• “القابيليون”… المستغرقون في الحسَّ، المنهمكون في الشهود، المرتهنون للمادة، مهما ادعوا الإيمان ونادوا بالإسلام (ولربما صدقوا في دعواهم عن غفلة مستحكمة أو جهل مركب)، تراهم عاجزين عن هضم مسألة البذل بلا عائد، متخلِّفين عن فهم فكرة التقْدِمة بلا عوَض، قاصرين عن استيعاب السيرة القائمة في الأُمم السابقة كعلامة على النبوة وبرهان على صدق الدعوى وصحة الدعوة، “إنَّ الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار”، بعيدين عن إدراك سرِّ الأُضحية وحقيقة القربان، وأنَّ الدين في جوهره وعمقه هو الخضوع والتسليم، والتحرُّر من كلِّ مكامن الشهوات وصنائع الأهواء و”الأنا” التي يحسبها المرء عقلاً! المشتغلون في الجانب الدنيوي للدين، العاملون ضمن ما يسمى بـ “الحركة الإسلامية” وغيرها من صيَغ الحداثوية الالتقاطية، بل اللقيطة، يحسبون الإسلام مشروعاً للعيش وأُطروحة للحياة الدنيا، فيتهالكون في البحث عن وجه “منطقي” يبرِّر أحكامه، وتفسير “عقلي” يفلسف عقائده بما يوافق فهمهم، وإلا نبذوها وطرحوها، تنكَّروا لها وقفزوا عليها، أو حرَّفوها وبدَّلوها…

    لن يفهم هؤلاء خيار المرء في بذل أكرم غنَمه وأسمنها، وأحسن ماشيته وأفضلها، يقدِّمه طعمة للنار، تصيبه صاعقة تأكله.. فيذهب “هدراً” ويروح “سدى”، ما يرونه ضرباً من العبث والسفه، لا يستقيم مع مقاييسهم ولا يجد مكاناً في منظومتهم! فإذا غلبهم الحكم، وأنزلهم الالتزام قهراً على شيء من هذا، ترى صاحب الحرث منهم قدَّم أسوء زرعه وأخسَّ جنيه وأردأ حصاده، فهو عنده محروق مهدور تالف! ثم تجده انزعج من ردِّ السماء تقدمة أُكره عليها، ولم تطب عنها نفسه، واشتعل غيظاً وحنقاً، فحقداً وحسداً، حتى يبلغ الأمر به قتل أخيه!

    قد يقهر الدنيويون بُخلهم، ويتغلَّبون على الشحِّ الحاضر في أنفسهم، حين يكون البذل في سياق التكافل الاجتماعي والخدمة العامة، عبر عطاء يُشبع جائعاً، وهبة تُعالج مريضاً، ومنحة تُغني فقيراً، وهدْي يُقسَّم أثلاثاً، ولكن إذا بلغت الأضاحي الملايين، وقد شبع الفقراء في منى من عُشر معشارها، ولم يبق مسكين تُمنح له فيقبلها، سيصنفونها هباءً وهدراً وإسرافاً، وترتفع الأصوات تنادي بتقديم الحاج أضحيته في بلده ونقل ذبحها من منى إلى وطنه، أو تحويل أموال هذه الشعيرة إلى بناء المساكن والمدارس والمستشفيات… إنهم يغيِّرون عنوان الرسالة ويبدِّلون موضوعها، الكامن في الترفع على الدنيا وازدراء المادة، وكشف حقيقتها للناس، وبيان واقع قدرها وهوانها على الله، فلا يتهالكون عليها ولا يتقاتلون، ما يأخذهم للسبح في آفاق روحية ومعنوية تطأ الذبائح وتجعلها تحت الأقدام… يغيِّرون هذا الخطاب ويحوِّرونه إلى فذلكة تخدم الاستغراق في الماديات والتشبث بها، وتحويل رسالة السماء في الدعوة إلى الدار الآخرة و”الحيوان”، بما يفرغها من محتواها ويمسخ مؤدَّاها!

    هكذا، لن يفهم هؤلاء أمر إقامة المآتم والبكاء على سيد الشهداء، ولن يستوعبوا شيئاً من شعائر العزاء، وهم يصنفونها هدراً للمال عن صرفه في موارد البر، وتعطيلاً للطاقات عن توظيفها في ميادين الحركة، وتجميداً للأفكار عن تفعيلها، ولغواً من غير طائل، وطقوساً أقرب إلى الفلكلور والتراث الشعبي منه إلى الدين وشعائره! لن يدرك “القابيليون” جوهر هذه الطاعة العرشية، ولا كُنه هذا السبح الملكوتي، ولا أية عبادة غيرها، ما لم تفضِ إلى نتيجة محسوسة، هي لدى الإسلاميين الحركيين، الثورة، وما يأخذ نحو نصرة الحزب والدولة، أو أي عطاء آخر من عائد محسوس ومردود ملموس، فتستحق التضحية بالجهد والمال والوقت! وكأن الصلاة التي يكررها أحدهم حياته كلها، ويلتزمها على مدار ساعات يومه، أفضت عنده إلى شيء، وحققت له إنجازاً، فنهته عن منكر هتك حدود الله وفحشاء استباحة مقدسات دينه!

    إنهم إسلاميون على نهج العلمانيين وطريقة اليساريين، يبحثون عن موقع للبذل الحسيني في عجلة الاقتصاد الوطني، ومحلٍّ للسياحة أو النشاط الديني في دورة المصاريف والعوائد، ومردود للبذل في سبيل الله يشكل رقماً في عالم الكسب والتجارة؟! لذا تراهم يكررون: “ما الفائدة وما العائد؟! ها قد بكينا سنين متمادية، فلا ظلم زال، ولا عهد سوء انقشع، ولا فقر ارتفع، ولا نجم في سماء المجد طلع”! إنهم يتحرَّون مجداً دنيوياً، ونصراً شيطانياً، يزعمونه إلهياً، وظفراً وغلبة، تجعل من الدين مركوباً وصهوة. فإذا أعيتهم الحيلة في الشعائر الحسينية، وقاومهم الشيعة في التزامها والتمسك بها، واستغراقهم فيها طلباً للآخرة عن الأولى، واجهوها وحاربوها بشتى الطرق ومختلف الوسائل، وفي طليعتها الإعلام الهدَّام، وعلى رأسه السخرية والاستهزاء! فلا تعجب من لكُع لا يدري أيَّ طرفيه أطول، يستخف بالبكاء، ولا تستغرب من ثور يدور في طاحونة، يجترُّ ما أُطعم ولُقِّن من علف الارتزاق، يكرِّر ما يقول سيده من تحريم الجزع والإدماء، ولا تذهب نفسك حسرات على همج يفدون أرواحهم بحذاء “دمية”، عاجز عن عقد أو حلِّ خيط حذائه دون أمر من طهران.

    هؤلاء قوم لا يرون أبعد من أنوفهم، ولا يدركون شيئاً وراء ما يبصرون ويلمسون ويشمون ويذوقون، قد صبت الحداثوية أفكارهم في قوالبها الجامدة، فنشأوا عليها متحجرين متخشبين، لا يرون غير حزبهم ولا يتعبدون إلا بآراء صنمهم، وقد حاكهم كبيرهم ونسجهم على الجهل والسطحية والنظرة الأُحادية “وليس وراء عبادان قرية”، وأنَّى لأخرق يسخر من المقام اليوسفي لرؤيا زعمها هازئاً، عن طير تأكل من خبز يحمله على رأسه، أن يفهم تأويلها بهلاكه؟ كيف لهذا الجاهل المستخف أن يحسن ربط الظاهر بالباطن، والشهود بالغيب، والفعل بالجزاء، والدنيا بالآخرة، فيفهم المزرعة وطبيعة الغرس ومحل السقيا ومنبع الفوز وسر النجاة؟

    لا يجدي مع هؤلاء إلا نداء: قضي الأمر! دعهم ودعواهم، وانصرف إلى مهمتك العظمى التي ادخرك الله لها، فجعلك في أصلاب الأطهار ونسل الأخيار، لتنهض بهذا الدور الإلهي الذي تتنافس فيه ملائكة السماء، ويغبطك عليه الأنبياء والأولياء، بل أفضل الأصحاب، أصحاب سيد الشهداء.

    “لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم”…

  • من لوازم العِشرة وتبعات الصحبة، أنها تورث، بعد الوئام والألفة، التحنُّن والمحبة، وهكذا يفعل الفضل والامتنان، فالإنسان عبد الإحسان، يأسره المعروف ويكبِّله الوصل ويرتهنه الإنعام، ثم لمَّا يجد المرء النوال خالصاً في قصد الباذل، لا يريد أجراً ولا يطمع في عوض، مترفعاً عن المنِّ متنزِّهاً عن الأذى.. يتوغَّل فاعله وينفذ إلى قلب متلقيه، ويدخل عاملاً قاهراً في رفد فكره وبناء وجدانه.

    والشارع المقدَّس حين وضع منهج عمل الإنسان ورسم خارطة تكاليفه في الحياة الدنيا، وأدرج فيها خطَّة علاقاته بالآخرين، حدَّد نطاقها وبيَّن حدودها… كان يعلم من طبيعته هذه الصفات، ويعرف تلك اللوازم والتبعات، فأمره باعتزال أعداء الحق وقطيعة أرباب الباطل، أوصاه بالامتناع عن معاشرتهم ومصاحبتهم، وأمره بترك مجالسهم، وسدَّ أبواب التلقِّي منهم والأخذ عنهم، حتى يقطع الطريق على نفوذهم في عقله وتأثيرهم على فكره، وكسبهم محبته وسكناهم قلبه، ولربما تربعهم على “عرش الله”.

    إنَّ الحب ـ في طبيعتنا وهكذا في ديننا ـ هو الأصل والمرتكز، منه ننطلق وبه نتحرك، غرسه الله فينا وجعله فطرة وجبلَّة، وزيَّنه في قلوبنا، حين نصب وأقام لنا ممن خلق وأبدع، بشراً يعيشون بين ظهرانينا بأسمائهم وأجسادهم وأرواحهم وأنفسهم وقبورهم وآثارهم، يمثِّلون أسماءه الحسنى وصفاته العليا ومظاهر جلاله وجماله وقمم كماله وتمامه، هم المعصومون الأربعة عشر، ليكونوا المعشوق المحسوس بعد المجرَّد المنزَّه عن أي تركُّب، والمحبوب الحادث المخلوق بعد الخالق القديم الذي لا تُدرك ذاته حتى بوَهم ولا يحيط بها وصف ونعت. وقد ترك سبحانه في الفطرة هامشاً أخلاه، وأفسح في الطبيعة متسعاً لحبِّ المال والولد والنساء والمأكل وسائر الشهوات الدنيوية المودعة في خلق البشر، وفق قاعدة “ولا تنس نصيبك من الدنيا”…

    لكنه لم يُخلِ ولا أفسح بمقدار سمِّ الخياط، لما يلج فيه خصماء آل محمد، وينفذ منه أعداؤهم.. والعداء كما لا يخفى، مفهوم مشكِّك، تتدرج مراتبه وتتفاوت في الضعف والشدة، من النصب والبغض، إلى جحد فضائلهم وإنكار مصائبهم، فموالاة غيرهم واتخاذ وليجة دونهم ومطاع سواهم.

    ليس لنا أن نسمح لأحد أن يدخل عقولنا فنستقي منه علماً ونبني عقيدة وفكراً، ولا أن يسكن قلوبنا فنحبه ونهواه، ونواليه وننصره، وفي الأقل الأدنى، نتعاطف معه… هذا عرش الله وحياض آله، حرم وقف لآل محمد صلوات الله عليهم. ثم لا سبيل لقطع هذا التأثير، إلا باعتزال الناس وسكنى الكهوف، أو بمخالطة ظاهرية تنأى بنا عن الضالين والبطَّالين، فلا نصحبهم فنألفهم، وتحجزنا عن مجالسهم فلا نأنس بها ونركن إليهم. لا حوار مع هؤلاء ولا اختلاط بهم ولا انفتاح عليهم، وكل قراءة ومقاربة تميِّع هذي الحدود الصارمة، هو نزغ شيطاني، يأخذنا خطوة فخطوة نحو الهلاك. هكذا ظهر المشهد وارتسم في “لكم دينكم ولي دين”….

