• في أروقة البيت الشيعي، والساحة الإيمانية التي تضم الملتزمين وتشمل عموم العاملين بالشأن الديني، صراعٌ ما كان أحدٌ يحسب له ولا يتنبأ بوقوعه يوماً، أن يدبَّ الخلاف بين أبناء المذهب الواحد (الإمامية) على أصل أُصوله، ويحتدم بينهم على أساسه الأول وركيزته الأعظم، ركنه الوثيق وقطبه المنيع: الولاية. يتنازعون في مصاديقها، ويختلفون على أحكامها ومظاهرها. فإذا كان الصدر الأول عانى بعض ضبابية لظروف التضييق والملاحقة والقمع والاضطهاد، وما صاحبها من تقيَّة، ولازمها من ضعف الإمكانيات وعجز الطاقات، وغلبة الجور وعموم الاستضعاف… فإنَّ تعاقب ظهور بعض الدول الشيعية كالحمدانية والبويهية والقاجارية والصفوية، أتاح للعلماء النظر في تراث الأئمة الأطهار، ومكَّنهم من إرساء بُنية علمية متينة حسمت معالم الهوية، وبلورت صورة متكاملة للمذهب. ومع المدِّ المدني الذي اجتاح البلاد الإسلامية إثر الحرب العالمية الأولى، نجحت الحوزات العلمية وتمكَّنت من إتمام تشييد منظومة متكاملة، بيَّنت أسس وطرق بناء المعارف الدينية، ورسَّخت مناهج البحث والتحقيق ونطاق الاجتهاد وطرق الاستنباط، كما أفسحت لكلِّ تطوير وتحديث، يقوم على معطيات علمية، بالتقدُّم ما شاءت له الأدلة ونهضت به الحجج، وقطعت الطريق على أي تطفُّل وانحراف، ووأدت فتن الضلال والإضلال في مهدها، بل أجهضتها وهي حملٌ في أحشاء أربابها.

    إذن، ماذا تعني الأزمة الحالية التي تعيشها الساحة الحركية، السياسية والثورية الشيعية، التي تلقي بظلالها ـ في زمن التواصل الاجتماعي والطفرة الإعلامية ـ على عموم الشيعة؟ ما هذه الفوضى التي تُشعِر بل تُخبِر باضطراب في الهوية؟ ما هذا الأداء الذي يتجاهل الثوابت والقواعد، ويتجاوز الأسس والمرتكَزات، ويقفز على البديهيات والمسلَّمات؟! هل نحن أمام فوضى واضطراب وتسيُّب وانحلال؟ أم هو مخاض يريد إعادة بناء معالم المذهب، وصياغة الهوية الشيعية من جديد، لصالح فكر ونهج جديد؟! ماذا وراء هذا الاندفاع في تعظيم الرموز السياسية؟ وإلى أين سيأخذهم إضفاء القداسة على هذا وذاك؟ سواء بخلع الألقاب وعقدالمقارنات وإنزالهم منزلة الأئمة المعصومين، أو بابتداع طقوس وعبادات تناهز الشعائر الحسينية، بل تصادرها، فتنظِّم حلقات اللطم على الزعيم الفقيد، وتذهب في الجزع على مصاب القائد الشهيد! وتقيم المناحة على هزيمة هذا الحزب، والندبة على غياب ذاك الرمز؟!

    الحقيقة الخفية على كثيرين، أنَّ أزمة الهوية معضلة متأصِّلة في فكر القوم، ومأزق متقدِّم وسابق في ثقافتهم، جاء مع تأسيس الحركة الإسلامية، ويعود لأيامها الأولى، فهي قامت على نفي المذهبية، حملت هذه الرسالة في جوهر دعوتها، وما انفكت تنادي بها وترفع شعار: “إسلام بلا مذاهب”. فالقوم أبناء جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وأخلاف سيد قطب وحسن البنا، وربائب عبدالهادي السبيتي وطالب الرفاعي، وهناك في الضفة الإيرانية هم امتداد شريعت سنكلجي وحكمي زاده وأحمد كسروي، وأبناء جمال الدين أسد آبادي (الإسم الإيراني للأفغاني!) وتلاميذ علي شريعتي، مع دخول حذر في تصوُّفٍ يعظِّم شمس التبريزي ويقدِّس جلال الدين الرومي. وبعيداً عن الخلط والاصطكاك في النهج السياسي والتيار الحركي الذي يحدِّد انتماء رجال الحداثة، وما يظهر من صراع بين هذا وذاك، فإن المشرب الفكري والمُستقى العقائدي واحد، يلتقي على نبذ الأصالة والقفز على التراث، والأهم الأخطر مصادرة موقع الحوزة في بناء المعارف الدينية، لصالح الحزب والمفكِّر والقائد، تحت ذرائع التنوير والتطوير والإصلاح والتطوير.

    إن الحركة الإسلامية (بعيداً عن نظرية المؤامرة، وقراءة تتلقاها ذراعاً للماسونية، ومعوَلاً لهدم الدين الحق)، تختصر رسالتها وتلخِّص أهدافها بنشر القيم الأخلاقية التي نادى بها الإسلام، وتتفق عليها الأديان، كالعدل والحرية والإخاء والمساواة. ثم تحث على التزام الشريعة في مجموع ضروراتها التي تحقِّق الهوية الإسلامية العامة، تدعو للعمل بالأركان، تريد مجتمعاً مصلياً وتالياً للقرآن، ولكن لا يعنيها أسبل المصلِّي أم كفَّر، على التربة سجد أم على مُحاك البساط، غسل قدميه للوضوء أم مسحهما. وكذا الحال في الصيام والحج وزكاة المال وسائر العبادات.

    وما خلا ذلك من أصول عقائدية ومباحث كلامية، ودراسة الحديث والسيرة والتاريخ، هو ترف فكري، وفضلة لا تقدِّم ولا تؤخِّر، بل إلهاء أرادنا الاستعمار الانشغال به! فلا قيمة للإمامة خارج إطارها العملي ودورها الحكومي، فإذا تعطَّل هذا لسبب وآخر، التحقوا بالقائد أو بالحزب، واختلقوا “إماماً”، وصنعوا أو صاغوا لأنفسهم عجلاً، لم يعدم الخوار وإصدار الأصوات من هراء التنظير الديني وترهات الفكر الإسلامي! إن التشيع كمذهب عقائدي ومدرسة فقهية وعبادات فارقة، ولا سيما الشعائرية، لا يعنيهم بتاتاً، ولا ينظرون إليه إلا كمُعطى سياسي يراعونه ما دام يخدم المشروع ويوظَّف لصالح الحركة، ولا يكترثون إلا بما يرفد نجاحها ويسعف تألقها. وقبل السلوك والأداء العملي والواقع الذي يشهد بهذه الحقيقة، فإنَّ الباحث لو اطَّلع على مدوَّنات ثقافة حزب الدعوة، ومذكرات طالب الرفاعي، وأعمال صلاح الخرسان، لظهر له الأمر وانكشف بجلاء. وكذا لو وقف على النزاع بل الصراع الذي عاشته الجمهورية الاسلامية بين تيار شريعتي والحزب الجمهوري (الحركيين الإسلاميين)، وبين الفقهاء التقليديين، عند تدوين الدستور حول مادة “مذهب الدولة”، وكيف نافح هذا التيار وكافح، لتجاهُل مذهب الدولة وإلغاء ذكره وتحديده، لصالح الاكتفاء بذكر“دين الدولة هو الإسلام”، وفي المقابل كيف جاهد الفقهاء وقاتلوا، حتى نجح المرحوم آية الله الشيخ مرتضى الحائري في تثبيت المادة، والنص على أن مذهب الدولة هو الشيعي الإثني عشري، حتى إذا فعل، وفرغ من هذا الدور العظيم، استقال رضوان الله عليه من المجلس، وعاد لطلابه وبحثه.

    إن دعم فضل الله، وتمكين الحيدري، وتجهيز حب الله، وإطلاق كلابهم المسعورة وإرسالها خلف طرائد الأصالة والولاء، والغطاء الذي تراه يجلِّل رأس كل حامل معولٍ يهدم المذهب، لم يأت من فراغ، ولا جاء عفواً وصدفة، إنه مقتضى الفكر الذي تحمله الحركة والقيادة، ولازمة المشروع الذي يرمون إليه. وكذا ما تراه من إسفاف وإسراف، بل زندقة ونفاق يرفع الخامنئي إلى مقام أميرالمؤمنين، ويدرج نصرالله في مرتبة الحسين، ويفسح لصعلوك يقبِّح البكاء وينفيه عن سيد الشهداء، وإن كان على مثل أشبه الناس خلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسول الله، ثم يخرس ويبكم حين بكى الخامنئي على سليماني! ويرفع مرتزقاً جاء بما تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّاً، أن دعا للرحمن ولداً، فغرَّد بأن سليماني ابن الله! هكذا صار بغل لا يفرِّق بين العيال والأبناء مُستقىً لمعارف الدين في هذه الفرقة، ورافداً لمعالم الولاء في هذا التيار، وكأنه يعاني في التملُّق نقصاً ويشكو شحاً! فراح يدفعه نحو الإغراق ويقذفه في التهتك ويلقيه في اللأواء، ويزيد نغمة في طنبور الشقاء.

    لقد بلغ الأمر حدوداً خرافية من العبث والتزييف والخلط والتشويه، تركت شبابهم في ذهول وحيرة، فلا يكاد يفقه حديثاً، كيف وقد صارت سيرة قاسم سليماني وخصوصياته مادة يُمتحن بها طلاب المدارس! فيُسألون عن تاريخ ميلاده؟ واسم الفيلق الذي عينه ولي الأمر قائداً له؟ ورتبة الوسام الذي تقلَّده؟ ثم تاريخ ومكان استشهاده؟ وصاروا مطالبين بإنشاء أسطر يكتبونها عن شخصيته وحياته؟ والمساكين لا يعرفون شيئاً عن الكاظم والصادق أو الهادي أو الجواد، ومَن سيُسألون عنهم في القبر والمعاد! فإذا فرغ الشاب من المدرسة، تلقفته الأنشطة الدينية، وحملته الهيئات الحزبية ليلطم على وقع: “يا أشتر السيد علي ما سرُّ هذا المقتل”، ويتغنَّى بمقولة السيد: “بلا راس كالحسين، وبلا كفين كالعباس، والجسد إرباً إرباً كالأكبر”. حتى إذا قضى وطره، أو قضوا منه وطرهم، وفرغ من وصلة الحماسة وجرعة التخدير هذه، لاحقته لوحات ترسم شخصاً يحكي سيد الشهداء يعانق سليماني، وهي لوحة كانت بالأصل لعلي الأكبر والعباس، فاستُبدلا بقاسم سليماني!

    عندما أراد الشاه أن يُفقد الثورة ركناً أصيلاً من أركانها،، وأن يوجع قلب الخميني ويشغله بمصابه عن ثورته ونشاطه، عمد لقتل السيد مصطفى الخميني بدسِّ السمِّ، لكن السيد الخميني تلقَّى الأمر كطود شامخ لا تهزه العواصف، حتى أنه لم يذرف على ابنه دمعة! وقد احتال تلاميذه وأصحابه الذين كانوا يرون تراكم الآلام على قلبه، ويشهدون احتباس الغصص في صدره، فصاروا يتعمَّدون ذكر مآثر الشهيد وفضائل الفقيد أمامه علَّه يبكي شيئاً فتكون له سلوة، فلا يفلحون. حتى أوصى أحدهم الخطيب الذي يرقى المنبر في بيت السيد، أن لا يتعرض في مجلسه للشهيد سيد مصطفى البتة، ويوقف خطابته على سيد الشهداء فحسب، يذكر مصابه على الطريقة التقليدية، وبالتلقائية المعهودة في هذه الطاعة الجليلة والعبادة العظيمة… عندها، انفجرالخميني بالبكاء واسترسل في الفجعة والجزع!

    في مصباح الكفعمي، “أن السيدة سكينة قالت: لما قتل الحسين اعتنقته، فأُغمي عليَّ، فسمعته يقول: شيعتي ما إن شربتم ريَّ عذب فاذكروني، أو سمعتم بغريب أو شهيد فاندبوني”… تعال الآن وانظر إلى المأساة: بكى الخامنئي على سليماني، فصار بكاؤه هو المصيبة! نظمت فيها الأشعار، وأقيمت الندبيات واللطميات، وما زال المرتزقة يتنافسون، والسفهاء يتبارون في إبكاء الناس على هذا المصاب… هل عرفتم كيف تضيع عاشوراء وتطمس كربلاء؟!

  • لا بدَّ في تثمين النتاج ومحاكمة الأداء، وعموم تقييم أفراد وشخصيات بهذا الحجم الكبير والدور الخطير، من رعاية أُمور وملاحقة شؤون ومراقبة تفاصيل، تتجاوز أمر الرتبة العلمية ودرجة الفقاهة والأعلمية، والتي يتفوَّق فيها السيد السيستاني بمراحل، تصنع بينه وبين الخامنئي بوناً شاسعاً، يُدرجه في طبقة دنيا… علينا دراسة المباني وملاحظة الأُسس التي ينطلق منها كلٌّ منهما في عمله القيادي ونهجه الإداري، وارتباط ذلك، بعد العلم والفقاهة والثقافة، بالعدالة والورع، وبأُمور أُخرى تفضي إلى الرشاد والسداد، والصواب والحكمة، بدرجاتها ومراتبها، من قبيل الوضع السيكولوجي، الروحية التي تحكم المرء، والخصال والملكات أو النزعات النفسية التي تغلبه وتطغى عليه.

