• في ميمية شوقي العصماء، التي عارض بها بُردة البوصيري فكانت نهج البردة، التي مطلعها “ريم على القاع بين البان والعلَم”، يمضي حتى يقول: “لو شفَّك الوجدُ لم تعذِل ولم تلُم”… قد تثبت بعض الأُمور ببراهين وأدلَّة، وتقوم عليها حُجج عقلية وشرعية، ولكنها لا تُدرك بكُنهها إلا بالوجدان، فلا يعرفها المرء حقَّ معرفتها إلا حين يعيشها بالذوق ويصيبها بالعرفان. ومن أجلى هذه الأُمور وأبرزها: الحبُّ. وهو حالة تنزل بالقلب وتسكن النفس، فتظهر بآثارها، وتُعرف بنتائجها ولوازمها، أما ذات الحبِّ وجوهره، فلا يوصف بوصف، ولا يحدُّ بحدٍّ، وكما قيل: إذا زاد الاستعجام والاستبهام، سقطت الحاجة إلى الاستغراق في الشرح والكلام!

    ويقع الخلط والخبط، وتنشأ الخلافات بين المؤمنين وتقوم النزاعات بين الملتزمين، وتعصف الفوضى بالساحة الدينية، عندما يغلب الحداثويين الإسلاميين جهلُهم، ويصرع الحركيين الحزبيين تخلُّفُهم، فهم من جهة يأتون الفكر ويعالجون قضايا الدين من نزعة شمولية تريد فرض رأيهم عبر نفس القبضة الحديدية والعقلية الإملائية والروح المستبدَّة التي فرضت قرارهم السياسي وأعملت معادلتهم العسكرية، حيثما بلغ نفوذهم وبُسطت أيديهم! ومن جهة أُخرى، ينطلقون من قراءة أُحادية لما يحسبونه رسالة الدين وجوهر الشرع المبين. والحال أنهم ـ في واقعهم ـ أبعد ما يكونون عن هذه المعارف، وأغرب الناس عن تلك الحقائق. حتى أنهم ما عادوا يتمتَّعون بالصفاء الذي تراه في العوام، فقد سلبهم اللوث الفكري فطرتهم، وكدَّرت الإلتقاطية طبعهم، وأودت السياسة والشيطنة بنقائهم، حرمتهم نصرتُهم الباطل التوفيق، وأسقطهم الإلتحاق بجبهة الضلال في التعس والشقاء… من هنا تراهم لا يميِّزون بين الإنسانيات والرياضيات، أو بين الاقتصاد والإلهيات. والمعضلة أن تقحم هذه في تلك، فتحاكم حدثاً وأمراً إنسانياً أو قضية إلهية، بقواعد حسابية أو موازين اقتصادية، فتضطرب المنظومة الدينية والفكرية حين تحكم تلك بأنَّ البذل والاقتطاع والأخذ والصرف من المال يُنقِصه، وتهتف هذه وتنادي بأنَّ الصدقة تُربي المال وتنمِّيه، وتعال عندها وجِد مكاناً لمفهوم “البركة” في عالم الرياضيات ودنيا الاقتصاد!

    من الطبيعي أن يستغرب أرباب الحداثة تعظيمنا وتفخيمنا مولانا أبي طالب، ولا يفهم دعاة الإصلاح والتنوير، من الحزبيين الإسلاميين، تبجيلنا وتكريمنا سيدتنا خديجة، ويستكثرون التزام المؤمنين إحياء ذكرى وفاتهما عليهما السلام، ثم لا يفهم عالِمهم ولا يدرك مثقفُهم سرَّ تعلُّقنا بالرثاء والبكاء، والإصرار على هوية البكائيين والتمسُّك بهذا الشعار الذي طبع الشيعة… فهؤلاء أبناء وربائب مدرسة مضطربة مشوَّشة، حسيَّة مادية، جافة متخشبة، بل وهابية مقنَّعة، لا يمكنها أن تفهم علل حركتنا وخلفيات أدائنا، ولا أن تستوعب منطلق ممارساتنا. وللإنصاف فإنَّ المعممين والكُتَّاب الذين تناولوا الأمر، هم مقلِّدون لا مخترعون مبتدعون، فالأمر صدر من قبل عن شخص السيد القائد، وأُملي في تعليمات صريحة قضت بحصر العزاء في عشرة عاشوراء، وعدم إقامة المآتم على غير الحسين من الأئمة الأطهار، وحتى الزهراء عليها السلام، فكيف بغير المعصومين!

    وقد تصدَّى فضلاؤنا وخطباؤنا جزاهم الله خيراً لدحض هذه البدعة، عبر الاستدلال بآيات وروايات، وتقديم مختلف الأدلَّة العقلية والشرعية، التي تثبت صحة عقد المأتم ورجحان البكاء، ونعْمَ ما فعلوا، وهو دور رسالي مأجور، يرجى أن يستنقذ بعض المستضعفين من براثن ضلالات القوم، ويربط على قلوبهم… وهنا وجه آخر للقضية ومنطلق مغاير للبحث، يأخذه إلى فضاء مغفول عنه، هو منشأ الشبهة ومردُّها عندهم.

    القوم ببساطة، لا يفهمون الحبَّ، ولا يعرفون العشق! فإذا ولج بعضهم في القضية وتدبَّر في الفكرة، وهو لم يعش الحبَّ فيتذوَّقه، ولا نزل به فغمر فؤاده وملأ جوانحه، ولا مسَّ سحرُه شغاف قلبه وأخذه إلى نشوته، أو قاده جمالُه إلى غبطته وبهجته، تراه أدرج الأمر في العاطفة التي يقابلها العقل، وخلص أنها نزوة ونهْمة تعارضها العفَّة والالتزام، وطيش وعبث ينفيه الوقار والاتزان… وخُذ ما شئت عندها من سخف وتخرُّص وهراء. ذلك أنَّ ما يسمُّونه “العقل” (وحاشا العقل عنه)، أزرى بهم، وأسقط عندهم الحبَّ من سامي كماله وعالي مقامه، وألقاه في أُفق عزاه إلى بواعث رديئة وأرجعه إلى أسباب مشينة، وأخذهم لتطبيقات معيبة ومصاديق سقيمة، مما تراه في قصص الحبُّ وحكايات الغرام، العذري منه وغير العذري!

    الإخوة من الإسلاميين الحزبيين وعموم الحداثويين، بعد كونهم أغراباً عن مفهوم العشق الإلهي، فهم متخلِّفون عن تصديق آثاره، عاجزون عن استيعاب بلوغ المؤمن هذا الحد والمضي في هذه الدرجة من حبِّ آل محمد! قاصرون عن حقيقة كونه إكسيراً جُبِلت طينتنا وعُجنت بمائه، وفُطِرت أرواحنا واستوت أبداننا وسلكت الدماء في عروقنا عليه. وأنه سرُّ خلقنا، وقائد حركتنا وسائق هدينا إلى ديننا، وأن آل محمد هم الإيمان الذي حبَّبه الله إلينا وزيَّنه في قلوبنا، كما كرَّه إلينا أعداءهم ومناوئيهم، الكفر والفسوق والعصيان. غرَس ذلك في فطرتنا ومزجه في وجودنا. بهذا، لا بغيره، وإن كان ذُرى العبادة والطاعة، وأقاصي الحراك والنضال والجهاد، جعلنا مفلحين منجحين راشدين.

    هذا هو حبُّنا وهوانا، وغرامنا وجوانا، والقوم يتحدَّثون عمَّا يعرفون من حُبٍّ، عن الدنيا وما زُيِّن فيها من النساء والبنين، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والخيل المسوَّمة والأنعام والحرث! نحن نرمي “الإيمان” ونتعلَّق بأغصان “طوبى” ونريد “حُسْن مآب” فنبكي ونتحرَّق ونصبو ونلتاع، وهم يقصدون الشهوات فينكرون ويقبِّحون! نحن نتقطَّع شوقاً لسبُحات وجه الله، ونهيم على وجوهنا حسرة على فقد الحبيب وبحثاً عن الدواء والطبيب، لنُسعده بحنين ونحيب، ونشدو معه بأروع غزل ونسيب: “ليت شعري أين أستقرت بك النوى، وأيُّ أرض تقِلُّك أو ثرى.. عزيز عليَّ أن أرى الخلق ولا تُرى، ولا ينالك مني ضجيج ولا شكوى.. هل من معين فأُطيل معه العويل والبكاء؟ هل من جزوع فأُساعد جزعه إذا خلا؟”… وهم يحسبون للأمر بمعطيات الحسِّ ومعايير المادة، ويتحرَّون موقعه في ميزان القوة وحظَّه من العديد والعدَّة، وينظرون دوره في الاقتصاد ومكانه من الحكومة وقربه من السلطة وشركاء البلاد! فحقَّ عليهم القول: “دَعْ عنك تعنيفي وذُقْ طعم الهوَى، فإذا عشِقتَ فبعد ذلك عنِّف”! بل دع عنك ابن الفارض وشوقي، وهلمَّ إلى صبٍّ متيَّم بالحقِّ، فقيه محدِّث، عارف كامل، فيلسوف متكلِّم، طبيب كيميائي، وفلكيٍّ رياضي، هو البهائي العاملي، ينشد: “يا أخلائي بحزوى والعقيق، ما يطيق الهجر قلبي ما يطيق، هل لمشتاق إليكم من طريق، أم سددتم عنه أبواب الوصال؟ لا تلوموني على فرط الضجر، ليس قلبي من حديد أو حجر، فات مطلوبي ومحبوبي هجر، والحشا في كل آن في اشتغال. مَن رأى وجدي لسكان الحجون، قال ما هذا هوى هذا جنون، أيها اللوَّام ماذا تبتغون؟ قلبي المضني وعقلي ذو اعتقال”.

    نحن يا هؤلاء متيَّمون، شغفنا هذا الحبُّ، أنزل بنا صبوة وكلَفاً، وصيَّرنا في عشق وجوىً، وخلَّفنا في وَجَد وغرام، وألقانا في وَلَه وهيام… إنه عندنا “التابوت”، نتوارثه سلفاً عن سلف، وخلفاً بعد خلف، فيه الإيمان والسكينة والطمأنينة، وبقية من آل محمد، عهد وميثاق في الذَّر عقدناه وأبرمناه، وفي الدنيا جدَّدناه والتزمناه، تحمله الملائكة، وتحفظه جذبةٌ عرضت لنا في الأظلَّة والأنوار، من ومْضةٍ أنارت عقولنا، وقبَسٍ لاح لبصائرنا، فاحتملته أرواحنا، ليشعل فينا جذوة العشق، فغدا وهجه ضياءً، وأنفاسَ قُدسٍ تبعث فينا الحياة، ونسائم روْح تلفح وجوهنا، وضوْع عطر وعبقَ طيب يضمِّخ أجسادنا، ثم نوراً يبدِّد الظلام من حولنا، ومصباحاً يقشع الأسواء ويجلي الضرَّاء، وزجاجة فيها إكسير يُسري النجابة والطهر، وقارورة ترياق يزيح الرجس وينفي الكدَر، وعوذة تشدُّ أعضادنا، وتميمة تدفع الكيد والشر… طاب لنا أن نكون خدَّاماً لهم وعبيداً أرقاء، لكنهم أبوا إلا أن يحرِّرونا عتقاء، ويأخذوا بأيدينا نحو السماء، قد أُوتينا هُدانا، فيمَّمنا شطرهم، ورحنا نطوف مع الملائك في البيت المعمور حولهم، وفي الأرض نمشي في مناكبها، نتحرَّى مواطن الجمال ونستقصي مظاهر الجلال، لنقبِّل ذا الجدار وذا الجدار، ننهل من معين وصلهم، ونشرب نميراً من زمزم عشقهم، وقد ملكوا منَّا القلوب والأرواح، واستغرقنا في حبُّهم، واضمحلَّ وجودنا، وذاب كياننا، وانتفى كلُّ كبر وغرور وإنيَّة وأنانيَّة، فصرنا نلاحق شؤونهم ونتتبَّع متعلقاتهم… من أسماها في تعاليمهم وأحاديثهم، إلى أدناها في آثارهم المحسوسة، وكلُّها عالية سامية.

    وكما أن موالينا صلوات الله عليهم لا يرون شيئاً إلا رأوا الله قبله وبعده وفيه ومعه، صرنا نحن لا نرى شيئاً إلا من خلالهم، ولا نحسب لأمرٍ أو لأحَد شأناً وخطراً إلا بمقدار قربه منهم، فبتنا في حضرةٍ لا واردَ فيها غيرهم، وقد أذن لنا الله أن نرى في بيوتهم ما رأى الملائكة على العرش، فانعقدت ألسنتها وغلبها البهت وغدت في البُهم الصافين الحافين! فإذا غلبَنا أمر معاشنا، وأنزلتنا طبيعة الدنيا من عليائنا، فهذا لا يخرجنا من عشقنا، فما زلنا لا نرى زيناً إلا إذا كانوا فيه، ولا نحسب الأمر شيناً إلا إذا زايلوه وخرجوا منه وعنه… بل نحن لا نرى شيئاً سواهم ولا نحسب لشيء غيرهم! لا نلتفت للحطام ولا نبالي بالأعدام، ولا نكترث بخرق والتئام ما دمنا في هذا الإحرام، إنما ندرج الأُمور والحوادث، والأفراد والأشخاص، على قدر معرفتهم واتصالهم بمعشوقنا، فلا نضال يعنينا ولا جهاد يغرينا ولا انتصارات تبهرنا ولا بطولات تغوينا، ولا زعماء وقوارين، ولا قادة وسلاطين، ولا عمائم شياطين، كلهم سواء، وفي ميزان العشق هباء، حكاه الباري في وحيه لحبيبه “وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً”… نحن لا نبتاع ملككم وسلطانكم وجيوشكم وأسلحتكم بدانق مثقوب، ولا يساوي ذلك كلُّه عندنا شروى نقير، ولَسعفَة جافة نوقِد بها لقِدْر نطبخ فيه طعاماً لزائر، ونعدُّ به زاداً لمعزٍّ جازع ، خير مما تجمعون، بفضل الله هذا وما آتانا نفرح، وأنتم بهديتكم تفرحون. إنه زهو مَن حمل إكسيراً يقلب الصفر إبريزاً، ويجعل التراب في وادي النمل جوهراً وكبريتاً أحمر، فقد دخلنا لُجَّة بحر محبَّتهم، وغمرنا طمطام يمِّ عزَّتهم، وصرنا في فضاء سعة ولايتهم، تغشى وجوهنا لمعات القرب من آثار حمايتهم، مهابين بهيبتهم، معزَّزين بعنايتهم، مكرَّمين بتعليمهم وتزكيتهم… بهذا لا بغيره نفخر. وللعاذل أن يلوم ويعتب، وللجاهل أن يقبِّح ويعنِّف، وللمنافق أن يجحد ويكذِّب، فموعدنا معهم ساعة يبدِّل الله سيئاتنا حسنات، وتنادينا الحور إلى الأنهار والقصور، فنعرض عنها إلى رضوان من الله أكبر، محدقين بسيد الشهداء حلقات.

    من هنا نحن لا نعرف قادتهم، ولا نتعرَّف على زعمائهم، ولا نعظِّم كبراءهم، ولكننا نعرف فرسا حبيبنا رسول الله صلى الله عليه وآله: المرتجز والسكب، ونوقه الثلاث: العضباء والصهباء والديباج، وبغلتيه: الشهباء ودُلدل، ونعرف حماره اليعفور، وشاتيه الحلوبتين، وأسيافه الأربعة: المخذَّم والرسوم وعوناً وذا الفقار، وعمامته السحاب، وحَبْرتيه اليمانيتين، وخاتمه الفاضل، وقضيبه الممشوق، وعباءتيه القطوانيتين، وقلانسه اليمنيَّة والبيضاء والمصريَّة ذات الأذنين التي كان يلبسها في حروبه، وعنزة كان يتوكَّأُ عليها ويخرجها في العيدين فيخطب بها، وقصعة تسمَّى السَّعة، وقعباً يسمَّى الرَّي، ونعرف درعه ذات الفضول، وقد تدرَّع بها عليٌّ  يوم الجمل، بعد أن شدَّ بطنه بعقال أبرق نزل به جبرئيل من السماء، كان النبي صلَّى الله عليه وآله يشدُّ به على بطنه إذا لبس درعه. ونعرف له مخاداً من أدم، يستند عليها في مجلسه ويتوسدها إذا نام، صارت ـ مع بقية تركته ـ إلى فاطمة عليها السلام، ما خلا درعه وسيفه وعمامته وخاتمه، فإنه جعلها لأميرالمؤمنين… فيا عجباً، قبلوا الإرث هنا وأنكروه في العوالي وفدك!

