساعة وربع الساعة عن الفلسفة وعلم الكلام، وتطوُّر المعارف الدينية، تتخللها دقائق عن حيدر حب الله ومحمد حسين فضل الله، يسوِّق نظرية هذا ويُرجع إلى كتب ذاك! فيدحرج حجراً كبيراً ويطرح ركاماً على قبر الميرزا التبرزي ليهدم شاهده ويخفي اسمه، ويراكم عليه الردم فيطمره، حذر أن يعود يوماً ويحضر بفكره النقي ونهجه الثوري! أداء شيطاني يقتلع جذور الدين، فلا ثابت في الشريعة ولا راسخ في العقيدة، وخطاب يزري بأُسس المذهب، يضيِّع معالمه ويزيغ عن شعائره!… مراهناً في تقبُّل الأجواء ومرونتها تجاهه، على التغيير الذي طال كلَّ شيء في الحياة، فكيف عسى الحوزة أن تبقي على موروثها وتحافظ على نقائها وأصالتها؟ ومن اللطيف هنا ما يلتزمه عالم حكيم ورع، ما انفك يمتنع عن أي تغيير وتحديث، حتى في نمط حياته ومعاشه، من ملبس ومأكل! يقول إنني أخشى أن يرفد هذا خلق فضاء ويدعم فتح أجواء تسمح بتغيير الدين! فيرتكز الحداثوي إلى تغيُّر الحياة وكلِّ شيء فيها، ويحتج به لتغيير أُسس ومنهج بناء المعارف الدينية والأحكام الشرعية! وعلى الرغم من مغالطة المستدل هنا، إلا أن الورع كان يمتنع، حتى لا يقع في طريق الإسهام في تغيير عام يسوِّغ لتغيير خاص!

    ببساطة ووضوح شديدين، الأشكوري ينقل الحداثوية الإيرانية للحوزة العلمية في النجف الأشرف، يهدم فكرياً أسس الاستنباط، ويوهن عملياً ركن المرجعية والسلطة الروحية لهذا الكيان. لا فرق ـ في الجوهر ـ بينه وبين الغزي وياسر الحبيب واليعقوبي وأحمد القاطع، هؤلاء جميعاً يهدفون هدم الحوزة وتقويض المرجعية، إنما يختلفون في أساليب العمل وطرق التنفيذ، وفي الأسياد والأرباب.

    إنَّ الحوزة العلمية يعنيها في المقام الأول النهج لا الشخص، وتلاحق العلم والدليل، لا التهريج والتهويل… ومن قبل أنشد المرحوم الشيخ محمد رضا الأصفهاني النجفي:

    وبان لنا يُدعى بخضر جهالة

    ولكنه في فعله خالف الخضرا

    أقام جداراً ثم لم يبغ أجرة

    ويهدمه هذا ويبغي له أجرا.

  • كثيرون لا يخطر لهم سقوط الجمهورية الإسلامية ببال، ولا يهجس لهم في صحوة أو خيال! ويعتقدون أنها خالدة أبداً، وإن استعظم بعضهم التعبير وتنكَّروا له، لكنهم يعيشون في وجدانهم ويمارسون في واقعهم، أنها باقية لا تزول، مقيمة لا تفنى ودائمة لا تنتهي، ومن ثبت منهم على مذهبه وما برح يتمسك بإثني عشريته، لم ينقلب إخونجياً ويصير زيدياً، يحسب أنها باقية حتى الظهور الشريف، وهو ما كان يملأ به المجاهدون الأوائل الفراغ أمام السؤال عن فترة تطوُّعهم في “البسيج”، قوات التعبئة الشعبية؟ فيكتب في استمارة انتسابه: حتى ظهور المهدي! وعبَدَة الكواكب والنجوم هؤلاء، إنما يبهرهم سطعها ويفتنهم ارتفاعها، وتخلب قلوبهم زهرة ألقها وبهجة منظرها، ويغويهم قصور أيديهم عن تناولها، وتتابع ظهورها وثباتها في أبراجها… فيذهلون عن حقيقتها ويغفلون عن أفولها، والموحِّد الحق، لا يحب الآفلين، ولا يعبد غير ربِّ العالمين.

    ويلحق الارتكاز على بقاء الحال والتسالم على عدم الزوال، سكون نفسٍ واستسلام للسطوة، يأس من الانقلاب والتبديل، واستشعار فشل أي مسعى في سبيل الإصلاح والتغيير. وفي استراتيجية القوم، أو أدائهم الانفعالي وردود أفعالهم المنطلقة من مكامن مسكونة بتلك العقيدة، ونفسياتهم المريضة الراكنة إلى الذين ظلموا، ترى حرصاً على إظهار أصوات المعارضة (الإيمانية الأصيلة، دون العلمانية العميلة) ضعيفة وباهتة وغريبة، قليلة العدة والعدد، ضئيلة الفعل والتأثير، لا يُعبأ بها ولا يُكترث لها، ما يُبقي على “أصل البقاء”، ولا ينال من “دوام الحال”، ناهيك بأن يتهدد النظام وسطوته ويمكن أن يسقط الحكم وهيمنته. وهي حالة نفسية راجت في حزمة الأدوات والجبهات المحتدمة في الصراع بين الأصالة والحداثة، ومعها مقولات أخرى بثتها الحداثوية وزرعتها في النفوس، كالتشكيك في ضرورة التقليد، وحرية التصرف في الحقوق الشرعية، وتهميش بعض معالم المذهب كالشعائر الحسينية، وتهوين الخطب في الجبهة العقائدية لصالح السياسية، مما انتشر في أوساط أتباع الجمهورية الإسلامية، لفرط الجهل، سواء العلمي النظري، أو الموضوعي التطبيقي، فالقراءات السياسية للقوم تضحك الثكلى، وما برحت تأخذهم من زلة وعثرة، إلى كبوة وحفرة، والتخلف الثقافي والتردي الروحي والأخلاقي الذي صيَّرهم قطيعاً، همه علفه وشغله تقممه، اكترش من مقضمه ولهى عما يراد به، فلحق سواداً يلتف براية الأقدر الأقوى، وحزباً يهتف للمتمِّول الأغنى!

    ومن معضلات مخاطبة هذا السواد، من الشباب المؤمن بالثورة والجمهورية الإسلامية، سواء المنخرط في صفوف أحزابها، أو المتعايش معها والسابح في فلكها، تراه يتستَّر على تعدياتها ويغضي عن جرائمها، بل ينبري للدفاع عنها وينهض باحتجاجها والتبرير لها، ويأبى حتى توجيه النقد إليها، بل يعدُّه ذنباً ومعصية وإعانة للكافرين على المؤمنين، وتضعيفاً لدولة التشيُّع الوتر، في هذا المحيط المتحفز لإسقاطها والمتلهف للقضاء عليها! والحقيقة أنه مغلوب برؤية شيطانية إبليسية تدلِّس عليه، عبر ما يراه من السطوة والنفوذ، والمكنة والمال، والحكم والسلطان، والبأس والبطش، وما يلمس من قدرات أمنية تحصي على الناس أنفاسهم وتلاحق أعداءها في أجواف بيوتهم، وما يشهد انكفاء الخصوم وعجز المناوئين واستسلامهم، فترتسم أمامه في كل يوم “اليوم يئس الذين كفروا من دينكم” ويحسب أن دوام الحال هو الحق والمآل!… وإلا، فإن قراءة واعية ونظرة حكيمة للموضوع، تستقي من سنن التاريخ، وتحكِّم طبيعة سير الأمم والشعوب وقيام الدول والحضارات، تقضي بغير هذا الفهم والموقف، وتهتف بوجوب إعادة النظر في هذه الغشاوة بل الضلالة، فالبويهية والحمدانية والصفوية والزندية والقاجارية والسربدارية والأودية، كلها جاءت وحكمت وقضت وطراً، وكان لها دورها في رواج التشيُّع وبثه، أو النيل منه والإضرار به، ثم رحلت برجالاتها إلى ربها ليقضي لها أو عليها بالحق، لم يتوقَّف مصير المذهب يوماً على حاكم، ملك أو سلطان أو رئيس جمهورية، ولا حتى فقيه ولي، ولم تُعقد عاقبته ويرتبط مآله على نظام سياسي، ملكي أو جمهوري، مهما نصره وخدمه، وبعضها ارتكز عليه وانطلق منه. فقد بقي المذهب الإمامي على مدى التاريخ منفصلاً عن الحكومات والأنظمة، وبعضها اندكت فيه وانتسبت إليه، وذلك عبر منظومة فريدة لا يتوفر عليها غيره! فمضى التشيُّع على قوته وحافظ على نقائه، وبقي في أتباعه، يحملونه ويتناقلونه جيلاً بعد جيل، ويحفظونه بحرص وعناية، تفوق عنايتهم بأبنائهم وأموالهم، لا ينال منهم اضطهاد وتنكيل، ولا منه بطش ونصب، محروساً ومصاناً برعاية وعناية الحجة بن الحسن صلوات الله عليه، والذين معه من رجال الحوزة وخدام الشريعة وأساطين المذهب ورعاة الشيعة، أشداء على الباطل والانحراف والضلال، رحماء بينهم، يستنبطونه من أصوله، ويدرؤون عنه التحريف والشبهات، وينفرون به حيث كان للشيعة بلاد وأوطان، يربطون به على قلوبهم ويثبتونه في وجودهم.

