• من أكثر ما يشغل المؤمن العامل ويقلقه، يربكه في مسيرته الدينية ويؤرقه، يجعله بين إقدام ينشد الصواب ويرجو السلامة ليغنم وينعم، وإحجام يحذر التيه والضلال، يخشى أن يصرعه ويهلكه، نداء يستصرخه ويدفعه من هنا، وهاتف يزجره ويردعه من هناك… قوله تعالى: “يوم ندعو كلَّ أُناس بإمامهم”، هاجس الفلاح في إصابة تعيين الإمام واختياره، والشقاء عند تضييعه وافتقاده. فالظاهر أنه لا يكفي المرء أن يكون صالحاً تقياً ورعاً، ولا يغنيه أن يجاهد بماله ونفسه، وإن بلغ الذروة التي ليس فوقها برٌّ، أي أن يقضي شهيداً ويُقتل في سبيل الله… حتى يتخذ لنفسه “إماماً”، يتطلَّع ويتحرَّى، يتفحَّص ويتقصَّى، فيجد بغيته ويقع على ضالته. لا بد أن ينتسب لفرقة أو فئة، ويلحق بحزب أو جماعة، ويحمل هوية ويحكي مدرسة، ويأخذ بحُجزة ويتبع راية. فالإمام والقائد والهادي والمرشد هو أساس كلِّ عقيدة وعمل، ومدار كلِّ توفيق ونجاح، ودونه “وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً”.

    ونحن وإن فرغنا من هذا الأمر وسلكنا سبيل النجاة فيه، وقعنا في معضلة الغيبة، وليس لنا في عصر غيبة الإمام إلا بدائل نتخذها علامات تدلُّنا عليه، وطُرقاً تأخذنا إليه، نرجو أن تكون صحيحة وصادقة، ونحرص ألا تكون مخطئة أو كاذبة، فنطلب الأعلم والأعدل والأجمع للشرائط، الذي تتم به الحُجَّة وتتحقَّق وصية الغائب العزيز. والشيعة عند بداية الغيبة اتبعوا إمامهم عبر السفراء الأربعة، وما زالوا منذ انقضاء عهد السفارة، يمضون على بيِّنة ويتبعون الحوزة والمرجعية نظاماً يمثِّل ـ في مجموعه ـ النيابة العامة عن إمامهم، يعالجون من خلاله البلاء الذي نزل بهم، ويداوون جرح فقْد وليهم. وما انفكت، في عرض هذه المسيرة الممتدة، دعواتٌ تقوم وحركاتٌ تظهر، تريد أن تصادر موقع الحوزة وتسقط المرجعية، وتلتف على الأصالة والموروث المقدَّس الذي تحمله، وتجشمت كل العناء وقاست أشد الصعاب لحفظه، تتداوله وتتعاهده جيلاً بعد جيل، وتتناقله وتتوارثه كابراً عن كابر. وقد انتشرت هذه الحركات المريبة والدعوات الباطلة في زماننا وغلبت، وطغت وامتدت، حتى سرى الشك وبلغ التشكيك وعمَّ أكثر الساحات وأوسع النطاقات، وصار حمَلة الحقِّ (في النخب العاملة في ميدان التبليغ والإرشاد الديني) قلَّة، وإن كانت الأكثرية الساحقة والأغلبية الكاسحة من الأمة المؤمنة، ما تزال على الأصالة والتمسك والعمل بالموروث التقليدي.

    والمعضلة الأخرى التي يعيشها الناس مع “الإمام” والآية الكريمة، أنَّ الأمر هناك، في القيامة والمعاد، حيث يُحشر المرء ويُنادى بإمامه، لا يمضي بالادعاء وينجَز بالدجل، ولا يتم بالحيلة وينقضي بالتدليس، ولا ينطلي بالالتواء والافتراء، مما يفعلون هنا في الدنيا، فهذا يوم تبلى السرائر، وتنجلي الحقائق وتشهد على الإنسان جوارحه ووجدانه، فهو على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره. ولو جُلت على الساحة وألقيت السمع وأرسلت النظر، لرأيت المؤمنين، بعد الناس، في أرجائها أهواءً ومشارب، وأسراباً ومسالك، كلُّ حزب بما لديهم فرحون، وكلُّ جماعة تدَّعي أنَّ الحق فيها، وغيرها في الخرافة والقعود، أو الجهل والرجعية، أو في الخيانة والعمالة!

    كنت في حيرة من أمري، بماذا عساني أن أمدح الراحل العزيز السيد جعفر مرتضى فأوفيه بعض حقه، وفي الأقل الأدنى لا أبخسه شيئاً من فضله؟ فبعض الإطراء انتقاص! كثيرة هي المزايا والسجايا في هذا السيد الجليل، ومتنوعة الخصال والفعال في هذه القامة الشامخة، ومشهودة المكارم والفضائل في هذا الطود الأشم… ولكني لمَّا راقبت مشاهد التشييع، ولاحقت بيانات التأبين، بما حقَّق الفرز وأمعن في التموضع ورسم الخطوط وشكَّل الصفوف، انكشفت لي المحمَدة الحقَّة، وظهرت الفضيلة الكامنة والشيمة الأهم والأخطر! ورحت في مقارنة بينه، وهو في ساحته قطب الولاء، وبين الهالك محمد حسين فضل الله، قطب النصب ومظهره المندس في الصف الشيعي (ولا يحسبن غافل أن رميه بالنصب إغراق وإجحاف، فهناك من الأدلة والشواهد ما يحمل على الجزم بأن الرجل ممن يحسدون آل محمد على ما آتاهم الله من فضله، وأنه كافح ما تمكَّن لجحد فضائلهم ونافح ما استطاع لصرفها عنهم. وتكفيك مراجعة كتاب العلامة السيد علي أبوالحسن “سبعون آية في آل محمد” رصدها في فضائل علي وآله، صرفها فضل الله في تفسيره “من وحي القرآن” إلى غيرهم، أو تجاوز مواضعها وأهملها! على الرغم من اعتراف المخالفين وإذعانهم بها، فماذا يعني النصب غير هذا؟!)…

    لقد رأيت أنَّ أعظم ما في السيد جعفر هو انتماؤه، والراية التي عمل تحتها، والإمام الذي أبى أن يستبدل به سواه، كما فعل ويفعل غيره! ولا سيما أن الدنيا أقبلت إلى السيد جعفر مرتضى ودنت منه الزعامة حتى وقفت على أعتابه، وما زالت تطرق بابه وتستأذنه الدخول لتسلم له العنان وتلقي بين يديه القياد، فحزب الله الذي كان وما زال يعاني معضلة “الشخصية العلمائية”، ويشكو افتقاد “الرمز الديني الوطني”، ما كان ليجد بين المؤمنين به وبالجمهورية الإسلامية، مَن يداني السيد جعفر علماً أو ينافسه فضلاً، أو يقرب منه تقوى ونزاهة وإخلاصاً، وكذا الحال في غزارة الإنتاج ووفرة العطاء، وحتى في الصلات والعلاقات التي تربطه بعِلية القوم في قم وطهران…

    لكنه رضوان الله عليه لم ينزل على الشروط، ولم يبع دينه ويفرِّط بقناعاته لمال وزعامة وشهرة، وآثر الإنزواء، الذي ما زال يزري به حتى عزله عن مجرَّد الاستئناس برأيه والتماس مشورته في صميم تخصصه (القضايا التاريخية)، ناهيك بالسياسة والشؤون العامة! وقُدِّم عليه جلف أهوج معقَّد، يقلب الإمامية زيدية، يمسخ المفاهيم ويقلبها حتى توافق مقولات الثورة والقيام، وينسف التراث بأداء يهتك العلم، ويشكِّل جريمة بحق جهود السلف من العلماء، وكارثة على الأمة على جميع الأبعاد.

    لم يتخذ السيد جعفر إماماً غير أميرالمؤمنين وأولاده المعصومين، ولا ارتضى غير المرتضى، لم يضارع في قضية الزهراء عليها السلام ولم يصانع، ولم تغلبه المطامع، لا داهن ولا جامل، وجاهد بشجاعة وقاوم ببسالة قلَّ لها النظير، وصمد أمام الضغوط التي أطبقت عليه واعتصرته، ليوقف كتاباته وإصداراته في الدفاع عن الزهراء عليها السلام (وبعضها جاء من القيادة الإيرانية مباشرة!)، وامتدت الشيطنات حتى هلك الضال المضل، فأرادت الضغوط أن تحمله على المشاركة في تشييعه، فأبى، ثم في الأقل الأدنى، تقديم العزاء لبنيه وأهله، لكنه وتد في الأرض قدمه، ونظر أقصى المشهد، فلاحت له صوَر خيانة الدين، وظهرت له ملامح إضلال المؤمنين، فأبى ورفض… مضى في طريقه، وقال كلمة الحق بحكمة جنَّبته المعارضة وخلْق المشاكل والصعاب للمتصدين للشأن العام، وأبقى على الحدود التي تحفظ البيت الشيعي، بأداء لا يخالف التقية وطريقة لا تجانب الفطنة والكياسة، كما كان يرى ويتصوَّر رضوان الله عليه.

    وكانت النتيجة المباركة لهذا الترفع والنزاهة، استقلالية نأت به عن التلوث بأية هوية غير الحوزوية العلمائية، والسلامة من تبعات الحزبية وويلاتها التي حطَّمت أتباعها وأهلكتهم وهم لا يشعرون، وها نحن نراهم مجرد آلات وأبواق أو حناجر في فرقة يشير إليهم “المايسترو” بعصاه، وأحياناً بإصبعه فقط، فيرددون ويعزفون، ويرفع هامان الصرح لفرعون، وتحمل عصبة المطبلين مفاتيح قارون…

    ثم توِّجت رعاية الحق له في خاتمته وجنازته… وظهرت “يوم ندعو كل أُناس بإمامهم” في الجنازة، ودعي بها سيد جعفر مرتضى قبل البرزخ والقيامة ويوم الدين! يا لهذا الطهر والنقاء، والإخلاص والصفاء، والانقطاع عن الدنيا، والعلامة في السعداء… دعي الرجل، في آخر محطات حياته، بهويته، وعاش لغة الآخرة من فوره، وارتحل بين يدي نهجه وانتسابه من ساعته: الإيمان، الحوزة، الروحانية…

    كثيرون تجتذبهم الأضواء، وتسرقهم الماديات، فينسلخون عن هويتهم ويخرجون من ثوبهم، سواء في المعاش أو الاخطر وهو الفكر والنهج، فترى عمامة غارقة في المذهب المادي والمنهج الحسي، لا تعرف الغيب في سلوكها وأطروحاتها، ولا ترى بصيصَ معنويات في خطابها، يريد أن يصيب الدين بعقله، ويقدِّمه بعليل فهمه… أمام هؤلاء تظهر قيمة السيد جعفر الذي بقي روحانياً، علمياً، ملتزماً متعبداً، فانعكس ذلك على جنازته،

    جنازة حددت هوية الميت ورسمت نهجاً عاشه حياته.

    حُمل بالتهليل والتكبير، واسم الزهراء يخفق على رؤوس المشيعين… لا إطلاق رصاص، ولا موسيقى جنائزية، ولا فرق كشافة الرسالة ولا المهدي، لا وزراء ولا نواب ولا أحزاب، لا ضباط وعسكريين، ولا ممثلين عن الرؤساء الثلاثة، لا قساوسة تبعت الجنازة ولا صلبان تدلَّت على الصدور خلفها، لا شيوخ عقل ولا عمائم إفتاء، لا قلانس ولا طرابيش، لا أجراساً قرعت ولا صفارات إنذار دوَّت!

