• الجهاد ضروب وأشكال، حمل للسلاح وقتال بالسيف، وصدح بالحقيقة ببيان فيه للناس هدى، أو كلمة حق أمام سلطان جائر، أو بذل للجهد في تحصيل ما يحفظ الدين ويدرأ عنه شبهات المضلين، وهو الأعظم الأخطر، الذي يجعل مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء، ولا سيما حين ينطلق من مكامن الأصالة ويستوفي شروط الإخلاص، يطلب وجه الله، لا يروم شهرة ولا يرغب في رئاسة، ولا يريد من الناس جزاء ولا شكوراً، فيكون من الأكبر، لا الأول الأصغر.

    لم تعش ساحتنا الإيمانية حرباً على العقائد وتكالباً على التشويه والتحريف والتزييف في عهد وزمن، كما تلاقي اليوم وتعاني، فلو تدبرت في واقعنا لرأيت أن الغالبية العظمى وما يفوق 90% من روافد الثقافة ووسائل الإعلام الديني (قنوات فضائية، إذاعات، دور نشر ومكتبات، صحف ودوريات، مواقع ألكترونية في الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل الاجتماعي) تتبع مرجعيات باطلة، وأدعياء علم ودين مزيفين، وتخدم التيار الإضلالي المنحرف، الذي يرفع شعار الحداثة ويدعي الإصلاح. لم يبق لنا إلا جزء قليل وهامش ضئيل من المساجد والمنابر، ثم عاشوراء والشعائر. هذا من حيث الكم والحجم، أما النوع والكيف، فإن الهجمة الإضلالية لم تبلغ يوماً هدم الأسس والمناهج التي تقوم عليها المعارف الدينية، وتجفيف المصادر والمنابع المتمثلة في تراث آل محمد، ما بلغته اليوم… فالأمر لم يعد عُقدة أسانيد ومعضلة دلالات تستقي من سوء التعقُّل والالتقاطية، وتتفرَّع عن الجهل والتخبُّط، أو تستمد من اعوجاج الفهم وسقم المزاج والمنهاج، ما يسقط شطراً من هذا الكنز ويحرم المذهب من درر وجواهر لم تحفظ لتصل إلينا إلا بخوض اللجج وسفح المهج، يتلفها ويهدرها برعونة الأطفال وطيش الأغرار، أو بمجون العهَّار ووقاحة الفسقة وجرأة الفجار… بل بلغ جحد الكتب الأربعة من رأسها، ونسبة التراث الملكوتي الذي منَّ الله علينا حين أنزله من عليائه فجعله في بيوت، على مرأى من الأنظار وفي نطاق الأسماع ومتناول الأيدي والأفهام، نسبته إلى اليهودية والمجوسية ورميه بالوضع والكذب! وانتهى إلى الاستهزاء بأُصول تشييد معارف الدين والسخرية من أسس استنباط أحكامه، ووصل حدَّ الدعوة العلنية لنبذ أعلامه، مراجع الدين العظام، وملاذ الأمة وملجأ الأيتام، بل نفي انحصار الحق فيه، ومساواته بغيره، والقول جواز التعبِّد والتقرب إلى الله بأي مذهب كان!

    إن هذا الوضع العصيب يقرع ناقوس الخطر، ويدوِي صور النفير العام، وينادي بالتعبئة ويستنهض كلَّ همة…

    وهنا وقفة مع آليات العمل وأساليب الحركة وطرق المواجهة وكيفية أداء الدور في هذا الخطير، التفاوت في ذلك والاختلاف فيه، صعوبة تشخيص الواقع في هذا الشوط، وعسر رسم التكليف المناسب لهذه المرحلة… وقد قضى بعضهم عمره في هذا الميدان، وصرف حياته في هذا السبيل، يعمل مع علماء أبرار تتوقد الغيرة في نفوسهم، وأساتذة كبار تتوهج البصيرة من نهجهم، انخرط في هذه الجبهة، وولج معهم دهاليزها الضيقة بعد دروبها العريضة، قطع مفاوزها المهلكة، وكابد عقباتها الكؤود، وتوغَّل في مساربها الملتوية الوعرة، وخاض معارك ضارية محتدمة، أطفأت فتناً وأخمدت نيراناً، قصمت ظهور أئمة ضلال، وشتَّتت جمع أحزاب، وأعضبت قرون شياطين، فتمرَّس ما شاء الله في هذا، وحصَّل خبرة رسَّخت ملكة، وأورثت حكمة وفطنة، وأضفت حصافة وحنكة، حريٌّ بالعاملين في الساحة اليوم، فتياناً وفرساناً، أن يقتبسوا ويستلهموا منها، ويستعينوا بها في صولاتهم وجولاتهم.

    يدور العمل في مواجهة الضلال والقيام لله في نصرة الدين بين مثنى وفرادى، زرافات ووحدانا… هناك مَن يطيق العمل الجماعي والائتلاف في فرق تتظافر ومجموعات تتناصر، قوىً تنسق وتنظِّم، بما يحفظ الطاقات من الهدر والجهود من الضياع، ويعمل على جودة الأداء وإتقانه، وسداد الراي ورجحانه. وهناك مَن لا يطيق ذلك، فينهض بالأمر منفرداً ويمارس دوره مستقلاً. وبين هذا وذاك علينا التنبه أن القضية يحكمها أمران:

    الأول: أن لا ولاية لأحد ولا نظارة على الساحة الإيمانية، إلا في حدود النصح والإرشاد، دون الإملاء والتطويع والأرغام. لا قائد ولا زعيم يقود تيار الحق وجبهة الولاء في هذه المعركة، والعاملون هنا لا يستقون التوجيهات من أحد، ولا يتلقون التعليمات من آمر، اللهم إلا الأحكام الشرعية والضوابط الفقهية، وكليات وعمومات يؤكدها الفقهاء ويباركها المراجع العظام…

    ليس لأحد أن يحصر مواجهة الضلال ومقاومة الانحراف في نمط من العمل بعينه وأسلوب دون غيره، ولا أن يقصي مؤمناً عن موقعه، ويسلبه حقه في شرف الدفاع عن مذهبه، بحجة تشخيصات وقراءات توصَّل إليها هو، ترى أن المحاولة هنا تسيء إلينا، والصولة هناك لا تخدم قضيتنا، والحركة في هذا النطاق تهدر طاقاتنا وتبدد إمكانياتنا، والاندفاع في ذاك الأمر يفتح علينا ما يشغلنا عن الجبهات الأصلية، وما إلى ذلك من “اجتهادات” في قراءة الواقع، ووجهات نظر ورؤى في فهم الحدث، يسعى أصحابها إلى تعميمها وفرضها على غيرهم لما يحسبون في أنفسهم من تقدم في العلم وتفوُّق في الفهم والوعي! والحال إن ما يملكونه من أدلة يستشرفون بها الواقع ويرجحون بها قراءة بعينها، إنما تصلح أن تخلق فيهم ـ دون غيرهم ـ القناعة، وترسم لأشخاصهم ـ لا للآخرين ـ التكليف، ناهيك بأن تصبغ الساحة بطابعها، مع تعدد مشاربها وتنوع مصادرها وسعتها وامتدادها… من الكبر الخفي والغرور الشيطاني أن يجزم أحدنا أن السبيل في موضوع ما، هو هذا الذي أقول ولا غير، ومن الجهل بمكان عدم افتراض القصور في المعطيات الموضوعية التي تفضي بأحدنا إلى تكوين قناعة ما في أمر خارجي، وإن خلقت له حجة شرعية سمحت له بالحركة أو التوقف، وانتهت به إلى تحديد آلية خاصة بذلك ونمط بعينه دون غيره، ولكن أن يرقى ذلك إلى جزم وقطع يسقط الخيارات الأخرى التي توصَّل إليها آخرون، وينفي رؤية شيء من الخير فيها.. فهذه كارثة روحية لأصحابها، قبل أن تكون خسارة فادحة للساحة والجبهة التي يعمل فيها أنصار الأصالة والولائيون المتصدون للضلال.

    ما دام النشاط في نطاق الحدود والضوابط الشرعية، فليس لأحد أن يمنعه، والقراءة التي يحسب صاحبها أنها عميقة واعية، حكيمة متزنة، قد تكون في الحقيقة والواقع ضحلة ساذجة، وجهولة مندفعة، والحرب المسعورة التي تشن على التشيع الأصيل، والهجمات المتلاحقة التي لا تتوقف على المذهب الحق، لا تسمح بالتضييق والتشديد وما يورث الحكر والحصر، لا تهاوناً في المعايير وتفريطاً في ضوابط الجودة، بل احتراماً لحقِّ الآخر وخوفاً من تبعات مهلِكة، ذلك أننا لا نخيط ثوباً أو نبني بيتاً أو نصنِّع مركبة وآلة هنا، حتى يمكن الجزم والبت على نحو رياضي، بل هي أفاق إنسانية، وحركة نفسية تستنهض الغيرة والحمية، وتفاعل اجتماعي يتلمس الخطر على الهوية، الحاضرة والمستقبلية، ثم سعي روحي يرجو الأجر والثواب، ويطلب التكامل عبر أعظم أبوب الجهاد.

    إنها حرب، والحرب تحتاج استنفار كلِّ القوى وتعبئة سائر الطاقات، فالدين دين الجميع وواجب نصرته والدفاع عنه يتوجه إلى كافة القطاعات والأفراد دون استثناء، الكبار والصغار، العلماء والعوام، الرجال والنساء، وشرط العلم والقدرة الذي ينجِّز الأمر هنا متحقق في كلٍّ بحسبه… فالعالم المتخصص مُطالبٌ بدراسات تُبطل وتفند مقولات القوم، وتحقيقات تدفع تشكيكاتهم، ثم تقديم مادة متكاملة ومعالجة وافية في كل موضوع، تربط على القلوب وتثبت الإيمان وتنتشل أيتام آل محمد وتنقذهم من براثن الإضلاليين ومخالب المبتدعين وأنياب المتجرين. وطلاب العلم الأقل رتبة، الذين لا يمكنهم خوض غمار البحث والاحتجاج، عليهم نقل وتبليغ مادة تلك الدراسات والتحقيقات، نشرها وبثها، والنهوض بدور إعلامي يكمِّل ما صرف فيه الأساتذة الكبار أعمارهم وبذل العلماء الأعلام لإخراجها غاية جهدهم، فلا تبقى حبيسة الكتب ونطاق الحوزات والنخب.

    هكذا تنادي المسؤولية الخطيب والشاعر والرادود والكاتب، ليمارس كلٌّ دوره عبر منبره وأبياته وقلمه، وتستنهض المثقف بسعة اطلاعه، وتستنجد بكل مؤمن وترسم تكليفه بحسبه، وفقاً لقدراته وطاقته… قد يعجز بعضهم عن المجاهرة بموقفه، فلا بأس بدور خفي واسم مستعار، وقد يضيق وسع آخر عن المساهمة بأي نحو، فيكفي اصطفافه في جبهة الحق، فلربما كان تكثير السواد علَّة في هداية ضال، وسبباً في وَهْي نفوس الضلَّال وكسر همم المنحرفين الفجار، فالأولوبة لمنع أن ينجر الصراع بأي نحو إلى جبهتنا الداخلية، فيقول صاحب الاثنتين لصاحب الواحدة لست على شيء! إن المرفوض المدان هو السلبية المطلقة التي تبخل حتى بمداخلة “إعجاب” على مواقع التواصل الاجتماعي تزيد عدد أنصار الحق وتشجِّع كاتبها على المزيد، أو بتسجيل اعتراض على منحرف ينشر الضلالات، ولربما ردعته أو أثَّرت في متابع غافل. والظلم الفاحش هو في التهاون والميوعة التي تعجز عن مقاطعة متجر أو مطعم يعود ريعه لإمام الضلال ومؤسساته، فلا يبالي المؤمن أن يرفد عجلة الحركة التي تهدم دينه وتوهي مذهبه وتقوِّض عقائده بالمال، فلا يقاطع مؤسسات القوم مع ما تتوفر عنها من بدائل.

    قد تتمكن تغريدة ساذجة في “تويتر” أو فقرة عابرة في “فيسبوك”، أو تسجيل مرئي من دقائق لمقطع يبث دفاعاً ويفنِّد شبهة، من انتشال مؤمن بسيط عثر في شباك القوم، وتنقذه من الهلاك، فتفعل ما لم تفعله كتب علمية عظيمة، نقضت مقولات الضلال وقوَّضتها بالأدلة الدامغة والححج التامة، ودحضتها ببراهين محكمة! إن الجبهات متعددة، والمخاطبون متفاوتون، ويكاد الأمر في الحكمة الجارية “لولا الأذواق لبارت السلع”، يسري هنا ويحكم، ففي بعض الأساليب التي تزدريها الأعين، والردود التي تستخف بها وتحتقرها النفوس، حاجة طائفة من المؤمنين، وسبيل نجاة جماعة من الموالين، فـ “لا تستح من إعطاء القليل، فإن الحرمان أقل منه”. 

    إنَّ تحفُّظ بعض نخب الموالين على فتح الباب أمام كافة العاملين وإن كانوا من “العوام” وتركه مشرعاً لخوضهم هذي الغمار، ينطوي على هفوة وينشأ من غفلة عن أن المعركة لم تعد علمية فحسب، وأن العدو تجاوز الإطار الأكاديمي أو الفني التخصصي في المادة التي يطرحها في إغواءاته ونطاقات وميادين احتجاجه (ولعله لم يكن كذلك يوماً)، ودخل في الترويج بل التهريج الإعلامي، ومن الخسران والغبن تركه متفرداً في الميدان مستأثراً بالساحة، وإخلائها من العوائق والسدود، بما يتيح له التقدم ما شاء واستطاع. كما أنهم يغفلون وهم يخلطون ولا يميزون بين أمرين: حفظ الدين الحق في صدور العلماء وكتبهم ونطاقهم، وبين حفظه بين الناس وفي الأمة وحركتها الاجتماعية. ولو انحصر أمر النهوض للدفاع عن الدين وحفظه، بالعلماء والملتزمين، لما بلَغنا منه شيء، وفي رواية شكوى الأصحاب من المفضَّل، درس بليغ يفتح باب “حملة الأسرار” على طبقة، وينفيها عن أخرى (كما ذهب السيد الحجة الكوهكمري قدس سره، انظر تقريرات بحثه «النجم الزاهر في صلاة المسافر» للسيد أبي الحسن التبريزي ص 103)، ففي الحديث عن عدة من أهل الكوفة كتبوا إلى الصادق عليه السلام فقالوا له: إن المفضَّل يجالس الشطار وأصحاب الحمام وقوماً يشربون الشراب، فينبغي أن تكتب إليه فتأمره أن لا يجالسهم. فكتب إلى المفضل كتاباً وختمه ودفعه إليهم، وأمرهم أن يدفعوا من أيديهم إلى يد المفضَّل، فجاؤا بالكتاب إلى المفضَّل، ومنهم زرارة وعبد الله بن بكير ومحمد بن مسلم وأبو بصير وحجر بن زائدة، ودفعوا الكتاب إلى المفضل، ففكه وقرأه. فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم، اشتر كذا وكذا، واشتر كذا وكذا، ولم يذكر فيه قليلاً ولا كثيراً مما قالوا فيه. فلما قرء الكتاب دفعه إلى زرارة ودفعه زرارة إلى محمد بن مسلم حتى دار الكتاب على الكل، فقال المفضل ما تقولون؟ قالوا: هذا مال عظيم حتى ننظر ونجمع ونحمل إليك، ثم ندرك الأنزال بعد نظر في ذلك. وأرادوا الانصراف، فقال المفضل حتى تغدوا عندي. فحبسهم لغدائه ووجه المفضل إلى أصحابه الذين سعوا بهم، فجاؤا فقرأ عليهم كتاب أبي عبدالله عليه السلام، فرجعوا من عنده، و(كان قد) حبس المفضل هؤلاء (الأصحاب) ليتغدوا عنده. فرجع الفتيان و(قد) حمل كلُّ واحد منهم، فحضروا واحضروا ألفي دينار وعشرة آلاف درهم قبل ان يفرغ هؤلاء من الغداء! فقال لهم المفضل: تأمروني أن أطرد هؤلاء من عندي؟ تظنون أن الله يحتاج إلى صلاتكم وصومكم. 

    وفي مقابل هذا الانفتاح وإخلاء السبيل، على كل منا أن يعي قدراته وإمكانياته، ويدرك حدوده والنطاق الذي يحسن ويجيد العمل فيه.

    إن الجبهة العلمية والنطاق الفكري الذي يدحض مقولات القوم، ويدفع أباطيلهم، ويبطل حجج المنحرفين ويعرِّي زيفهم، لا يسقط الأدوار الأخرى ولا يعطِّلها، فالمعركة أكبر والجبهة أعم وأوسع من أن تحصر في نطاق، لا يلبث أن يلتهمه العدو بمغالطاته ويقضي عليه بتهريجه وإسفافه! لكلٍّ الحق في العمل وفقاً لقناعته ودرجته وسطحه، وعلينا أن نفهم ونهضم أن التعددية والاختلاف فطرة وطبيعة، وندرك أن الاستبداد الذي نمقت من الحاكم والظالم، قد يظهر على أيدينا وممارساتنا في مشهد طرد المؤمنين وحكر العمل على النخب.