    أعرف مؤمناً شريفاً التحق لفترة بالحركة الإسلامية وعاش الحزبية الدينية، وآخر جال على ميادين الفكر الغربي وأعجب بالعلمانية وآمن بشعارات الثورة الفرنسية، عاد هذا وآب ذاك، لكن بقيت في النفس أشياء تظهر حيناً على صفحات الوجه وفلتات اللسان، وأعرف مؤمناً طاهراً نزيهاً نبيلاً، شغف بمقولات أحد أعداء الحوزة والمرجعية طوراً، أسره التقاط العثرات وأعجبه حشد الشواهد واستغفلته المغالطات، ولع بها وانشغل بمتابعتها وانكبَّ عليها.. وقد محضتُه النصح وأصفيته العِظة بأنَّ في معسول هذا الخبيث سُمُّ الأفاعي وحُمَة العقارب، وهو يغزوك من حيث لا تدري ويدهمك من حيث لا تعي، وأنه ينفِّذ خطة أسياده وشياطينه، وأنك واقعٌ في كمين وعاثر في شرَك، غافل عما هو أبعد من أنفك، شارد عما يُراد بك ويُحاك من حولك!… لكنه لم يسمع فيه عذلاً ولا استساغ طعناً، ولا أجاب لإشفاق وإرشاد، حتى وقف بنفسه، بعد أمد، على لوث الموئل وفساد المشرب وقذارة المحل وسوء المنزل! خرج من المخمصة ونجا من البلاء، لكن بمرض خفي مزمن وداء عضال، أنبت فيه سوساً سكن أعماق لثته وكمن في لهاته، وعاث في مغارز أسنانه، أفسد مضغه فهضمه، وكدَّر شربه ومنع ارتواءه، فما عاد يحسن “النظر إلى طعامه”، وبات يسمع ويشاهد ويلتهم كل ما يعرض أمامه، يحدوه الفضول فيلاحق البدع والرأي المخترع، يحسب أنه يعيش بهذا حريته وينمي شخصيته ويبني استقلاليته، ويظن أنه يمارس الوعي ويباشر الإحاطة!

    حتى استقر، هناك في أعماقه، وصار في نفسه شيء من قدس الحوزة وحرمة هذا الحمى، خفَّ أمر الفقه وخطب الفقاهة عنده، وهانت مكانة الفقهاء والأعاظم، فصار يتساءل: أحقاً أن ما يقدِّمه هؤلاء هو الدين؟! وإن حجبه ورعه والتزامه عن التهتك والطغيان، فهو يفذلك جرأته ويبررها مستدركاً، بأنه يذعن بحجية ما يحملون، ولكنه يتساءل: أتراه مُنزل من السماء، وهو ما يريده الله حقاً؟!..

    إن الأزمة تقبع هناك، في أعماق الفكر، والبلاء في مخفي العقيدة وما تنطوي عليه النفس، يعيش المرء الإيمان في دعواه ولسانه، وقلبه مشغول بغير من نصبه الله، لقد أصاب الغزو منه مقتلاً! وهو غافل عن قوله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة”…

    إن المخالطة والمراودة، سعي في أسباب المودة، وهو يورثها قهراً، وهي إذا حصلت تبعتها النصرة والموالاة، وإن بشكل خفي غير معلن، وكذا الانفتاح على الآراء والأقوال، والنظر في الأدلة والحجج، يترك أثره في النفس ويخلِّف صفته في الروح… وهذا وذاك يخرج العبد من الإيمان ويُلحقه بأهل الجحود والكفران. ويكفي في إدانته انعدام مروءة فاعله، فكيف يجالس ويصاحب أعداء يحاربون آل محمد في حقهم ومنزلتهم ويشككون في ظلاماتهم، وكيف يستقي ويقرأ في كتبهم ويرتاد مواقعهم ويألف نواديهم، وهي منصات إرصاد لله ورسوله وأهل بيته؟

  • انقضت الأزمة وتصرَّم البلاء، أدبر الرزء وذهب العناء، وبقيت الآلام ولزمت المعاناة، فجعة القتلى ولوعة الثكلى وحسرة الأيتام، ثم خراب ودمار، لا يجبره تعويض ولا يتلاحقه إعمار… ولعلَّ انتهاء المعركة، واستشراف النتائج والتدبُّر في الآثار، يفتح الأسماع للقول واتِّباع أحسنه، وإن استمر النزاع ومضى السجال في المنتصر الظافر من المغلوب الخاسر، وهو عندي الكيان الصهيوني الغاصب، وإن عظم الثمن الذي دفعته المقاومة الفلسطينية.

    إنما الوقفة هنا على خطب يفوق كلَّ مُعطى، وخطر يتقدَّم على كلِّ أمر… إنه النطاق الذي يرسم حدود الدين ومعالمه، يُدخل فيه ما هو منه، ويُخرج عنه الأغيار والدخلاء، فلا يُغيَّر ويُبدَّل، ولا يُزيَّف ويُحرَّف. قال تعالى: “ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون”. البحيرة ناقة نتجت خمسة أبطن آخرها ذكر، بحروا أذنها (أي شقوها، كعلامة)، فامتنعوا عن ركوبها، وأمسكوا عن نحرها، وباتت لا تُطرد عن ماء ولا تُمنع عن مرعى. وفي حالات وأصناف أُخرى، لا يُجزُّ لها وَبَر ولا يُحمل عليها، وكانت سائبة ووصيلة وحام، وهكذا… هذه أصناف أربعة من الأنعام، كانت العرب في الجاهلية ترتِّب على تحقُّق العنوان فيها، وتلبُّسها بالصفة، أحكاماً، تمنحها نوعاً من التحرير والحرمة، بما يشكل تقدُّماً وتفوُّقاً في مقولة الرفق بالحيوان، وتعاطياً راقياً مع البهائم والدواب، وهو في نفسه خُلُق حسن، كأنه تكريم على الإنتاج، وشكر وتقدير للعطاء… ومع ذلك، نهى سبحانه وتعالى عنه! لمَّا جُعل من شعائر الدين وأُلحِق بشرعه أو معالمه وأحكامه! مع أن الإسلام أقرَّ العرب على أعراف وآداب كانت سائدة في جاهليتهم، لكنه لم يفعل على أخرى، وهذه أُمور كُلِّفنا أن نسلِّم بها، ولا نسأل عنها، حذر أن تسوؤنا، وقد سأل عنها قوم قبلنا، فوقعوا في الكفر، كما أشارت الآيات المتقدمة على السابقة.

    إن المسألة في تعظيم أمر وتوقيره، وخلع الحرمة والقداسة عليه، إنساناً كان أو حيواناً أو جماداً، فعلاً كان أو فكرة وإيماناً، حادثة كان أو يوماً وزماناً، مدينة كان أو بلاداً، قبراً كان أو تربة وأثراً.. ليست من شأن البشر ولا مبذولة لفهم الإنسان ولا هي متروكة لتقديره، إنما هي حكر وحصر على الشارع المقدَّس، هو الذي يضفي الحرمة ويخلع القداسة الدينية على الأُمور. أما الاحترام والتوقير الاجتماعي، والاهتمام والنشاط السياسي، فخاضع للأحكام الشرعية وتابع لأدلتها بالوجوب والحرمة، والاستحباب والكراهة، أو مطلق الإباحة.

    من هنا، لك أن تصنِّف القضية الفلسطينية وتدرجها قضية وطنية أو قومية أو إنسانية، ولكن ليست دينية… مثلها مثل قضية إقليم الباسك وإيرلندا الشمالية وشبه جزيرة القرم، نزاع حول السيادة، شعب يشعر بالظلامة، واحتلال أجنبي يدَّعي الملكية، أقلية تزعم الأولوية، وقهر تفرضه عنجهية. وإن تراءى في البين أو ظهر بُعدٌ ديني في جانب من القضية، غلب فجعلها أقرب إلى قضية البوسنه والهرسك، أو الروهينغا في بورما، أو الإيغور في الصين، فهذا لا يغير حقيقة أن صُلب الأمر فيها، هو السيطرة والحكومة، والاستحواذ على الموارد والخيرات، وفي العموم، بسط النفوذ والهيمنة السياسية. هكذا الأمر في القضية الفلسطينية، فالكيان الصهيوني دولة مدنية علمانية ديمقراطية، والنزعات الدينية اليهودية فيه، تيارات متطرفة تعارض دولتهم كما تعارض الفلسطينيين وتحاربهم. نعم، هناك حقد دفين واستضعاف ديني يفرِّغ عُقداً مستحكمة من تيه كُتب عليهم وشتات ألزمَهم الهوان والصَّغار، ولكن هناك أيضاً قهر عرقي وتمييز عنصري (غير ديني)، وهناك كذلك وئام وسلام (ديني) مع المسيحيين والهندوس والبوذيين… وهذا وذاك يمنع وسم القضية بطابع ديني بحت.

    ومن جهة أُخرى، لا شك في حرمة بيت المقدس، بصرف النظر عن درجة الحُرمة ورتبة القداسة، وتأخرها عن مكة والمدينة والبقيع والنجف وكربلاء والكاظمية وسامراء ومشهد، بل عن الري وقم وبلد، وهكذا تراجعها في الأولوية عن سائر قضايانا الدينية… إلا أنَّ المكان له قداسته التي يجب أن تحفظ، وحرمته التي يُمنع أن تهتك.

    لكن الحقيقة الكبيرة التي يسعى الإعلام لطمسها، هي أنَّ القدس والأقصى ليست قضية محورية في مذهبنا، قد تكون كذلك في المذهب السني، كما كانت “الفتوحات” يوماً، وكانت الخلافة، وبالتبع قمع حركات المعارضة، من المرتدين عن دفع الزكاة، حتى الخوارج وغيرهم من الثائرين.. قضايا محورية في الفكر السني، لكنها ليست كذلك عندنا، فالقضية المحورية في الدين الحق هي الولاية والإمامة والحكومة، وقد تحولت الأخيرة (بعد قتل سيد الشهداء) إلى الشعائر الولائية، من زيارة وعزاء. ليس لأحد أن يبتدع قضايا محورية يستقطب بها الشيعة، ولا اصطناع جبهات مركزية يحشدهم فيها، وإن اتفقت كلمات مراجعنا العظام، من السيد أبي الحسن الأصفهاني وانتهاء بالخوئي والخميني، على نصرة القضية الفلسطينية، فهي نصرة سياسية تعالج واقعة من حوادث الأيام وخطوب الزمان، طَرد فيها محتلٌ غاصب شعباً من أرضه، وشتته لاجئاً في مختلف البلاد. والأمر في حرب الـ 48 عند خروج الانتداب البريطاني من فلسطين، وفي الـ 67 أيضاً، وحتى عهد قريب مشهود، كان بعيداً عن القدس والمسجد الأقصى، وكان موقف مراجعنا العظام هو نفسه اليوم.