    نعرف هذا ونلاحقه، نتبرَّك به ونقدِّسه… ثم يستغرب جهول تعظيمنا عمَّه الأعظم وكافله المعظَّم؟ ويستكثر البكاء على نبعة نسله وأصل ذريته، خديجة الكبرى أم الزهراء والأئمة الأطهار، ويرفض إقامة العزاء على فقدها وعقد المأتم حزناً عليها؟! إنه الشوق يا هؤلاء، إنه ما عرفنا من الحقِّ، وقد مسَّ الرهبان النصارى طائف منه، غلبهم الشوق إلى بُشرى توارثوها، فرأوها تتحقَّق في القرشي الهاشمي، ففاضت أعينهم رقة ورحمة…

    لزفرة أطلقها أبوطالب على ابن اخيه، حين نظر إليه، يشدُّ حجر المجاعة على بطنه في الشِّعب، تفوق عندنا القدس والعروبة، والأوطان والبلدان، والعالم كله، بل الأرض والمجرة والنجوم وما فيها! وكذا دمعة أراقها رسول الله على عمه الحمزة لما وضعت أوزارها أحد، ونفثة مصدور أو نفس مهموم تنهد به على ابن عمه الطيار.

    ليتكم رأيتم جمال الأكبر يخطر بين الصفوف، ويتلاعب قبل الأعداء بقلب عمته وأبيه! أو اكتويتم بدموع ليلى، أو عرفتم ماذا يعني جفاف ريقٍ تنبع منه وتنساب أنهار الجنان، آه لو وقفتم على زفرة: “على الدنيا بعدك العفا”، هبَّت فأعدمَت الحياة في نسل الأعداء وأعقابهم إلى يوم يبعثون، وقطعت كلَّ سبيل لهم إلى التوبة والإنابة، فلا أمل ولا رجاء؟! آه لو سمعتم هزج الملائكة تعدِّد مع أم البنين، وشهدتم نفير السماوات لما خاض العباس الفرات، ثم جزعها من سهم القربة وعمود الهامة! آه لو رأيتم اضطراب الملكوت الأعلى والطست في طريقه من القصر إلى الخربة، وكيف كانت الملائك تطفر جزعاً من لوعة رقية؟! ليتكم تعلمون كم نأنس بوسم اللطم على صدورنا! آه لو تذوقون نشوة جرح القامة في رؤوسنا، ولذَّة نزف الدماء من هاماتنا وظهورنا؟! ليتكم عشتم بعض ما حمل ذاك الفلاح الفقير ودعاه أن يقتر على عياله ويضيق معاش أطفاله، ليدَّخر ما يستضيف به زوار محبوبه! نحن يا هؤلاء نموت لنحظى بخيط من جبةٍ لامست بدن الرضا حظى بها دعبل… وأنتم تستكثرون بكاءنا على لُحمة رسول الله وعترته! قل يا أيها السياسيون لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد، لكم دينكم ولي دين.

  • قيل للنملة: إن الأرض تدور حول نفسها، فلعلك تصابين بدوار! فضربت برجلها ونادت غاضبة: لأوقفنها. وبال طفل في نهر نياغارا، فحسبت أُمه أن الشلالات هناك من إدرار وليدها، وتنهد متأفف ضجر، خرج إلى شاطئ المحيط الهادئ في البيرو، فخال أن التسونامي في اليابان من نفخته.

    في عالم التعيُّنات الوجودية العلمية، عند نهاية “العماء” الذي لا يدركه فكر ولا يتعلَّق به اسم أو صفة أو رسم، كان أول الظهورات، سواء من الغيوب كالعقول والأرواح والنفوس، أو الشهادات كالأجسام والأفلاك، هو الصادر الأول والعقل الكل والحقيقة المحمدية، فالحق لم ينعزل عن الخلق إذ لا تعطيل، ولا مغلولية ليد الجليل، كما لا تداخل وحلول يفضي إلى التشبيه ويخلُّ بالتنزيه، بل توحيد في صميم التجريد.

    في “مصباح الهداية” للسيد الخميني: [إنَّ الأحاديث الواردة عن أصحاب الوحي والتنزيل في بدء خلقهم عليهم السلام وطينة أرواحهم، وأنَّ أوَّل الخلق روح رسول الله وعليٍّ صلى الله عليهما وآلهما، أو أرواحهم، إشارة إلى تعيُّن روحانيتهم التي هي المشيئة المطلقة والرحمة الواسعة تعيُّناً عقليّاً، لأن أوَّل الظهور هو أرواحهم عليهم السلام. والتعبير بالخلق لا يناسب ذلك، فإنَّ مقام المشيئة لم يكن من الخلق في شيء، بل هو “الأمر” المشار إليه بقوله تعالى: “ألا له الخلق والأمر”، وإن أُطلق عليه الخلق أيضاً، كما ورد عنهم “خلق الله الأشياء بالمشيئة والمشيئة بنفسها”. وهذا الحديث الشريف أيضاً من الأدلة على كون المشيئة المطلقة فوق التعيُّنات الخلقية من العقل وما دونه]. ويقول رحمه الله في “شرح دعاء السحر”: [وهو المشيئة المعبَّر عنها بالفيض المقدَّس، والرحمة الواسعة، والاسم الأعظم، والولاية المطلقة المحمدية، أو المقام العلوي، وهو اللواء الذي آدم ومن دونه تحته، والمشار إليه بقوله: “كنتُ نبياً وآدم بين الماء والطين، أو بين الجسد والروح”، أي لا روح ولا جسد، وهو العروة الوثقى والحبل الممدود بين سماء الإلهيَّة وأراضي الخلقيَّة، وفي دعاء الندبة قوله عليه السلام: “أين باب الله الذي منه يؤتى، أين وجه الله الذي يتوجه إليه الأولياء، أين السبب المتصل بين الأرض والسماء” وفي الكافي عن المفضَّل قال: “قلت لأبي عبدالله عليه السلام: كيف كنتم حيث كنتم في الأظلَّة؟ فقال: يا مفضل كنَّا عند ربِّنا ليس عنده أحد غيرنا، في ظُلَّة خضراء، نسبِّحه ونقدِّسه ونهلِّله ونمجِّده، وما من ملَكٍ مقرَّب، ولا ذي روح غيرنا، حتى بدا له في خلق الأشياء، فخلق ما شاء كيف شاء، من الملائكة وغيرهم، ثم أنهى علم ذلك إلينا”. والأخبار من طريق أهل البيت عليهم السلام بهذا المضمون كثيرة].

    الحسين القادم من “هناك”، والشاهد لما وقع في تلك الحضرة، التي يورث تصوُّرها البهت والبكم، ويلقي المتفكِّر في حيرة وذهول، فإذا خرج منه عاد إليه، حتى تندك الجبال ويخر موسى صعقاً. وسيد الشهداء لم يحضرها ويشهدها فحسب، بل كان من أبطال العرصة وصنَّاع الحدث، المندكين في النور المحمدي، فالأربعة عشر كلُّهم نور واحد وحقيقة في ذوات متعدِّدة، حضر عليه السلام ما جرى في الصقع الربوبي أول ما تشعشع وأفاض، والفيض أزلي سرمدي، فلتجر سفينتك هنا ما حملها بحر تعقلك. الحسين الذي به يكشف الله الكرب، وبه ينزل الغيث، وبه تسبِّح الأرض التي تحمل بدنه، وتستقر جبالها عن مراسيها، الحسين الذي إرادة الربِّ في مقادير أموره تهبط إليه وتصدر من بيته، والصادر عما فصِّل من أحكام العباد. الحسين القادم من ذاك العالم الملكوتي والوجود الجبروتي، الذي منَّ الله علينا به، فجعله في بيوت أذن أن تُرفع ويذكر فيها اسمه، وجعل صلواتنا عليه وما خصَّنا به من ولايته، طيباً لخلقنا، وطهارة لأنفسنا، وتزكية لنا، وكفارة لذنوبنا… هذا الحسين، المتجلبب بهذه العظمة التي ترى، وما خفي أعظم، صار مَدِيناً لحزب سياسي ظهر أواخر القرن العشرين الميلادي، بعد آلاف أو عشرات آلاف السنين من نزول آدم إلى الأرض، حزب نسب نفسه إلى الله، ولعلَّه أُسس على تقوى، لكنه ـ بلا أدنى شك ـ مضى على ضلالة وسقط في غواية وهوى في تيه، وصار في كِبْر وزهْو، وبات في غطرسة وطغيان، فأمسى حليفاً للسلطان، وأضحى ولياً لإبليس، وأصبح حزباً للشيطان!

    الحسين الذي نزل في النشأة الدنيوية وحلَّ في عالمنا، هو الذي أقسم الله بعزَّته وجلاله أنه ما خلق سماءً مبنية، ولا أرضاً مدحيَّة، ولا قمراً منيراً، ولا شمساً مضيئة، ولا فلكاً يـدور، ولا بحراً يجري، ولا فُلكاً يسـري، إلا لأجله وفي محبته… صار منتهَك الكرامة، مُراق ماء الوجه، لولا جهاد هذا الحزب! ولولا بطولاته وصواريخه وطائراته المسيَّرة، لتبدَّدت دماء سيد الشهداء وضاعت في “رمال” كربلاء!

    الحسين الذي تلوذ الملائكة بمهده، ويعوذ الخلائق بقبره، الذي برجاء حياته حييت قلوب شيعته، وبضياء نوره اهتدى الطالبون إليه، الحسين نور الله الذي لم يطفأ ولا يطفأ أبداً، ووجه الله الذي لم يهلك ولا يهلك أبداً، الحسين الذي أتته زمر الملائكة، وانحدرت عليه أفواج الجنِّ تطلب نصرته، فلم يأذن لها… يزعم حزب الله أنه حفظ كرامته أن تذهب، وعزَّته أن تزول، وماء وجهه أن يراق ولا يبقى!

    الحسين الذي يقبِّل الكُمَّلُ أعتابه، ويتمسَّح العظماءُ ببابه، ويتمرغ الأوتاد في ترابه، وفي سبيله يلطِّخ قمم العلم والورع والرئاسة أمثال البروجردي وجوههم بالطين، وفي حبِّه يطفر أمثال بحر العلوم في ركضة طويريج كالمجانين، ويعرِّي أمثال القمي صدورهم ويدخل في اللاطمين، ويفلق أمثال الدربندي هاماتهم ليحسب على الجازعين… يهوي به حزب الله ويستخف، حتى يمنَّ عليه، ويظهر نفسه منعماً متفضلاً ومحسناً إليه!

    وإنما يلحق الحكم الحزب، مع إن الفعل والجرم من عضو واحد فيه، لأن الأسس والأصول الحزبية تقرُّ بمبدأ التضامنية والتكافلية، فالحزب عصبة واحدة، يحمل أعضاؤه تبعات أفعال بعضهم. ثم للنصرة التي أولوها المجرم، والحماية التي وفَّروها للجاني، والعون والنهضة التي فزعوا إليها، بدل أن يضربوا على يده، ويحملوه على الإعتذار.

    عزَّ علينا أن نتخذ هذا الموقف، ولكن ما الحيلة ونحن على مفترق لم يترك لنا خياراً غير التبري من الضلال، فإن كنتم خالدون، فنحن لا محالة ميتون، وفي العالم القادم لا عباس الموسوي ينفعنا، ولا صبحي الطفيلي، ولا حسن نصرالله، فهؤلاء إن لم يكونوا أسوأ حالاً منَّا، فهم مثلنا يبحثون عن شفعاء… كل الأمل في دمعة على سيد الشهداء، وصرخة تردُّ أباطيل المتنكرين له، ووقفة أمام المنقلبين عليه.

    التحليلات كثيرة في حصار الحزب والكيد والمكر به، والأقوال أكثر في سقوط العملة وانهيار الاقتصاد وفقر الناس والبلاء والوباء، ولكننا هنا نلاحق أسباب انقطاع المدد الإلهي، وأسرار تعطُّل الغوث الرحماني، وعلل إعراض ولي الله عن فئة تستخف به وتغيِّبه وتهوي بولائه وتنحدر إلى حدود الاسم والدعوى، ثم تتخلى عن هذا أيضاً وتلاحق وهماً يصنع لها مجداً دنيوياً وعزاً ظاهرياً…

    من المؤلم أنَّ هذا الانحدار صار نهجاً وثقافة في أداء الحزب وسيرته، فلا نكاد نفرغ من ضجة حول سقطة عقائدية، حتى تلحقها أخرى، ولا ننتهي من هتك لمقدس، حتى يُشرع في تالٍ جديد، وكأن قراراً سرياً يجري تنفيذه، يأخذ الحزب إلى هوية بعيدة عن التشيُّع، ومُفارقة لأوليات الولاء. ولعمري سيطول وقوف السيد حسن أمام الشهداء الذي سقطوا في هذا الطريق، وسيواجهونه بالقيم والمثُل والفلسفة التي حملتهم على الجهاد والشهادة، فثكلت الأمهات وفجع الآباء وتيتم الأبناء وترمَّلت النساء، وكل آمالهم أن تبيَضَّ وجوههم أمام الحسين والزهراء، وإذا بقائد الحزب يصبح حسين العصر، وولي فقيهه علي الزمان، وإذا بالإمام الذي بيمنه رزق الورى وثبتت الأرض والسماء هو بحاجة إليهم، وهم الذين يخلعون عليه مكانته أو يحفظون له كرامته!

    هنا قتل الدين وذبح المذهب، بل هتك العقل وذهب الوقار! لما جاء مسكين مكتوم الأجل، مكنون العلِل، محفوظ العمل، تؤلمه البقَّة، وتقتله الشرْقة، وتنتنه العَرْقة، هوى بضعفه وعجز عن الطلب كما الذباب والأرباب… جاء ليخلع العزة على ولي الله الأعظم، ويهب الكرامة، أو يحفظها لمن يدير الكون بيده! وما زال التعس يغالب، يرفع إلهاً ويعلو بوثن، يتملَّق زعيماً ويتذلل لرئيس، والآية تلاحقه: “يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إنَّ الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب”… هنا، في ظلال هذا الأداء، استبيحت الكرامة وتسافلت القيم، وسقطت الأقنعة، وهلكت الوجوه وذهبت العزة وانماث الإيمان.

    دع عنك بعوضاً يطنُّ على وضَر، وصعاليك صاروا منظِّرين، وعمائم يُزكم نتنها الأنوف، ومساكين يسعون لتأمين أرزاق عيالهم فباتوا فلاسفة، يلتمسون أعذاراً للثلج في برودته، ويشكون للنار حرارة وللحجَر صلابة، ويستخرجون مبررات من مؤخرات القرود، وحقاً في آلهة البوذيين والهنود… فالحقيقة أنَّ الحزب في هذا معلِن مجاهر، صريح غير مُداهن، وإن وزَّع الأدوار، فكان فيه مُستخف أسرَّ القول، وسارب متجاهر بالنهار، لكن لا ريب أنَّ هذه العقائد باتت هي رسالته، والحداثوية هي فكره ونهجه، وقد حشد لها “شعراءه” وأطلقهم، وكما كان الشعراء في صدر الدعوة الركن الإعلامي الأكثر تأثيراً، يرفعون بمدحهم الأراذل، ويسقطون بهجائهم الأماجد، ويأبِّنون برثائهم الظلَمة، ويزيِّنون بوصفهم الباطل، ويحرِّفون بدعوى الحكمة الحق، يغوون بالغزَل ويضلُّون بالفخر، كذلك يفعل اليوم الذباب الألكتروني، وتزاول الفضائيات، وتشتغل الأقلام المأجورة، وتتعاطى العمائم الخاوية، تراهم في كلِّ وادٍ يهيمون، ويقولون جزافاً، وزندقة يفعلون. والحزب ماضٍ في ذلك بأداء تصاعدي لا يسمح لشيء أن يعيقه أو يضعف من وتيرته، يحدوه قرار واضح يروم طمس الهوية لصالح اللامذهبية، وركيزته الأولى في ذلك مسخ الولاء والتشكيك في الفضائل وإسقاط كل ما يميِّز المعصومين الأطهار، وأيسر سُبله إقرانهم الأنوار الإلهية بنماذج هابطة، أو بصوَر ووجوه عادية، يشهد الناس تدنيها و”بشريتها” الموغلة في العجز والضعف، والمفرطة في الفقر والحاجة، وهو أداء يمضي بمكر ودهاء، وغرور واستعلاء، وما زال ينحدر بعقائد أتباعه ويتراجع، حتى صاروا يبحثون في الأوليات، ويشكُّون في الثوابت، ما غيَّر الأُسس والركائز، وقلب الحرُمات وبدَّل المقدَّسات، وعبث ما شاء في الدين، وبدَّل في المفاهيم وزحزح اليقين!

    ولعلَّ أجلى برهان على هذه الحقيقة، يُسقط حجة من يدَّعي ـ بسذاجة أو مواربة ـ معذورية الحزب، بفلتان الساحة، والقصور عن ضبطها، وصعوبة ملاحقة العناصر التي يصدر منها هذا الضلال… تعاطيه في القضايا السياسية، وجدِّيته في معالجة الأخطاء التي تقع فيها، وحزمه وجزمه في تصحيح المسار، ومن قبيل ما جرى في قضية نواف الموسوي وهو نائب في البرلمان، تطاول على بشير جميل زعيم حزب الكتائب، الذي كان قد تولى رئاسة الجمهورية برعاية صهيونية، فأُجبر الموسوي على الاستقالة لما أبى الإعتذار، وتولى رئيس كتلة الوفاء للمقاومة عنه الإستغفار، كلُّ هذا لأن الأمر مسَّ صورة حزب الله أمام السياسيين في لبنان، وأظهره حاداً شديداً متطرفاً، فلا أقيلت عثرة الرجل ولا غفرت زلَّته… أما مقدَّسات المذهب وحرمات الله، ومقام الأئمة الأطهار من آل محمد، ومن قبل ظلامة الزهراء التي عقدوا عليها صفقة سوداء، فلا بأس بأن تنتهك وتبتذل، بل يصدر الأمر للذباب والعمائم الخاوية بقرع طبول الترهيب، لإرعاب الأحرار الغيارى، وثنيهم عن الدفاع عن مذهبهم!