    خيراً فعل حزب الله حين دسَّ في الفيلم التعريفي بالسيد جعفر مشهداً للضال المضل فضل الله، فهذا التطاول والتجاسر هو من أهم ما يفصل الرجل عن الانتساب للحزب، وشكراً للسيد القائد، حين لم يجد ما يمتدح به السيد جعفر من أعمال وإنجازات وإصدارات وكتب دافع فيها عن الحق، تربط على قلوب أيتام آل محمد، إلا أن يثني على جودة أسلوبه وقوة قلمه! ثم فقد كل كفؤ جدير فانتدب ناصر الضلال الأول في حاشيته، والغاوي الأكبر في بطانته، محمد علي التسخيري، لينهض بحفل تأبينه! فلم يأب هذا المنحرف الخرف التصريح بأنه لا يجد نفسه يحظى بشرف التناسب والتعزية “لكنه أمر سيدي ومولاي القائد الإمام علي الخامنئي”..

    هذه الضربات المتلاحقة، تحكي أحقاداً بدرية وحُنينية نعرفها، سبق أن أضمرها القوم له من قبل، وها هو العقاب يلحق السيد في موته وجنازته! وهذا من عظيم غفلتهم وتمام جهلهم، ولو انكشف لهم وعلموا، لظهر أنهم يتوِّجون السيد بأعظم تحفة، ويزفونه لآخرته بأجمل حلَّة: اللحاق بنهجه وخطِّه، وإمامهم غير إمامه! إنها جنازة فرزت الجبهات، ومنعت تداخل الصفوف واختلاط الأصوات، وهذا أعظم ما يفيد السيد جعفر في قبره وأُخراه، بل هو وسام يعلَّق على نعشه، وإن خالها بعضهم سهاماً يُرشق بها وطعوناً تنال من مقامه.

    كنت أرصد تشييع الجنازة وأتابع مراحلها من بيروت إلى عيتا، وقد رفع أذان المغرب في الكويت، فرغت من صلاتي، فأخرجت صدقة عن روحه، وأديت صلاة الوحشة عنه، وكنت كئيباً، لا أدري أمن فقده؟ أم لبخسه حقِّه وعدم معرفة الأمة بقدره؟… فتداعى أمامي الحديث الشريف، والراوي يسأل الإمام: كيف أصنع بهذه الشيعة المختلفة الذين يقولون إنهم يتشيعون؟ فقال: فيهم التمييز وفيهم التمحيص، وفيهم التبديل.. إلى أن يقول: جعلت فداك فأين أطلب هؤلاء الموصوفين بهذه الصفة؟ فقال: اطلبهم في أطراف الأرض، أولئك الخشن عيشهم، المنتقلة دارهم، الذين إن شهدوا لم يُعرَفوا، وإن غابوا لم يُفتقدوا، وإن مرضوا لم يُعادوا، وإن خطبوا لم يُزوَّجوا، وإن ماتوا لم يُشهدوا، أولئك الذين في أموالهم يتواسون، وإن رأوا مؤمناً أكرموه، وإن رأوا منافقاً هجروه، وعند الموت لا يجزعون، وفي قبورهم يتزاورون.

    إلى روحه الطاهرة، رحم الله من قرأ الفاتحة مع الصلوات.

  • من وحي حديثٍ صدحت به الروح وشدَتْ، شكوى حملها مُضنىً، ونجوى بثَّها عارف… استلهم. يقول: قيثارتي مُلئت بأنَّات الجوى، لا بدَّ للمكبوت من فيضان. صَعدتْ إلى شفتي بلابلُ مهجتي، ليبين عنها منطقي ولساني. أنا ما تعديتُ القناعةَ والرِّضا، لكنما هي قصة الأشجان. أشكو وفي فميَ التراب وإنما، أشكو مُصاب الدِّين للديَّان… فيأتيه جواب شكواه: كلامُ الرُّوح للأرواح يسري، وتُدركه القلوبُ بلا عناءِ. هتفتُ به فطار بلا جناحٍ، وشقَّ أنينُه صدرَ الفضاء. ومعدنه ترابيٌّ ولكن، جرت في لفظه لغةُ السماءِ. لقد فاضت دموعُ العشقِ منِّي، حديثاً كان عُلويَّ النِّداءِ. فحلَّق في رُبى الأفلاك حتَّى، أهاجَ العالمَ الأعلى بُكائي. تحاورت النجومُ وقلن صوتٌ، بقرب العرش موصولُ الدعاء. وجاوبت المجرَّةُ علَّ طيفاً، سرى بين الكواكب في خفاءِ. وقال البدرُ هذا قلب شاكٍ، يواصل شدوَه عند المساء. ولم يعرف سوى رضوان صوتي، وما أحراهُ عندي بالوفاء!

    من رائعة إقبال اللاهوري هذه اقتبس العنوان والفحوى، دون النظم والبيان، فهو لا يحسن الشعر وإن أحبَّه وتذوَّقه. كما أنه خالف إقبالاً في نحو الإرسال، فلم يبثها الله تعالى مباشرة، بل قصد باباً واتخذ وسيلة، ولم يبعثها طائشة ويرسلها هائمة، حتى تسمعها الملائك، وتعلم بها النجوم والكواكب، بل سطرها بمداد وحبسها في صحيفة، رقَشها ونمنمها ووشَّها، ثم ضمَّها إلى بعضها وطواها كلفيفة دفينة، ووديعة ثمينة، ناولها ضريح سيد الشهداء، مخدومه الأول وشفيعه المؤمل…

    فاض الخاطر وسنح الخيال، فكتب بيراع رشيق وخط أنيق:

    سيدي، عبدك القِن، ومملوكك المحض، المقرُّ بالرقِّ والتارك للخلاف عليك، الموالي لوليك والمعادي لعدوك، ضاقت به الحيلة وانقطعت الوسيلة، فخطَّ ما يرجو به الفوز والأمان، راجياً هِبة تخلعها أو صدَقة تجريها على متسوِّل، مدَّ يد الاستعطاء ولوى عنق الاستجداء ببابك، ومرَّغ وجه الخضوع وأرخى دموع العشق على أعتابك، يريد علامة يعرف بها رضاكم! فليتك تحلو والحياة مريرة، وليتك ترضى والأنام غضابُ. وليت الذي بيني وبينك عامر، وبيني وبين العالمين خرابُ. إذا صحَّ منك الودُّ فالكلُّ هين، وكلُّ الذي فوق التراب ترابُ.

    مولاي! لست أحمل متاعاً لآخرتي، ولا أملك بضاعة أمهِّد بها قبري لرقدتي، ولا تحفة أفرش بها لحدي لضجعتي. أفنيت بالتسويف والآمال عمري، وضيَّعت بالأماني والأحلام حياتي… لم أحصِّل علماً يبلغ الكفاية، ولا أجدت وأتقنت عملاً وأخلصت فيه الغاية. وها أنا أطوي كهولتي وأُثقل الخطى نحو شيخوختي، أجرُّ أقداماً لا تطاوعني، وأرعى بدناً ما زالت أوجاعه تغالبني، فلا أفرغ من علَّة حتى تنتابني أُخرى، ولا أُداوي طرفاً حتى يشكو طرف، ولا أُعلل عضواً إلا ويعطب آخر. أخشى أن انتقل خالي الوفاض، وانقلب صفر اليدين، أقلِّب كفيَّ بحسرة، وتغلبني عيناي بعبرة…

    بلى، يقولون أنني بالغت في التولِّي لكم وأغرقت في التبرِّي من عدوِّكم! حتى أسرفت، فلم أقف عند التبري من أعدائكم فحسب، ووِردي الدائم لعنهم، أختم ألف مربَّعة فأُلحقها بأُخرى، أنذرها لحاجاتي، وأعيش بها حياتي، أحسبها كفارة لذنوبي، وممحاة لآثامي ومجنَّة تدرأ عني وواقية تحميني… بل أنا أتبرأ من“شيعة” ينتسبون إليكم ويزعمون موالاتكم، إن هم انتقصوا ذرة من حقِّكم!

    سيدي! لقد عشت حياتي كلها، مذ وعيت، لم أُجالس لكم عائباً ولم أمدح قالياً، لا وصلت قاطعاً ولا واليت لكم عدواً. لقد قضيتها محارباً كل مَن نال من مقاماتكم بحرف من كلمة، معادياً كل مَن أزاحكم عن مراتبكم وإن بمقدار أنملة، مقاطعاً كل مَن مَسَّ شعرة من ولايتكم المطلقة، مخاصماً كل من شكَّك في مصائبكم الفادحة وخطوبكم الجليلة. ما زلت في صراع وعراك مع مَن يلتمس الأعذار لأعدائكم ومناوئيكم، ومشاحنة وصدام مع كلِّ مَن ينتقص من فضائلكم وينفي كراماتكم ويجحد معاجزكم، وفي حزازة وضغينة ونزاع لا ينتهي مع الحداثويين الذين يناهضون الثلاثي المقدس في دينكم: آثاركم وتراثكم، ثم الحوزة العلمية والمرجعية، فالشعائر الحسينية…

    سيدي، ما أبقى لي هذا النهج من صديق ولا ترك لي من رفيق! رثَّت حبال المودَّة بيني وبين كثيرين وانفصمت عراها، وَهت قواعد المحبة بيننا وتقوَّضت دعائمها، شنأني الناس وتجهموني، كرهوني وأبغضوني، مقتوني ونبذوني، فبتُّ وحيداً لا أُخالط الناس، منعزلاً لا أجالسهم… بارت تجارتي، وكسدت بضاعتي، وهجرني رفقتي، من فرط ما اختلق المضلون الأكاذيب بحقِّي، ونسجوا الأباطيل عنِّي، وحاكوا المؤامرات عليَّ، ودبَّروا المكائد لي، حتى بلغوا مبلغهم في الهتك والتسقيط، والتشويه والتقبيح، والبهت والافتراء… ولكني ما وهنت ولا ضعفت، بل ما اكترثت لهم ولا اعتنيت بهم، فلا شكوت ولا تبرَّمت، ولا  لمت ولا عذلت، أغفلتهم وأهملتهم حتى كأن لا خطر لهم، تجاهلتهم فما كأنهم حضور، انصرفت لشأني وتشاغلت بعملي، وهو تعريتهم ومكافحتهم…

    أما قرابتي من صحب وأهل، فتدثروا بأردية الحكمة وعلوا منابر الوعظ وادعوا النُهى والحِجى، ولبسوا أقنعة النصح والإرشاد وتسنموا مواقع الحرص والإشفاق، وراحوا يذكِّرونني بالتقية ويكررون عليَّ فوائد المداراة، وأنا أعلم باليقين أنهم بين رعديد خرِع، ومنخوب ضرع، قصِفٌ قصِم، أجبن (كما يقال) من حجَل، لا يطيق حرباً وبرازاً ولا يتحمل شدَّة وعراكاً، فيداري جبنه بإسداء النصيحة، ويختبئ وراء الاعتدال والوقار، فأُصنَّف ـ من تلقاء هذا وذاك ـ في الحِدَّة وأُلحق بالتطرُّف والشدَّة، بل والغلظة، وكل ما فعلت أنني عملت بقوله تعالى: “إذا سمعتم آيات الله يُكفر بها ويُستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً”… يدعوني هذا إلى الحصافة ويريد الخوَر والخنوع، ويطالبني ذاك بحسن الخلق والمجاملة ويريد الدجل والنفاق، ويأمرني ثالث بالهوادة ويقصد المداهنة والضراعة. في النهاية والغاية عليَّ أن أسكت وأتتعتع أمام الضلال، وأن أخرس وأبكُم عن الباطل، كما يفعلون، وأن أبحث عن دنياي في ثنايا ديني، وأُؤمن مصالحي  في مطاوي معتقدي. وبين يدي أمر إلهي يقودني ونصٌّ علوي يسوقني، وإرشاد من الغيب يحدوني وهو يشيِّع أبا ذر إلى الربذة: “يا أبا ذر، إنك غضبت لله فارج من غضبت له. إن القوم خافوك على دنياهم، وخفتهم على دينك، فاترك في أيديهم ما خافوك عليه، واهرب منهم بما خفتهم عليه. فما أحوجهم إلى ما منعتهم، وما أغناك عما منعوك. وستعلم من الرابح غداً، والأكثر حُسَّداً. ولو أن السماوات والأرضين كانتا على عبد رتقاً ثم اتقى الله لجعل الله له منهما مخرجاً، ولا يؤنسنك إلا الحق، ولا يوحشنك إلا الباطل. فلو قبلت دنياهم لأحبُّوك، ولو قرضت منها لأمنوك”. إن كعب أحبار زماننا، يظهر اليوم في نهج التغريب والحداثوية والعصرنة، فلا أطيق صبراً، وتيار الضلال ومساعي الإضلال تنتحل الحركية والجهاد والإصلاح والحرص على صورة الدين والمذهب… وأنا أعرفهم دجالون مدَّعون، وأبصر بهم خراصون أفاكون، فلا أملك صبراً دون فضحهم وقتالهم.

