ليس الأمر ابن يومه ولا وليد ساعته. فهناك بغضٌ متأصِّل وحقد دفين، إحَنٌ وأضغان وغلٌّ، جاء من حسد، شحَن الصدور وأوغرها بما ضجَّت منه السماء، حتى أنزل الله “أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله”، أو من غَيْرة وانقباض، ونفور واشمئزاز، طالما ملأ القلوب وغمر النفوس، لتميُّزٍ رفعَ هذا البيت، وتفوُّقٍ شرَّفه، ونزاهة أعزَّته وسؤدد عظَّمه… فالسقاية والرفادة لهم، وزينة دار الندوة بهم، وعفَّة المناكح وطهارة الموالد والنجابة فيهم، حتى التعالي والترفُّع عن مآكل القوم وطعامهم من خشاش الأرض وهوامها، ضِباب ويرابيع وقنافذ، حيات وجعلان وخنافس، بجَّة وفصيد، قِدٌّ وورق، ومنكَر وطرَق. من هنا ما انفكوا يكرهون بني هاشم، ويتحيَّنون فرَص تفريغ أحقادهم، حصاراً في الشِّعب ومقاطعة، وملاحقة أفضت إلى ترك الوطن والهجرة، وما فتئت الأحقاد تستعر، تذكيها الحروب والغزوات، ويعمِّقها الظفر والانتصارات، ما ورَّث القوم أحقاداً بدرية وحُنينية وخيبرية، ما اشتفوا منها بعد السقيفة إلا في كربلاء، وما سكنت يوماً أو انطفأت إلا في احتفالات البغي ومهرجانات الشماتة في الشامات، وشعار “دفناً دفناً”. وهو فصل يطول، يلخِّصه قول أبي سفيان حين سمع الأذان: “لله درُّ أخي بني هاشم، انظروا أين وضع اسمه! فردَّ عليٌّ عليه: أسخن الله عينيك يا أبا سفيان! الله فعل ذلك بقوله عزَّ من قائل: ورفعنا لك ذكرك”، ومن بعده قول خلفه: “ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل، فما عدا أن هلك حتى هلك ذِكره، إلا أن يقول قائل: أبوبكر! ثم ملك أخو عدي، فاجتهد وشمَّر عشر سنين، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره، إلا أن يقول قائل: عمر. وإن ابن أبي كبشة ليُصاح به كلَّ يوم خمس مرات: أشهد أن محمداً رسول الله! فأي عمل لي يبقى، وأي ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك! لا والله إلا دفناً دفناً”. هناك عداء مع ذات محمد وشخصه، بغضٌ لآله وكُره لذريته، تلحظه من بدايات الدعوة في مقولة “لولا نزِّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم”، إلى آمال العاص بن وائل وقوله “دعوه فإنه رجل أبتر لا عقب له، فإذا هلك انقطع ذكره “، حتى مقولة “كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوة والخلافة فتجخفوا جخفاً”. ولا أجلى من نداء عمر بن سعد في عاشوراء “هذا ابن الأنزع البطين، هذا ابن قتَّال العرب”. وما زالوا يحملون ما حملوا، ويفعلون ما فعلوا.
هناك، في الاستراتيجية التي وضعها الشيطان ورسمها اللعين الرجيم، مع بواكير الدعوة، في تلك الحقبة الحساسة الدقيقة التي انطلق فيها الصراع بين الطرفين في العمق العميق، واستعر في الجذر الضارب السحيق، راح كلٌّ يضع خطَّته وينظِّم جبهته، يدعِّم كيانه ويُحكم بنيانه، فكان أول ما عمد إليه النبي صلى الله عليه وآله في جبهة الحق، أن أرسى أعظم قواعده، ورفع أجلَّ وأخطر ما يشيِّد بيته ويبني حزبه، حين عقد البيعة لأميرالمؤمنين، لما أنزل الله “وأنذر عشيرتك الأقربين”، فجمع صلى الله عليه وآله بني عبدالمطلب، أنذرهم وبشَّرهم، وعرض عليهم: أيُّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي؟ فأحجم القوم وسكتوا، فأعادها ثلاثاً، كل ذلك يسكت القوم، ويقول عليٌّ أنا يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وآله: إنَّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا. فقام القوم وهم يقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع!