    الثاني: أن لا ننتظر نتيجة ولا نرقب ثمرة، بمعنى أن لا يكون مرتكز العمل ومنطلقه هو النجاح في الوصول إلى الغايات… فالدفاع عن المذهب عبادة، والصدح بالحق يمثِّل حالة روحية يرجى لها النماء والتكامل، ويرقب الأجر الجزاء الأخروي، ويمكن تشبيه الأمر ببذل المال، فدفع الصدقات وإسداء المعروف إلى الفقراء، لن يعالج الفقر في المجتمع، ولن ينهي العوز والحاجة، وستبقى المجتمعات طبقات والناس فئات، والبشرية شعوباً وقبائل، ولن يُنفى الفقر تماماً إلا على يد المولى عجل الله فرجه، في زمن العدل الإلهي وحكومة المهدي، عندما يرث الله الأرض ومن عليها، عندها سيتحقق دعاء “اللهم أغن كل فقير وأشبع كل جائع واكس كل عريان واشف كل مريض …” الذي نتلوه في أيام شهر رمضان، كل ما هناك أن يحظى الباذل بالأجر ويعيش آفاق العبادة ومعاني التكافل التي يرميها هذا الواجب أو المندوب. هكذا سوف يبقى الإغواء ويستمر الضلال ويدوم توليد البدع، ولن يتوقف كيد الشيطان في خلق صور الزيف والانحراف… كل ما هناك أن يدوِّن أحدنا اسمه في عداد الناهين عن أخطر منكر، والآمرين بأعظم معروف، والناشرين فضائل آل محمد، فيدخل في السجل المبارك، ويلحق بلائحة المدافعين عن المذهب الحق، ويكون ممن انتصر الله بهم لدينه، والأهم الأخطر، أن ينأ بنفسه، ويزحزحها عن نار لائحة القابعين على مقاعد المتفرجين، ناهيك بالمنضمين والملتحقين باللوائح الأخرى، ولا سيما الشقاء الأعظم والدرك الأسفل في قائمة محاربي الحق وانصار الباطل والضلال.

    قد لا تنجح كتابة تغريدة، أو صوت ضعيف في مجلس مغلق، أو منشور من صفحة واحدة، أو رسالة ألكترونية ترشد إلى رابط، في إنهاء الضلال والقضاء على البدع والانحرافات، ولكنها قد تنقذ مؤمناً واحداً، أو بيتاً وأسرة! وكذا قد لا تفلح المقاطعة في تعطيل مؤسسات الضلال التجارية التي تدر الملايين، ولكنها تحفظ المقاطع نفسه من السقوط في أعظم أثم وأخطر جريمة!… فإن لم تفعل هذا ولا ذاك، فهي ولا شك تأخذ المؤمن إلى آفاق التميز والسمو والتعالي عن هذا الغثاء والهمج الرعاع، والالتحاق بركب الأحرار والنجباء، الذين ينزلون مقدساتهم منزلة عظيمة خطيرة، وينظمون حركتهم الاجتماعية ومواقفهم السياسية على ضوء معطيات عدائها أو نصرتها أو خذلانها للمذهب الحق، لا على حسابات مكاسبهم الشخصية الخاصة ومصالحهم الدنيوية.

  • لم يباغت أدعياء العلم والفقاهة شيء فيذهلهم، ولم يبهت المراجع المزيفين حدث فيصرعهم، ولم يملأ قلوبهم الغل والحسد ويشحن صدورهم الغيظ والحنق، بعد دهشة فتوى السيستاني وصدمة الاستجابة لها… ألا تحقيق النصر وتحرير الموصل! لقد أفقدهم الاعتراف الشعبي قبل الحكومي والدولي، بدور وفضل المرجع الأعلى وفتواه التاريخية، وشكره والثناء عليه والدعاء له، ومن ثم ترسيخ موقعيته وتكريس قيادته وزعامته، أفقدهم رشدهم وصوابهم، لذا لا عجب أن تراهم يترنحون ويتخبطون، لا يدرون ماذا يصنعون؟ أيقرون ويعترفون؟ فهي نهايتهم! أم يكابرون ويعاندون؟ فهي فضيحة ترسم خاتمة شيطنتهم وتأتي على أمد عبثهم وإفسادهم!..

    أُدرك ذلك وأتفهمه جيداً، ولكني لست أدري كيف أصبح يفكر هؤلاء وماذا صار يعتريهم حتى سقطوا في هذه المخازي ووقعوا في مثل هذه الفضائح؟! أين أخذتهم وساوس وتسويلات الشيطان وبلغ بهم الحسد؟ كيف استولى عليهم الجهل والخرق، فحسُن عندهم السفَه وزان الحُمق؟ حتى صدَّق أحدهم نفسه وأقدم على خطوة هتكته فلم تُبقِ، وفعلة أسقطته فلم تذر… هذا السيد الشيرازي، مرجع اللقاءات والصوَر، ينشر لنفسه صورة إلى جانب صورة المرجع الأعلى ويسطر تحتها عبارة يشكر فيها الشعب العراقي على استجابته لـ “فتواهما” بالجهاد، ويهنئه بتحقيق النصر ببركة هذا الامتثال والالتزام! فلحقه الحبتري بقلبه الأسود، الذي لا يطيق ذكر المرجع الأعلى، ولعله يحذر أن يحمل على الاعتراف بمرجعية منقوصة غير تامة بالفلسفة! ويصدر بياناً يهنئ فيه الشعب العراقي بالنصر، وينوِّه بنفسه بأنه أول من أفتى بالجهاد وحكَم به! وقد جاراه في ذلك السيد المدرسي، الذي توقف عن التغريد للنساء أو عليهن لساعات، أصدر فيها بياناً تجاهل فيه هو الآخر مرجع الأُمة، لكنه ”أفتى” جُزِي خيراً بوجوب الإهتمام بعوائل الشهداء، فكان السابق المبادر، فلا يقولن أحد أنه مسبوق أو مقصِّر، ها قد أضنى الرجل نفسه فأفتى، وأتعب يده وأنهكها فكتب!… مهزلة لا يدري المرء على أي فصولها يضحك ويقهقه، ومن أي مواضعها يسخر، وبأي معطياتها يستخف ويهزأ؟!

    إنه هوس الظهور والنجومية، وداء الأضواء والشهرة، تفشَّى في عصرنا بفضل أو بلعنة وسائل الإعلام والفضائيات وأدوات التواصل الاجتماعي، وفَّرت للمفلسين في سوق الفضيلة صنعة، وأتاحت للحوانيت الفارغة من العلم والإخلاص سلعة، وهيأت للمتاجر الخاوية بعد الدين من الحياء بضاعة. الحياء الذي ما زال في بوار وركود وكساد، جعل كل هذا وذاك يهون أمام ما يطالعنا به “العلامة المربي”… الذي يظهر ويحضر في الفضائيات وفي “اليوتيوب” و”الفيس بوك” و”تويتر” و”الانستغرام”، وفي موقع “السراج”، وعلى رفوف المكتبات، وأرصفة الباعة المتجولين، ثم في لافتات الإعلانات في الشوارع، وآخراً وليس أخيراً، على أعمدة إنارة الطرقات! والبشرى أنني فتحت الثلاجة اليوم فلم تظهر علي صورة “مربي الأجيال”، وكنت أبحث عن مربى الجزر!

    بالله ما هذا الهراء والإسفاف؟ هل أُعدمت الأمة الفحول والأبطال، ونزل بها الجدب والشظف وقحط الرجال، حتى صار هذا الشيخ نجماً وغدى رمزاً تنتشر في شوارع مدن العتبات المقدسة لافتات “جواهره”؟ بعد أن كانت تضيء بأنوار كلام أئمة الهدى عليهم الصلاة والسلام؟ ولست أدري، وأنا أعرف فيه بصيص فهم وعلم ودين، وبعض وقار واتزان، كيف صدَّق هو نفسه، وسمح ورضي أن يعلو ويرتفع ليتبوَّأ هذا الموقع ويغدو “ملهم” الأمة ومنارها؟ هل صدَّق حقاً أن المعرفة اختمرت فيه وتعتَّقت فانصبَّت حكمة تُنافس أحاديث آل محمد؟ أو أنَّ الأفكار اعتُصرت وضُغطت في قصار أقوال غدت جواهر تتلألأ، خفتت أمامها أنوار تعاليم الأئمة الأطهار؟ فصدَّق الرجل أنه ينثر حكَماً، ويسطر بقصار أقواله مآثراً، وأن الساحة، ولا سيما النشْأ، عطاشى يتحرَّقون لسابق إرشادات “لقمان” العصر، كما يتشوَّقون لجديد إبداعات “نائب الخضر”؟! وأن الأجيال تتطلَّع للاقتداء بسيرته والتأسي بطريقته، كما تتلهف لإطلالته والتمتع بجمال مرآه وحسن طلعته؟ أليس في بطانته من يُخلص له النصح ويردعه عن هذا التهور والطيش؟

    وفقاً للموازين العلمية ومعايير تقييم العلماء وضوابط تصنيفهم، الرجل في الطبقة الرابعة أو الخامسة، إن عددنا الأولى للفقهاء والمراجع العظام، والثانية لأساتذة السطوح العليا، والثالثة للفضلاء المحصلين، والباحثين المحققين، وهو بذلك واحد من آلاف، لا يتفوق بعلم يستأثر به، ولا يتقدَّم بتقى وورع يميزه، لا عبقرية هنا ولا نبوغ، اللهم إلا الإمكانيات المالية ودعم السلطات والحكومات الذي يستمده بمكر ودهاء، ويحظى به أحياناً من قوى تشكِّل أضداداً متنازعة، وأحزاباً وقوىً متصارعة! ناهيك بتجار وأثرياء يخرقهم بخازوق “جواهره” الفارغة ويجذبهم ببريق مجوهراته المطلية الزائفة، ويمعن في إغراقهم في الجهالة، ويحرص على إبقائهم بعيداً عن ومضات البصيرة والهداية، لتستمر منه الغواية ومنهم البذل والعطاء بلا نهاية.

    من جواهر البحار، إلى جواهر الشيخ بهجت، إلى جواهر الشيخ حبيب.. هذا طريق الاستئكال، ودرب الاتجار، واضح بيِّن، جلي ليس بخفي. فالإلهي لا يدعو إلى نفسه، والرباني لا يروِّج إلا لربه، لا يمحور حول شخصه مريدين، ولا يجمع في ركابه مستغفلين، ولا يحشد تحت رايته مغترين… هكذا “ارتقى” الرجل في سلَّم “المجد” وتدرَّج: لم يكتف بدور إمام جماعة راتب يرعى المصلين في مسجده، يتولى تربيتهم وتعليمهم وتزكيتهم، فقفز إلى “مربٍّ فاضل” يستقطب الجماهير من كل حدب وصوب، لكنه لم يكتفِ ولم يرتوِ، فطفر ليصبح علَماً في الإعلام وصاحب فضائية كبرى تخاطب الملايين، فلم يشبع ولم يقنع… رسمت له لوحات والتقطت صوَر وطبعت ملصوقات ونشرت إعلانات، كلها تسوِّق لشخصه وتلتف حول ذاته وتصبُّ في “الأنا”! تلك المتلونة المتقلبة التي يدعي راعيها الولائيات ثم يحضر في عزاء فضل الله ويشارك في تأبينه! يتمثل عارفاً إلهياً لكنه يلتمس السبيل إلى لقاء الله مباشرة عبر اسمه، لا متوسلاً بالحسين كما يفعل العوام! ويرى أن “علياً يبكي من بُعد السفر ومن قلة الزاد، فكيف بنا نحن” (على طريقة الضال المضل واستظهاره من عبارات دعاء كميل وقوع المولى في المعصية)؟ وفي الخفاء الذي يتعمدون تسريبه إلى السذج البله، ولا سيما النساء، لغطٌ يشغل مريديه حول لقائه المولى، وشبهة سفارة من الناحية المقدسة (وقد واجهني أحدهم في أمر لوحات جواهر الشيخ حبيب فقال: ألا تحتمل أنها بإذن أو بأمر المولى!؟)، ثم أوامر وتوجيهات بالصمت والكتمان، فالساحة لم تنضج لتتقبل هذه الحقيقة، ولم ترقَ لتتحمل هذا الدور بعد، كما وصلت أنت أيها المريد المحظوظ وفعلت!… والمآل المرتقب الذي انتهى به مطاف من سبق، هو طرح مرجعية متميزة، عصرية روحانية، في وجهها نور المكياج وهالة إضاءة الإخراج، ودعوة لنصرة زعامة قادمة طوت مراحلها الأولى وصارت الساحة تطالبها وتدعو إليها، وإلا فالرجل غير طالب ولا راغب! هذا هو المسار والمآل، اللهم إلا أن يردعه النقد ويوقفه التعريض، وتمنعه المواجهة، ويزجره التوبيخ والتقريع، ومن يفعل فهو ينقذ الرجل ويحسن إليه، قبل أن ينقذ الأمة ويدافع عن المذهب ويخدم الطائفة.

    الفكرة سهلة والمعادلة بسيطة: هناك سعي لنشر الدين والعقيدة، وحرص على تحقيق الأهداف الإلهية، واجتهاد في تطبيق الشريعة المحمدية، وترويج الأخلاق الإسلامية، وهذه الحركة تقتضي ظهوراً وتستلتزم للعاملين شهرة وتخلق لهم عناوين وتوجد اعتبارات… العلماء الربانيون، والرساليون المخلصون، والعاملون المجاهدون، يسعون أن يوجهوا خطابهم، ويجمعوا الناس حول رموز الدين نفسه، ويسوقوا المؤمنين تجاه عناوينه، فتضمحل أشخاصهم، وتتصاغر شخصياتهم، فيبارك الله في أعمالهم. وهناك من يمحور الحركة ويأخذ الفعل ويسوق النشاط ليدور حول شخصه، يستميت في جذب الناس إليه، ودعوتهم إلى نفسه… إنها “الأنا” التي يوظف أربابها الدين لها، ويستأكلون به في سبيلها، ويتهالكون على الظهور والشهرة، ويتطلَّعون إلى المزيد، حتى ينازعوا أولياء الله مقاماتهم وينافسوا الرموز التي نصبها الله مناراً لعباده وأركاناً في بلاده، ولن يعدموا المسوغات، ولن تخلوا جعبهم من الأعذار والتبريرات.

    قد تكون الأفكار المنحرفة مجرد شطحات زلَّ بها الرجل وعثر، لا تشكِّل مسوغاً ولا تبني حجة لمواجهته، ولا تكشف أو تنذر بخطر كامن يحمله وينطوي عليه، ولكنك ستخرج من هذا التلقي الساذج إذا جمعته بتاريخ وسوابق، وحالة عامة معاشة مشهودة من السلبية المفرطة، التي تحمل رسالة نقض وخطاب إدانة لجهود التصدي للضلالات، تقول إنها فتن علينا تجنبها والإعراض عنها، وأن المدَّعى من النهج الروحاني والسلوك العرفاني “يترفع” عن الخوض في هذه الخلافات، وكأنها شخصية أو دنيوية مرفوضة، لا دينية مطلوبة، تشكل جبهات حق إلهية انبرى لها قمم الهرم العلمي للشيعة، وتصدت له نخب العلم والفضيلة! فلا موقف للرجل ولا رأي، لا على نحو الرد والاحتجاج، ولا على نحو المبادرة وتناول الفكرة بمعزل عن الصراع، بما يحصِّن النشأ ويربيه على الولاء. ولو كانت سلبية قاعدٍ لا يبالي بشيء، منزوٍ في داره لا يعنيه التبليغ، أو معقَّد يائس من التأثير والنتيجة.. لهان الخطب وحمل على محمله. لكنها سلبية داعيةٍ من الطراز الأول، خائض في لجج الساحة وأعماقها، مغامر في صميمها وأرجائها.

    من التشكيك بمصاب الزهراء ومقامات أهل البيت، إلى التصريح بنسبة كل أحاديث الشيعة (بما فيه الكتب الأربعة) إلى اليهودية والمجوسية، إلى مقولة المذهب القرآني التي تقوض الدين من أساسه وتهدمه من أصله، إلى مساواة مذهب أهل البيت بمذهب أبي حنيفة في الحجية ومعذورية العمل، إلى محاربة الشعائر الحسينية والاستخفاف بها، إلى عد التوسل بالأولياء شركاً، واستنكار تشييد العتبات المقدسة، والزعم أن اللعن والبراءة بدعة صفوية مدسوسة في تراثنا وعقائدنا، والطعن بمراجع الدين العظام ورميهم قاطبة بعدم جامعية الشرائط.. هذه كلها ومعها أضعاف مضاعفة من الضلالات التي تعصف بالساحة، لم تشكِّل للرجل منكراً يجب النهي عنه، ولا باباً للمعروف ينبغي الأمر به، ولا خطراً يقتضي المواجهة، لا بالشدة كما فعل بعض العلماء، ولا باللين كما فعل بعض آخر، بل هو يمر عليها مرور اللئام على الفضائل، والكرام على التوافه والفضلات والنوافل، كمن يخوض في ساحة ملتهبة، ويلج ميداناً كله ألغام وانفجارات وقصف جوي ومدفعي ورصاص وقناصة، فيتجاوزه من أوله إلى آخره دون أن تعلق بثوبه دُخنة أو تلطخه سُخمة، ناهيك بأن يصاب أو يجرح ويكْلم، ثم يزعم أنه مثال نهج الحق وكشف الصدق!.. هذا أخطر ما يفعله الرجل ويمارسه.

    لن تسمح الساحة الإيمانية أن يعلو منارها هذه النماذج، رفقاً بأنفسهم، وبالسذج البسطاء الذين يصدقونهم ويتبعونهم، حين يفيقون قريباً من غفوتهم ويستيقظون غداً من نومتهم، فإما أن يكرروا مأساة جماعة من المؤمنين شاء حظهم العاثر وطالعهم التعس أن ينفتحوا على الدين ويتعرفوا على الالتزام من باب الشيرازية وعبرهم، فتناولوا من فاسد طعامهم وآسن شرابهم، فما لبثوا أن انقلبوا علمانيين وارتدوا عن أصل الدين، أقفلت أفهامهم وسكرت أبصارهم من فرط ما رأوا في أجواء هذا التيار من وَهْي وابتذال، وسخف وجهالة وتسفيه للعقول والأفهام، ولا سيما من معمميهم، والقُفة التي يحملها “معاش” على رأسه فعجزت أن تداري مسترسل قُصَّته، ومحاضراته في الجامعات خير مثال… وإما أن يكتب لهم الوعي وتغلبهم البصيرة، فيلعنون شيطاناً غرهم ورسَّخ فيهم الجهل ليخدعهم، سخِّرهم كرة يلعب بها، ودمية من عرائس تتراقص على مسرح مجده، وكيف قدموه على أصالة مبذولة أمامهم ونقاء نشأوا عليه فصرفهم عنه، أغشتهم “جواهر”مزيفة خاوية، وأعماهم ظهور أجوف، وصيت وشهرة لا تُشترى في عالم الحقائق بدانق… إنها ومضة تريد أن تتم الحجة عليهم وتقطع الطريق على أعذارهم من غياب أي صوت منبِّه، وأي مقابل يقطع هذا السيل المسترسل من الإغواء، فليحققوا بأنفسهم وليخلصوا إلى النتائج التي تنتهي إليها أبحاثهم ودراساتهم. ألا هل بلغت، اللهم اشهد.