    الأمر ببساطة تجنبك تهويل السياسيين، وتنجيك من الالتحاق بالعوام المستغفَلين، وتأخذك إلى الشرع وحقيقة الدين… يأتي من جواب مركز الأبحاث العقائدية (التابع للمرجعية العليا) على سؤال حول هذا الموضوع، يحدده، بعد سرد مسهب لتاريخ القدس والمسجد الأقصى، يستعرض ما فعله عبدالملك بن مروان في صراعه مع ابن الزبير، وينقل عن مصادر القوم أنفسهم: “وسبب بناء عبدالملك، أن عبدالله بن الزبير لما دعا لنفسه بمكة، كان يخطب في أيام منى وعرفة وينال من عبدالملك، ويذكر مثالب بني أمية، ويذكر أن جدَّه الحكَم كان طريد رسول الله ولعينه، فمال أكثر أهل الشام إلى ابن الزبير، منع عبدالملك الناس من الحج فضجُّوا، فبنى لهم القبة على الصخرة والجامع الأقصى ليصرفهم بذلك عن الحج والعمرة، فصاروا يطوفون حول الصخرة كما يطوفون حول الكعبة، وينحرون يوم العيد ضحاياهم”. ويمضي الجواب حتى يبلغ: “يحترم أهل البيت عليهم السلام مسجد بيت المقدس وصخرته، ولكن بدون مبالغة ولا تفضيل ولا مساواة له بالحرمين والمشاهد المشرفة، ويفتي فقهاء مذهبنا في يمين المتلاعنين: “فإنه يلاعن بينهما في أشرف البقاع، فإن كان بمكة فبين الركن والمقام، وإن كان بالمدينة فعلى منبر رسول الله صلى الله عليه وآله، وإن كان في بيت المقدس فعند الصخرة، وإن كان بغير هذه البلاد ففي أشرف موضع فيه وأشرف بقاع البلاد الجوامع والمشاهد عندنا”… هذه هي الحدود الدينية للقضية، ونطاقها في الشريعة. ولا مصلحة في فتح باب تفسير آية الإسراء وأين هو المسجد الأقصى الذي عرج النبي منه إلى السماء، مما ذكرته أحاديثنا وتعرَّض لبيانه السيد جعفر مرتضى.

    ليس في التشيع قضية مركزية دائمة، وأمر محوري لازم، غير الشعائر الدينية، والحسينية منها خاصة. قضيتنا هي الإمامة والولاية والحكم المغصوب من آل محمد، وقد دخل هذا الأخير منذ فاجعة كربلاء في نطاق التقية، وانتقل الأداء والسعي فيه إلى الشعائر الولائية، من زيارة لمراقد الأئمة وعزاءٍ على مصاب سيد الشهداء، وإن تمسَّكت به فرق شيعية من غير الإمامية، كالزيدية، ولاحقه الثوار الحسنيون، وجماعات أخرى عبر التاريخ، لكن الإمامية منذ ذلك اليوم لا يتمحورون حول أية قضية سياسية، ولا يتحركون إلا لشعائر الدين، وعلى رأسها الإمامة، وهي في عصرنا للحجة بن الحسن العسكري عليه السلام، ينتظرونه ويندبونه ويبكون غيبته، لا يبالون بما يُعابون، ولا يكترثون بما يُعيَّرون، فهم لا يعانون من اهتزاز في عقيدتهم أو تردٍّ وهزيمة في نفسيتهم، ولا من ضعة وهوان يسكنهم، ولا خجل من هويتهم، مما يحمل “الحركيين” والسياسيين الشيعة على الالتحاق بالآخرين والخضوع لهم وتملقهم، والنزول على معادلتهم وتعظيم مقدساتهم، حتى التضحية في سبيلها، عسى أن يعترفوا بهم ويرضون عنهم!

    إنما غلبني ضياع قومي، وقهرني استضعافهم، وسوقهم نحو أهداف سياسية باختلاق قضية دينية… ولو خُليت وطبعي لسطرت غير هذا، ولرأيتني أجول في آفاق ما أمال إرادة الشارع المقدَّس عن القدس، وصرفها تجاه قبلة ارتضتها فاطمة بنت أسد، واتخذتها مهداً لميلاد أبي التراب، والخلق كلهم من تراب، ولسطرتُ من مداد ميلاده، وحكيت عن شدو الملائك ونثار السماء، وقد التقطت بعضه، فانقلب اليراع يعبوباً يفيض، واستحال الأجاج عذباً فراتاً يروي، فخطَّ معلَّقة في ظهور ابنه الموعود، تعلمك أين هو قدس الأقداس، وما هي القضية التي يعيشها المؤمن ليله ونهاره، ويصاحبها في حلِّه وترحاله، ويوطِّن نفسه ويعلِّم عياله ويربي ولده أنها “القضية”…

  • يحكى أن فارساً وافى كسيحاً يحبو على قارعة الطريق، رقَّ له وتحنَّن عليه، فترجَّل من فرسه وأركبه مكانه، وراح يمشي إلى جواره، ما إن استوى المخادع على ظهر الدابة وتمكَّن منها، حتى لكزها ونفر بها وفرَّ وهو يقول: الفرس لي والطريق لك! ناداه الرجل المخدوع: مهلاً يا هذا، الفرس لك كما أردت، ولكني أرجوك أن لا تروي قصتها لأحد… قال له: بل سيتناقلها الناس لتحكي ذكائي وتضحك غباءك! قال: إنما خشيت ذهاب المعروف وإدبار الندى، وخفت زوال الرفق وموت الرحمة، وأشفقت من هجر الشهامة وترك الكرامة!

    تذكرت القصة ـ الحكمة وأنا أحاور صديقاً قديماً، عهدي به من مسجد كنَّا نرتاده معاً أيام الصبا والشباب، التقيته صدفة، لفتني تغيُّر مظهره، واستوقفني اختفاء سيماء الصالحين من سحنته، وآلمني غياب الوقار والبهاء من هيئته، كان حليقاً، جاءت الموسى على شاربه ناهيك بلحيته، وقد جعل رنين هاتفه لحناً لأغنية صاخبة خليعة، ولما رأى مزيج الحيرة والاستنكار يرتسم على وجهي، مدَّ يده إلى جيبه، وانتزع من تحت لباسه الداخلي أيقونة لبوذا اتخذها قلادة! وقال: حتى ترتاح وتعرف القصة من نهايتها، أنا بوذي سيخي يهودي مجوسي ملحد، أنا أي شيء يمكن أن تنعتني به وتنسبني إليه، إلا أن أكون مسلماً، وعلى الخصوص، أن أكون شيعياً! سألته: كيف صرت هكذا ولماذا؟ قال: “نوَّرني العلامة محمد حسين فضل الله! هو الذي بصَّرني وأشعل شرارة اليقظة في عقلي، نبهني أن معتقداتنا كلها خرافات، وتراثنا كله أكاذيب، وشعائرنا الدينية جملة فلكلور يستمد من أساطير، عشت عمراً في الزيف والسخف، حتى تنبَّهت أن التشيُّع صنيعة صراع قبلي، وتنافس عائلي يريد أن يتوارث الملك، وإلا فالإسلام لا مذاهب فيه، ثم توصلت بعدها إلى أن لا فرق بين الأديان ولا خصوصية في الإسلام، وفي النهاية خلصت إلى أن ما يمنحنيه بوذا من سكينة وما ألقاه في الأفيستا من راحة وأمان، لا أجده في رحاب جامع ولا فضاء حسينية ولا آيات قرآن”.

    ولو كنت من أهل الكشف لرأيت الشيطان يقهقه فوق رأسه، وما فتئ ينفخ في أذنه، ويربت على مؤخرته، كما يُفعل بالدواب لحملها على المضي في مسيرها، كلما عيي عن الرد، أو هدأ عن الاندفاع… وكان من الهراء الذي استقاه من معلمه الأول واحتج به عليَّ: “لا ضلع لفاطمة كُسر، ولا عصمة منعت علياً من البكاء على ذنبه، أو حالت دون أن يهم يوسف بمعصيته، ولا الرباب كانت في كربلاء، ولا إمام أمر بالبكاء والجزع على مصيبته،،، كلها حقن تسكين وجرعات استغفال”!

    ومع أنه يحمل شهادة جامعية، ويدعي العقل والعلم أو العلمنة، إلا أنه بدا ضحلاً وخاوياً، وسقط في يده من سؤال واحد حول رأيه في التخصص العلمي، وكيف لأحد أن يخوض في حقل يفتقد التخصص فيه؟ كيف ينفي ويسقط أحاديث وهو لم يدرس علم الرجال والأسانيد؟ كيف ينكر العقائد وهو لم يقرأ شيئاً في علم الكلام والفلسفة؟

    هذا هو حصاد حقول الشرِّ ونتاج سنابل الفتنة، ومحصول نبتة السوء وجني الشجرة الخبيثة… زرع فضل الله الشوك وغرس الإثم، فلن يقطف عنباً وتيناً، ونثر الفساد والشك والريبة، فلن يحصد إلا العار والسخيمة…

    لم يرَ الشيعة في العصر الحديث استغفالاً وإضلالاً مثل الذي صنعه فضل الله، ولا إغواءً مثل الذي أحدثه، ولم تعرف الطائفة والمذهب تردياً وتخلفاً مثل ما الذي جرى على يد الحداثوية باسم الوعي والتنوير والنهضة الإسلامية، حتى الحركات السياسية التي استلهمت من هذا الهراء، واغترفت من هذا القعر الآسن، ولا سيما في البحرين، لم تقدِّم للأُمة إلا البلاء، وقوافل التضحيات والخسائر دون مردود وعائد.

    لقد صنع فضل الله مدرسة من الخواء والتفاهة، وخلَّف تاريخاً من التدليس والدجل، أسس نهجه ومضى في دربه على قاعدة النفاق الذهبية: “يخادعون الله وهو خادعهم، مذبذبين، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء”، بين القول وإنكاره، والرأي والانقلاب عليه… مادة ترضي القوميين المتحسسين من الفرس، بأنهم لا يريدون مرجعية عربية، وأخرى للإيرانيين بأن العرب يغلبهم الجمود على التقاليد، يرفضون كل تطوير وتحديث. وخطاب للثوريين مقابل القاعدين، وآخر للعاملين بالتقية مقابل المندفعين المتهورين… كان يقدِّم لكلِّ فئة ما يرضيها، ويشق دربه بين الأضداد على طريقة لاعبي السيرك، والحبال المشدودة التي يمشون عليها، والشقلبات البهلوانية التي لا تعرف فيها رأساً لأحدهم من قدمين.

    وإنَّما تُعرف مكانة الرجل في منظومة الشيطان وحظوته عند ذلك الجناب، من استمراره في طرحه وإصراره على إحيائه… ما زال الناس يتلوثون بالنجاسة ولا يخرجون من جنابة بفتواه، وما برحوا يفسدون صيامهم وفطرهم بحُكمه، والأهم الأخطر، ما فتئوا يقبعون في الأموية والنصب وهم يترصدون فضائل آل محمد بالتفنيد ويقعدون لإبطالها كل مقعد، عملاً برأيه والتزاماً بقوله.

    هكذا يتأكد أنَّ هناك حالات وأشخاص، لابد من دوام استهدافهم والاستمرار في تعريتهم، بل المضي في سلخهم… ورحم الله صفي الدين الحلي إذ يقول:

    عهدي به والأكفُّ تختلفُ، وهو يُعاصِي طوراً وينحرفُ. وكلَّما مالَ عِطفُهُ سفهاً، تُميلُهُ صفعةٌ فينعطِفُ. وإن توارى بشخصهِ هرباً، من راحةٍ في اعتمادِها خَيَفُ. ظلتْ سهامُ النعالِ ترشقه، كأنَّما رأسُهُ لها هدفُ.

  • “ولا تتمنوا ما فضَّل الله به بعضكم على بعض، للرجال نصيبٌ مما اكتسبوا وللنساء نصيب”… هذه الآية الشريفة أعقبت مِنحة وكرامة إلهية كبرى، وبشارة بفضل وعطاء عظيم جاء في قوله تعالى: “إن تجتنبوا كبائر ما تُنهون عنه، نكفِّر عنكم سيئاتكم ونُدخلكم مُدخلاً كريماً”، فكأنها علَّقت هذه على تلك، أو أرادت بيان نموذج للكبائر، أو ذروة “كبائر ما تُنهون عنه”، ثم تعود الآيات لتقرِّر “الفضل” المُتمنَّى أو المحسود وتؤكده، في قوله: “الرجال قوَّامون على النساء بما فضَّل الله بعضهم على بعض”… وناهيك بأنَّ هذا التمنِّي والطمع يُسقط مرتكبه ويُبلي حامله بذنب روحي عقائدي، لا مجرَّد عمَلي سلوكي، حين يأخذه إلى ابتداعٍ وافتراءٍ يجعله في مواجهة السماء، ما يحرمه الكرامة والغفران وتكفير الذنوب.. ناهيك عن ذلك، فإنَّ هذا الطمع يوهن العقل ويمحقه، ولا يُبقي منه، وهو ملاك التفضيل، حتى على قدر ضئيل، ففي نهج البلاغة: “أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع”. تراه يريد الردَّ على رواية: “النساء نواقص إيمان وحظوظ وعقول”، أو الالتفاف عليها وتأويلها، بما يفرغها من محتواها، ويقفز على مدلولها والمتبادر من ألفاظها وحجيته… فيُصرَع ويهلك، ويلقيه الكِبْر في الزندقة، وينتهي به الطمع والحسد إلى الخروج من الدين!