    المعضلة في الفرقة أو الجماعة الخامنئية، أنهم لم يعيشوا قيام الجمهورية الإسلامية، ولم يواكبوا سقوط الشاه، فلا يسع المحتج خطابهم من أفق يقصرون دونه، ولا بذل مادة والاستدلال بما لا يعرفونه، والارتكاز على ما ينكرونه! لم يشهدوا الوضع السائد آنذاك، وكيف أن نظام الشاه كان أشد سطوة وقدرة، وأكثر إحكاماً ومُكنة، وكان الحديث عن سقوطه يدور بين الخيال والهراء، وهذا في أوساط العلماء، ناهيك بالسياسيين، وحتى بين قادة الحركة من الإسلاميين أنفسهم، ومنهم السيد الخامنئي، الذي كان يرى ذلك من المحال! كان هذا هو السائد في أروقة رسم التكليف ووضع الأهداف وصنع القرار، فغاية آمالهم كانت تقف عند الضغط على الشاه وإلزامه بالإصلاح، وبلوغ ما يفرض عدم المس بالدين وحفظ أحكام الشرع المبين. وحتى الكهول الذين واكبوا سقوط الشاه وأدركوا تلك الأيام، لكنهم لم يعايشوها، لعدم تواجدهم في دائرة الالتزام الديني آنذاك، وكون الأحداث خارج نطاق اهتمامهم، وكانوا منصرفين لغير شأن، فيلحقهم نفس الحكم ويطالهم نفس الإشكال في خروجهم عن هيمنة فكرة البقاء والخلود، ترتسم مقولة الواهم “ما أظنُّ أن تبيد هذه أبداً” في وجدانهم، واللطيف في ما تقرره الآية الكريمة، أنها ليست لغة كافر، ولا هو منطق جاحد، إذ يعود الواهم فيقول: “ولئن رددت إلى ربي لأجدنَّ خيراً منها منقلباً”…

    لست أدري، والمفترض في أنصار الجمهورية الإسلامية الثورية والإقدام… هل هو الجبن والخرَع، يرى السلطة والسطوة، فيُهزم في روحيته، سواء باللجوء إلى الأقوى والركون إليه، وإن كان ظالماً، لا يبالي أن تمسه النار، أو أنه يطلب السلامة والأمان، ويتجنَّب ما قد يخسره من مكاسب مبذولة ويحمِّله دفع أثمان، فيما لا طائل منه ولا أمل فيه ولا رجاء! أم هي نزعة الاستصحاب، وما يميل بالإنسان إلى الدعة، أمام عسر التغيير ومشقة الانتقال، ومؤونة لا يتحملها غير الصفوة من الرجال، وإلا حكم قول معاوية: شجاعٌ إذا ما أمكنتني فرصةٌ، وإلا تكن لي فرصةٌ فجبانُ.

    في ميزان الحق، يكفي في نذر السقوط وأمارات الزوال، نصرتهم لفضلة الشيطان، واستخفافهم بجحد مصاب الزهراء، واستهانتهم بهذا الخطب الفظيع، بل تطويعهم قضية يهتز لها العرش، لألاعيب حزبية وشيطنات سياسية، فإذا ألحقتها بعداء الشعائر الحسينية، وابتداع ما أزرى بالمقدسات وهتك الحرمات من خلع الأسماء والألقاب، على طريقة العباسيين، لتأتي التالية في طامة إخضاع الحوزة والمرجعية للدولة. وبين كل واحدة من هذه والأخرى، وحولها وفي أطرافها، آلاف الجنايات التي ارتكبت جهاراً نهاراً، أو سراً وخفاء… كلها تقتضي موقفاً وتوجب رفعاً للصوت أمام هذا المنكر، والكف عن المجاملة والمداهنة. والأمر إن خفي على العوام، فلن نفرض ذلك في المنسوبين إلى العلم والفضل، وما زال الزمان يجود بين الفينة والأخرى بصوت يتمُّ الحجة ويقطع البرهان، ويبكِّت المهادنين المضارعين، وقد صدح مؤخراً آية الله السيد العلوي البروجردي حفظه الله بالحق، وجهر بالدعوة للصواب والصدق، وضع النقاط على الحروف، ورسم الخطوط تحت الكلمات، وقد أفرغ ما في قلوب جميع المراجع العظام وكافة أساتذة الحوزة والفضلاء دون استثناء، اللهم إلا الأجراء، والعمائم الداخلة في أعوان الظلمة والعاملين في البلاط.

  • كان اشتقاقاً وتكراراً، أو قل: استنساخاً، يحكيه “بضعة مني”، ظهر في الدنيا تناسلاً وميلاداً. إنَّ هذا الكائن الملكوتي والوجود الجبروتي الذي أشرق على عالمنا بصورة امرأة، هو مجلاة لنور العظمة، ضياء انبلج منه وسناً يشير إليه.

    لا حدَّ لعطايا الله وهباته، ولا نهاية لعوائده وآلائه، منَحٌ لا تحصى ومنن لا تعدُّ، عمَّ جوده وسبق نداه وغلب فضله وذاع نواله، مالٌ وبنون، صحة وعافية، أمن وسلامة، جاه واعتبار، وضروب الفضل الظاهر والإحسان الخفي، في رأسها وسنامها الأعلى، عطيَّة الإيمان والأخذ بأسبابه، وفسحة تحصيل محمود الخصال، وبذل السلوك لنهج الكمال، والتمكين من الارتقاء في مدارجه حتى بلوغ غاياته… وقد غلبه الطمع والرجاء في ليلة ميلاد الزهراء، وانبسطت إليه الآمال من انفتاح أبواب السماء، فرمى بطرفه بعيداً، واستحضر حديثاً سابقاً طالما راود أحلامه، فطلب تحفة من سنخ البهجة التي عمَّت قلب عالم الإمكان صلوات الله عليه وآله بميلاد ابنته، رجا أن تأتيني المكرمة من عالمهم لا من دنياه، وتطاله من منزلتهم لا على قدره! ولا تسل عما وقع بعدها وكيف، ولكنه ما فرغ من إنشاء عريضته، ولا انثنى من نثر مناجاته وشكواه، إلا بسكون نفس إلى الإجابة! لا يخامره ريب أنه بالغ أمله، وكأنَّ الهاتف الذي أمر نواصي الرغائب أن تعنو، وزجر الصعائب أن تذل وتلين، طرَق سمعه أيضاً وبلغ فؤاده، فبات على يقين!