  • في مثل يوم أمس الرابع من تموز، مات فضل الله، الشخصية الغريبة الغامضة والرمز الملتبَس المريب، ذو الروحية الملوَّثة الموبوءة، بل المسكونة الممسوخة، النرجسي الحالم والأناني المضطرب، المهووس بالمجد واللاهث خلف الشهرة.. ثم المغلوب بالعجز والمحكوم بالإخفاق، ما مكَّن العقَد في روحه وأصَّل الأمراض في نفسه، وحمله على طرق كل باب، والتماس كل وسيلة، وتسوُّل كل مانح واستجداء أي باذل.. كانت قرابته من آل الحكيم (أولاد خالته)، قد أزرت به غيرة وفَرَت كبده حسداً وحسرة، بيت مرجعية ورئاسة، لا دينية روحية فحسب، بل دنيوية أيضاً، فهم زعماء، يفد إليهم أركان الدولة ويقصدهم شيوخ العشائر، بل يتقرب منهم رؤساء الدول وقادة مختلف البلاد. وهو نكرة حقير، تافه ذليل، منزو في السراديب مع رفاق السوء، أو متسكِّع على شاطئ الكوفة يقرأ المجلات المصرية.. حتى غلبته العُقد وتمكَّنت منه وتعمَّقت فيه، فصرعته (وبالمناسبة، هي نفس عقدة مومس الأحساء مع سيد علي وأبناء عمومته في الدمام، وعقدة العسر من سيده الحبتري الذي كان يسخِّره مطية لشهرته وسلَّماً لنجوميته، وعقْدة آخرين من صعاليك الحركة الإسلامية سأتعرض لبنيتهم السايكولوجية لاحقاً إن شاء الله).

    هكذا أشعلت المنافسة نفسه وأوغر الحرص صدره وألهبت الكراهية جوانحه، وهيأته مرتعاً خصباً للشيطان، وملعباً رحباً لجنوده، وميداناً فسيحاً لأعوانه، يصولون ويجولون، يغزلون وينسجون، يقطعون ويخيطون، حتى صنعوا الشخصية التي يريدون والمثال الذي يرغبون! ولا سيما أن بواعث الحسد وأجواء المنافسة تلك قد حاصرته أينما توجَّه، وتلقته حيثما انصرف.. كان يرى السيد الصدر يأخذ طريقه، أو قل تأخذه الأقدار في طريق المجد والشهرة، وتتقدم به على الرغم من حداثة سنه وصغر عمره، والرجل ما يزال قابعاً في حضيضه، رهين نطاقات ضيقة وآفاق محدودة محصورة. لم يكن حزب الدعوة يجاري طموحه ولا يبلغ ما يشبع غروره، واتضح أن التعويل عليه استثمار بعيد المدى وطويل الأمد، وهو في عجلة من أمره، تحدوه خفَّة وتستنهضه سرعة، مندفع لا يطيق التريُّث، ومتهالك لا يتحمل التؤدة، لذا ترك الحوزة سريعاً وعاد إلى بلاده، جوهرة الشرق الأوسط في ذلك الحين، ومنطلق المشروع الغربي، ورأس الجسر الذي سينقل إلى العالم العربي التعس المغلوب كل ما في ذلك العالم من إلحاد ولا دينية، وانحطاط وتسيُّب وإباحية، بغطاء التطور والمدنية، والعصرنة والحرية، والحداثة والتعددية… عرض فضل الله نفسه كخيار يحقق أهدافهم، واقترح أن يكون رجلهم الذي يؤمن مصالحهم، وأخذ في الانفتاح بكل اندفاع، وراح في تسويق نفسه ببذل ما يريدون، وتقديم التنازلات بكرم وجود، ومنح ”الخصومات” بلا حدود، وتوفير العروض بلا شروط ولا قيود…

    من هنا وقع الخيار وتحققت الموافقة عليه، ودخل الرجل في “المنظومة” والتحق بالمحفل… ولكن هذا لم يكن ـ وحده ـ السر في شدَّة العناية التي تلقاها وحجم الدعم الذي حظي به فضل الله، ولا الوجه في سرعة صعود سهمه، والعجلة في تكريسه وتألق نجمه.. بل كان لظهور الخمينية، وتأجج الظاهرة الثورية، وتصدُّر الحركة الشيعية المشهد وتقدمها في الساحة الإسلامية، بل العالمية، دوره الذي أذكى حرص القوم على صنع بديل واتخاذ عميل، وزرع عامل الاضطراب وغرس عنصر القلق الذي سيمزق تلك الجبهة، حين يخلق في الطائفة مذهباً جديداً ويطرح بدعة محدثة، على غرار الخطة المرسومة والحركة المخابراتية التي أخرجت البهائية، ولكن بأداء يتلافى أخطاءها ويستدرك أسباب فشلها، وبفكر يعاكس أُطروحتها، من الإغراق في الروحانية الغيبية إلى المبالغة في المادية الحسية… ما يقطع الطريق على أي تكرار للمشهد الحاضر من العصيان الشيعي والتمرُّد الثوري، بعد أن تتكفَّل الحرب الصدامية بإنهاء الظاهرة وإسقاط الفكرة آنياً.

    هكذا بدأ نجم فضل الله بالصعود!… من نشاط خيري إنساني، إلى اجتماعي سياسي، إلى ديني عقائدي، فمرجعي قيادي.

    وكان لا بد له من الهدم قبل البناء، بل كان يكفيه الهدم.. ومعه بدأ دوره الفتنوي وأداؤه التأزيمي الذي ما زال محور الصراع في البيت الشيعي منذ ربع قرن ونيف، تمكن خلالها من تصدُّر المشهد في افتعال الجبهات واختراع الخلافات، وقيادة الساحة إلى اصطفافات أورثت الشقاق والنزاع، بلغت في بعض الحالات الخوض في الدماء، وانتهت في كثير من مواقعها مصداقاً لـ: “فتفشلوا وتذهب ريحكم”… هذه باختصار شديد سيرة الرجل وترجمة “العلَّة” في الكارثة التي ألمت بالمذهب والبلاء الذي حلَّ به، وما زال يعصف بالساحة منذ كان يطلق عليه “محمد حسين تفاحة”.

    بالأمس هلك رأس الفتنة، وقُبِر السبب في سلسلة مصائب حلَّت بساحة علماء الدين والحوزات العلمية ورجالات الطائفة.. وإن عمَّت بموته المؤمنين الفرحة، وغمر الموالين السرور، وتباشروا بخلاص الطائفة من أحد أئمة الضلال وأركان الغواية، الذي عاث في المذهب ما شاء له الشيطان فساداً، وأسس للزيغ واللبس منهاجاً، وحقَّق للشك والجهل فتحاً، صار يعود عليه توسعاً وخراجاً.. إلا أن ذلك لم ينه فصول قضية كبيرة تقف خلفها الماسونية، ولا يمكن أن تطوي صفحة نشرها الشيطان وأسس لها وراهن عليها بخبرة وحرفية.

    وهنا حق أن نقف وقفة، ونحن نشهد استمرار ذلك النهج عبر خطوات مدروسة وأدوات منتخبة ووسائل مختارة، وأساليب غاية في التعقيد، تنم عن كيد ودعم شيطاني غير محدود، وسعي وإصرار ماسوني غريب مريب، أبرزها، أو محاورها: تمييع مفهوم التقليد، ونقله من جواز البقاء على الميت إلى الابتداء به، ما يعالج إشكالية في العمل وأساساً في البناء، ثم إطلاق الفروع لذلك الأصل الفاسد والتشعُّبات والارتدادات لذلك الانفجار الجرثومي الخبيث، عبر قناة فضائية، ونماذج من أضراب الحبتري وخاسر عورة ومومس الأحساء وعسر الميثاق وغيرهم، ما عمَّم الغطاء ووسَّع النطاق، بما تجاوز حاجز الحيطة والحذر، وأزال قبح الباطل وغيّب استهجان المنكر، فصار القوم يجاهرون بضلالاتهم ويفاخرون بانحرافاتهم ويزهون باصطفافاتهم، وقد كانوا حتى الأمس القريب يمضون أذلة خاسئين، أو ثعالب مخادعين وضباعاً مراوغين!

    وبعد، فإن من أخطر محاور الكيد والخداع وأكثرها خبثاً وشيطنة، إقحام الشيرازية في المعركة وإدخالهم ورقة مبتذلة في الصراع… والشيرازية في الحقيقة مدرسة التقاطية موازية لتيار الحداثة وتكاد تكون صورة مكررة أو نسخة عن أي نموذج فيه، تلتقي معه في الكُنه والجوهر وتوافقه في أصوله وأسسه، ولا سيما في أصلَيْ: مصادرة المرجعية وتزييفها وتشويهها، ثم العمل بالنهج السياسي، و”البراغماتية” التي لا تتقيد بشريعة ولا تُبقي على قيمة. ولا تختلف معه إلا في التكتيكات وأدوات الحركة ووسائلها، وهي من المتغيرات لا الثوابت عند الجماعتين، بل كل الجماعات الالتقاطية المنحرفة، فلا فقه لازم ولا مبدأ ملزِم. فما يظهر من نهج وحدوي إسلامي عام هنا، قد ينقلب إلى ولائي مذهبي إذا اقتضى الظرف وتطلَّبت المعركة. وفي المقابل لا تستبعد أن ترى النهج الولائي الطائفي هناك، ينسلخ عن سمته ويتخلى عن تكتيكه الشعائري الحسيني، وينهض بحملة للتبرع بالدم في ذكرى سيد الشهداء، وقد بدأ بميلاده تمهيداً لعاشوراء استشهاده، كما يتخلى في سبيل مقولة الحب والحياة والسلم والوئام واللاعنف في الإسلام عن حقيقة البراءة ونطاقها العملي، ويتنكر لما ينتظر أعداء الله من تنكيل وانتقام، في رجعة المهدي وقيامه عليه السلام. بل قد يفرز التيار الشيرازي ويفصل جناحاً كاملاً (المدرسي)، يخصصه للمجاهرة بالمقولات الانحرافية الانحلالية، والمناداة بنفس الآراء التي يقدمونها ذرائع للطعن في جبهات أخرى! وليس من صدفة أو فراغ أن لا تجد في التيار الشيرازي (قاعدة وقيادات) ولا تسمع منه كلمة طعن واحدة في فضل الله، ولا في ضال مضل آخر، حتى الفراخ التي فقست عن بيوض الضلال، وترعرعت في عشه كالعورة والحبتري والكاتب، تراهم يتعايشون معهم في وئام، وفي أحسن الأحوال يقفون على الحياد، وكأن جرائم هؤلاء لم تمس مقدسات الشيعة، ولا تعرضت شيطنتهم لحرمات المذهب، ما داموا لم يقربوا من آل الشيرازي الكرام، فتكون الطامة وتقوم القيامة ويشتعل الفتيل الذي يحرق كل قيمة وحكم شرعي وخلُق!

    في ذكرى انثلام وعاء الضلال وإهراق مائه وذهاب مادته، وهلاك رأس الفتنة ومنبت قرن الشيطان، نعيش حالات ونشهد صوراً تبدو في غاية الشذوذ والجنوح، يظهر فسادها وبطلانها بجلاء ووضوح، ما يورث بعض النفوس الدهشة ويبعث فيها الاستغراب والحيرة… فالقوم ما انفكوا يطفرون حول قبره ويطوفون بحفرته، يعظِّمون جيفة منتنة، ويوقِّرون رمَّة بالية، وما زالوا يتشدقون بترهات بان سخفها وانكشف عقمها، وسجَّل القاصي والداني وَهْي أدلتها وتداعي حججها، وقد تجاوزها زمن الحداثيين أنفسهم، وتخطتها مرحلتهم، وغدوا بحاجة إلى رمز جديد يعظِّمونه، ونصب آخر يلوذون به ويعبدونه!

    لقد تمت الحجة وأقيمت البينة، التي قد يقال إنها كانت غائبة أو لم تكن بهذا الجلاء والوضوح في بداية الفتنة، وأُشبعت شبهات الرجل بحثاً، وقُتلت نقضاً ودحضاً، ما أجهز عليها وأنهى كل بريق زائف يتراءى فيها، وما عاد الظماء يلاحقون سرابها، وقد كدرت وزال كلُّ زلال موهوم فيها، استخف العطاشى يوماً، وفرغت فانكشف خواؤها، فنبذها جياع كانوا يؤمونها طوراً ويقتاتون من طعامها حيناً… فكيف يعود أربابها لتكرارها ثانية ويعيدون تسويقها ثالثة؟ كأبقار تجتر، أو أباعر تعيد ما أودعت أجوافها، فلم تهضمه أو تتقبله وتمتصُّه حتى أمعاؤها، ها هي تعيده إلى أفواهها لتمضغه ثانية وتلوكه ثالثة، أو لتستفرغه قيئاً تتقزز منه وتعف عنه حتى الحيوانات الضارية والسباع المتوحشة، فيتناوله حداثيٌّ إباحي متهتك، يدعي التعقُّل ويتأنَّق بالتمدن؟! ولو سئل عاقل عن عجائب الزمان وغرائب سلوك الإنسان، لما تعدى ظاهرة تمجيد هذا التافه، وبقاء الالتفاف حول راية الضلال هذه، واستمرار القوم في كيل آيات التعظيم والتفخيم، ومزاعم القداسة والطوباوية التي يُرفع إليها، فيجهدون أن تلصق بعضها ويلحقه جزء منها، بلا جدوى!

    لكنّ المراقب الضليع والخبير الحصيف لو تدبر في هذه المشاهد ودرس الحالة، فأعادها إلى سياقها التاريخي، وقرأها امتداداً لحركة عبادة الشيطان وتكريس الإضلال والإغواء، لوجدها سنة تاريخية وسيرة طبيعية في حركة المجتمعات البشرية، وجولات الفكر الإنساني في أطوار التخلُّف ومراحل الانحطاط…

    ويمكن تقسيم أتباع الهالك وتصنيفهم في ثلاث جماعات وتوزيعهم على ثلاث فئات:

    هناك عابثون خليعون، وماجنون متهتكون، يتخذون الدين لعباً والالتزام لهواً، يبحثون عن الرُخَص، ويلاحقون المعاذير والفرَص، يضطرهم المجتمع ويقهرهم المحيط وتحرجهم البيئة، أو يضغط عليهم الضمير والنفس اللوامة، فيأتون إلى رحاب الدين كرهاً ويدخلون عالم الالتزام رغماً.. هؤلاء يحتالون على كل حجة، ويقلبون كل دليل وبيِّنة، ويلوون عنق الحقيقة، ويلتفُّون على الواقع، حتى تنسجم أحكام الدين مع أهوائهم وتوافق رغباتهم، ولا تتعارض الشريعة مع شيء من ملذاتهم، أو تحد من شهواتهم، ويغدو الدين عندهم صورة وشكلاً، وأمراً عابراً، يقبع بعيداً، في هامش الحياة، فإذا ألح بحضوره وغلب بفرض نفسه، وجدوا في فقه فضلة الشيطان وعقائده ما يسلك بهم كل دروب الدنيا، ويأخذهم إلى أقصى ما يرجو أحدهم ويتمنى، بلا كلفة ولا مؤونة، ولا عناء أو مشقة، ممهوراً بمهر: “الإسلام دين يسر”!

    وبعد، فإنك تجد في أتباع هذا التيار حمقى وأغبياء، استغفلتهم العناوين البراقة للحداثة والعصرنة، وأغرتهم دعاوى الإسلام الحركي، ومقولات المرونة والتطور.. وما إلى ذلك من عبارات رنانة تورث أحدهم الحيرة، فيحسبها من العمق وبُعد الغور، ما يقصر فهمه عن بلوغه، ومستواه العلمي والثقافي عن إدراكه!

    ولكن الغالبية العظمى التي تتجاوز 95% من عابدي الوثن ومعظِّمي هذا الصنم، هم من المتكسِّبين المتجرين… إنهم في الحقيقة يعظمون أنفسهم، ويهتفون بأشخاصهم، فالعائد من كلِّ تبجيل لذلك الهالك يصبُّ في جيوبهم، وريع كلِّ تفخيم وتعظيم يضخم أرصدتهم، فالمجرم المقبور في سقر، رهين سموم وحميم، وظل من يحموم، لا بارد ولا معين… والقوم هنا يتنعمون بأموال احتطبها، صارت وقوداً لحفرة النيران التي يتقلب فيها الآن، وأجذالاً تذكيها وتسعرها، وحصباً يأججها كلما خبت وهمدت.

    إنها رسالة “أصنام التمر” التي يعمد إلى صنعها أقوام، لا إيماناً بها ولا حباً فيها أو تعظيماً لها، بقدر ما هي رافد يمدهم بالمال، وطريق يأخذهم إلى الجاه والسلطة، وباب يحقق لهم الصيت والشهرة… المفارقة أن عبادة الصنم وتعظيم الوثن والطواف حول الأموات، وأخذ الأحكام والأفكار والمواقف الشرعية من الرفاة، صار منهج الحداثيين العصريين، المنادين بنبذ الماضي ومواكبة الزمان! وكذا التعصب والغلو في الأشخاص ورفعهم إلى القداسة والخلود الدنيوي صار عنوان تيار حطم ما استطاع من الدين بحجة التحرر من تراث الأموات.. وعاشت رجعية التقدميين!