    لا شيء أفظع من “قال الله وأقول”، ولا أكثر هولاً من التعدِّي على النظام الأتم وخرق الناموس المُنزَل، ولا أقبح وأشنع من تحدِّيه تعالى في سنته وفطرته وخلقه، “فطرة الله التي خلق الناس عليها، لا تبديل لخلق الله“، فالذنوب التي تعود في علَّتها إلى عامليِّ الجهل والهوى ضربان، الأول: ترك الأوامر واقتراف المناهي في العبادات والمعاملات، والآخر الأخطر، هو الابتداع والافتراء على الدين، أن يقوِّل الآثمُ اللهَ ما يبرِّر لجريمته، يفرغ أمر ربِّه من واقعه وحقيقته، ويسلب عنه كنهه وجوهره. فبدل أن يعتذر عن وقوعه في الزنا أو السرقة أو ترك الصلاة والصيام بجهله، أو بطغيان شهوته وغلبة الطمع في اللذة عليه، تراه يبرِّر لذلك بالافتراء على الله والابتداع في دينه، والدعوى أنه تعالى لم يأمر بهذا ولم ينه عن ذاك! يسلب عن فعله الجاني ماهيته ويفرغ تركه الآثم من حقيقته، فيزعم أنَّ ما فعله لم يكن الزنا، فالطرف الآخر على خلاف مع زوجه، وقد طاوعه ولم يُكره عليه، جاعلاً للزنا قواماً هو الاغتصاب، أو أن ما تركه وأغفله لم يكن “الصلاة”، إذ هي علقة قلبية و”صلة” نفسية يؤديها بالتأمل مثلاً، ولا ضرورة للأفعال والأركان والشكل الذي هي عليه في الشريعة، وأنَّ ما هتكه وأفسده لم يكن “الصيام”، فهو نسك آخر يختلف عن ترك الطعام والشراب والمفطرات! إنَّ العبث في العقائد والمفاهيم الدينية، والقفز على مداليل القرآن والسنة، وقلب مسلَّمات المذهب وضرورات الدين، إلى مقولات توافِق العصر، وتنسجم مع ثقافة الغرب، وتحاكي ما تقدِّمه وترفعه منظومة “الإصلاح الديني” من شعارات: التنوير والعدالة والحرية والإخاء والمساواة، هو أخطر من مقارفة الذنب ومفارقة الطاعة بأضعاف مضاعفة.

    ومما يأتي في هذا السياق، ويشكِّل واحدة من المواقع المفصلية والمحطات الرئيسة في هذا الميدان: العبث بدور المرأة ومكانتها. فهو من المعارك الشيطانية الكبرى، والجبهات التي تحتشد فيها الأبالسة ويستميت أولياؤهم، يريدون إلغاء التفضيل أو التفاوت بين الذكر على الأنثى، والقول بالمساواة بين الرجل والمرأة! ولعلَّ الهدف الخفي المضمر للشياطين، والمتقدِّم خطراً على الإغواء والإفساد الأخلاقي والتفكك الأسري، هو إغلاق المؤمنين باب الرحمة الإلهية بأيديهم، وحرمان أنفسهم “مُدخلاً كريماً”!

    دع عنك خرعين متميِّعين، أنصاف رجال، خاضعين لسطوة المرأة، ومتنازلين عن ولايتهم وقيموميتهم، لسليطة متمنِّعة، وشدَّاقة مسترجلة، استخفته فأطاعها، واسترقته فرهن نفسه لها، فهذا ضرب خارج تخصصاً، فلا رجل في البين ليتفوَّق ويفضُل أو لينحدر ويسفُل… إنما الكلام في التنويريين (الماسون)، يلحقهم سذَّج مبهوتون، وحمقى مبهورون، فدام بلداء، صلمعة بن قلمعة وهيان بن بيان، وخوضهم في أمر المرأة وشأنها، وهم هنا في تخبُّط وتيه، بين دجالين خلعاء يغوون النساء، يبتاعوهن بمعسول يدغدغ مشاعرهن، ويناغي واهي عقولهن، فيصدِّقنه وينزلن عليه، فيخرجن إلى بيع محاسنهن للنُظَّارة والمتفرِّسين، والاتجار بجمالهن للمتذوقين والملتذين، ليصبحن بعد حين، سهاماً في كنانة إبليس الرجيم… وبين متطلعين لصيت وشهرة، وطامعين لرفعة ونجومية، خُطَّ دون بلوغها الوقوع في هذا العبث، وكُتب على أربابها الانخراط في هذا الفجور والخوض في الخبث، واشتُرط لنيلها مواكبة هذا الملأ الماجن والجوق الناعق واللفيف الراقص، ثم مبررين لذلك بفذلكات ما أنزل الله بها من سلطان، وتعسُّف وتكلُّف، وليٍّ لعنق الحقيقة لم يتوقعه أو يرجه حتى إبليس الرجيم!.. وما زال الهراء يتراكم والحشو يتكوَّم، حتى بنى جبالاً من الفضلات، وركاماً من النفايات، تطمر بعد البراري المدنَ والعمارات!

    بعيداً عن كل إفك وتخرُّص يريد المساواة بين الرجل والمرأة، وكل حيلة ومكيدة تعمل على إلغاء الفوارق وطمس التغاير والتفاوت، وكل مسعى يبرِّر للاختلاط، ويأخذ المرأة إلى ممارسة الرياضة، من الماراثون وكرة القدم والفروسية وألعاب القوى إلى السباحة بالبوركيني “الساتر”، حتى يجعل ذلك معركة الهوية الإسلامية في بعض البلاد! كل دجل وخطل ينحو إلى التساوي في حصص الميراث، والتناظر في الشهادات، ويريدها وليَّة على أيتامها، وقاضية تفصل في النزاعات، وعالمة مجتهدة، ومرجعاً جامعاً لشرائط التقليد والإفتاء! يجاهد ويناضل في هذا السبيل، ويبرِّر ويدافع عن هذا الانقلاب الشنيع، أو لا يرى فيه ضيراً ولا غضاضة، فلا يرفع صوتاً بالاعتراض والنهي والنكير، ويمضي مع السواد على قارعة الطريق… بعيداً عن كل هذا وذاك، هناك حقيقة إنسانية ماثلة في الضمير البشري وحاضرة في كل عقل ووجدان، مطَّردة في جميع الأديان، سارية في مختلف الشعوب وشتى الحضارات والثقافات… تقرِّر الفارق بين الجنسين بعد الخلق والطبيعة في القدرات والاستعدادات، وتحتم التمييز بينهما في الأدوار والمهمات، حتى عدَّ الشهيد الصدر التزام المرأة بيتها من سنن التاريخ (والملفت أنَّ الحداثويين والحركيين الذين يتخذون الصدر إماماً، يتجاهلون فكرته هذه ويطمسونه رأيه هنا، ولا يذكرونه البتة!). والحالات الخاصة الاستثنائية التي ينطلق منها بعضهم للتحايل على هذه الحقيقة، كأن يتساءل: ”وماذا تصنع من مات عنها زوجها وأبوها وجدها، وفقدت كلَّ معيل”؟ أو “ومن الذي سيطبِّب النساء ويعالجهن في المستشفيات”؟… لا تعدو شيطنات تغوي العوام، وذرائع يعلمون قبل غيرهم أنها باطلة وقاصرة عن التبرير للواقع المتردي الذي تعيشه مجتمعاتنا.

    بلغ الأمر أنَّ مؤمناً إسلامياً، زاره قيادي مجاهد من أصحابه، ممن يبذل روحه في أية ساعة على مذبح ولي الفقيه أو الوطن أو مقاومة الاستكبار… رأى ابنته التي شاركتهم الجلسة بعد أن قدَّمت الضيافة، فلا ضير في عُرفهم من ذلك ولا غضاضة! فعرض عليه أن يسخِّر علاقاته لتسهيل عملها مذيعة في التلفزيون، مصرحاً أن جمالها الأخاذ وحسنها الآسر يجب أن يوظَّف لخدمة القضية! وقد شبَّه الأمر بحُسن الصوت في الآذان وتلاوة القرآن، وأنَّ الخطاب الديني الحق، يجب أن تحمله وجوه جميلة، تجذب المشاهدين ولا تنفرهم!

    لا يمكن للبشرية مهما ارتقت وتسامت أن تبلغ كمالها المنشود وتدرك العلة الغائية لخلقها، دون تزاوج وسكَن، وهذا دور لم يُهيَّأ ويقيَّض، لا تكويناً جسمياً ولا فطرة نفسية ولا استعداداً وطاقة روحية، إلا للمرأة، ولا يمكن أن يؤديه غيرها، وهو دور يقتضي أموراً وتترتب عليه أخرى، قرَّرها الخلق والتكوين، ونظمها الشرع والدين، وأي إخلال بهذا وذاك سيربك مسيرة الحياة، وسيكون من قبيل القضاء على الآفات التي تُتلف المحاصيل برش سموم واستعمال مبيدات لوَّثت التربة وأهلكت الزرع مع ما قتلت من الحشرات!

    الصالحات هن القانتات المطيعات لأزواجهن، الحافظات لعرضه وماله في غيبته، لا جمال كالحشمة والعفَّة، ولا حجاب كالخدر والخفر، ولا ألق كالغياب والخفاء، ولا ميدان للتكامل والسمو كحُسن التبعُّل، ولا فلاح ونجاح مثل أن لا تعرف من الرجال غير بعلها، ولا يعرفها من الرجال غيره… والأبواب مشرعة أمامها لتهذيب النفس والسير والسلوك ما يبلغ بها مقامات يقصر عنها أعاظم الرجال!

    هذه هي التي تثلج قلب الحجة الموجَع، وتسكن غضبه وسخطه، المرأة التي تكون مصيبتها أن يتصفَّح وجهها القريب والبعيد والدني والشريف، لا أن تبادر وتتطوع لتتوجه إليها الأنظار، وتكون نجمة وعلماً يشار إليه! المرأة التي تعيش في مملكتها وتتجنب مهلكتها، تعرف عرشها وتاجها الذي كللها الله به، والمكان الذي أدرجها ووضعها فيه، والموقع الذي خُلقت له، والحدود التي رُسمت لها، فلا تتخطاها، ناهيك بأن تنادي بذلك وتدعو له، كما يفعل الأبالسة والشياطين من الرجال، ولا سيما علماء الدين والمعممين، الذين يريدونها حطاماً يجمعونه وركاماً يعتلونه.


    ملحوظة: المقصود المدان في هذه المقالة هو مجموع النهج الحداثوي التغريبي، دون أحكام قد تفضي إليها الأدلة ويبلغها فقيه جامع في جزئية خاصة ومفردة بعينها.

  • مما لا شك فيه ولا مراء، أن سهام المسؤولية عن الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت عام 1975، تتوجَّه إلى غرضين وترمي هدفين، سجل التاريخ التبعات السياسية والأخلاقية وألقاها عليهما: المنظمات الفلسطينية المسلحة، والمارونية السياسية بميليشياتها الانعزالية. على هذين التيارين وقع عار الخطيئة وجريرة الدمار وخزي المآسي والويلات، وليست المذابح الجماعية آخرها.