    والباحث في حال السيد السيستاني سيعاني من غموض وإبهام يلفُّ هذا الجانب من شخصيته، فطالما عاش الرجل بعيداً عن الأضواء، حتى بعد أن تبوَّأ المرجعية وأطبقت شهرته الآفاق، ما زال غامضاً في كثير من شؤون حياته الخاصة، مبهَماً في سلوكياته، مجهولاً في خصاله، وكل ما ينمُّ عن طباعه الشخصية وصفاته النفسية. ولا سيما أنه مُقِلٌّ، في القول والفعل، حتى ليرهق الباحث ويعيا من ملاحقة تلاميذه والمقربين إليه أو اللصيقين به، فلا يرشح إلا نزر يسير، لا يسمن ولا يغني من جوع… أما في الخامنئي فإن الباحث لا يتجشِّم عناءً ولا يعاني أي إعياء. فمعرفة شخصية السيد الخامنئي، والوقوف على روحيته ونفسيته بشكل تفصيلي، مبذول متيسِّر لكلِّ باحث، ولا سيما لمن حظي بمتابعة حثيثة للشأن الإيراني منذ انتصار الثورة، وتمتَّع بقراءة دقيقة في تاريخها وسيرة رجالاتها. ومن هنا تسجَّل صفات الرجل وتُذكر، فلا تُجحد ولا تُنكَر.

    السيد الخامنئي رجل ملتزم جاد، مهذَّب عفيف شريف، قارئ جيد ومثقف من الطراز الأول، ولا سيما في الشعر والقصة وعموم الأدب والفن. وله إحاطة دقيقة بأدبيات حركات التحرُّر في جميع أنحاء العالم، ومعرفة بالأحزاب والتنظيمات السياسية على مختلف مشاربها. وهو ذو نزعة استبدادية تنفي الآخر وتكبته، لا يتحمَّل النقد ولا يطيق المعارضة، تحكمه ذهنية تنظيمية موغلة في التنظير، تجعله يسبح في رؤى خيالية حالمة، يصرُّ عليها ويتمسَّك بها على الرغم من الأفشال المتلاحقة، والإنكفاءات المتتالية، والإخفاقات الخانقة! وبعد، فهو غضوب مضغِن، حقود كالفيل أو الجمل، لا ينسى الإساءة، ولا يتوانى عن الانتقام مهما طال الزمان. ولو واكب أحدٌ مسيرته فترة رئاسته للجمهورية، لمَّا كان المنصب تشريفياً بروتوكولياً، والسلطة كلُّها لرئاسة الحكومة، التي تولاها ميرحسين موسوي لدورات متلاحقة، رغماً عن الخامنئي وعلى غير رغبته وإرادته في تعيين أحد أصدقائه (مصطفى ميرسليم). ومن طريف ما جرى، أن السيد الخميني كان يدعم ميرحسين موسوي (مرشح رفسنجاني)، حتى شكى إليه الخامنئي الأمر مرَّة، وقال إنَّ المهمة الوحيدة لرئيس الجمهورية في الدستور، هي ترشيح رئيس الوزراء، وما زال تيار “روحانيون”، (وهم صقور الثورة آنذاك، مقابل “روحانيت”، حمائمها)، يسلبونه هذا الحق بأكثرية مريحة يتمتعون بها في مجلس الشورى، تكفل لهم إسقاط أي مرشح آخر! يُقال أن السيد الخميني أجابه ممازحاً ومسلياً “أنت سيد، والسادة مظلومون عبر التاريخ، فتحمَّل الظلامة كما فعل أجدادك”!.. لو واكب أحَدٌ هذا الحدث وعشرات مثله، لفهم العقدة العميقة التي تركَّبت في نفسية الرجل، وأدرك سرَّ تعسُّفه برمي ميرحسين وقذفه بالخيانة العظمى! ثم إبقائه رهن الإقامة الجبرية للسنة الحادية عشرة دون محاكمة، هو والشيخ مهدي كروبي الذي لا يطيقه هو الآخر، والذي أمر به مؤخراً إلى الحبس، فأُودع زنزانة انفرادية، إثر بيان أصدره اعتراضاً على قمع الحراك الأخير، وسقوط عشرات القتلى!

    وعلى أية حال، فنحن الآن أمام حالتين يمكن اتخاذهما نموذجين لتقييم الرجلين وعقد مقارنة بينهما، سواء في أدائهما، أو في حالتيهما الروحية والنفسية، الأولى: الموقف في فتنة فضل الله، والثانية: أسلوب معالجة الحراك الشعبي المعارض للحكومة واستقرار النظام.

    دعَم السيد الخامنئي فضل الله دعماً كبيراً، وسانده كما لم يفعل أحدٌ ألبتة، ما بلغ أمره مقلديه في لبنان، أي حزب الله، وإلزام قاعدته حضور جماعة فضل الله والاقتداء بصلاته، ثم تحريم المسِّ به والخوض في انحرافاته، وتجنُّب البحث في الطعون التي تسقطه! ويقال أنَّ ذلك كان انتقاماً من المرجعية التي أبت الاعتراف به والانقياد لولايته، ونيلاً منها عبر هتك حكمها بضلال فضل الله، وإبطال مفاعيله التي كادت أن تنهي الفتنة وتقضي على فكر فضل الله المنحرف ونهجه الإضلالي، فالميرزا التبريزي والوحيد الخراساني، أبيا الاعتراف بفقاهة الخامنئي وأهليته، وامتنعا عن زيارته، ما أورثه الحقد ودفعه للنقمة. ويُلحِق آخرون ذلك بتوافق فكري والتقاء في الأهداف يجمع الخامنئي بفضل الله. فهما ربائب نفس المدرسة الفكرية، ويستقيان من عين المشرب الذي أسس التنوير الديني، وأرسى الحداثة الإسلامية، وابتدع الحركة الإخوانية.. ذاك من حزب الدعوة، وهذا من علي شريعتي. ناهيك بالدور الذي نهض به فضل الله، منطلقاً من قاعدة “صدم الواقع”، الأداء الذي فتح الباب لسيل متدفق من التهريج والإفساد الذي نهض به الحيدري وحب الله، ما زال يستهدف الحوزة والتراث والمعارف الأصيلة. اندفع السيد الخامنئي في الدفاع عن فضل الله واحتضان تياره، بما استغلَّه واستنزفه واعتصره حتى الرمق الأخير، فخلَّفه ورقة ملقاة في سلة المهملات، في أداء سياسي استغلالي قلَّ نظيره!

    أما موقفه من الحراك الشعبي، سواء كان في لبنان أو العراق أو إيران، فهو واحد، ينطلق من انكشاف ارتباط الحراك بالمشروع الأمريكي، وقراءة أنه ورقة ضغط ومناورة ضد إيران، أو استراتيجية بديلة للأنظمة الحاكمة في هذه البلاد، التي تربطها بالجمهورية الإسلامية حالة تفاهم ووئام. وهو يرى وجوب اجتثاث الحراك وقلعه من جذوره، ويسعى لقمعه وقطف رؤوسه، أينما طالت يده ووسعت سلطته وبلغت قدرته، فعل ذلك في إيران، وما زال يحاوله في غيرها.

    أما السيد السيستاني، فهو ينطلق هنا (في الحراك) وهناك (في فتنة فضل الله) من أصل واحد، يمليه خُلُقه الديني ونزعته الروحية، ويفرضه دوره الأبوي الرعوي… السيستاني يعرف جيداً من هو محرِّك الحراك، ومحيط بخلفيته وأهدافه، عالم بارتباطه بالأجندة الأمريكية للعراق، وواقف على مكانه في الصراع مع الإرادة والنفوذ الإيراني. وهو يعلم أن التعبئة الإعلامية المعادية أخذت الشارع العراقي صوب عداء الدين ورجاله ومراكزه وشعائره…

    لكنه يلحظ ـ في الوقت نفسه ـ أُموراً أُخرى، منها أحقية المطالب وتقصير الدولة في توفير الخدمات وتأمين حقوق الناس، ثم فساد رجال السلطة (أبناء الحركة الإسلامية من حزب الدعوة وغيره) وضرورة محاسبتهم واستبدالهم بغيرهم من شرفاء العراق وصلحائه. والأهم الأخطر أنه يلحظ السواد الأعظم من المشاركين في الحراك، وأنهم شباب مغرَّر به مخدوع، أضنته الحاجة ودفعه الفقر وأذلَّه العوَز، فأخذته العاطفة وهاج به الغضب وغلبته الحماسة، فخرج ثائراً. وأنه ربيب ثقافة هجينة ومناهج سقيمة، زيَّنت له النزعة القومية وأذكت فيه الحميَّة والعصبية، فطاش مع الشعارات الإلحادية والمقولات الكفرية، وأغلبهم لا يفقه ما يقول! السيد السيستاني شخَّص دوره في منع هدر دماء هؤلاء، ثم الحؤول دون وقوعهم في الكفر والمروق، والخروج من دين الله وهم لا يعلمون…

    وظيفة السيستاني الأولى إنقاذ النفوس ودوره الأصلي إحياؤها، وهو ما يمليه عليه كتاب الله “أنه من قتل نفساً بغير نفس، أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً”، وتفرضه سنة نبيه “يا علي! لا تقاتلن أحداً حتى تدعوه، وأيم الله لأنْ يهدي الله على يديك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت”، الإنسان عند السيستاني قيمة عظمى، والمؤمن رعية كبرى، هو المسؤول الأول عنها. لذا بذلت المرجعية غاية وسعها، وصرفت كل جهدها، لتحتوي الحراك، لا في قيادته المأتمرة بالأجنبي والمتآمرة على الوطن وأهله ونظامه، بل بالقاعدة الشعبية المندفعة. من هنا سخَّرت العتبة الحسينية حافلاتها لنقل المتظاهرين، وأعدَّت لهم الطعام، بل حتى نظَّمت أو حثَّت هي على بعض المظاهرات التي قادها معممون من الخطباء، وتوالت خطب الجمعة مواكِبةً للحراك، ومتفاعلة مع خطواته وتطوُّراته. ما أبلغ الناهضين به في وجدانهم أن المرجعية تتحسَّس آلامهم وتتفهَّم شكواهم، وأنها معهم في إنهاء الفساد، الذي يئن منه العباد وتشكو الدولة والبلاد.

    هكذا جذبت المرجعية النفوس، وروَّضت العواطف والقلوب، فألغى الحراك بعض شعاراته، وتراجع عن بعض مواقفه وخطواته، فبعد شعار “لا أربعين أو لا مشاية بعد اليوم” الذي رفعوه، أو رُفع لهم فاتبعوه، لم يمانعوا أن يوقفوا نشاطهم ويعطِّلوا مظاهراتهم، ويكفُّوا عن قطع الطرق، ريثما تنتهي زيارة الأربعين، ويقضي المؤمنون شعيرتهم المقدسة. وهكذا ما عاد الحراك ينظر إلى الحوزة والمرجعية والعمامة، جزءاً من السلطة والحكومة، وترسَّخ في نفوس المتظاهرين كما في شعاراتهم، وطال خطابهم السياسي، أنَّ الحوزة والمرجعية لا شأن لها بالحكومة وفسادها. السيستاني أب شفيق، وراع مسؤول، لا حاكم يبطش بسلطانه ويقمع بعسكره وأعوانه..

    وهذا الأصل نفسه هو الذي حكم موقف السيد المرجع من فضل الله وفتنته، فهو يرى ضلاله، تماماً كما فعل العلماء، وكما صرَّح جملة من تلاميذه الأفذاذ كالسيد أحمد المددي والشيخ هادي آل راضي والإيرواني والجواهري ونجاتي، ونقل آية الله السيد علي الميلاني، بما يقطع أيَّ شك وينفي كلَّ ريب، فبعد أن أدَّى العلَمَان التبريزي والوحيد الدور الإلهي في إبطال مقولات الرجل والحكم بضلاله، ما قطع الإغواء ونفى الاغترار، اكتفى السيستاني وكفَّ، فلم يصرِّح برأيه، تاركاً فسحة للاحتواء، وفاتحاً للمغرَّر بهم نافذة العودة إلى الدين، وعدم الغرق في الضلال المبين. هكذا انتشل كثيرين كانت تتقاذفهم أمواج الحداثة، وتتناهبهم أفكار الضلال، وحرَّر عنقاً كانت تأسرهم انتماءاتهم الحزبية.

    بين أبوَّة السيستاني وحكومة الخامنئي، ترتسم الحدود بين السلطة والرحمة. تتجسَّد هناك القوة والسطوة، ويظهر البطش والقسوة، وتتجلى هنا الشفقة والرأفة، ويغلب العلم وتحكم الحكمة… ومَن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً.

    الفرق الجوهري الأخطر هنا، أن السيد السيستاني يمارس دوره بالرفق واللين، ويسعى بكل حكمة لإنقاذ المؤمنين، ويعمل على تحييدهم عن الصراعات العالمية. بينما السيد الخامنئي يريد تطبيق الدين بالقهر والقوة، وإعماله بالإرغام والإكراه، ويريد محاربة أمريكا وإسرائيل وكل ظلم على هذه البسيطة… وهذا دور المهدي الموعود حصراً! والحر تكفيه الإشارة.

  • بعد القيَم والمبادئ والمثل المقدَّسة، أو قبلها، هناك أماكن وأحداث وأشخاص تضفي عليهم الأديان والمدارس الفكرية والتيارات والأحزاب القداسة. ومَن يفتقد ويُعدَم، يدَّعي ويزعم، ثم يفتعل ويختلق، فتنشأ الأساطير وتقوم الخرافات! لعلَّها ضرورة حركية، تمثِّل طوراً متقدِّماً من “المثال” و“النموذج”، وشكلاً متفوِّقاً من “القدوة ”، تصنع رافداً للزخم العاطفي، وموئلاً يُستقى منه الدفق المعنوي الذي تحتاجه المدرسة وتتطلَّبه الفكرة. وما زال قائد الحركة وشخص الزعيم، يحظى بنصيب الأسد من القداسة المختلَقة، وينال الحظَّ الأوفر من الألقاب والخصائص، تُخلَع عليه المزايا وتضفى عليه الكمالات، حتى يُكرَّس بالكرامات، ويُعمَّد بالمعاجز وخوارق العادات، فلا حركة تخلص من طوباوية تحدوها، ولا مذهب ينجو من نرجسية يغرق فيها، تجعله قابلاً يغلب كلَّ عائق، ومرحِّباً يزيل كلَّ مانع.