  • “خط الإمام” … مصطلح شاع في الثمانينات في خضم صراع الثورة مع الأحزاب السياسية والمدارس الفكرية الحاضرة في الساحة آنذاك، يشير إلى الخصائص والمميزات التي تحملها الخمينية كفكر ومدرسة، والمعالم التي تميزها عن تلك الحركات والتيارات. ويمكن تلخيص الفروق والخصائص في محاور ثلاثة كان نهج الخميني يرتكز عليها وينفرد بها:

    1/ الجمع بين الفقاهة والعرفان. فهو يتبع المدرسة والحوزة التقليدية، وما يعبر عنه بـ ”فقه الجواهري”، سواء في طريقة البحث وآلية الاستدلال واستنباط الأحكام، أو في الخلوص إلى النتائج وتبني المعارف الدينية. ومع أُنسه وميله الواضح إلى المشرب العرفاني، إلا أن ذلك لم يشطح به إلى “طريقة” دون “شريعة”، فهو فقيه إمامي إثني عشري ينزل على مسلّمات الطائفة ويقول بعقائدها دون زيادة أو نقيصة، ما تحكيه وتلخصه رسالة عملية تمثل مرجعية تقليد تفتي بجميع أحكام الشريعة من الطهارة إلى الديات، ترجعها إلى أدلة مستقاة من الكتاب والسنة، وفقاً للأصول والقواعد السائدة، دون إعمال للذوق وإقحام للفلسفة أو القراءات الصوفية والتأويلية الشاذة للدين، لا لآراء ابن عربي موقع في الفقه والعقيدة، ولا لأشعار المولوي دور في بنائها.

    2/ الثورة والجهاد. من أهم معالم “خط الإمام” أنه ثائر مجاهد قائم، يتبنى طريق الرفض العمَلي وممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بجميع درجاته ومراتبه، ينادي بالثورة على حكام الجور، ويطالب بإسقاط الأنظمة المستبدة والحكومات الظالمة.

    3/ التصدي للضلالات العقائدية، والنهضة والقيام بوجه المضلين، ومواجهة دعوات المبتدعين.

    ولعل المعلمَيْن الثاني والثالث ينبعان من نفس العين: الغيرة والحمية والنفس الأبية. فهي متى ما حضرت في امرء لنازعٍ ديني، ونمت حتى ملكت روح مؤمن من منطلق إلهي، غلبه إباء الضيم وصبغته الغيرة والغضبة لأحكام الله وحدوده، وذروتها العقيدة ومقدسات الدين والمذهب. تدفع هناك لرفض الظلم وطلب العدالة، وجهاد الاستكبار ومقاومة الاستعمار.. وتأخذ هنا للقيام في وجه أصحاب البدع ومستعملي الرأي المخترع، والتصدي لانحرافاتهم وضلالاتهم.

    أصل تراه يطبع سيرة الرجل ويصاحبه حياته كلها، ظهر في كتاب “كشف الأسرار” الذي ألفه وهو في بداية العقد الرابع من عمره، حين عطَّل درسه وأوقف بحثه وجمد نشاطه، وتفرغ للرد على ما جاء في كتاب “أسرار هزار ساله” لحكمي زاده، عمد فيه إلى نقض وردِّ شبهات الفكر الوهابي الناهض حينها في إيران بقيادة رواد الإصلاح الديني وعلى رأسهم أحمد كسروي (وهي بالمناسبة نفس شبهات وأفكار الحداثيين اليوم: تحفُّظ على تعظيم النبي وآله، في أشخاصهم وآثارهم، تهمة القبورية والهدر والإسراف في تبجيل العتبات المقدسة، والشرك في زيارة الأولياء والغلو في التوسل بهم، ورفض الشعائر الحسينية وتسفيه الناهضين بها، ومهاجمة الحوزة وعلماء الدين، ولا سيما المراجع العظام). ويتجلى في أواخر حياته بحُكمه الصاعق الذي أصدره وهو في العقد الثامن من عمره على امرأة كانت الإذاعة الإيرانية تجري لقاءً معها بمناسبة ميلاد الزهراء، قالت إن الزهراء عليها السلام غدت تاريخاً ماضياً، ولم تعد تصلح قدوة لنساء زماننا، وأنهن بحاجة لشخصية معاصرة، حاضرة بينهن، يلمسن عطاءها ويعشن قيم المثال ومعاني القدوة فيها، وأتت على ذكر ممثلة يابانية تلعب دور امرأة مكافحة في مسلل يحكي قصة اجتماعية إنسانية، تدعى “أوشين”، كان التلفزيون يبثه آنذاك.. حكم الخميني بإعدامها إذا ثبت قصد الإهانة منها، وكذا حكم على مذيع اللقاء ومخرج البرنامج!.. مروراً بفتواه التاريخية على سلمان رشدي لجسارته على رسول الله ونيله من مقامه الأسمى في كتابه الشهير “آيات شيطانية”.

    مواقف شديدة وردود أفعال حادة وقاسية، تهمل المشروع السياسي وكأنها تزري به وتستخف بقيمته، وتقفز على الطور والمرحلة التي تعيشها الثورة والجمهورية الإسلامية وكأن لا خطب لها ولا خطر، حرباً كانت ينبغي التفرغ لها وعدم التشويش على أهدافها واستراتيجيتها، وتجنُّب كل ما يشغل ويصرف عنها، أم مرحلة إعادة إعمار، وعودة لبناء جسور الدولة مع العالم، والوقوع في ما يشكِّل خرقاً للدبلوماسية وهتكاً للسمعة وإفساحاً للدعاية المعادية للطعن في الإسلام وتصويره دموياً عنيفاً.

    ولست أدري ماذا كان أنصار إيران اليوم سيقولون، وماذا سيفعل “الثوريون” الجدد وأين يقفون، لو عاشوا تلك الحقبة وواكبوا تلك الأحداث؟ الوادعون الفاكهون المنعمون المترفون، الملتحقون بها بعد الفتح، المتشدقون بها في عهد العطايا والهبات، وزمن إغداق الأموال وتلميع النجوم وخلق الرموز، الذين يرقصون على جراح الدين في مواقع التواصل الاجتماعي، ويقبعون وراء المكاتب وخلف لوحات الحواسيب، ينقرون المفاتيح بأحرف تفتح لهم أبواب السعير، ويلهون بالهواتف الذكية في لعبة ستوردهم حفر النيران وقعر جهنم، أو ينتصبون أوثاناً خلف المنصات، ويغتصبون منابر الجمعة، ومجالس سيد الشهداء… لو قرأ هؤلاء هذه الأحداث ـ كتاريخ ـ ووقفوا عليها وفقاً لمعاييرهم المخنثة الخانعة، ومنطلقاتهم المتهتكة المتميعة، وعقولهم المؤنثة الذليلة، لصنفوا هذه المواقف مؤامرة رجعية تريد صرف المجاهدين عن الجبهة الحقيقية، وانشغالاً بقضايا هامشية أو جزئية يريدنا الاستكبار العالمي ويدفعنا لنلتهي بها عن العظيمة الخطيرة! ولذهب بعضهم في النكير إلى وصف الخميني بالمدافع عن الخرافات والمستغرق في الأساطير، فإذا تأدَّب واحتشم، نعتها بأكاذيب تاريخية وتلفيقات صفَوِية وطقوس مبتدعة تريد الوقيعة بين السنة والشيعة، وأن السفير البريطاني صرف عليها كما يصرف على إقامة عزاء الزهراء، ويبذل لشراء أكفان المطبرين يوم عاشوراء! وكنت ستجد بعض السذج أو أدعياء الاحتياط والورع اعتبروها فتناً تشق الساحة وتفرق الأمة، فوقفوا على التل، متمثلين: لا ضرعاً فيحلب ولا ظهراً فيركب… ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين.

    رحل الخميني إلى ربه، ومات نهجه واندثر خطُّه، واضمحلت أفكاره وطويت صفحته، غاب هذا الفكر وتلاشى لصالح الحداثة والنزعة الحزبية والأداء السياسي، الذي أصبح حاكماً على كل شيء، فظهر ضربٌ من المتزعمين ونمط من القياديين، لا تجد فيهم شمة من عزة أو غيرة أو حمية، ولا حظ لهم في شهامة وإباء ضيم وأنفة، تولَّوا الإعلام وتصدَّوا لقيادة الحركة الثقافية، ورفدها بالمادة العلمية ورسم وجهتها العمَلية، ما أخذ الساحة إلى سلبية قاتلة تجاه الضلال والمضلين، بل احتضان لهم ودفاع عنهم، في سقوط وانحدار يندى له الجبين، وينزل العار الذي عجزت قوى الشرق والغرب أن تلحقه بالثورة، جاء المتشدقون بها والمنتسبون إليها والمتوغلون فيها، ليعظِّموا الضلال ويوفروا الغطاء لمن يهتك العقيدة ويستبيح المذهب، يهزأ ويسخر، يستخف ويتهكَّم، وقد اتخذ العقائد الشيعية مادة لتهريجه وسفاهته، وراح يدوس تراثنا وقيمنا، ويطأ أدعيتنا وزياراتنا، ويسخر من شعائرنا، ويعبث بمقدساتنا، ويتطاول على كل ذلك ببذاءة وسوقية، ولا من راد أو مستنكر، ناهيك بمانع قاهر أو رادع زاجر.

    لو كان الخميني حياً، لما دنا فضل الله من حمى الزهراء ولا تجرأ أن يقرب من حياضها ويمسَّ قدسها، ناهيك بأن يجحد مقامها ويشكك في مصابها، إن الخميني الذي يقول عن الزهراء بأنها “قادمة من مرتبة الغيب الأحدية.. ويخطئ من يدَّعي معرفة مقامها المقدس من العرفاء أو الفلاسفة أو العلماء.. وكيف يمكن إماطة اللثام عن منزلتها الرفيعة… وكيف لي ولقلمي ولغة البشر أن تتحدث عن سيدة كانت تستنزل جبرائيل من غيب عالم الملكوت إلى عالم الملك وتجعل ما في الغيب ظاهراً في الشهود؟ إن فاطمة عليها السلام قد ظهرت في عالم الشهادة وتجسدت كأبيها وبعلها في صورة بشر ظاهر لتنهض بدورها ورسالتها في عالم الملك..”، لو سمع ـ قُدس سره ـ فضلة الشيطان يقول بأنها امرأة عادية، وأن عدم رؤيتها الحيض هو حالة مرضية أو ضرب من النقص في أنوثتها، وكذا لو سمعه يقول بأنه لا يتفاعل مع الروايات التي تنقل هجوم القوم على دارها وكسر ضلعها… لجاءته صفعة حيدرية تثرم أسنانه وتقطع لسانه، وتورثه البكَم والعيَّ باقي أيامه، فيخرس حتى يهلك ويموت. والخبيث كان يعرف هذا ويدركه، لذا صمت وأخفى، ودارى ووارى، حتى مضى الخميني وانتهى عهده، فأخرج الضال المضل رأسه من مغرس العهر والخنا، وظهر قرن الشيطان من تحت عمامة هي في الحقيقة قلنسوة يهودية أو قبعة غربية، أو كوفية (شماغ) حمراء مرقطة!

    لو كان الخميني الذي يقول: “لو لا الفقهاء لما عُلم أي العلوم كانوا سيحمِّلونها الناس اليوم باسم علوم القرآن والإسلام وأهل البيت عليهم السلام.. إن جمع وحفظ علوم القرآن وآثار وأحاديث النبي الأعظم وسنة وسيرة المعصومين عليهم السلام وتدوينها وتصنيفها وتنقيحها في ظروف شحَّة الإمكانيات وسلاطين الجور والظلَمة وما يبذلون من طاقات في سبيل محو آثار الرسالة لم يكن بالعمل الهيِّن، ونحن اليوم نرى نتيجة تلك الجهود في الآثار والكتب المباركة مثل «الكتب الأربعة».. إذا لم نطلق على هذه الجهود والمعاناة جهاد في سبيل الله، فماذا عسانا أن نسميها؟”… لو كان حياً، لما كان لقصير أن يتحدى مشاعر مئات ملايين الشيعة في العالم في عقائدهم ومقدساتهم، ويأتي بالحيدري يهرف بترهاته، ويفجر بجهالاته، وما كانت قناة الكوثر التي تصرف من بيت مال المسلمين تسوِّق لحبتري يزعم أن علوم الحوزة لا قيمة لها، وأن شرائط التقليد غير متوفرة في أحد من مراجعنا، وأنهم لا يشكلون حجة في التقليد، لأنهم لم يأخذوا بالفلسفة! وأن كلَّ أو أغلب تراثنا وأحاديثنا إسرائيليات، ومن دس النصارى والمجوس! ترى ماذا كان ذلك العالم الرباني الذي ختم حياته بوصية سطر في ديباجتها: “إننا نفخر بأننا أتباع مذهب أسسه رسول الله وأميرالمؤمنين، بأمر من الله.. ونفخر أن الأئمة المعصومين عليهم آلاف التحية والسلام، بدءاً بعلي وانتهاءً بمنقذ البشرية الإمام المهدي صاحب الزمان، الحي الناظر بقدرة القادر، هم أئمتنا”… ماذا كان سيفعل وهو يشهد الحبتري يتبنى وينادي بإن المذاهب كلها سواء، ويمكن للمؤمن أن يتعبد بأيها شاء، فلا فرق بين مذهب أبي حنيفة ومذهب جعفر بن محمد؟!

    لو كان الخميني حياً… لما تسلَّط بن جدو على ملايين بيت المال ليعبث في “الميادين” كما يهوى ويشاء، ويجعلها ساحة للمرتزق أبي زكريا وجوقة المظلين التي يستضيف، من كل متردية ونطيحة وما أكل السبع فلفظه من مرارته أو فساده وزنخه، ليروِّج للباطل وينال من الأصالة ويطعن في الحوزة العلمية والمرجعية الشيعية ما استطاع.

    وبعد، لو كان الخميني حياً… لما كان للكيان الماسوني المندس في الوسط الشيعي أن يظهر على الساحة بهذا الشكل، ويفعِّل أدواته على هذا النطاق وبهذا الحجم، ولا كانت الوهابية المبطنة لترسل ذئابها تنهش في معالم الدين، وكلابها تنبح على المؤمنين العاملين، وما كنت ترى ياسر عورة يحمل دِرَّة جده ومعول خدينه وقرينه، يهوي به على عقائدنا ويثلم في حدودنا وثغورنا، يرمى الجامعة الكبيرة بالشرك والغلو، (وهي التي كان الخميني يزور بها جده أميرالمؤمنين ويتلوها كل يوم في حرمه)، ويزعم أن اللعن في زيارة عاشوراء دسٌّ، ويجحد دعاء التوسل وينسبه إلى الاختلاق والوضع، ويهتك قدس حبيب الله، ويتطاول على حضرة ما بعد سدرة المنتهى، وقاب قوسين أو أدنى، فيرميه بالجهل بمصيره!

    وإن شك أحد في تقدير موقف الخميني وردة فعله على كل ما مضى، فلا أظنه يشك بأنه لو سمع ياسر عورة يهزأ بالرواية التي تتحدث عن دخول الزهراء إلى المحشر وحضورها في عرصات القيامة، وكيف تناول خطاب العرش: “غضوا أبصاركم”، والسوقية التي غمز بها إلى حال ثياب الزهراء ومنظرها! لما تردد بأن الخميني رحمه الله كان سيلاقيه بغير ما لاقى حكمي زاده وأحمد كسروي وغيرهما!.. وها هو القلم يغلبني والتعبير يسبقني لأرمي الخبيث في أصله وأنال من منبته، إذ لا يمكن لنجيب طيب المولد أن يبلغ به الانحطاط وتصل الرذالة إلى هذه الحدود، فإن فعلت، فأنا أريد نسبه المعنوي وانتسابه الفكري العقدي، لا الظاهري الشرعي الذي لا سبيل للطعن فيه إلا ببينة وحجة شرعية.

    إنني أتمثل المشهد في إيران تلك الأيام وأقرأه ببصيرة لا تنال منها غشاوة الأوهام، وأرى البغل معلقاً من إحدى رجليه، بذراع رافعة كبيرة، يتدلى منكوساً، فإذا استوفى الحضور تكبيراتهم، أُرخي الحبل وحُلَّت عقدته، فيسقط على أم رأسه من شاهق… وفي طبيعة العقوبة سرُّ يعرفه من يعرف سرَّ طرده من حوزة بيروتية، آخر ما تعنى به الأخلاق والعفة، ومع ذلك فهي لم تطق عهره… فويل لمن كفَّره نمرود!