    وقد ختم رسالته وأنهى عريضته بـ: “ولن أبرح يا سيدي حتى أحظى بالجواب، وأعود منك بتحفة تسكِّن خاطري وتبرد لوعتي وتشفي غليلي، أخرج بها من غربتي وآنس بها وحشتي”!.. لكنه استسلم لقدره، وهو يرى أن لا معجزة ظهرت ولا كرامة انبلجت، فعاد كسير القلب، يلملم جراحه، ويجمع شتات نفسه، يصبها في فكرة جديدة ينطلق منها في الدفاع عن الحق، وخطَّة يقطع بها طريق الزيغ والإغواء… علَّه ينقذ بعض المستضعفين الأيتام، تلبسه واقية تكفيه ما ينتظره من ضغطة القبر حتى نهاية الصراط.

    لما عاد من سفره وبلغ وطنه، تفقد متاعه، فإذا الرسالة في رحله! خولط الرجل وحسب أنه نسي إلقاءها في الضريح، ثم عاد وتذكر جيداً أنه فعل!… نشرها ليعيد قراءتها، وإذا في نهايتها، بغير خطِّه:

    “نصرتنا فنصرناك”!

    والمستقبل عندهم ماضٍ لليقين من تحققه، وانعدام الريب في وقوعه.

  • ترى لماذا اتخذ السيد حسن نصرالله موقفاً معارضاً للانتفاضة الشعبية في لبنان؟! لماذا اصطفَّ مع السلطة الجائرة الفاسدة ضد الشعب المحقِّ المظلوم؟! وهل كان ذلك من الحكمة والكياسة في شيء، أم هو مما اضطر إليه وأُكره عليه؟!

    سواء كان هذا الحراك الشعبي عفوياً بريئاً ومخلصاً نزيهاً، يحكي آلام الناس ويعكس تطلعاتها وآمالها، أم كان شيطانياً خبيثاً ملوثاً مريباً، دبَّرته أمريكا بلَيْل، والموساد في وضح النهار، ثورة تريد في الأرض الفساد، وتستبطن الشرَّ بالعباد والبلاد… على جميع هذه الاحتمالات، فإنَّ تموضع السيد والحزب ضد مطالب شعبية محقَّة، وأهداف إنسانية نبيلة، ونهج سلمي مشهود، هو خطأ فادح ووصمة في تاريخ الحزب ستترتب عليه نتائج كارثية. لا أحد يدعي أن السيد خسر بذلك تمام شعبيته وضيَّع كلَّ زعامته، لكنه فقد ولا شك الكثير منها، كما فقد صوابه وأضاع رشده في اصطفافه مع السلطة ضد الشعب! وهي خطوة تأتي في سياق سلسلة خطوات ومطبات ما زال يعثر فيها ويقع، فيقوم جريحاً يتوكأ، فلا يلبث أن يكب على وجهه في التالية، وهكذا حتى جاءت هذه القاصمة القاتلة….

    يشهد الله أنني رأيت هذا النعش يُصنع، وتراءت لي الضربة الأولى من المعول الذي حفر هذا القبر، مع البيان المشؤوم الذي تحدَّى الزهراء عليها السلام وهو يأبِّن الضال المضل محمد حسين فضل الله… وقد تطلَّعت حينها بسذاجة، وعزمت أن أوصل رأيي وأُبلغه القوم، محذراً وناصحاً مشفقاً، بأنكم تحفرون قبوركم وتدقون المسامير في نعوشكم، فهذا حق حقيق، كما في النبوي الشريف، ما عاداه بيت إلا خرب، ولا عاواه كلب إلا جرب، ومن لم يصدق فليجرِّب! عقوبة عاجلة في الدنيا لمن حصَّنته العقيدة ومنعه الإيمان من العقاب الأُخروي، فنبَّهني عقلاء وأرشدني عرفاء بترك الأمر، فلا أُذن هنا تسمع، ناهيك بأن تصغي وتقنع، ولا عقل يعي، ولا صواب ورشد يهدي… فعن أميرالمؤمنين عليه السلام: “ينبغي للعاقل أن يحترس من سُكر المال، وسُكر القدرة، وسُكر العلم، وسُكر المدح، وسُكر الشباب، فإن لكلِّ ذلك رياحاً خبيثة تسلب العقل، وتستخف الوقار”، والقوم تلفهم سموم تلك الهبوب بنتنِها، وتزكم الأُنوف من حولهم بزنخها، اللهم إلا العلم، فلا نصيب لهم فيه!

    وتوالت بعد ذلك ضربات معاول حفر القبور، وتعاقب رصُّ الألواح وطرقات المسامير لإكمال التوابيت وبناء النعوش، عبر تعس وشقاء بمحاربة الشعائر الحسينية والاستخفاف بها، وضلال عقائدي من المغالاة بالقيادة والذهاب بها عريضة، وملَكيَّة أكثر من الملِك، فالخامنئي نفسه يقول إنني لأضطرب وأرتجف من هذه الإطلاقات، ونصرالله يُكابر ويصر على تشبيهه بعلي ومقارنته بالحسين عليهما السلام!… وما هذه وتلك إلا مظاهر تعكس الخروج من الرعاية الإلهية، وتحكي فقد العناية الربانية، وتعني إيكال الله المرء إلى نفسه، وانقطاع المدد عنه، فلا هدي ولا تسديد من بعد…

    وها هي الصورة تتَّضح، والاستدراج الإلهي يكتمل ويتبلور. وإلا كيف لسياسي محنَّك، وخبير مجرَّب، أن يقع في هذا الخطأ القاتل، فيصطف ضد شعبه، ويتنكَّر لأبسط مبادئه، المتمثلة في نصرة المستضعفين والدفاع عن المظلومين، ويتموضع في جبهة المستكبرين والفاسدين والسارقين؟! ويقدم على خطوة، تمثل انتحاراً سياسياً بجميع المقاييس؟ كيف لابن فلاح بسيط، لا بيك رأسمالي ولا أمير إقطاعي، لم يثرِ من أموال الدولة، ولا وظَّف قوَّته وسلاحه وسلطته في بناء امبراطورية مالية… أن يتردَّى وعيُه وتتخلَّف تحليلاته وتخفى عليه الحقائق، حتى يعجز عن قراءة الواقع الذي أدركه أقرانه فالتزموا الصمت، ورأوا أن يتجاهلوا أصل الموضوع ولب القضية، بينما خرج هو ليصرح ويتحدَّى الإرادة الشعبية العارمة (موجَّهة كانت أم عفوية) ببقاء الحكومة واستمرار العهد على رغم حراكها ونضالها، الذي رماه بالذهاب هباءً وبتضييع الوقت وإهدار الجهد؟!

    كم هو محرج أن يخرج الحزب من هويته ويتنكر لمنطلقه. ومهما اتقن المطبِّلون التبرير، وأجاد الأُجراء الدفاع والتصوير، وعمد المستأكلون للتفسير والتأويل، فالحقيقة أن حزب الله اصطف إلى جانب الأثرياء والقوارين، ودافع عن الطغاة والمستكبرين، وتخلى عن الفقراء والمستضعفين!.. وخذلهم عندالوثبة!

    بعيداً عن الشماتة والتوبيخ، والمحاججة والتبكيت، وإنصافاً وعدلاً لا ينبغي الخروج منه، وموعظة ودرساً يجب الاستلهام منه.. كان يمكن لحزب الله أن يستغل الحدث ويركب الموجة ويكون الذراع العسكرية والأمنية للثورة، فيفرض إرادة الشعب بالقوة، يجمع الفاسدين في “ريتز” بيروت، أو السمرلاند (فيستعيد ذكريات نشاطه الأصلي!)، ويجبرهم على تسليم أموالهم، فيصادرها لصالح الشعب والدولة. بل يقوم بوضع دستور جديد، لبناء دولة حديثة عصرية، تتجاوز الطائفية وترسم نموذجاً في النزاهة والعدالة والمساواة والحرية، يُحترم فيها الشعب وتُصان كرامته وتُستوفى حقوقه، وعندها يسحب البساط من تحت أقدام المتآمرين أو المستغلين (إن وجدوا)، ويسجِّل إنجازاً يزهو به كل شيعي ما دامت الدنيا ودام لبنان… لكنه لم يفعل، لأنه فقد الروح الثورية، وما عاد يملك قراره، فقد تحوَّل إلى كتيبة عسكرية إيرانية، وها هو يُستخدم عصىً غليظة تلوِّح بها الدولة والنظام، يردع بها الشعب ويُفشل حِراكه ويُبطل آماله وأحلامه.

    وبعد هذا وذاك، وفي عالم الحقائق، فإن الأحداث التي يمرُّ بها الحزب هي ظروف ساقتها الأقدار لتنبيه المغترين به، وإيقاظ النيام المستغفلين المأخوذين ببريقه، تعلن أن لا مقدَّس هنا ولا منزَّه، أنتم لستم أمام إمام، ولا مصحف شريف وقرآن، لا ضريح ولي، ولا قنديل في إفريز مقام… هذا حزب سياسي مثله مثل غيره، تحكمه المصالح لا المبادئ، وتديره المنافع لا القيم، لا يلتزم شرعاً ولا يمتثل خلُقاً، مثله مثل حزب الدعوة وحركة أمل وحزب الفضيلة والإخوان المسلمين وحزب التحرير… لا حين صال وجال كان حزب الله حيدرياً حسينياً، ولا حين أمسك وتخاذل كان يزيدياً أموياً، علينا أن نخضع أداء الحزب في كلِّ حدَث وواقعة لمعطيات الحدث ونتائج الموقف، فيصدر الحكم بالصحة أو السقم، ويندرج الفعل في الصواب أو الشطح… والنتيجة الأهم الأخطر التي نخلص إليها الآن هي أن لا مقدَّس في السياسة، لا ولي ولا قائد، لا دولة ولا حزب، مهما عظم اسمه وزها عنوانه، فانتسب إلى الدين والمذهب، بل لحقه لفظ الجلالة!