    قد تسعف الإحصائيات الحزب في شعبيته، وفي حجم مستودعات أسلحته وذخيرته، وعموم عديده وعدته، فيظهر في نفوس قادته قوياً منتصراً، بل مكتسحاً… ولكنهم في غفلة عن أن القلوب بيد الله، يقلبها بين لحظة وأخرى، فينصرف الناس عنهم وتزهد بيئتهم فيهم. انظروا أين كان فضل الله في بلاد الشيعة وأين صار؟ وكم ارتفع طير الحيدري وكيف وقع. وأنتم على الإثر والتبع! للبيت ربُّ يحميه، سيسقط إيران والحزب وكل من ينخر في داخله ويعاديه، أما نحن، إن أفلحنا ونجونا، فكلاب في هذي المضارب، ننبح مَن يدنو من الحمى، ونطارد من يندس ويتوغل، بهذا نعتز ونتشرف.

    “من كنك خواب ديده وعالم تمام كر، من عاجزم زكفتن وخلق از شنيدن”.

    أنا أبكم رأى مناماً، والعالم كلُّه أصم، أنا عاجز عن النطق، والخلق عن السمع!..

  • ليس الأمر ابن يومه ولا وليد ساعته. فهناك بغضٌ متأصِّل وحقد دفين، إحَنٌ وأضغان وغلٌّ، جاء من حسد، شحَن الصدور وأوغرها بما ضجَّت منه السماء، حتى أنزل الله “أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله”، أو من غَيْرة وانقباض، ونفور واشمئزاز، طالما ملأ القلوب وغمر النفوس، لتميُّزٍ رفعَ هذا البيت، وتفوُّقٍ شرَّفه، ونزاهة أعزَّته وسؤدد عظَّمه… فالسقاية والرفادة لهم، وزينة دار الندوة بهم، وعفَّة المناكح وطهارة الموالد والنجابة فيهم، حتى التعالي والترفُّع عن مآكل القوم وطعامهم من خشاش الأرض وهوامها، ضِباب ويرابيع وقنافذ، حيات وجعلان وخنافس، بجَّة وفصيد، قِدٌّ وورق، ومنكَر وطرَق. من هنا ما انفكوا يكرهون بني هاشم، ويتحيَّنون فرَص تفريغ أحقادهم، حصاراً في الشِّعب ومقاطعة، وملاحقة أفضت إلى ترك الوطن والهجرة، وما فتئت الأحقاد تستعر، تذكيها الحروب والغزوات، ويعمِّقها الظفر والانتصارات، ما ورَّث القوم أحقاداً بدرية وحُنينية وخيبرية، ما اشتفوا منها بعد السقيفة إلا في كربلاء، وما سكنت يوماً أو انطفأت إلا في احتفالات البغي ومهرجانات الشماتة في الشامات، وشعار “دفناً دفناً”. وهو فصل يطول، يلخِّصه قول أبي سفيان حين سمع الأذان: “لله درُّ أخي بني هاشم، انظروا أين وضع اسمه! فردَّ عليٌّ عليه: أسخن الله عينيك يا أبا سفيان! الله فعل ذلك بقوله عزَّ من قائل: ورفعنا لك ذكرك”، ومن بعده قول خلفه: “ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل، فما عدا أن هلك حتى هلك ذِكره، إلا أن يقول قائل: أبوبكر! ثم ملك أخو عدي، فاجتهد وشمَّر عشر سنين، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره، إلا أن يقول قائل: عمر. وإن ابن أبي كبشة ليُصاح به كلَّ يوم خمس مرات: أشهد أن محمداً رسول الله! فأي عمل لي يبقى، وأي ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك! لا والله إلا دفناً دفناً”. هناك عداء مع ذات محمد وشخصه، بغضٌ لآله وكُره لذريته، تلحظه من بدايات الدعوة في مقولة “لولا نزِّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم”، إلى آمال العاص بن وائل وقوله “دعوه فإنه رجل أبتر لا عقب له، فإذا هلك انقطع ذكره “، حتى مقولة “كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوة والخلافة فتجخفوا جخفاً”. ولا أجلى من نداء عمر بن سعد في عاشوراء “هذا ابن الأنزع البطين، هذا ابن قتَّال العرب”. وما زالوا يحملون ما حملوا، ويفعلون ما فعلوا.

    هناك، في الاستراتيجية التي وضعها الشيطان ورسمها اللعين الرجيم، مع بواكير الدعوة، في تلك الحقبة الحساسة الدقيقة التي انطلق فيها الصراع بين الطرفين في العمق العميق، واستعر في الجذر الضارب السحيق، راح كلٌّ يضع خطَّته وينظِّم جبهته، يدعِّم كيانه ويُحكم بنيانه، فكان أول ما عمد إليه  النبي صلى الله عليه وآله في جبهة الحق، أن أرسى أعظم قواعده، ورفع أجلَّ وأخطر ما يشيِّد بيته ويبني حزبه، حين عقد البيعة لأميرالمؤمنين، لما أنزل الله “وأنذر عشيرتك الأقربين”، فجمع صلى الله عليه وآله بني عبدالمطلب، أنذرهم وبشَّرهم، وعرض عليهم: أيُّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي؟ فأحجم القوم وسكتوا، فأعادها ثلاثاً، كل ذلك يسكت القوم، ويقول عليٌّ أنا يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وآله: إنَّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا. فقام القوم وهم يقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع!

    قد يكون أبولهب هنا مستخفّاً بالأمر من غرور يسكنه، وجهالة تعتريه، لكن دهاة القبائل وفراعين الأُمة من أمثال أبي جهل وأُمية بن خلف والعاص بن وائل وعتبة بن ربيعة وعقبة بن أبي معيط والحكم بن أبي العاصي، والنضر بن الحارث، وعموم صناديد قريش وذؤبان العرب ومردة أهل الكتاب، كانوا من أخطر الأبالسة وأعتى الشياطين، وزمرة شكَّلت حزباً خطيراً يدبِّر أمره ويدير دفَّته مباشرة إبليس الرجيم بنفسه، فرسم لإسقاط الدعوة واغتيال النبي (ليلة المبيت وليلة عقبة هرشا)، وخطَّط لحروب وحاك مؤامرات، وكلُّها خطوات وإجراءات (تكتيكات) اقتضتها المرحلة وفرضها الحال.. لكن الأهم الأخطر هو ما وضعه في خطَّة هذا الحزب ورسم له في نهجه على المدى البعيد (الاستراتيجية)، واتخذه من إجراءات وأحكمه من تدابير، ولا سيما مع توالي الإنتصارات، وظهور الأمر في الانتشار والثبات، وتحوُّل الإسلام إلى حقيقة واقعة، بل متطلِّعة واعدة.. وهذه نُذر سيطرته على الجزيرة العربية، بل العالم، تترى، وأمارات الظفر والغلبة تتعاقب وتترادف. ولم تكن الخطة ساذجة تحكي تخلُّف العصر وبداوة القائمين عليها، بل كانت تحمل فكراً استلهم من ممارسة متأصلة وخبرة موغلة في القدم، بدأت مع الخلق، وترسَّمت مع نزول الإنسان إلى الأرض، وعكست تجارب أُمم وشعوب ودول وحضارات، ما زالت تقوم وتزول، وتنهض وتسقط، وتعيش وتندثر، وديانات ما برحت تُزيَّف وتنحرف، وتضلُّ وتنجرف… خلص الشيطان من كلِّ ذلك واستلهم، فكان أعمق ما في الخطة التي أعدَّها لمواجهة الإسلام، وأخبث ما ادَّخره لذلك، وأخطر ما في تدبير حزبه وتنظيم أوليائه الذي رسم كيفية الالتفاف على محمد وأهل بيته، يدور في محورين، ويندرج تحت عنوانين: الأول عدم شخصانية الدين، والثاني الإنفراد بالقرآن الكريم!

    كل مَن تراه ينادي بقيَم الإسلام ومبادئه ويطرحها نظريةً مجرَّدة، كل مَن يبكي مُثُله الإنسانية الراقية وتعاليمه الأخلاقية السامية، ويندب أحكامه الغراء وشريعته السمحاء قائمة بذاتها، مستقلَّة عن الآمر بها والنادب إليها، منفصلة عن الساعي فيها والدليل عليها، وكل مَن يتحرَّق على رسالته وأهدافه بمعزل عن قائده، ويجاهد ليُقصي عنه ذوات حملته وينحِّي أشخاص أئمته، كلُّ مَن يتجنَّب طرح الإسلام عبر عنوانه ورمزه ورأسه وأنموذجه، بل كل مَن يقصد توحيد الله سبحانه وتعالى، ويروم عرض الإيمان وتقديمه للبشرية، مقطوعاً عن ولي الله وخليفته في أرضه وسمائه، كل مَن يدَّعي أو يسعى فعلاً لينير القلوب بمعرفة الله، بغير نور الله وضيائه وشمسه ومصباحه، ولا يأتيه عبر قنطرته ومن بابه، هو مسخَّر لحزب الشيطان، أجير عميل إن علم بذلك، أو مستغفَل مغرَّر به سفيه، إن لم يعلم! كلُّ نداء يرتفع بأننا لا نعبد محمداً، ولا نعظِّم شخصه ولا نحبُّه ولا نواليه لذاته، بل لما يمثِّل ويحمل من قيم وتعاليم وإرشادات وأحكام… هو نداء شيطاني. كان قد ارتفع من قبل أمام آدم عليه السلام، بِكْر حجج الله وأبي البشر، حين أبى كبيرهم السجود، وما زال يتردَّد، وهذا رجعه وصداه يدوِّي اليوم أمام خاتم الحجج والمدَّخر لتحقيق الوعد الإلهي المنتظر، فيقال إن المهدوية حالة، ونحن نلاحقها قضية لا شخصاً، نزعة تطلب الحق وتتطلَّع للعدالة والمساواة، لا عاطفة تبحث عن إمام وتبكي مفتَقداً، فتختلف في اسم أبيه وتاريخ ميلاده ومكان وجوده وزمن ظهوره! هذا هو المدخل الشيطاني الأعظم في إغواء البشر، أن يأخذهم باسم الدين والإخلاص والتنزيه، بعيداً عن جوهر الدين ولـبِّه وحقيقته، أي معرفة الإمام من آل محمد وموالاته والنزول على طاعته.

    وهكذا كل نداء يُرفع أمام حديث رسول الله وأهل بيته المعصومين وعموم تعاليمهم عليهم السلام، يدعو الناس ويحشدهم حول كلام الله العظيم دون عِدله وثِقله، يهتف بالقرآن الكريم الأبتر عن العترة الطاهرة، يكتفي بالصامت عن الناطق، ويأنس بالمظهر المنقوش عن الجوهر المكنون، ويقنع بالصحف عن الصدور والنفوس، ويتعلَّق بالكتاب المجيد دون الإمام المبين، هو نداء شيطاني، تردَّد من قبل في “التحكيم”، فحذَّر أميرالمؤمنين صلوات الله عليه ابن عباس، وكلَّ مؤمن على مدى التاريخ: ” لا تخاصمهم بالقرآن، فإنَّ القرآن حمَّال ذو وجوه، تقول ويقولون، ولكن حاجهم بالسنة، فإنهم لن يجدوا عنها محيصاً”، وتكرَّر في محفل يزيد بن معاوية في المسجد الأموي، حين أراد إلهاء الجموع وصرف الناس عن خطبة زين العابدين عليه السلام، مروراً بـ”كلمة حق يُراد بها باطل”، لما رفعت المصاحف على الأسنة في النهروان، ومعها هتاف: “إن الحكم إلا لله”.

    “القرآنيون” عصبة شرٍّ وفرقة سوء، وحزب أسسه الشيطان الرجيم، تحالف فيه عتاة قريش مع أحبار اليهود ومردة الجنِّ وذؤبان العرب، تلقفته وأرسته قوى التغريب التي زرعت الحداثوية، ورعاه التنويريون عبر الماسونية العالمية، وما زالت تتعاهده عبر أدوات دينية، أحزاب ومنظمات وحركات إسلامية، وعمائم، قد يرى البصير في بعضها قرني الشيطان نابتين يخترقانها، أو بارزين منتصبين من ورائها، ويرى في عمائم أخرى أُذني حمار ينتصبان على يمين العمامة وشمالها، فكأنهما يحتضنانها ويضمَّانها.

    الشيخ التعس “محسن قراءتي” علم أم لم يعلم، هو عضو في هذا الحزب، وعلى محمل الخير، وفي أحسن الأحوال هو شيخ سفيه أحمق، بالتركية “اولاق”، وبالفارسية “الاغ” أو قل “قاطر”، والطاء تلفظ تاءً، وبالعربية التي لا يحسن الرجل كثيراً منها (ثم يترأس لجنة تفسير القرآن!)، هو ”بغل” أو “حمار”. والمفارقة هنا أن يأتيك بعض المحتاطين المتقدسين، فيعتب على هذا الخطاب، ويستقبح هذا السباب، ولكنه لم يكترث بفعلة “قراءتي” وهو يهتك جوهر الدين ويبتذل أصل الإيمان واليقين، حين أزرى بجريمة قتل أميرالمؤمنين، ووقر عن صرخة جبرائيل بين السماوات والأرضين: تهدمت والله أركان الهدى وانفصمت العروة الوثقى قتل علي المرتضى! ولا يبالي بالاستخفاف بظلامة الزهراء، ثم لا يعنيه أن حطَّ أحدهم من قدر مقتل سيد الشهداء، الذي ما زالت تبكيه السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهنَّ وما بينهنَّ، وما ينقلب في الجنة والنار من خلق ربِّنا، وما يرى وما لا يرى! يهوِّن الخطب في كل ذلك ويزعم أنه لن يكون محلاً لشكوى رسول الله يوم الدين!

    عندما يسمح معمَّمٌ لنفسه أن يتجرأ على بديهيات التشيُّع، وينقل البحث والسؤال إلى ميادين فرغ منها السلف والخلف، وتم الأمر فيها واستقر على عقائد راسخة، وخلُص إلى نتائج حاسمة، صارت من ثوابت الدين ومسلَّمات المذهب، ومن قبيل اقتران الثقلين، وأنَّ الأئمة هم القرآن الناطق وعِدل الكتاب الصامت، وأن القرآن المهجور الذي سيشكو الأمة يوم القيامة، هو أميرالمؤمنين، كما في خطبة له عليه السلام جاء فيها: “ولئن تقمَّصها دوني الأشقيان، ونازعاني فيما ليس لهما بحق، وركباها ضلالة، واعتقداها جهالة، فلبئس ما عليه وردا، ولبئس ما لأنفسهما مهدا، يتلاعنان في دورهما ويتبرأ كلٌّ من صاحبه، يقول لقرينه إذ التقيا: يا ليت بيني وبينك بُعد المشرقين فبئس القرين، فيجيبه الأشقى على رثوثه: يا ليتني لم أتخذك خليلاً، لقد أضللتني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولاً. فأنا الذكْر الذي عنه ضلَّ، والسبيل الذي عنه مال، والإيمان الذي به كفَر، والقرآن الذي إياه هجَر، والدين الذي به كذب، والصراط الذي عنه نكب”. فهذا يسمح لنا ـ في المقابل ـ أن نصفعه في وجهه، ونسقط عمامته عن رأسه، فإذا افتقد الشيعة الدولة والسلطة، وخلت أيديهم من القوة المانعة والتعزير الرادع، لم يبق إلا هتك هؤلاء الأدعياء وفضحهم والوقيعة فيهم، وكل ما يسقطهم، ويحصِّن العوام من التأثر بهم.

    والحق إن الرجل ليس بدعاً ولا نشازاً في إيران اليوم، إنما هو حلقة في سلسلة مترابطة، ومحطة في درب ممتد، ومفردة في منظومة، وفصل في نهج تربوي متَّصل عبر أجيال (نحن اليوم في العقد الثالث منه)، اختطَّ مسلكاً واتخذ مشرباً وصار مذهباً، صنع للتيار الحداثوي ووفَّر له الآلية الشعبية التي طالما افتقد، وتكفَّل بصيغة حركية روحانية، تواجه جوهر التشيع وصميم الدين المتمثل بالولاية والشعائر الحسينية، هو “المظاهر القرآنية”، ففي إيران اليوم جيل من الحفظة والقرَّاء وفرق الترتيل والإنشاد، وزخم من المسابقات والمحفزات، والندوات والمؤتمرات، التي سمحت (في المحصِّلة) بعقد محفل أنس قرآني مساء فجعة عاشوراء وليلة الوحشة في كربلاء! وجعلت ذلك أمراً مستساغاً مقبولاً، يأخذ طريقه ليعلن بحسم وجزم ما ينهي العزاء ويزيح الجزع ويقطع البكاء! في إيران اليوم سقطت المقولة العقائدية والثقافية التي كان عليها الشيعة تاريخهم كله، من أن القرآن هو جوهر وعمق وفهم وتدبُّر وتفقه وتفسير وتأويل، وأنَّ هذا الذي بين الدفتين هو ظهور كتاب الله الذي لا يخرج عن صمته فينطق، إلا بولاية عِدله واللجوء إلى ثِقله، ودون ذلك تلاوة وحفظ وتلحين وترجيع، طالما تغنَّى به غيرنا، ووظَّفه سوانا.