  • أموات غير أحياء، حتى يبعثون، وقلوب منكرة وهم مستكبرون… الضال المضل محمد حسين فضل الله، انتصب حياته كلها وثناً يُعبد، وعلا في السفهاء هبلاً يُمجَّد، وسخَّر الحمقى والمغفلين مطايا تُركب، وتقدَّم المتهتكين الخليعين إماماً يُحتذى وكعبة تُقصد، كانوا يجدون في نهجه السلوة والعزاء عن حرج الإلتزام، والمخرج من مشقة التعبُّد والعمل بالأحكام، زيَّن لهم الانحلال ديناً، ولبَّس عليهم الحسيَّـة مذهباً، وزخرف لهم الإباحية شريعة ومنهجاً. وما زال في ظلماته ليس بخارج منها، حتى تقحَّم وتمادى ليجحد مصاب سيدة النساء وينال من قدس الأقداس، أغار ليطمس ناموس الله إرضاءً للأبالسة والأرجاس، غلبه الجهل وركبه “أبومرَّة” ووقبه، وفعل فعلته فيه، سوَّل له ووسوَس، فاستحوذ عليه وأنساه حجمه، اغتر بسطوته وانتعش بقدرته، فاستخف واستهان بجذوة النور التي أُودعت قرط العرش فشعَّ الوجود بالسنا وجلل الكون الضياء، وتغطرس وتبختر فرام كسر أيقونة الملائكة التي تتبرك بها في السماء… فلما بلغ الحِمى ودنا من الحياض، حلَّ به غضب الله، فابتدر تعالى جنوده، ليحتوشوه فيُرْدُوه ويصرعوه، وجَّه إليه العزيز القهار أولياءه، وسدد وأرسل سهامه، فنهض حماة دينه وفرسان شريعته ومعاقل غيرته، راغ عليه الميرزا التبريزي والوحيد الخراساني ضرباً بيمين إبراهيمية حطّمته، كشفت للمغترِّين به وبيَّنت أن الآفلين لا يُعبدون، والصغار في ميزان الحق وعالم الحقائق، مهما زيّف الإعلام وأغوى، وأضل المال وأغرى، لا يكبرون، “وكذلك جعلنا في كل قرية أكبر مجرميها ليكفروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون”، كما أخبرت وعرَّفت قوى الشر التي تقف خلفه، من ماسونية ودول وحكومات ودوائر مخابرات، وأفهمتهم بأن هناك خطوطاً حمراء تسقط معها التقية التي تكف أيدينا وتمسك غضبنا، وأنَّ دون المقدسات أنفس تزهق وأرواح تفدى، وأنَّ في رجال الشيعة غيارى فدائيين، بصراء واعين، لن تنطلي عليهم المكائد الشيطانية ولن تخدعهم التلبيسات الماسونية.

    من هنا، بعد أن خرجوا أو أُخرجوا من الباب، عادوا متسورين الجدار، متوغلين من النافذة، عبر جنازة رعتها الماسونية العالمية، فحشدت لها ما استطاعت، وقد استزل الشيطان بعض المؤمنين الأخيار، فحسبوا أنهم سيركبون الدابة ويقودونها إلى أهدافهم، ويسوقون البهيمة ليحتلبوها في مرابضهم وحظائرهم، وهنا ضرع يدرُّ ثروات، شركات وعقارات وأسهم ومؤسسات وجمعيات وأموال منقولة وغير منقولة تناهز المليارات! ولكن خاب ظنهم، فقد أحكم الهالك وصيته، وضبط الشيطان وديعته! فهو في الحقيقة لم يمت، ما زال يُقلَّد، وما برح يقود ويسوق، وما فتئ يضلُّ ويغوي! هكذا كان الفتى العابث الماجن، ثم الشيخ الضليل الفاجر في حياته ميت الأحياء، مثله في الظلمات ليس بخارج منها، ثم صار في موته حياً، فهو من المنظَرين إلى يوم الوقت المعلوم… لم يمت فضل الله، كما لم يعش لحظة عيشة الأخيار الشرفاء، كان وهو يصلي، يركع لشهواته ويسجد لأهوائه، وكان حين يبكي في دعاء كميل يتحسَّر ويتقطَّع من حسده العلماء ومنافسته الزعماء…

    من هذه السَّبَخة الموات، واليبَس الكنود، ومن هذا القعر الآسن الموبوء، والبئر النزَح القُطوع، يخرج ياسر عودي بين الفينة والفينة ليجتر ما أُلقم من نجْو التهجين وسلح الالتقاط… يهرِّج ويسخر، يتهكَّم ويهزأ، يكذب ويفتري، يسحق العلم ويدوس الفهم، يطفر كقرد ويتهرب كفأر، يُفرغ سموماً يعجز عن بثها النواصب، يهتك مقدسات الشيعة ويستبيح حرمات المذهب، ويستفز أبناء الطائفة ويهينهم ويحقِّرهم، ثم إذا انتفض الرجال ونهضت الغيرة في أنفس الأبطال، راح يبكي الفتنة ويندب السلم ويستنجد بالفكر!

    بائس بذيء يقتات على نثيله وروْثه، وداعر صفيق يعيش على سُحت يتلقاه من نهب أموال الأيتام ودعم حكومات الظلام، وسافل دنيء لا يعرف حرمة ولا يقف عن حد، جنى على نفسه حين فجر في خلاعته وتمادى في وقاحته فتجرأ على رسول الله صلى الله عليه وآله، ففجَّر غضبة محمدية علوية، نهض بها الغيارى من أبناء جبل عامل، الموئل الذي طالما رفد التشيع، ونهض بأعباء حفظه والدفاع عنه، وهذه نتاجات علمائه وعطاءات أبنائه، ما زالت معتمدة كمتون تدريسية في الحوزات العلمية.. وإذا بتافه حقير يريد أن يزيل هذا المجد، ويلوث هذا الفخر، بأداء سوقي مبتذل، وجرأة ووقاحة لم يبلغها العلمانيون والإلحاديون!

    إذا عنى الأمر شيئاً، فهو يعني أن الصراع بين الحق والباطل حقيقة أبدية أو لا نهائية، منذ أن تشعشع نور الله وظهر، فأمر سبحانه وتعالى كلَّ شيء بالسجود والخضوع له (وذروة “الأشياء” كانت الملائكة)، حباً وكرامة، ونهجاً لسموِّها وسبيلاً لبلوغها كمالها، فأبى إبليس واستكبر، وما زال الأمر يتكرر في كلِّ طور ونشأة، وفي كلِّ عالم تقلَّبت فيه الكائنات، من الأظلة إلى الذرِّ فالدنيا… وحتى يوم الوقت المعلوم، كانت وما زالت الحرب قائمة، والمعارك محتدمة ضارية، تدور رحاها بين الحق الذي يجمع الساجدين الخاضعين، والباطل الذي يضمُّ العصاة المستكبرين. هكذا انقسمت الكائنات وتشعَّبت فئات وجماعات، تتبع كلٌّ منها وتنتهي في سعيها وحراكها إلى جهة وتتموضع في جبهة.. وها هي الجبهات تلتهب والمعارك تحتدم. وبعد هذا، فهو يعني أن الشيطان مُنظَر موعود، لا يستسلم ولا يموت، وأن الضال المضل محمد حسين فضل الله هو أحد أعمدته واسطواناته، وهو ما زال يلهث في مضماره ويعدو في ميدانه ويخدم في بلاطه، حتى وهو رمة بالية تقطعه النيران في قبره، فهذه ألسنة لهيب حفرته تتصاعد في الكويت والخليج لتجتذب فراش النار، وهذا شخصه يمتثل في الضاحية، وصنمه ينتصب في البقاع والجنوب، يسجد له من باع دينه وآخرته بحلق اللحية والاستمناء وأكل ثمار البحر ولعب الورق والإفطار قبل سقوط قرص الشمس والعيد دون رؤية الهلال ومصافحة النساء والارتزاق من بيع الخمور.. والأخطر من هذا وذاك، التفريط بالولاء، وبيع النجابة وطهارة المولد، لمجاراته في إنكار فضائل آل محمد وبخسهم مقاماتهم ومراتبهم التي رتبهم الله فيها، ثم التشكيك في مصائبهم وما جرى عليهم.

    إنها حرب، وهما فئتان لا تلتقيان، وجماعتان لا تتصالحان: يتولى الأولى الإمام من آل محمد، ويقود الثانية الشيطان… ولكل مواقعه وأدواته وأسلحته وجبهاته، إنه صراع المساجد والحسينيات والفضائل والعلم والأخلاق، مع الملاهي والمراقص والرذائل والزيف والمخدرات، وسيبقى إلى أن تقوم الساعة. حتى في القيامة الصغرى (الرجعة)، التي سينتصر فيها الحق ويغلب، ويرث الله الأرض ومن عليها، ويمكَّن المستضعفون ويتولون البلاد والعباد.. لن ينتهي الباطل المهزوم ولن يستسلم، بل سيبقى على مكابرته وعناده، ويتحين الفرصة لاغتيال المولى وتقويض دولة الحق، حتى ينفخ في الصور وتقوم الساعة والقيامة الكبرى.

    ساذج من يحسب أن القضايا العامة والحوادث الواقعة والظواهر التي تحكم حركة الأمم والمجتمعات وتؤثر في مصير البلاد والعباد، هي أمور تلقائية، تظهر عرضاً وتطرأ اعتباطاً، وأنها تتكوَّن بعفوية وتراتبية طبيعية في سياق التفاعل الاجتماعي و”التدافع” والتقاطع الذي يولد الحاجة ويبعث الحركة ويأخذ في اتجاه يفرز هذه القضايا ويشكِّل تلك الأحداث. ومغفَّل من يتعاطى مع التكتلات والتيارات والمنظمات والأحزاب، سياسية كانت أم دينية، التي تنشأ في خضم ذلك التدافع والصراع، من منطلق خطابها وشعاراتها. وغرير من يصدِّق شعارات هذه الأحزاب والجماعات، ويؤمن باللافتات التي تتحرك خلفها، يظن بها خيراً، ويتناغم مع دعواتها والعناوين التي تضعها كمبررات لنشوئها وظهورها، وأهداف ترمي إليها وتتطلَّع لتحقيقها، كالحرية والعدالة والمساواة، وما إلى ذلك من قيم إنسانية تُنهي الفقر والجهل والمرض في المجتمعات، وتأتي بالخير والسعادة والرفاه… إن جلها واجهات لكيانات شيطانية، وأغلبها منظمات وحركات إبليسية.

    إن تيار فضل الله واحد من أخطر ما أسسته الماسونية العالمية، وأخبث ما دعمته حكومات وأنظمة الفساد في العالم، وأبرز ما تكفَّله الشيطان وتعاهده، ووفر له الحماية والرعاية، وكلأه واحتضه، وأتاح له الأدوات وبذل له الإمكانيات ومنحه القدرات التي تمكِّنه من دور وأداءٍ ينذر بهدم الدين ويتيح تقويض المذهب ويتوعَّد بسحق الطائفة ويتهدد بإنهاء وجودها.

    ما دامت قناة “الإيمان” تبث الكفر، بل ما دامت ولما تُغلق وتُحظر، وما دام لقطاء فضل الله يعتمرون العمائم ويجترون قيئه ويفزُّون قيحه ويفصُّون صديده، ويبثون سمومه وينشرون ضلالاته… فلا مناص من الصراع، ولن نخدع بعد اليوم بمقولة: مات الرجل فلماذا المثلة بجثته، وأميرالمؤمنين يوصي: “إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور”؟.. إنهم مدفوعون، قبضوا الأثمان مقدماً، وهم يؤدون ما عليهم تجاه أسيادهم، وما زالوا في هذا، وسيمضون عليه حتى يشكك عوام الشيعة بأوليات دينهم وتتزلزل بديهيات مذهبهم، وينزل بأصل الإمامة ما نزل بعلم المعصوم وعصمته وولايته التكوينية والتشريعية، وما طال مصائبهم وما جرى عليهم من أعدائهم، وهذا ما لن تسمح به حوزاتنا ومرجعياتنا، ومعها جيوش مجيشة من جماهير الإيمان والولاء، يرفعون صرخات الحق والاحتجاج، ويشهرون أقلام المبارزة والكفاح… لقد تركنا لهم دنياهم، وأخلينا بينهم وبين ملكهم وإثرائهم وشهرتهم ورئاساتهم، مقابل أن يتركوا ديننا ويكفوا عنه، فإذا أبوا إلا النيل منه والطعن فيه، سننقل المعركة إلى جبهتهم، وننتقل من الدفاع إلى الهجوم، وسنفضح فساد سياساتهم بعد انحراف عقائدهم، وسيصدر مراجعنا العظام أحكامهم بإبطال أحزابهم ومقاطعة سلطاتهم، ما داموا يسخرونها لمحاربة ديننا.

  • في بداية انتصار الثورة، ومع أول انتخابات رئاسية في إيران الجمهورية الإسلامية، كانت الأنظار تتجه إلى جملة من المرشحين، وكانت الأحزاب والتيارات والقوى السياسية ودوائر المخابرات تعمل على رفع هذا وترجيح كفته، وخفض ذاك وإسقاطه، ومن هؤلاء كان أبوالحسن بني صدر… وكان يُسأل، في ذلك الخضم والأجواء المحتدمة، عن عزمه في ترشيح نفسه؟ فيجيب بأنه لم يقرر شيئاً بعد. وما زال في هذا، حتى زار الإمام الخميني (وكان حينها في مرحلة العزم على ترك الحكم، وإسناده لعدول المؤمنين، ولا سيما من التكنوقراط غير الحوزويين من أمثال مهدي بازركان)، وقد أعاد الصحفيون عليه السؤال وهو في غرفة الانتظار، فكرر جوابه: لم أقرر بعد. ثم عندما فرغ من لقائه بالخميني، وسئل من جديد وهو في طريق خروجه من البيت، أجاب باسماً: نعم قررت أن أخوض الانتخابات! ما أوحى للناس بأنه استأذن الخميني وحظي بمباركته! هكذا اكتسح بني صدر الآراء وحصد نحو 90% من الأصوات! وعندما سئل السيد الخميني عن الأمر؟ نفاه جملة وتفصيلاً، فأمر الانتخابات لم يطرح في اللقاء ولم يتم التداول فيه بتاتاً! ولكن توضيحات الإسلاميين والثوريين الحقيقيين لم تُجدِ نفعاً في بيان الحيلة التي عمد إليها بني صدر، وحُملت على المنافسة والصراع بين الأجنحة، وها هو الخميني يحسمه لصالح طرف، ويرجِّح كفة على أُخرى!

    بتوهُّم تأييد الخميني واحتمال رضاه، صوَّت الناس واقترعوا لصالح بني صدر. هكذا كانت شعبية الخميني عند بداية عهده في الحكم، واستمرت متصاعدة جارفة، حتى أنهى عهده بجنازة سجلت أعظم تشييع في القرن.

    لو قارنا هذين الحدثين بآخرين عاشتهما الساحة في عهد السيد الخامنئي: الانتخابات الرئاسية السابقة التي اضطر فيها النظام لتغيير النتائج حتى يُحال دون إعلان فوز ميرحسين الموسوي أو مهدي كروبي، ولجأ إلى قمع دموي وتنكيل بوليسي ليوقف الثورة الخضراء التي اجتاحت البلاد إثر ذلك، والوضع العصيب الذي حمل القائد على البكاء أمام الناس في صلاة الجمعة. ثم الانتخابات الأخيرة التي فاز فيها الشيخ روحاني وسقط السيد رئيسي، مرشح الخامنئي وخياره… لظهر التردي الخطير في شعبية السيد القائد. حتى اضطر مرشحه إبراهيم رئيسي، في معرض استجداء الأصوات وتسوُّل الشعبية، للاستعانة بمطرب سوقي مبتذل (يدعى «تتَلو»)، عسى أن يكسب مُحبِّيه والمعجبين به إلى جانبه، وهو الذي يتولى النظارة على حرم الإمام الرضا عليه السلام، أقدس المقدسات في إيران!

    إذا كان “حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر” هو الملاك في القيام بأعباء السلطة، وهو الحافز على النهوض بحمل الحكم، والباعث على تبوُّئ مقام الرئاسة، مقابل “إلقاء حبلها على غاربها” عند خذلان الحاضر وانتفاء الناصر، فإن التكليف اليوم ساقط ولا شك عن السيد القائد، والعبء منصرف عن كاهله بلا ريب. والمراد من “حضور الحاضر” هو الرغبة والطوع، لا الإكراه والقهر، ذلك الحضور الذي ما إن ثبت للخميني افتقاده، حتى أوقف الحرب، وتراجع عن كلام ووعود قطعها قبل أيام من هذه الموافقة! فباع ماء وجهه واشترى رضى ربه، تجرع السم وقبل الصلح مع صدام، لمعطيات شرعية تفرض عليه موقفاً يعارض رأيه ويخالف قناعته وميله!.. هكذا يتحرك رجال الله، بل هكذا يفعل حتى رجال الدولة الشرفاء وأصحاب المبادئ، والوطنيين المخلصين من أمثال سوار الذهب وسليم الحص وإسماعيل فهمي ومحمد رياض، يضحُّون بمواقعهم في السلطة التزاماً بمبادئهم ولصالح قضيتهم.

    بعد ثمانية وعشرين عاماً من المحاولة والمزاولة، والسعي والاختبار، والمران والمراس، قُطِعت لتكون تجربة استوفت مداها واستوعبت نطاقها وشملت كلَّ رحابها وأرجائها، وأخذت من فرصتها الكفاية، بل الفائض عن ذلك والزيادة… آن أن يثبت لأربابها ويَـقنعوا ويذعنوا بأن دورهم قد انتهى، وحان أن يفسحوا المجال لغيرهم.