قد يكون أبولهب هنا مستخفّاً بالأمر من غرور يسكنه، وجهالة تعتريه، لكن دهاة القبائل وفراعين الأُمة من أمثال أبي جهل وأُمية بن خلف والعاص بن وائل وعتبة بن ربيعة وعقبة بن أبي معيط والحكم بن أبي العاصي، والنضر بن الحارث، وعموم صناديد قريش وذؤبان العرب ومردة أهل الكتاب، كانوا من أخطر الأبالسة وأعتى الشياطين، وزمرة شكَّلت حزباً خطيراً يدبِّر أمره ويدير دفَّته مباشرة إبليس الرجيم بنفسه، فرسم لإسقاط الدعوة واغتيال النبي (ليلة المبيت وليلة عقبة هرشا)، وخطَّط لحروب وحاك مؤامرات، وكلُّها خطوات وإجراءات (تكتيكات) اقتضتها المرحلة وفرضها الحال.. لكن الأهم الأخطر هو ما وضعه في خطَّة هذا الحزب ورسم له في نهجه على المدى البعيد (الاستراتيجية)، واتخذه من إجراءات وأحكمه من تدابير، ولا سيما مع توالي الإنتصارات، وظهور الأمر في الانتشار والثبات، وتحوُّل الإسلام إلى حقيقة واقعة، بل متطلِّعة واعدة.. وهذه نُذر سيطرته على الجزيرة العربية، بل العالم، تترى، وأمارات الظفر والغلبة تتعاقب وتترادف. ولم تكن الخطة ساذجة تحكي تخلُّف العصر وبداوة القائمين عليها، بل كانت تحمل فكراً استلهم من ممارسة متأصلة وخبرة موغلة في القدم، بدأت مع الخلق، وترسَّمت مع نزول الإنسان إلى الأرض، وعكست تجارب أُمم وشعوب ودول وحضارات، ما زالت تقوم وتزول، وتنهض وتسقط، وتعيش وتندثر، وديانات ما برحت تُزيَّف وتنحرف، وتضلُّ وتنجرف… خلص الشيطان من كلِّ ذلك واستلهم، فكان أعمق ما في الخطة التي أعدَّها لمواجهة الإسلام، وأخبث ما ادَّخره لذلك، وأخطر ما في تدبير حزبه وتنظيم أوليائه الذي رسم كيفية الالتفاف على محمد وأهل بيته، يدور في محورين، ويندرج تحت عنوانين: الأول عدم شخصانية الدين، والثاني الإنفراد بالقرآن الكريم!
كل مَن تراه ينادي بقيَم الإسلام ومبادئه ويطرحها نظريةً مجرَّدة، كل مَن يبكي مُثُله الإنسانية الراقية وتعاليمه الأخلاقية السامية، ويندب أحكامه الغراء وشريعته السمحاء قائمة بذاتها، مستقلَّة عن الآمر بها والنادب إليها، منفصلة عن الساعي فيها والدليل عليها، وكل مَن يتحرَّق على رسالته وأهدافه بمعزل عن قائده، ويجاهد ليُقصي عنه ذوات حملته وينحِّي أشخاص أئمته، كلُّ مَن يتجنَّب طرح الإسلام عبر عنوانه ورمزه ورأسه وأنموذجه، بل كل مَن يقصد توحيد الله سبحانه وتعالى، ويروم عرض الإيمان وتقديمه للبشرية، مقطوعاً عن ولي الله وخليفته في أرضه وسمائه، كل مَن يدَّعي أو يسعى فعلاً لينير القلوب بمعرفة الله، بغير نور الله وضيائه وشمسه ومصباحه، ولا يأتيه عبر قنطرته ومن بابه، هو مسخَّر لحزب الشيطان، أجير عميل إن علم بذلك، أو مستغفَل مغرَّر به سفيه، إن لم يعلم! كلُّ نداء يرتفع بأننا لا نعبد محمداً، ولا نعظِّم شخصه ولا نحبُّه ولا نواليه لذاته، بل لما يمثِّل ويحمل من قيم وتعاليم وإرشادات وأحكام… هو نداء شيطاني. كان قد ارتفع من قبل أمام آدم عليه السلام، بِكْر حجج الله وأبي البشر، حين أبى كبيرهم السجود، وما زال يتردَّد، وهذا رجعه وصداه يدوِّي اليوم أمام خاتم الحجج والمدَّخر لتحقيق الوعد الإلهي المنتظر، فيقال إن المهدوية حالة، ونحن نلاحقها قضية لا شخصاً، نزعة تطلب الحق وتتطلَّع للعدالة والمساواة، لا عاطفة تبحث عن إمام وتبكي مفتَقداً، فتختلف في اسم أبيه وتاريخ ميلاده ومكان وجوده وزمن ظهوره! هذا هو المدخل الشيطاني الأعظم في إغواء البشر، أن يأخذهم باسم الدين والإخلاص والتنزيه، بعيداً عن جوهر الدين ولـبِّه وحقيقته، أي معرفة الإمام من آل محمد وموالاته والنزول على طاعته.