    لذا ما فتئ “المقدَّس” هاجس كل تيار وحركة، وما انفكَّ مطلَب كل فرقة دينية ومذهب… وهناك جماعات وأحزاب تعاني فقراً مدقعاً على هذا الصعيد، ومذاهب تشكو جدباً وقحطاً، ما زال يكشف فراغاً ويحكي عُرياً وخواءً، ينكأ فيها جراحاً، ويجدِّد أوجاعاً وآلاماً، ومن هنا أُصيبت هذه بمقتل، وعلى هذا النطع نُحرت تلك وانتهت! لا ريب أن ”المقدَّس” حاجة فكرية ثقافية حركية، كما هو روحية عاطفية نفسية… وهذا ما أخذ الأمر إلى الإفراط وألقاه في الإغراق، حتى كان التخبُّط وعمَّت الفوضى على هذا الصعيد. ولو جرى ذلك ووقع من الحركات غير الشيعية والأحزاب غير المنتسبة لأهل البيت، لتفهَّمه المراقب وتقبَّله المحلل والملاحظ، فهي حيلة المفلس العاجز، ووسيلة المعدَم القاصر، وما على المضطر إلا ركوبها… ولكن الشقاء والبلاء أن يعمد إليه ويقع فيه أبناء مدرسة زاخرة بالمقدسات، مفعمة بقمم سبل الاتصال بالغيب، وذرى الارتباط بالسماء، فالشيعي لا يعوزه رمز مقدس، حتى تعمد حركاته وأحزابه إلى اختلاقٍ وافتعال واصطناع، لا في الشخص والرمز وهو يوالي الأئمة الأطهار، ولا في المكان وهو يقصد العتبات العاليات، ولا في الحدث والزمان، ولديه كربلاء وعاشوراء! ولعمري، ماذا حلَّ بالحزبيين، وأي شيطان ركبهم حتى أهملوا كل هذا وذاك، وعمدوا لاختلاقٍ واصطناع؟ لست أدري!

    خلال العقود الأربعة الماضية، ترسَّخ خطاب “ثقافي” سقيم للحركة الإسلامية الشيعية، مُغرِق في السطحيَّة، مُفرط في الشعبوِيَّة، يمضي على شفا الابتذال وهاوية السوقية، من الضحالة والسخف ما يبلغ الخُرق والسَّفَه، بعد أن يبالغ في التفاهة والقشرية، ولو قارنته ـ مثلاً ـ بخطاب الحركات اليسارية (حتى بعد اندحار الشيوعية وسقوط النظرية)، لسجَّلت مفارقة وشهدت فضيحة، فالقوم كما يبدو لا يقرأون ولا يدعون للمطالعة ولا يحثون عليها، ولا يسعون للعلم والثقافة بأي نحو، وكأنَّ السطحية والعامية هي ما يؤمِّن الانقياد المطلوب، ويحقِّق التبعية المنشودة! يكتفون، بعد الصحف فيما مضى، بحوارات وسائل التواصل الاجتماعي، ويستغنون بنشرةٍ حزبية وِتر، تغذيهم فاسد الطعام وتلقِّنهم وترويهم من آسن الفكر.

    من هنا راجت سوق تعظيم الشخصيات وفشا خلْق المقدَّسات! وكأنها لوثة نزلت بهم، وُضعت فيها الأساطير وراحت تنسُج الأكاذيب، وتُحاك المبالغات وتُخاط لقادتها الأردية والأثواب، فلا تستوي على بدن وقامة، ولا تعتدل بهندام! والناس تسخر من هذا الخلِق المهلهل، والسمِل المرقَّع، وهم لا يشعرون، بل يحسبون الأكذوبة عبرت، والحيلة انطلت!

    صارت صلاة الجمعة امتثالاً لله ولرسوله وأهل بيته ولمحمد الصدر، وغدا الالتزام بها وفاءً له خاصة! وأصبحت الخطوط الحمراء في الإسلام، التي لا يجوز تخطِّيها هي: الله والنبي والإمام وآل الصدر!

    وراحت الخامنئية تنافس الصدرية، فانقلبوا من دعاء الندبة ومناجاة الحجة المنتظر بـ “أترانا نحفُّ بك وأنت تؤمُّ الملأ”، إلى الأمل بصلاة جماعة بإمامة السيد القائد! فكما كانت السهام تستخرج من جسم أميرالمؤمنين حين ينشغل بصلاته، هذه معزاة دخلت المسجد وراحت تجول بين صفوف الجماعة حتى أضحكت المصلِّين وأبطلت صلاتهم، وبقي الإمام وحيداً حتى أتم صلاته ولم يلتفت لشيء، وعندما سألوه أو حكوا له ما جرى، قال إنه لم يرَ معزاة ولم يشعر بضحك المصلين ولا أحسَّ بانفراط عقد الجماعة! والإمام ليس إلا علي بن الجواد الخامنئي! هكذا تصبح راية عادية للعزاء رفعها السيد القائد حزناً على سليماني، وهي سوداء اللون بطبيعة الحال، تصبح هي راية الخراساني وتكون برهاناً وإثباتاً على هذه “الحقيقة”، بعد إثبات أن “الخال” الذي جاء كعلامة ستكون بيمينه، هو تصحيف “خلة” وعطب! فيخاطب القائد بـ: “يا ابن رسول الله! أنا في الرخاء ألحس قصاعكم، وفي الشدة (الجوع والفقر والحرب) أخذلكم؟ والله إن ريحي لنتن، وإن حسبي للئيم، ولوني لأسود، فتنفَّس عليَّ بالجنة…”، كما خاطب جون سيد الشهداء. ومن زيِّ التفقه وعمامة الحوزة، التي ترمز إلى رسول الله وتنسب للإمام الصادق، تنتقل القداسة إلى شماغ البسيج وكوفية الجهاد، أو كوفية المقاومة الفلسطينية! من علَق الأضرحة والمنابر، وخيوط التبرُّك المأخوذة من أقمشة كسوتها أو المباشرة لهيكلها، المترشِّح إليها بركتها، إلى أوصال قميص الشهيد! ومن تربة كربلاء التي يخرق السجود عليها الحجب السبع، إلى تراب الجبهات في القصير والقلمون!

    كنت أحسب أنَّ ما يقوم به رجال الحركة الإسلامية على هذا الصعيد، هو من لوازم الحرب الإعلامية المحتدمة بين إيران وأعدائها، ولا سيما أمريكا، ومن ضرورات التعبئة الدعائية، والربط على القلوب، وما يقتضيه رصُّ الصفوف، وقطع الطريق على الطابور الخامس، ومنع الإرجاف في المدينة… لكن تبين أن رجال الميدان الثقافي وقادة الساحة الإعلامية الموالون للجمهورية الإسلامية، يصدِّقون الهراء الذي يطرحون، ويصرُّون على اللبط والرفس في شباك الأوهام التي تعثروا في حبائلها، والتخبُّط في ما نسجته شياطينهم وصوَّرته مخيلاتهم، حتى ليكبُّوا على وجوههم في مهاوي الفضيحة التي احتفروها، ويتلطَّخوا بصخام المواقد التي أشعلوها.. فلا يأبهون ولا يكترثون!

    كما تبيَّن أن كثيراً منهم يؤمنون بخطاب العوام الذي صنع هالات التعظيم والإجلال والتبجيل ورسمها حول القائد الأعظم والولي المفخم، وأنَّه “عليُّ” زماننا أو “حسين” عصرنا! وأن بكاءه في صلاة الجنازة على الشهيد سليماني، هو من الجري والتطبيق العصري لحديث الرضا عليه السلام للريان بن شبيب، لتكون صورته الحالية  وصيغته الفعلية: “إن كنت باكياً لشيء فإْبك على سليماني، فإنه المقتول غيلة حتى تناثرت أشلاؤه”. وأن كلَّ الجزع مكروه ما خلا الجزع على سليماني، لذا لا بأس أن تنشد المراثي فيه، وتقام المناحات، ويجري اللطم عليه، لا الرتيب الحزين التقليدي فحسب، بل حتى لطم “الشور” الذي يحكي تمام الفجعة وذروة الجزع!

    إن معممي الحركة الإسلامية وكتَّابها وجنودها في الفضاء الألكتروني، ينشرون هذا ويبثونه، يزينونه للناس ويزخرفونه، يخلقون عقلاً جمعياً يهيمن على أبناء الطائفة ويغلب الواقع الشيعي، ثم ينخرطون فيه! كجحا، أو الطفيلي الذي أراد صرف الصبيان من حوله، فكذب وزعم وجود وليمة في طرف، ثم صدَّق كذبته، وراح يسابق الناس إليها ويعدو معهم صوبها!

    حتى بلغ واقع الحال بقاعدتهم، والاستخفاف بعقول أتباعهم، ما حكاه التاريخ عن أهل الشام، مما رواه المسعودي، إن رجلاً من أهل الكوفة دخل على بعير له إلى دمشق في حال منصرفهم عن صفين، فتعلَّق به رجلٌ من دمشق، فقال: هذه ناقتي أُخذت مني بصفين. فارتفع أمرهما إلى معاوية، وأقام الدمشقي خمسين رجلاً بيِّنة يشهدون أنها ناقته. فقضى معاوية على الكوفي، وأمره بتسليم البعير إليه. فقال الكوفي: أصلحك الله، إنه جمل وليس بناقة! فقال معاوية: هذا حكمٌ قد مضى. ودسَّ إلى الكوفي بعد تفرُّقهم، فأحضره وسأله عن ثمن بعيره؟ فدفع إليه ضعفه، وبرَّه وأحسن إليه، وقال له: أبلغ علياً أنَّي أقابله بمئة ألف ما فيهم مَن يفرِّق بين الناقة والجمل. ويضيف: ولقد بلغ من أمرهم في طاعتهم له، أنه صلَّى بهم عند مسيرهم إلى صفين الجمعة في يوم الأربعاء. وأعاروه رؤوسهم عند القتال وحملوه بها، وركنوا إلى قول عمرو بن العاص: إن علياً هو الذي قتل عمار بن ياسر حين أخرجه لنُصرته، ثم ارتقى بهم الأمر في طاعته إلى أن جعلوا لعن علي سُنَّة ينشأ عليها الصغير ويهلك عليها الكبير.

    أعظم الخطوب وأفظعها هنا، أنَّ النجباء المدَّخرون لإقامة العدل الإلهي، المستضعفون المعدُّون لوراثة الأرض ومَن عليها، النخبة المصطفاة، والكوكبة الواعية البصيرة… تتحوَّل إلى قطيع شامي لا يميز بين نور الشمس وضوء الشمعة! ولا يفرِّق بين الثرى والثريا، ويخلط بين الذرة والمجرة! ثم تزهو الحركة الإسلامية بذلك وتفخر… هذا أخطر ما يمكن أن ينزل بأُمَّة، أن تكون طليعتها والنخبة الواعية فيها، أي العلماء والقادة الحركيين والكتَّاب والمحللين، مرتزقة يستأكلون بإضلال الناس وتسفيه مخاطبيهم. والأخطر من ذلك أن يكونوا هم أغبياء يصدقون هذا الهراء، وسفهاء يحملون هذا الشقاء!

    لعمري لو خلَت لهؤلاء الساحة، وقيِّض لهم قيادة الشيعة وإدارة دفة حركتهم، لاضمحل المذهب وتلاشى منذ أمد بعيد، والكلمة الذهبية هنا: لا تثق بحزبيٍّ ألبتة، معمماً كان أم مثقفاً، سياسياً كان أم إعلامياً، عسكرياً كان أم مدنياً… النزعة الحزبية والظاهرة الشامية وجهان لعملة واحدة.

  • لا ينكر مسلمٌ فريضة الجهاد ولا يجحد مؤمن واجب الدفاع، وليس لأحد أن يغالب حكماً هتف به الشارع المقدَّس في الكتاب والسنة والعقل والإجماع، إنما يحجم العلماء والبصراء ويتوقف الأكياس والألبَّـاء في “الرايات”، يرتابون من أصحابها والذين يحفُّون بها ويدعون إليها، يشكُّون في اتصال “قناة الفيض” التي تنحصر الرعاية أو العناية الخاصة لإمام الزمان عليه السلام بها وعبرها، فتنحدر على نوَّابه، وتنساب في المسارب المشروعة والمرضية لدى جنابه، وقد سرت من قبل على عهد الخميني فعصفت ريحاً في صحراء طبس، كريح عاد، صرصر عاتية، سخَّرها عليهم ثلاث ساعات كانت كافية، تصادمت فيها الهيركوليز بمروحيات البلاكهوك والسيكورسكي والشينوك، همدت كلُّها وتهاوت حطاماً وأشلاءً، وغدا القوم صرعى كأعجاز نخل خاوية. وكذا تنزَّلت بالأمس القريب على يد السيستاني، وجرت بيُمن زهده وإخلاصه، حشداً شعبياً ونهضة جهادية عارمة، أوقفت أعتى منظمات الأرهاب والتكفير على الإطلاق، ودحرتها حتى اقتلعت جذورها من العراق، وقطعت عن بلاد المقدَّسات دابر النفاق…

    قد لا يرمي العلماءُ صاحبَ الراية بأنه طاغوت يُعبد من دون الله، ولكنهم شهدوا وما زالوا يشهدون أنه ينصر الضلال ويعين المضلِّين، يمدُّهم بالمال ويحوطهم بالرعاية ويمنحهم الحماية، يعضدهم ويمكَّن لهم، وما الحيدري وحب الله وفضل الله إلا أمثلة ونماذج، يحارب بهم الشعائر الحسينية، ويعمل جاهداً على تقويض الحوزة والمرجعية، فشجَّع المزيفة واصطنع الوهمية، وأخضع ما استطاع منها فجعلها (لأول مرة في تاريخ الشيعة) حكومية، وشنَّ على الأخرى الحقيقية الأصيلة، التي رفضت وعصت حرباً خفية، وما انفك يصرُّ ويمضي في ذلك، عبر منظمات حكومية ومؤسسات ثورية، ومنظومة أمنية وإعلامية ضخمة، جمع لها المرتزقة وجنَّد العملاء، وشكَّل جيشاً ألكترونياً تفرَّغ لمحاربة الأصالة ومناكفة الولاء وإسقاط المقدَّسات، ما بلغ (مؤخراً) ابتذال ألقاب الأئمة الأطهار وصفاتهم واسترخاصها، فإلقاؤها يمنة ويسرة، وخلعها على كلِّ شارق وغارب.