    كانت تجربة قاسية عصيبة من جهة، ومكلفة مريرة من جهات.. وقد لحقها العسر وصاحبتها المشقة والعناء من تكالب العالم بأسره عليها، والأيمان المغلَّظة والعهود التي قطعها أعداؤها على أنفسهم أن يجهزوا على الثورة ويقضوا على الدولة. أما المرارة فهي من إخفاق وفشل ذريع لازم كل ما عمد إليه العهد من مشاريع، ونزل بجميع القضايا المركزية والاستراتيجية التي عمل لها وكابد لإنجازها! بدءاً من الوضع الاقتصادي الذي بلغ حضيضاً لم يصله حتى في زمن الحرب، ناهز الانهيار والإفلاس لولا فك الحصار جزئياً والسماح لإيران بالتقاط أنفاس حالت دون الهلاك. وانتهاءً بالمشروع النووي، الذي عجز عن بلوغ هدفه، وهو دخول إيران في معادلة الردع النووي عبر قدرات عسكرية تثني أي طامع وتصرف أي معتد، فقد تمكنت المقاطعة الصارمة واستطاع الحصار القاسي أن يوقف المشروع ويُكره إيران على شروط الغرب، وما يقال عن الاستخدامات السلميَّة لهذا المشروع هو طرفة سمجة وأكذوبة وقحة يتنطَّع بها المحللون والكتَّاب المرتزقة الذين توظفهم الجمهورية الإسلامية وتستخدمهم في معاركها الإعلامية، فأي انتصار في نتيجة سعى إليها الغرب، بل تهالك عليها؟ وكان قد أباحها من قبل للشاه؟! فهو الذي أسس أول مفاعل نووي في إيران، إذ الأغراض السلمية لم تشكل يوماً تلك المعضلة والأزمة، ولا كان الغرب جاداً في معارضتها بهذه الحدة.. ومروراً بالسياسة الداخلية التي تبنَّت الشدة والقسوة والإقصاء، ما لم يوفِّر حتى الشيخ رفسنجاني، مهندس العهد ومدبِّر ولايته، فغلب الاستبداد والانفراد بدل المشاركة والتعددية التي تصقل الرأي وتجمع القوى، وعمد العهد إلى القهر والفظاظة والغلظة، ما دفع الناس لينفضوا من حول القيادة، اللهم إلا الوصوليين والمتسلقين والمتَّجرين بالدين. ثم السياسة الخارجية التي أفضت إلى سقوط ركن ركين في الثورة، هو الوحدة الإسلامية، وانهيار المنطلق والأساس والمحور والشعار الذي صرفت الجمهورية ما صرفت عليه، فإذا بها تستدرج بدهاء، وتؤخذ على حين غرة لتخوض حروباً طائفية بامتياز. أما ثالثة الأثافي والطامة الكبرى فكانت في رهان العهد، في تصدير ثورته ومدِّ نفوذ دولته، سواء في السياسة والعسكر، أو في الفكر والثقافة، على حركة الإخوان المسلمين (في أوساط السنة)، وحزب الدعوة (في الأوساط الشيعية)، وما تخلل ذلك وصاحبه من الدخول في حروب وصراعات فكرية ومعارك فقهية، شكَّلت كارثة روحية وأزمة أخلاقية وفتنة عقائدية (ولا سيما على صعيد عداء الحوزة العلمية ومحاربة الشعائر الحسينية)، ناهيك بالمعضلة السياسية، فقد ظهر أن الإخوان والدعوة هما خيار غربي، بل صنيعة إنكليزية أُعدت لمثل هذا اليوم وادخرت لهذا الدور، فصارت أموال إيران وجهودها وإمكانياتها تصب وتلتقي مع أهداف أمريكا وأغراضها!

    لا يختلف إثنان في ثراء سيرة الخامنئي السياسية وعمق تجاربه الحركية والنضالية، ولا في قدرته الفائقة على السيطرة والهيمنة، وتميزه البيِّن وعقليته الفذَّة في الإدارة والقيادة، وإن طاله الطعن في صدق النية وناله التشكيك في الإخلاص والنزاهة، فهذا لا يعدو مناورة من خصومه وسعياً كثيراً ما تجده بين المتنافسين، فالإنصاف أن السيد القائد يتمتع منذ توليه القيادة بانضباط سلوكي مشهود على صعيد الالتزام بالعبادات والأحكام الشرعية، ولم يسجل عليه تسيُّب وانحلال، كما لم يوثَّق فساد وإثراء على حساب المال العام، وكل ما يقال عن أبنائه، لا يعدو إشاعات وتهماً لا دليل عليها، وتبقى الآفات الروحية الخفية، والعُقد النفسية المستحكمة، فمن منَّا نجا منها حتى ندين بها ونسجِّلها على غيرنا؟…

    لكن الأمر في “الولاية” وقيادة الشيعة وتزعُّم الطائفة المحقة وترؤس الفرقة الناجية، ليس هذا فحسب… فالمطلوب مرتبة أرقى في التقوى والنزاهة، وحظٌّ أوفر في العلم والحكمة، ودرجة أعلى وحصة أكبر في حُسن الخلق ورحابة الصدر، والأهم الأخطر: لا بد من فقاهة حقيقية، ورتبة متقدمة متفوقة، بل عليا في الاجتهاد، تحقق النيابة عن المولى، وتتيح الاتصال بـ”قناة الفيض”.. فالظاهر أن الرجل وأتباعه بذلوا قصارى جهدهم، وجاهدوا ما استطاعوا، وكافحوا ما وسعهم الكفاح، ولكن بلا طائل ولا مردود ودون جدوى، بينما “غيرهم” ممن لا يملك عُشر معشار قدراتهم ولا يتمتع بـ ١٪‏ من إمكانياتهم السياسية والمخابراتية والمالية والإعلامية، تراه يحقق أضعاف الإنجازات، ويمضي قدماً في الانتصارات، وكأن يد المولى ورعايته تكلؤه، والمدد الإلهي يغيثه وينجده.

    هناك شريحة عريضة من الشيعة ترجو أن تخاطب السيد القائد فلا تحسن ولا تجيد، وتريد أن تنصحه فتخشى أن يغضب ولا يطيق، وتطمح أن تقوِّمه وتهدي إليه أخطاءه وعيوبه فلا سبيل أمامها ولا طريق، حتى أني تداولت مرة مع أحد وكلائه في انحراف بيِّن وخطأ فادح وقع فيه، فأقرني ووافقني، فلما طالبته بإبلاغه ونصحه، وتنبيهه لإخراجه من غفلته، اعتذر بأن هذا يساوي هلاكه ويعني نهايته، وأنه ما انفك في التعامل معه في حيرة بين سطوة السلاطين وعزَّة الملوك، وبين دعاوى الفقاهة وفضاء المرجعية!.. بلسان هؤلاء أتوجَّه إلى سماحة السيد القائد بهذا الخطاب، وكلي أمل ورجاء:

    سيدنا الجليل… احثُ في وجه المداحين التراب، لا تصدق بطانة السوء التي تطوِّقك، وتقارير الحاشية التي تحاصرك.. ودليل صواب هذه النصيحة وصحة هذا القول، واضح جلي، فهي التي قادتك ـ بلثم الأنامل، بل الأقدام ـ إلى هذا التردي وشارفت بك الانهيار، أو قدتها أنت، فسايرَتْك ومالأتك ولم تُخلصك النصح، حسَّنت مواقفك وأطرت أفعالك وبخبخت لك، مدحت وأشادت، ونوَّهت وأثنت، فصدَّقت وخُدعت، ما انتهى بك إلى هذا الإخفاق! كما عليك أن لا تصدق هواجسك وما تحدثك به نفسك، من أنك الأعلم الأفضل، والأورع الأتقى، والأذكى الأوعى، وأن تنحِّيك سيورث الوضع انهياراً، وسيضيع الثورة ويبدد دماء الشهداء! وكأنك إذا رحلت وتركت منصبك سوف تسيخ الأرض بأهلها!… كلا يا سيدنا الجليل، ففي الأمة الخير الكثير، وفي رجالات الشيعة من يفوقك فضلاً وعلماً وورعاً وتقوى، وحصافة ونباهة، وحكمة وبراعة، والأهم من ذلك كله: قرباً من المولى، المالك الأصلي للبلاد، والولي الحقيقي للعباد.

    تعال لتسجِّل رقماً وسابقة في التاريخ، ونموذجاً في الانتقال السلمي للسلطة، والتداول المسؤول المتشرِّع المتخلِّق المترفِّع، الذي ينظر إلى الملك والسلطة كعبء وابتلاء وامتحان… إن الأمة ترجو وتتمنى أن يتجسد على يديك، ويرتسم بفعلك وأدائك، مشهد رباني متألق يعكس عفَّة علماء الشيعة، وترفُّعهم عن الدنيا وحطامها، وانفكاكهم من أسرها، وموقف يثبت أنكم لا تريدون من الرئاسة إلا وجه الله وإقامة حدوده، وأنه لما بان بالتجربة عجزكم، وانكشف بالحس والوجدان مع الدليل والبرهان عدم مقدرتكم، ها أنتم تعزفون عنها وتأخرون أنفسكم وتفسحون لغيركم.

    إذا كانت قدرات وكفاية العارف الكامل والفقية العامل آية الله العظمى الشيخ الوحيد الخراساني مد ظله غير منكشفة لكم بعد، وكانت جلبة العوام وأصوات الغوغاء الناعقة بمقولة المرجعية الصامتة والقاعدة، مقابل السياسية الناطقة، غالبة وقاهرة، تحول دون تقدم الفاضل على المفضول… فهذا السيد السيستاني ببابك، عالم خبير حاذق، وفقه ضليع محنّك، زعيم لوذعي، وحكيم ألمعي، أثبت استحقاقه وكفايته في ميدان الفعل والعمل، دون التبجُّح بالقول والزهو بالادعاء، وقهر الأعداء بإدارة وإرادة وتدبير وقيادة حيِّرت العالم وأذهلته، وأنزلت بسادة التكفير وقادة الإرهاب لوثة عقلية، خلَّفتهم حيارى يتخبَّطون، لا يدرون ماذا يصنعون! ففي الوقت الذي أنهى فيه أعظم مؤامرة على العراق والتشيُّع في هذا العصر بفتواه التاريخية بالجهاد، كان قد أمسك من قبل وتحفَّظ، حتى حفظ المؤمنين عن هدر دمائهم في معارك لا طائل منها، وجبهات وهمية تستنزفهم، تسخِّر الشيعة ورقة على مائدة قمار، تلعب بها القوى الإقليمية والدولية، باسم مقاومة الاحتلال تارة، وقضايا الأمة العربية أخرى!

    شخصياً أقدِّر، وأكاد أعلم وأجزم، أن السيد السيستاني لن يرضى بها ولن يقبلها.. لكنه مسعى ومحاولة، لعلَّ “قناة الفيض” تتَّصل، والرحمة “الرحيمية” تتنزل، فتحلّ البركة ويعمّ الخير، ويتوقف الانحدار في “سفالٍ” حذَّر رسولُ الله صلى الله عليه وآله من ذهاب أمر الأمة فيه، إن هي قدمت وولَّت رجلاً وفيها أعلم منه.

  • لا أزعم أنني عبدُ بني النسلة الطاهرة الميمونة، ومملوك ثمرة تفاحة الفردوس المباركة، النفحة القدسية والذوات النورية والعناصر الملكوتية لمحال معرفة الله، سادتي الأئمة الأطهار عليهم السلام، ولا أنا خادم في بيوت تصدر عنها إرادة الرب في مقادير أُموره بعد أن تهبط على أهلها، يديرونها ويُعمِلونها بولايتهم المطلقة، أقطاب الخلق والوجود وسادة الكائن والموجود. فمقام العبودية لهم يدور في ذرى الشموخ ويحوم على قمم الرفعة، ما لا يدركه إلا سلمان وأبوذر والمقداد وعمار وجابر وحبيب وعابس وبرير، وشرف الخدمة في بيوتهم حكر على أمثال قمبر وجون وفضة، عارف كامل، وشهيد في كربلاء، وناطقة بالقرآن… بل أنا عبد ذراريهم وبنيهم، ولا أقصد من “بنيهم” الطبقة الأولى أمثال علي الأكبر والعباس وزينب والمعصومة والسيد محمد بن الهادي والقاسم بن الكاظم وعبدالعظيم الحسني، ومن في عداد هذه النخبة السامية والكوكبة المتألقة.. إنما أقصد أبناءهم الذين يتصلون بهم بثلاثين أو أربعين جدّاً، الجيل الحالي من السادة الذين نعيش معهم ونعاشرهم في حياتنا اليومية كإخوة لنا في الإيمان… أنا عبد لهؤلاء الأماجد، العالم منهم وغير العالم، الورع المتقي منهم وغير الورع، ما دام على الإيمان ومذهب الحق في تولي أجداده والتبري من أعدائهم. أما المنحرف عنهم، المستخف بولايتهم، المضيِّع لعقائدهم، المتميِّع المتهتك في معارفهم، الضال المضل عنهم، فحكمه حكم المنتحل مذهب غيرهم، مشمول بـ “إنه ليس من أهلك”، فما النسب فيه إلا قالب معار وهيكل مودع وثوب يُرتدى، يُسلب شرفه وتسقط عنه قيمته متى خان الأمانة وفرَّط في الوديعة، تستُرد منه العارية ويُنتزع الثوب ويُخلع الرداء، فجوهر شرف النسب النبوي، وكُنه فضل الحسب الفاطمي، هو الولاية لعلي، من هنا قال الصادق عليه السلام: “ولايتي لأميرالمؤمنين أحبُّ إليَّ من ولادتي منه”، فإذا زال الكُنه والجوهر وأُفرغ القالب والهيكل، لم تبق لحامله كرامة ولا لمنتحله قيمة. فمن لم يتصل بحبل المودة ويتمسك بعروة الإيمان والعقيدة، انقطع عنه شرف النسب وخرج كما خرج أبولهب.. وهذا الضال المضل والحبتري ومومس الأحساء وطالح إيرلندا وشامي لندن الذين باعوا دينهم للحداثة وتخلَّوا عن ولائهم للمال والشهرة والرئاسة، شواهد ناطقة تكشف مدى التعس والشقاء، أن يولد المرء من نسلهم، ثم ينسلخ عنهم وينقلب على عقبيه مسخاً بغيضاً!

    نعم، نحن نميِّز السادة عن غيرهم، ونفضل العلويين على أية عشيرة أو سلالة أخرى، نجلُّهم ونعظمهم، لأنهم اختاروا لأنفسهم العزة وانتخبوا بإرادتهم شرف النسب وجلالة الحسب! كما اخترنا نحن أن ننحدر من أنساب وسلالات أخرى! فالله سبحانه وتعالى لم يقهر عباده ولم يجبرهم على شيء، حتى في القضايا التكوينية، وما يظهر قدراً خُطَّ لا إرادة للإنسان فيه ولا خيار، كالأُمور الخلقية، من صورة وهيئة ولون وعرق ومحل ميلاد ووطن، وكذا الملكات والقدرات والسجايا والطباع، هذه كلها انتظمت في الإنسان وأخذت مكانها في وجوده ونشأته الدنيوية ترتُّباً على خيارات وقرارات متقدمة اتخذها عن سابق إرادة ومشيئة… هناك في “الذر”، قيل له وعُرض عليه ما سيلاقيه هذا النسل من ظلم وقهر واضطهاد، وتشريد ونفي عن الأوطان والبلاد، وتعذيب وتنكيل يبلغ البناء عليهم في الجدران والاسطوانات! فرضي بذلك كله مقابل شرف الانتساب لعلي وفاطمة، ولم نفعل نحن، فهل نتساوى؟! هكذا تجلَّى القبول والرفض هناك، وظهر في هذا العالم تفاوتاً في الأنساب والأوطان والأعراق والألوان والطاقات والقدرات، قبحاً وجمالاً، فقراً وثراء، ذكاءً وغباء، سعادة وشقاء، وكل ما يحسبه السذَّج قهرياً، ويظنه العوام لا إرادياً!

    لقد اتخذت المخلوقات في نشأتها الأُولى أو السابقة (عالم الذر) قرارات وخيارات ارتسم وفقاً لها النظام الأتم، ودار على أساسها ناموس الحياة الدنيا، وجرت طبيعة الأشياء هنا. وهكذا سيكون الأمر في النشأة القادمة، سواء في البرزخ أو المعاد والقيامة، سيحشر الناس في طبقات وأصناف وأُمم وجماعات، وأشكال وهيئات، وسيحلون في مواضع ومواقع، سواء من غرف الجنة وقصورها، أو دركات جهنم وأطباقها، وفقاً لخياراتهم في هذه الحياة الدنيا، وبناء على انتخابهم وإرادتهم الحرة فيها، هكذا سيشقى ويخسر جمع، ويفلح ويفوز آخرون… وسنرى هناك، المهرج عودة في هيئته القادمة خنزيراً يقبع أو كلباً ينبح، فإذا احتجَّ واعترض قيل له هذا ما اخترته بمشيئتك وانتخبته بإرادتك، فإذا جحد وأنكر، شهدت عليه جوارحه ونطقت بما جنى وفعل، وما كان منه في عالم الدينا، وكيف رسم بيده وشكَّل برغبته هيئته التي حُشر عليها وظهر هنا فيها، كم زيَّف في دين الله ودلَّس، وكذَّب وحرَّف، وأفسد وشوَّه، وغرَّر بالناس وأغواهم ما استطاع، فاستحق هذا الجزاء، إنه القالب الذي صنعه لنفسه والهيكل الذي اختاره لنشأنه. وكذا سيحشر الحبتري مسخاً أعمى يضج بالشكوى وينادي “رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً؟ قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى”، إنه يختار بإرادته وتمام حريته العمى لقادم خلقته، وينتخب قعر جهنم مسكناً لحياته القادمة ومنزلاً لمعاده، وهو الآن، في كل يوم ولحظة، ومع كل مقولة ضلال يفوه بها، وكل تسجيل وتصوير ينشره، يهتك فيه حدود الله ويقحم حرماته، يسجر ويسعِر نيراناً ستشويه في جهنم، ومع كل فتنة يُأججها ليستقطب الأضواء ويتمتع بالشهرة ويحظى بإعجاب ثلة من السفلة التافهين، يحصب ويحشُّ ويُذكي النيران التي ستصليه هناك!

    لقد ميَّز بنو علي وفاطمة أنفسهم واختاروا أشرف نسب وأرفع حسب، فميَّزهم الله، فوجب علينا إعزازهم وإكرامهم وتوقيرهم.. وهذا لا يمس العدالة الإلهية في شيء، ولا يخل بالمساواة التي جاء بها الإسلام ألبتة، فلكلٍّ مورده ومحلُّه، وهو من أوضح الواضحات. أما مقولة الحبتري بأن “روح القرآن” تتعارض مع تمييزهم، و”إن أكرمكم عند الله أتقاكم” تعكس هذه الروح (وكأن القرآن أُنزل عليه فأحاط به واندك فيه حتى تلمَّسته روحه وعاشته وانصبغت به، فغدت تحسساته واستمزاجاته وحياً، وما تمجُّ ذائقته أو تستحسنه تنزيلاً محكماً!)، الذي يلغي التفاضل العائلي والتميُّز النسَبي.. فمن الوهن والتهافت ما لا يصدر إلا عن غارق في الجهل، أو مريض معقد يحتال في التقاط إثارات تلفت إليه الأنظار، ولعمري، لو كان الاستدلال بهذه الكيفية، والاستنباط على هذا النحو، لكان صدام الذي عدَّ شهر رمضان في الأشهر الحرم من الفقهاء، ولكان القذافي الذي ألغى “قل” من سور التوحيد والكافرون والفلق والناس لأنها خطاب خاص لرسول الله ليس علينا أن نكرره كلما تلونا السورة.. هو الأعلم على الإطلاق!