    أما عند الموالين وفي قاموسهم فإن الإخفاق الحقيقي كان في اللهو عن تجدد الأحزان في الأربعين، عاشوراء الثانية، وضجة السماوات من عودة قافلة سيد الشهداء من رحلة الأسر والسبي، وفجعة الزهراء من شقِّ القبور ونبشها لدفن الرؤوس وإلحاقها بالأجساد الطاهرة… ولبنان من أقصاه إلى أدناه، من جنوبه إلى بقاعه، مروراً بضاحيته.. في شغل ولهو عن الله والسماء والحق! ولم تقف المأساة وتكتف حتى ألحقت بلاءها بتعطيل قوافل زوَّار حرم السيدة زينب في الشام، وكأن الغرض منها قد استنفذ، وعنوان التعبئة الذي سقط تحت لافتته مئات الشهداء، ما عاد يعنيهم، فقد فرغ من إنجاز المهمة السياسية، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

  • عين الحياة، نبع ليس في جبل قاف، ولا أعماق بحر الظلمات، لا يجري في اليونان أو اليابان، ولا يطلب في الصين، ولا يناله مَن في عقيدته ظنين، وعن الخير بضنين… إنه في كربلاء، أُعدَّ لنجباء، عرفوه في الذر وآمنوا به في السماء، ها هم يتقاطرون من كلِّ فجٍّ عميق، قد علموا مشربهم، يريدون ما يشرف على البيت العتيق، يروون ظمأً من زمزمه، ويعفِّرون جباهً بخاتم تربته وميسمه، يجدِّدون به عهداً ويمضون معه بيعة، يسوقون بين أيديهم هديهم، صدوراً مشرعة ترغم الأهواء والشهوات وتتحدَّى الشرور والشيطنات، ويقودون أرواحاً متألقة تستهين بالطعون ولا تبالي بالاعتراضات، وتدوس بأقدامها الشبهات وتسحق التشكيكات!

    هنا عين الحياة، نبعها الذي مَن اغترف من معينه غرفة، وتناول من زلاله جرعة، خلُد إلى الأبد، واتصل بالأزل… قدَر مَن يمضي ربانياً ويصير إلهياً، فيكون سرمدياً، إذ تُزيل الرشفة كلَّ متعلقات الأنا، وتقشع ظلمات النفس وتقودها لخالص الرجاء وصحيح المنى، تنجلي الحجب وتنزاح، ويلتقي الحق ويرى ما تمناه موسى بطورٍ فانثنى عنه بكفَّي معدم.

    بعد الله تعالى الذي لا يخلو هنا من بقعة ولا يغيب للحظة، رأيت في هذا المسير العرشي والمسعى الملكوتي أخاً لي فرَّقتني عنه العقائد والأفكار، صديق حميم هجرني لأنني “أضعِّف المجاهدين” و”لا أوالي ولي أمر المسلمين”، فأصطف بذلك في جبهة الأعداء وألحق بالمستكبرين!.. كان يسبقني ويتقدم عليَّ بخطوات، دنوت منه، فلا محلَّ للصلح وقطع الخصام أفضل من هذا، ولا حين خير من الساعة، التفت نحوي قبل وصولي وهتف: إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفنِّدون! تعانقنا طويلاً، وبكينا نشيجاً، وراح ينثر: انتشلتني عبَرات تحادرت مني في مجلس عزاء، بعد قلب اكتوى بلوعة المصاب، فانكشف لي الغطاء وانزاحت الحجب وظهرت الحقائق، كنت ـ أي أخي ـ في تيه وضلال، فجئت مسترشداً تائباً، وجدت الأبواب مشرعة لنائم انتبه قبل الموت، وغافل استيقظ قبل الفوت، فأدرك بالحسين كل عيد، ليوافي صحباً قضوا في ربى الطفوف أضاحي.

    إنني أرى الحقائق الآن، أشهدها واضحة جلية، وأتطلَّع إلى عين الحياة في كربلاء، لا بشروط نمليها على صاحب الحوض، ولا بضوابط نرسمها لمفجِّر العين وحامل اللواء! بل وفق قانونه وعلى نهجه وشرعه، نشعلها ثورة وقياماً حيث ثار وقام، ونلتزمها قعوداً وسكوناً حيث التزم داره وكان حلس بيته…

    ‏رأيت هنا مَن تصطف في مرآب منزله أكثر من عشر سيارات فارهة، بينها رولزرويس وبنتلي وبورش ولامبرجيني وفيراري، من الترف وحياة البذخ ما يناهز عيشة الملوك والأباطرة في القرون الوسطى، رأيته ينام على الأرض متقرفصاً، وقد اتخذ من حذائه وسادة! وأعرف فتى تقدَّر ثروة أبيه بثلاثة مليارات دينار، طلب من أحد المواكب دوراً يحقِّق له عنوان خدمة الزوار، فاعتذروا لكفايتهم، ثم استدرك أحدهم وعرض عليه تنظيف المراحيض، فقبل وفعل، وما زال مرابطاً هناك، ينتظر خروج الزائر ليزيل مدفوعاته ويطهِّر المكان للتالي! وهنا متغطرس متكبر، يتجنب التسوق في الكويت حتى لا يخالط عامة الناس، فلا يبتاع حاجاته إلا من هاوس أوف بيجان في بيفرلي هيلز كالفورنيا، أو بوردون هاوس في لندن، أو لوي فيتون في باريس، وهو يعاني من رهاب التلوث والميكروبات، لا يكاد يلمس شيئاً إلا بادر لتعقيم يديه… رأيته يشرب من وعاء سبقه إليه غيره، ويتناول الطعام بملعقة معدنية (ليست من الستيل المصقول) لم تغسل بعد الاستعمال السابق! ورأيت رجلاً أعرفه في قمة مواقع السلطة والقرار في بلده، كان يجمع القمامة، ويكنس النفايات.

    ‏هنا تنكسر النفوس وتتحطَّم كل أنا، ويقوم الجهاد الأكبر… هنا ترقى الأرواح وتصعد لتحف بالعرش وتبلغ الذروة التي تُلحِقها بسادتها. إنه الباب الذي فتحه الحسين، والسفينة التي أبحر بها سيد الشهداء.. فُلك النجاة، وهؤلاء الناجون الأحياء.

    هنا الحياة، لا حيث كنا نحسبها حكومة عدل، والخانعين تحت نير الظالمين أمواتاً، ونرى الإمامة ثورة وقياماً، والقاعدين عنها ضُلَّالاً ونياماً! لعمري كم هم صغار تافهون، حتى ليغلبي الخجل والحياء كلما تذكرتهم يزهون بجهادهم ويفخرون بتضحياتهم، اخترقتهم الدنيا ونفذت في أرواحهم، وغلبهم الهوى وجرى مجرى دمائهم، فغدوا طوواويس يخطرون بريشهم، وينشرون أذيالاً تصنع قوس قزح، وتكرس الشيطان اسماً ورسماً!

    حقاً إنهم صغار تافهون، في الهامش يقبعون، وعلى شفا جرف هارٍ يمضون، لا يؤبه لهم ولا يُلتفت إليهم، حتى كأن الضجيج الذي يقيمونه في عالمهم، والصخب الذي يثيرونه في دنياهم، زبد وغثاء، وعفط عنز يأتي من نثر أنوفهم، فيُقابَل بزجر راعيهم وهو يحاكيهم، ولمن أحسن النظر وتبصَّر، هو عراق خنزير في يد مجذوم… ولست مأخوذاً في حكمي عليهم بهذا السيل العظيم والجموع المليونية التي يتصاغر أمامها كل حزب وجماعة وفئة، ولا من وحي عظمة المقصود، ما تتضاءل أمامه كل طاعة وعبادة،‏ بل هي عظمة الحقيقة، والروح الملكوتية التي تصاحبها، وتمتد لتهيمن وتغلب باسم الله الأعظم.

    كم استصغرنا عاشوراء واستهنَّا بكربلاء، كم حجَّمنا القضية بأحجامنا الصغيرة، وصببناها في قوالبنا الضيقة وصدورنا الحرجة! كم أهدرنا قيم السماء بهذا اللغو ومتسافل الخطاب، ثم كابدنا في نشره كل عناء! ونحن في غفلة أن الحسين سعى لحتفه لا لملكه، وتقدَّم لمقتله لا لحكومته، لم يحتل بحيلة ولا ناور بوسيلة، فكل الأنظار في عاشوراء كانت تتجه نحو الآخرة والحياة القادمة، لا هذه التافهة العابرة الخاطفة. في عاشوراء، رفعت الأشرعة في كل فضاء حتى ملأت السماء، واقتُلعت المراسي من كلِّ الأعماق، فتحررت جميع الأرواح، وأقلعت سفينة النجاة، وراحت تتهادى في خضم الطوفان، وتبحر في لججه البعيدة، وربانها ينادي ويحكي عن ولهه إلى أسلافه اشتياق يعقوب إلى يوسف، ومصرع هو لاقيه، وموت خُطَّ على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وعن حظيرة قدس تجمع فيها برسول الله لحمته، وقيامة يوفَّى فيها أجره…

    كان المشهد في نسخته الدنيوية قتلاً وأسراً وذلاً وهواناً وهزيمة، وها هي صورته الملكوتية تتجلى عشقاً وتحرراً وعطاء وتضحية، وبذلاً وإيثاراً وتكافلاً وحمية، إنه صراع الأرواح والمعاني، وحرب القيم والمثل، وما الدنيا بما فيها إلا كورقة في فم جرادة تقضمها، فانخدع المغترون بنعيم يفنى ولذة لا تبقى، وغلبهم سبات العقل وقبح الزلل. ولو أعاد داعيهم عليَّ نداءه الأول الذي غرَّني به، فقال لو كنا حظوراً في كربلاء لما قتل الحسين وما سبيت زينب! وأن قائدهم هو حسين عصرنا وعليُّ زماننا… لقابلته وواجهته بـ: هبلتك الهبول، أعن دين الله أتيتني لتخدعني، أمختبط أنت، أم ذو جِنَّة أم تهجُر؟!

    فإن لم يكن من الطواغيت وأئمة الضلال، وكان مغرراً به مثلي، لأخذت بيده، وجئت به إلى هذا المسير، وعلَّمته كيف يبكي وينوح، فيفتح المغاليق، وكيف ينكسر قلبه فيعتمر حباً وعشقاً، فتذل له وتطاوعه المقادير، يقول للشيء كن فيكون! ليعلم ويكتشف بنفسه أن هذا أداء يتخطى به أربابه حتى قوانين القيامة! فيقيم الله لهم محشراً خاصاً بهم، وقيامة تسبق قيامة الخلق، فيزفون إلى الجنان، والخلق في عرصات قيامتهم، في المحشر وعلى الصراط وأمام الميزان، يساقون إلى جهنم زمراً، كلما دخلت أمة لعنت أختها… ويرى التافهين الصغار، مستغرقين في بقعة ومتهالكين على برهة، لو جمعت إلى حجم الأرض والحياة عليها لما تجاوزت نقطة، ولا بلغت من بحر قطرة، ومن رمل الصحراء حبة، فكيف بها أمام الكواكب والنجوم والمجرات؟ وأمام العوالم التي تفصلنا عنا مليارات السنين الضوئية، وأمام كل ما في الكون من كائنات… لا شيء في عالمنا يمكن أن يقف وينهض، ويضاهي ويقهر، إلا هذا المشهد، والوجود يردد: أشهد أنك قُتلت ولم تمت، بل برجاء حياتك حييت قلوب شيعتك، وبضياء نورك اهتدى الطالبون إليك… وأشهد أن هذه التربة تربتك، وهذا الحرم حرمك، وهذا المصرع مصرع بدنك، لا ذليل والله معزُّك، ولا مغلوب والله ناصرك…

  • لا يبدو أن إطلاقات حسين العصر وعلي الزمان وما يدور في أوساط أتباع إيران ومقلدي السيد الخامنئي، يخضع لسقف وسطح، أو يتوقف عند حدٍّ ومدٍّ، يكفُّ عن الذهاب وراءه ويحجم عن المضي بعده. ولا هو من تنطُّع متزلِّفٍ لوى شدقه ليتفلسف ويتفصَّح، وتحذلقُ مداهنٍ متملِّق يطلب الجائزة من وزير ويرجو صلة الأمير، بل هو نهج وعقيدة، آن أوان كشفها والجهر بها، وسيرة ستمضي في تخطي الحواجز وكسر الحدود وصدم الواقع بما ينفي الوحشة، ويفرش أرضية البحث وبساط التداول، ما ينتهي إلى القبول، وفي أدنى المحصِّلة الاندراج في المعقول!