    أما اليوم، إذا وقعت حربٌ أهلية ثانية، وهذي طبولها تقرع ونذُرها تترى ومقدماتها تطوى… فإن المسؤولية فيها ستتوجه إلى الشيعة! وسهام التهمة والإدانة ستنصبُّ عليهم وتنهمر وابلاً يغمرهم، أو يغمر الحزب الشيعي الأقوى الذي يمثل الامتداد الإيراني، وما يشكِّله من حرفٍ نافر ورقم نشاز أمام إرساء معادلة عالمية لشرق أوسط جديد، وتوزيع محدَث لمناطق النفوذ والهيمنة فيه، هذا ما سيسجله التاريخ إذا وقعت الكارثة لا سمح الله. وذلك بعيداً عن التقييم العادل والتحليل المنصف، فليس هذا ميدان الحقائق ولا الذي تعنيه الوقائع! وإلا، فالحقُّ أنَّ علل الحرب وذرائع تفجرها التي تقف على أبواب لبنان، تطلبه حثيثاً بطَرقات متلاحقة، بل تركله بشِدَّة لتقحمه وتلجه.. تفتعلها أذرع وترمحها أرجُل غير شيعية. ومن المعلوم الذي لا يخفى أنَّ جميع الأحزاب والقوى السياسية اللبنانية، هي عميلة لدول وأجهزة مخابرات أجنبية، وأنها تلعب أدوارها على إيقاع وإيماء أسيادها، الذين يدفعون بتهوُّر لا يبالي بالبلد، ورعونة لا تكترث بالشعب، ويقودون نحو فوضى وانهيار سيفرغ حرباً جديدة. حتى الحراك الناشط كامتداد للربيع العربي، والعناصر التي تُسعر أواره، وتصعِّد وتيرة إغلاق الطرقات ورسم خطوط التقسيم المناطقي والطائفي، ومعها فضائيات تواكبها ومواقع إعلامية ومنصَّات تغذيها، كلها تمتثل أوامر وتعليمات تأتيها من سفارات ودوائر مخابرات قوى عظمى أو إقليمية، تريد إنهاء الامتداد الإيراني وقطع يده المتمثلة في الوجود الشيعي القوي بأي ثمن، وإن كان الحرب… لكن التاريخ سيتغافل عن هذا كلِّه، وسيكتب ما يمليه الأقوياء ويريده الطغاة، وكان ـ على مداه ـ يطري الزيف ويثني على الباطل ويزخرف الكذب ويعظِّم الحقير، ويتجاهل الحقائق ويهمل العظائم، يسجِّل عهد هارون الرشيد عصراً ذهبياً للحضارة الإسلامية، ولا يذكر شيئاً عن سجن إمام عصره وحجة زمانه موسى بن جعفر عليه السلام، حتى يحاججك تافه خاضع لإملاءاته، بأن عليك الخروج من قوقعة الأنا والذات الضيقة، والنظر للإنجاز الحضاري والموقع الذي تحقق للأمة الإسلامية في زمانه (تماماً كما يسوِّغون اليوم للسكوت عن هتك الدين ومعالمه واستباحة مقدساته لصالح الإنجاز السياسي والعسكري)! وما زال صلاح الدين الأيوبي مبجَّلاً معظَّماً، تؤلف في أمجاده الكتب، وتُصنع الأفلام السينمائية، وتطمس حقيقة جرائمه ولا تذكر خياناته!

    ليست المأساة في البطالة وانهيار العملة وسقوط المنظومة التجارية بعد الاقتصادية، وانقطاع الكهرباء ونفاذ وقود السيارات وتفشِّي الوباء واستحكام الفقر، وإن كان خطراً يناهز الكفر، وميداناً ينبغي أن تشهر فيه السيوف وتخاض المعارك.. لكن الخطاب المثالي والصيغة النموذجية تقرأ ذلك شأناً وطبيعة للحياة الدنيا وسيرة المستضعفين الموعودين بوراثتها في نهايتها. ولا سيما أنَّ الفقر بات قدر سائر البلاد وكافة الشعوب، بعد أن عزمت حكومة العالم الخفية ـ كما تحكي المؤشرات ـ أن تعيد بُنية الدول والمجتمعات على أصلي: الغنى والفقر، بما يقلِّص أو يلغي “الطبقة المتوسطة”. فالظاهر أنهم ما عادوا يطيقون نماء وتوسُّع هذه الشريحة لتكون الغالبة، لا في الشعوب والمجتمعات ولا في الدول والحكومات، والمشهد العالمي القادم الذي يعدُّون له، لن ترى فيه إلا بلاداً غنية متسلِّطة، وأخرى فقيرة مغلوبة على أمرها، ولا محل فيه لدول نامية طموحة متطلِّعة وثَّابة، ولا لطبقة اجتماعية وسطى تتوفر لها سائر الخدمات وتؤمَّن كافة الحاجات في حدٍّ متوسط يخرجها من الفقر والعوَز، وإن لم يبلغ بها الرفاه والرخاء، فتتطلَّع للمزيد وتطمح إلى الغنى والثراء، ومنافسة المستأثرين “الكبار”!.. لا أدري أمن فرط جشع ونزعة استئثار، عبر صيغة تحتال على شحِّ الموارد باحتكارها لخاصة طبقتهم؟! أم هو الطغيان والاستكبار الذي يلتذ بامتهان الناس وتعميق الهوَّة التي تفصلهم عن “العامة”، ويلزم ارتهانهم في الفقر وإشغالهم بتحصيل ما يسدُّ رمَقهم، ويصرفهم عن التطلُّع إلى عروش ومقامات “أسيادهم”؟! أم هو الخوف من استنساخ حالة المارد أو التنين الصيني الذي بنى شعباً شبِعاً، تمدَّدت فيه الطبقة الوسطى لتكون الكبرى، وتتحول من عامل معيق (بفقره) إلى رافد فاعل، كما هي في أوروبا، قلَب موازين الاقتصاد العالمي، فغدت الصين الرقم الأكبر في المعادلة الحاكمة اليوم، والقوة العظمى التي تعيد حالة “القطبين”!

    إنما البحث فيما يُخرج الشيعة من هذه التهمة، وينجي المذهب من هذه الفرية، فإنَّ التاريخ لم يسجل على الشيعة وجودهم في موقع المعتدي يوماً، وهذا الذي يُحاك وينسج ليتلبَّسهم، ثوب لم يعرفوه في تاريخهم، فهم لم يكونوا يوماً سبباً في دمار بلادهم ولا هدم مجتمعاتهم، وطالما تحمَّلوا الويلات وقاسوا المحن والبلاءات ودفعوا الأثمان لصالح الوحدة والسلم والوفاق والوئام… وإذا كان وهن المذهب وسقوطه في نظر الآخر خطراً، علينا أن نحسب له وندفعه عن ديننا، وكان لتردي سمعته وسوء صيته موضوعية شرعية، فلعمري، إنَّ هذا الأداء الذي يستعدي العالم أجمع، ويحمله على التنفر من الشيعة وكُره رسالتهم، هو الذي يجب أن يتوقف ويُحجر على أصحابه والقائلين به، لا البكاء واللطم والجزع في الشعائر الحسينية!

    وبعد خطر وهن المذهب وتشويهه.. هناك المأزق الذي تورَّطت فيه الجماعة وجرَّته على قومها، ثم التبعات التي سيُلزِمون بها الطائفة وستدفعه الأجيال القادمة من أحفادنا، الذين قد لا تخدمهم الظروف كما خدمت الحزب، فيحاصرون ويغدر بهم الزمان، كما فعل بأسلافهم، وما زال يلقاهم به منذ مئات السنين!

    إن صيغة حزب الله، تحت أي مسمى طُرحت وفي أي قالب مرِن صُبَّت وسوِّقت، ليست محمولة ولا قابلة للهضم والعيش المشترك مع الآخر، لا السني ولا المسيحي ولا حتى الشيعي، لا في لبنان ولا أي بلد عربي آخر، ولعل الوقائع المستجدة تهتف بأنها سقطت حتى في إيران! هذه حقيقة يعيها الواعون وتدركها النخب الشيعية من شتى التوجهات، حتى بعض قيادات الحزب، ويعلمون أن الأجواء الإعلامية والفضاء المثالي الذي ينظِّر للتمهيد لدولة المهدي المنتظر، هي تلقينات طوباوية وتلفيقات سمجة، تفرز عند التطبيق ومحاكاة الواقع مفارقات صارخة!

    على حزب الله أن يفهم ويدرك أنَّ الجهاد المشروع في زمن الغيبة هو الدفاعي الذي يرد العدوان فحسب، لا المتطلع إلى تطهير الأرض من رجس الظلم والاستكبار، والطامح لتحقيق حكومة العدل الإلهي في بقاع الأرض، وتحرير القدس من براثن الصهيونية، وباقي المقدسات من سلطات الجور، وأنَّ هذا الخطير الجلل هو دور الإمام المهدي فحسب، وأنَّ النصر المرجو والفرج المنتظر لأهل الحق سيكون على يديه حصراً.

    وعليه أن يرجع ويكفَّ عن إهماله العمل بأشرف الفرائض، أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي بات فريضة مهجورة في قاموسه، ما ترك البلاد خراباً والدولة مرتعاً للفساد والشعب في ضلال، وهو يعظِّم أهل البدع، ويوالي المنحرفين، ويشيع الفاحشة في الذين آمنوا، فصار الناس يخرجون من دين الله أفواجاً، وكاد الفقر أن يكون كفراً.

    على الحزب أن يترجَّل عن صهوة غروره وطغيانه، ويعي أنَّ ما ينادي به ويرفعه شعاراً، أعجز أولياء الله من الأنبياء إلى الأئمة الأطهار! فادخروا له ولدهم ووارثهم الحجة بن الحسن صلوات الله عليه، وبشَّروا به وبالفتح والظفر والفرج القادم على يديه بقول أميرالمؤمنين: “لتعطفنَّ الدنيا علينا بعد شماسها، عطف الضروس على ولدها، وتلا عقيب ذلك: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين”.. وأن الحلَّ والعلاج ليس في مزيد مكابرة وعناد، ومعارك وحروب وانتصارات موهومة، تدغدغ مشاعر العوام، وتبعث حماسة الذين لا يرون أبعد من أنوفهم.. بل هو في وقفة صدق تعترف بالعجز وتقرُّ بالفشل، وتوقف التخبط الذي ينحدر بالأمة ويسقطها في هوَّة سحيقة ستطول معاناتها في الخروج منها والتعافي من تبعاتها. عليه أن يدرك ويعترف أنه بحاجة إلى قيادة حكيمة بصيرة قادرة على إخراجه، وإخراج الطائفة من المأزق التاريخي الذي ينتظرها إن لم تبادر إليه…

    إن السيد السيستاني هو المخلِّص الوحيد المتاح أمام حزب الله والشعب اللبناني، وللحزب أن ينظر في مراحل قيادته ـ دام ظله ـ للساحة العراقية ليستخلص العبرة والدرس، ويعود بالذاكرة إلى صوابية قراراته التي كانوا يعيبونها ويرمونها بالخيانة والعمالة! من رأيه في شكل وطبيعة المقاومة، وأنها يجب أن تكون سلبية تتمثل بالمقاطعة دون الجهاد المسلَّح، إلى إصراره على تدوين الدستور والاستفتاء عليه، والنضال لإرساء مؤسسات الدولة، وطي صفحة “مجلس الحكم”، إلى الحرص على إجراء الانتخابات النيابية وتشكيل مجلس شعب يختار حكومة، حتى فتواه التاريخية بالجهاد ضد الإرهاب التكفيري وإنقاذه البلد من السقوط والنظام من الانهيار، وقطعه طريق العودة على البعث وورثة صدام!.. فعل السيستاني ذلك كله دون أجهزة مخابرات تقمع خصومه وتفصله عن شعبه، وبلا ميزانية تهدر المليارات من بيت مال المسلمين، ودون أن تعلَق بعباءته وصمة عار واحدة من لوث الفساد أو الاتجار بالمقدرات أو استرخاص الدماء.. لم يبع السيستاني أو يتنازل عن ثوابت الدين مثقال ذرة، ولا فرَّط بأحكامه قيد أنملة، أو تراجع عن عموم مبادئه مقدار شعرة، مضى في أدائه السياسي وهو في صميم الدين (ولم يقلب الدين ليتوافق مع سياسته!)، ورسم الصورة الأتم للمذهب، وحقَّق أمر الصادق عليه السلام: “كونوا زيناً لنا ولا تكونوا شيناً علينا”.. هكذا فرض السيد نفسه رقماً أعجز القوى العظمى فرضخت له واستسلمت، وأذعنت لإرادته واعترفت بقيادته.