    بدأ الأمر حين شرع في تذوُّق: “فما أحلى أسماءكم”، واتخذ من “فاطمة” ذكراً يلوذ به وورداً يلهج بترديده، لا يكثر بقدر ما يتدبَّر، ولا يكرِّر بقدر ما يتفكَّر، يُعمل حسّاً مرهفاً يزعمه، ويُنفِذ بصيرة بقيَم الجمال وسبحات الجلال يدَّعيها، وأيسخِّر حباً يتملكنه ورقّـاً يرتهنه، أفضى يوماً إلى خدمة يحسب أنه أدَّاها لسيدته: دفاع عن ظلامتها، ووقفة أمام ضال يتحرَّى الذرائع ليُبرِّئ أعداءها، يلتمس الأعذار لمقتحم الدار، ويحتال في غرس الشكوك في قلوب شيعتها.. لم يجد غير هذا شفيعاً ووسيلة، فكأنه راح يسأل عليه الأجر، متغافلاً أنَّ العبد وما ملكت يداه مُلكٌ لمولاه! مراهناً على كرم يتعالى، وأريحية تتسامى، تأنف، فتبذل بلا استحقاق، وتشمخ، فتسخو بلا جدارة وخَلاق… مضى يردِّد اللفظ المقدَّس ويعيده بأناة، ثم صار إلى الشدو والإنشاد، والترنم والترطيب، حتى بلغ التحنان والصبوة، والتوق واللهفة، عندها أستمرأ ريقه، وصار رضاباً يرتشف، كأنه تناول شهداً أو تلذذ بحلوى يخامر مذاقها خيط من حموضة يستطيبها! ثم أخذته النشوة وغمرته البهجة، وغلبته ما لم يتبينه من المكنون في اللفظ والاسم، بعد الفكرة في المسمَّى والمعنى، وما تشعشع من المصباح وشفَّ من الزجاجة، ورشح من الإناء وانساب من الوعاء، وتدفَّق من منبع الفيض، وانبجس من عين الحياة، وقد تلقاه، كقائم في حجر إسماعيل، تحت ميزاب الرحمة في يوم مطير، يستقبل المنهمر عن سقف البيت وسطح الكعبة، أغتسل وأتطهر، وتهيأ أن يوافيه “النور” ويغمره الضياء، ويجد في بدنه محلاً وموضعاً يليق، وفي روحه سعة لا تضيق، فيلحقه العروج، بعد هذا المسعى المهيَع والمسرى الأسرع، يأخذه إلى حضرة تستشرف، أو كوَّة ونافذة تطَّلع وتستحضر، بل هي كرة احتوته، غلافها أثير يشفُّ لا يمنع الرؤية، أُلقيت في المشهد، كذرَّة تسبح في فضاء تلك العرصة، وهي الأدنى إلى الدنيا، إذ لا سبيل لبلوغ الحضرات الأعلى، ولا أهلية لشهود وتلقي الأقرب إلى تمام النور وصِرف الضياء والحقيقة المطلقة، وقد تمثلت هنا وظهرت، بما يستمد من الضئيل المعهود في نفسه، والنزر القليل الذي يسعف بسط الفراش ونصب الخوان لتلقي أزكى الطعام، ويحتمله التعقُّل والإدراك منه. وكانت الرحمة به والرفق بتواضع شأنه وهزيل قوامه، هو سيد الموقف والعامل الفاعل فيه، يحكمه حذر الهلاك عند كسر الجامد من فكره، وبلوغ الحتف مع عصر الضعيف اللين من نفسه.

    يقصر الفهم عن العلم وتعجز الفطنة عن التفسير، فيعيى اللسان ويكلُّ البيان… فلا مناص أن يقع الفكر في تداعي المعاني، ويلجأ إلى التمثيل والتشبيه، بعد تحرير المشاعر والإخلاء لها لتنطلق من خالص الفطرة، تتفاعل، فينطبع فيها ما انفعل، ويرسخ ما نهض فوجد المحل، ويترك إنزال كلٍّ منها في موضعه من المعارف الإلهية، ومكانه في منظومة العلوم الدينية، فالحضرة من الشرف والخطر، والمشهد من السمو والرفعة، ما يقهرك على الاحتشام والخفر، ويلزمك الحيطة والحذر، فالماثل هنا يشعر من فوره بضئيل حجمه، ويقف على صغير قدره وحقير شأنه، وقد أودعته الأهواء والجهالات حضيضاً، لولا دلو ملقى وحبل ممدود، وسيارة عابرة، لمكث في غيابته دهراً. فعاد بصيراً وخرج بحكمة ذهبية، أن لا يتطاولن ويخوض فيما يجهل، ولا يخرصن بما لا يحيط بتمامه فيبخسه حقه، لا يدري أنَّ في ذلك حتفه.

    كما هو البناء والتصنيع في الدنيا، تُلحظ فيه كُلفة المنتَج، والجهد المبذول في صنعه، والمواد التي اتُخذ منها، آلة ومتاعاً أو صرحاً وبناء، مما يتناسب مع حجمه وخطره، وقدرة صانعه ومهارته، فلا يصرف الحكيم في المنتَج الحقير والـمُخرَج الصغير ما يبذل في تشييد البناء الجليل كناطحات السحاب والجسور المعلقة والأنفاق التي تخرق الجبال وتسلك قعور البحار، أو الآلات الخطيرة كالحواسيب الجبارة ومنظومات التحكُّم والاتصال، والأقمار الصناعية وسفن الفضاء، التي تفاخر الشعوب المتفوقة وتزهو بصنعها، وتباهي الدول المتقدمة وتختال بإنتاجها… كذلك الحال في صنع الخالق وإبداعه! لكن بانتفاء أمر الجهد والعناء، لمطلق القدرة وانتفاء العائق والمانع، وعند المقارنة، يهتف الوجدان قبل الدليل والبرهان: “تبارك الله أحسن الخالقين”. وتبقى مرتبة الخلق في الجلالة والعظمة، تتبع أو تلحق شأن المخلوق في الوجود، ودور المصنوع ومرتبته في عالم الإمكان، وما يريده الله سبحانه وتعالى منه وله، فالموجودات الإلهية الربانية، وآيات الله على اختلافها وتفاوت مراتبها، إنما تبلغ ما هي عليه بما تناله من رشحات بعض أسمائه وصفاته، جمال وجلال، جود وكرم، علم وحلم، رحمة وعدل، قوة وقهر، ونقمة وغضب… فإذا بلغ الأمر حبيب الله، وأحبَّ شيءٍ إليه تعالى، وما سينهض بدور قلب عالم الإمكان، ويكون القنطرة بين الوجب والممكن والقديم والحادث، إذ “خلقَ الله المشيئة بنفسها ثم خلق الأشياء بالمشيئة”… أعمَل الله جلَّ وعلا فيه عظمته، لينبثق كائن هو مجمع أسمائه وصفاته، يحقِّق في سموه وكماله مشيئة الله تعالى، ويكون وعاء إرادته أمره!

    هكذا، من نور عظمته جلَّ وعلا، أبدع الله أعظم خلقه، وبرا أجلَّ كائناته… فخُلقت فاطمة!

    ومما شُهد في حينه، وأسعف الحظ في تدوينه، هذا الوجيز الذي يحكي لحظة أو ساعة، تعدل طرفة العين فيها، أحقاباً من دنيانا ودهوراً:

    ليل بهيم حالك، وظلام مطبق دامس… عتمة حندس تتقلَّب في العمى والتيه، وتطمس على البصر وتقطع النظر، أستار ضربت وحُجُب أُرخـيَت فلا يظهر شيء هنا لـيُرى، كأنها مدينة أضرَّاء ودار أكفَّاء، فحمة دُجُـنَّـة، مهما أحدق المرء وبحلَق، لا شيء يتراءى فيظهر، ولا في الأُفق ما يلوح فـيُسفر، بل لا أُفق هنا ولا فضاء، طبقات من ظلمة فوقها طبقات. كأن الزمن توقف على هذا وجمد، هدْءٌ قائم، وهزيع دائم، ديجور سيطول، لا ينقضي ولن يتصرَّم، سكَّر الأبصار، فعشاها وأورثها الغطَش والحـسَر!

    يبدو أنَّ قصة العشق لم تجر هنا بعد، ومقولة الحب لم تفعِّل الكُنه من هذه الكائنات، وتبعث فيها الحياة، وتلقِّنها سرَّها، فبقيت هامدة خامدة، تحكي العدم والخواء، وتصوِّر الإحجام والتعثُّر، وتعكس الانقطاع والجهل المطبق، حتى بأصل وُجودها وبديهة شيئيتها. فمقولة الحبِّ لم تكن قد وجدت سبيلها إلى هذه الكائنات بعد، ولا أدركت ما يدفع الجواهر فيها للنبض والنزوع والحراك… أو قُل ما انجذبت هي إليها، ولا يمَّمت شطرها ولا انفتحت عليها، وإلَّا فالمحبوب ضياء يتشعشع، وفيض يتدفَّق، وعطاء يسري ويرشح، بجود لا يُمسك، وسخاء لا يشحُّ، ومعين لا ينضب، فما عرفوه حتى يحظوا بأوَّل النعم وجذر الكرامات: طيب الولادة، وهو هنا: إدراك النفس ومعرفة الذات! فبقوا في بهمة الجهل وظلمة الغربة وخوف الوحشة، لم تنبلج في ذواتهم أنوار النجابة لتقودهم إلى السعادة والبهجة، لعلَّها عجينة تم خلطها ودعكها وتصويرها، لكنها لم تختمر، وأيام ستة لم تطوَ، وطور بكر لا يتكرر؟! فالملائكة أول خلقها، كانت تعيش ظلمة ليلاء وسدَفة سوداء، فعمىً وغطش، تتقلَّب في ”نسياً منسياً”، من أثر النفي وقرب عهدها بالعدم، فقد تكسَّرت أسواره من حولها للتو، لم ترتضع ضوءاً ناهيك أن تفطم، ولا أُشبعت من مشهد ومنظر، ما جعلها في ذهول عن وجودها، لا تعرف نفسها، ولا تدرك ذاتها… حتى عرضت ساعة عشق خالص صَرْد، غمرت الملكوت، وزهت لحظة حبٍّ أُشربها العرش فانتشى وطرب، واهتز لها اللوح وجرى القلم، يبدو أنها من لوازم العبودية ومظاهر التنزيه ونفي التشبيه التي يعيشها أربابها مع ربهم الأعلى، فخطَّ ذلك العزم والإرادة، وقضى بالمنح والإفاضة، فحانت من الأنوار إلى ”الأشياء” التفاتة، وعمَّها من ذاك النوال لمحة ونظرة… سطع نور وأزهر ضياء، وظهرت فاطمة الزهراء، انقشعت الظلمة وانجابت الوحشة وانجلت الغشوة، فصارت الكائنات تدرك ذواتها، وتعلم من نفسها الوجود!