    ففي خضم هذا التهابط والإسفاف، وحمَّى التسابق على السقوط في النار، انتشر مؤخراً تسجيل مرئي للشيخ أحمد جنتي رئيس مجلس الخبراء، بفجٍّ أشبه بالجلاميد، وغثٍّ تمجُّه الأسماع ويشنؤه كلُّ سويٍّ سليم، يستنطق فيه لسان حال السيد الخميني، يفترض له مقولة أو وصية تنادي بـ “إني تارك فيكم الثقلين”، “الثقل الأول هو الإمام الخامنئي الذي هو عليُّ زماننا، والثقل الثاني هو النظام والحكومة الإسلامية”! وبينما كانت الساحة في ذهولٍ حمَلها على التثبت من صحة التسجيل، وحقيقة النسبة وعدم التلفيق والتركيب، تلقت صفعة مدوِّية وخبطة قاضية من كاظم صدِّيقي إمام جمعة طهران، لبَطها ورمح بها وهو في معرض بيانه كيفية صناعة القرار الذي يحقِّق الإنتصار، قال: “إن الكلمة الأولى في رأس الهرم تصدر عن القائد، الذي ينفعل ويلتئم (يغلي ويضطرم)، فهو له حضوره وله علمه وله معرفته، ولكنه ليس هو! إنه الله الذي تجلى في وجوده”!.. والأمر كما هو بيِّن جلي، لا كناية ولا استعارة، ولا تشبيه ولا تمثيل، إنه بوضوح تام قول بالحلول! والجرح يسكنه الذي هو آلم، فإذا كان الخامنئي هو الله تعالى، فأي ضير أن يكون القرآن الكريم هو حكومة ظلم وفساد وضلال، وأي بأس أن تقرن العترة الطاهرة بهذه النظائر وتنحدر لتقاس بسلطان جائر!

    ويأتي هذا القول الشنيع والإفك المريع في سياقٍ باتت الحركة الإسلامية ونهجها الحداثوي التنويري تعيشه من جمود غير مسبوق للعقل، واستلاب مهين للفكر، ناهيك بانعدام الإرادة والقرار، وتسيير آليٍّ ما عاد له نظير حتى في الصين، اللهم إلا في كوريا الشمالية، وهنا كما هناك، عبادة مخجلة للشخص وتقديس وثني للرمز، وصنمية تتخطى البوذية وتفوق الهندوسية!

    والأمر وإن كان سابقة في التشيُّع، أن تتهاوى المفاهيم وتتحلل الأسماء والألقاب، وتهتك الحدود وتتداخل، فهو ليس وليد يومه ولا ابن ساعته، ولا بدعاً في تاريخ الحكَّام، ولا هي أول قارورة تكسر في الإسلام! فالصديق والفاروق، والأخطر أميرالمؤمنين، هي ألقاب علي عليه السلام وأُطلقت على غيره. وإن توقف هذا النهج بعض الشيء في العصر الأموي، لما يبدو من عزم على مسخ الأصل وتغيير الجسم، ما ينفي الحاجة لخلع الأثواب ولبس الألقاب! فإنه عاد بزخمه الأول في العصر العباسي، واستمر ليمتد حتى الفاطمي والأيوبي والأموي الأندلسي… وها هو يعود بأقبح صوره وأبشع أشكاله في العهد الخامنئي!

    ويبدو أن تناسباً عكسياً يحكم الغلو والتمادي في هذه الإطلاقات، فكلما استشعرت البطانة في قائدها مزيد جهل وصغار وضعف وهوان، عمدت إلى المبالغة والإسراف في الألقاب، عسى أن تمحى الصورة من الواقع وتزول من النفس على السواء.

    من هنا، لمَّا كان مكمن العقدة عند بني العباس هو البيت العلوي النبوي، تراهم عمدوا إلى ألقابهم وكناهم، فأطلق محمد بن علي بن عبدالله بن العباس السفاح على نفسه المرتضى، وتسمَّى محمد ابن المنصور بالمهدي، وابنه موسى بالهادي، ثم جاء الرشيد والأمين والمأمون، والمعتصم والواثق والمتوكل، والمنتصر والمستعين والمعتز، والمهتدي والمعتمد والمعتضد، والمقتدر والمرتضى والقاهر… وراحت تترى الألقاب والصفات وكلُّها بالله، الذي يُقتل أولياؤه على أيديهم، ويُزجُّ بهم في سجونهم! ولما جاءت الدولة الفاطمية الإسماعيلية كان المهدي والقائم بأمر الله، والمنصور بنصر الله، والمعز لدين الله، والعزيز بالله، والحاكم بأمر الله، والظاهر لإعزاز دين الله، والمستنصر بالله، والمستعلي بالله، والآمر بأحكام الله، والحافظ لدين الله، والظافر بأمر الله، والفائز بأمر الله، والعاضد لدين الله… وهكذا فعل الأيوبيون والمماليك والأمويون في الأندلس، حتى أنشد الشاعر:

    ومما يُزهدني في أرض أندلس @ أسماء معتمد فيها ومعتضد

    أسماء مملكة في غير موضعها @ كالهرِّ يحكي انتفاخاً صولة الأسد

    وهذه وتلك كما ترى، تبقى في حدود ونطاق لا يترتب عليه في ظاهر الأمر والحكم كفر أو زندقة، ولهم أن يعزوه إلى التيمُّن والتفاؤل والرجاء، وعناوين أخرى تزينها لهم شياطينهم… ولكن ما يجري في الدولة الخامنئية، على صعيد الحكومة والقاعدة، والمؤسسات والأحزاب، فهو شيء آخر يقرب من المسِّ والجنون ولوثة واختبال.

    وقد اعتمدتُ ما صدر من أعلام القوم كالسيد نصرالله والشيخ جنتي والشيخ صدِّيقي، أما ما أوكلوه لعوامهم، وما يجري على يد قاعدتهم، ولا سيما جيشهم الألكتروني، فمن الكفر البواح، والزندقة التي لا يتردد فيها مؤمن مهما احتاط وتورَّع، والتمس محامل الخير والبراءة.

    لم يحدِّثنا تاريخ الأديان عن مثل هذا الطغيان، من غير طبقة النمرود “أنا أحيي وأميت”، وفرعون: “أنا ربكم الأعلى”!.. وإن أحسن بعضهم الظن في الخامنئي ورأى أنه لا يحسب نفسه رباً ولا يقول بالحلول، ولكنه كما يبدو من قرائن وشواهد، يرى لنفسه ودولته مقام الثقلين، ولا يرى ما هرف به الجنتي شططاً..

    بالأمس بادرني أحد العرفاء الكمَّل، الذي طالما استبق برؤيته النافذة الحوادث ووقائع الأيام، وقرأ ببصيرته خارطة طريق النجاة والفلاح، كنت أشكو إليه قبل حين ما يفعلون بالمذهب والدين، فقال: أرأيت كيف فعل ربك بالمستكبرين؟ أرأيت عاقبة الجرأة على سيد الشهداء، وجزاء محاربة شعائر عزاء الحسين. إن هذا التمادي والوقوع في الكفر، هو علامة الخروج من حول الله وحفظه، والدخول في حولهم وقوتهم. وهو أقصى قصاصٌ يمكن أن ينزل بهم، وأشد عذاب استُدرجوا إليه ووقعوا فيه. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

  • كنت في مكتب أحد المراجع العظام في قم، عندما لاحظت بعض اضطراب بين العاملين هناك، سألت عن الأمر، فتبين أن أحدهم رصد عبارة ملتبسة في كتاب للمرجع الكبير، قد يُنتزع منها ما ينال من الشعائر الحسينية، وينتقص ـ بنحو ـ من مكانتها.. وكانوا يتحاورون في كيفية استدراك ذلك، هل عليهم أن يصدروا بياناً، أم يوجهوا سؤالاً وينظِّموا استفتاءً ليُنشر جوابه ويعالج القضية؟.. كنت أراقب الوضع سعيداً مغتبطاً، حامداً شاكراً، أن رئاسة المذهب في أيد أمينة، كلُّها حرص على تصحيح خطأ وقع واستدراك زلة عرضت، ولا أنفي هنا التفاوت في علل الحرص ومنشئه بين المرجع نفسه، الذي كان يخاف ربه ويرقب إمام زمانه، وبين ابنه أو الحاشية القلقة من التأثير السلبي على شعبيته، واستغلال الأعداء ذلك لتشويه صورته والنيل من مكانته.

    وفي مشهد مقارب، حكى آية الله السيد حسن فقيه إمامي (في تسجيل مصوَّر) أنه أخبر السيد الخميني قدس سره ـ إبان وجوده في النجف الأشرف ـ عن كتاب نُشر في أصفهان، نسب إليه تحريم جملة من الشعائر الحسينية كاللطم والزنجيل والتطبير، وكيف ظهرت عليه ـ وهو يتلقى الخبر ـ آثار الحزن والاستياء، وأنه سأل مستنكراً: “إليَّ أنا نُسب ذلك؟ ثم طلب إليه بأن يكذِّب تلك الدعوى. ولم يكتف ولا سكن حتى استدعاه ثانية وكرَّر عليه السؤال والطلب وقال: “كذِّبوه، كذِّبوه“.

    تذكرت الواقعتين وأنا ألحظ تصرفات قيادة حزب الله وقاعدته (على السواء، فقد اختلط الكبار بالصغار، والتحق الأطفال بالرجال، فما عاد هنا حكيم يُرجى ولا بصير يُخاطَب، والقلة الولائية مضطهدة، مراقبة ومترقبة، تلتمس لنفسها مخرجاً وتبحث عن منجى يدرأ الضغوط والحصار، وما زالت الساحة ترتقب حراًيهمز فرسه وينكزها، ليخرج من هذا المعسكر إلى الجنة، وهو يردد: والله لا أختار على الجنة شيئاً ولو قُطِّعت وحُرِّقت!) على الصعيد العقائدي والديني، والمسار الإعلامي والنهج التبليغي الذي اتخذه هذا الحزب، وما يمكن وصفه، دون تجنٍّ أو مبالغة، بالأرعن الأهوج!

    فبعد خليط الثقافة العلمانية والفكر الزيدي الذي وقعوا فيه وصاروا يروِّجون له منذ أمد، وآلية الفرقة والفتنة وشق عصا الشيعة بمقولاتحسيننا وحسينكم، زينبنا وزينبكم، وبعد دورهم في محاربة الشعائر الحسينية الذي ما انفكوا يمارسونه منذ سنوات.. عمدوا مؤخراً لخطاب الغلاة وحكوا مسلكهم في النداء على وليهم، وأوغلوا في: “الخامنئي هو حسين العصر، وما أدخل الساحة في نزاع وصراع لن ينتهي إلا على دمار وهلاك، دنيوي يسبق الأخروي، ويفتح الباب على سفاهة ووقاحة أخذت السفلة والجهلة إلىنحن نريد أن ندخله فصلاً في الأذان، وأنتم تستكثرون إطلاق الحسين عليه“!؟ وإنه معصوم وهو الإمام الثالث عشر، والخامنئي هو مصباح الهدى وسفينة النجاة“… وما يمضي على نسق هذا المجون والجنون.