    هذا ما يحتاجه الشيعة في لبنان لخلاصهم، وهم يعلمون جيداً أنه حين يخرجهم من المأزق ويقودهم إلى الخلاص، لن يكشفهم عزلاً أمام العدو الإسرائيلي ولا غيره، ولن يسمح أن يسجَّل تنازلهم ضعفاً وهواناً، بل سيحفظ كرامتهم ويرسخ عزَّتهم… ولك أن تقول إنَّ الحاجة إلى السيستاني، هي صرخة وجدان جميع اللبنانيين الأحرار، شيعة وسنة ودروز وموارنة وأرثوذكس، الذين يبحثون جميعاً عن منجى ويتلهفون لمخرج يعيد لهم الاستقرار والأمان، بل هو ما سيقبله وينزل عليه بعد المسيحي والسني، الأمريكي والفرنسي والروسي، ولا يطيق أحد أن يعارضه ويخالفه حتى الوهابي… نعم، سينزعج الإيراني!

  • بعد مئة عام من العزل السياسي والعقاب الاستعماري، بكل الويلات التي لازمته والنكبات التي صاحبته، يبدو أن المقادير تتهيأ الآن والأسباب تنتظم ليعود عراق العتبات المقدسة إلى موقعه الصحيح، ويتسنَّم مكانته المستحقة، المستمَدة من تراثه وطبيعته وسكَّانه: جوهرة تاج الإسلام، وواسطة عقد التشيُّع، ونظام قلادة الفخر والعزِّ والكرامة.

    والقضية تعود إلى نحو قرن مضى، في حدود عام ١٩١٨، حين وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها على معاهدة سايكس بيكو، التي تقاسم من خلالها الحلفاء الحصص، ووزعوا مناطق النفوذ من تركة الخلافة العثمانية المنهارة، ورسموا خارطة جديدة للشرق الأوسط، تكفل دوام نفوذهم وهيمنتهم،،، ويبدو أن “الخارطة” التي كان يُعدُّ لها ويجري تحضيرها منذ سنوات قبل إقرارها واعتمادها ثم تطبيقها، طالها التغيير والتعديل مرات عدَّة لأسباب مختلفة، منها الثورة البلشيفية التي أسقطت القيصرية وجاءت بالشيوعية، فقلَّصت حصَّة الروس، وحرمتهم حلمهم القديم في المياه الدافئة. ومنها ثورة العشرين في العراق، التي أزاحت القلم وأدارت الخطوط، لترسم واقعاً يتجاهل الأغلبية الشيعية لسكان البلاد، ويمنح حكم العراق للإخوة السنة! كثمن يجب أن يتحمَّله الشيعة بسبب ثورتهم وما نال بريطانيا العظمى منها،، وما برح الشيعة يدفعون الثمن ويتحمَّلون العقاب منذ مئة عام! ولم يقتصر الأثر على العراق فحسب، بل يقال أنه طال الشيعة في بلاد أخرى كالبحرين وخوزستان الشيخ خزعل وغيرها، ولم يُستثن من ذلك إلا إيران، لتمرُّس الحكم الشيعي فيها وتناغمه مع الهوية الراسخة للشعب، ما خلق جذوراً ضاربة في العمق، لا يمكن اقتلاعها، ثم لتعهُّد أُخذ على “رضا خان” بمسخ الهوية الدينية وطمسها، في حالة شبيهة بما تعهد به كمال أتاتورك في تركيا. كان الإنكليز في حيرة شديدة بلغت الذهول من موقف الشيعة في الدفاع عن دولة (العثمانية) طالما ناصبتهم العداء، وأمعنت في ظلمهم واضطهادهم، وأسرفت في التنكيل بهم، لكنهم أبوا إلا نصرتها والدفاع عنها تحت عنوان الحكم الشرعي الذي يقدِّم السلطان المسلم، على المستعمر الكافر!

    بعد مئة عام من النوائب والكوارث، والصروف والقوارع، شاءت الأقدار لطغيان صدام وحماقته، أن يندفع في لحظة سُكر وغطرسة أعمته عن أي فطنة ونأت به عن كلِّ كياسة، ليغزو الكويت، ويقدح بيده شرارة حريق لم تخمد نيرانه إلا على إسقاط النظام البعثي، والإفساح لحكم شعبي أكثري، سيكون ـ لا محالة ـ شيعياً،،، وهذا ما تحقق ووقع، ففي غفلة من الزمن، وخلسة كأنها باغتت القاصي والداني، حلَّ “بديل” شيعي كنظام جديد يحكم العراق، لكنه كان ضعيفاً هزيلاً مترنحاً، ما فتئت الضربات تتلاحق عليه، فيعثر في مطب ويسقط في حفرة ويهوي من جرف، من التنافس والتجاذب الحزبي، إلى الفوضى الإدارية والفساد المالي والنهب الهمجي، إلى الفصل السابع والولاية الدولية التي تقلِّص السلطة وتحول دون بسطها، إلى داعش والإرهاب التكفيري، وهو فصل الختام الذي أُعدَّ كخشبة “خلاص” يُصلب عليها هذا “البديل”، وكأن المحيط تسالم على اعتباره طارئاً “مؤقتاً”، ويعود الحال بعد حين إلى نظام سني علماني يلتقي عليه التوافق الإقليمي مع القرار الدولي، ليستقر العراق عنده وتنتهي الاضطرابات السياسية والأمنية…

    وفي المقابل، كانت المرجعية هي الأب الراعي لهذا النظام الفتي والحكم الناشئ، والطبيب المعالج لأمراضه وآفاته، والمرشد الحكيم الآخذ بيده والمقيل عثراته، والعضد المغيث الذي ما انفك يُنجده وينقذه! يشدُّ من أزره في الأزمات، ويسند خوَره ويقوِّم أوَده في الملمَّات، ويحكم تضعضع مفاصله ويُنبت مخضود شوكه ويجبر مفلول عزمه، ويستر على مهلهل ثوبه، ويداري عريه، يخلع عليه ويلبسه حُلَّة الدستور، ويمنحه بأس الانتخابات وقوة التمثيل النيابي، ويضفي عليه مشروعية قانونية تغرس قدمه في أرض السلطة وتثبِّته كنظام ودولة.. وما زال المرجع الأعلى في هذا، يرعى الدولة ويدفع عنها ويحميها، حتى جاءت الفتوى التاريخية بجهاد داعش، لينهض الشعب وتُرفع راية الحق، تنتشل الدولة من الانهيار الذي كانت تترنح على شُرُفه، والعالم ينتظر بين ساعة وأُخرى إعلان سقوط بغداد!

    هكذا مضى الأمر حتى وصل الحال إلى ما هو عليه اليوم… ليأخذ السيد السيستاني الدولة العراقية ويدخلها في طور جديد، ومرحلة تشكل منعطفاً تاريخياً، ينتقل بالعراق إلى عهد غير مسبوق من النصر والظفر والفتح والاستقرار والأمن والرفاه، لا يصلح لها عنوان أكثر من قوله تعالى: “اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشونِ”…

    إن زيارة البابا تحمل معطيات وتخترن نتائج سوف تظهر تباعاً وتنكشف للملإ بالتدريج.. إن أمر القيادة الروحية والزعامة الدينية وحسمها لصالح السيد السيستاني ومرجعيته، صفحة طويت وكأنها تحصيل حاصل، فرغ منها الشيعة وانتهى الأمر فيها وتم، لصالح اعتراف دولي شيعي سني مسيحي، وعلمي سياسي ديني، يمتثل بين يدي السيد ويلقي القياد لزعامته الروحية ودوره القيادي.

    وها هو الفتح ونصر الله الأكبر يلحق في تكريس العراق في نظام حُكمه بلداً شيعياً، يحتضن باقي الطوائف والأديان في تواد وتراحم ومحبة ووئام. إن الزيارة البابوية تعني فيما تعني النزول والاعتراف بالهوية المذهبية الجديدة للنظام العراقي، وتحمل إشعاراً على توافق دولي وتسالم عالمي ينهي النزاع ويحسم الخلاف على هذا الصعيد لصالح هذا الخيار. إن المُعطى الاستراتيجي الأخطر الذي يخلص من زيارة البابا للمرجع الأعلى، هو تحديد الهوية المذهبية للنظام ولشخص الحاكم في العراق، وأن ذلك بات أمراً نهائياً ومحسوماً لصالح الشيعة.

    والقلوب تتوجه من بعد، والآمال تنعقد وترجو، أن يلحق ذلك، نجاة إيران من الحصار وتخليصها من البلاء، والعمل على بنائها أو الإخلاء أمامها لتبنى دولة قوية ناجحة، وبلداً آمناً مزدهراً، وشعباً عزيزاً كريماً، ينتخب قيادته بحُرية، ويختار دولته التي يرتضي، ونظام الحكم الذي يصلح حاله ويحقق له الأمن والرخاء، في كنف العدالة وظل رعاية الشريعة الغراء.

    كثيرة هي البطولات والحماسات، ولكن الانجازات قليلة، قد يُظهر المؤمن بأساً وبسالة وشكيمة، ويسطر ملاحم عظيمة، ويسجِّل إقداماً وتضحية، ولكنه لن يحقق إنجازات جليلة، ولا نجاحاً ملموساً وفلاحاً مشهوداً، إلا إذا عمل تحت راية تمثل امتداداً للولي الحق، وفي طول قناة الفيض الإلهي وقطبها الحجة بن الحسن صلوات الله عليه… لا شك أن لجماعة إيران تضحياتهم وبطولاتهم، ولكن أين هي إنجازاتهم؟! لن تجد شيئاً على هذا الصعيد، إلا “زيادة في مكروهنا وشيعتنا”، وضجيجاً يملؤون به الدنيا ويشغلون الرؤوس الفارغة والعقول القاصرة والأفهام الساذجة.. إن الإنجاز والانتصار لا يكون إلا بفضل من الله وإنعام، وعبر وليِّ الأمر حقاً، إمام العصر والزمان، والشعب العراقي ما برح معظِّماً شعائر الله وناهضاً بواجبه تجاه أئمته، عزاءً وزيارةً وخدمة وحُرمة، لا يستبدلها بمهرجانات خطابية وأناشيد وحفلات موسيقية، ولا يستبدل بهم ـ صلوات الله عليهم ـ زعامات سياسية ورموزاً ضلالية… هذا هو سر الفلاح وإكسير النجاح، والتخلي عنه هو مجلبة الإخفاق وعلَّة الفشل، وما يتردى فيه من يفعل.

    ويبقى بين أولئك وهؤلاء، بين مجرَّد التضحية والبطولة، ودفع الأثمان بلا طائل ولا مردود، وبين أداء حكيم يفضي إلى النجاح والإنجاز… هناك “رجال لقصعة وثريد”، تافهون، لا عطاء وبذل، ولا نتاج ونصر، إنها مرجعية الصوَر واللقاءات والزيارات، تتقطَّع حسرة وتتلوَّع حسداً وكمداً، تبكي حظها على فوت صورة مع البابا فرنسيس، ومادة تؤلف حولها الأكاذيب وتنسج الأساطير!