    وكما يلمس العلماء وسائر الناس غلَبة التواضع ونكران الذات في المجاهدين الإلهيين العاملين بإذن المرجعية الحقَّة، المتمتعين بالمشروعية والمتصلين بها، فيظهر عليهم التواضع واللين والرفق بالمؤمنين، وكذا الخشوع والشكر والإنابة لله تعالى، سواء في التضرُّع والدعاء وطلب العون والغوث، أو في إرجاع النصر وعزو الظفر لتسديده تعالى ومدده… يغلب ـ في الفريق المقابل ـ التبجُّح والادِّعاء، والزهو والاستعلاء، ويفيض طغيان القوة والسلطة، وتتفجَّر غطرسة الكبر والخيلاء، وهذا خطابهم مشحون بالانتقاص والتعيير، ورمي غيرهم بالجبن والتخاذل، وكأن الآية عندهم “رحماء على الكفار أشداء بينهم”! فتراهم يراعون “الآخر” أيما مراعاة، لا ينالون من عقائده ولا يمسون مقدساته ويحافظون على مشاعره، لا يجرحونه بكلمة، أما المؤمن عندهم فهو ذليل مهان، لا كرامة لمعتقداته ولا حرمة لمقدساته.

    ولكن مع هذا وذاك، لم يتعرَّض العلماء لهم بالصدِّ والردع والإنكار، تركوهم وقناعاتهم، لهم أن يحاربوا أمريكا ويقاتلوا إسرائيل، ويقوموا لدفع الظلم وإنعاش الحق، ولم تقابلهم الساحة الإيمانية إلا بـ “عاشت الغيرة وأنعمت الحمية، وأفلحت الشجاعة وأنجحت التضحية”، وبالدعاء لهم، بل إخراج الصدقات لسلامتهم ودفع البلاء عنهم، والبكاء على قتلاهم وإعانة عوائل شهدائهم، والنهوض بكل ما تمليه الإنسانية، والأُخوَّة الإيمانية، وحفظ التواد والتراحم… لكن دون الالتحاق بهم والانضمام إليهم!

    لن نكون الطير أو الفرخ الذي نهض من عشِّه قبل أن يستوي جناحاه، فسقط فأخذه الصبيان يتلاعبون به. لن نتعجَّل ونهدر الأرواح، فالله لا يعجل لعجلة العباد، فهذه الدول والحكومات لها آجال كآجال البشر، ولإزالة جبل عن موضعه أهون من إزالة مُلك لم ينقض أجله وتتصرَّم أيامه. ولو كان لأحدنا نفسان فيقدِّم إحداهما ويجرِّب بها، ثم يستقبل التوبة بالأُخرى، لهان الأمر، ولكنها نفس واحدة، إذا ذهبت ضاعت الفرصة وذهبت والله التوبة. ونحن نعلم أن الرجل ما كان يطيع أئمته وهو وحده في مشهد، مغمور مجهول، يلاحق علي شريعتي ويترجم لسيد قطب، فكيف يطيعهم اليوم وقد ارتفعت من حوله الرايات وخفقت الأعلام، وجمعت له الأموال، وحفَّ به الجند والتفَّ الأعوان، وثنيت له الوسادة ونُصب العرش وأُعطي الصولجان!؟

    لتقاتل إيران أمريكا أو تصالحها، هذا شأنها، فهي دولة عظمى في المنطقة، لها مصالحها وسياستها، التي قد تقتضي عقد صفقات وإخراج مسرحيات، تستغفل العوام وتغرِّر بالسذج، فيُنذَر العدو ويبلَّغ بساعة الصفر، لتُقصف معسكرات خالية، فلا يجرَح، ناهيك بأن يُقتَل أحد… لتفعل إيران ذلك، ونعم ما تفعل، فتنجي بلادها وشعبها من دمار شامل كان ينتظرها إن هي انتقمت حقاً وضربت فأوجعت، ولعلَّ الرد الأمريكي كان سيبلغ في نهاية الأمر القصف النووي، وليس ترامب الأصهب بأكثر إنسانية من ترومان الأعرج، أما السيد الخامنئي فقد أفتى بحرمة صُنع القنبلة الذرية واستعمالها، فلا مانع ولا رادع!

    ولكن، ليس لإيران ولا لأتباعها أن يُلزموا غيرهم بانتهاج دربهم والمضي في مسيرتهم، ولا أن يلوِّحوا لمن يأبى ويمتنع بعصا الإرهاب الفكري، أو التهديد بالتصفية الجسدية والإرهاب الأمني…

    ولعل ظهور العجز الإيراني سواء في عملية الانتقام المسرحي، أو في الارتباك والاضطراب الذي ولَّد خطأ إسقاط الطائرة المدنية (حتى الكنديين من ضحاياها هم من أصول إيرانية)، كان من خفيِّ الألطاف!.. وإلا فإن العقل الجمعي الشيعي المشحون عاطفة، المعبأ حماسة وثورة من جرح الغدر والغيلة التي استهدفت قادة قاتلوا داعش وأنقذوا البلاد والعباد من شرِّها، كان يأخذ الساحة إلى مواقع واصطفافات بعيدة عن العقل والحكمة، وعن المرجعية العليا، ويهوي بها في أحضان الجمهورية الإسلامية، وأيد غير مؤتمنة ولا تتمتع بالكفاية، لا الشرعية ولا العملية، وهذا ما استدركه السيد السيستاني دام ظله في شجبه للانتهاكات والاعتداءات التي طالت العراق من الطرفين الأمريكي والإيراني على السواء، وإدانته كل ما ينال من السيادة والاستقلال ويحول دون الأمن والاستقرار. هكذا مال بالكفَّة فاعتدل الميزان، وعاد بالأمر إلى نصابه. وهنا عاودت أسراب الذباب الألكتروني دويَّها، وشاعت همهمة وعمَّ تطاول على المرجعية، وشنشنة نعرفها من أخزم، الأمر الذي أفاد الحقَّ كما أضرَّه! ففضح خطاب التدليس وكشف أداء النفاق الذي كانوا يلقون به العوام، من قبيل مقولة “السيدين العليين الحسينيين”، وأضرَّ من حيث هتك المرجعية العليا، فتطاول السفلة على الطرائق والوجوه، وتحامل الصعاليك على العرانين والسراة، وبغى الأراذل على الأشراف والهامات.

    وخلاصة الحال ومختصر المقال، أن الأمر يدور مدار الراية، إذا حملها فقيه جامع للشرائط، يمثل نيابة حقيقية عن الإمام عجل الله فرجه، تبعه المؤمنون وامتثلوا قيادته، وإذا تسنَّمها مدَّع من أبناء الحداثة، باطل العقيدة، منتفي العدالة، فلن تتبعه الساحة الشيعية، وحسْبه الذين يقبضون مرتَّباته، ويعتاشون من خيراته، وهم حزب مغلق وجماعة محدودة.

    من الجلي الذي لا يخفى أن السيد الخامنئي بروحه النرجسية، ونزعته الطوباوية، وأدائه المتحكِّم المستبد، وقع في أخطاء كارثية أفضت إلى إنهاء مقولة حكم الدين، وطي صفحة الحكومة الإسلامية، وأغلاق هذا الكتاب، بل ركنه على أرفف التاريخ، أو إيداعه صندوق الزوائد والفضول أو المهملات، ولن أخال عاقلاً ـ حتى ظهور المهدي عليه السلام ـ سينظر أو يقرأ فيه بعد اليوم. ولا أريد بهذا ما انتهت إليه البلاد من تردٍ معيشي وانهيار اقتصادي وفقر يكاد أن يكون كفراً… بل هو تضييع القيم الدينية وتبديل الشعائر الاسلامية وانقلاب المنكر معروفاً، وخروج الناس من دين الله ودخولهم في الوهابية المقنَّعة أفواجاً… وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. ولو سألت أتباعه وذبابه لاحتالوا وتحايلوا حتى برَّروا كلَّ خطئ وخطيئة، وأظهروه طاهر الذيل نقي الجيب، معصوماً لم يفتك ولم يظلم ولم يحبس ولم يشطح ولم يزل!

    “الإنجاز الأعظم” الذي حققه الخامنئي في مسيرته الجهادية والعملية، هو أنه أثبت بالحسِّ والوجدان قبل الدليل والبرهان، ورسَّخ في أعماق العاملين الشيعة، على مختلف مشاربهم وانتماءاتهم وتياراتهم، أنَّ الحق في منع القيام قبل الظهور، وأن المفاسد التي ترتبت على الدولة والجمهورية الإسلامية، على صعيد تشويه العقائد وتزييف الأحكام، بل على صعيد الحرية والاستقلال (الضلعين الآخرين الذين يشكلان مع “الإسلام” مثلث شعار الثورة)، هو أضعاف المنافع المجنيَّة والمكاسب المحصَّلة. ولو كفَّ المنافقون في صدر الثورة ولم يعمدوا للعنف والإرهاب، وتركوها لأمثال مهدي بزركان، بدل طالقاني وبهشتي ورفسنجاني، لكان خيراً للإسلام والتشيُّع، وهذا ما يسعى السيد السيستاني إليه اليوم، عبر منع الطلبة والعلماء من الدخول في السلطة وتسلُّم أية مسؤولية حكومية… ومن هنا فإن السيد الخامنئي مدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى لطاعة المرجع الأعلى والتنحي والإستقالة.

    لن يلحق جمهور الشيعة بالخامنئية، ولن يركنوا إلى الثورية الحزبية، ولن يتبعوا الحركة المريبة التي يقودها… لا يمكن لهذا الهجين الالتقاطي أن يغير هوية ترسخت عبر أربعة عشر قرناً، وما زالت تنتظر الفرج وترتقب العدل الإلهي والحق الحقيق في وارث الأنبياء وبقية الأئمة الأصفياء.

    نحن بانتظار راية رسول الله العقاب، وعصاه الممشوق وسيفه ذي الفقار، نحن بانتظار قميصه الكرباس وعمامته السحاب، وناقته القصواء وبغلته دلدل. نحن بانتظار التابوت والسكينة، والعصا والحجر، والخاتم والبساط، نحن بانتظار آدم في علمه ونوح في فهمه وإبراهيم في حلمه وموسى في مناجاته ويوسف في جماله وداوود في بأسه وسليمان في ملكه ويحيى في عبادته وعيسى في زهادته… نحن بانتظار محمد في تمامه وكماله، وعلي يحكي مثاله. نحن بانتظار مَن يأتيه عرش سليمان المضيع أو المخفي في بيت المقدس قبل أن يقوم من مقامه، يلحقه البيت الأبيض قبل أن يرتد إليه طرفه، نحن بانتظار مَن يشير بيده فتتناثر الأقمار الصناعية وتتطاير الموجات وتتداخل الذبذبات فتتعطل الإتصالات، كما تخرس النواقيس وتتهاوى الأصنام والتماثيل. نحن بانتظار مَن يلتفت فتنصرف إرادته تلقاء القنابل النووية، فيمنع إطلاقها، ويفجِّرها في أرضها. نحن بانتظار مَن يعطِّل الآلة من رأسها، من تدفُق الطاقة في أسلاكها وحركة الأقسام داخل البندقية، إلى محركات المدرعات ومراوح النفاثات… نحن بانتظار مَن يعيد المعركة إلى قتال الشجعان وبطولة الفرسان، إغارة بالخيل وبرازاً بالسيف…

    وحتى ذلك الحين…

    “يا سدير إلزم بيتك وكن حلساً من أحلاسه واسكن ما سكن الليل والنهار فإذا بلغك أنَّ السفياني قد خرج فارحل إلينا ولو على رجلك”.

    “الزموا الأرض، واصبروا على البلاء، ولا تحركوا بأيديكم وسيوفكم في هوى ألسنتكم، ولا تستعجلوا بما لم يعجل الله لكم، فإنه من مات منكم على فراشه وهو على معرفة حق ربه وحق رسوله وأهل بيته مات شهيداً، ووقع أجره على الله، واستوجب ثواب ما نوى من صالح عمله، وقامت النية مقام إصلاته بسيفه”…

  • يفتقد السيد السيستاني كثيراً من أدوات القيادة التي يتمتع بها الحكَّام، وتعوزه أمور لا يستغني عنها الرؤساء، فلا أجهزة أمنية ودوائر مخابراتية تعمل لصالحه، وليس في إدارته منظومات خفية وشبكات تجسسية، ولا حتى لجان استشارية، كما يُعدم مراكز دراسات تخصصية ومؤسسات معلوماتية، تزوده بتقارير أخبارية عن الحوادث السرية، وتحليلات ميدانية دقيقة عن الحالة السياسية والاقتصادية، من تلك التي تقدَّم للرؤساء وتُرفع للقادة، تجعلهم يحيطون بالوقائع ويقفون على الحقائق، بعيداً عن تجاهلات أو تهويلات فإملاءات الإعلام، ومنأى عن استدراجات العواطف وتصويرات الأوهام. مما يُعتبر من أوليات صنع القرار، ولا سيما في المواقع العليا، والحالات المنقطعة، مثل التي يعيشها السيد. كما يفتقد ـ دام ظله ـ مقومات أخرى، ليس هذا ظرف إثارتها ولا مقام التنبيه لها…

    لكنه في المقابل يمتلك عُملة ثمينة وجوهرة نادرة، ومفتاحاً “سحرياً” يفتح له مغاليق الإدارة ويمكِّنه من ضروب القيادة، ويأخذه لأداء في قمة النجاح وذروة السداد، وكأنه وقع على الإكسير الأحمر في عالم السياسة، والطلسم الذي يبحث عنه الحكَّام وينقِّب القادة، يستميتون للظفر به ويتهالكون على نيله، فلا يبلغون ولا يحظون.

    إنه يملك إخلاصاً يفتح له أبواب السماء، وزهداً وترفعاً يذلل له كلَّ الصعاب، وتقوى تأخذ بيده إلى صميم الصواب، وورعاً يبصِّره بعصمة الدماء، من هنا رزقه الله حظاً مضاعفاً، اتقى، فآتاه الله كفلين من رحمته، كما وعد تعالى: “يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به”..

    بعد أن حرَسه ورعُه ومنعه زهدُه عن طلب الرئاسة والشهرة والمال والجاه، ها هو يصونه عن التلوث بالدماء، ويحفظه عن تشويه الدين وإسقاطه من أعين الموالين. قد تغلب الحماسة بعض المؤمنين فيطالب بقمع دموي يرجع الأوباش إلى مواقعهم ويردع الدهماء عن غيِّهم، ويصرع الغضب آخرين، فتأخذهم الشدة إلى الدعوة للبطش والتنكيل، فهذا الغوغاء لا تجدي في وقفه رحمة، ولا تنفع هوادة ولين… لكن الأمر يختلف لدى فقهاء الدين والعلماء الربانيين.