    من المشهود الملموس والواضح الجلي أن لا تربية هنا ولا أخلاق، لا تهذيب ولا تزكية، بل نزق وطيش وغطرسة، تستخف بمقدسات الدين وتتحدَّى مشاعر الملايين، جاء من طغيان القوة وغشَم السلاح، أخذ القوم إلى التباهي والاستعلاء فالبطر والبغي والإفساد، وسيمضي بهم إلى تيه وضياع، ويفضي إلى تداعي البنيان بعد أن هدُّوا بأنفسهم أعمدته، وسقوط الكيان بعد أن قوَّضوا بأيديهم ركائزه!

    والحق أنَّ الساحة في ذهول من هذا الطيش والغرور، وكيف بلغ الأمر هذا الحد من الغطرسة والاختيال، والتجبُّر والخيلاء الذي لا يحسب لشيءيهتكون ضرورات المذهب ومسلَّمات الدين فلا يبالون، ويزرون بقيم الإيمان وكرامة المؤمنين ولا يكترثون، فخصمهم أعزل لا صواريخ يملك ولا سلاح يحمل، ولا خلايا أمنية ترهب وترعب! وإلا للزموا حدودهم ووقفوا عندالآخروحرمته، كما يفعلون مع المسيحيين والدروز والسنة وغيرهم؟! وهذا من غريب الغفلة ومُستدرج السبات، الذي أنساهم حالهم في حرب 2006 حين زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، ولم يبق لهم من ناصر ومعين وملجأ ومغيث إلا بيئتهم الطائفية وحاضنتهم المذهبية، من الذين يعيبون عليهم اليوم البكاء على سيد الشهداء ويستهزئون بمعتقداتهم ويستبيحون مقدساتهم!

    دع عنك الآخرة والقيامة والحساب والعقاب، ألا يخشى الحزب أن ينفضَّ الناس من حوله لهذه الغلظة والفظاظة؟ أم تراه يحسب أن الشيعة طوع بنانه ورهن إشارته، يقبِّح معتقداتهم ويسبُّ دينهم في رخائه، ثم يستنجد بهم في شدَّته ويلجأ إليهم في بلائه!؟ إنني أعرف من باع حُلي زوجته ليعين القوم في حرب 2006، وهو نفسه اليوم يتبرأ منهم، بل ويلعنهم لحربهم الشعائر الحسينية، وتطاولهم على الإمامة وتعديهم على سيد الشهداء باستنساخ اسمه وتكرار صورته وإسقاطها على ولي أمرهم! فالشيعة يرَوْن الخامنئي وألفاً من قبيله لا يساوون تراب نعل الحسين، واللطيف أن السيد الخامنئي نفسه يقول بذلك ويصرِّح به! لكن قومه يجهلون ويكابرون، وحزبه يعاندون ويغالون. وكل رهانهم وغاية حجتهم: قوة السلاح وعطاء الجهاد الذي يتمتعون أو يتبجحون به، ووقاحة لم يسبقهم إليها منحرف أو ضال، اللهم إلا الحبتري وفضلة الشيطان!

    الحقيقة أن النخبة في الحوزة العلمية وعموم العاملين في الساحة الإيمانية، يعيشون حيرة في كيفية مواجهة هذا الجسم السقيم، وما يفرزه من دنس ويفشيه من لوث، وقد بلغ هذه الحدود من الصلف والكبر والتيه، وصار معلناً في الإضلال والتحريف، والفضلاء بين يائس من الإصلاح يراهن على حبل يلفه القوم بأيديهم على أعناقهم، ووجِل من إمهال يسبق صاعقة قاصفة، وصفعة مهدوية ناسفة، علينا أن نحذرهم منها وننقذهم قبل وقوعها، ولو بمقالة قد تبلغ آذانهم، لعلها توقظهم فتنتشلهم من الهلاك.

    في سيرة بني إسرائيل أن موسى استسقى لقومه وضرب بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، قد علم كل أناس مشربهم، لكنهم لم يصبروا على طعام واحد، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، وعثوا في الأرض مفسدين. وفي واقع أمة محمد أنه صلى الله عليه وآله خلَّف فيهم اثني عشر إماماً، لا يزيدون ولا ينقضون، لا نظير لهم ولا شبيه، سواء في ذواتهم أو أدوارهم وأعمالهمفظهر اليوم قوم يريدون أن يستبدلوا الأدنى بالذي هو خير، وراحوا يبحثون عن الثريا في الثرى، ويرسمون على طَلل الماء لوحة لزعيمهم، ويخطون على رمال الساحل اسم أميرهم.. يحكون ضفادع تقبع في قعر بئر، تحسب السماء بحجم فوهته، ولا شيء وراء فمه!

  • يبدو أن هامشاً كبيراً من الحرب على الشعائر الحسينية قد حُسم ـ ولله الحمد ـ لصالح الحق وأهله، وأن إعلان الهزيمة الكاملة لأتباع “الحركة الإسلامية” من “التنويريين” الماسون، وما يتبع ذلك أو يلزمه من بُكم مرتزقتهم وخرَس عملائهم، لا يعيقه إلا ما يأخذهم من مكابرة وعزَّة بالإثم، تدفعهم أن يستمروا في إثارة الزوابع، وإن كانت في فناجين يرتشفون منها الغلَّ، أو رنين كؤوس يقرعونها عند تتبادل أنخاب الفسق، وصخب تضج به محافلهم من لغو وهذر، فلا ينقطع “الدفع” ويستمر “القبض”، ويبقى بيت الشيطان عامراً! سقطت الحرب المباشِرة وهُزم الجمع وولوا الدبر، وتوقَّف الحديث عن حرمة التطبير وسكنت المراوح الإعلامية التي تثير غبار الكذب والزيف، وتهيج عواصف الأحقاد وتغري بالعداوات بين المؤمنين…

    لكن الذين دُحِروا بالأمس وصُدُّوا وطُردوا عن الأبواب، عادوا اليوم عبر النوافذ وتسوَّروا الجدران! فالحرب لم تنته ولا انقضى الصراع، ولعمري فهو باق ما دام أولياء الطاغوت وحزب الشيطان، الـمُنظَر إلى يوم يبعثون… إنما انتقل إلى جبهة جديدة، لعلَّها أخطر من الأولى الانفعالية الهوجاء، وكأنهم تعلَّموا من أخطائهم، فتجنَّبوا الصدام المباشر، وامتنعوا عن المواجهة بردٍّ ونقض، وعمدوا لأداء يقفز على الحال ويصادر الواقع بصمت ودون إثارة، ما يكفيهم الحاجة لاختلاق عناوين كاذبة، ويوفِّر عليهم الافتراء على الفقهاء بفتاوى مزيفة. ومَن يرصد حركة القوم ويتابع أنشطتهم وفعالياتهم، يلحظ وضعاً شمولياً وحالة تنبئ عن مركزية في القرار والإدارة، فهناك منطلق حركي واحد، يحكمه انضباط حزبي صارم، يسوقهم كقطيع ويقودهم كرتل وجمهرة… فكما صمتوا جميعاً عن التطبير وأخلوا جبهته، تراهم اندفعوا معاً لإسقاط الرثاء والبكاء، عبر بدعة محدَثة وهرطقة منكَرة: برامج محاضرات عشرة عاشوراء!

    كأننا في موسم العزاء هذا العام، نتعرَّض لغارة مباغتة ونعيش غزواً منظماً للمنبر الحسيني، في ضربة ستُبطل ـ إن كتب لها، لا سمح الله، النجاح والاستمرار ـ جوهره الذي تظافرت عليه مئات النصوص الشرعية التي بيَّن فيها الأئمة الأطهار قولاً وفعلاً وتقريراً كيف يكون إحياء عاشوراء، لحقت بها سيرة المتشرعة وممارسة أبناء الطائفة جيلاً بعد جيل، ممتدة أكثر من عشرة قرون، لتخلق منظومة الشعائر الحسينية، وترسم موقع الدمعة والبكاء فيها. المنظومة التي شكلت الزخم الأصلي لبقاء التشيُّع، مما لا يمكن تفهمه واستيعابه، إلا بكونه خطَّة غيبية، وتحفة عرشية وهبها سيد الشهداء عليه السلام تقدِمة للفرقة المحقة، وعطيًّة للطائفة الناجية.

    هذه المنظومة الحركية الفريدة التي لا نظير لها في دين ولا شبيه في مذهب، راح معممون حداثويون يهتكونها ويقوِّضون أصولها وأركانها، بكيد وخبث أو بحمق وخرق، لصالح بضاعتهم الكاسدة وتجارتهم الشيطانية ومقولاتهم الخاوية، وبما يشبه حمَّىً نزلت ببعضهم، حملتهم على الهذي ببرامج عاشوراء وعناوين محاضرات تضيِّع هذا الكنز العظيم وتبدِّد هذه التركة العزيزة! لجأوا إلى ما يدغدغ مشاعر عوام المؤمنين، ويأخذهم لشعور كاذب بالعلم وبثقافة جوفاء مضحكة. هكذا أنشأوا خطاباً مغرراً لا يشكِّل نقضه وردَّه قضية إلا لدى النخبة الواعية، فكيف لها بمواجهته ومحاربته في ساحة غلبها الجهل والدجل؟! ولعل الظروف تسمح بعد عاشوراء والفراغ من واجب المأتم والعزاء، للكشف عن الذي أفسح لهؤلاء! وبيان مَن الذي أسس هذا النهج وابتدع هذه الطريقة وبثَّ هذه الفوضى؟ ومَن الذي أمضى (من خفاء) وبارك؟ ولن يسلم من المحاسبة هنا كبير ولا صغير.

    ماذا أصابكم يا قوم؟ ماذا حلَّ بكم ودهاكم؟ ألستم شيعة الصادق الذي قال: “مَن دمعت عيناه فينا دمعة لدم سُفك لنا، أو حقٍّ لنا نُقصناه، أو عرض انتهك لنا، أو لأحد من شيعتنا، إلا بوَّأ الله تعالى بها في الجنة حُقباً”؟ ألستم شيعة الرضا الذي قال: “فعلى مثل الحسين فليبك الباكون فإن البكاء عليه يحطُّ الذنوب العظام”؟ وقال: “كان أبي إذا دخل شهر المحرم لا يُرى ضاحكاً، وكانت الكآبة تغلب عليه حتى تمضي عشرة أيام، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه”؟ أين هذا من مجالس الأطفال ومسرح العرائس ومحترفات الرسم وليالي الأنس بالقرآن وحملات جمع القمامة من الشوارع؟ وأين هذا من عناوين محاضرات: “الصحة النفسية وتحديات الحياة”، و”الطرق التربوية لمعالجة الإلحاد”، و”لماذا المثلية الجنسية”، و”سيكلوجية الانتماء”، و”استراتيجية الازدهار”، و”جدلية الإلحاد”، و”سوسيولوجيا التربية والتسلط الأسري”، و”القوى الناعمة لمراهقة أيجابية”، و”المرأة بين التمكين والتهميش”، و”نظرة على الاستشراق والمستشرقين”، و”المساهمة الاجتماعية في التنمية”، و”الازدواجية السلوكية”؟!..