    وهنا وقفة مع التهويل والتشنيع، وخطاب التكفير، الذي يدينه الحداثوي ويشكو منه، ثم يوظِّفه ويسخِّره هنا، فينادي: “وا قرآناه” لمواجهة كل خطوة تنويرية حقيقية، وكل سعي توعوي أصيل، يحاول أن يسلِّط الضوء على المؤامرة، ويكشف وجه الأداء الشيطاني الذي يقرأ القرآن، والقرآن يلعنه.

  • يحكى أنَّ فاخورياً رشا صانعاً في معمل منافس، أن يدسَّ مادة اخترعها في التربة التي يُعدُّ منها الطين، تنقِّيها من المدَر بيُسر، وتصفِّيها من الشوائب دون عناء النخل، لكنها بعد أن تُعجن وتُصنع وتُطبخ في الأفران، فتغدو خزفاً وجراراً وأكوازاً، لا يلبث أكثرها أن يتصدَّع ـ بعد حين ـ من تلقائه، أو يتهشَّم ويتفتت لأدنى صدمة وضربة! كان زملاء العامل المرتشي يحاورونه في مادته تلك، ويحاججونه في خطرها وخبثها، وأنها علَّة فساد عجينتهم وسرُّ فشل صناعتهم وكساد بضاعتهم، يقدِّمون له الأدلَّة وينقضون ما عنده من حُجج، وهو ماضٍ في شأنه، لا يجيبهم إلا بما يذكي الحوار ويعمِّق الجدال، ويصرف الوقت ويقطعه!

    يغفل كثير من المؤمنين العاملين في حقل التبليغ الديني، والناشطين في الحراك الثقافي في الساحة الإيمانية، عن خلفية الظواهر المحدَثة والتيارات الطارئة، وتنطلي عليهم الخدع التي تخفي منطلقات الشخصيات التي تقف خلفها، والجماعات والأحزاب التي تنهض بها، وتغيب عنهم حقيقة الأهداف التي يرميها أرباب الآراء المخترعة، وغايات المذاهب المبتكرة. فتراهم يستغرقون ـ بجدٍّ وهمَّة ـ في قراءة المقولات ودراسة الأفكار، ينظرون في أدلَّتها نقضاً وإبراماً، إسقاطاً وإثباتاً، تضعيفاً وتصحيحاً، استبعاداً وترجيحاً، وينهمكون في ذلك بولع ويتمادون بإدمان، حتى يغدو الاحتجاج والسجال همهم الأكبر وشغلهم الشاغل. غافلين أن أوَّل ما ينتج عن هذا الإستغراق والانسياق والدأب والمثابرة، هو خروج المحدَث المبتَدَع عن بِدعيَّته، وزوال شذوذه وغرابته، فإنَّ فرط تداول الشيء وكثرة تناقله، يُذهب الاستيحاش منه ويُزيل القُبح عنه، ما يحقِّق لأصحاب البدع هدفهم ويدنيهم من غرضهم!

    والخطير الجلل هنا، أنَّ عملية الجدال والحوار هذه، ترجع بالحقائق إلى دائرة الشك والسؤال، وتعيد وضع المسلَّمات على دكة البحث والدراسة، وتنكفئ بالمذهب وتقفل إلى موقع بناء أُسسه وتشييد ركائزه وإرساء قواعده، وكأنه ما برح على شفا جرف هار، أو يشكو ضعفاً ويعاني عجزاً، بل فراغاً وخواءً جعله مضعضعاً وخلَّفه مترنِّحاً، حتى طالته تشكيكات هؤلاء الصعاليك، وهزَّته ترَّهات واهية! ما يفضي إلى اهتزاز الإيمان بكلِّ عقيدة، والشكِّ في كل مبدأ وشريعة! والحال إننا أمام مذهب من القوة والإستحكام، ما صمد أمام أعتى الهجمات، وقاوم أشد الضغوط والسطوات، وانتصر في أقسى الحروب والنزاعات، منذ اللحظة الأولى التي جمع فيها رسول الله صلى الله عليه وآله عشيرته، وعيَّن أميرالمومنين عليه السلام أخاً له ووزيراً ووصياً وخليفة، حتى ساعة وفاته وقيام السقيفة، صمد التشيُّع في عهود الخلفاء، وثبت أمام طغيان الأمويين وويلاتهم، وقاوم بلايا العباسيين وفجائعهم، فالأيوبيين ومجازرهم، والمماليك وعتوِّهم، والعثمانيين واستبدادهم، حتى عصر الإستعمار والدولة الحديثة وعهود الإستقلال، لم يترك كلُّ هؤلاء، حكام جور وعلماء سوء ومذاهب نُصب، حيلة لينالوا من التشيُّع إلا عمدوا إليها، ولا سبيلاً لتحريفه إلا سلكوه، ولا أداة لإبادته والقضاء عليه إلا استخدموها، بطشٌ وتنكيل وقتل وتهجير، إقصاء واضطهاد، وبغي وإجحاف وقهر واستضعاف، كل هذا عجز أن ينال من مفردة واحدة في هذا المذهب الصلب المتين، ويهزَّ لبنَة في هذا الحصن الحصين، ويُحدث ثغرة في هذا الصرح الراسخ المكين، الذي قام على مداد العلماء، وسقته دماء الشهداء، ورعته يد السماء وعناية الأولياء.

    إنَّ الأداء الصحيح الذي يجب أن يحكم التعامل مع هذه النظريات والتيارات وأربابها، هو تجاهلها في مادتها وتفاصيلها، وترك نقضها وتفنيدها لذوي الفضل والاختصاص في الحوزة العلمية، والانصراف في جهدنا الإعلامي لأمرين: الأول: فضح التردِّي الخُلقي لهذه الشخصيات، وسقوط عدالتها، وتعريتها في عدم نزاهتها، من حيث غلبة الأهواء فيها، والأغراض الشخصية عليها، وكيف أنها متهالكة على المال، مستميتة في نيل السلطة وتحقيق الشهرة، كما في الريبة التي تحوطها والشكوك في خيانتها وارتباطاتها، سواء الحزبية والفئوية، أو العمالة لدوائر المخابرات الأجنبية أو الإسلامية المتزندقة أو الناصبية. وكذا في خوائها وافتقادها ما يسمح لها بالتنظير والاستنباط من كفاية علمية. ثم العمل على ترسيخ الطريقة المتَّبعة في تأكيد تحصيل الفقاهة وبلوغ الاجتهاد، وكيفية ثبوت التخصُّص الذي يسمح للمرء بالتصدِّي لهذا الحقل ويبيح له الخوض في ذاك، وهي طريقة المشيخة والإجازة، وعدم الإنبهار بالاستعراضات التي لا تعني أكثر من جمع ولصق المعلومات، وفي أحسن الأحوال، المقدرة على التتبع والاستقصاء، يوفِّره البحث الإلكتروني، أو فرَق عمل ومجاميع متفرِّغة، يُصبُّ عليها المال صبّاً، لا تعني شيئاً في الميزان العلمي الذي يرتكز على العمق والدقة والإحاطة والقدرة على التطبيق. الثاني: الانصراف لبيان الحق الذي نحمل، وعرض الأصيل النقي مما نملك، الذي لو أحسنَّا تقديمه وأجدنا بيانه وتسويقه، لهفت إليه النفوس وتعلَّقت به القلوب، وأقبل عليه الناس بشغف، وتلقَّوه بشوق ووَلَه، وعزفوا عن ذاك الدجل والسفه.

    علينا أن نميِّز بين الرجال ونفرِّق بين الحالات، هناك حراك إعلامي ينطلق من أداء التكليف الشرعي، ونشاط تبليغي تحدوه اللهفة لإرشاد المؤمنين وإنقاذهم، سعيٌ لا يطلب إلا الأجر، وجهد لا يرجو غير الثواب، قد يلحق على إثره العاملَ المخلص ـ عرَضاً ـ الصيتُ والشهرة، ويتبعه حُسن الذكر وطيب السمعة، وثناء المؤمنين ودعاؤهم. و”عرَضاً” هنا تعني إرادة الله التي ترى صلاح الدين والخير في بروز هذا وارتفاع نجم ذاك، بعد أن كان الخير في بقائه مغموراً، والصلاح في استمراره منزوياً مجهولاً! وبين ما يكون طلباً للنجومية وسعياً للشهرة، وتهالكاً على المال والجاه والسلطة، وتبعاً لمناهج ضالة، وقيادات مضلَّة، ومرجعيات مزيفة باطلة، بل خدمة لدوائر مخابرات، وأجهزة ما انفكَّت تضمر للتشيُّع الشرَّ وتحيك المؤامرت.

    إن هذه الظواهر الشاذة والطفرات الغريبة التي تدَّعي الحداثة وتنادي بالإصلاح وتزعم التنوير، ما هي، إن دقَّقت وتدبَّرت وتأمَّلت، إلا حراك أجوف يخدم حزباً ويتعصُّب لزعيم، وفعل من صوَر حبِّ ظهور، والتكسُّب والإتجار، وطلب الشهرة والسلطة والمال، ضربٌ من الاستئكال بالدين، والتحايل به عليه. وإلا، لو كانت تنشد إصلاح المعارف الدينية وتنزيه المذهب حقاً، لكان خطابها متوجهاً إلى المعنيين بالأمر مباشرة، منغلقاً عليهم حصراً، فما شأن الساحة الإعلامية وعوام المؤمنين بمباحث أُصولية ورجالية وفلسفية وكلامية في غاية التعقيد؟ محلُّها الوحيد هو الحوزة وأروقة البحث والمداولة بين ذوي الشأن والاختصاص؟ لماذا تثار على الملأ، ويهيج الغبار حولها في وسائل التواصل، ويعلو في الفضائيات الضجيج؟

    من السذاجة والغفلة بمكان أن يعمد مؤمن ناشط ومخلص شريف إلى التفنيد العلمي والردِّ الإستدلالي على إثارات العسر والحبتري وحبِّ الشيطان، وما دونهم من سقط المتاع كالهرِّ والبطريق ومومس الأحساء، ناهيك بوزغ عبَّا وفيروز إيرلندا وعورة المعهد، وأضراب هؤلاء الأخلاط والأخياف، فينشغل أحدنا بإثبات نسبة “التفسير” للإمام العسكري عليه السلام، وملاحقة من أيِّ نسخ “البصائر” نقل العلامة المجلسي في “البحار”؟ وتفاوت موقف الشيخ الطوسي تجاه محمد بن سنان بين ما جاء في “الغيبة” عما ذكره في “التهذيب” و”الاستبصار”، و”حجيَّة القرآن” دون السنة، وغير ذلك من إثارات وتخرُّصات لا يمضي علينا شهر، وأحياناً جمعة، دون واحدة جديدة، تسقط كزرق النوارس على الشاطئ، أو سلح الكلاب الضالة في جحورها الرطبة وأوجارها المنتنة. الحقيقة أن لا “حبُّ الله” يكترث بالحديث ويأبه لصحَّة سنده واعتباره، فيحرق ما استطاع من تراثنا، ويردم ما وسعه من بحار أنوارنا في سبيل تنقيته ونبذ الدسِّ فيه، ولا “الحيدري” يهتمُّ بالحكمة المتعالية ويتقطَّع حسرة على الفلسفة، فيهوي بمعول خُرقه وسفهه، ويميل بسيف حقده وعُقد إخفاقه وفشله، ليدمِّر ما تطاله يده من المنظومة العلمية الأصيلة التي تبني معارفنا الدينية، ولا “العسر” يحرص على التشيُّع أو يبالي بحاله، فيهجره الرقاد مما يعلق به من شوائب، ويسهد ليله من تشوهه وتخلُّفه! ولا “طالب” يعنيه سند الدعاء أو قاعدة التسامح في أدلة السنن، التي تحمله على طرح “مفاتيح الجنان” وإلغائه من حياة المؤمنين، كما فعل بالمذهب وتنكَّر وغدر بالطائفة، وهي تحت القصف في 2006، وراح “الصهر” يستجدي الأمان له ولعمِّه من السفارة الأمريكية، لا شيء من الدين يعني هذا، إلا بقدر ما يعني “طوني” الإسلام، أو يعني “الخياط” الذي اعتمده ممثلاً للتشيُّع وناطقاً باسمه، فوقع الذباب على القمامة والوضر.

    من الغفلة والخطأ أن ننشغل بردود علمية وأبحاث ودراسات تبطل مقولات القوم وتفنِّد أُطروحاتهم، وكل الأجوبة على إثاراتهم وشبهاتهم تمَّ الفراغ منها منذ أمد بعيد، وأُشبعت، بل قُتلت، بحثاً في الحوزات، وكل ما علينا، إن اعترى أحد الضعفاء الشك، أن يوجَّه للمصادر، ويُرشد إلى كتب علمائنا ونتاجاتهم في هذا الأمر وذاك. لننصرف إلى وظيفتنا في فضح وتعرية هؤلاء، وكشف حقائقهم، وخلق جدار وقائي يحاصرهم ويطوِّقهم، يفصلهم عن أبنائنا وشبابنا، ويزويهم عن بيئتنا، يقينا شرورهم، ويتركهم يتآكلون في دوائر مغلقة، ويغلون في قوقعة أو بوتقة، ويدورون حول أنفسهم ليهووا في مجرى تصريف وبالوعة، أو في قدح كزوبعة! وتوجيه الطاقات وصبِّها في نشر فضائل آل محمد وإقامة شعائرهم وإحياء أمرهم. لا أحد من هؤلاء فيه عرق من غيرة أو حمية أو شكيمة، ينبض على أهل البيت أو يضرب غضباً لهم، ولا أحد من هؤلاء يحرص على صورة التشيع ويخاف على المذهب الوهن، ولا أحد منهم يعنيه غير مصلحته الدنيوية، إنهم زمرة صعاليك ولفيف أوغاد، حثالات أقوامهم وسفلة مجتمعاتهم، وسقاطات تستأكل بالدين، غلبتها الأهواء والمطامع فسخَّرت نفسها للشياطين.

    إنها دكاكين وحوانيت تتَّجر بعقائدنا، ويستأكل أصحابها بشعائرنا، ويعتاش أربابها من صفقات تبيع مقدساتنا! لا شأن لها ولا لهم بالدين، بل إن هؤلاء في حقائقهم ملحدون حسيُّون دهريُّون، لا يؤمنون بمبدأ ومعاد، ولا نبوة وإمامة، ولا غيب وملائكة، ولا بتدبير يحكم حركة الإنسان من وراء سبع سماوات، ناهيك بناحية مقدسة أُوكل لها الأمر وفوَّضها الله الولاية على الكائنات. فكم سيكون المشهد عبثياً حين تلاحق أحدهم في سند حديث شريف، وتجتهد في إثبات صحته أو اعتباره، والرجل لا يؤمن ـ أصلاً ـ بعصمة قائله، ويرى أن “الإمام” إنسان، تحكمه انفعالات، يحبُّ ويكره، يرضى ويغضب، فينفعل ويتأثر، لتصدر منه كلمة في مناسبة، وينقل عنه حديث لحدث، لا يمكن لهذا الحداثوي “المتعقِّل” و”المستنير”، أو قل الظلامي الإلتقاطي المستطير، أن يبني عليه ديناً وعقيدة، ويختطُّ منه خارطة تكشف إرادة السماء، هذا إن آمن بالغيب وصدَّق أن هناك “شيئاً” وراء الحسِّ والمادة! إنهم ماديون، نكحهم الشيطان وأوقب فيهم، فسكنتهم لوثته واعترتهم نشوته وغلبهم سُكره، شيطنة وزخرفاً وبريقاً. ولك أن تأخذ الخبر وتتحرَّى المكنون المضمر من فلتات ألسنتهم، ومن طيش صغيرهم الأرعن، الذي سخر من إمام الزمان وتحدَّاه أن يأتي بعلاج للوباء!

    والغزِّي هو أحدهم، تاجرٌ يجمع الناس حول بضاعته، وصاحب حانوت ودكان، كانت “السفارة” و”خال بخده” سلعته، يدَّعي لقاء الإمام وتلقي التكليف منه، فلما كسدت بعد رواج، عمد إلى الولائيات والشعائر، فإذا تراجعت عنده ولم ترق لمموليه وأسياده، عرض غيرها وسوَّق لضدِّها، وراح يقبِّحها وينعت أهازيج الحماسة والرثاء التي تبعث في المعزين كل قيم الولاء والحب، والرقة والحسرة على المصاب، ينعتها بالهراء! وهو اليوم يبكي الحديث ويسوق الناس للعمل به بلا فقاهة ولا دراية! ولا ندري ماذا سيفعل غداً إن واجهه حديث يقطع عليه طريق الاستئكال والإتجار، وبماذا سينعت الأخبارية بعد كل هذه الوقاحة والجرأة على الشعائر الحسينية.