    السيد السيستاني لا يأبى أن يُهزَم في معركة، على أن لا يخسر الإسلامُ الحرب، ولا يمانع أن يريق ماء وجهه ويفدي نفسه، بشخصه والبرهة الزمنية العابرة التي يعيشها، دون أن تتلوث الحوزة وتتشوه المرجعية، فتظهر كأيِّ طاغوت جائر، يبطش بسلطانه ويقهر بقوة أعوانه! من هنا لم يكن المرجع الديني، الشديد على داعش، إلا رحيماً ورعاً حذراً هنا على إخوانه، فليس المؤمن كالتكفيري، وليس المسلَّح الإرهابي كالسلمي المدني، وإن اندسَّ في الجموع منافقون، وتدثر عملاء وتوغَّل مخادعون، فنحن لا نبدأ بقتال، ولا نقابل الإصلاح بنصرة الفساد. ليسجِّل التاريخ أن المرجعية الشيعية لم تبطش ولم تسفك الدماء، وأن الحوزة الشيعية ما خرجت يوماً أشراً ولا بطراً، بل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الصلاح والإرشاد نحو الفلاح.

    وبعد، ففي خطبة الجمعة الأخيرة عبارة ذهبية حقَّ أن تنحني لها القامات وتخضع الهامات، ولا يتهادى بعدها طاغوت أو طاووس بين أذيال تيهه، ويتخطَّى الرقاب مدعياً أولويته! ذلك لما قال: “إنَّ المرجعية الدينية ستبقى سنداً للشعب العراقي الكريم، وليس لها إلا النصح والإرشاد إلى ما ترى أنه في مصلحة الشعب، ويبقى للشعب أن يختار ما يرتئي أنه الأصلح لحاضره ومستقبله، بلا وصاية لأحد عليه”… السيد السيستاني لم ينزِّه هنا الشعب عن السَّفَه الذي يقتضي وصاية، ولا كرَّم الأمة عن التخلُّف الذي يوجب حجراً وولاية فحسب، بل أفسح للمعادلة التكوينية وخضع لإرادة عظمى تحكمها، فللدول والحكومات نهايات، كما للبشر والأفراد آجال، والإصرار على أمر، يحتاج إلى إحاطة بالغيب واستشراف لقادم الأحداث والمقدَّرات الإلهية، مما لا يكون ولا يتوفر إلا في شخص واحد دون غيره، هو الولي المعصوم، الناظر في مصحف أمه فاطمة صلوات الله عليها. من هنا أخلى ـ دام ظله ـ مسؤوليته إلا عن النصح والإرشاد، وأعاد القرار للناس وأرجع الخيار لهم، فلا داعي للمكابرة والعناد، ولا موجب للقهر والإرغام. لم يتجاهل السيستاني ولاية الولي الحقيقي عليه السلام، ولا تطاول وقفز عليها، ولم يسمح لنفسه أو للسياسيين أن يختلقوا العناوين الثانوية والمسوغات الشرعية التي تفسح لهم الضرب بالقبضة الحديدية، ولا استجاب للجموع العشائرية التي زحفت إلى النجف الأشرف تهتف بالثأر وردع المتطاولين. كفَّ الفقيه الإلهي وأمسك، وصبر وتجلَّد، والجماهير تتحرَّق لإشارة من إصبعه، كان يمكن أن تجري بها أنهار من دماء، وتتكدَّس تلال متراكمة من جثث القتلى والشهداء. هناك ولاة وحكَّام باسم الدين والإسلام، لا تتكلَّف ولا تتجشَّم أي عناء في نسبتهم إلى قوله تعالى “وإذا بطشتم بطشتم جبارين”، وهنا نحن أمام آية أخرى تهتف بالانطباق: “الذين إن مكنَّاهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر”.. مكنَّه الله وألقى في قلوب الناس محبَّته وطاعته، فانقادت له طوعاً، فروَّضها وطوَّعها لتكتم جراحها وتجحد غضبها، وتصبر.

    نحن نعرف جيداً من الذي يهتك النجف الأشرف ويريد إسقاط مرجعيتها، لمن يعمل وممن ينتقم، وأي حقد دفين يلتعج في صدره، وغلٍّ مكين يفري كبده، نعرف زعيمهم وأذرعه وأياديه وأصابعه، كيف تحركت هناك، ولماذا تكف عن التدخل وردع المعتدين هنا. لا نعتب عليهم ولا نشكوهم إلا إلى ولي أمرنا، الذي سيريهم ويوفيهم جزاء فعلهم نكالاً أشد مرارة من الانهيار الذي يعيشون فيه، والهاوية التي باتوا يترنحون على جرفها.

    ستزول هذه الغمة، وتنقضي هذه المحنة، وسيذهب الزبد جفاء، ويبقى ما ينفع الناس. وما زال حديث الإمام الصادق عليه السلام يتلألأ، وتشع أنواره فتعم ذوي البصائر: “ما ولَّت أمة أمرها رجلاً قط وفيهم من هو أعلم منه، إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالاً حتى يرجعوا إلى ما تركوا”.. وسيعود الذين شرقوا وغربوا، كما في حديث  أبي جعفر لسلمة بن كهيل والحكم بن عتيبة (من علماء الزيدية): “شرِّقا وغرِّبا فلا تجدان علماً صحيحاً إلا شيئاً خرج من عندنا أهل البيت “، وسيخضعون يوماً ويكتشفون أن “الزيدية المبطنة”، ما هي إلا صيغة أُخرى لـ “الوهابية المبطنة”. ونجي الذين سبقت لهم من الله الحسنى.

  • كنت أسلك الطريق السريع من بيروت إلى الجنوب… ماضياً في دربي، عاملاً بقوانين السير، متنكِّباً حزام الأمان، ملتزماً الأدب الذي يتأكَّد في الغريب، ولا سيما في أجواء التسيُّب والفوضى التي تعيشها البلاد هذه الأيام. ما أسأت لراكب ولا اعتديت على راجل، ماضٍ مع سيل متدفق من مئات أو آلاف السيارات، حين اعترضنا صبيَّان أو شابان، قطعا الطريق بدراجتيهما، راح أحدهما يشير إلينا ـ بسبابته، وأحياناً بإيماءة من رأسه ـ بالتنحي عن سمْتنا والانصراف عن دربنا، وسلوك طريق جانبية، فحُشِر السيل، وكأنه انصب في قُمع، تجاه طريق فرعية ضيقة، تنتهي إلى زقاق، وصرنا نطوي الأذرع ونقطع الأمتار بالساعات! الغريب أن قطع الطريق إلى الجنوب لا يخضع لفلسفة الإلتحاق القسري والدفع الإجباري تجاه العصيان المدني، عبر منع الناس من مزاولة العمل، وبالتالي شل مرافق الدولة وتعطيل الحياة العامة، فهذه الفلسفة، على وهيها وركيك أدلتها، لا تنطبق على العائدين من بيروت إلى بيوتهم في الجنوب! بل بدا واضحاً أن منطلق المضايقة مذهبي بحت، كما شرح مرافقي وبيَّن، مستدلاً بهوية المنطقة والبلدة التي قطع أهلُها الطريق على الناس. أفقد الموقفُ الثوارَ كلَّ تعاطف في قلبي، وقلب مشاعري إلى غيظ وغضب، وصيَّر الامتهان والإذلال الذي لاقيت أو أحسست، حنقاً ونقمة! كما أزال صورة الثورة أو الحِراك الذي يتطلَّع أو يرجى منه إنهاء الظلم ومكافحة الفساد، ومسخها إلى شغب وممارسة جائرة مجحفة، وسلوك متعسف أهوج يقوم به سفلة أوغاد، ما صنع ـ في واقع الحال ـ وضعاً وحالة تحضُّ على التمسُّك بالفاسدين، وتحمل على تمني دوام دولتهم وبقاء سلطتهم! فقد كانت تمنع تحكُّم صبيٍّ رذل بآلاف الرجال، يسوقهم مع مركباتهم وعوائلهم كقطيع أغنام، باسم الثورة وإسقاط النظام!

    ترى، مَن له أن يشعر بما أُعاني ويدرك مبلغ ضيمي ومدى ظُلامتي، وغيري ممن صفعتهم المهانة وقهرهم الإذلال؟!.. ما زلت أفكر في الأمر، وأصرف وقتي في الزحام وأشرد بهذا الهاجس، حتى توالت عليَّ صوَر “الجوشن الصغير” ولا سيما فقرات: وكم من عبد أمسى وأصبح مغلولاً مُكبَّلاً في الحديد بأيدي العُداة لا يرحمونه، فقيداً من أهله وولده، مُنقطعاً عن إخوانه وبلده، يتوقَّع كلَّ ساعة بأيِّ قتلة يُقتل، وبأيِّ مُثلة يُمَثَّلُ.. وكم من عبد أمسى وأصبح يُقاسي الحرب ومُباشرة القتال، قد غشيه الأعداءُ من كلِّ جانب بالسيوف والرِّماح وآلة الحرب، يتقعقع في الحديد، قد بلغ مجهوده، لا يعرف حيلة ولا يجدُ مهرباً، قد أُدنف بالجراحات، أو مُتشحِّطاً بدمه تحت السَّنابك والأرجُل، يتمنَّى شربة من ماء، أو نظرة إلى أهله وولده لا يقدر عليها.. وما يتلو كلَّ فقرة من قوله: وأنا في عافية من ذلك كلِّه، فلك الحمد يا ربِّ من مُقتدر لا يُغلب، وذي أناة لا يعجل، صلِّ على محمد وآل محمد واجعلني لنعمائك من الشَّاكرين، ولآلائك من الذاكرين…

    هان الخطب عليَّ وسكن جرحي من ألم غيري، وغلبني الخجل من ترف ما أشكو وبطر ما أعاني. أعرضتُ عما جرى في الطريق وتناسيته، وأرحت قلباً وشرحت صدراً، ومضيت لشأني…

    عند المساء التقيت أحد رجالات الجنوب وقمم جبل عامل. سيد مقاوم، لا بصاروخ وبندقية، ولا بسياسة ماكرة وأداء متحايل خادع، بل بجهاد مخلص يذود عن العقيدة، ودفاع صادق يرد عن المذهب، يحمل قلماً يردع الأدعياء الدجالين، ويمتشق يراعاً يهوي على المنحرفين الضالين، قلعة تحفظ المقدسات عن التشويه، وتصون الثوابت عن التحريف والتزييف، وحصن دون الخرافات والأساطير والأراجيف… وهناك تلقيت درسي وحظيت بموعظتي. في صومعة منفصلة عن كل الصخب الذي تضجُّ به الشوارع والساحات، سكون وطمأنينة لا تكترث برعب أهل القصور، وارتجاج خزائن البنوك، وهرج أروقة المؤسسات، ووجيب قلوب ذوي الحسابات، ولا تعرف القلق والاضطراب، لا تبالي بالحراك إلا بما يمسُّ الدين وينال من المؤمنين… حضر العلم وزهت الفضيلة، ودار الحديث وجال، بين الوسائل وجامع الأحاديث، وعن التهذيب والاستبصار، وطال الأسانيد والرجال، حتى انتهى، لمحض صدفة، إلى مفهوم الغضب والنقمة!

    ذكر حديثاً يحكي أن الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وآله رحمة، ويبعث القائم عليه السلام نقمة، أعادني إلى دعاء الجوشن، لكنه نقلني من آلام ومعاناة الأفراد، إلى ما يصيب محور الوجود ومفزع الموجود، ويعتري قلب عالم الإمكان، ويجيش فيملأ صدر إرادة الله ومجلاة أسمائه وصفاته، ومن قبل، كيف عسى الغضب أن يتحقَّق فيه سبحانه وتعالى، فتحلُّ نقمته على المجرمين العُصاة وتنزل بالعتاة الطغاة، وهو منزَّه عن الانفعال، لا يعتريه تغيير من حال إلى حال؟ وبعد أن يُحمل ذلك على المجاز الذي ينتهي في الحقيقة إلى عقابه، كما رضاه إلى ثوابه، فإن لله عزَّ وجلَّ وليّـاً من خلقه، يحكي آياته، ويجسِّد صفات أفعاله، فيكون مظهراً لها، بعد أن تعلق بروحه الإنسانية فتندك فيها، ويعيشها في ذاته البشرية فتطبعها وتصبغها.