    جدب علمي وخواء عقدي، عجز عن فهم كُنه التشيُّع وإدراك جوهر الولاء، واهتزاز في الشخصية والبنية وسقوط في التربية أفضى إلى التماس غير سُبلنا، واستجداء المعرفة من غير مدرستنا، وتسوُّل الثقافة من غير مشربنا… إنها صولة مسكونين بعُقد الحداثة، وجولة مستشعري الصغار تجاه المثقفين، وحركة مهووسين بكل جديد، خلعوا أثوابهم واستبدلوها بأسمال رثَّة مهلهلة، وخرَق بالية لا تستر لهم سوأة ولا تداري عورة.

    ترى، لماذا لا نرى هذا التجديد في شعائر المسيحية واليهودية، وحتى الديانات غير السماوية؟ فلا أحد ينادي بتغيير طقوس اليهود، فيعيب على تمايلات تراتيل الحداد، وما يحكي نقر الجدار أمام حائط المبكى؟ ودسِّ الرقع وقصاصات الأوراق بين شقوق الأحجار؟ ولا أحد يسخر أو يطالب المسيحيين بالكفِّ عن حمل سعف النخيل أو غصون الزيتون في موكب الشعانين مع بداية أسبوع الآلام؟ ولا أحد يستقبح فعل الهندوس في تقاذف الأصباغ في يوم “هولي”؟ ولا أحد ينادي على أهالي راجستان وكهنة معبد كارني بالتوقف عن إطعام الفئران واستبدال ذلك بالبذل على جياع البشر والإنسان!.. بل لا أحد ينادي على المسلمين بتطوير الحج! فيقول كفى طوافاً حول أحجار كان الكفَّار يفعلونه في جاهليتهم، وكفى محاكاة لحراك جرى قبل آلاف السنين لامرأة تطلب لرضيعها الماء، فصار السعي نسكاً وأصبحت الصفا والمروة من شعائر الله، وكفى هدراً لملايين الهدي والذبائح احتفالاً بنجاة ابن نبي فداه الله من رؤيا تأمر بذبحه أراد أبوه أن ينفذِّها؟!.. لا شيء من هذا وذاك هنا ولا هناك، اللهم إلا شعائر العزاء على سيد الشهداء! هذه فحسب ما يعوزها التطوير وتتطلب التجديد والتغيير!.. ثكلتكم أمهاتكم، وشُلَّت أيمان كتَّابكم، وعييت الخطباء منكم وخرس الناطقون بمقولاتكم.

    ما زال مئات ملايين المسلمين من المغرب العربي إلى أقصى الشرق في ماليزيا واندونيسيا (وكل بلاد لا شيعة فيها)، يعيشون السنة الأموية، يتخذون يوم عاشوراء عيداً، يظهرون فيه الفرح والسرور، ويجهلون ما جرى فصعقت له السماوات، وضاع عليهم وما وقع فاهتز له العرش وتضعضع. وما زال النواصب وأرباب المنكرات ـ على سواء ـ يتبارون في منع الأحزان وبث الأفراح وتضييع القضية الحقيقية… ثم يأتي شيعيٌّ معمم، ليعين على اندراس ما أقام الحق، وتضييع ما حفظ الواقعة وخلَّد الذكرى، بمحاضرات جافة سخيفة تافهة تحكي سواد وجهه وقبح سريرته، يزعم تطوير الخطاب وتجديد الوسيلة، ولعمري، فلن يعدم بخيلٌ الحجة من رجحان التوفير والاقتصاد، ولا جبانٌ الذريعة في قبح التهور والاندفاع، وسيسوق لك هؤلاء من الذرائع والمبررات التي حملتهم على هذه البدعة ما يضحك الثكلى ويُبكي مبتهجاً مسروراً.

    نحن على يقين أن الذي أهلك يزيد بن معاوية على طغيانه، والمتوكل العباسي على بطشه وجبروته، وصدام العصري على عتوِّه وغروره، سيسحق هؤلاء، الخبثاء اللئام منهم، والجهلة الطغام، ويفنيهم عن بكرة أبيهم، فلا يذكرون إلا بالعار والشنار، ولا ينالون إلا القبح والسوء، وستلحقهم الهزيمة والانكسار… لكنه هنا العمل بالأسباب وإسقاط التكليف وإتمام الحجة، وما يقطع الطريق على معتذر موغل في الإساءة والتشويه. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

  • عندما يغلب سوء السريرة وفساد النية، ويستولي الشرُّ على قلب امرئ ويغمر القبحُ باطنه، يظهر في وجهه خزياً وللملأ فضيحه، وها قد سوَّد الله وجه قصير… وعلى الرغم من العبارة المضحكة والطرفة السمجة التي يسوِّق بها لسيِّده ويستخف بها عقول العوام: “السيدان العليان الحسينيان”، فما إن حكمت الفرصة ليطعن في الظهر، حتى بادر، ولم يترك ما سنح دون توظيف مريض واسخدام مبتذل، فنال من حوزة النجف الأشرف وتطاول على المرجع الأعلى، وراح يعيِّر العراقيين بخيار الدولة المدنية ويشمت بهم لترجيحها على الإسلامية.

    هكذا نزى على منبر الوعظ، واستوى على كرسي النصح والإرشاد، وراح ينظِّر للعظماء ويوجِّه الأشراف، وقد قدَّم اسمه ووقَّع على بيانه بـ “سماحة”! ولربما ألقت عاهرة محاضرة في العفة، ودعت راقصة إلى الحياء والحشمة، وردَّدت قين:

    “أنا التي أمشي كما يمشي الوجي، يكاد يصرعني تغنجي، من جنة الفردوس كان مخرجي”…

    لا يخفى أن الرجل بين غلٍّ يضطرم على المرجعية، وحقد يتفجَّر على الأصالة، وعلى كل ما يَفقد ولا يفتقد، وبين صفاقة وصلافة لا تكون إلا في ميِّت الإحساس ومنعدم الضمير والذمة، مما ملأ بطنه من حرام، وعاقبة سوء من فرط ما أساء، فما عاد يبصر نوراً ولا يعي حقاً أو يرشد صواباً.

    بين الدولة الدينية ودولة الهر قصير عموم وخصوص من وجه، يلتقيان في الاسم والعنوان، ويفترقان في كلِّ ما خلا ذلك وعداه (اللهم إلَّا ما يخدم بقاء الإطلاق واستمرار الشبهة في أذهان العوام)، ولولا ذلك لظهر التباين، وحكم به القاصي والداني…

    والحق أنك، بعد الإسم، لا تجد في إيران أندية قمار ومواخير بغاء ومرابع ليلية وخمارات علنية، ولا تجد سافرات… ولكن هناك رقص “شرعي”، وموسيقى وغناء “شرعي”، ومتبرجات أشد فتنة من السافرات! وفي إيران تمارس المرأة جميع أنواع الرياضة، فتركض وتهرول وتتدحرج وتستلقي على الأرض، ولكن بثوب ساتر، فبماذا اختلفن عن الراقصات في ملعب محافظة كربلاء؟ غير وجود الحرية التي تسمح بالاعتراض هنا، والبطش والاستبداد الذي يكبت ويقمع هناك؟!

    في إيران يحاربون الله ورسوله جهاراً، فالنظام المالي والمصرفي ما زال يرتكز على الربا، ضاربين قوله تعالى “يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله” عرض الجدار. وفي إيران تمييز عرقي يقدِّم الفارسي على غيره، والإيراني على “الغريب”، فالأرمني المسيحي أو البلوشي الوهابي الذي يحمل الجنسية الإيرانية هو أشرف وأعز، في نظام الجمهورية الإسلامية، من العراقي والبحراني الشيعي، ولا تسل عن الأفغاني! في إيران اليوم قهر ودكتاتورية تناهز، ما كان في عهد الشاه، فالثورة أكلت أبناءها وما زالت تطارد أصحابها، فهذا الشيخ الكروبي رئيس مجلس الشورى والسيد ميرحسين الموسوي رئيس وزراء الخميني، الذي قاد الجمهورية في أحلك ظروفها، وخرج من السلطة كما دخلها، طاهر الذمة نقي الثوب، عجزوا أن يتهموه بدانق سرقه أو تومان أثرى به… رهين معتقله وإقامته الجبرية، لمجرد طعنه بنتائج الانتخابات وأن فوز خصمه أحمدي نجاد كان بتزوير فاضح! أما الإنجاز الأكبر للدولة الدينية، فهو مكان إيران في جدول الفساد ومؤشر الشفافية العالمية، فقد جاءت الجمهورية الإسلامية في الترتيب الحادي والثلاثين بعد المئة (١٣١) عالمياً من بين 176 دولة!

    وبعد، فالدولة الدينية التقت مع الاستكبار العالمي في إنهاء استقلالية الحوزة العلمية الشيعية وجعلها تابعة للنظام الحاكم، في خطوة عجزت عنها الملكيات الصفوية والقاجارية والبهلوية! وهي تمارس تضييقاً غير مسبوق على المرجعيات، وتقوم بالتنكيل بأيِّ طالب علم يأبى سيطرة الدولة على الحوزة وإخضاعها لإرادتها وإدارتها.

    والدولة الدينية التقت مع العلمانية الكافرة، أي حزب البعث العربي الإشتراكي في محاربة الشعائر الحسينية، وقد قمعت المطبرين بوحشية، وما زالت تضيِّق على المعزين، وتعمل على توغل المخابرات في الهيئات والحسينيات، تسعى من خلال ذلك لتشويهها والإساءة إلى الشعائر، تمهيداً لإنهائها بجميع أشكالها.

    والدولة الدينية جنَّدت الحبتري وحب الله وعشرات الفرق والمجاميع ومراكز البحوث والدراسات التي ترعاها وتمولها، وجيشاً خفياً وذباباً ألكترونياً، زودته براجمات وقذائف وصواريخ ومعاول، ليهد البنية العلمية الشيعية ويقوِّض قواعد استنباط المعارف الدينية، لصالح نهج هجين ومدرسة لقيطة وضع أساسها سيد قطب وحسن البنا.

    هذا في الدفع بالنقض، أما في الحل… فإن الشعب العراقي لم يطلب الدولة المدنية بقدر ما رفض ولاية الفقيه المزوَّرة، ولم يتبنَّ النظام العلماني بقدر ما كان عاقلاً في إدارة معركته، حكيماً في تدوير زوايا صراعه مع أعدائه، حين أجاد قراءة إمكانياته، وأحسن تقدير قوة أعدائه، فنظَّم الجبهات، وتراجع عن الدنيوية (المنهوبة المستلبة على أية حال) لصالح الدينية التي دونها الدفاع والجهاد، عسى أن يكسب حسنات الدولة المدنية ويوظفها لإنعاش الشعب وإخراجه من ظلم واضطهاد تراكم عليه أربعة عشر قرناً. ولا يعنيه، بعد هذا أن يتنطَّع فاسق حاقد ويعيب عليه خياره..

    وطالما كانت حركة الدجال عوراء، تطرح نصف الحقيقة…

    ولو أنصف لعاب حزب الله، أم تراه لا يدري لأيِّ أنظمة الحكم يدعو الحزب؟! هل لحكومة دينية أم مدنية؟ وهل هو في طور الدعوة والفكرة أم تجاوز ذلك إلى العمل والانخراط الفعلي في الدولة المدنية؟! ولو كان من “السابقين” لسجَّل المفارقة وعاش تراجع الحزب، في أدبياته كما في واقعه، عن مقولة الدولة الإسلامية، وعن “لبانستان” منذ أمد بعيد! حتى أنه خذل حراكاً شعبياً عفوياً للنهي عن المنكر وقع منذ أشهر في “البازورية”، مسقط رأس أمينه العام، حين نهض أحدهم لمنع بيع الخمور وترويجها، فوقف حزب الله على الحياد، بل فيه من أدان الحراك على تجاوزه القانون وتعديه على الحريات!