    الغزي يكمِّل دور الحيدري، وهما معاً ينهضان بمشروع فضل الله وأحمد الكاتب وعلي شريعتي وسيد قطب وحسن البنا، والمنظومة كلها تخدم تيار الحركية الإسلامية الذي تقوده إيران، مهما ظهر متناقضاً في أفراده، ومتفاوتاً في نزعاتهم، متبايناً في مشاربهم، فإنه يرفد مجرى واحداً، يصبُّ في بحيرة الضلال ومستنقع الغدر والاستغفال: فوضى بناء المعارف الدينية، وسقوط موقع الحوزة والمرجعية.

    لا حجاً يريد هؤلاء ولا عمرة! وعلينا العمل ببيان البصيرة والأخذ بدرس الوعي الخالد الذي ألقاه أميرالمؤمنين، في خبر طلحة والزبير، كما روى الطبري، [أن طلحة قال: ما لنا من هذا الأمر إلا كلحسة الكلب أنفه. بقي طلحة والزبير في المدينة أربعة أشهر يراقبان علياً من قريب، حتى إذا أيسا منه وبلغهما موقف عائشة بمكة، عزما على الخروج من المدينة، فأتيا علياً، فقالا: “إنا نريد العمرة”، فأْذن لنا في الخروج. فقال علي لبعض أصحابه: “والله ما أرادوا العمرة، ولكنهما أرادا الغدرة”. فأذِن لهما في الخروج بعد أن جدَّدا له البيعة، فخرجا من المدينة، والتحقا بركب عائشة. كما التحق بركبها بنو أمية، فإنهم كانوا يتربصون في المدينة، فلما بلغهم مجاهرة أم المؤمنين بالخلاف على علي، غادروا المدينة إلى مكة، والتحق بها أيضاً ولاة عثمان الذين عزلهم علي عن الأمصار، وهم يحملون معهم من أموال المسلمين ما يحملون]!

  • “للصنع ما أبقى التحمُّل موضعاً، فدع الصنيعه”.

    لا شأن لنا بالملاحدة والزنادقة والمرتدين، ولا بالسماويين والوثنيين، ولا حتى بأتباع المذاهب الأخرى من المسلمين، فمدار الحركة في الأرض ومرتكز التدبير في الكون، وعلل بقاء الحياة على هذه البسيطة وازدهارها، أو تراجعها وانحطاطها، هو هذه النخبة المصطفاة، والعُصبة المنتجبة من بني آدم: شيعة أميرالمؤمنين، الفرقة الناجية والفئة المستضعفة الوارثة. وفي هذا أحاديث كثيرة، من قبيل قول النبي: “ياعلي أنت وشيعتك الصافون المسبحون، ولولا مَن في الأرض منكم ما نزل من السماء قطْرٌ”. وقول الصادق: “بهم يشفي الله السقيم ويغني العديم، وبهم تُنصرون، وبهم تُمطرون، وبهم تُرزقون، وهم الأقلُّون عدداً، الأعظمون عند الله قدراً وخطراً”. وفي حديث: “إذا أنت أحصيت ما على الأرض من شيعة علي (فاستثنيتهم)، فلست تلاقي إلا من هو حطب لجهنم، إنه ليُنعَم على أهل خلافكم بجواركم إياهم، ولولا ما على الأرض من شيعة علي ما نظرتَ إلى غيث أبداً”. وفي آخر: “والله لولا ما في الأرض منكم، ما رأيتَ بعين عُشباً أبداً، وما أنعم الله على أهل خلافكم، ولا أصابوا الطيبات”. إنَّ مَن يعنينا ويعني السماء، ويحفل به مَن يدبِّر الأمر ويبرم القضاء، هم الشيعة، الذين عليهم المدار في قراءة الأحداث والمراقبات، والنظر في إبطال السوانح ودرءِ الكوارث ودفع البلاءات، وإنما الطامة والنكبة، والنائبة والجائحة، أن يسقط هؤلاء، وتنهار هذه النخبة، ويغور الماء في نبع الحياة. فمن سيأتي البشرية بماء معين؟!

    منذ أن تولت قيادة حداثوية ضالة زمام الأمور، وتسنَّمت زعامة حزبية منحرفة الحكم والرئاسة، وأتباعها في سقوط وشيعتها في انحدار، وفي تسافل وانهيار، نزلت بهم تبعات الأوزار، وصيَّرتهم في إقفار وإدبار، بل، لو انجلت الغبرة وانزاح الستار، لرأيتهم يسعون بأقدامهم إلى الخزي ويطلبون من تلقائهم العار! قيادة هوجاء ساقت الفرقة الناجية نحو المروق والزندقة، وزعامة رعناء أخذت المذهب الحق إلى حدود المحو والزوال والتلاشي والاضمحلال، وهي تحسب أنها تحسن صنعاً! تنقِّيه من دسِّ“الإسرائيليات”، وتنزِّهه من عوالق “الخرافات”، وتبرِّؤه من إفك “الأساطير”، ثم تنفي عنه القعود والتقية، التي حفظته وأبقت عليه كل هذه القرون والسنين!

    والخطب الجلل، والفادح المستجد الأجلُّ، أنَّ هذا الأداء تجاوز نطاق أتباعه وتياره، وتخطَّى حزبه وأشياعه، وبات يعمُّ الشيعة كلَّهم، يهدِّد بُنيانهم المصون، ينذر بخرابه، ويتوعَّد شملهم المبارك وجمعهم الميمون، يؤذن بتمزيقه وضياعه. فنحن، بعد الضلال والانحراف العقائدي، أمام طغيان استثنائي غير مسبوق، واستبداد خرافي قلَّ نظيره، قاروني فرعوني نمرودي، كِبرٌ وغطرسة واختيال، زهو وصلف وغرور… وأضف ما شئت من مرادفات هذا اللفظ ومشتركات هذا المعنى، فلن تظلم أو تتجنَّى، ولن تُغرق أو تبالغ وتسرف. ومن يقف على بواطن الأمور في إيران وعموم ساحة الحركة الإسلامية وقيادات الأحزاب الدينية، ويطَّلع على خفايا ما يجري هناك، ويحيط بالطريقة التي يتم التعاطي فيها مع الحوادث، وتمضي بها معالجة القضايا، على صعيدي القيادة والإدارة، سيذهل من حجم التيه والجبروت، ويروع ويفزع من العتوِّ والغطرسة التي تملأ أعوان القيادة وأركان النظام ومن بيدهم الزمام!

    أداء ينمُّ، بعد الغطرسة والطغيان، عن فقد الإحساس، وينبئ عن انفصال القيادة عن الواقع، وجهلها بالحقائق، وما ولَّد المآسي وخلَّف المواجع، وأنها تعيش أبراجاً عاجية تحجبها، وفضاءً طاووسياً تخطر فيه مرَحاً كأنها خرقت الأرض أو بلغت الجبال طولاً، وشملَة مخملية تغطِّيها أو رداءً حريرياً يلفها، لا في البُعد الحسيِّ الجسمي، فلربما التقى القائد بالناس، وانفتح على الحياة وخاض في الأوساط،  تلقى التقارير واستطلع الأجواء وأحاط بالفضاء، بل في البُعد الذهني والنطاق الفكري، حين يصمُّ الذهن ويقفل الفكرإلا عن مسارب شقَّها المرء لنفسه، ومنافذ فتحها على هواه ومشربه، بما لا يزعجه بنقض ورفض، ولا يبرمه بنُصح وإلحاح ونقد، ولا يضجره بشجب وتنمُّر واعتراض. وهذا وليد آفات روحية وعُقَد نفسية، لحق بها وجُمع إليها، خرَسٌ في الحاشية وبُكْم في البطانة، وهي بين سكرى بالسلطة، منتشية بالجاه والشهرة، توافق ربها الأعلى في الزَّهو والعنجهية، وبين جبانة تخشى مصير ميرحسين موسوي ومهدي كروبي، ومضارِعة مداهِنة، ترقب مصالحها، وتحافظ على مكاسبها، وما جنت من حطام هذه الفانية.

    عندما يتصدَّى المرء للرئاسة دون أهلية، ويتولى الإمارة بلا كفاية، ويبلغ المقام وينال السلطة ويحظى بالمال والجاه والشهرة، قبل أن يفرغ من تهذيب نفسه، واستئصال الأنا من ذاته، بمَحْق الأهواء وترويض الشهوات، فيتضرَّع: “اللهم لا ترفعني في الناس درجة إلا حططتني عند نفسي مثلها، ولا تُحدِث لي عزاً ظاهراً إلا أحدثت لي ذلة باطنة عند نفسي بقدرها”، لا لقلقة تقف عند التراقي، بل صدقاً وإخلاصاً يجتثُّ الآفات ويستأصل الأمراض، أو يهوي عليها بمطارق الترويض والتطويع… فإن النتيجة هي ما نرى من تيه وضياع، وتعاقب البلوى ونذُر الشقاء! قائد غافل، نرجسي حالم، استوطنه الشيطان واتخذه مرتعاً وملعباً، يصول في حناياه ويجول في صدره، حتى استلب عقله ومسخ فكره، فما عاد يرى الأشياء إلا مقلوبة، ولا تطيب له الصوَر إلا معكوسة منكوسة! وبطانة لا تألو خبالاً وشراً وفساداً، تُلحق به العنت، وتجلب له الشؤم وعليه الضرر، علِم بذلك وعلِمت، أم جهل ولم تعلم.

    وها قد حلَّ البلاء.

    نزل الفقر بالناس، وما زالت الأصفار تحذف من عُملتهم وتهوي بقيمة نقدهم، ولحقت الفقر الردَّة المقنَّعة، فكَفر العامة، لما عزوا ما نزل بهم إلى الدين، وأرجعوا ما يقاسون إلى الإسلام وشريعة سيد المرسلين، فهذا ما يدَّعيه الحاكم والزعيم، ويحتجُّ به ويتسيَّد عليهم باسمه، ثم بعد الكفر جاء حصار خانق، يفلج المعامل والمصانع، ويجمِّد حركة التجارة الاقتصاد، ليلحق الحصار قتال والتحام عسكري هنا وهناك! والقوم في سكر السلطة يرتعون، وفي غفلة الجاه والإمرة يمضون ولا يكترثون!

    حتى جاء الوباء يتفشى، والمرض يسري ويفتك، عطَّل الأعمال وأغلق المتاجر، وشلَّ المواصلات، وأقعد الناس وحبسها في بيوتها، والقوم ماضون في عتوِّهم، قائمون على غيِّهم وجحودهم، يعظمون لاتهم والعزَّى، ومناة الثالثة الأخرى! لا أحد ينيب إلى ربه، ويتضرَّع إلى جبار السماوات والأرض، فيلجأ إلى وليه، ويستجير بصفيِّه، ويتوسل بحبيبه! البلاد على وشك الإفلاس، والشلل يضرب كلَّ مرفق، ويغلب كلَّ الناس. ولا عِرق للتوبة يضرب في هذه الأجساد الجامدة، ولا قطرة من عرق تتفصد من جباه متجبرة وهامات متكبِّرة، إن سجدت يوماً، فلأصنام ذواتها، ولأهواء لذَّاتها، وصوَر أو أوثان صنعتها، لا من تمر وطين، بل من سقيم أفكارها وشيطان آرائها، صبَّت الدين في قوالب مادية حسيَّة، وصاغتها عجلاً ما زالوا ينتظرون خواره. الحديث يدور عن صيغة كونية جديدة ستحكم العالم، تقلب الوقائع وتنسف المعادلات، والقوم في غفلتهم وسباتهم، مسترسلون في أناشيدهم ورقصهم! ما كأن شيئاً يجري، ولا قارعة ستهوي!

    لا بارقة ندم تلوح في هذه السماء المكفهرة، ولا نسائم روح تهب في هذه اليباب القاحلة، ولا حديث توبة واستغفار يدور هنا، بل هاتف يسبق كل استنكار، وحائط من سفَهٍ وعتوٍّ واستكبار، يعلو أمامك مستهجناً: “ماذا فعلنا، حتى نستحق النقمة والعقاب؟ دع عنك أحاديث الغيب وحكايات السماء، وابحث لنا، إن كنت قادراً عن علاج”! ما زال فرعون على جحوده وطغيانه ينادي أنا ربكم الأعلى! وما فتئ خدَّام بلاطه وجنده يحمون صرحه، ويذودون عن ملكه وسلطانه، ويتباهون أنهم من أعوانه. لم تغيِّر المحنة في القوم قليلاً ولا كثيراً، ولم تؤدبهم سياط الغضب والعقاب الإلهي شيئاً يسيراً. وبدل الانكسار والتضرع، والتذلل والتخضُّع، والعويل والبكاء، دخلت مفردات استكبارهم، ولغة تعاليهم، الميدان! فصار النداء والشعار: “سنهزم الكورونا ونُرغم الوباء”! ولا تسمع بين أنات المرضى، وفزع المصابين، ورعب الآخذين بأسباب الوقاية، مَن يتضرع ويخشع، وينيب ويتوسَّل، بل الأعين شاخصة إلى المختبرات، والقلوب معلَّقة بالمادة والأسباب!

    أية بقرة أمرنا الله بذبحها فتعسفنا وماطلنا وتحايلنا، حتى ما كدنا أن نفعل؟! أية ناقة بخلنا عنها بشرب يوم، وطمعنا بعد حلبها، وظلمنا أنفسنا فعقرناها ونحرنا فصيلها، حتى ابيضَّت وجوه ثم احمرت، وها هي تسودُّ في ثالث أيام المهلة؟! أي حيتان مكرنا في حبسها لنصطادها لما رأيناها تأتينا شُرَّعاً يوم سبتنا، وتغيب يوم لا نسبت؟! أي عجل صغناه من حُليِّ نسائنا، فعبدناه حتى وقعنا في التيه؟ كيف صارت تزعجنا ندبة إمام  زماننا، ويطربنا الهتاف باسم القادة والزعماء؟! كيف سمحنا لزنديق سافل، وحقير تافه، أن يكفر جهراً، فيسخر من إمام الزمان لأنه لم يظهر بعلاج يحمله للبشرية يداويهم من “الكورونا”؟ وحزب ديني يقدم مئات الشهداء باسم الله، لا ينبض فيه عرق من غيرة على إمام زمانه؟ فهل حقاً هو إمامه؟ وهل يراه حياً حاضراً، أم هو مثل القضايا الولائية الأخرى التي أضاعوها وباعوها، تاريخ وعاطفة وماضٍ يقبع فيه الرجعيون، ويعيشه القاعدون عن الجهاد؟! كيف لا يحل غضب الله وقد غلبت الأحزاب السياسية، الجاحدة لجوهر ولاية آل محمد، تسقط تراث ألف وأربعمئة سنة على واقع التقاطي، وتتبنى صناعة اللقطاء، تحتضنهم وتحميهم وترعاهم، وتعبث حتى ينادي مناديها أن يستبدل الله الإمام المنتظر بقائدها!؟ كيف لا تذلنا جرثومة ونحن “أموات الأحياء”، كما قال أميرالمؤمنين عليه السلام: “ومنهم تارك لإنكار المنكر بلسانه وقلبه ويده، فذلك ميت الأحياء، وما أعمال البرِّ كلُّها والجهاد في سبيل الله، عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الا كنفثة في بحر لجيٍّ، وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقرِّبان من أجل، ولا ينقصان من رزق، وأفضل من ذلك كله كلمة عدل عند إمام جائر”. وهذا الجائر ببابنا، والمستبدُّ العاسف بين ظهرانينا، توغلت أحزابه في بيوتنا، ونفذ ضلاله في مساجدنا ومحافلنا، وطغى ظُلمه وفشا جوره وغلب شؤمه حتى عمَّ الأرض والسماء، ما استنزل المحن والبلاء!

    كلما هاج بي الحنين، واضطرمت في نفسي الأشواق، وغلبتني الندبة والأنين، نشرت بين يديَّ المصحف الشريف، كتاب الله الكريم، ونظرت إلى نقش آياته، فرأيت صورة عديله وصنوه، شريك القرآن وإمام الإنس والجان، هذا صامت، حبيس رسم منقوش، ولفظ مقروء، وذاك ناطق، يحكي جوهراً لم يطقه بعدُ الوجود، فغاب وتوارى، حتى إذا أخذت الأرض زخرفها، وازينت، وظن أهلها أنهم قادرون عليها، أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلها حصيداً كأن لم تغن بالأمس.

    طالت حبال عوائق فمتى تعود به قطيعه؟ كم ذا العقود ودينكم هُدِمت قواعده الرفيعه؟ تنعى الفروع أصوله وأُصولُه تنعى فُروعه. فيه تحكَّم مَن أباح الـيوم حرمته المنيعه. مَن لَو بِقيمة قدره غاليت ما ساوى رجيعه. فاشحذ شبا عضب له الأرواح مذعنة مطيعه.

