من الأمور المُسَلَّم بها في بنيتنا العقائدية أن الامتحان والابتلاء سُنّة إلهية يختبر الله بها عباده ويمتحن بها خلقه، وأنها سبيل الارتقاء المعنوي والتكامل الروحي والبناء الأخلاقي. لا بد من افتتان واختبار، يُميَّز فيه الخبيث من الطيب، يرقى هذا في مدارج السمو ويأخذ في مراتب الكمال، وينحط ذاك بأهوائه، يسقط في الشهوات وينغمس في المعاصي والملذات، ثم يتقلَّب ـ في المعاد ـ بين أطباقها ويقبع في دركات، ومن أصدق من الله حديثاً: “أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون”؟ “ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون”… والحقيقة التالية أن السواد الأعظم في الساحة الإيمانية، سواء اكانوا رساليين ملتزمين أم من أهل الدنيا والانشغال بالعيش والمعاش، أو حتى من الفسقة الخلعاء، جميع الناس أو غالبيتهم، أعم من أشراف وطغام، كرام ولئام، علماء وعوام، قادة أمراء وأتباع خدَّام، إنما يؤخذون بالقوة ومظاهرها، ويفتنون بالتفوق والبأس، ويبهرون بالمال والجاه، ويحبون النصر والغلبة “وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب”، أكثر من أي معطى آخر، و“الناس مع من غلب”… ويتأكد ذلك في الفئات التي تعيش “الأقلية” وتشكو القهر، تعاني الاستضعاف والاضطهاد، يحقق لهم ما يفتقدون، ويبلغ بهم ما يأملون ويرجون، وفي طليعة ذلك، إنهاء الذل والهوان الذي يعانون، والخروج من الحرمان والازدراء الذي يكابدون. وإنما كسبت الجمهورية الإسلامية وأحزابها قاعدتها الجماهيرية، وحظيت بالمد والتأييد الشعبي في الساحة الإيمانية وحتى بعض الساحات العامة، من تأثير هذا العنصر وفعل ذاك العامل. أما العقيدة الجهادية والفكر الحركي، فهامشه ضئيل يدور في نطاق النخبة، لا يجتذب الطاقات ولا يحقق الإنجازات.
وقد أُصيب الحزب على هذا الصعيد في مقتل، وناله عطب أشله وأقعده، مع دخوله “حرب الإسناد”، وإصراره على الاستمرار فيها، وهو يتجاهل ما يحشد العدو ويعدُّه للمواجهة وساعة اللقاء! أمسى وكأنه يهوي من قمة بلغها في أربعين عاماً من الكدِّ والعناء، ويتدهور في قعر وقرار لا يبلغه سمع ولا نظر، بل كأنه اعتلى المقصلة بقدميه، ولف حبل المشنقة حول عنقه بيديه. وكان أمره بعد الضربات الأولى التي طالت جميع قادته وكل مخازن أسلحته، قد آل إلى زوال وآذن بتفكك وانحلال، ووقف على أعتاب نهاية مأساوية، وكأنه يقتل صبراً، لا يملك حراكاً ولا رداً، قد نزل به ما أشلَّه وأقعده، فمنعه حتى عن رفس المحتضر، وخمش الهر المحاصر… عندما قرر العدو أن يمضي بخيار الاستمرار، وهو شقٌّ، يذهب إلى اغتيال قائد الحزب ورمزه، في مقابل ما قيل عن خيار آخر يكتفي بتصفية القادة العسكريين، وتدمير الآلة الحربية مع هدم البنية الفوقية والتحتية، وهذا ما تحقق بالفعل وتم، ما ترك معسكر الحزب وخلَّفه مهلهلاً أسمالاً بالية، لا تستر عورة، ناهيك بأن تقي من حرٍّ أو برد، موكلاً لجمهوره وبيئته المثقلة بالدمار والهزيمة، محاسبة المسؤول، ومعايشة المفارقة بين القول والفعل، أو الدعوى والعمل، وفي هذا قضاء على الفكرة والتجربة، وإعدام للقائد المهزوم، وإطفاء للرمز المتألق، وإنهاء للقدوة، وقتل له يتكرر في كل يوم وساعة. لكن نتنياهو وأركان حربه أظهروا سادية فاحشة، وتعطشاً غريباً للدماء، وكأنَّ بتر الأيدي وسمل العيون في “عملية البيجرات”، بعد خراب المدن وتدمير البيوت، ثم آلاف الشهداء الذين سقطوا في أيام معدودات، لم يشف غليلهم، ولم يخمد حقدهم… فذهب إلى تصفية نصرالله وأمر باستهدافه وإعدامه.