  • لا أظن أن الحبر الأعظم “خورخي” أو “جورجي”، يطمح أو حتى يخطر له في طيف خيال أن يخرج من زيارته النجف الأشرف بما خرج به قدوته الذي تسمَّى باسمه، “القديس فرنسيس الأسيزي”، من لقائه السلطان الأيوبي، الأخ الأكبر لصلاح الدين، الذي كان يحكم مصر وفلسطين، اللقاء الغريب المريب الذي تمخض عن السماح له بالتبشير في سائر بلاد الدولة الأيوبية، فكان قدومه إلى القدس بداية وجود وانتشار الرهبان الفرنسيسكان الذين أسسوا أدْيِرة في معظم مدن بلاد الشام، القدس ويافا وعكا وبيروت وانطاكيا وصيدا وصور وطرابلس وطرطوس، وصُرِّح لهم بفِرَق أمنية تتولى حماية أماكنهم المقدسة، أُعطيت لقب “حرَّاس الأراضي المقدسة”!.. إن بابا الفاتيكان يعلم في أيِّ زمن بتنا نعيش، ويعرف جيداً أين توجَّه ومَن قصد.

    ثم إنها بالتأكيد ليست زيارة رعوية، فلا كاثوليك هناك ولا نصارى، ولا كنائس أو أديرة. وعندما تكون إلى النجف الأشرف، لا طهران القوة، عاصمة السلطة الدنيوية والقدرة الحاكمة، المتلهفة على موقع في المنظومة العالمية، يقيها خطر الإنهاء والإسقاط، ولا غيرها من العواصم العربية أو الإسلامية حيث الشيطنة الإغوائية للأكثرية… فهي إذن رحلة دينية حقيقية، سياحة في الأرض تتحرَّى ما في السماء. بهذا يكون الرجل قد أحسن الوجهة وأتقن الرمية وأصاب الهدف، لقد جاء البيت من بابه، وأتى صاحبه في محرابه.. أمَّه شخصاً وقصده موقعاً ومكاناً، رجاه في النجف الأشرف عند عليٍّ عليه السلام، أصله وموئله، وطلبه في السيستاني، نائبه وخادمه،، لذا، سيُعقد هنا أمل، ويرجى فلاح وظفر.

    ودعني أترك للقارئ الكريم فسحة، ينطلق من خلالها في هذي الرحاب، ينتزع من الحدث المرتقب ما يشاء، أو ما يطاله فكره وتبلغه فطنته وتأخذه عقيدته… وليترك لي أن أفعل!

    سينكشف لـ “خورخي ماريو بيرجوليو” (البابا فرنسيس) في النجف الأشرف “السر”، ولعلَّه سيوافيه هناك ويتلقاه، إذا أخلص في روحانيته، وصدق في “مسيحيته” أو “نصرانيته”، فكان حقاً من أنصار عيسى إلى الله. سيقف بالحسِّ بعد الروح، بما ينفي كلَّ ريب في نفسه وشك، على الموقع اللاهوتي الأعظم في الأرض، بل في الوجود. ومن خلال النيابة العامة التي سيلتقيها، سوف يتعرَّف على الناحية المقدسة التي تدير الكون والمكان، وتتحكَّم بالأفلاك والأجرام، وسيُصدَم من حجم القوة والجبروت الذي يملكه قطب رحى الوجود، وكيف يخلي لغيره ويغضي عنه ويتركه يستولي على ملكه ويعبث في مملكته! وما سيعقد منه اللسان ويسلب الجنان ويتركه في حيرة وذهول، أن يقف على العلَّة في ذلك، وهي أنه صلوات الله عليه يفضِّل رداء العبودية والتذلل للباري عزَّ وجل، فلا يعمد لإعمال قدراته وتوظيف ولايته، إلا بما يُبقي المسيرة الروحانية في مسارها، حتى يلاقيها في ميعادها المرتقب ويحقق وعدها المنتظر، مِنَّة من الله تعالى وفضلاً، ونزولاً على أمره وعملاً بإذنه وتسليماً لأمره. لا يتبرَّم ولا يشكو، ولا يضجر من الانقطاع والخلوة، ولا يستوحش من الوحدة والجفوة.

    في النجف الأشرف، سيصعق الرجل بطيف، ولربما بحزمة من النور الذي تجلى لموسى في الطور، وإذا أحسن المضي على درب جُلجلته، يجر خطاه ويتنكَّب آلامه، متحملاً غضب المستبدين المستأثرين، وسياط الوثنيين الملحدين، وحجارة الجهلة المتعصبين،، وعاد مستسلماً لفطرته موافياً لإنسانيته، ثم بسط ذراعيه للصلب… فإنه سيتلقى، بل يغرق، في بحر الرحمة، ويتقلَّب في أطباق الفضل الإلهي، ويعرج في السماء ما شاء، ويرقى ليوافي “يسوع ربه”، يخبره إن أقصى أمانيه أن يصلي يوماً خلفه، وأنه ما كُرِّم بالعروج والبقاء حياً إلا ليحظى بشرف الانتظار، وليكتوي بلوعة الفراق والحرمان، وأن ليس لأُمه العذراء من فخر يفوق أنها وصيفة أُمه الزهراء، خدمت في ميلادها، وامتثلت قابلة بين يدي خديجة الكبرى مع سيدات نساء عوالمهن، ليشرفن بخدمة ميلاد سيدة نساء العالمين من الأولين والآخربن… ثم يهمس في أذنه:”إنه يا جورجي معشوق الوجود، لا يوسف زليخا ولا مفقود يعقوب، وهو قبلة الأكوان وقلب عالم الإمكان، لا قدس الأقداس ولا حتى البيت المعمور”.

    أمام البابا فرنسيس في النجف الأشرف فرصة تاريخية للخلاص، وأن يؤتى أجره، من رأفة ورحمة في قلبه، برجاء أن تغلب رقَّته روحانية ابتدعوها ما كُتبت عليهم، ولا رعوها حق رعايتها، وسيسمع من سليل الرسول، بل من الفضاء الذي يطبق على الأجواء، ما يُفيض عينه مما سيعرف من الحق.

    في النجف الأشرف سيتعرَّف البابا على إمام الزمان، وكيف تسعى السلطة والإمرة إلى “نائبه العام”، تقف على أعتابه تطرق بابه، فيتحاشى ويرفض، تُقبِل إليه فيحجم ويُعرض، وتتودَّد فيعفَّ ويعزف… وسيكتشف كيف يختار “ولي الله الأعظم” نوابه، وينتخب أحبابه، ويؤيد أولياءه. وسيفهم جانباً من أسرار تأييد “الناحية المقدسة” للسيستاني، وأسباب دعمه ونصرته لزعامة الطائفة دون غيره، وسيفهم جواب أبي سهل النوبختي وقد سُئل: كيف صار هذا الأمر إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح دونك؟ فقال: “هم أعلم وما اختاروه، أنا رجل ألقى الخصوم وأناظرهم، ولو علمت بمكانه، كما علم أبوالقاسم، وضغطتني الحجة، لعلِّي كنت أدلُّ على مكانه، وأبوالقاسم لو كان الحجة تحت ذيله، وقُرِّض بالمقاريض ما كشف الذيل عنه”. لقد تأسس الأمر وقام على التقية، وما زال يمضي عليها، وسيبقى حتى الساعة الموعودة، يتقلَّب في أهل الطاعة والإخلاص، بعيداً عن أرباب الإذاعة والاستعراض، ناهيك بالمدعين المنتحلين، مهما علت أصواتهم وانتشرت صورهم وحكم سلطانهم.

    في النجف سيعرف “فرنسيس” ما هي القوة، وأنها ليست في الصواريخ والطائرات المسيرة، ولا في النفط والمال والاقتصاد، ولا في المخابرات والجند الأشداء، ولا في الإعلام، الواقعي منه والافتراضي، نهض به صعاليك أو ذباب إلكتروني، ولا حتى في ضغوط جماهيرية وحراك شعبي وتعبئة مظاهرات… ولعلَّ الغطاء يُكشف عنه، فيرى السماء مكتظة بملائكة مدججين بالرماح والحراب، وأبابيل في مخالبها حجارة من سجيل، ترتقب أوامر القصف وتنتظر ساعة الانطلاق تجعل الأعداء كعصف مأكول… فالحُزم المتدلية من أشرطة المولدات الكهربائية المتداخلة والمتقاطعة، تصنع مظلات لرصيف شارع الرسول، لن تحجب السماء هناك، ورائحة الدهين والشواء المنبعث في الأرجاء، لن تحول دون عبق لها يضوع، تلتقطه مشام الأولياء، ويسري إلى مَن يريد الله له السعادة والخروج من الشقاء!

    سيرى البابا في النجف الأشرف، رجل السلم والرحمة الذي امتشق السلاح وأظهر الشدَّة والقوة، عندما طغى الإرهاب التكفيري وتآمرت القوى الكبرى وغابت الدولة، حتى إذا قضيت المهمة وأُنجز الواجب، عفَّ عن مغانم السلطة وترفَّع عن مطامع السطوة، وأبى إلا ما يرسِّخ الكيان السياسي للبلاد، عبر المنظومة المدنية المتفق عليها لجميع الطوائف والأديان… دون عُقَد القوة ومركبات نقص الهيمنة، ولا تطلُّعات تأخذ البلاد والعباد في فوضى وهدر الدماء بلا طائل، غير مزيد تعقيد وتأزيم، وتوظيف للعراق ورقة على مائدة مقامراتهم.

    الزيارة التاريخية ستكتسب قيمتها العظمى وتبلغ حظها الأوفر الأقصى، إذا انقلبت روحانية، وهو خيار مبذول من منابع البابا فرنسيس وجذوره، ورهان على خلفيات الظلم والفقر والبؤس التي انحدر منها، واستضعاف عاشه في الأرجنتين، يفصله عن برجوازية كنسيَّة ما برحت تستأكل بالدين، وتنأى به عن تحالف ماسوني ما زال يتحكَّم بالقرار ويقود المؤمنين… وإذا لم يكتب لها ذلك، فإن دلالتها السياسية تامة وحاسمة، وهي الفراغ من الزعامة الشيعية في العالم، وتراجع الخيار الإيراني، في حال قبوله، إلى حدود الدولة، دون السلطة الروحية والقيادة الدينية. وهذا ما يلهب القلوب الحاقدة ضراماً، ويهيج الأقلام المرتزقة تيهاً وضلالاً، فنحن نعرف جيداً ما الذي يوجعها، ولا سيما جراء لندن، ومن أين يهيج عليهم الألم وتسكنهم المحن، “الخشب المسندة” قاتلهم الله أنا يؤفكون… وكما أنشد عبدة بن الطبيب: إن الذين ترونهم إخوانكم، يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا!