وهكذا كل نداء يُرفع أمام حديث رسول الله وأهل بيته المعصومين وعموم تعاليمهم عليهم السلام، يدعو الناس ويحشدهم حول كلام الله العظيم دون عِدله وثِقله، يهتف بالقرآن الكريم الأبتر عن العترة الطاهرة، يكتفي بالصامت عن الناطق، ويأنس بالمظهر المنقوش عن الجوهر المكنون، ويقنع بالصحف عن الصدور والنفوس، ويتعلَّق بالكتاب المجيد دون الإمام المبين، هو نداء شيطاني، تردَّد من قبل في “التحكيم”، فحذَّر أميرالمؤمنين صلوات الله عليه ابن عباس، وكلَّ مؤمن على مدى التاريخ: ” لا تخاصمهم بالقرآن، فإنَّ القرآن حمَّال ذو وجوه، تقول ويقولون، ولكن حاجهم بالسنة، فإنهم لن يجدوا عنها محيصاً”، وتكرَّر في محفل يزيد بن معاوية في المسجد الأموي، حين أراد إلهاء الجموع وصرف الناس عن خطبة زين العابدين عليه السلام، مروراً بـ”كلمة حق يُراد بها باطل”، لما رفعت المصاحف على الأسنة في النهروان، ومعها هتاف: “إن الحكم إلا لله”.
“القرآنيون” عصبة شرٍّ وفرقة سوء، وحزب أسسه الشيطان الرجيم، تحالف فيه عتاة قريش مع أحبار اليهود ومردة الجنِّ وذؤبان العرب، تلقفته وأرسته قوى التغريب التي زرعت الحداثوية، ورعاه التنويريون عبر الماسونية العالمية، وما زالت تتعاهده عبر أدوات دينية، أحزاب ومنظمات وحركات إسلامية، وعمائم، قد يرى البصير في بعضها قرني الشيطان نابتين يخترقانها، أو بارزين منتصبين من ورائها، ويرى في عمائم أخرى أُذني حمار ينتصبان على يمين العمامة وشمالها، فكأنهما يحتضنانها ويضمَّانها.
الشيخ التعس “محسن قراءتي” علم أم لم يعلم، هو عضو في هذا الحزب، وعلى محمل الخير، وفي أحسن الأحوال هو شيخ سفيه أحمق، بالتركية “اولاق”، وبالفارسية “الاغ” أو قل “قاطر”، والطاء تلفظ تاءً، وبالعربية التي لا يحسن الرجل كثيراً منها (ثم يترأس لجنة تفسير القرآن!)، هو ”بغل” أو “حمار”. والمفارقة هنا أن يأتيك بعض المحتاطين المتقدسين، فيعتب على هذا الخطاب، ويستقبح هذا السباب، ولكنه لم يكترث بفعلة “قراءتي” وهو يهتك جوهر الدين ويبتذل أصل الإيمان واليقين، حين أزرى بجريمة قتل أميرالمؤمنين، ووقر عن صرخة جبرائيل بين السماوات والأرضين: تهدمت والله أركان الهدى وانفصمت العروة الوثقى قتل علي المرتضى! ولا يبالي بالاستخفاف بظلامة الزهراء، ثم لا يعنيه أن حطَّ أحدهم من قدر مقتل سيد الشهداء، الذي ما زالت تبكيه السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهنَّ وما بينهنَّ، وما ينقلب في الجنة والنار من خلق ربِّنا، وما يرى وما لا يرى! يهوِّن الخطب في كل ذلك ويزعم أنه لن يكون محلاً لشكوى رسول الله يوم الدين!