    ليت السيد حيدر نظر اليوم رجيعة ودانقاً مثقوباً، يُشترى بحرمةٍ يهتز لها عرش الله، وتنصدع له الناحية المقدسة، فيُعرض مشرِّفها عنَّا، ويغضب جبارها علينا! ولا حول ولا قوة إلا بالله.

  • منذ العشرين من رجب، كانت الجموع، من مختلف البقاع، تزحف نحو الكاظمية… ومع الضغط على حشود الزائرين، وحظر المواكب، وقطع الخدمات عنهم، انخفضت المليونية السنوية إلى نحو ثلاثمئة ألف زائر، أغلبهم من سكان بغداد والكاظمية.

    وفي خضم الإصطكاك العفوي بين الزائرين المندفعين، والسلطات العاملة بتكليفها في منع التجمُّعات، ما أسقط عشرات نقاط السيطرة، حين اقتحمت الوفود الحواجز ومضت في زحفها نحو باب الحوائج والمراد… كان من الطبيعي أن تتراجع الخدمات حتى كادت أن تنعدم. فتزاحمت الجموع وتراكمت الوفود، وتكدست، بعد الزيارة، أمام موكب وِتر يسقي الماء، فشرب عشرات الآلاف من نفس الإناء، وتجمعوا أمام آخر يقدم الطعام، فتعاقب الألوف على نفس الملعقة والماعون… وتلاشى الالتزام بالتعليمات الصحية والإرشادات الطبية حتى انعدم وبلغ الصفر، وخلق مشهد ألزم المراقبين قلوبهم، وأنزل بالمسؤولين الروع فانتابهم الخوف وسكنهم الوجل، ودبَّ معه الفزع من عواقب ستظهر بعد حين.

    ولم يوفر الأطباء تهديداتهم، ولا تريثوا في إخلاء مسؤوليتهم، وأعلنوا أن النتيجة الأولى ستكون في الحد الأدنى، بين ٣٠ إلى ٣٥ ألف إصابة كورونا، ستظهر، في أسوأ الأحوال، بعد إسبوعين!

    نحن اليوم في العاشر من شعبان، مضى الإسبوعان، والثلاثة، إن حسبنا لبدء الزيارة من إسبوع سبق الخامس والعشرين من رجب… والزوار جميعهم، دون خرق واستثناء واحد، في أتم صحة وأكمل عافية، لم يصب شيخ منهم ولا كهل!

    لا نُقرُّ أو ندعو إلى تجاوز الإرشادات الطبية، ولا نشجِّع على التنكر للأسباب والعلل الطبيعية، ولا الاستخفاف بسُبل العدوى وانتشار الوباء، هذه كلها محترمة وواجبة الاتباع.

    لكننا لا نغفل المعجزة ولا نستخف بيد الغيب وننكر الكرامة، ولا نتخطى واجب الدعاء وضرورة الرجاء، بل وحتمية الإجابة، إما بعاجل حاضر، أو آجل مدَّخر، يوفَّاه الداعي في صحيفة أعماله…

    هل من تفسير لنجاة الزوار غير عناية موسى بن جعفر صلوات الله عليه؟ هل من سبب حال دون إصابة الزوار بالداء وشمولهم بالوباء غير تدخله التكويني صلوات الله عليه وإعمال ولايته في صرف الداء عنهم؟ هل من تفسير غير أنه وافاهم عند حسن نواياهم وصدق إيمانهم وإخلاص قصدهم؟!

    في الحديث الشريف عن عبدالله بن عطاء قال: “قلت لأبي جعفر عليه السلام: رجلان من أهل الكوفة أُخِذا فقيل لهما: ابرآ من أميرالمؤمنين. فبرئ واحد منهما وأبى الآخر، فخلي سبيل الذي برئ وقتل الآخر؟ فقال: أما الذي برئ فرجل فقيه في دينه، وأما الذي لم يبرأ فرجل تعجَّل إلى الجنة”.

    ببساطة ووضوح، هناك نهج للعاشقين المتيَّمين لا يمكن تعطيله، ومسلك للذاهبين في إيمانهم إلى آفاق تهيمن على الحس والمادة، وتحلِّق ما شاء لها ربها في سماء الغيب، لا تصحُّ إدانته وتقبيحه.

    هناك متفقهون في دينهم، يثابون على نواياهم، وهناك متعجلون للجنة، يوفقون لزيارة إمامهم وصلته وإعمار مشهده، ثم يحظون منه بالكرامة، وتكتب لهم النجاة والسلامة. فطوبى لهذا وحسنى لذاك.

  • في خضم البلاء وفيضان الوباء، وقد بلغت أمواجه الذروة، وغمر سيله البلاد والعباد، وعمَّ كلَّ سهل وواد، ما زال المضلُّون يُمعِنون في الزندقة، ويسرفون في التيه والغطرسة، لا اتعظوا شيئاً قليلاً، ولا ارعووا حتى قدراً يسيراً! هذا والطوفان يأخذ الأرض من حولهم، وهم يعتلون صهوة الغرور، ويركبون ظهر المكابرة، ويأوون إلى جبل القدرة والسلطة، يرجون أن يعصمهم… يلقون هراءهم ويسوِّقون غطرستهم! ها هم يرمون خُلَّص الموالين لأهل البيت بـ “الشيرازية”، ويقذفونهم بـ “التشيُّع الإنكليزي”!

    دع عندك المزايدين من أصحاب الدكاكين، “غِزيَّة” و”ياسرية”، وما شاكلها من محاولات صبيان متسلِّقين، حوانيت تتَّجر بالدين، وتسوِّق كلَّ ما يرفعها ويميِّزها عن مجموع المؤمنين. إفراط في كلِّ شيء، واندفاع لا يرقب شرعاً ولا يعرف حدّاً، حتى يكون الولاء ومظاهره، من القول بالفضائل، وزيارة العتبات، وإقامة الشعائر، حكراً عليهم وحصراً فيهم… لا شأن لنا بهؤلاء الذين لا يشكلون عُشر معشار مجموع العاملين في الساحة الإيمانية. فإذا تجاوزت هؤلاء المزايدين، فلا أحد في المؤمنين ينفي الأسباب، ولا عاقل يزعم أنَّ السلب لا يعلق هنا، ولا يتحقَّق في هذي الرحاب، وتعبير الآية الكريمة “وطهِّرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود”، يقرِّر حقيقة نسبة التضايف، ويقرُّ بوقوع ما يترتَّب عليه التطهير، من عروض النجاسات وتعلُّق الملوِّثات، ومن ثمَّ، لُحوق ما إلى ذلك من النقائص والسلبيات الطبيعية، الواقعة في سلسلة العلل والأسباب. فالبيت الحرام يمكن أن يُنتهك، والكعبة المقدسة قد تُنتهب، فتسرق كسوتها، وركنها وحجرها الأسود، وقد لا يكون الحرم مأمناً للناس، بل سبباً وموضعاً للروع والقتل! كما قد يخلط بعضهم بين الجعل والإرادة التشريعية، وبين الأخرى التكوينية، فـ “كتب ربكم على نفسه الرحمة”، و”الشمس لا ينبغي لها أن تدرك القمر” لا يمكن أن تتخلَّف، لكن “كتب عليكم الصيام” و”القتال”، يمكن أن تتخلَّف بإفطار العصاة، وقعود المخلَّفين من الأعراب عن الجهاد، وكذا قوله تعالى “ومَن دخله كان آمناً” تشريع يحكم بحُرمة البيت الحرام، وأمان من يلوذ به، لكنه لا يمنع ـ في التكوين والطبيعة ـ من سريان العِلل وجريان الأسباب، فتُقصَف الكعبة بالمنجنيق حتى تُهدم، ويروَّع اللائذون بها ويُقتلوا أو يقعوا في الأسر.

    هناك مؤمنون متَّزنون، عقلاء بصراء، صادقون مخلصون، يعتقدون بقُدس مراقد الأئمة الأطهار ومناعتها، فيقصدونها، وفيهم فقهاء وعرفاء وحكماء وفضلاء، وكذا عوام بسطاء، مراهنين على غلبة البركة والمعنى على الحسِّ والمادة، وقهر الفيضُ المقدَّس الأسبابَ والعوامل الطبيعية، راجين تفوُّق الجود والكرم، والكمالات المطلقة المكنونة هنا، في هذا الكنز المخفي، على العِلل والقيود المادية الحاكمة في غير مكان، ويأملون بتحقق الكرامة وحصول المعجزة هنا، يتضرَّعون ويضجون وينادون: “يا من سبقت رحمته غضبه، ها نحن على أبواب رحمتك، نرجوها من البيوت التي خصصتها بها، لتكون معارج تأخذنا إليك، ومهابط لعفوك ورحمتك”. وهذه كلُّها أمور عقلية شرعية، والذين يمارسونها أو يؤمنون بها، هم السواد الأعظم من أبناء الطائفة، فهل هؤلاء كلهم “شيرازيون”؟ وهل ما ينادون به من فكر وعقيدة هو “تشيُّع بريطاني”؟! ما هذا الخطَل والهراء، أيُّ إفك هذا وبهتان، وتلفيق وهذيان؟ بالله كيف لمؤمن يدَّعي التشرُّع والإلتزام أن يرمي نخبة المؤمنين وصفوة المتدينين الكرام بهذه التهمة، ويقذفهم بهذه الفرية، ثم لا يبالي؟! أي دين هذا وأية عدالة، وأية دولة إسلامية وولاية فقيه هذه؟!

    إنَّ هذا الذي يدينون ويقبِّحون، هو عقيدة الشيعة قاطبة، ومسلَّمات المذهب بلا شبهة ولا ريبة، ومما تجمع عليه الطائفة المُحِقَّة، لا يشذُّ عنها وعنهم إلا متخلِّف زاهق ومتأخر مارق. ففي الكافي الشريف عن أبي جعفر الباقر عليه السلام في زيارة جدِّه سيد الشهداء: “وبكم تُنبِت الأرض أشجارها، وبكم تُخرج الأشجار أثمارها، وبكم تُنزل السماء قطرها ورزقها، بكم يكشف الله الكرب، وبكم ينزل الله الغيث، وبكم تسبِّح الأرض التي تحمل أبدانكم وتستقر جبالها عن مراسيها، إرادة الرب في مقادير أموره تهبط إليكم، وتصدر من بيوتكم، والصادر عما فُصِّل من أحكام العباد”، فإذا قصد المؤمن بيوتهم، وطرق أبوابهم، رجاء ما يهبط إليها من مقادير ويصدر عنها من إرادة، فلوى عنق التسول والاستجداء لسادته، ومدَّ يد التضرُّع لأئمته، نُسب إلى “الشيرازية” ورُميَ بالعمالة للإنجليز؟!

    ولعمري، لو انبرى العلماء من قبل لنظير هذا السخف والإسفاف، فأسكتوا دعاوى نسبة ممارسة الشعائر الحسينية (ولا سيما التطبير) إلى “الشيرازية”، وهي قائمة رائجة قبل ولادة الجد العاشر للشيرازي، وأفتى بها من المعاصرين حين نشبت فتنة الشاميين، الميرزا النائيني وأكثر من ثلاثين فقيهاً من أقرانه وتلاميذه، بلغ كثير منهم المرجعية، لو تصدَّى العلماء لذاك العبث والوسواس الخناس في حينه، لما تجرَّأ القوم اليوم على هذا الهتك والابتذال، ولما تجاسروا على مسلَّمات المذهب وطعنوا بممارسات أبنائه، من عوامه وعلمائه، ورموا ولاءهم وتشيُّعهم لآل محمد بـ “البريطاني”!

    وإن كان هذا يعني شيئاً من حال القوم، فهو يعني أنَّ الغشاوة ما زالت تقبع، والاستخفاف بالعقول ما فتئ يرعى ويرتع، والتسويق السفيه للفكر الحداثوي ما انفك يجتاح ويصفع! فينادى على كلِّ فكرة تخالف توجُّه السلطان، وكل عقيدة تباين معتقده، وكل رأي يخالف رؤية علي شريعتي ولا ترتضيها الوهابية المقنَّعة، ينادى عليها بالغلو! وهذا مما وقف عليه السيد البروجوردي قدس سره مبكِّراً، فشخَّص في كتابه “البدر الزاهر” الداء ووصف الدواء فقال: “كان السبب في ذلك يعود للقصور الفكري والعقائدي لبعض الشيعة، فكانوا لذلك ينسبون ذوي المعرفة الكاملة والعقائد الصحيحة من الشيعة إلى الغلو والإفراط”. ولكن من هوان الدنيا أن عادت السطوة للمقصِّرين، والغلبة للزنادقة والجاحدين. وهم طالما كانوا عامل هدم المذهب وجناح الضلال والمضلين.

    فعن جابر الجعفي في حديث طويل له مع الإمام الباقر عليه السلام، جاء فيه: قلت: يا ابن رسول الله ومن المقصِّر؟ قال: ” الذين قصروا في معرفة الأئمة وعن معرفة ما فرض الله عليهم من أمره وروحه”. قلت: يا سيدي وما معرفة روحه؟ قال عليه السلام: “أن يعرف كلَّ من خصه الله بالروح فقد فوض إليه أمره: يخلق بإذنه ويحيي بإذنه، ويُعلم الغير ما في الضمائر، ويعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وذلك أنَّ هذا الروح من أمر الله تعالى، فمن خصَّه الله تعالى بهذا الروح فهو كامل غير ناقص، يفعل ما يشاء بإذن الله، يسير من المشرق إلى المغرب في لحظة واحدة، يعرج به إلى السماء وينزل به إلى الأرض، ويفعل ما شاء وأراد”.

    وعن الرضا عليه السلام: يا ابن أبي محمود، إنَّ مخالفينا وضعوا أخباراً في فضائلنا، وجعلوها على ثلاثة أقسام: أحدها الغلوّ، وثانيها التقصير في أمرنا، وثالثها التصريح بمثالب أعدائنا، فإذا سمع الناس الغلوَّ فينا كفَّروا شيعتنا، ونسبوهم إلى القول بربوبيَّتنا، وإذا سمعوا التقصير اعتقدوه فينا، وإذا سمعوا مثالب أعدائنا بأسمائهم ثلبونا بأسمائنا، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم، يا ابن أبي محمود إذا أخذ الناس يميناً وشمالاً فالزم طريقتنا، فإنَّه من لزمنا لزمناه، ومن فارقنا فارقناه”.

    إنَّ ما اعترى الساحة في الأيام القليلة الماضية، في ظل تفاقم الوباء، من مبادرة “الروحانيين الماديين” والمعممين الحزبيين، وتطوُّعهم بإغلاق المساجد والحسينيات، وترحيبهم بتعطيل المزارات، دون أن ترى فيهم ألماً لذلك وتوجُّعاً، ولا حزناً عليه وحسرة، بل اندفاعاً ولهفة… يحكي جفافاً في الفكر، وآلية “مكانيكية” في الفعل والحركة، لا تخضع إلا للحسِّ ومعطياته، ولا تكترث بشيء غير الحزب وأهدافه، حتى تخال أنَّ شعائر الله ومواقع طاعته كانت عبئاً يثقل كواهلهم، ولقمة طالما غصُّوا بها وشرقوا! وها هي الفرصة قد واتتهم ليلفظوها، وسنحت ليصرفوا الأمة عن تلك المواقع الرحمانية والمحطات الروحانية، ويأخذوها إلى ميدان الإعلام بزيفه، وساحة السياسة بقذرها ووضرها، ما يُفسح للشيطان، ويطلق يده، فلا يُغلُّ ساعة ولا يُكبَّل مرَّة! إنَّ هذا الأداء المفاجئ والصاعق في مسلك القوم، يدقُّ ناقوس الخطر من جهة، ويكشف ـ من جهة أخرى ـ فضيحة. فقد بان أنهم يرون المساجد والحسينيات والعتبات المقدَّسة شيئاً أشبه بمراكز ومقرات حزبية، فإذا أغلقت، يمكن أن تُفتح غيرها، وتساق الجموع إلى أخرى تؤدي غرضها! وكأن تعطيل هذه البقاع المقدَّسة أمرٌ هيِّن عابر وخطب صغير يسير، فلا مصيبة حلَّت ولا نائبة وقعت، ولا خطباً جللاً حقَّ أن يبكى عليه ليلاً ونهاراً، فإذا مات المؤمن على هذا أسىً ولوعة، ما كان به ملوماً بل كان به جديراً. بل إنك إذا تبصَّرت وتفحَّصت، ودققت النظر وأمعنت الفكر، رأيت فرحتهم واستبشارهم بالخلاص من روافد ولاية آل محمد، وما يحسبونه يقطع السبيل عن قيادتهم، ويسوق الناس ويأخذهم إلى غيرهم! ففي واقع الأمر وحقيقته، هذه ليست ساحاتهم، ولا هي ميادينهم، فلا غضاضة في تعطيلها، بل هو على الرحب والسعة!