    لعمري، أين يعيش الغافلون وفيمَ يكدحون وبمَ ينشغلون؟ عن أي قوة وسلاح يحكون، وبأي اقتصاد ومال يفاخرون، وبأي سلطان ودولة يباهون؟ لو حضروا هنا، في هذا الملكوت الأدنى، دون الأعلى، لحظة بقدر ما تطرف العين في الدنيا، وشهدوا طرفاً، ولا أطراف هنا ولا أنحاء! لهالهم وصعقهم الماثل من الكائن، ناهيك عمَّا كان وما سيكون، ولا زمن هنا يتقادم، ولا أيام تتابع!… إنهم وما يغترون به من قنابل ذرية وصواريخ عابرة للقارات، وتفوِّق في الاتصالات، وعقول آلية ومعارك سيبرانية وقدرات خرافية، ثم اقتصاد يستحوذ على معاش الناس، وسياسة تهيمن على مقدرات الكرة الأرضية وتتطاول إلى باقي الكواكب، هباء منثور وعهن منفوش، أهون من جناح بعوضة، وأحقر من قلامة ظفر!.. ثم يقايض السفهاء هذه المعرفة بحطام موهوم، وخشاش منه يعلفون، ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً! “أقبلوا على جيفةٍ قد افتضحوا بأكلها، واصطلحوا (توافقوا) على حبِّها، ومَن عشق شيئاً أعشى بصره وأمرض قلبه، فهو ينظر بعين غير صحيحة، ويسمع بأُذن غير سميعة، قد خرقت الشهوات عقله، وأماتت الدنيا قلبه”.

    على رغم أنه لم يلحق بشيء، ناهيك أن يندمج بحال، ومضى بعيداً عن أدنى الفناء والمحو والمحق والصعق وما إلى ذلك من مقامات ومصطلحات لا يفقه عمقها، مكبلاً بـ “كثَراته”، منفصلاً عن الحضرة في حظيرته، يسوق شياهاً يطلب لها المرعى، يلهث من علَّة وسغب وظمأ، يتحرَّى مورداً ويلتمس منهلاً، فجاء الميلاد بالتحفة، لكنه ما عاد من السفر إلا والعشق يتغلغل في كل ذرة من جسمه، ويملك كلَّ روحه، كأنَّ شيئاً لازم نفسه من ذلك النور الزاهر الذي أشرق على الملائكة، وهذه غيوم تتراكب وسحب تتراكم، تبشِّر بهاطل، وهاتف يسرُّه: إنها تتحف محبيها وشيعة بعلها من أُمة أبيها… هذه بارقة جادت بماء، سطعت على روح عاشقة، وانهمرت مزناً ونزلت مائدة من السماء، تحيي الموتى وتنفخ في الطين فيكون طيراً وتبرئ الأكمه والأبرص، وتنبئ عما جرى في الصقع الأول وما دار في بواكير الوجود. والآيات الكبرى التي رأت، أن الأفلاك في السماوات تطوف في مطاف، وليست تحلق في مدار، كل الموجودات مذ كانت تمضي في حركة دائمة تأخذ شكل التحليق حول محور والطواف حول مركز، هو نور فاطمة الذي انبلج، وضياؤها الذي انبعث، إزهار ملأ الثقب العظيم وردم الهوة السوداء في التكوين، فأعدم الظلمة ونفى كلَّ نقص وشقاء، أزهرت الحقيقة في صبح الأزل، وسطعت على هياكل تهتف بأنه تعالى هو الأحد وهو الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. وبان سرُّ عشق عليٍّ لهذه السورة، واستغراقه في هذا التجلي الأجمل، حتى اقترن به فتدفق عبرهما الفيض، وتشعشعت منهما بقية الأنوار.

    أطفئ أُخيَّ السراج، فقد طلع الصباح، وكفِّي يا دعد الدلال، فقد نضب المداد وانثلم اليراع.

  • عندما عزم المراجع العظام في قم المقدسة على إصدار الحكم بضلال الحيدري، وصل الخبر للسيد القائد، فتدخل وأبلغهم عبر الشيخ مكارم الشيرازي أنه لن يسمح بتكرار ما جرى على فضل الله،،، واليوم، والحوزة في النجف الأشرف تستشرف عهداً جديداً، وتترقب بروز مرجعية عُليا قادمة، يتكرَّر البلاغ السابق بخطاب ثان، ينادي بمنع قيام مرجعية أخرى تتزعم الأمة وتمثل المذهب، تتبعها الغالبية العظمى من المؤمنين فتكون العليا، يخضع لها الحبر الأعظم (البابا)، ويتوسل لقاءها الإمام الأعظم (شيخ الأزهر)، بينما قائد الجمهورية الإسلامية يقبع في هامش المشهد ويربض في ركن مهمل، يدير شراذم حزبية هنا، ومجاميع مرتزقة هناك،،،

    @   @   @

    يتفاوت المؤمنون في وعيهم ونضجهم وبصيرتهم، وبالتالي في تشخيص الأخطار التي تتهدَّد دينهم وعقيدتهم، أو تطال وجودهم كمذهب وفرقة وهوية مستقلة. كما يختلفون في روحياتهم، بين هميمة متوثبة، وخاملة متخاذلة، ويتباينون في غيْرتهم على الدين ومقدساته، واستعدادهم للبذل والتضحية في سبيله، أو إيثار الدعة وطلب الراحة، فيكونون ممن “يضارع ويصانع ويتبع المطامع”، ولن تخلو جعبة أحد من الحجج والذرائع،،، هذه الروحية وتلك البصيرة هي التي تعيِّن المعركة والجبهة، وتحدِّد التحدي والأولوية، وترسم النهج وتخطُّ المسار، فينصرف كلٌّ للعمل في اتجاه ويلحق بسبيل. هناك مَن يرى أنَّ الخطر يقدم من موجة الإلحاد، وآخر من التسيُّب الأخلاقي والانحلال والفساد، وثالث يحسب التهديد في الإقصاء السياسي والانزواء، والمعركة عنده هي كسب المقاعد البرلمانية وما يأخذ نحو مواقع صنع القرار، وهناك مَن نذر نفسه للتجديد، يظن البلاء في الركون إلى الموروث والتزام سائدٍ تقليدي عفا عليه الزمن، ويرى العلاج في مواكبة العصر وتطوير معالم الدين وتجديد أحكامه، وهكذا،،، وهناك من يجمع هذه وتلك (ويضم إليها غيرها)، ثم يلتف عليها، ليحتويها ويلخِّصها في عنوان واحد، هو الدفاع عن الجمهورية الإسلامية، ونصرة نظام الحكم في إيران!