عندما يسمح معمَّمٌ لنفسه أن يتجرأ على بديهيات التشيُّع، وينقل البحث والسؤال إلى ميادين فرغ منها السلف والخلف، وتم الأمر فيها واستقر على عقائد راسخة، وخلُص إلى نتائج حاسمة، صارت من ثوابت الدين ومسلَّمات المذهب، ومن قبيل اقتران الثقلين، وأنَّ الأئمة هم القرآن الناطق وعِدل الكتاب الصامت، وأن القرآن المهجور الذي سيشكو الأمة يوم القيامة، هو أميرالمؤمنين، كما في خطبة له عليه السلام جاء فيها: “ولئن تقمَّصها دوني الأشقيان، ونازعاني فيما ليس لهما بحق، وركباها ضلالة، واعتقداها جهالة، فلبئس ما عليه وردا، ولبئس ما لأنفسهما مهدا، يتلاعنان في دورهما ويتبرأ كلٌّ من صاحبه، يقول لقرينه إذ التقيا: يا ليت بيني وبينك بُعد المشرقين فبئس القرين، فيجيبه الأشقى على رثوثه: يا ليتني لم أتخذك خليلاً، لقد أضللتني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولاً. فأنا الذكْر الذي عنه ضلَّ، والسبيل الذي عنه مال، والإيمان الذي به كفَر، والقرآن الذي إياه هجَر، والدين الذي به كذب، والصراط الذي عنه نكب”. فهذا يسمح لنا ـ في المقابل ـ أن نصفعه في وجهه، ونسقط عمامته عن رأسه، فإذا افتقد الشيعة الدولة والسلطة، وخلت أيديهم من القوة المانعة والتعزير الرادع، لم يبق إلا هتك هؤلاء الأدعياء وفضحهم والوقيعة فيهم، وكل ما يسقطهم، ويحصِّن العوام من التأثر بهم.
والحق إن الرجل ليس بدعاً ولا نشازاً في إيران اليوم، إنما هو حلقة في سلسلة مترابطة، ومحطة في درب ممتد، ومفردة في منظومة، وفصل في نهج تربوي متَّصل عبر أجيال (نحن اليوم في العقد الثالث منه)، اختطَّ مسلكاً واتخذ مشرباً وصار مذهباً، صنع للتيار الحداثوي ووفَّر له الآلية الشعبية التي طالما افتقد، وتكفَّل بصيغة حركية روحانية، تواجه جوهر التشيع وصميم الدين المتمثل بالولاية والشعائر الحسينية، هو “المظاهر القرآنية”، ففي إيران اليوم جيل من الحفظة والقرَّاء وفرق الترتيل والإنشاد، وزخم من المسابقات والمحفزات، والندوات والمؤتمرات، التي سمحت (في المحصِّلة) بعقد محفل أنس قرآني مساء فجعة عاشوراء وليلة الوحشة في كربلاء! وجعلت ذلك أمراً مستساغاً مقبولاً، يأخذ طريقه ليعلن بحسم وجزم ما ينهي العزاء ويزيح الجزع ويقطع البكاء! في إيران اليوم سقطت المقولة العقائدية والثقافية التي كان عليها الشيعة تاريخهم كله، من أن القرآن هو جوهر وعمق وفهم وتدبُّر وتفقه وتفسير وتأويل، وأنَّ هذا الذي بين الدفتين هو ظهور كتاب الله الذي لا يخرج عن صمته فينطق، إلا بولاية عِدله واللجوء إلى ثِقله، ودون ذلك تلاوة وحفظ وتلحين وترجيع، طالما تغنَّى به غيرنا، ووظَّفه سوانا.
وهنا وقفة مع التهويل والتشنيع، وخطاب التكفير، الذي يدينه الحداثوي ويشكو منه، ثم يوظِّفه ويسخِّره هنا، فينادي: “وا قرآناه” لمواجهة كل خطوة تنويرية حقيقية، وكل سعي توعوي أصيل، يحاول أن يسلِّط الضوء على المؤامرة، ويكشف وجه الأداء الشيطاني الذي يقرأ القرآن، والقرآن يلعنه.
التعليقات