    كنا ننتظر بفارغ الصبر ونأمل ارتفاع النداء في غمار ظلمات الغضب وخضمِّ أمواج الوباء: “أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين”، ونرتقب بشوق وتوق أن يخضع العصاة ويؤوب الجناة. ونتطلَّع بلهفة أن تصدر القيادة الإيرانية بياناً مباركاً يتوجَّه إلى إمام العصر والزمان عجل الله فرجه، أن “واغوثاه يا ابن الحسن، ظلمنا أنفسنا وعدَوْنا بجهلنا، ما كان لنا أن نحارب عزاء جدِّك الحسين، ولا أن نستولي على حوزة أبيك الصادق، ولا أن نمكِّن الصعاليك من دينك، ونبذل أموالك في دعمهم ورفدهم بما يغوون به شيعتك ويضللون رعيتك”، ثم يطأطئون حياءً من أُمِّه الزهراء عليها السلام، ويتبرؤون ممن جحد مصابها وأنكر ظلامتها، ويبكون ويلعنون الساعة التي نصروا فيها فضل الله وانتشلوه من قبره وأعادوا بعثه، لتنتشر الجراثيم ويتفشى الوباء.

    في هذه العقبة الكؤود، والثنية الخطرة الكنود، هذه خُطى حذرة متثاقلة، تلتمس مواضع النجاة بين طين لزج لازب، يُلصِق القدم ويركزها، فلا يقوى السائر على انتزاعها، حتى إذا فعل، اقتلعها وكأنه بتر ساقه، وفي أحسن الأحوال احتفى وفقد حذاءه، وكانت خطاه غرساً وإركازاً، في معرض الجرح والإعاقة في أية لحظة، ومن أدنى استدراج وغفلة. ومعها خطىً أخرى تمضي لتجتاز بيداء قاحلة، لا ماء فيها ولا كلأ، جدب وقحط وجفاف، ظمأ وضرام وأوار، واختناق من لفح الهجير ورمض الصحراء، يستشرف المرء فيه الهلاك، ويقطع الأمل في الخلاص والنجاة، وكلُّ لوعته وجُلُّ أساه، على أمير انتدبه فأرسله، ورفقة ائتمنوه وصحب يترقَّبونه، فهو رائد قافلة، ودليل رهط وحشد، وطليعة ركب وكوكبة!

    بين طيش وإفراط، ومبالغة ومزايدة، تريد أن تصيغ الولاء وتصبَّه في قوالب صنعتها، وهي لا تملك إلا العاطفة، وعلماً لا يسمن ولا يغني من جوع، إذا نزَّهناها عن الغرض والمرض، وهو متحقِّق ـ ولا شك ـ في بعضها، الذي هو من دسائس الحداثويين، واختراقات الحزبيين لجبهة الولائيين، يمارس بفعله نزعة إسرائيلية تستنزل المعجزة تحدياً ورغماً، وتريد في كلِّ آنٍ مائدة من السماء، تكون له عيداً ولمباهاته وإفحامه خصومه كرامة ومزيداً. وبين أداء مادي حسي، وجمود وصنمية، لا نداوة روحانية فيه ولا طراوة معنوية، يحكي جفاف الدهريين، ويحمل روح الدنيويين، فكأن الحياة هي هذه الدنيا الفانية، والمعاد تقمُّص وتناسخ يرجعهم للملك الذي ساندوه، والقصر الذي شيَّدوه، والمال الذي جمعوه، فيحظون بهياكل أرقى من التي يقضون فيها الآن، وهذا شاهد ناطق بالدليل والوجدان، يستنسخ فضلة الشيطان، وهكذا سيفعل مع كل طواغيت الزمان.

    وفي هذه الفتنة والمحنة، همسة في آذان الأحبة، تسبقها قبلة خضوع وامتنان، تطبع على أيديهم المباركة وجباههم الشامخة، فهذه كنوز وذخائر لا ينبغي التفريط فيها، تماماً كما هي العقائد والمعارف الراقية، ودائع ونفائس دونها الغالي والنفيس. ليس الولاء سلعة للإتجار، ولا بضاعة للمزايدة وقهر الخصوم والانتصار، إنه نسمة العشق التي تعلق بها الأرواح العارفة، والعبق الذي يأخذ المشام، والهوى الذي يسكن الأنفس، فلا يساكن إلا الجلال، فيترفَّع عن كلِّ وضيع وصفيق، ولا يجاور غير الجمال، فيزدري كلَّ سقيم وقبيح، إنه الإكسير الذي يمنح حمَلته المناعة، ويهبهم جرعة ملكوتية تضفي عليهم الحصانة وتجللهم الوقاية، فلا يخضعون لأرباب من دون الله، ولا يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، لا يملأ أنظارهم ولا تستسيغ ذائقتهم ولا يهضم فكرهم ولا يعمر قلوبهم إلا الإمام من آل محمد. وينزلون كل كائن في هذا الوجود، من إنسان وحيوان وجماد، منزلته ويدرجونه في مكانته، وفقاً لقربه من الإمام. فعالم الدين هذا يغدو أسمى من ملاك في نظرهم لأنه يخدم معارف آل محمد ويذود عنها، وهذا الناعي وذاك المنشد، بل هذه الأعواد والألواح الخشبية، وتلك القضبان المعدنية. والعقود الفضية والسبائك الذهبية، تكتسب الجلال والجمال، والقدس والمجد والفخر، حين تتصل بهم وتنسب إليهم. حتى لتكرم حمامة تحوم على قبابهم، وذبيحة تنحر في مضافاتهم، وكلب يحرس أو يبات في كهفهم… فيتفوَّق ويرجح على ألف “إنسان” ضال مضل.

  • أخذت عدتي لرجبية هانئة، مفلحة رابحة، أُجدِّد فيها عهداً قطعته مع أئمتي، وميثاقاً أبرمته مع سادتي، أولياء نعمتي، وأنا عبدهم القن ورقيقهم المحض، ثم عتيقهم العاصي، وعسيفهم الآبق الجاني، أطوف تلكم البيوت، وأستلم هاتيك الأركان، ألثم الأعتاب، وأعفِّر خداً على الضريح، وأقلِّب وجهاً على الباب، ألوذ بهذا المستَجار، أقبِّل ذا الجدار وذا الجدار، وحبيبي لا يتمنَّع أو مولاي لا يحظر ولا يحجب ، فمنبع الفيض متدفق، وهو ـ مذ كان ـ سمِحٌ جواد لم يعرف البخل، نديٌّ لم يحضره شحٌّ، وسخيٌّ لم يغلبه حرص، وهذا حمىً يضيف ويقري، لا يصرف لائذاً ولا يمنع عائذاً، لا يصدُّ ابن سبيل ولا مستعطياً مستجدياً، فكيف بمن قاده الشوق وساقه الهوى؟ وحمله الولاء ودعاه الوفاء؟!

    بغتة وفي وهلة، وعلى حين غِرة، دهم المنع ووقع الصدُّ! قُطع سبيل الزيارة، وأوصد باب الوفد، فما عاد مُشرعاً ولا الضيف مُجاباً، وكأن النداء لا أهلاً ولا مرحباً! فيا للشقوة والعناء والبؤس واللأواء!

    إنها سُنَّة كونية وضرورة طبيعية، كما للمرض والوباء الذي يحل بالأبدان قانونه، فإن للروح آفاتها وأمراضها، وللسبيل الروحاني والمنظومة المعنوية قوانينها وسُننها، تدخل جرثومة هناك في البدن فتعطِّل الجهاز المناعي، وتتوغل فتعطب التنفسي، وتنفذ فتفسد الدورة الدموية، وتقحم فتصيب العضلات بالفلج والدماغ بالشلل، حتى تخرج الروح وتفارق البدن، كذلك الأمر هنا، تفعل الكبيرة فعلها، من فسق وفجور، قلب في قوم لوط عاليها سافلها، أو ركون إلى ظلم أو جحد فضل، يحجب لطفاً طالما غمر، ويسدَّ باب فضل طالما عمَّ فلم يُشكَر ويقدَّر!.. هكذا تمضي موبقة قاصمة فتعطِّل محطة عظمى للعروج، ومنطَلقاً متفوِّقاً للسمو والصعود، وتتحرك فاحشة وتسري جريمة لتوصد باباً وتقفل حرماً ومزاراً… “واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة”.

    لعمري، ماذا فعل المتغطرس المتعالي حتى غضب الحبيب وأعرض الطبيب؟ ماذا جنى الجناة واقترف الطغاة فحُرم الجميع؟! أية عصمة هتكوا فحُبِس الدعاء وقُطع الرجاء؟ ماذا فعلوا فأخرجوا الأمة من الكهف الحصين، وتركوا الناس بلا حام ولا مدافع ولا معين؟! كيف أخلوا الثغور فتسلَّق الأعداء الأسوار وتوغلوا في الحصون وأسقطوا القلاع!؟

    دع عنك العوام، ومستضعفين يغترُّون بالهالات المصطنعة، ويؤخذون بخطر الموقع وخفر العنوان، ينخرطون في عقل جمعي يسوقهم كقطيع ويقودهم لعبادة الأصنام، من زعماء ومفكرين وقادة وعلماء، ما أنزل الله في طاعتهم من سلطان. لن نُغلب على بصائرنا ولن نُستغفل في ديننا، نحن نقرأ الحدث بوعي وبصيرة، وندرجه في موضعه القويم ومكانه الصحيح، لا يغلبنا الإعلام ببهرجته وزخرفه، ولن ننشغل بالزيف والريب وننصرف إلى الأوهام والأحلام. إنَّ ما يجري على الأمة من البلاء هو حصائد بؤر الشؤم التي غرسها إمام الضلال وزرعها تياره الحداثوي الضال، سقاها بآسن الماء، وغذاها بفاسد الطعام أو السماد، أُتخمت من سحت الأموال، وأُترعت من سُكْر الحكم وطغيان السلطان. إنها مواطن نزول البلاء التي اصطنعتها ولاية إيران ورعتها دولتها!

    هل تحسبون أن هتك الحرمات وابتذال المقدَّسات ومحاربة أركان التشيُّع: الحوزة والمرجعية والشعائرالحسينية، سيمرُّ مرور الكرام؟! هل تحسبون أن تقادم الأيام يعني إلغاء سُنَّة الاستدراج والإملاء؟ ويُنسي قانون الإمهال؟! ها قد أخذ الوباء أرباب الدنيا وعمال الأبدان، غشيهم بياتاً وهم نائمون، وجاءهم ضحىً وهم يلعبون، وحرم المؤمنين، طلاب الآخرة وأرباب الأرواح، المزار فجأة، وهم وادعون فاكهون، يداهنون العصاة ويضارعون الجائرين الطغاة. أمنوا مكر الله “فلا يأمن مكر اللّه إلا القوم الخاسرون”!

    أوَ تدري ماذا يعني أن تتظافر جهود عشرات آلاف الرجال الأجلَّاء، من العلماء والرواة والخبراء، والفقهاء والأخيار والوجهاء، من نُخب عصورهم وأفذاذ أزمنتهم وأشراف بلادهم وغطاريف أقوامهم، خاضوا غمرات الحوادث، وركبوا أكتاف الشدائد، واقتعدوا ظهور المكاره، تحمَّلوا الفقر والضنك، وقاسوا أنواع المحن والبلاء، أرهقتهم الصعاب ووقعوا في ألوان من الكبَد والعناء، هجروا الأهل، تغرَّبوا أو شُرِّدوا ونُفوا عن الأوطان، لوحِقوا وطورِدوا وأودعوا السجون، طعن بهم الحسَدة ووشى وشنَّع عليهم علماء السوء والنصب، فعُذِّبوا في سجون الطغاة، ونكَّل بهم سلاطين الجور والولاة العتاة، حتى قضى كثير منهم شهداء، كلُّ ذلك في سبيل تتبع وحفظ وتدوين تراث الأئمة الأطهار، ونقل أحاديثهم الشريفة، ما انتهى اليوم في الكتب الأربعة ونهج البلاغة والصحيفة السجادية، ومصنفات الحديث المبذولة مثل كتب الصدوق، والموسوعات الروائية كالبحار والعوالم والوسائل وغيرها من الكنوز التي لا تقدَّر بثمن. ثم يأتي صلمعة بن قلعمة، كلُّ خامل ذِكر نكرة، غلبته العقد وصرعته الآفات، وأسرته الأوهام وسقيم الأفكار، من البهبودي إلى مرتضى العسكري إلى آصف محسني لينسف ذاك الكافي ويطمر هذا البحار، فيعقبهم صعلوك جانح، ومنحرف تائه، مثل حب الله، فيُلحِق بهذا الطنبور نغماته وألحانه وضرب دفوفه، ليهدم الشيطان بمعوله، أو يهدم هو بمعول الشيطان، سيان، إذ اتحدا، سكن هذا وركن ذاك، يبدد أعزَّ تركة ويقوِّض أنفس تراث، لا يُبقي منه إلا ما استحسن واستمزج، وطاوعه في “اللامذهبية” التي يروم، ويخدم ربَّ عمله. قد يجهل العوام قيمة التراث ولا يدرك البسطاء ما يجري في هذا الميدان، ويخفى عليهم خطر هتكه وانتهاكه، ولكن الرساليون، العاملون في الساحة الإيمانية، من علماء وأساتذة وخطباء ومثقفين وباحثين وكتاب، يعرفون جيداً أنها جريمة لا تقل بشاعة وقبحاً، عن هدم أبنية العتبات في البقيع وسامراء! ترى، هل من سبيل لنزول الغضب والبلاء، وباب يفتح على المحن واللأواء، وسبب للتعس والشقاء، أكبر من هذا؟! ثم نعجب إذا أُوصد الحرم وصُدَّ الزائر ومنع المزار؟!

    أوَ تحسب أن مطاردة مؤمنين ملتزمين، وملاحقتهم من سطح إلى سرداب، ومن دار إلى بستان، ومن زقاق إلى قرية، ثم القبض عليهم وزجهم في السجون والمعتقلات، وكيل ألوان الهتك والإهانات، بجرم ممارسة هي في صميم الدين وقلب الولاء، أي الجزع على سيد الشهداء بالإدماء، وهم عاملون بفتوى فقهاء، ومقيدون بالشريعة الغراء! ثم يمضي كلُّ هذا بلا رقيب ولا حسيب، ولا زاجر ولا مانع، حتى يحسب الغافل أن بهؤلاء على الله هواناً، وللظالم الجائر كرامة؟! وكأن لا زهراء هنا تنظر إلى معزِّي ولدها، ولا إمام زمانٍ يرى ما ينزل بأحبائه ورعيته؟! أتراهم لا يسمعون أو يرقبون ما يفعل هؤلاء؟ مئات الإصدارات من الكتب والمجلات والنشرات، والإذاعات والقنوات الفضائية، ومئات آلاف مواقع التواصل الاجتماعي المجنَّدة أو المستغفَلة، تضجُّ بعواء كلابهم المسعورة، تشنِّع على الشعائر والسيرة الحسينية، ترميها بالخرافة، وتقذفها بالبدعة، وتفتري عليها بالجهل، وتبهت ممارسيها والقائمين عليها بالعمالة؟ ماذا عسانا نرجو ونحن نراهم ينهشون كلَّ هيئة ولائية، وينبحون كلَّ ساع وباذل فيها؟! ماذا ستجرُّ هذه الطامات والويلات، التي لا تداريها شيطنات السياسة، ودعاوى الانتصارات الوهمية، ومزاعم التفوُّق في غير حقل وميدان، على البلاد والعباد، وماذا عساها أن تفعل بالطائفة والأُمة؟!

    تُرى ماذا ستُخلِّف الجريمة الكبرى والجناية العظمى في إخضاع الحوزة العلمية والمرجعية الدينية للسيطرة الحكومية؟ وإنهاء الإستقلالية التي ميزتها  منذ ألف عام ونيف، فتصاغرت أمام النجف وقم قريناتها الأزهر والزيتونة، وتضاءل شيخ الأزهر والإمام الأكبر قبال آية الله العظمى والمرجع الأعلى؟! بماذا سيعود هذا على وضع المؤمنين واستقرار أحوال المتدينين؟!

    ماذا ترجو الأمة بعد أن استخفَّت جمهوريتها الإسلامية بفتوى سبع من آيات الله العظام، يتربعون على قمم الهرم العلمي والروحي للشيعة، ومعهم كبار أساتذة الحوزة والطبقة الأولى من أعلام الطائفة، وأسقطت حكمهم وابتذلت فتواهم بضلال فضل الله؟ جمعت طروس بياناتهم وصكوك إمضاءاتهم، ضمتها في قبضتها كما تفعل بالمناديل الورقية، وألقتها في سلَّة المهملات! وأمرت بتعظيم الضال المضل وتكريمه وتبجيله، وإحيائه من لحظة تشييعه! ما كأن جحْد مصاب الزهراء أمر ذو بال، ولا كأن التماس الأعذار والمبررات لقاتليها خروج من المذهب واشتراك في ذاك الزلزل!؟

    بالله أي بركة ستبقى وأية رحمة ستظل وتثبت، وهذا السافل الحبتري ينتهك حرمة أميرالمؤمنين عليه السلام بمنتهي الوقاحة والصفاقة، فيستخف ويسخر بما أجمع المسلمون وأطبقوا عليه، من زهده صلوات الله عليه، فيتهكم ويهزأ من بطنته! لا يدنوه معترض ولا يقربه رافض! فهو يتمتع بحماية السلطان وغطاء الدولة الإسلامية التي تحكم باسم التشيُّع؟!