    وهنا السؤال الأخطر والتساؤل الأكبر، تُرى ماذا أوقد غضب المتكبِّر القهَّار، وأسعر غيظ القوي المتين، وأذكى سخط العزيز الجبَّار، فحلَّت هذه الأسماء وتجلَّت هذه الصفات في وليه المنتظر صلوات الله عليه؟ فصار تِرةً ووتراً وثاراً وسيُبعث نقمة، يمثِّل “إنَّ الله عزيز ذو انتقام” و”إنَّا من المجرمين منتقمون”! لعمري، ما الذي أقضَّ مضجع هذا الولي المؤتمن على إدارة الكون وأسهر ليله؟ وهو شريك القرآن وحامل الفرقان، حارس الخلائق وحافظ الودائع؟ ما الذي آلمه وأشجاه، وأمضَّه وأعياه؟ فحمله أن يندب للعولة ويدعو لذرف الدموع والبكاء مع الباكين، والصرخة مع الصارخين، والضجَّة مع الضاجِّين؟ لعلَّ معالم المأساة ارتسمت بعض الشيء في نصِّ إحدى الزيارات وهي تعدِّد: “وهم بين صريع في المحراب قد فلق السيف هامته، وشهيد فوق الجنازة قد شُكَّت بالسهام أكفانه، وقتيل بالعراء قد رُفع فوق القناة رأسه، ومكبَّل في السجن قد رضَّت بالحديد أعضاؤه، ومسموم قد قطِّعت بجرع السمِّ أمعاؤه”… ولعلَّه ـ سلام الله عليه ـ كتم صوراً أخرى في نفسه، لم يبح بها، إلا كزفرات تدع المدائن بلاقع، والرياض يباباً وقاعاً صفصفاً.. ما زال يستحضر هتك خدر عمَّته تساق أسيرة من العراق إلى الشام، ويعيش قهر جدَّته من ردِّ قولها وتمزيق كتابها وإحراق بابها وكسر ضلعها وإسقاط جنينها، وما انفكت صرختها: “فلا دافع ولا مانع، خرجتُ كاظمة وعُدت راغمة، أضرعتَ خدَّك يوم أضعت حدَّك، افترست الذئاب وافترشت التراب، ما كففت قائلاً ولا أغنيت طائلاً، ولا خيار لي، ليتني متُّ قبل هنيئتي ودون ذلتي، عُذيري الله منه عادياً ومنك حامياً، ويلاي في كلِّ شارق، ويلاي في كلِّ غارب، مات العمد ووهن العضد، شكواي إلى أبي، وعدواي إلى ربي، اللهم إنك أشد منهم قوة وحولاً، وأشد بأساً وتنكيلاً”.. تدوِّي وتسري، تنتشر في الآفاق وتتجدَّد في الأزمان، لتقرع الأسماع الشاهدة، وتعيها الآذان الواعية، وتُلقَّاها النفوس الخاشعة، وكأنها ميثاق الإمامة وعهد الولاية، ومدار العصور الباقية وناموس الأزمان التالية، وكُنه الفرج وسر الإنتظار، ومعنى العدل الذي يختم الله به الدنيا ويرث الأرض ومَن عليها. وفي الحديث عن زكريا بن آدم قال: “إني لعند الرضا إذ جيء بأبي جعفر الجواد عليه السلام وسنُّه أقل من أربع سنين، فضرب بيده إلى الأرض ورفع رأسه إلى السماء فأطال الفكر، فقال له الرضا عليه السلام: بنفسي، لم طال فكرك؟ فقال: فيما صُنع بأُمي فاطمة. أما والله لأُخرجنَّهما ثم لأُحرقنَّهما ثم لأذرينهما ثم لأنسفنهما في اليم نسفاً، فاستدناه وقبَّل بين عينيه، ثم قال: بأبي أنت وأمي أنت لها. يعني الإمامة”…

    هذا ما يستعر ويتلظى، فيستطير الأتمَّ الأعقل، ويملأ الأبصر الأكمل، ثم يفور منه الأعظم فالأعظم، يجيش مرجل غيظه، وتلتهب الحميَّة في نفسه، ثم يكبت تنمُّره وتسخُّطه، ويجحد تحرُّقه وتلعُّجه، حتى تقرأ الكائنات من حوله لهيب غضبه في محيَّاه، فيكدر الفضاء ويكفهر، وترتجُّ الأرض من خطوه وتتزلزل، ويتوثَّب الحنق في أنحائها، وتتطاير شظاياه في أرجائها، فتستقلُّ الأشياء رعدة يُقام لها ويُقعد، لا يستقر بها مكان ولا يقر عليها مقام، تكتم نهيماً وزمجرة، تتضوَّر جوعاً لما يؤجِّج سوْرتها، وتلتاع عطشاً لما يذكي غلَّتها… لا تدري هل تمدُّ المولى وترفده وتسعفه بمزيد، أم تواسيه وتعزيه فتخفف من فورته إلى حين اليوم الموعود، فيمضي ليكون صرحاً من غضب خالص، يتحقَّق فيه ثار الله ونقمته، فإذا قام تفجَّرت النقمة وغلب الثأر. يخرج في اثني عشر ألفاً إن قلُّوا، وخمسة عشر ألفاً إن كثروا، يسير الرعب بين يديه، لا يلقاه عدوٌّ إلا هزمه، شعارهم: أمت أمت. وما يزال يقتل بقتل الحسين، حتى لو قتل أهل الأرض كلهم ما كان سرفاً، وهو قوله تعالى “ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل”.

    ولا يعنينا بعد هذا أن يكره العالم المتمدن (الذي يرعى الفوضى الخلَّاقة) العنف، ويبغض الغرب الشدَّة، ويستهجن الآخر ما يحسبه فتكاً، ويدين ما يراه قوة مفرطة، ثم يستبشع مفهوم الانتقام ويستقبح فكرة الثأر، ويدرجها في الجاهلية والرجعية… هذا هو ديننا، لن نتنكَّر لقرآننا وآيات العذاب والعقاب والنكال والغضب والنقمة، ولا للأحاديث الشريفة والسيرة النبوية التي تحكي هذه الحقائق فكراً وسلوكاً وممارسة، ولن نتحايل على الأدلة العقلية ونتعسَّف لنركِّب ونلفِّق ما يوفِّق بيننا وبين الأديان الأخرى، فننبذ ونقبِّح ما حسَّنه الشارع المقدَّس في موضعه، ونقلب الصيحة والصعقة والموت الأحمر والأبيض والخسف والزلزال والفتنة والبلاء، والعرَق والعلق، إلى عبير الرحمة، وأية فذلكة أخرى عوراء تنفي عنا “التطرف” و”الإرهاب”! حتى ترضى عنَّا اليهود والنصارى، وتقبل الدول المستكبرة أوراق اعتمادنا. نحن مسلمون، نؤمن بجنة ونار، لهم منها مهاد ومن فوقهم غواش، وإنَّ لدى الله أنكالاً وجحيماً وطعاماً ذا غصة وعذاباً أليماً، وسلاسل وأغلالاً وسعيراً، وماءً صديداً، وآخر يأتيهم إن استغاثوا، كالمهل يشوي الوجوه، وناراً تصلي الكافرين كلما نضجت جلودهم بدِّلت جلوداً غيرها! ومن قبل نؤمن بقصاص وحدود تُبتر فيها الأعضاء، وتجلد الظهور، وتقطع الأيدي والأرجل من خلاف، نعم، نحن نعلِّق ذلك على حكم  الإمام وإذنه، على خلاف غيرنا الذي يوظِّفها لأغراضه السياسية، فإذا رآها تعيقه و”تشوِّه” صورته، بدَّلها وغيَّرها، ونبذها وراء ظهره.

    يقول دعبل: “لما انتهيت إلى: خروج إمام لا محالة خارج، يقوم على اسم الله والبركات. يميز فينا كل حق وباطل، ويجزي على النعماء والنقمات. بكى الرضا عليه السلام بكاءً شديداً، ثم رفع رأسه إليَّ فقال لي: يا خزاعي، نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين، فهل تدري مَن هذا الإمام ومتى يقوم؟ فقلت لا يا مولاي، إلَّا أني سمعت بخروج إمام منكم يطهر الأرض من الفساد ويملأها عدلاً، فقال: يا دعبل، الإمام بعدي محمد ابني، وبعد محمد ابنه علي، وبعد علي ابنه الحسن، وبعد الحسن ابنه الحجة القائم المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره، ولو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يخرج فيملأها عدلاً كما ملئت جوراً”… هذا الرضا، الذي أدخلوه في ولاية العهد والحكم والسلطان، وضربت باسمه الدنانير، يجهش لذكر المهدي، ويرقب دولته بحرقة ويتطلَّع إليها بلهفة وحسرة.. ونحن خدعتنا الدنيا بغرورها، وغلبتنا قوتنا حتى صارت شيطاناً جعلنا ننسى إمامنا ونتجاهله، فغيَّبناه حتى كأننا استغنينا عنه!

  • من أكثر ما يشغل المؤمن العامل ويقلقه، يربكه في مسيرته الدينية ويؤرقه، يجعله بين إقدام ينشد الصواب ويرجو السلامة ليغنم وينعم، وإحجام يحذر التيه والضلال، يخشى أن يصرعه ويهلكه، نداء يستصرخه ويدفعه من هنا، وهاتف يزجره ويردعه من هناك… قوله تعالى: “يوم ندعو كلَّ أُناس بإمامهم”، هاجس الفلاح في إصابة تعيين الإمام واختياره، والشقاء عند تضييعه وافتقاده. فالظاهر أنه لا يكفي المرء أن يكون صالحاً تقياً ورعاً، ولا يغنيه أن يجاهد بماله ونفسه، وإن بلغ الذروة التي ليس فوقها برٌّ، أي أن يقضي شهيداً ويُقتل في سبيل الله… حتى يتخذ لنفسه “إماماً”، يتطلَّع ويتحرَّى، يتفحَّص ويتقصَّى، فيجد بغيته ويقع على ضالته. لا بد أن ينتسب لفرقة أو فئة، ويلحق بحزب أو جماعة، ويحمل هوية ويحكي مدرسة، ويأخذ بحُجزة ويتبع راية. فالإمام والقائد والهادي والمرشد هو أساس كلِّ عقيدة وعمل، ومدار كلِّ توفيق ونجاح، ودونه “وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً”.

    ونحن وإن فرغنا من هذا الأمر وسلكنا سبيل النجاة فيه، وقعنا في معضلة الغيبة، وليس لنا في عصر غيبة الإمام إلا بدائل نتخذها علامات تدلُّنا عليه، وطُرقاً تأخذنا إليه، نرجو أن تكون صحيحة وصادقة، ونحرص ألا تكون مخطئة أو كاذبة، فنطلب الأعلم والأعدل والأجمع للشرائط، الذي تتم به الحُجَّة وتتحقَّق وصية الغائب العزيز. والشيعة عند بداية الغيبة اتبعوا إمامهم عبر السفراء الأربعة، وما زالوا منذ انقضاء عهد السفارة، يمضون على بيِّنة ويتبعون الحوزة والمرجعية نظاماً يمثِّل ـ في مجموعه ـ النيابة العامة عن إمامهم، يعالجون من خلاله البلاء الذي نزل بهم، ويداوون جرح فقْد وليهم. وما انفكت، في عرض هذه المسيرة الممتدة، دعواتٌ تقوم وحركاتٌ تظهر، تريد أن تصادر موقع الحوزة وتسقط المرجعية، وتلتف على الأصالة والموروث المقدَّس الذي تحمله، وتجشمت كل العناء وقاست أشد الصعاب لحفظه، تتداوله وتتعاهده جيلاً بعد جيل، وتتناقله وتتوارثه كابراً عن كابر. وقد انتشرت هذه الحركات المريبة والدعوات الباطلة في زماننا وغلبت، وطغت وامتدت، حتى سرى الشك وبلغ التشكيك وعمَّ أكثر الساحات وأوسع النطاقات، وصار حمَلة الحقِّ (في النخب العاملة في ميدان التبليغ والإرشاد الديني) قلَّة، وإن كانت الأكثرية الساحقة والأغلبية الكاسحة من الأمة المؤمنة، ما تزال على الأصالة والتمسك والعمل بالموروث التقليدي.

    والمعضلة الأخرى التي يعيشها الناس مع “الإمام” والآية الكريمة، أنَّ الأمر هناك، في القيامة والمعاد، حيث يُحشر المرء ويُنادى بإمامه، لا يمضي بالادعاء وينجَز بالدجل، ولا يتم بالحيلة وينقضي بالتدليس، ولا ينطلي بالالتواء والافتراء، مما يفعلون هنا في الدنيا، فهذا يوم تبلى السرائر، وتنجلي الحقائق وتشهد على الإنسان جوارحه ووجدانه، فهو على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره. ولو جُلت على الساحة وألقيت السمع وأرسلت النظر، لرأيت المؤمنين، بعد الناس، في أرجائها أهواءً ومشارب، وأسراباً ومسالك، كلُّ حزب بما لديهم فرحون، وكلُّ جماعة تدَّعي أنَّ الحق فيها، وغيرها في الخرافة والقعود، أو الجهل والرجعية، أو في الخيانة والعمالة!

    كنت في حيرة من أمري، بماذا عساني أن أمدح الراحل العزيز السيد جعفر مرتضى فأوفيه بعض حقه، وفي الأقل الأدنى لا أبخسه شيئاً من فضله؟ فبعض الإطراء انتقاص! كثيرة هي المزايا والسجايا في هذا السيد الجليل، ومتنوعة الخصال والفعال في هذه القامة الشامخة، ومشهودة المكارم والفضائل في هذا الطود الأشم… ولكني لمَّا راقبت مشاهد التشييع، ولاحقت بيانات التأبين، بما حقَّق الفرز وأمعن في التموضع ورسم الخطوط وشكَّل الصفوف، انكشفت لي المحمَدة الحقَّة، وظهرت الفضيلة الكامنة والشيمة الأهم والأخطر! ورحت في مقارنة بينه، وهو في ساحته قطب الولاء، وبين الهالك محمد حسين فضل الله، قطب النصب ومظهره المندس في الصف الشيعي (ولا يحسبن غافل أن رميه بالنصب إغراق وإجحاف، فهناك من الأدلة والشواهد ما يحمل على الجزم بأن الرجل ممن يحسدون آل محمد على ما آتاهم الله من فضله، وأنه كافح ما تمكَّن لجحد فضائلهم ونافح ما استطاع لصرفها عنهم. وتكفيك مراجعة كتاب العلامة السيد علي أبوالحسن “سبعون آية في آل محمد” رصدها في فضائل علي وآله، صرفها فضل الله في تفسيره “من وحي القرآن” إلى غيرهم، أو تجاوز مواضعها وأهملها! على الرغم من اعتراف المخالفين وإذعانهم بها، فماذا يعني النصب غير هذا؟!)…

    لقد رأيت أنَّ أعظم ما في السيد جعفر هو انتماؤه، والراية التي عمل تحتها، والإمام الذي أبى أن يستبدل به سواه، كما فعل ويفعل غيره! ولا سيما أن الدنيا أقبلت إلى السيد جعفر مرتضى ودنت منه الزعامة حتى وقفت على أعتابه، وما زالت تطرق بابه وتستأذنه الدخول لتسلم له العنان وتلقي بين يديه القياد، فحزب الله الذي كان وما زال يعاني معضلة “الشخصية العلمائية”، ويشكو افتقاد “الرمز الديني الوطني”، ما كان ليجد بين المؤمنين به وبالجمهورية الإسلامية، مَن يداني السيد جعفر علماً أو ينافسه فضلاً، أو يقرب منه تقوى ونزاهة وإخلاصاً، وكذا الحال في غزارة الإنتاج ووفرة العطاء، وحتى في الصلات والعلاقات التي تربطه بعِلية القوم في قم وطهران…

    لكنه رضوان الله عليه لم ينزل على الشروط، ولم يبع دينه ويفرِّط بقناعاته لمال وزعامة وشهرة، وآثر الإنزواء، الذي ما زال يزري به حتى عزله عن مجرَّد الاستئناس برأيه والتماس مشورته في صميم تخصصه (القضايا التاريخية)، ناهيك بالسياسة والشؤون العامة! وقُدِّم عليه جلف أهوج معقَّد، يقلب الإمامية زيدية، يمسخ المفاهيم ويقلبها حتى توافق مقولات الثورة والقيام، وينسف التراث بأداء يهتك العلم، ويشكِّل جريمة بحق جهود السلف من العلماء، وكارثة على الأمة على جميع الأبعاد.