    وهذا تيار غالب، منظَّم نافذ، يحظى بدعم فرعوني، وإمداد قاروني، وإسناد شيطاني، يمارس أعلى درجات التزييف والخداع والتحريف، دينه القيام ومذهبه السياسة، وشغله الصراع في سبيل الملك والسلطة، وشأنه التوسُّع والامتداد. وهو لا يلتزم نهجاً ولا يتقيَّد بطريق، فالغاية تبرِّر الوسيلة، والهدف يسترخص الثمن، لا يعنيه ذهاب بيضة الإسلام، ولا يكترث باندراس معالم التشيُّع، ولا يبالي أن تهدر دماء الهزارة في أفغانستان لتفاهمٍ مع طالبان، ولا يتوانى أن يصرف من بيت المال ويدفع من حق الإمام لنصرة الزيدية في اليمن أو النواصب في فلسطين أو الإخوان في ليبيا أو المسيحيين في أرمينيا وحتى الشيوعيين في فنزويلا، ما دام الأمر يخدم “الجمهورية”!،،، ثم يحتال في اتخاذ “الطائفة” حاضنة له، ويمكر ليصبغ جميع الشيعة ويُظهرهم بلونه ويجللهم بطابعه، لا يحفل أن ينتظم العالم كلُّه ويتموضع ضدهم، يستهدفهم في أوطانهم وأرزاقهم وأدوارهم ومكانتهم في مجتمعاتهم، ما يزري بأمنهم واستقرارهم، ويقطع عنهم أسباب العيش الكريم، وينتهي إلى تحقق “كاد الفقر أن يكون كفراً”،،، ما دام ذلك يخدم معركة قررها السيد القائد! وإن نفى بعضهم التفريط بالدين وأنكر الاستهانة بالعقائد والأحكام والمقدسات، وزعم أنَّ هذا الأداء يصبُّ في خطة بعيدة المدى تخدم المذهب وتحقق له عائداً عظيماً في المستقبل البعيد،،، فهو لعمري، سيكون من قبيل الذي أحرق بيته ليثبت كفاية آلة إطفاء ابتاعها، أو ارتاد حانة وثمل وعربد مع السكارى، لينهى عن المنكر من موقع أكثر وقعاً وتأثيراً، أو الفتى الذي قتل والديه، لينضم إلى رحلة مدرسية مخصصة للأيتام!

    ولو تأملت في المأساة وتدبرت، لرأيت أنَّ هتك المقدسات وإسقاط عناوين وألقاب “الإمام” و“ولي الأمر”، وافتراء أوصاف ”حسين العصر” و”علي الزمان”، أداء أسس للنهج الذي يمضون فيه، وأنَّ ذلك لا يجري كآلية سياسية ومناورة إعلامية لزوم إضفاء هالات القداسة، وأغراض الكسب والاستقطاب والتعبئة، بل هي ممارسات تفاعلية جادة، تنطلق من استشعار المقام وتقمُّص العنوان! فالرجل يرى أنه قادر فعلاً على النهوض بدور الإمام وتجسيد حقيقته! وأنَّ نيابته التامة وولايته المطلقة، تسمح له بهذا الدور، فهو يريد مواجهة العالم بأسره، والقضاء على الاستكبار من رأسه، وتحرير الأرض وتطهيرها من كل رجس وشرك وظلم وباطل، ليكون الدين كله لله! وما العراق واليمن وسوريا ولبنان إلا بداية، يعقبها تحرير القدس وفلسطين، التي تخلَّى عنها العرب، وباعها ـ من قبل ـ أهلها، وانصرفوا عن فكرة تحريرها، بل انخرطوا في المشروع الصهيوني والتركي والأمريكي، ألحِقه بمن شئت وانسبه لمن أردت، وكانوا ركيزة القاعدة وداعش، ووقود التفجيرات الانتحارية التي تجاهلت كلَّ هدف وغرض، واعتمدت قتل الروافض طريقاً حصرياً للجنة التي يتوهمون،،، ولك أن تتأمل في الحال، من هذا الموقف والمقال، فأمريكا وروسيا والصين وغيرها من القوى العظمى في الشرق والغرب، يختلفون ويتصارعون ويتنازعون في كل شيء، اللهم إلا في أمر وحيد، هو بقاء إسرائيل وحفظها، فهم جميعاً على وفاق في ذلك وتآلف، ثم يأتي القوم بدعوى محوها وإزالتها من الوجود! فهل من وجهٍ وتفسيرٍ غير كون الرجل يحسب نفسه الفاتح المدَّخر والمهدي المنتظر؟!

    إن مقولات الثورة وإباء الضيم والعزة والكرامة،،، حسنة محببة جاذبة، ولكن علينا ـ ونحن نطلقها وننادي بها ونتطلَّع إليها ـ أن ندرك الحقائق ونعيش الواقع، ببساطة شديدة ووضوح، هناك دول خاضت حروباً طاحنة، (العالمية الأولى والثانية)، قدمت فيها تضحيات ودفعت أثماناً وتحملت تبعات كارثية بلغت قتل ما يناهز مئة مليون نسمة، وجرح وإعاقة أكثر من مئتي مليون آخرين، إضافة إلى تدمير وحشي للمدن وشبكات الطرق والجسور وسكك الحديد والمطارات والمصانع، ولم يحسم الصراع بينها إلا القنبلة النووية، فانتهت بهزيمة ألمانيا واليابان، والسلطنة العثمانية من قبل، ما أفضى لنتائج وغنائم، قُسِّمت ووُزِّعت بين المنتصرين،،، وقد كان الشرق الأوسط في غنائم تلك الحرب، كما أفريقيا وجنوب شرق آسيا، وغيرها من البلاد. فنحن ـ في الحقيقة والواقع ـ أسلاب دفع المنتصرون أثماناً باهضة وتحملوا كُلفاً جسيمة في سبيلها،،، فهل يمكن لعاقل أن يتصوَّر تخليهم عنها بحال؟! أم تراه يصدِّق تمثيليات جلاء الاستعمار وأعياد الاستقلال؟! والحقيقة الأخرى هي البون المترتب على السبق والتفوق العلمي، فمن المستحيل ـ العملي ـ أن يسمح المتفوقون بتقليصه، ناهيك عن زواله واضمحلاله لصالحنا، ولعله ـ من هنا ـ يكون خروج المهدي عليه السلام مقروناً بتعطيل الآلة وإبطال مفاعيلها.

    ولا يعني هذا الإقرار، والتذكير بهذه الحقيقة، الاستسلام والانغماس والركون للمشروع الاستعماري،،، ولكنها دعوة للحكمة في مواجهته، والعمل بأساليب تجنِّب الشيعة مواجهات قاتلة وصراعات دائمة تستنزف طاقاتهم وجهودهم، بل وتتهدد وجودهم.

    ومما يلحق بهذا وذاك، أنَّ هذا التيار يلقِّن أتباعه ويربيهم، ويغذِّي صبيانه ويغرس فيهم، روح البأس والثقة بالنفس، ويلقنهم اليقين بالغلبة والنصر، ويزرع الشعور بالقوة والقدرة، ويخدِّرهم بنشوة النفوذ والسلطة، ما ينمي الطغيان في الصغار منهم كما الكبار، تراهم يختالون ويتفاخرون، يمشون في الأرض مرحاً، يريدون أن يخرقوا الأرض ويبلغوا الجبال طولاً! ولا تجد في عالمهم الموبوء سعة لتهذيب النفس ورياضتها بمحامد الأخلاق، ولا لتزكية الروح والارتقاء بها في مدارج الكمال، ولا فسحة لنفحات روحانية يستشعر فيها المرء التواضع والانكسار، وعيش العجز والافتقار، ما يستنزل الرحمة الإلهية والمدد ونصرة السماء،،، ثم لا يكتفي من هذا التهور والسفه وقد أخذ أهله في منحى الهلاك المبرم، فيعمد إلى إلحاق جميع الشيعة بهم وبمصيرهم! ويعمل على بسط سلطة قائده وإظهاره للعالم زعامة وحيدة تمثِّل المذهب والطائفة، وأنَّ جميع المراجع والعلماء، والمدارس والحوزات، والمساجد والعتبات والحسينيات، بأعلامها وروَّادها وزوَّارها وعمَّارها وجمهورها وكياناتها، تخضع له وتتبع ولايته، تصطف معه وترفع صورته وتلهج بالدعاء له!،، هذا هو أكبر خطر عرفه الشيعة في تاريخهم، وأعظم إرهاب يتهددهم، وهو ـ في فهم العاملين البصراء، وتقييم النخب الواعية في الحواضر الشيعية، ولا سيما العلمية ـ يفوق القتل والتفجير والتنكيل والتهجير، فهذه على فظاعتها وقسوتها وشدتها، كان لها ـ دائماً ـ وجهها الآخر ومردودها المعاكس في تمسك المضطهدين بمذهبهم، وإذكاء تعصُّبهم لما ينقمون عليهم بسببه،،،

    إن الصيغة التنفيذية والتطبيق العملي لهذا الامتداد، يشكِّل واحدة من أبشع صوَر البغي وأشكال التهور والجموح، ويتمثل في أداء يستهلك الوجود الشيعي في مختلف البلاد، ويسخِّره ورقة لصالح الجمهورية ونصرتها، وقرباناً لسياستها وقيادتها، فلا بأس أن يُهرس الشيعة برحى الفقر ويسحقوا تحت وطأة الحصار، ولا غضاضة أن يُعزلوا فتبنى من حولهم الأسوار، ويخنقوا بضرب إسفين الكراهية والشحناء بينهم وبين باقي شرائح مجتمعاتهم وأبناء بلادهم،، كل ذلك في سبيل أن تمضي إيران في مشروعها التوسعي، أو تحسين موقعها التفاوضي! والأسوأ الأنكى والأمرُّ الأدهى، أن يُمحق جوهر الدين ويُباد كنهه وتمسخ حقيقته، حين تجعل أُصوله وثوابته مادة للعبث الفكري، ليخرج متوافقاً مع هذا المشروع الكبير، المبتني أصلاً على رؤى الإخوان المسلمين والشريعتية وحزب الدعوة، ومشرب السيد القائد ومستقاه في التطوير والحداثة، فتُجحد العقائد وتقلب الأحكام ويزيِّف التاريخ ويفرِّط بالشعائر الحسينية،،،