    وقد بلغ الحزب من “المدنية” أن جمَّد نشاط أو عضوية أحد نوابه (نواف الموسوي) لأنه تطاول على نائب حزب الكتائب اللبنانية، ابن بشير الجميل، فكأنه استعاد ذكريات التموضع الديني والإسلامي، فعوقب لصالح الوطني والمدني!

    كما كان الذباب الألكتروني في جيش الدولة الدينية يرمي المرجع الأعلى بالقعود عن الجهاد والخيانة والعمالة للإنكليز والأمريكان في عدم الاصطفاف مع المقاومة المسلحة… فخمد وخرس بفتوى الجهاد حين حان أوانه الحقيقي وجاء مورده الصحيح، كذلك سيخرسون وتخمد أنفاسهم لما تعلو صرخة الشعب الإيراني الذي يتمنى وقف الإتجار بالدين وإنهاء تشويه المذهب، ويحلم بإنهاء الاستبداد الديني الذي سلَّط عليه هذه الحثالات، من سماسرة البلاط وعملاء المخابرات.

  • من السذاجة بمكان أن يحسب أحدٌ أنَّ ما يجري في الساحة الإيمانية الشيعية من فوضى ومحدَثات، على صعيدي العقائد والأفكار، والسلوكيات العامة والممارسات، هو تعثُّر عارض واستثناء عابر تمرُّ به الساحة من أزمة مفاجئة ألـمَّت بها وأمر طارئ وقع لها، ظهر في أداء مريض هنا، وسلوك شاذ هناك، وارتباك وفوضى غمرت الأجواء وطغت على أصل الأداء…

    حفل غنائي ومهرجان راقص في افتتاح دورة رياضية، يستبيح حرمة واحدة من أقدس مدن الشيعة وأكثرها خفراً وأعظمها شأناً: كربلاء… يريدون أن ينتزعوا شجواً وكمداً اندك في “كربها” أبداً، وينهوا لوعة وجوى ما انفك في “بلائها” سرمداً، وكأن جرحها النازف قد رقأ واندمل، وقلبها النَّصِب الدنِف قد عوفي وبرئ. أم تراهم حسبوه قد أمسك أن يضرب ويخفق؟ فما عاد يبعث في شيعته النبض، وبرجاء حياته حييت قلوبهم؟ وبضياء نوره اهتدى الطالبون إليه منهم؟ ومن قبل نقلت وسائل التواصل الاجتماعي بثاً مباشراً لداعر سافل، تعدَّى فيه على شخص الإمام الكاظم عليه السلام، بما بلغ الكفر البواح، وذلك من مقهى يقع في مدينة جده أميرالمؤمنين عليه السلام. وفي لبنان يقيمون حفلاً غنائياً صاخباً في يوم استشهاد الكاظم عليه السلام بلا مبالاة ودون أدنى اكتراث، وهناك دعوة لتكرار الحفل في ليلة استشهاد الإمام الباقر أيضاً… وهكذا تمضي المناسبات المقدسة الحزينة، لتنقلب أفراحاً، وفي أحسن الحالات ندوات ومحاضرات، وبرامج تثقيفية وأنشطة اجتماعية من قبيل تعليم المؤمنين وتدريبهم على قواعد الإسعاف، أو تلقي دروساً في الطاقة الإيجابية والسلبية، وفي أحسن الأحوال أو أسوئها (لست أدري، هل اللبس الشيطاني يغلب هنا أم التخفيف من القبح ببديل شريف) تكون حلقات القرآن ودروس تعليم التلاوة والتجويد، أو أي شيء يصرف عنوان العزاء ويحول دون الحزن والرثاء والبكاء، لتتحول فجعة عاشوراء ورنَّة العرش وصرخة تصكُّ سمع الملكوت، إلى أوبرا تحكي “تراجيديا شيعية راقية”، بل “ميثولوجيا” تدرج الحدث في الأساطير وتسطره في الخرافات، فتلقي “الحداثة” عصاها ويستقر بـ “التنويريين” النوى، كما قرَّ عيناً بالإياب المسافر، فقد أضناهم هذا الترحال الطويل، وآن لهم أن يلتقطوا أنفاسهم ويستريحوا شيئاً، بعد أن حققوا وضعاً جديداً للواقع الشيعي، ينسلخ به عن حاضره ويتنكَّر لماضيه! ولا أبرِّئ بعض المؤمنين الحسينيين من المسؤولية، ممن عمد لأداء انتهى بهم للانخراط في هذه المؤامرة من حيث لا يدرون، ومشاركة القوم جريمتهم وهم لا يشعرون! حين سمحوا لأنفسهم بالاجتهاد، وتطوير أنماط العزاء، خارج الأصالة الموروثة في الشعائر الحسينية، فأحدثوا وابتدعوا، ما فتح الباب لهؤلاء وأفسح لهذا الفساد والإفساد، فما دام التجديد والتطوير مباحاً، فليُقم كلٌّ الذكرى ويُحيها كما يرى ويشاء!

    وقبل هذا الفجور، والسلوكيات المارقة والأفعال المتهتكة الماجنة، كانت هرطقات وزندقات، أداء “علمي” واتجار فكري، أسقط التراث (من أحاديث معصومة ونتاج علماء)، واستباح المسلَّمات (من عصمة الإمام وعلمه، إلى ميلاد المهدي وظهوره بالسيف، مروراً باعتماد عدالة الصحابة والعمل بالمصالح المرسلة)… خلَط ودلَّس وكذب وافترى، وراح في الدجل وتسفيه العقول وخطاب العوام ما شاء له الشيطان، فلم يقصِّر “الحبتري” في استدراك ما فات “فضلة الشيطان” حين عاجله وسبقه عليه الموت، ولم يوفِّر ”الإصلاحيون” شيئاً مما نادى به الملحدون ورفعه العلمانيون.

    علينا أن نعي، ونقف ببصيرة على حقيقة ناصعة جليَّة، هي أننا أمام مرحلة جديدة وطور متقدِّم بدأت تدخله الحركة الإسلامية، وأنها بصدد أخذ الواقع الشيعي والانتقال به معها، إلى حيث تذهب وتتحوَّل, وهي في العراق وإيران ولبنان، ومن بعد في بلاد الخليج، إنما تدفع ثمن قبولها في “المنظومة”، والموافقة على “منحها” السلطة، أو تبذل كُلفة إصدار ترخيص ذلك وإجازته، وأنها تقدِّم “الرسوم” المقررة لحصولها على “جواز” أو “سمة” دخولها “النادي” وانتسابها لـ ”المحفل”. إنها ـ بهذا الأداء ـ تستصدر شهادة الاعتراف بها، وتجتاز “الاختبارات” اللازمة لذلك، وهي ”تتكيَّف” بما يجعلها جزءاً منهم… كل ذلك من ديننا وعقيدتنا، وعلى حساب شعائرنا وشريعتنا!

    كل ما تراه من فعل وحراك في نطاق “تحرير” المرأة، وإقحامها في ميدان العمل من جميع أبوابه، وإدخالها في النشاط الديني والاجتماعي والسياسي بكافة أشكاله، والعبث في قانون الأحوال الشخصية من ميراث وحضانة وتمكين وقوامة، والتحايل على الأحكام الشرعية في الخدر والحجاب، ونداءات المساواة في الحقوق والواجبات، هو ضريبة وثمن لا بد أن يُدفع، وإلا فلن يجتاز الامتحان وينجح في الاختبار مَن يريد اللحاق بركب الأشرار!

    وكل ما تراه من حماية للحبتري وجهود لتسويقه، ومساع للتطبيع مع فضلة الشيطان، بدأت من لحظة موته وساعة حمل جنازته، وما زالت قائمة، وما يظهر بين فينة وأُخرى وينتشر من أفلام ومقاطع لمعمم يقود الشباب في تمارين رياضية ويعلِّمهم المصارعة، وآخر يشارك في مسابقات لهوية، وثالث يجمع القمامة ويكنس الطرقات، ورابع تلتقط معه النساء صوراً (سيلفي)… وكذا ما تراه من تخلٍّ عن الحزن والعزاء، ودخولٍ في الفرح والبهجة، ومسايرة للثقافة الغربية أو غير الدينية في اللهو والطرب الغناء، وتدليس يصرف المؤمن عن المعاني الحقيقية للرحمة الإلهية ويُلبس عليه فيها، حين يُغفِل موارد الغضب والنقمة الربانية، وكذا عرض “اليسر” في الدين تسيُّباً وتهتكاً وإباحية، وتسويق الاختلاط والعلاقات المحرمة تحضُّراً ومدَنية، وتناول الميتة والشبهات رُخصة وسعة، وما إلى ذلك من معالم الأداء الحداثوي الذي تنهض به الحركة الإسلامية الشيعية وتقوم به بمختلف الطرق والوسائل… هو جزء من الصفقة، وحصَّة من الثمن الذي عليها أن تدفعه، لتُقبل في “المنظومة” وتُدرج في اللائحة، فتدخل في الحكومات والوزارات والبرلمانات، وتحظى بنصيبها من السلطة وما يترتب على ذلك من جاه ومال، فقد نشأت في تعاليمها وثقافتها، وترعرعت في عقائدها على قيم الدنيا ومرتكزات العيش، مما لا يطيق النبذ والإقصاء، والإهمال والانزواء، والاستخفاف بفكرة الانشغال بالآخرة عن طلب الأولى، واستهجانها وإن حكمت سيرة أئمة الهدى عليهم السلام والصالحين من أتباعهم على مدى التاريخ…. وما تراه من حرب عسكرية أو أمنية تطال الحركة الإسلامية هنا، وحصار اقتصادي ينال منها هناك، وضغوط ومناكفات لا تكاد تنقضي وتنفك، هي مناورات وتكتيكات، وضرب من المفاوضات لزوم عقد الصفقة وإبرام الصيغة النهائية للاتفاق، الذي يحدد الحصص والأحجام، ويرسم النطاقات الممنوحة والمساحات المبذولة.

    باختصار شديد، القوم عازمون على مواكبة معطيات العصر ومفردات المدنيَّة، وقد فرغوا من النزول على شروط الماسونية، وهم على استعداد لليِّ عنق العقيدة والشريعة ـ حتى الدق والكسر! ـ في سبيل هذا التماهي والمواءمة، بما يرضي القوم عنهم ويحقق لهم الحضور الذي يرجون ويتطلعون.

    هذا ما وقع من قبل وجرى على المسيحية في عصر النهضة، وانتهى إلى إحداث مذهب جديد باسم الإصلاح الديني (البروتستانتية)، ولم يحسم أمر الدين في واقعهم وتستقر مجتمعاتهم على شكل “مرضي” عنه، إلا عندما نجح أرباب النهضة ورجال التنوير في اختراق الكنيسة (الفاتيكان)، والنفوذ في قمة الإكليروس والبابوية وشخص الحبر الأعظم… وهذا ما كان من حال الزيتونة والأزهر، ولم يبق إلا النجف الأشرف، ورجال لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة في قم المحتلة!

    وما زال الرجاء في رحمة يستنزلها الوحيد الخراساني والصافي الكلبيكاني حين يخرجان حفاة في موكب عزاء الزهراء، والأمل في عناية يلتمسها السعيد الحكيم حين يدفع عربة لمعوَّق في طريق زيارة الأربعين، ثم الرهان على مرجع أعلى رسم بقاني الحمرة نطاقاً حول النجف الأشرف، لا يسمح لوارش حداثي أو متوغل تنويري أن يدنو من أسس الاستنباط وطريقة بناء المعارف الدينية في مدرسة آل محمد.