    لم يتخذ السيد جعفر إماماً غير أميرالمؤمنين وأولاده المعصومين، ولا ارتضى غير المرتضى، لم يضارع في قضية الزهراء عليها السلام ولم يصانع، ولم تغلبه المطامع، لا داهن ولا جامل، وجاهد بشجاعة وقاوم ببسالة قلَّ لها النظير، وصمد أمام الضغوط التي أطبقت عليه واعتصرته، ليوقف كتاباته وإصداراته في الدفاع عن الزهراء عليها السلام (وبعضها جاء من القيادة الإيرانية مباشرة!)، وامتدت الشيطنات حتى هلك الضال المضل، فأرادت الضغوط أن تحمله على المشاركة في تشييعه، فأبى، ثم في الأقل الأدنى، تقديم العزاء لبنيه وأهله، لكنه وتد في الأرض قدمه، ونظر أقصى المشهد، فلاحت له صوَر خيانة الدين، وظهرت له ملامح إضلال المؤمنين، فأبى ورفض… مضى في طريقه، وقال كلمة الحق بحكمة جنَّبته المعارضة وخلْق المشاكل والصعاب للمتصدين للشأن العام، وأبقى على الحدود التي تحفظ البيت الشيعي، بأداء لا يخالف التقية وطريقة لا تجانب الفطنة والكياسة، كما كان يرى ويتصوَّر رضوان الله عليه.

    وكانت النتيجة المباركة لهذا الترفع والنزاهة، استقلالية نأت به عن التلوث بأية هوية غير الحوزوية العلمائية، والسلامة من تبعات الحزبية وويلاتها التي حطَّمت أتباعها وأهلكتهم وهم لا يشعرون، وها نحن نراهم مجرد آلات وأبواق أو حناجر في فرقة يشير إليهم “المايسترو” بعصاه، وأحياناً بإصبعه فقط، فيرددون ويعزفون، ويرفع هامان الصرح لفرعون، وتحمل عصبة المطبلين مفاتيح قارون…

    ثم توِّجت رعاية الحق له في خاتمته وجنازته… وظهرت “يوم ندعو كل أُناس بإمامهم” في الجنازة، ودعي بها سيد جعفر مرتضى قبل البرزخ والقيامة ويوم الدين! يا لهذا الطهر والنقاء، والإخلاص والصفاء، والانقطاع عن الدنيا، والعلامة في السعداء… دعي الرجل، في آخر محطات حياته، بهويته، وعاش لغة الآخرة من فوره، وارتحل بين يدي نهجه وانتسابه من ساعته: الإيمان، الحوزة، الروحانية…

    كثيرون تجتذبهم الأضواء، وتسرقهم الماديات، فينسلخون عن هويتهم ويخرجون من ثوبهم، سواء في المعاش أو الاخطر وهو الفكر والنهج، فترى عمامة غارقة في المذهب المادي والمنهج الحسي، لا تعرف الغيب في سلوكها وأطروحاتها، ولا ترى بصيصَ معنويات في خطابها، يريد أن يصيب الدين بعقله، ويقدِّمه بعليل فهمه… أمام هؤلاء تظهر قيمة السيد جعفر الذي بقي روحانياً، علمياً، ملتزماً متعبداً، فانعكس ذلك على جنازته،

    جنازة حددت هوية الميت ورسمت نهجاً عاشه حياته.

    حُمل بالتهليل والتكبير، واسم الزهراء يخفق على رؤوس المشيعين… لا إطلاق رصاص، ولا موسيقى جنائزية، ولا فرق كشافة الرسالة ولا المهدي، لا وزراء ولا نواب ولا أحزاب، لا ضباط وعسكريين، ولا ممثلين عن الرؤساء الثلاثة، لا قساوسة تبعت الجنازة ولا صلبان تدلَّت على الصدور خلفها، لا شيوخ عقل ولا عمائم إفتاء، لا قلانس ولا طرابيش، لا أجراساً قرعت ولا صفارات إنذار دوَّت!

    خيراً فعل حزب الله حين دسَّ في الفيلم التعريفي بالسيد جعفر مشهداً للضال المضل فضل الله، فهذا التطاول والتجاسر هو من أهم ما يفصل الرجل عن الانتساب للحزب، وشكراً للسيد القائد، حين لم يجد ما يمتدح به السيد جعفر من أعمال وإنجازات وإصدارات وكتب دافع فيها عن الحق، تربط على قلوب أيتام آل محمد، إلا أن يثني على جودة أسلوبه وقوة قلمه! ثم فقد كل كفؤ جدير فانتدب ناصر الضلال الأول في حاشيته، والغاوي الأكبر في بطانته، محمد علي التسخيري، لينهض بحفل تأبينه! فلم يأب هذا المنحرف الخرف التصريح بأنه لا يجد نفسه يحظى بشرف التناسب والتعزية “لكنه أمر سيدي ومولاي القائد الإمام علي الخامنئي”..

    هذه الضربات المتلاحقة، تحكي أحقاداً بدرية وحُنينية نعرفها، سبق أن أضمرها القوم له من قبل، وها هو العقاب يلحق السيد في موته وجنازته! وهذا من عظيم غفلتهم وتمام جهلهم، ولو انكشف لهم وعلموا، لظهر أنهم يتوِّجون السيد بأعظم تحفة، ويزفونه لآخرته بأجمل حلَّة: اللحاق بنهجه وخطِّه، وإمامهم غير إمامه! إنها جنازة فرزت الجبهات، ومنعت تداخل الصفوف واختلاط الأصوات، وهذا أعظم ما يفيد السيد جعفر في قبره وأُخراه، بل هو وسام يعلَّق على نعشه، وإن خالها بعضهم سهاماً يُرشق بها وطعوناً تنال من مقامه.

    كنت أرصد تشييع الجنازة وأتابع مراحلها من بيروت إلى عيتا، وقد رفع أذان المغرب في الكويت، فرغت من صلاتي، فأخرجت صدقة عن روحه، وأديت صلاة الوحشة عنه، وكنت كئيباً، لا أدري أمن فقده؟ أم لبخسه حقِّه وعدم معرفة الأمة بقدره؟… فتداعى أمامي الحديث الشريف، والراوي يسأل الإمام: كيف أصنع بهذه الشيعة المختلفة الذين يقولون إنهم يتشيعون؟ فقال: فيهم التمييز وفيهم التمحيص، وفيهم التبديل.. إلى أن يقول: جعلت فداك فأين أطلب هؤلاء الموصوفين بهذه الصفة؟ فقال: اطلبهم في أطراف الأرض، أولئك الخشن عيشهم، المنتقلة دارهم، الذين إن شهدوا لم يُعرَفوا، وإن غابوا لم يُفتقدوا، وإن مرضوا لم يُعادوا، وإن خطبوا لم يُزوَّجوا، وإن ماتوا لم يُشهدوا، أولئك الذين في أموالهم يتواسون، وإن رأوا مؤمناً أكرموه، وإن رأوا منافقاً هجروه، وعند الموت لا يجزعون، وفي قبورهم يتزاورون.

    إلى روحه الطاهرة، رحم الله من قرأ الفاتحة مع الصلوات.

  • من وحي حديثٍ صدحت به الروح وشدَتْ، شكوى حملها مُضنىً، ونجوى بثَّها عارف… استلهم. يقول: قيثارتي مُلئت بأنَّات الجوى، لا بدَّ للمكبوت من فيضان. صَعدتْ إلى شفتي بلابلُ مهجتي، ليبين عنها منطقي ولساني. أنا ما تعديتُ القناعةَ والرِّضا، لكنما هي قصة الأشجان. أشكو وفي فميَ التراب وإنما، أشكو مُصاب الدِّين للديَّان… فيأتيه جواب شكواه: كلامُ الرُّوح للأرواح يسري، وتُدركه القلوبُ بلا عناءِ. هتفتُ به فطار بلا جناحٍ، وشقَّ أنينُه صدرَ الفضاء. ومعدنه ترابيٌّ ولكن، جرت في لفظه لغةُ السماءِ. لقد فاضت دموعُ العشقِ منِّي، حديثاً كان عُلويَّ النِّداءِ. فحلَّق في رُبى الأفلاك حتَّى، أهاجَ العالمَ الأعلى بُكائي. تحاورت النجومُ وقلن صوتٌ، بقرب العرش موصولُ الدعاء. وجاوبت المجرَّةُ علَّ طيفاً، سرى بين الكواكب في خفاءِ. وقال البدرُ هذا قلب شاكٍ، يواصل شدوَه عند المساء. ولم يعرف سوى رضوان صوتي، وما أحراهُ عندي بالوفاء!

    من رائعة إقبال اللاهوري هذه اقتبس العنوان والفحوى، دون النظم والبيان، فهو لا يحسن الشعر وإن أحبَّه وتذوَّقه. كما أنه خالف إقبالاً في نحو الإرسال، فلم يبثها الله تعالى مباشرة، بل قصد باباً واتخذ وسيلة، ولم يبعثها طائشة ويرسلها هائمة، حتى تسمعها الملائك، وتعلم بها النجوم والكواكب، بل سطرها بمداد وحبسها في صحيفة، رقَشها ونمنمها ووشَّها، ثم ضمَّها إلى بعضها وطواها كلفيفة دفينة، ووديعة ثمينة، ناولها ضريح سيد الشهداء، مخدومه الأول وشفيعه المؤمل…

    فاض الخاطر وسنح الخيال، فكتب بيراع رشيق وخط أنيق:

    سيدي، عبدك القِن، ومملوكك المحض، المقرُّ بالرقِّ والتارك للخلاف عليك، الموالي لوليك والمعادي لعدوك، ضاقت به الحيلة وانقطعت الوسيلة، فخطَّ ما يرجو به الفوز والأمان، راجياً هِبة تخلعها أو صدَقة تجريها على متسوِّل، مدَّ يد الاستعطاء ولوى عنق الاستجداء ببابك، ومرَّغ وجه الخضوع وأرخى دموع العشق على أعتابك، يريد علامة يعرف بها رضاكم! فليتك تحلو والحياة مريرة، وليتك ترضى والأنام غضابُ. وليت الذي بيني وبينك عامر، وبيني وبين العالمين خرابُ. إذا صحَّ منك الودُّ فالكلُّ هين، وكلُّ الذي فوق التراب ترابُ.

    مولاي! لست أحمل متاعاً لآخرتي، ولا أملك بضاعة أمهِّد بها قبري لرقدتي، ولا تحفة أفرش بها لحدي لضجعتي. أفنيت بالتسويف والآمال عمري، وضيَّعت بالأماني والأحلام حياتي… لم أحصِّل علماً يبلغ الكفاية، ولا أجدت وأتقنت عملاً وأخلصت فيه الغاية. وها أنا أطوي كهولتي وأُثقل الخطى نحو شيخوختي، أجرُّ أقداماً لا تطاوعني، وأرعى بدناً ما زالت أوجاعه تغالبني، فلا أفرغ من علَّة حتى تنتابني أُخرى، ولا أُداوي طرفاً حتى يشكو طرف، ولا أُعلل عضواً إلا ويعطب آخر. أخشى أن انتقل خالي الوفاض، وانقلب صفر اليدين، أقلِّب كفيَّ بحسرة، وتغلبني عيناي بعبرة…

    بلى، يقولون أنني بالغت في التولِّي لكم وأغرقت في التبرِّي من عدوِّكم! حتى أسرفت، فلم أقف عند التبري من أعدائكم فحسب، ووِردي الدائم لعنهم، أختم ألف مربَّعة فأُلحقها بأُخرى، أنذرها لحاجاتي، وأعيش بها حياتي، أحسبها كفارة لذنوبي، وممحاة لآثامي ومجنَّة تدرأ عني وواقية تحميني… بل أنا أتبرأ من“شيعة” ينتسبون إليكم ويزعمون موالاتكم، إن هم انتقصوا ذرة من حقِّكم!