  • “ولا تصعِّر خدَّك للناس ولا تمش في الأرض مرَحاً إن الله لا يحبُّ كلَّ مختال فخور”…

    هذا مشهد له مسرح يظهر عليه، ومن ورائه خلفية تُبرزه وتُلفت إليه، وهذه محاولة متواضعة لعرضه من زاوية أخرى، مهملة أو مغفول عنها، وسعيٌ يريد توجيه النظَّارة المستوين على مقاعدهم في القاعة، والتأثير عليهم بما يصرفهم عنه، ويأخذهم إلى غير ما يريد المخرِج والمعدُّ والمنتج! فتحول أجواء حاكمة وأضواء ساطعة وموسيقى صاخبة، دون ذلك، فيبقى المشهد يستنزف المشاعر، ويستبيح الأفكار، ويهتك العقول. إنما هي محاولة، ليست بائسة يائسة، ولا عابثة، بعد أن عزَّ الإصلاح، ولكنها ثائرة طائشة، لا تروم هدفاً محدداً دون إزاحة ستائر الغرف الخلفية السوداء (الكواليس)، وخلع الألواح وإسقاط خشبة المسرح (الستيج)، ولا تقصد غرَضاً بعينه دون إقفال القاعة أو تقويض هذا البناء، الذي بلغ الغاية في قلب الحقائق والنهاية في تشويه الدين…

    مع إن الأمر في تبني بعض الشعارات السياسية وتسويق جملة من المقولات “الدينية”، يظهر أشبه شيء بالدُعابة والطرفة، وأقرب إلى الهزل والمزاح منه إلى الجدِّ والصدق، والقضايا الهادفة الرصينة، ذلك لفرط وهيها وضعف أدلتها ووضوح بُطلانها، كأن حمَلتها يعبثون ويتفكهون.. لكن مع ذلك، تجد أربابها، الذين استخفهم فرعون فأطاعوه، فراحوا يسخرون من أقوال موسى ويضحكون من آيات الله (ولكلِّ عصر فرعونه وموساه، أو نزعته الفرعونية وحالته الموسوية)، صاروا اليوم يصدِّقون “قابلة” تولَّت والدة السيد الخامنئي، نقلت لهم أنه لما سقط من بطن أمه هتف: يا علي! ويسلِّمون لـ “غسَّال موتى” حكى لهم أن الشيخ مصباح يزدي فتح عينه لما خاطبه الرجل وطلب منه الشفاعة! ويقرُّون لدجَّال يخبرهم أن قائدهم اكتفى من دنياه بثوبيه، للشتاء واحد وآخر للصيف!.. وهؤلاء، كانوا حتى الأمس القريب، بل ما زالوا، ينفون المعاجز والكرامات التي تنسب لأئمة الهدى عليهم السلام، يشكِّكون في أحاديث ترويها، ويسقطونها عن الاعتبار! إغراقاً في “التعقُّل”، ونزولاً على الفكر، وحذراً من العصرنة أن تعيب رجعيَّتهم، وخوفاً من “التنوير” أن يؤاخذهم على تخلُّفهم!

    في هذا السياق السقيم تمضي مقولات الثورة المتفجرة، والنضال المستمر الدائم، الذي لا يتوقف حتى يزيح الظلم وينهي الجور ويحرِّر كلَّ أرض، تصاحبها مزاعم القوة الخارقة ودعاوى القدرة القاهرة، وكلها تحت راية ضلال وقيادة باطلة… وما زالت الأنا تتضخم، والمأساة تتفاقم، والبلية تتمكَّن، فتترسَّخ الصورة ويستحكم الجهل، في فكر الجمهور وضميره، حتى يقوم من مقاعده ويشارك في الرقص، على إيقاع المسرحية السمجة التي تُعرض، والوصلة الماجنة التي تغنَّى، ويلحق ـ من القاعة الموبوءة ـ بالمشهد، ويجعل الحياة كلها مسرحاً لأدائه الهزلي… فقد أصبح هذا الوهم (وهم القوة الخارقة والثورة الدائمة)، ركيزة إعلامية للجماعات الإيرانية، وغدا ثقافة لهم وهوية، وعقيدة نضالية أو قتالية، وفقاً لمتطلبات الزمان وشرائط المرحلية!

    هناك مَن يعتقد أنه الذي حمى حرم السيدة زينب عليها السلام، وعلى يقين أن حزبه هو الذي ردَّ الغزو والهدم الذي كان يتهدده! وأنه بلا ريب سيحرِّر القدس والأقصى، لا يعوقه إلا صدور الأمر! وما زال يدرج نفسه في المجاهدين الثابتين المستجيبين لنداء الواجب المقدَّس، ويُلحق غيره بالمتخاذلين الفارين من الزحف، الذين أخلدوا إلى الدنيا واثَّاقلوا إلى الأرض، حين أخلوا الميدان وانصرفوا لطقوس عبادية وشعائر شكليَّة (بكاء ولطم وجزع وندبة)، إن لم تؤخِّر النصر، فهي لا تعينه ولا تعنيه من قريب أو بعيد!

    إنَّ التباهي بالبأس والقوة والشوكة، والفخر بالنصر والقهر والغلبة، والزهو بالسلطة والملك والسطوة، والاختيال بالغنى والاغترار بالثراء والمال، كل هذا مجتمعاً يلحقه لازمٌ، هو جحد الغيب وعدم الإيمان به أو الإذعان له، وإنكار وجود ملك أعظم وقوة أكبر، متفوقة عليه وقادرة على هزيمته وإرغامه، وفقاً لمقولة وحالة: “ما أظن أن تبيد هذه أبداً”… هذا الجحد والإنكار وذاك التباهي والطغيان، ليس حالة جديدة في النهج الضلالي، ولا مقولة محدَثة وفكرة مبتكرة في منهج الإغواء وسبيل الإضلال، بل هي متقدمة سابقة، وما زالت متكرِّرة حاضرة، من قارون الذي خرج على قومه في زينته، فأغوى أرباب الحياة الدنيا الذين راحوا يرجون مثلما أوتي! إلى بلقيس، التي لم تكن خبيثة شريرة، بقدر ما كانت معتدَّة بنفسها، مزهوَّة بمُلكها وقوتها وشديد بأسها، ثم فرِحة بهديتها! فوقع به وبداره الخسف هناك، ونُكِّر لها عرشها هنا فتاهت، وما عادت تدري أين صارت، وما الذي تطؤه قدماها، تحسبه لجَّة، فكشفت عن ساقيها! إن جحد المعجزة، وإنكار الآيات الحقة، والعمل بالتفسير الطبيعي للظواهر، ورفض الأخذ بغير المحسوس المشهود.. سيرة في الضالين لا تتخلَّف، وسُنَّة في الحداثويين الماضين على نهجهم لن يتركوها، أخبر بذلك الله نبيه حين طالبوه بأن يفجر لهم من الأرض ينبوعاً، أو يجري في مكة مثل أنهار الشام وينبت مثل جنانها، أو يسقط عليهم من السماء كسفاً، أو غير ذلك من المعاجز التي تثبت وجود الغيب وارتباطه به، وأنهم سيُؤوِّلونها ويتحايلون عليها، ويدَّعون أنها عوامل جوية تراكم بسببها السحاب، وصار بعضه فوق بعض، فهوى لثقله! “وإن يروا كِسفاً من السماء ساقطاً يقولوا سحاب مركوم”.. لن يذعن هؤلاء إلا لما توحيه لهم شياطينهم، لن يؤمنوا بآية ولن يصدقوا بحديث. وكذلك الأمر في تعظيم كبرائهم، كانوا يتخذون أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، وهم اليوم يتخذون زعماءهم وقادة أحزابهم أولياء من دون الحجة.

    إنه ـ ببساطة ـ الاستكبار، والغطرسة والاستعلاء. هذا ما استدرجهم وأملى لهم وبلغ بهم ما بلغ حتى زعموا أنَّ الحوثي أو نصرالله لو كان حاضراً في كربلاء، لتردَّد الحسين في منح رايته لأبي الفضل العباس!.. أن تتمهد الأرضية وتفسح الأجواء وتسمح بنشر وتداول حديث الزنادقة، في أوساط المؤمنين، فهذا من تبعات وتداعيات الغطرسة والكبر الذي باتوا فيه يعمهون، وما هذا الخطَل والوسواس الذي بثَّه هذا اللعين ونشره، إلا خطاب العلمانيين اللادينيين الذين لا يميزون المقدسات ولا يعرفون معايير السماء، وطالما قابلوا بهذا الهراء المؤمنين وأهل الولاء. وقد حمَله هذا الشقي، لتتنكر له كل قيمة وكرامة وشرف كان يحمله يوماً من هوية انتسب إليها..

    لا أعرف القائل الخبيث، ولا يهمني شخصه، ولكني أعرف تكليفي تجاه عظمة أبي الفضل وقدس مقامه، الذي وقفتُ على جانب منه مما قاله سيد الساجدين عليه السلام: “إنَّ للعباس عند الله تبارك وتعالى منزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة”، من هابيل وشعيا وزكريا ويحيى وإدريس إلى شهداء بدر وكربلاء، وما بينهم مما لا يعلمهم إلا الله، كل هؤلاء يغبطون العباس على مقامه ومكانته. وأعرف الخفر والخطر مما حكاه صادق آل محمد، في زيارته: “سلام الله وسلام ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين وجميع الشهداء والصديقين.. أشهد لك بالتسليم والتصديق والوفاء.. فجزاك الله عن رسوله وعن أميرالمؤمنين والحسن والحسين أفضل الجزاء، بما صبرت واحتسبت وأعنت، فنعم عقبى الدار”… ومن سيرة حملت آلاف العلماء على الخضوع والتذلل، والشعراء على الإبداع، والصلحاء على التشفُّع والتوسل، علَّهم يحظون منه بنظرة والتفاتة، ومن جوده بعطية وكرامة.

    وبعد، فالأمر في عالم الحقائق، هو ما يحمله قلب عالم الإمكان وقطب رحى الوجود وإمام العصر والزمان من حب لعمِّه قمر بني هاشم، وغيرة وحرص على منزلته ومقامه، وما يعتريه من أذى وغضب على من يتطاول عليه ويغمضه حقه، وأنا لا شأن لي بغيري، ولا أُلزم أحداً بتشخيصي للحوادث وتقييمي للخطوب وكيفية التفاعل معها واتخاذ المواقف إزاءها، لا أعرف أعذار الناس، ولا سيما العلماء والصلحاء، فهم أدرى بتكاليفهم تجاه ربهم وإمام زمانهم. ولكنني كنت أسابق نفسي في كتابة هذه المقالة، لأفرغ ذمتي، أخشى أن أتأخر شيئاً فيكون ذلك تباطؤاً وتخاذلاً وتقاعساً، فلا أدري كيف فرغت منها وأتممتها، لأختمها بأن صدوراً تتردد فيها أنفاس يحتبسها “ترامب”، يأتي “بايدن” ليعيد إليها الحياة، ويطلقها فتتنفس الصعداء، لا يمكن أن تبلغ معشار ذرة من بأس العباس وشجاعته، الذي يجملها قول الشاعر: قسماً بصارمه الصقيل وإنّني، في غير صاعقة السما لا أُقسم. لولا القضا لمحا الوجود بسيفه، واللّه يقضي ما يشاء ويحكم. والأمر ليس طفرة ظهرت في فورة كربلاء، بل خلْق وخلُق وسيرة، ففي بعض أيّام صفّين خرج من جيش أميرالمؤمنين فتى منقَّب، تعلوه الهيبة، وتظهر عليه الشجاعة، يقدَّر عمره بسبع عشر سنة، يطلب المبارزة. فهابه الناس، وندب معاوية إليه “أبا الشعثاء”، فقال: إنَّ أهل الشام يعدونني بألف فارس، ولكن أُرسل إليه أحد أولادي. وكانوا سبعة، وكُلَّما خرج أحدهم قتله، حتّى أتى عليهم، فساء ذلك “أبا الشعثاء” وأغضبه، ولمَّا برز إليه ألحقه بهم، فهابه الجمع ولم يجرؤ أحد على مبارزته، وتعجَّب أصحاب أميرالمؤمنين من هذه البسالة التي لا تعدو الهاشميين، ولم يعرفوه لمكان نقابه، ولما رجع إلى مقرِّه دعاه أبوه عليه السلام وأزال النقاب عنه، فإذا هو “قمر بني هاشم” ولده العباس عليه السلام.

    إنَّ شوكة أو سنّاً في مهماز كعب حذاء العباس، نخس بها بطن دابته، وهو ينفر بها ليقحم المشرعة، تعادل ألف نصرالله بلحمه وعظمه وعمامته وعباءته، وعشرة آلاف حوثي، ولا مفهوم للعدد هنا.

    وآخر دعوانا اللهم لا ترفعني في الناس درجة إلا حططتني عند نفسي مثلها، ولا تُحدث لي عزاً ظاهراً إلا أحدثت لي ذلة باطنة عند نفسي بقدرها. أدعو السيد حسن أن لا يبات ليلته قبل أن يتوب وينيب، وأن يخرج فوراً ليستغفر علناً ويتبرأ من هذا الزعم، وأرجو أن لا يستخف عقول مخاطبيه بعدم هيمنته على ما يقول الأتباع ويكتبون.