    والحق إن عظمة السيد السيستاني تأتي من هنا، من قدرته على مواجهة هذا التيار الجارف المدمِّر والمنظَّم المتموِّل، والقوي المقتدر، بمخابراته وأمنه وعسكره وأمواله وتنظيماته وأحزابه وإعلامه،،، نجح المرجع الأعلى في استخلاص المذهب والطائفة من هذا الانجراف وأنقذهم من هذه الهاوية، واستطاع أن يرسم للشيعة أولاً، ويُبلغ العالم أجمع ثانياً، أن معالم المذهب وقوامه، وهوية الشيعة وزعامتهم، إنما تُستقى من الحوزة العلمية والمرجعية الدينية، وأن المشروعية الشيعية هي هنا، لا في الجمهورية الإسلامية ونظام حكمها، ولا في الأحزاب الملحقة بها.

    هكذا تبلوَر أو ترسَّخ الوجود الشيعي الطبيعي، الفطري النقي المستمد من الأصالة، المتمسك والقائم على الركائز المقدَّسة: الحوزة العلمية والتراث (أحاديث الأئمة ونتاج العلماء)، المرجعية الدينية، العتبات المقدسة والشعائر الحسينية،،، هذا الوجود المبارك والمتنامي، الذي ما انفك يزدهر ويتألق، بيُمن أركانه المتماسكة، وأسوار قلعته الحصينة، تحمله الأغلبية الساحقة، ولكن الصامتة، ويمثله كافة أهل الإيمان، لا يخرج منهم ويُستثنى إلا مَن انفرز في حزب، وانفرد ببدعة، وشذَّ في مهلكة،،، هو الذي يحدد الجبهة الحقيقية ويرسم النهج ويخط المسار الذي علينا التموضع فيه والانشغال به والجهاد معه، وما يترتب على البصيرة بالخطر الذي يتهددنا من التوجه المتطرف، والنهج المتخلِّف القادم من إيران.

    سيكتب التاريخ أن السيِّد علي السيستاني استطاع بأداء متوازن، يجمع المرونة والاعتدال، إلى الحسم والإقدام، وأحياناً بعض الإصرار والشدة، ودائماً الحكمة،،، نجح في الحفاظ على استقلالية الحوزة والمرجعية، وقطع الطريق على المشروع الإيراني في التهام الطائفة وابتلاعها، والذهاب في أطروحة شمولية، تستعبد الشيعة في سائر البلاد وتُخضعهم لسلطتها السياسية المتهورة وولايتها الدينية المنحرفة! فأوقف التمدد الذي يرسم طريقاً حصرياً للحركة الدينية، هو الأخذ بالثورة والقوة والانخراط في عملياتها، والذهاب في صدام لا نهائي مع العالم، كما قهر ـ دام ظله ـ إلى حدٍّ كبير مشروع الحداثوية الطامح لإسقاط وتغيير المقولات والآراء الدينية السائدة منذ قرون، وأفشل السعي الخفي الذي يأخذ تجاه اللامذهبية، الهدف النهائي للحركة الإسلامية، من جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وحسن البنا وسيد قطب، إلى علي شريعتي وفضل الله والحيدري والصعاليك الذين ترعاهم الجمهورية الإسلامية.

    وعلى أعتاب النقلة النوعية القادمة، ومشارف انتقال المرجعية إلى جيل جديد… يجري الآن التحقق من المرشحين، والتثبت من جامعيتهم للشرائط، وتحديد الأعلم من بينهم، أو الذين هم في دائرة الأعلمية ونطاقها، مما يعود لأهل الخبرة والاختصاص، ويلحق ذلك ويتبعه من النخب الشيعية الفاعلة، التثبت من درجة الوعي والبصيرة، وفهم طبيعة الأخطار المحدقة بالمذهب والطائفة، ولا سيما المتوجهة للحوزة والمرجعية، وإدراك ضرورة المضي في مواجهتها، ما يُبقي على استقلال الحوزة، ويحول دون إخضاعها للدولة. علينا تحرِّي هذا الأصل في المرشحين، وتطبيق هذا المعيار والتمسك به، بل العض عليه بالنواجذ، حتى يكون شعار هذه المرحلة: مَن كان من الفقهاء واعياً لحقيقة الخطر، مدركاً حجم المؤامرة، موفقاً في ترتيب أولوياته، وتحديد النهج والمسار الأمثل، متنزهاً عن العمالة لأي حزب ودولة، أو الخضوع لتأثيرها، ولاسيما تهديداتها،،، فهو مرجعنا القادم، الذي علينا أن نحشد الأمة حوله، ونعبئها لدعمه ونصرته، ليكون الأعلى، الذي يحمي كلمة الله ويبقيها العليا.

    نريد مرجعاً في قمة العدالة والورع، لا بترك المحرمات والترفع عن المكروهات، والتزام الواجبات والعمل بالمستحبات فحسب، بل الأخذ بالنزاهة السياسية عن أية عمالة، والنهوض بواجب التصدي والمواجهة، دون تحديد منَّا لآليتها وكيفيتها، فالمرجع هو الأقدر على اختيار الأسلوب الأمثل، لما يقع في محل العناية الخاصة للحجة عليه السلام، ويحظى بالرعاية والتسديد.

    إن القضية اليوم ما عادت في شياطين من أمثال فضل الله وحب الله والحيدري، ولا صعاليك من أضراب سقيم الحسني وعبدالنزق الغزي والسيئ الكشميري، ولا باتت تراشقاً من بعيد،،، بل هي التحام بالسلاح الأبيض، وقتال مباشر في الميدان، وقد اقتحمه المشاة، وأُنزل فيه المظليون، فلا بد أن يقف المدافعون أمامهم، وإن اقتضى ذلك الخروج من الخنادق والمتاريس، وشرع الصدور لتلقي جراحات السيوف والسهام، وطعون الأسنة والرماح،،، و”خلق الله للحروب رجالاً، ورجالاً لقصعة وثريد”. لا مؤمن يحبذ الصراع الشيعي ـ الشيعي، ولا عاقل يرى فيه الخير، ولا متشرع يجعله جبهته وأولويته، ولكننا أمام تهديد وجودي، دون مبالغة وإغراق، أو نسج منَّا على منوال المؤامرة،،، و”إذا لم تكن إلا الأسنةُ مركباً، فما حيلةُ المضطر إلا ركوبها”. أو قل: “ألم تر أن المرء تدوي يمينه، فيقطعها عمداً ليسلم سائره”؟!

  • من أهم الفروق بين الديانات السماوية وغير السماوية، أو الملل الملحدة، مسألة القول بالمعاد ويوم القيامة، والإيمان بالعالم الآخر الذي يلي هذه الدنيا. هناك دهرية، الأمر عندهم فعل الطبيعة، ما هو إلا كرُّ الليالي ومرُّ الأيام، يتقادم العمر فينتهي بالموت، لا إله يقبض الأرواح ولا ربٌّ يهبها، “ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر”. وكذا القول بالتناسخ، عودة لأرواح الميتين، لتحلَّ في أبدان جديدة، في هذه الحياة، لا برزخ هناك ولا آخرة. وتمثل هذه العقيدة ركيزة خطيرة ومنطلقاً عميقاً وأصلاً متجذِّراً في عمل الشيطان الرجيم وسُبل إغوائه الإنسان. وإن لم يكن التناسخ عنواناً متداولاً ومبحثاً حاضراً في الساحة الإيمانية، إلا أنه أحد أخفى وأخطر مداخل محاربة الدين، وذلك عبر العمل بمقتضاه، والأخذ برسالته، وهي أبدية الدنيا وعدم نهايتها، ما يرسِّخ منطق الاستغراق في إعمار الحياة الدنيا ويدفع نحو الأخذ في زينتها والتمتع بزخرفها.