وإن كان مصيباً في تحليله، محقّاً في قراءته بأن لا عاصفة ستجتاح الشرق الأوسط جرَّاء ذلك، ولا طوفان سيُسقط الأنظمة، ولا تعطيل لتدفق النفط ولا اضطراب في أسواقه، ثم لا دمار سيلحق بالكيان ولا انهيار سيجتاح دولته ولا أذى سيصيب أهله.. لكنه أخطأ في جوانب أخرى ستنال منه ومن انتصاره على المدى البعيد، خلافاً لما يرجو ويأمل!
فقد صرف السيد حسن من موقع المحاسبة على سوء القيادة وترديها، وأعفاه من المثول أمام محاكمة تنظر في تخلُّف إدارته وفشل ريادته، تلاحق آفات روحية أسقطته في الغرور، وأنزلت به الغطش والعمش، بل العمى والكمه، فما عاد يبصر الواضحات، ويلتفت إلى المسلَّمات، حتى مضى إلى الهاوية، وأخذ معه حزبه وجمهوره لتلقِّي الضربة القاضية. وهنا سيحاكمه التاريخ، قبل أن تفعل السماء، على حجج قدَّمها هناك، وكيف ركن إلى رؤى صدَّق بها وأحلام، ووثق بوعود قطعها له ولي أمره، النرجسي المعتَّق والحالم الأخرق، بأنه سيصلِّي في القدس بعد الشام! وعود بالنصر تبخرت وأهداف تحولت، من تحرير الأقصى ومسح تل أبيب عن الخارطة وإخلاء حيفا ويافا من السكان، حتى إنهاء الكيان، في أسابيع وأيام.. تراجع وانكفأ هذا كله إلى إقامة جنازة والتباهي بهذا الإنجاز! والضاحية تتسوَّل الإعمار من دول تصنِّفها ثقافة الحزب بالعمالة وتدرجها أدبياته في الخيانة، تنتظر إحسانها لتعيد بناءها، بل لترفع عنها الركام!
إن المستفيد الأول والأكبر من قتل نصرالله هو نصرالله نفسه، وحزبه، والقيادة التي خلفته، أما نتنياهو فإنه قبل أن يضرَّ بالسنة في غزة والشيعة في لبنان، أضرَّ باليهود الذين يرون قدرهم في هذه البلاد، وما يلزم ذلك من تعايش مع شعوبها، وتحقيق الأمن والسلام الذي ينهي التوتر والاضطراب، والقلق الخفي الذي يسكن كل يهودي في الشعور منه واللاشعور، يقضُّ مضجعه وينغِّص عيشه، لا يدري متى تأتيه الطعنة من فلسطيني يائس، أو يهوي عليه صاروخ من إيراني مفلس بائس، أو تتزلزل الأرض من تحت ديمونه لقدر وغضب إلهي، فتعود أرض الميعاد كهشيم المحتظر!