    إن التميّز العرقي والتفوق النسبي حقيقة نطقت بها الآيات، بل قررت أن التناسل والسلالة هي وعاء النبوات والولايات، والمعدن الطبيعي لظهور الكمالات وتفجُّر الخيرات، ومن هنا كان الاصطفاء {إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض}، وعنها تحدثت الروايات، وهذا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فتغشاهم ظلمة، فيضجون إلى ربهم ويقولون يا رب اكشف عنا هذه الظلمة. قال: فيقبل قوم يمشي النور بين أيديهم، قد أضاء أرض القيامة، فيقول أهل الجمع: هؤلاء أنبياء الله؟ فيجيئهم النداء من عند الله: ما هؤلاء بأنبياء. فيقول أهل الجمع: فهؤلاء ملائكة؟ فيجيئهم النداء من عند الله: ما هؤلاء بملائكة. فيقول أهل الجمع: هؤلاء شهداء؟ فيجيئهم النداء من عند الله: ما هؤلاء بشهداء. فيقولون: من هم؟ فيجيئهم النداء: يا أهل الجمع، سلوهم من أنتم؟ فيقول أهل الجمع: من أنتم؟ فيقولون: نحن العلويون، نحن ذرية محمد رسول الله، نحن أولاد علي ولي الله، نحن المخصوصون بكرامة الله، نحن الآمنون المطمئنون، فيجيئهم النداء: اشفعوا في محبيكم وأهل مودتكم وشيعتكم، فيشفعون فيُشفَّعون. وقال الرضا عليه السلام: النظر إلى ذريتنا عبادة. فقيل له: يا بن رسول الله، النظر إلى الأئمة منكم عبادة، أم النظر إلى جميع ذرية النبي؟ فقال: بل النظر إلى جميع ذرية النبي عبادة. 

    وقد بنى العلماء على هذا وأسسوا، كما ذهب الشيخ المامقاني في مرآة الرشاد والكمال والمقداد السيوري شارح الباب الحادي عشر للعلامة الحلي فقال: يجب تعظيم الذرية النبوية العلوية ومودتهم، لقوله تعالى: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى}، ولقول النبي: أكرموا أولادي، صالحهم لله وطالحهم لأجلي. وقوله صلى الله عليه وآله: أربعة أنا شفيع لهم يوم القيامة: المكرم لذريتي، والساعي لهم في حوائجهم، والباذل لهم ماله، والمحب لهم بقلبه ولسانه. فما يدلُّ على لزوم تعظيم كلِّ الذرية، الصالح والطالح قوله “صالحهم لله وطالحهم لي”، ويدل على ذلك آية الاصطفاء وقوله تعالى: {فمنهم ظالم لنفسه}، وما قاله الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله: اللهم إنهم عترة رسولك، فهب مسيئهم لمحسنهم. وجمعاً بين الأخبار يقال: إن الطالح إذا لم يصل إلى مرحلة التبرِّي من الأئمة الاثنى عشر فإنه يكرَّم ويعظَّم لأجل رسول الله، وأما إذا لم يكن من المذهب الحق فإنه يُتبرّأ منه. فعن الإمام الصادق، قال: مَن خالف دين الله ووالى أعداء الله وعادى أولياء الله فالبراءة منهم واجبة كائناً من كان من أيِّ قبيلة كان. وقيل: الصالحون هم الأئمة المعصومون عليهم السلام، كما يدلُّ عليه آية المظاهرة {وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين} أنه أميرالمؤمنين عليه السلام، والطالحون (العصاة من) أولاد الأئمة، فيكرمون لرسول الله.

    قال النبي صلى الله عليه وآله: إنَّ لله عز وجل ثلاث حرمات، فمن حفظهن حفظ الله دينه ودنياه، ومن لم يحفظهن لم يحفظ الله دنياه ولا آخرته: حرمة الإسلام وحرمتي وحرمة رحمي. وقال: إني شافع يوم القيامة لأربعة أصناف ولو جاؤوا بذنوب أهل الدنيا: رجل نصر ذرِّيتي، ورجل بذل ماله لذرِّيتي عند المضيق، ورجل أحبَّ ذرِّيتي باللسان والقلب، ورجل سعى في حوائج ذرِّيتي إذا طردوا وشُرِّدوا. وعن الإمام الصادق عليه السلام: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أيها الخلائق، أنصتوا فإن محمداً يكلِّمكم، فينصت الخلائق، فيقوم النبي صلى الله عليه وآله، فيقول: يا معشر الخلائق، من كانت له عندي يد أو منَّة أو معروف فليقم حتى أُكافيه. فيقولون: بآبائنا وأُمهاتنا، وأي يد وأي منَّة وأي معروف لنا؟ بل اليد والمنة والمعروف لله ولرسوله على جميع الخلائق. فيقول لهم: بلى من آوى أحداً من أهل بيتي أو أبرًّهم أو كساهم من عري أو أشبع جائعهم فليقم حتى أُكافيه. فيقوم أُناس قد فعلوا ذلك، فيأتي النداء من عند الله: يا محمد يا حبيبي، قد جعلت مكافأتهم إليك، فأسكنهم من الجنة حيث شئت، فيسكنهم في الوسيلة، بحيث لا يحجبون عن محمد وأهل بيته. وفي حديث طويل يعرض فيه حمران بن أعين عقائده على الإمام، فيقول له الصادق: أصبت يا حمران. ثم قال: يا حمران، فمن خالفك على هذا الأمر فهو زنديق. فقال حمران: وإن كان علوياً فاطمياً؟ فقال أبوعبدالله عليه السلام: وإن كان محمَّدياً علوياً فاطمياً

    ويكفيك في الوقوف على الخصوصية والتميُّز، بل خطر الأمر وعظمة الخطب، أن تعلم أنَّهم، ولا سيما الزهراء عليها السلام، يتابعون شؤون بنيهم ويهتمون لهم، حتى ليبلغها ما يجري بين الضرائر من بناتها من نزاع ومنافسة، فيشق عليها، كما في الحديث: لا يحلُّ لأحد أن يجمع بين ثنتين من ولد فاطمة، إن ذلك يبلغها فيشقُّ عليها، قلت: يبلغها؟ قال عليه السلام: إي والله!

    إننا نوالي بني فاطمة ونعظِّمهم ونوقرهم، لأننا عقليون دون شيطنة، وقرآنيون دون فصل الكتاب عن السنة، ثم لأننا متشرعون متعبِّدون، نعيش بين الخوف والرجاء، نرجو النجاة ونفكِّر في المعاد، فإذا تنزَّهنا عن الكبر ًوتواضعنا للعلم، لم نأب الخضوع للسادة الأماجد، بل افتخرنا بموالاة خير السلالات وأشرف البيوتات، وسادة الخلق ورؤساء البشر! كيف وقد جعلهم الشارع من ملاكات الحق وأماراته، فإذا رأيتهم في كفَّة علمت أنها المرضية الناجية، ففي روايات النهي عن القيام ورسم معالم الظهور الشريف وفتن آخر الزمان، يتكرر هذا الملاك ويبرز كشاخص مرجِّح، ويرتسم كجرس إنذار يضرب وناقوس خطر يقرع، في قول المعصوم: “إلا من اجتمعت بنو فاطمة معه، فوالله ما صاحبكم إلا من اجتمعوا عليه”.

    وبعد، فالأزمة في الحبتري الخبيث وأضرابه من المتجرئين على الله ودينه وحدوده، قبل الجهل، أزمة إيمان واعتقاد، ثم تقوى وورع، وتهذيب وأخلاق… ما زال الفرد يتكامل ويسمو، فتضمر الأنا فيه وتتقلَّص، وتتصاغر الذات وتتراجع، كلما تقدَّم في الطريق، فقطع شوطاً وبلغ منزلاً وارتقى درجة، فإذا بلغ القمة في هذا السلَّم الروحاني والمعراج الملكوتي، واستوفى تمام سعيه في تهذيب نفسه وأدرك ذروة كماله، تلاشت الأنا فيه واضمحلَّت، فذاب واندكَّ في الذات الأزلية، وعلم أنه هباء لا يمثِّل قيمة، وصفر لا يساوي شيئاً.. هذه هي مدارج المؤمنين العارفين، وهذا هو مسلك العلماء وطريقة الصلحاء، يبدأون بإنكار ذواتهم والتذلل لسادتهم وأولياء أمرهم وأرباب نعمتهم، فيعلنون عبوديتهم، وينادون في إذن زيارتهم: “عبدك وابن عبدك وابن أمتك، الذليل بين يديك، والمصغَّر في علو قدرك”، ثم يتقدمون ويرقون، وكلما تقدم أحدهم، استشعر في نفسه الصغار والهوان، ورأى أنه أقل الخلق وأدنى الخلائق، فخلع أردية الكبر والغرور، وأزاح أغشية الأوهام، ونزع إلى التذلل والعبودية، حتى تزول عنه “الأنانيات” ويبلغ الذروة التي تجعله أشرف من الملائكة وسائر الكائنات.

    يغلب الوجد المؤمن الموالي، ويمسه الشوق، ويزهر فيه الحبُّ، فيتدفق منه الخير، ليضوع عبقاً وينشر أريجاً،  ويقول حُسناً، وينظم في سادته مدائحاً وينافح عنهم ويدافع… ويحرج صدر المنافق بدَوْر الكتمان، ويضيق بكفره ذرعاً، فيتميز غيظاً وينفجر غضباً، ليطفح نتناً، ويصبّ حقداً ويدفق شراً…

    أنا عبد بني علي وفاطمة، وليكن الحبتري عبد مَن شاء وأسير مَن أراد، شهرة ومال، وإمرة وخفق نعال، فهذا الشيطان لن يكون سيداً على أية حال. 

    إذا فخرت بنو الإسلام يوماً▪️على من ليس من آل الرسول

    قضيت لها كما أقضى عليها▪️بأن خيارها ولد البتول

  • ما إن تجد حزب الدعوة، الفرع أو النسخة “الشيعية” لحركة الإخوان المسلمين، يندفع بالهجوم على شخص بعينه، يتقصَّده بالتهم والافتراءات ويلاحقه بالأكاذيب والإشاعات، يكافح ويكابد ويستميت في معارك لإسقاطه، فاعلم أن في الرجل خيراً… فهذا من أتم موارد “تُعرف الأمور بأضدادها”. وهكذا كل شخصية نزيهة تراها في مجموع المنظومة السياسية العراقية، ولا سيما في السلطة الحاكمة، ستكون نشازاً، وبدعاً في هذا الفضاء الملوَّث والجمع المنحرف الفاسد، وستراهم لا يطيقونه ولا يتحملون وجوده، وسيسعون بكل طاقاتهم، ويجهدون بكل ما آتاهم الشيطان من بأس وقوة، أن يُقصوه وينبذوه، ولكن “إن كيد الشيطان كان ضعيفاً”.

    السيد علاء الموسوي منذ تعيينه رئيساً لديوان الوقف الشيعي في العراق وهو يتعرَّض لهجمة مدروسة وحرب ممنهجة، ينهمر عليه من خلالها سيل متدفِّق من أخس أساليب الطعن وأرذل طرق التشويه، لا لشيء، إلا لكونه خارج منظومة الفساد، وليس من نسيج القماش الذي يواري السرقات ونهب المال العام! إن العهر لا يطيق الشرف والنزاهة، والقذارة لا تجتمع مع النظافة والطهارة، وانحطاط السوقية لا يطيق ترفُّع الالتزام ورفعة النُبل وشموخ الإيمان. إنه رقم يشكل، بمحض وجوده وترفّعه، ناهيك بأفعاله وقبل إقداماته الإصلاحية، فضيحة للقوم تهتكهم، وعُرياً يكشف سوءاتهم، فكيف وقد بدأ العمل وراح يقوِّم الإعوجاج ويضبط الهدر، ويوقف الانتهاب والاختلاس؟!

    وعلى الرغم من أنني لم ألتق الرجل منذ نحو عشرين سنة، لكنني متابع لنشاطه الحوزوي، ودوره الاجتماعي، فهو من القلائل النوادر الذين ترفعوا عن الخوض في الشأن السياسي، وامتثلوا أمر أو رغبة المرجعية بتنزيه العمامة عن هذا اللوث، وترك هذا الميدان لسائر المؤمنين من غير أهل العلم.. فكان منصرفاً لشأنه في الدرس والبحث، مع النهوض بدور كبير على صعيد الخدمة الاجتماعية ومبرة الأيتام التي أسسها ويقوم بتمويلها وإدارتها، فهو من أسرة ميسورة، وطالما كان، من أيام وجوده في قم وحتى انتقاله للنجف، باذلاً لا قابضاً، معطياً لا آخذاً، بلا مَنٍّ يُبطل ما يقدِّم، ولا أذىً يجرح ويمتهن من يتلقَّى، ومما سجلته في حينها، أن عطاءاته سواء للفقراء أو لطلبة العلم، لم تكن لتسويق مشروع وترويج شخصه، ولا تستهدف خلق جماعة وتكوين كتلة، مما كان يمارسه أقرانه في قم (في نطاق الحوزة العربية) أمثال فاضل المالكي وكمال الحيدري الذين فضحهما الله. كان السيد علاء من المشهود لهم بالتقوى والعدالة والعفة والنزاهة، بالإضافة إلى الفضل والجد في التحصيل. وهذه حقيقة يعرفها ويشهد بها كل من عاش في الحوزة واتصل بأجوائها واختلط برجالاتها.

    هكذا لم يجدوا في سيرته من مطعن إلا أنه هندي! والرجل لم يتسوَّر “الأشيقر” ولا تسلَّق غيرها من العشائر، بل معتزٌّ بأصله مفتخر بنسبه، فهو سليل بيت علم وأدب، وخير ونعمة، هاجر بعض أجداده إلى الهند لتبليغ الدين ونشر المذهب، وعلى أياديهم السمحاء وبجهودهم المباركة استبصر جمع كثير من أهل تلك البلاد (بلغوا الملايين، لعل فيهم أجداد بعض من يكيدون به ويحاربونه اليوم!)، ما زال أحفادهم يدينون بالفضل لهذا البيت حتى بعد رجوعه إلى موطنه وعودته إلى أصله في النجف الأشرف. هذه المنقبة والمفخرة صارت في ثقافة حزب الدعوة مطعناً، وغدت في خطاب الحداثة والتنوير الإسلامي عاراً! فصاروا يغمزون ويلمزون بأنه “هندي”، وفي فقهاء الطائفة وأعلامها من يتمنى أن يقايض جده السيد باقر كلَّ فقهه ونتاجه العلمي بقصيدة: “لا تراني اتخذت لا وعلاها بعد بيت الأحزان بيت سرور”، أو يفعل ذلك مع “كوثرية” عمه السيد رضا الهندي قدس الله سرهما. فإذا فرغوا من هذه وعجزوا أن يثيروا الساحة الإيمانية الملتزمة بقيم ومبادئ الدين، النازلة على أحكام الإسلام، والمحتكمة إلى مبادئه، التي تنبذ العنصرية، وتتقزز من أرباب القومية، وتتحسس من مثيريها، فلم يجدوا لحملتهم أثراً، ولم يجنوا منها إلا العار والخيبة.. عادوا ليستخرجوا من ملفاتهم القديمة خطاباً للسيد اجتزؤه وقطَّعوه على طريقة “لا تقربوا الصلاة”، وأرسلوا حملة جديدة بأن السيد علاء يكفِّر المسيحيين!

    حفنة من الصعاليك، وزمرة من الأراذل الأوباش، لا يبالون المس بتعيِّن عنوان التكفيريين في النواصب الذين يقتلون أهلنا، وإرساله علَماً فيهم، ولا يكترثون بتوجيه السهام إلى المذهب وإدارتها لتنهال على الطائفة، وإشغال الرماة في الإعلام عن الهدف الأصلي وهو التكفير الإرهابي، ثم كأنهم لم يقرأوا الآية الثالثة والسبعين من سورة المائدة! ولعمري، لعلنا نشهد يوماً يعترض فيه القوم على “لا إله إلا الله” لأن النفي فيها موغل في البراءة، ممعن في الرفض، فللإنسانية آلهتها التي علينا أن نحترمها ولا نمسها!