    وهذا مما سرى وتسرَّب إلى ثقافة “الحركة الإسلامية”، تلتمس للإسلام نطاقات اجتماعية وميادين دنيوية ترفد العيش وتعمر الحياة، تؤكد أنه ليس مجرد عقيدة وشريعة تمهد لضجعتك في قبرك، وتأخذ بيدك إلى معادك، وذلك على حساب تغييب خطاب ذم الدنيا والتحذير منها، الذي ينادي به الإسلام الأصيل، ويزخر به تراث أهل البيت وتؤكد عليه وصاياهم في الدعوة إلى الدار الآخرة، وأنها هي الحيوان.

    على إيقاع عصر النهضة الأُوروبية ومعزوفة الثورة الصناعية، وقد بلغتنا ارتداداتها وأزعجنا صخبها، حتى خرقت أصداؤها الآذان، تحملها الحملة البونابرتية على مصر، وتنقلها قناطر التبشير البروتستانتي الذي جاء باللوثرية إلى لبنان والشام، أحدثت هذه وتلك ما عُرف بتيار التنوير أو الحداثة أو النهضة العربية، سمِّه ما شئت، فهو الذي صنع حركة الإصلاح الديني… انبثقت أفكار، وظهرت شعارات، وانتشرت مقولات تحاكي الثقافة الواردة، وتسعى لتتواءم معها وتلحق بركبها. وقد مهَّد رفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبدالرحمن الكواكبي ورشيد رضا الأرضية لغرس هذا الشتل، فكانت الثمرة: “الحركة الإسلامية”، أو قل قذفت النطفة في رحم التنوير والنهضة، فلقحت لتحمل بالأحزاب الدينية، وتضع بعد حين ابنها البكر “الإخوان المسلمين”، وتوأمه الشيعي “حزب الدعوة”. وبدورها، راحت “الحركة” تعمل على “أدلجة” العقيدة، والتنظير لـ “فكر” ديني، بعيد عن النصوص الإيمانية، بل حتى عن الفلسفة، وفي مرتبة أدنى، عن علم الكلام، كانت أبرز معالمه: التوافق مع النهضة الغربية بأفكارها وثقافتها، وعمادها “العقلنة”، التي تعني في لغتهم الحسيَّة ونبذ الغيب والتخلي عن التراث (المعصوم للنبي والأئمة، وغير المعصوم لعلماء الأُمة)، أو تجاوزه وإهماله.

    في هذا السياق، سُجِّلت مظاهر أوَّلية، من قبيل التمرُّد على مفهوم الخدر وإعادة النظر في حكم الحجاب، لصالح “تحرير” المرأة وتعليمها وخروجها للعمل واختلاطها بالرجال، وعموم مظاهر “المساواة” بين أصناف الجنس البشري، فأُلحق التفاضل بين الذكر والأُنثى بمسألة التمييز بين الأعراق والقوميات! وراجت شعارات الثورة الفرنسية: الحرية والعدالة والمساواة والإخاء، التي قادت نحو الدعوة إلى قراءة عصرية للدين، تتخلى عن آليات الاستنباط وطرُق بناء المعارف الدينية الرائجة في المدارس التقليدية في الزيتونة والأزهر، والحوزة العلمية في قم المقدسة والنجف الأشرف…

    وقد راج في حينها وذاع، ولع أرباب “الحركة الإسلامية” ومفكريها بتفسير “علمي” للقرآن، ودعوى سبْق الدين إلى العلوم، كدفاع عنه ونصرة له! وشاع شغفهم بتقديم الإسلام كمشروع دنيوي، وانتشر عرضه كعلاج للمشكلات التي يعانيها الإنسان، وحلٍّ للصعاب التي تعترض الحياة. ولا يخفى أنَّ الإنبهار بمعطيات العلوم التجريبية، وملاحقة الإنجازات الغربية، سكن في النفوس حتى صار عُقدة مستحكمة، وغلب فأصبح نزعة متفشية، فهناك إعجاب بتفوُّق الغرب في الطب والهندسة والعمارة والنقل والاتصال والصناعة، وتطلُّعٌ لتجربتهم السياسية في الحكم والإدارة… والغريب المريب، أن لا شيء من هذا التطوُّر سرى وتُرجم إلى عمل، ولا مورد من الإعجاب انتهى إلى احتذاء واقتداء! اللهم إلا تقليد القوم واتباعهم في الحياة الاجتماعية، فغلبت أنماطُ عيشهم عادات المسلمين وأعرافهم في الملبس والمأكل، فتخلى الناس عن الجبة والعمامة لصالح البنطال والرأس الحاسرة، ودخلت الشطائر في الطعام بدل الأطباق، وحتى طريقة الجلوس عند الحضور في المحافل الدينية، استبدل فيها افتراش الأرض بالمقاعد (كما هو الحال في الكنائس)، وغير ذلك مما يطول المقام بتعديده. ناهيك بأصل القضية، وهو سريان التأثير إلى الفكر والعقيدة، وزرع الحداثوية واستيراد التنوير بمعطياته الخطيرة!

    وقد شاعت ـ في هذا السياق ـ  مقولة “الإسلام دين ودنيا”، و”حياة ومعاد”، ثم “دين ودولة”، وملأت هذه الشعارات الأسماع، وغلبت في الشارع حتى صنعت ثقافة، وسرت حتى بلغت أوساطاً تُحسب على الحوزة والأصالة، وصار يلهج بها العامة والخاصة، وكان المنادون يتراوحون بين مؤمنين بها حقاً، وبين قائلين بأنها أداة يجارون بها خطاب القوم، كوسيلة لمواجهة المدِّ الحداثي والسطوة الحزبية، وكان صوت القائلين بأن “الإسلام دين” فحسب، والدنيا ليست غرضاً للشارع المقدس، بل أمراً طبيعياً يسلك طريقه من تلقائه دون أمر وندب، بهامش يسير يمنع الرهبنة ترسمه الآية: “ولا تنس نصيبك من الدنيا”، وإلا فإعمار الأرض في ثقافتنا الأصيلة هو بالعبادة، وإثقالها بالتوحيد والطاعة، و”ما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور”… خافتاً خجولاً، لا يجرؤ حملته على المجاهرة به ناهيك بعرضه والدعوة إليه، وكانت المحافل الإيمانية تتنافس في ركوب الموجة و”اكتشاف” جديد من القرآن والسنة، يرفد مقولات الحداثويين ويعضد طروحاتهم!

    وبعد ما نقل عن العلامة الطباطبائي (أن علَّة انصرافه لتفسير القرآن وكتابته “الميزان”، يعود إلى توغل تفسير محمد عبده “المنار” إلى الحوزة العلمية، وتأثر الطلبة به، وهو تفسير، كما خلص إليه العلامة بعد مطالعته، مبنيٌّ على أصالة المادة، وقد أحصى رحمه الله في سورة البقرة فحسب، اثنتين وعشرين معجزة للنبي صلى الله عليه وآله، جحدها محمد عبده وأرجعها إلى أسباب مادية، بما يهدم قوام المعجزة المبني على خرق قوانين المادة! وفي هذا التفسير يذكر عبده أن ليس للنبي معجزة غير القرآن الكريم، المقولة التي نهق بها مؤخراً حمار في الكويت! والصفة ليست لأسفار يحملها، بل من آثام وأوزار يحتطبها، يباري الشياطين في الإقدام، وما يحسبه شجاعة قصر عنها أقرانه!)… بعد هذا، لك أن تتأمل في شواهد على غرس الحسيَّة وإقحام معطيات الثقافة الغربية في ديننا، على يد عبدالرحمن الكواكبي، أحد أعلام الحداثوية وروادها الأوائل، يقول في “طبائع الاستبداد”، أهم الكتب التي نظَّرت لحركة النهضة والتنوير والإصلاح الديني:

    [وهذه مسألة إعجاز القرآن، وهي أهم مسألة في الدين، لم يقدروا أن يوفوها حقَّها من البحث، واقتصروا على ما قالـه فيها بعض السَّلف قولاً مجملاً من أنها قصور الطاقة عن الإتيان بمثله في فصاحته وبلاغته، وأنه أخبر عن أنَّ الرُّوم بعد غلَبهم سيُغلبون. مع أنه لو فُـتح للعلماء ميدان الـتدقيق وحرية الرأي والتأليف،كما أُطلق عنان التخريف لأهل التأويل والحكم، لأظهروا في أُلوفٍ من آيات القرآن أُلوفَ آيات الإعجاز، ولرأوا فيه كلَّ يوم آية تتجدَّد مع الزمان والحدَثان، تبرهن إعجازه بصدق قوله: “ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين”، ولجعلوا الأُمة تؤمن بإعجازه عن برهان وعيان لا مجرَّد تسليم وإذعان. ومثال ذلك: أنَّ العلم كشف في هذه القرون الأخيرة حقائق وطبائع كثيرة تُعزى لكاشفيها ومخترعيها من علماء أُوروبا وأمريكا، والمدقِّق في القرآن يجد أكثرها ورد به التصريح أو التلميح منذ ثلاثة عشر قرناً، وما بقيت مستورة تحت غشاء من الخفاء إلَّا لتكون عند ظهورها معجزة للقرآن، شاهدة بأنه كلام ربٍّ لا يعلم الغيب سواه، ومن ذلك أنهم قد كشفوا أنَّ مادة الكون هي الأثير، وقد وصف القرآن بدء التكوين فقال: “ثم استوى إلى السماء وهي دخان”. وكشفوا أنَّ الكائنات في حركة دائمة دائبة، والقرآن يقول: “وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حباً فمنه يأكلون”، إلى قوله: “وكلٌّ في فلك يسبحون”. وحقَّقوا أنَّ الأرض منفتقة في النظام الشمسي، والقرآن يقول: “إن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما”. وحقَّقوا أنَّ القمر منشقٌّ من الأرض، والقرآن يقول: “أفلا يرون أنَّا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها”، ويقول: “اقتربت الساعة وانشق القمر”. وحقَّقوا أنَّ طبقات الأرض سبعٌ، والقرآن يقول: “الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن”. وحقَّقوا أنه لولا الجبال لاقتضى الثقل النوعيُّ أن تميد الأرض، أي ترتجَّ في دورتها، والقرآن يقول: “وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم”. وكشفوا أنَّ سرَّ التركيب الكيماوي ـ بل والمعنوي ـ هو تخالف نسبة المقادير وضبطها، والقرآن يقول: “وكلُّ شيء عنده بمقدار”. وكشفوا أنَّ للجمادات حياة قائمة بماء التبلور والقرآن يقول: “وجعلنا من الماء كلَّ شيء حيٍّ”. وحقَّقوا أنَّ العالم العضوي، ومنه الإنسان، ترقَّى من الجماد، والقرآن يقول: “ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين”. وكشفوا ناموس اللقاح الـعـام في النبات، والقرآن يقول: “خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض”، ويقول “فأخرجنا به أزواجاً من نبات شتى”، ويقول: “اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج”، ويقول: “ومن كلِّ الثمرات جعل فيها زوجين اثنين”. وكشفوا طريقة إمساك الظِّل، أي التصوير الشمسي، والقرآن يقول: “ألم ترَ إلى ربك كيف مدَّ الظلَّ ولو شاء لجعله ساكناً ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً”. وكشفوا تسيير السُّفن والمركبات بالبخار والكهرباء والقرآن يقول، بعد ذكره الدواب والجواري بالريح: “وخلقنا لهم من مثله ما يركبون”. وكشفوا وجود الميكروب، وتأثيره وغيره من الأمراض، والقرآن يقول: “وأرسل عليهم طيراً أبابيل”، أي متتابعةً متجمِّعة، “ترميهم بحجارة من سجيل”، أي من طين المستنقعات اليابس. إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة المحقِّقة لبعض مكتَشفات علم الهيئة والنواميس الطبيعية. وبالقياس على ما تقدَّم ذكره، يقتضي أنَّ كثيراً من آياته سينكشف سرُّها في المستقبل في وقـتها المرهون، تجديداً لإعجازه عمَّا في الغيب ما دام الزمان وما كـرَّ الجديدان، فلا  بُـدَّ أن يأتي يوم يكشف العلم فيه أنَّ الجمادات أيضاً تنمو باللقاح كما تشير إلى ذلك آية “ومن كلِّ شيء خلقنا زوجين”].

    وإجلالاً لكتاب الله الكريم، لن أتوقف هنا لتفنيد هذا “التفسير”، وأُعبِّر عنه بأكثر من “هراء”، وأخال صاحبه لو بُعث اليوم، لغلبه الخجل مما كتب وسطر! إنما الوقفة عند مؤمنين ملتزمين، من أبناء الحوزة والمرجعية، كيف لهم أن يتأثَّروا بمدرسة هذا أبرز أعلامها؟ لعمري، كيف لابن بيت العلم وفرع شجرة الفضل والسبق، أن يجاري هذا الهراء ويخدع بهذا الحشو والخطل؟ فيحاكيه وهو يستبدل الخطابة الحسينية بالمحاضرات “العلمية”، والرثاء والبكاء بالحوار وتدوين الملحوظات، وافتراش الأرض بأسرَّة ومقاعد، والتطبير بالتبرع بالدم؟ هب أن سالفاً منهم خُدع وانطلت عليه الحداثوية، أو لعله انتحلها وقال بها منافسة لندٍّ أسقط الشهادة الثالثة، فجمع الدهماء واستقطب الغوغاء، فهل “العقلنة” تحكم باتباعٍ أعمى وتقليد أعشى لذلك النهج؟ على الرغم من تغيُّر الظروف وتبدُّل المعطيات وانتفاء الأسباب؟ أم هو ما يحاكي النقش على الكفن: “إسماعيل يشهد أن لا إله إلا الله” الذي سخروا منه طويلاً؟! ماذا وجدوا في هذه المدرسة الخاوية حتى أُعجبوا وتأثروا بها، فراحوا يجارونها ويحاكونها؟ على منوالها يحيكون، وعلى درب الخراب يسيرون، ودليلهم غراب، ومن يكن الغراب له دليلاً، فناووس (تابوت) المجوس له مصير. (فالمجوس لا يدفنون موتاهم، إنما يقدِّمون جثثهم طعاماً للجوارح والكواسر). الحقيقة المؤلمة هنا أن بعض أهل ذلك العصر أُصيب بالدعوة وطالته منها لوثة، أُخذ بالدعاية والإعلام، فراح يتهالك لنفي الرجعية عن نفسه ومحيطه، فألحق أبناءه بالتعليم العصري، وسلك بعضهم خارج النظام الحوزوي، فأسس كلية لأصول الدين يجاري بها الجامعات العصرية، ليثبت للقوم “تقدميته”، ويبرهن على إيمانه بـ “ديناميكية” الإسلام ومرونته، وأنه قادر على مواكبة العصر! وفي هذا وقع خلط وتخبط، ما زلنا ندفع ثمنه ونتحمَّل كلفته.

    فإن كان للأمر وجه من الحق، وتنزَّل بنا الحوار والجدال، إلى وجود هامش في الإسلام يلتفت إلى العيش ويولي مظاهر الدنيا وزخرفها شيئاً من العناية بالرفاه والراحة، والسعة والدعة، والأُنس والترويح… فإنَّ الدعوة لهذا الأمر، فضلاً عن ممارسته والسعي في سبيله والانخراط فيه، ليس من شأن رجال الدين وعلماء الحوزة، ولا هو من تخصصهم، حتى يدعو أحدهم لتأسيس منتجعات سياحية ويروِّج آخر للرياضة، وتجد معمماً يعمل في التدريب على فنون القتال (كراتيه)، وينبري آخر إلى تنظيم حركة المرور في محطات الوقود المزدحمة، ويعمد ثالث إلى جمع القمامة المكدَّسة جرَّاء إضراب عمال البلدية، وغيرها من إسقاطات التأثر بالخطاب الحداثوي الذي نشأ وتأسس على هدم الحوزة، بل تقويض الدين من أساسه.

    من نافلة القول أن تقادم الزمان والبعد عن عصر التشريع وتطور المنظومة التي تستنبط المعارف الدينية، صار يتطلب تخصصاً وتفرغاً، وما عاد يمكن للبزَّاز والدهان والتمار أن يستقي العلم ويتلقاه في عرض ممارسته عمله.

    ترى، ما هو حجم الطب أو الكيمياء أو الهندسة أو أي فرع من العلوم التجريبية في تراث أهل البيت؟ كم حديث في موسوعاتنا الروائية في هذا الباب وذاك، وكم نسبة ذلك إلى أحاديث الفقه والعقيدة والأخلاق، والدعاء والمزار والرثاء والبكاء؟! فإلامَ تراهم صلوات الله عليهم وجَّهونا ودعونا؟

    إن الشارع المقدَّس الذي أمر وأوجب البرَّ بالوالدين، سكت عن برِّ الأبناء ولم يحث عليه، ذلك أنه تحصيل حاصل من الفطرة والعاطفة التي جُبل عليها الإنسان… هكذا هو التوجه إلى الدنيا والسعي في إعمارها، تحمل عليه النوازع والشهوات، دون داع لحثِّ العلماء ولا مقتضٍ لترغيب الوعاظ.