في قراءة المتابعين البصراء إن ما تحقق في الجنازة يشكل خطباً وحدثاً كبيراً على صعيدين:
الأول: انقلاب المتهم المتسبب بالهزيمة والمدان بسوء التقدير وتردي القيادة، إلى رمز خالد وأيقونة تنتصب على كتف الضاحية الجنوبية، وقبره إلى صرح سيتحول إلى معلم روحي يلجأ إليه المنهكون ويلوذ به المحرومون المضطهدون، ويتخذه الثوار كعبة في جهادهم وقبلة لصلاتهم. طالما كانت الطائفة تتوق إليه وتفتقده، فلا تملك ما يناظر كاتدرائية مار جريس للموارنة في ساحة النجمة، وكنيسة القديس لويس للآباء الكبوشيين في ساحة البرج، ولا ما يضاهي قداسة سان جاورجيوس لدى الأرثوذكس، وعراقة المسجد العمري في قلب بيروت، فكانت تشد الرحال هنا وهناك، تطلب أثراً في بعلبك أو النبي شيث أو النبي ساري في عدلون، وإذا بنتنياهو يمنحهم مقاماً حياً نابضاً للنبي نصرالله، تستقبل قبته كلَّ قادم إلى بيروت وتودع كلَّ مسافر!
ولم تكن إسرائيل هي المسؤول الوحيد عن هذه النتيجة، فقد لحقتها في الجبهة الداخلية اللبنانية أصوات وممارسات محلية تبتذل الشيعة وتدعو لقمعهم وامتهانهم، وأخرى تطرح مشاريع للجنوب على غرار مشروع ترامب لغزة، إهانات وملاحقات تفتقر لأدنى معايير الوطنية والأخلاق هنا، أو أداء الدولة وشرف المنتصر هناك، ناهيك عن الرحمة لعزيز قوم ذل، مما حمل القاصي والداني إلى اللحاق بركب المشيعيين… ثم زاد في الطنبور نغمة، تحليق طائرات سلاح الجو الإسرائيلي فوق النعش، لا تدري أكانت تريد إرعاب الحشود وصرفها عن الاستمرار في التشييع، أم كانت تواكب الجنازة وتؤدِّي التحية لها، أو لعلَّها تعتذر وتأسف لخطأ جسيم وقعت فيه حين استهدفته بصواريخها! وكأن السفاهة ملازمة للقوة، تنزل بكل من يعيشها فتورثه الطغيان، وإن كان من الديمقراطيات الراقية والمدنيات المتفوقة!
وإن تعجب فاعجب لأحد العلماء الأعلام الذي نصر الزهراء يوماً ووقَّع عريضة إدانة فضلة الشيطان، وقد رافق بالأمس الوفد الإيراني، وهو ممن لا ناقة له في الثورة ولا جمل في المقاومة، فحضرني قول أميرالمؤمنين “ما زال الزبير منَّا أهل البيت حتى نشأ ابنه عبدالله”، ولا سيما أن “عبدالله” الرجل، نشر “سيلفي” التقطه يظهره وأبيه على مقاعد الصفوف الخلفية!
الثاني: تحقق الفتنة وسنَّة الابتلاء والامتحان، فمن السذاجة والغفلة بمكان أن يتوهم المؤمن الغيور والناشط البصير انقطاع مسيرة الإغواء والافتتان، ويحسب أن تطوى صفحته، وينتهي دور الشيطان ويتعطَّل قبل قيام الحجة، بل قيام الساعة، هيهات، سيبقى الغربال يميز الخبيث في فكره عن الطيب في معتقده وعمله، لا شك في هذا الأمر ولا شبهة، إن مشهد التشييع المهيب، وهذا الحشد الفخم والحضور الكثيف، هو واحد من أعمق ضروب الفتنة والابتلاء الذي وقعت فيه الطائفة، وهذه النذر والرسل تترى بتصريحات وممارسات ترفع الفقيد إلى مقام الأئمة والأنبياء، تساويه بسيد الشهداء، وتجعل مصرعه كربلاء. بل تستخف بشعائر جامدة وطقوس مخدرة تستدر الدموع على أطلال، وتعطل الحركة وتبقي الأمة في كتب التاريخ وذاك السجال… هكذا يخرج الناس من دين الله أفواجاً، والعلماء بين فقد القدرة ويأس من التأثير فسقوط التكليف، وبين ساقط في فخ الإعلام، يلحق الطغام ويتبع العوام.