    الموتورون من السيد علاء الموسوي كثر.. منذ أن أقطع الاحتلال الأمريكي حزب الدعوة أوقاف الشيعة بطلب وإلحاح وإصرار غريب من المخابرات البريطانية المشاركة في التحالف الدولي الذي أسقط النظام البعثي، تولي حسين بركة الذي (يحمل الجنسية البريطانية) الأوقاف بتزكية وتوصية بريطانية خاصة، فتسلَّط الرجل وتمكَّن من كنوز لها أول وليس لها آخر، هكذا أُطلقت يدٌ لم تعرف الشرف والأمانة، بل يمكنك القول عُرفت بالغدر والخيانة، فأطلق بدوره أيدي حزبه وجماعته لتمتد وتتوغل… سرق وسرقوا ولم يكتفوا، ونهب وانتهبوا ولم يشبعوا، امتلأت جيوبهم وأتخمت أرصدتهم ولم تمتلئ عيونهم. استشرى الفساد بأقبح الأشكال وأخس الصور، ما فجَّر فضائح دوَّت في الآفاق وأزكمت الأنوف، أحرجت أربابه، فسحبوا الغطاء عنه وأرجعوه إلى لندن ليدير منها “دار الإسلام”! هكذا عزلته الدولة العراقية وطردته، ولكن دون محاكمة ولا محاسبة، وإن قيل أن وراء طرده خلاف نشأ في حينها بينه وبين جماعة فضل الله حول الحصص، ونزاع احتدم حول نسبة ونصيب كل فرع من تلك الشجرة الخبيثة من أموال العراق المستباح. لا أن الضغط الإعلامي أثَّر، ولا بسبب رفع المخابرات البريطانية الغطاء عنه! وعلى أية حال فإن ذلك لم يعالج الداء ولم ينقذ الأوقاف، فقد وقف الرئيس التالي للديوان السيد صالح الحيدري عاجزاً أمام جماعة عشعشت ووضعت بيوضها، وقد فقس بعضها وكبر أفراخها، حتى غدت مافيات وعصابات، وشبكة عريضة ومعقدة من المصالح المتقاطعة التي لن تسمح لأحد أن يمسها، ناهيك بأن ينال منها ويزيحها.

    تفاقم الأمر واستفحل، فتدخلت المرجعية وانتزعت الموقع من الأحزاب، ورشحت له السيد علاء الموسوي. ومع إن طبع الهدوء والرصانة يغلب أداء السيد، وأسلوبه المتزن المتعقِّل يقيد حركته ويبطِّئ من خطوات الإصلاح، فلم يشن الرجل حملة طرد واسعة، ولا تبديل جذري في الطاقم المدير، ولا عمد إلى النهج الإنقلابي والتطهير، إلا أن القوم الذين يعرفون جرائمهم وما ينتظرهم في الغد، إن مضى السيد واستمر العمل على هذا النحو الجديد، يهولون لأصغر الخطوات، ليستعظم التالي ويكف عن التقدم!

    نحن نعلم أن المستهدف في الأداء العام للصعاليك ليس السيد علاء الموسوي، بل المرجعية الشيعية، وأن القوم لا يطيقون أن يعود موقع خطير مثل الأوقاف (وإن كان في صميم الأمور الحسبية) لهذا الكيان، الذي كان وما زال نائياً قصيّاً عن الساحة، ومع ذلك صار هو الرقم الأول فيها على الإطلاق، الذي أجبر الشرق والغرب على إعادة رسم خارطة الشرق الأوسط، والتخلي عن مشروع داعش، بفتوى واحدة عبأت الجماهير وكونت الحشد الشعبي… فكيف إذا توسع نطاق تدخله، ولم يكتف بعد الآن بمقاطعة الحكومات الفاسدة، وبالمعارضة الصامتة، كما فعل مع نوري المالكي، بل عمد إلى تقويمها وردعها، ولجأ إلى الضرب على يدها وتأليب الجماهير على إسقاطها؟!

    هكذا يزول وجه الاستغراب، وينقضي العجب من مصدر السهام التي تتخذ السيد علاء الموسوي مرمىً وغرضاً، وكيف ما زالت تستوي في كبد قوس حزب الدعوة من كنانة لندن، وجعبة “أبي ناجي”! فبعد سليم الحسني ها قد جاء أو عاد حسين الشامي… إنها أوامر وتعليمات “دار الإسلام” تصدر من بريطانيا!

    من يحسن قراءة الأحداث بعمق يجمع الوعي والبصيرة مع العلم والإيمان، ويجيد رصد وملاحظة الظواهر، سيقف عند الشعائر الحسينية والزيارة الأربعينية، وما يواكبها من تحول روحي وأخلاقي لا نظير له في الأمم على مر التاريخ… ويدرك أن العراق أصبح بعين الله، وأنه غدى في العناية الخاصة للمولى عجل الله فرجه… ومن أنجاه واجتاز به مرحلة المفخخات والإرهاب، وعهد الاحتلال الداعشي، سينجيه من الإسلام البريطاني ومن صعاليك حزب الدعوة.

  • في سياق الحرب الإعلامية المحتدمة بين السعودية وإيران، وقد راح كل طرف يقلِّب دفاتره القديمة ويبحث عن حربة يطعن بها خصمه وورقة يدين بها عدوَّه، بثَّت قناة الميادين الإيرانية فيلماً تسجيلياً أنتجته، يتناول حادثة انفجار بئر العبد في الضاحية الجنوبية لبيروت عام 1985 بالتوثيق والتحليل، وفي المقابل ستبث الـ MBC السعودية قريباً فيلماً حول فجائع قمع الثورة الخضراء التي أعقبت انتخابات 2009 في إيران.

    وفيلم “نجا” يمثل ـ أول ما يمثل ـ رقماً مبتذلاً في الدجل، ولوناً مقيتاً من ضروب العبث بدماء الأبرياء الذين قضوا في تلك الفاجعة الأليمة شهداء، وتوظيفاً رخيصاً لتلك الجريمة الفظيعة النكراء، ثم سقوطاً وفضيحة كبرى على صعيد حقائق التاريخ، والأخلاق والالتزام، والمهنية الإعلامية، وأصدق القول أن التاريخ تكتبه الحكومات بأقلام عمالها، وأضاف: وتسجيل المرتزقة وفذلكة المستأكلين على موائدها.

    وقد وقع المعدُّ في مشكلة أسقطت عمله، ومعضلة أزرت بإنتاجه، حين عجز عن معالجة ازدواجية وتناقض عاشه الإخراج بين الشخصية المفترضة للضحية، الموافِقة لدعوى الفيلم ومرتكَزه، ومقتضى هدفه ورسالته (إدانة السعودية بمحاولة اغتيال فضل الله)، أي الثوري المجاهد، والعنيف المناضل، الذي أسس حزب الله ورعاه، ووجهه للعمليات الإستشهادية، وقاده لأداءٍ صرع مئات من عناصر المارينز، وخطف عشرات من الأجانب، أو ـ في الأقل الأدنى ـ بارك هذه العمليات ومثَّل المرجعية الدينية ووفَّر الغطاء الشرعي لها. وبين الشخصية الأُخرى التي تصوِّره رجل إنسانية ومشاريع خدمية رعوية، وتعرضه مسالماً يرفض العنف والقوة، وتسوِّقه حوارياً منفتحاً، ومفكراً متحرراً، بل متسيِّباً، لا يحمل أية أصالة ولا يمثل أية أصولية، ولا يلتزم بأدنى حدود التعاليم والمثُل، ولا تقيِّده أية مبادئ وقيم، ولا حتى شريعة أو طريقة، بل هو نهج مبتدع، قوامه صيغة حركية غاية في البراغماتية والتلوُّن، ما لا يبقي على شيء من الدين، إلا اسمه، ومن الحكم الشرعي إلا شكله ورسمه! كان فضل الله بأُطروحته (المستلهمة من حزب الدعوة) وسيرته العملية (المتماهية مع حركة الإخوان المسلمين) يشكل النقيض والوجه المعاكس للإسلام الذي حمله الخميني، ويمثل البديل “المعقول” الذي يسوّق له الغرب، وتتقبله العلمانية، وتريده دوائر المخابرات الكبرى، مقابل الخمينية ومدرسة الثورة الإسلامية التي كانت تواجه (آنذاك) العالم بشرقه وغربه، وتحارب جميع الأنظمة الحاكمة والمتسلطة على الشعوب المستضعفة، وتعمل على إسقاط كل المنظومات السائدة، سواء السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية!

    وبن جدو اليوم يعيد فتح صفحة طويت، ويجدد صفقة خسرت، ويجتر أداءً سقط فيه الإعلام الغربي من قبل فتركه إلى خيار آخر…

    لقد سعى الإعلام الغربي في بداية الثمانينات ليصور فضل الله مجاهداً، ويجد له موقعاً متقدماً في الساحة، ولا سيما قيادة حزب الله، الذي كان في خضم فوضى التأسيس، وارتجال المواقف، وتلقائية السياق في ذاك الحين، ما يوحي بفوضى، ويعكس تسيُّباً يسمح بنفوذ الرجل وتبوُّئه مقام قيادة الحزب، وبالتالي إمساك الغرب ومخابراته بخناق هذا المشروع الجديد، فإما خنقه ووأده، أو إطلاقه تحت رعايته وإدارته (كما فعل مع القاعدة وداعش).. لكن الأحداث لم تسعف هذاالخيار، والرياح جرت بغير هذه الآمال، فانقلب الأداء سريعاً إلى الجبهة الأخرى وراح يستميت في منع القيام والتأسيس، ويمضي في الحرب والتقويض.

    وما لم يقله الفيلم، مما كان يلمسه بالعيان ويدركه بالوجدان كلُّ من عايش تلك المرحلة، أن فضل الله كان يشكِّل العائق الأكبر والمانع الأول أمام انطلاق حزب الله وقيامه! وقد وقف سداً منيعاً أمام الترويج لمرجعية السيد الخميني ودخول المؤمنين اللبنانيين في تقليده، أو انخراطهم في تشكيلات حزب الله وانتظامهم في خلاياه. وفي حين حرَّر الشيخ علي الكوراني المجاميع التي تتبعه وأعلن انحلال حزب الدعوة ودعاهم للانخراط في التشكيلات الجديدة والناهضة تحت مسمى حزب الله، وكتب في ذلك ونظَّر، ونشر “طريقة عمل حزب الله”… تمسَّك فضل الله بأتباعه وتشبَّث بالمجاميع التي كانت تحت إمرته (ولا سيما اتحاد الطلبة)، وأبى أن يفرِّط بارتباطه ودوره القيادي مع الكوادر والعناصر العاملة في بعض أجنحة الدعوة. لقد كافح مستميتاً للحفاظ على كيانه، حتى إذا اضطُر وأُكره، تحت ضغوط تمادي المد الثوري، واكتساح التيار الخميني، ما كاد أن يجرفه ويودي به.. انحنى للعاصفة وسبح مع الموجة، وأمر أتباعه بالنفوذ وكلَّفهم التوغل! فقد كان يخطط منذ ذلك الحين ويعدُّ لمشروعه الخاص ومملكته الشخصية. ومن هنا كان يهزأ بمقولة الشهيد الصدر ويسخر من دعوته : “ذوبوا في الإمام الخميني كما ذاب هو في الإسلام”، وكان يعزوها إلى ظروف الحصار التي أزرت بوعي الصدر وسلبته القدرة على قراءة حكيمة للواقع، معبراً تارة بأنها دعوة لعبادة الشخص وتعظيم ذات الخميني، فطرح في المقابل فكرة ومقولة أنه مع “خط البطل، لا بطل الخط”، وأُخرى بأن حزب الله مشروع تخريب ودمار، وموت وهلاك، لا بناء فيه ولا تخطيط ولا مستقبل، ومن هنا فلا حياة له ولا استمرار.

    ولعل الجيل الجديد، لفرط التغييب وسطوة الإعلام وغلبة التلقين وطغيان الانقياد، يستغرب أن تطويع الرجل، أو تحييده وإزاحته عن طريق نهضة حزب الله، وإنهاء منازعاته وإثارته للفتن، اقتضى في بعض المراحل واضطر ذوالفقار إلى أن يتعامل معه بالقوة ويتناوله بالزجر والتقريع وليِّ الأُذن، ولزم في مراحل أخرى، أن يُفسَح له ويغض الطرف عن استيلائه على أموال المقاومة، حين كان يأتي المغترب مغتراً بالاسم والعنوان، ليلتقيه ويسلِّم عليه، ويسلمه تبرعه للمقاومة، التي كانت تعيش ضنكاً وعوزاً شديداً، فيستولي الخؤون على الملايين بحجة أنه يشكل المقاومة المعنوية، وأن بث الفكر والوعي هو جبهة مقاومة أيضاً!

    الرجل الذي صوَّرته قناة الميادين الإيرانية بطلاً مجاهداً تحاول السعودية تصفيته، كان في الحقيقة جباناً رعديداً، لم يعش الجهاد في حياته كلها لحظة، ولم يعرف التضحية مرَّة! لا في عراق البكر وصدام، ولا في لبنان المارونية السياسية، لا في نفسه وشخصيته، ولا في أبنائه وذريته، لم ينله كلْم من أنظمة الجور وأعداء “الحركة الإسلامية”، ولا رأى معتقلاً أو سجناً أو عقوبة أنزلته بها الحكومات الكافرة التي ينظِّر لحربها ويهذر بإدانتها ويلغو بسبِّها، حتى ولا توقيفاً إدارياً لأيام ريثما يتم إبعاده! لم يعرف الرجل منفىً أو غربة في مهجر، كما لم يعانِ من ملاحقة أو مطاردة، لا صدرت بحقه مذكرة ضبط من سلطة قضائية، ولا ثمة تقرير أمني يدينه بنشاط ضد أية دولة! وبينما قضى الشيخ راغب حرب ثم السيد عباس الموسوي شهداء في قلب الجنوب على يد العدو الإسرائيلي الغادر، كان الرجل يتغنى بالجهاد ببيروت، ويتاجر بالمقاومة على طريقة “اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا ها هنا قاعدون”، وبينما المجاهدون يعيشون ويقضون هم وأبناؤهم في الجبهات، لا تجد واحداً من أبناء فضل الله أو جماعته إلا في أفخر القصور والمصايف والبساتين والاستراحات، يتنقلون بسياراتهم الفارهة ورجال الحماية يحيطون بهم، كأن العالم بأسره يريد أن ينقض عليهم!

    لا وقاحة وجرأة على التزييف كاتهام السعودية بالسعي لتصفية فضل الله! وهو رجل الوهابية الوفي الذي نقل وصاغ كلَّ عقائدها ومقولاتها وأدرجها في قالب فكري طبعه ووسمه بخاتم التشيُّع، وأبى أن يوفر من إباحيته وتهتكه شيئاً إلا حرمة التدخين، حتى وافق القوم وجاراهم في كل ما شذوا به عن سائر الفرق الإسلامية! وما زال “الشيعي” الوحيد الذي تُستثنى جميع كتبه من المنع، بل من مجرد الرقابة والحاجة إلى الترخيص للعرض والترويج في المملكة العربية السعودية! وما زالت دار الملاك مشغولة طوال العام بطباعة الكتب المدرسية السعودية، التي تخصها السفارة بحصة وافرة منها، كما تفعل مع مؤسساته الخيرية وتخصص لها نسبة من أضاحي الحج، لتقسَّم على الفقراء، وإذا بك تجد أكياس الذبائح وأكفانها، في حاويات مطعم الساحة لفترة طويلة بعد كل موسم! وبعد، فالرجل ما حج أو اعتمر إلا ضيفاً على الملك، يستقبل في صالات الشرف، وينزل الأجنحة الملكية في مضافات مكة وجدة والمدينة، بل ما ركب الطائرة هو والوفد المرافق له إلا بتذاكر مصروفة من السفارة السعودية.. إن التيار الشيعي الوحيد الذي يحظى برعاية استثنائية من الأنظمة الخليجية المرتكزة على تعليمات موحدة ترعاها المملكة العربية السعودية، هو تيار فضل الله، ومع أن نسبته في الكويت لا تتجاوز أعشاراً من 1%، إلا أن أكثر من 90% من المساجد التي رخِّصت للشيعة في العقد الأخير، منحت لهذا التيار! ثم يأتيك بن جدو كافراً بالنعمة ومتنكراً للفضل والإحسان، ليزعم أن السعودية أرادت اغتيال فضل الله، بل ويظهر ابنه في الفيلم ليؤكد هذا السياق، جاحداً فضل سادته، وعاضاً اليد التي طالما أحسنت إليه وإلى والده!

    سيأتي يوم ينبري فيه إعلامي حُر، ليسجل فيلماً وثائقياً مهنيّاً، لا يسفِّه نفسه ولا يستخف بمشاهده، يطرح الحقائق ويعرض فضل الله كما هو: رأسمالي ناجح، وتاجر حاذق، وظَّف الدين للثروة، وعاش للرئاسة والشهرة، وترك إرثاً متنامياً من الأسهم والعقارات، والمطاعم السياحية ومحطات الوقود. وإن سقط الباحث في وهج الإعلام وغلب المستطلع ضجيجه، فرأى جانباً فكرياً في الرجل، فسيعكس أرتالاً من الكتب، سوَّد بها نقاء الدين، وشوَّه وزيّف ما شاء له وأملى الشيطان الرجيم. أما الثورية والجهاد فدونها في الرجل خرط القتاد. وفي هذا الفيلم ستظهر وثائق الممتلكات والعقارات، وصور الأرصدة في البنوك، والشيكات والصكوك، وينكشف أن ما قاله مصطفى ناصر في شهادته كان منقوصاً ومبتوراً، وأن سركيس نعوم، ابن “النهار” بما تعنيه من موقع في المصفوفة والمنظومة العالمية، كان يؤدي رسالة ودوراً تمليه الماسونية، ويعكس الصورة التي تريدها لهذه الشخصية.

    لم ينج من فيلم غسان بن جدو إلا الثمانون الذين استشهدوا في المجزرة ظلماً وعدواناً، هؤلاء أدركوا الفتح عند ربهم، وما هلك إلا فضل الله، الذي عاش بعد التفجير خمسة وعشرين عاماً قضاها في الفساد والإفساد، ونشر الضلالات ومحاربة فقه آل محمد وعقائدهم، ثم خلف من بعده صبيان فسقة كعودة وموتورون متصنعون كشفيق، ما زالوا يمدون قبره ويرفدون حفرته ويحصبون نيرانها بما يذكي وقدتها ويسعِّر جحيمها، ولو كشف لهم الغطاء، لأحسوا ـ وهم في بيوتهم ـ بوهجها وصَلاها، ولسمعوا حدَمتها وزفيرها، ولرأوا اليحموم يتصاعد من زاوية مسجد الحسنين، والدخان الأسود يملأ المكان، وسحب الغضب الإلهي تحطُّ وتحوم، وتظلل وتستحوذ على كل ذلك الفضاء المشؤوم.