    سيدي! لقد عشت حياتي كلها، مذ وعيت، لم أُجالس لكم عائباً ولم أمدح قالياً، لا وصلت قاطعاً ولا واليت لكم عدواً. لقد قضيتها محارباً كل مَن نال من مقاماتكم بحرف من كلمة، معادياً كل مَن أزاحكم عن مراتبكم وإن بمقدار أنملة، مقاطعاً كل مَن مَسَّ شعرة من ولايتكم المطلقة، مخاصماً كل من شكَّك في مصائبكم الفادحة وخطوبكم الجليلة. ما زلت في صراع وعراك مع مَن يلتمس الأعذار لأعدائكم ومناوئيكم، ومشاحنة وصدام مع كلِّ مَن ينتقص من فضائلكم وينفي كراماتكم ويجحد معاجزكم، وفي حزازة وضغينة ونزاع لا ينتهي مع الحداثويين الذين يناهضون الثلاثي المقدس في دينكم: آثاركم وتراثكم، ثم الحوزة العلمية والمرجعية، فالشعائر الحسينية…

    سيدي، ما أبقى لي هذا النهج من صديق ولا ترك لي من رفيق! رثَّت حبال المودَّة بيني وبين كثيرين وانفصمت عراها، وَهت قواعد المحبة بيننا وتقوَّضت دعائمها، شنأني الناس وتجهموني، كرهوني وأبغضوني، مقتوني ونبذوني، فبتُّ وحيداً لا أُخالط الناس، منعزلاً لا أجالسهم… بارت تجارتي، وكسدت بضاعتي، وهجرني رفقتي، من فرط ما اختلق المضلون الأكاذيب بحقِّي، ونسجوا الأباطيل عنِّي، وحاكوا المؤامرات عليَّ، ودبَّروا المكائد لي، حتى بلغوا مبلغهم في الهتك والتسقيط، والتشويه والتقبيح، والبهت والافتراء… ولكني ما وهنت ولا ضعفت، بل ما اكترثت لهم ولا اعتنيت بهم، فلا شكوت ولا تبرَّمت، ولا  لمت ولا عذلت، أغفلتهم وأهملتهم حتى كأن لا خطر لهم، تجاهلتهم فما كأنهم حضور، انصرفت لشأني وتشاغلت بعملي، وهو تعريتهم ومكافحتهم…

    أما قرابتي من صحب وأهل، فتدثروا بأردية الحكمة وعلوا منابر الوعظ وادعوا النُهى والحِجى، ولبسوا أقنعة النصح والإرشاد وتسنموا مواقع الحرص والإشفاق، وراحوا يذكِّرونني بالتقية ويكررون عليَّ فوائد المداراة، وأنا أعلم باليقين أنهم بين رعديد خرِع، ومنخوب ضرع، قصِفٌ قصِم، أجبن (كما يقال) من حجَل، لا يطيق حرباً وبرازاً ولا يتحمل شدَّة وعراكاً، فيداري جبنه بإسداء النصيحة، ويختبئ وراء الاعتدال والوقار، فأُصنَّف ـ من تلقاء هذا وذاك ـ في الحِدَّة وأُلحق بالتطرُّف والشدَّة، بل والغلظة، وكل ما فعلت أنني عملت بقوله تعالى: “إذا سمعتم آيات الله يُكفر بها ويُستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً”… يدعوني هذا إلى الحصافة ويريد الخوَر والخنوع، ويطالبني ذاك بحسن الخلق والمجاملة ويريد الدجل والنفاق، ويأمرني ثالث بالهوادة ويقصد المداهنة والضراعة. في النهاية والغاية عليَّ أن أسكت وأتتعتع أمام الضلال، وأن أخرس وأبكُم عن الباطل، كما يفعلون، وأن أبحث عن دنياي في ثنايا ديني، وأُؤمن مصالحي  في مطاوي معتقدي. وبين يدي أمر إلهي يقودني ونصٌّ علوي يسوقني، وإرشاد من الغيب يحدوني وهو يشيِّع أبا ذر إلى الربذة: “يا أبا ذر، إنك غضبت لله فارج من غضبت له. إن القوم خافوك على دنياهم، وخفتهم على دينك، فاترك في أيديهم ما خافوك عليه، واهرب منهم بما خفتهم عليه. فما أحوجهم إلى ما منعتهم، وما أغناك عما منعوك. وستعلم من الرابح غداً، والأكثر حُسَّداً. ولو أن السماوات والأرضين كانتا على عبد رتقاً ثم اتقى الله لجعل الله له منهما مخرجاً، ولا يؤنسنك إلا الحق، ولا يوحشنك إلا الباطل. فلو قبلت دنياهم لأحبُّوك، ولو قرضت منها لأمنوك”. إن كعب أحبار زماننا، يظهر اليوم في نهج التغريب والحداثوية والعصرنة، فلا أطيق صبراً، وتيار الضلال ومساعي الإضلال تنتحل الحركية والجهاد والإصلاح والحرص على صورة الدين والمذهب… وأنا أعرفهم دجالون مدَّعون، وأبصر بهم خراصون أفاكون، فلا أملك صبراً دون فضحهم وقتالهم.

    وقد ختم رسالته وأنهى عريضته بـ: “ولن أبرح يا سيدي حتى أحظى بالجواب، وأعود منك بتحفة تسكِّن خاطري وتبرد لوعتي وتشفي غليلي، أخرج بها من غربتي وآنس بها وحشتي”!.. لكنه استسلم لقدره، وهو يرى أن لا معجزة ظهرت ولا كرامة انبلجت، فعاد كسير القلب، يلملم جراحه، ويجمع شتات نفسه، يصبها في فكرة جديدة ينطلق منها في الدفاع عن الحق، وخطَّة يقطع بها طريق الزيغ والإغواء… علَّه ينقذ بعض المستضعفين الأيتام، تلبسه واقية تكفيه ما ينتظره من ضغطة القبر حتى نهاية الصراط.

    لما عاد من سفره وبلغ وطنه، تفقد متاعه، فإذا الرسالة في رحله! خولط الرجل وحسب أنه نسي إلقاءها في الضريح، ثم عاد وتذكر جيداً أنه فعل!… نشرها ليعيد قراءتها، وإذا في نهايتها، بغير خطِّه:

    “نصرتنا فنصرناك”!

    والمستقبل عندهم ماضٍ لليقين من تحققه، وانعدام الريب في وقوعه.

  • ترى لماذا اتخذ السيد حسن نصرالله موقفاً معارضاً للانتفاضة الشعبية في لبنان؟! لماذا اصطفَّ مع السلطة الجائرة الفاسدة ضد الشعب المحقِّ المظلوم؟! وهل كان ذلك من الحكمة والكياسة في شيء، أم هو مما اضطر إليه وأُكره عليه؟!

    سواء كان هذا الحراك الشعبي عفوياً بريئاً ومخلصاً نزيهاً، يحكي آلام الناس ويعكس تطلعاتها وآمالها، أم كان شيطانياً خبيثاً ملوثاً مريباً، دبَّرته أمريكا بلَيْل، والموساد في وضح النهار، ثورة تريد في الأرض الفساد، وتستبطن الشرَّ بالعباد والبلاد… على جميع هذه الاحتمالات، فإنَّ تموضع السيد والحزب ضد مطالب شعبية محقَّة، وأهداف إنسانية نبيلة، ونهج سلمي مشهود، هو خطأ فادح ووصمة في تاريخ الحزب ستترتب عليه نتائج كارثية. لا أحد يدعي أن السيد خسر بذلك تمام شعبيته وضيَّع كلَّ زعامته، لكنه فقد ولا شك الكثير منها، كما فقد صوابه وأضاع رشده في اصطفافه مع السلطة ضد الشعب! وهي خطوة تأتي في سياق سلسلة خطوات ومطبات ما زال يعثر فيها ويقع، فيقوم جريحاً يتوكأ، فلا يلبث أن يكب على وجهه في التالية، وهكذا حتى جاءت هذه القاصمة القاتلة….

    يشهد الله أنني رأيت هذا النعش يُصنع، وتراءت لي الضربة الأولى من المعول الذي حفر هذا القبر، مع البيان المشؤوم الذي تحدَّى الزهراء عليها السلام وهو يأبِّن الضال المضل محمد حسين فضل الله… وقد تطلَّعت حينها بسذاجة، وعزمت أن أوصل رأيي وأُبلغه القوم، محذراً وناصحاً مشفقاً، بأنكم تحفرون قبوركم وتدقون المسامير في نعوشكم، فهذا حق حقيق، كما في النبوي الشريف، ما عاداه بيت إلا خرب، ولا عاواه كلب إلا جرب، ومن لم يصدق فليجرِّب! عقوبة عاجلة في الدنيا لمن حصَّنته العقيدة ومنعه الإيمان من العقاب الأُخروي، فنبَّهني عقلاء وأرشدني عرفاء بترك الأمر، فلا أُذن هنا تسمع، ناهيك بأن تصغي وتقنع، ولا عقل يعي، ولا صواب ورشد يهدي… فعن أميرالمؤمنين عليه السلام: “ينبغي للعاقل أن يحترس من سُكر المال، وسُكر القدرة، وسُكر العلم، وسُكر المدح، وسُكر الشباب، فإن لكلِّ ذلك رياحاً خبيثة تسلب العقل، وتستخف الوقار”، والقوم تلفهم سموم تلك الهبوب بنتنِها، وتزكم الأُنوف من حولهم بزنخها، اللهم إلا العلم، فلا نصيب لهم فيه!

    وتوالت بعد ذلك ضربات معاول حفر القبور، وتعاقب رصُّ الألواح وطرقات المسامير لإكمال التوابيت وبناء النعوش، عبر تعس وشقاء بمحاربة الشعائر الحسينية والاستخفاف بها، وضلال عقائدي من المغالاة بالقيادة والذهاب بها عريضة، وملَكيَّة أكثر من الملِك، فالخامنئي نفسه يقول إنني لأضطرب وأرتجف من هذه الإطلاقات، ونصرالله يُكابر ويصر على تشبيهه بعلي ومقارنته بالحسين عليهما السلام!… وما هذه وتلك إلا مظاهر تعكس الخروج من الرعاية الإلهية، وتحكي فقد العناية الربانية، وتعني إيكال الله المرء إلى نفسه، وانقطاع المدد عنه، فلا هدي ولا تسديد من بعد…

    وها هي الصورة تتَّضح، والاستدراج الإلهي يكتمل ويتبلور. وإلا كيف لسياسي محنَّك، وخبير مجرَّب، أن يقع في هذا الخطأ القاتل، فيصطف ضد شعبه، ويتنكَّر لأبسط مبادئه، المتمثلة في نصرة المستضعفين والدفاع عن المظلومين، ويتموضع في جبهة المستكبرين والفاسدين والسارقين؟! ويقدم على خطوة، تمثل انتحاراً سياسياً بجميع المقاييس؟ كيف لابن فلاح بسيط، لا بيك رأسمالي ولا أمير إقطاعي، لم يثرِ من أموال الدولة، ولا وظَّف قوَّته وسلاحه وسلطته في بناء امبراطورية مالية… أن يتردَّى وعيُه وتتخلَّف تحليلاته وتخفى عليه الحقائق، حتى يعجز عن قراءة الواقع الذي أدركه أقرانه فالتزموا الصمت، ورأوا أن يتجاهلوا أصل الموضوع ولب القضية، بينما خرج هو ليصرح ويتحدَّى الإرادة الشعبية العارمة (موجَّهة كانت أم عفوية) ببقاء الحكومة واستمرار العهد على رغم حراكها ونضالها، الذي رماه بالذهاب هباءً وبتضييع الوقت وإهدار الجهد؟!

    كم هو محرج أن يخرج الحزب من هويته ويتنكر لمنطلقه. ومهما اتقن المطبِّلون التبرير، وأجاد الأُجراء الدفاع والتصوير، وعمد المستأكلون للتفسير والتأويل، فالحقيقة أن حزب الله اصطف إلى جانب الأثرياء والقوارين، ودافع عن الطغاة والمستكبرين، وتخلى عن الفقراء والمستضعفين!.. وخذلهم عندالوثبة!

    بعيداً عن الشماتة والتوبيخ، والمحاججة والتبكيت، وإنصافاً وعدلاً لا ينبغي الخروج منه، وموعظة ودرساً يجب الاستلهام منه.. كان يمكن لحزب الله أن يستغل الحدث ويركب الموجة ويكون الذراع العسكرية والأمنية للثورة، فيفرض إرادة الشعب بالقوة، يجمع الفاسدين في “ريتز” بيروت، أو السمرلاند (فيستعيد ذكريات نشاطه الأصلي!)، ويجبرهم على تسليم أموالهم، فيصادرها لصالح الشعب والدولة. بل يقوم بوضع دستور جديد، لبناء دولة حديثة عصرية، تتجاوز الطائفية وترسم نموذجاً في النزاهة والعدالة والمساواة والحرية، يُحترم فيها الشعب وتُصان كرامته وتُستوفى حقوقه، وعندها يسحب البساط من تحت أقدام المتآمرين أو المستغلين (إن وجدوا)، ويسجِّل إنجازاً يزهو به كل شيعي ما دامت الدنيا ودام لبنان… لكنه لم يفعل، لأنه فقد الروح الثورية، وما عاد يملك قراره، فقد تحوَّل إلى كتيبة عسكرية إيرانية، وها هو يُستخدم عصىً غليظة تلوِّح بها الدولة والنظام، يردع بها الشعب ويُفشل حِراكه ويُبطل آماله وأحلامه.

    وبعد هذا وذاك، وفي عالم الحقائق، فإن الأحداث التي يمرُّ بها الحزب هي ظروف ساقتها الأقدار لتنبيه المغترين به، وإيقاظ النيام المستغفلين المأخوذين ببريقه، تعلن أن لا مقدَّس هنا ولا منزَّه، أنتم لستم أمام إمام، ولا مصحف شريف وقرآن، لا ضريح ولي، ولا قنديل في إفريز مقام… هذا حزب سياسي مثله مثل غيره، تحكمه المصالح لا المبادئ، وتديره المنافع لا القيم، لا يلتزم شرعاً ولا يمتثل خلُقاً، مثله مثل حزب الدعوة وحركة أمل وحزب الفضيلة والإخوان المسلمين وحزب التحرير… لا حين صال وجال كان حزب الله حيدرياً حسينياً، ولا حين أمسك وتخاذل كان يزيدياً أموياً، علينا أن نخضع أداء الحزب في كلِّ حدَث وواقعة لمعطيات الحدث ونتائج الموقف، فيصدر الحكم بالصحة أو السقم، ويندرج الفعل في الصواب أو الشطح… والنتيجة الأهم الأخطر التي نخلص إليها الآن هي أن لا مقدَّس في السياسة، لا ولي ولا قائد، لا دولة ولا حزب، مهما عظم اسمه وزها عنوانه، فانتسب إلى الدين والمذهب، بل لحقه لفظ الجلالة!

    أما عند الموالين وفي قاموسهم فإن الإخفاق الحقيقي كان في اللهو عن تجدد الأحزان في الأربعين، عاشوراء الثانية، وضجة السماوات من عودة قافلة سيد الشهداء من رحلة الأسر والسبي، وفجعة الزهراء من شقِّ القبور ونبشها لدفن الرؤوس وإلحاقها بالأجساد الطاهرة… ولبنان من أقصاه إلى أدناه، من جنوبه إلى بقاعه، مروراً بضاحيته.. في شغل ولهو عن الله والسماء والحق! ولم تقف المأساة وتكتف حتى ألحقت بلاءها بتعطيل قوافل زوَّار حرم السيدة زينب في الشام، وكأن الغرض منها قد استنفذ، وعنوان التعبئة الذي سقط تحت لافتته مئات الشهداء، ما عاد يعنيهم، فقد فرغ من إنجاز المهمة السياسية، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.