    بالله ماذا ننتظر ونحن نشهد أحد أعلام النظام، ومن صنَّاع القرار والطبقة الأولى في السلطة الدينية، المسمَّى بعلم الهدى وهو راية الضلال، بعد أن رمى مَن لا يؤمن بعصمة الخامنئي بالجنون، ينكر المعجزة وينفي أن ضريح الإمام وباب حرمه المنيف لا أثر فيه، ولا بركة ولا دواء ولا شفاء يرجى منه، والمؤمنون يتشافون من مئات السنين بتربته، ويتلقون إجابة الدعاء تحت قبَّته؟!

    إنَّ هذه الفجائع الروحية والكوارث المعنوية، التي راحت تتعاقب وتتراكم في ظل صمت شبه مُطبق، لا ناصح معترض، ولا منكِر ولا ناهٍ، كفيلة بكلِّ بلاء وحقيقة بكل غضب وسخط، وها قد وقع!

    إنَّ ما فعله فضل الله ويفعله الحيدري وحب الله والعسر وأضرابهم، وما تقوم به قنوات الكوثر والميادين والإيمان وما شاكلها، والمرتزقة الأجراء في “الحوزات” ومنابر الجمعة، وكافة المراكز الدينية الحكومية، وما يسوِّقه وعاظ السلاطين وعلماء البلاط، وما تبثه العمائم الحزبية في العراق والخليج ولبنان، من انتحال صفات الأئمة واغتصاب مقاماتهم وإسقاطها على جهلة سفهاء، وإضفائها على ظلَمة أدعياء، والعبث بالمعتقدات والثوابت، وما يشكل جوهر الولاية ومصب علَّة الخلق وغايته، ثم حصر كل الحق في نطاق السياسة والجهاد، وحكره في أربابهم وأسيادهم هؤلاء… خطوب تزلزل العرش وتضعضع الوجود والفرش، وتدمي قلب المولى في مغيَّبه، وتجرح الأئمة الأطهار في رسالتهم، وما بذلوا في سبيله الغالي والنفيس، وتجرعوا لأجله الهموم والسموم وخاضوا الأهوال والحروب وسكنوا ظلم المطامير!… فماذا عسى هذه أن تنتج وتصنع غير السخط والغضب؟!

    إنها دعوة لتوبة نصوح، وأن نضج جميعاً ونفزع لإمام زماننا ونناديه: ”يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين”. وأولى الخطوات أن يخرج الواعون العالمون عن صمتهم وينهوا حكومة الضلال والإفساد العقائدي الذي يتهدد الهوية الشيعية الأصيلة، فـ “لا يقيم أمر الله سبحانه إلا من لا يصانع، ولا يضارع، ولا يتّبع المطامع”، ويعملوا بـ”لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى عليكم شراركم ثم تدعون فلا يُستجاب لكم”، وأن ينهضوا بتكفُّل أيتام آل محمد، “الله الله في الأيتام، فلا تغبوا أفواههم، ولا يضيعوا بحضرتكم” فيقوموا بدورهم، ويستدركوا ما فاتهم، ولا يتركوهم بعد هذا في تيه الضياع وطعمة لنيران الضلال؟… عسى أن تعود أبواب “بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه” لتفتح، وتفتح منها كوَّة على السماء، ونستمسك جميعاً بحبل الولاء.

  • لست أدري هل وقع التعاطي مع الوباء كورونا في الإفراط وطالته المبالغة والمغالاة، ما أدخله في التهويل وبث الهلع والترويع، أم أنه لم يلق حقَّ عنايته والواجب من رعايته، ولحقه من التغافل والتفريط، ما أفسح للتمادي والتفشي والاستفحال. إنَّ الصخب الذي يضجُّ به العالم، وحجم التداول الكبير في هذا الشأن، يخلط الأُمور على المراقبين، ويطيش ألباب الألبَّاء والعقلاء المجربين، ولا سيما مع حصر المعطيات الحقيقية، وحكر الأخبار والمعلومات الصحيحة، وإبقائها خفية في نطاق ذوي الشأن والسلطة.

    شخصياً أرجح أنَّ هذا الوباء مؤامرة، وأنَّ حرباً جرثومية وظَّفت سلاحاً مبتكراً من السموم المتطايرة أو الفيروسات الفتاكة المتحايلة، تتوغل في بدن الإنسان فتنزل به المرض أو الموت الزؤام. ولكنها ليست حرباً ضد إيران، ولا مؤامرة تستهدفها، ولا شيئاً مما ينطلق من رؤية ترى في الجمهورية الإسلامية محور الدنيا (والآخرة) وقطب رحى الحركة والصراع بل والوجود! ولعمري، ما قيمة إيران وعبثها السياسي؟ ما خطر الشغب الأمني والإعلامي الذي تثير؟ وما قدر الشيطنة العسكرية التي تقود، مقاومة شريفة وممانعة محقَّة كانت، أم مناورة وضيعة وخدعة باطلة أضحت؟ فإيران ـ على كل حال ـ رقم ملحق بالنظام العالمي، وصفحة في ديوانه وكتابه، منخرطة في المنظومة المهيمنة، وجزء من حكومة العالم الخفية. أما الصعاب التي تلاقيها، وما يظهر حصاراً وحرباً تستهدفها، ومحَناً تنصبُّ عليها، فهي بين إعلامية استعراضية، وأخرى مما يترتب على مساعيها لتحسين موقعها في هذه “المنظومة”، ومن تبعات تطلُّعها لمكانة متقدمة فيها، فصار عليها أن تدفع ثمن ذلك وتنتزعه انتزاعاً. لم تخرج إيران الحركة الإسلامية من “المنظومة” يوماً، ولا خطت في طريق إسقاط النظام العالمي خطوة!

    وفي الخطاب الأصيل الذي يتجاوز السائد الحاكم، والقول الحقِّ الذي يخرق أردية الباطل ويزيل الغشاوة المفروضة على الأبصار والبصائر، الذي يصدح بالهدى ويصرِّح بالرشاد، فإنَّ هذا النظام العالمي المهيمن، لا يبالي أن يغلب هذا أو يُهزم ذاك، ولا يكترث إن سقط نظام سياسي قائم وجاء بديل عنه، أو قاوم واستمر، ومضى في استنزاف شعبه، وتقويض بنية بلده، وتبديد ثروته وخيراته. ولا يعبأ ارتفع سعر النفط أم تراجع إنتاج الغاز. قفز الدولار أم سقطت الليرة والتومان. زاد محصول القمح والذرة أم تلف الأرز وفسد التمر! حتى ما يظهر كثوابت، أو أرقام ذهبية، وخطوط حمراء في هذه المعادلة، من قبيل وجود إسرائيل، ومرجعية النظام المصرفي، والتحكُّم بمصادر الطاقة، واحتكار أسرار التكنولوجيا، مما يُصنَّف في أُمهات القضايا ويُدرج في الأساسيات التي دونها الحروب، وفي الدنوِّ منها الإحتراق وقطع الرقاب، فإنَّ ذلك كله لا قيمة حقيقية له! ويمكن استبداله وتغييره، والرجوع عنه لصالح رؤى ومعادلات جديدة. ولك ـ مثلاً ـ أن تتصوَّر ما أرادته الشيوعية العالمية يوماً، والخطاب التغييري والثوري الذي حملته وسعت فيه وبذلت له، وكيف أنها كانت مع كل ذلك التمرد والعصيان، رقماً في “المنظومة”، ووحدة في “المصفوفة”! إن للشذوذ والطيش، والاندفاع والمغالاة، دوائر حسبت لصولاتها، ونطاقات أُفرغت لجولاتها، ومساحات خُصِّصت لاندفاعاتها، فإذا انجابت غمامةٌ يوماً حتى زال ظلُّها، فسيعود في المآل خراجها، فلا تأس على ما فات هنا، ولا تفرح بما أتى وتحقق! إن هذه الأنشطة السياسية، وما يتصورونه جهاداً ونضالاً، وعطاء ومعاناة، وفداءً وتضحية، ليست إلا بيادق وفرساناً وقلاعاً، تتقدم وتتأخر على رقعة شطرنج، وأوراقاً تلقى على مائدة مقامرة الدول الكبرى والقوى العظمى. لذا لا قيمة لها في عالم الحقائق.

    وبعد العدوِّ الحقيقي للمنظومة الشيطانية المهيمنة على العالم، الوحيد غير المنخرط فيها، الوِتر الخارج عن مؤسساتها ومنظماتها، المفارق لسلطاتها وحكوماتها، الذي لم يدخل فيها ألبتة، ولم تلزِمه أيٌّ منها ببيعة قطُّ، “الرافض” و”المقاوم” و”الحر” و”المجاهد” الوحيد بتمام الكلمة والمعنى، والقول والفعل، أي مولانا الحجة بن الحسن صلوات الله عليه… فإنَّ الصراع الحقيقي يدور في عرصة أخرى، والمعركة الواقعية تحتدم في غير ميدان!

    الحرب هناك، والقيمة الحقيقية للمواقف والأنشطة، ولكل شيء، هناك ولا غير. الحرب في تلك العرصة وذلك الميدان فحسب، في التحدي الأزلي الذي وقع عند بدء خلق الإنسان، مع التجلي البشري للنور الأحمدي، وفي الصراع الأبدي الذي جرى ومضى منذ تلك اللحظة، لحظة اعتراض الملائكة على خلق الأشباح الخمسة، وذهولها وانبهارها بالشموس الطالعة من تلك الغرر الساطعة، والأمر الصادر بالسجود لها، “وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة”، وقال “إني خالقٌ بشراً من صلصال من حمئ مسنون، فإذا سوَّيته فقعوا له ساجدين، فسجد الملائكة كلهم أجمعون”، حتى لحظة استكبار إبليس حين “أبى أن يكون من الساجدين”، و”قال أأسجد لمن خلقت طيناً”؟ وإلى أن بلغ في العصيان والكبر المدى، فتحدَّى الله واستمهله “قال أرأيتك هذا الذي كرَّمت عليَّ لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلاً”، وقال: “أنظرني إلى يوم يبعثون، قال إنك من المنظرين، قال فبما أغويتني لأقعُدنَّ لهم صراطك المستقيم، ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم ساجدين”!.. هنا الحرب، وما سوى ذلك وهمٌ وسراب.

    القيمة هي في إرغام إبليس، وكلُّ القيمة في هزيمة تحديه التاريخي الممتد والمتواصل. ولا يكون ذلك ـ بطبيعة الحال ـ بالسجود لله سبحانه وتعالى، بل بالسجود لمن أبى واستكبر أن يسجد ويخضع له، أي لمحمد وآل محمد. ولا يخدعنك أولياؤه بتسويلاتهم وزخرف مقولاتهم بأنَّ كل إنسان يؤجر على قناعاته، ويحاسب على ما قامت عليه الحجة عنده، فالله تعالى لا يقبل ديناً ونحلة غير الإسلام، ولا يرتضي فرقة ومذهباً ونهجاً إلا الولاية لآل محمد. هذه هي الحرب الحقيقية. هنا الميدان، وغيره زيف وتغرير وزخرف وتزيين وخداع. والمعركة من الدقة واللطف، ما يوقع كثيرين في الخلط ويأخذهم إلى الخبط، فيحسب أنَّ في صلاته وصيامه وحجِّه وزكاته إرغاماً للشيطان، وانتصاراً لوعد الله وتحديه إبليس. وهذا المعصوم عليه السلام يخبر بأن الأمر هو الولاية لا غير. فعن أبي حمزة الثمالي قال: “قال لنا علي بن الحسين عليه السلام: أي البقاع أفضل؟ فقلنا: الله ورسوله وابن رسوله صلى الله عليهم أعلم. فقال لنا: أفضل البقاع ما بين الركن والمقام، ولو أنَّ رجلاً عمَّر ما عمَّر نوحٌ في قومه، ألف سنة إلاّ خمسين عاماً، يصوم النهار ويقوم الليل في ذلك المكان، ثم لقى الله عز وجل بغير ولايتنا، لم ينفعه ذلك شيئاً”.

    إنها الحرب العقائدية، هنا الجهاد وهنا المقاومة، وهنا التضحية والشهادة، في تلقي السيوف التي تهوي على رؤوس حمَلة الحق، والصواريخ التي تقصف أعمدة وركائز الإيمان، والقنابل الفراغية التي تستهدف أعماقاً تدَّخر كنوز معارف آل محمد. المعركة التي تريد أن تهتز عقيدة المؤمن بالإمامة عن طريق المسِّ بآثارها ومقدَّساتها، وبكرامتها على الله، تستميت لتخلو هاتيك البقاع المقدَّسة من مرتاديها، فتتعطل معارج السالكين، وتصفر دور المعتكفين، وتخلو محافل الرثاء والبكاء من المعزين!

    لهذه المعركة فحسب، أعدَّ الشيطان مليارات الجند الإنتحاريين، امتطوا جراثيم صنعوها وأعدُّوها، وراحوا يقتحمون الأبدان فيُنزلون بها مرضاً لا دواء له ولا علاج منه، ومليارات أُخرى تقحم الأذهان وتسكن في النفوس، تزرع فيها الهلع، وتوسوس بالشك في الدين وزعزعة اليقين!

    وما أسهل عقد مقارنات ساقطة، وخلق مقايسات باطلة، تخلط بين القدرة والعظمة، وبين قواعد الطبيعة وقوانينها الحاكمة المطردة، وتربط بين عدم الفعل والعجز! وتهمل أصل الحكمة الحاكم على فعل المعصوم، كما على الحكيم المتعال. وكأن الله سبحانه الذي تُنتهك أحكامه في كلِّ لحظة، ويُستخفُّ بسلطانه في كلِّ آن، عاجز عن إنزال العقوبة بالعصاة والنكال والنقمة بالطاغين! أو غير قادر على تخليص المظلومين وفرض دينه وتطبيق شرعه ولو كره الكافرون.

    في أجواء هذه الحرب ـ الوباء الذي أعدَّه إبليس، يرسل جنوده من أمثال ميثاق والبطريق ومومس الأحساء، يلبسون على المؤمنين ويغالطون في فهم الدين، فتخلوا العتبات المقدسة من الزائرين، وتتعطَّل المجالس، وتتفرَّق جماعات المصلين، وهنا ينتشي الشيطان الرجيم وينتصر أعداء الحق والدين.

    هذا هو الهدف وهذا هو المستهدف، أن يدخل المؤمنَ الشكُّ في قدرة إمامه، لغلبة جرثومة وداء! ثم يحرم أداء أركانه حذراً من المرض والوباء، ثم عجز البصراء والعلماء الحكماء، أو قُل غلبة الجهالة وسطوة الإعلام، التي تحول دون إبلاغ الرسالة العلمية الصحيحة، وبث العقيدة الإيمانية السويَّة التي تفرز وتفصل، وتقطع الطريق على هذا الزيف والخلط والدغل والدجل.

    إنَّ ما يهم الشيطان هو تعطيل المجالس الحسينية وإضعاف إحياء عاشوراء وتجميد زيارة الأربعين، ولن يتوانى عن حشد جنده واستنهاض أوليائه، ليحقِّق هذا الغرض، وإنْ لأيام معدودات وموسم عابر، ثم لغرسٍ وبذرٍ وزرع يلقيه في النفوس الضعيفة، ويشحن به الأجواء المريضة، سيرعاه ويتعاهده فيما بعد، ليثمر ضلالاً وينتج حصاداً يغذيه الحبتري وحبُّ الشيطان وورثة فضلته. وكما أنَّ سجدة واحدة يخرُّ بها المؤمن لربِّه على نهج وليِّه، ترفع صوت الرجيم بصرخة توَجُّع تملأ السماوات، وتصكَّ مسامع أتباعه وتذهلهم حسرة وتقطِّعهم ألماً، كذلك العكس، كل مجلس حسيني يغلق بابه، وكل وفد زائر يُصدُّ ويُمنع، وكل صلاة جماعة وشعيرة من شعائر الله تتعطَّل، تورث الشيطان البهجة والفرح والرقص والطرب.

    غرقت الكعبة ورُميت بالمنجنيق، وغُزيت النجف وانتهبت نفائس الحرم العلوي بما فيها الضريح الشريف، وقُصفت قبة الرضا بالمدفعية في الحرب العالمية الأولى، وقُتل الحجاجُ بمكة والزوَّار بكربلاء في التدافع والزحام، وتفشَّت الأمراض والأوبئة بين المعتمرين والزائرين… وبقيت العقيدة في حُرمة المقدسات راسخة وكرامة أصحابها ثابتة، وهذه رمية شيطانية جديدة مدعومة بخطاب حداثوي وغطاء وإسناد عصري غير مسبوق… لكنها ستلقى مصير السابقات، وسينتصر الحق ومن يرعاه.

    لن يخلي الموالون المشاهد، ولن يعطلوا المجالس، سيلتزمون توجيهات المرجعية والتكاليف الشرعية بوجوب حفظ النفس، ومراعاة الشؤون الطبية والأخذ بالأسباب الطبيعية، ولكنهم سيمارسون شعائرهم الدينية ويرغمون إبليس وجنوده.. والله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين.