• من موارد الاختلاف التي كنت أسعى لتغييرها في السيد جعفر مرتضى، التزامه بتزكية السيد القائد وتأييده النظام في إيران، ولا أريد الخوض في نسبة الحقيقة والواقع في هذا الأمر من التقية والمداراة، لكن الأمر ـ على أي حال ـ كان يشكِّل رقماً مزعجاً للولائيين، ولعله مانعاً لبعضهم من نصرة السيد جعفر والدفاع عنه، على الرغم من انخراطه المشهود في الجبهة الولائية، واصطفافه الرائع في أكثر مواقعها وثغورها، وتقديمه خدمات وتضحيات لا ينكرها إلا مجحف. أما الاختلاف الآخر فقد كان حرصه على حسن الخلق واللين والرفق في مخاطبة فضل الله، وأن تخلو أعماله وإصداراته عن أدنى مسٍّ به ناهيك بطعن فيه، فخلَت كتاباته التي يردُّ بها على أباطيله من أي إساءة شخصية وطعن يطال سلوكه ويكشف دجله وخبث سريرته، وبيان حقيقة أنها مؤامرة شيطانية، لا مجرد اجتهادات خاطئة، مكتفياً بالنهج العلمي البحت، في تناول الأفكار وردِّها بالإبطال، وبدرجات عالية من الأمانة والموضوعية. وهو أمر يعود لطبع في الرجل وخلق، فهو دمث هادئ سمح، هشٌّ بش، يتجنب الصدام ويتحاشى ما استطاع الصراع، ثم خدمة لمشروع مواجهة الانحراف وكيفية إبطال مقولات المنحرفين، كما كان يرى ويحسب، يقول إن اللغة الحادة والخطاب الشديد يفقدنا آذان الشريحة القريبة من فضل الله، ويبعدنا عن قلوب المنخدعين به. وكنت ـ وما أزال ـ أرى ضرورة الشدَّة والحدَّة، وأن الضلال الذي بلغه فضل الله يتطلب تعريته وإسقاطه، عملاً بقول رسول الله صلى الله عليه وآله: “إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم، وأكثروا من سبهم، والقول فيهم والوقيعة، وباهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الاسلام، ويحذرهم الناس ولا يتعلمون من بدعهم، يكتب الله لكم بذلك الحسنات، ويرفع لكم به الدرجات في الآخرة”، نحن مكلَّفون بصنع نموذج “عبرة” وخلق “عوامل ردع” تحمل مَن لم يجاهر بضلالاته بعد (وما أكثرهم في الساحة)، على الكفِّ والامتناع، وترسم صورة من العقاب والسقوط الذي سيلقاه مَن يتجرأ على مقدساتنا وينال من مسلَّماتنا. ولم يكن اللقاء بيننا يخلو من إثارة لهذا الخلاف، تلويحاً أو تصريحاً، مباشرة أو إشارة، وطالما عمد رحمه الله إلى استدراك أي طعن علني يصدر مني في محضره، فيتنصل منه بلطف وكياسة، بما يشعر الحضور ويبلغهم أنَّ هذا رأي قائله فحسب، فيخرج عن الإقرار وتبعات الإمضاء.

    ولك أن تقف على حجم الصدمة التي عاشها، والضربة التي تلقاها السيد رحمه الله، في أول لقاء جمعه بالسيد الخامنئي، بعد دخوله الصراع مع فضل الله وانخراطه في جبهة المدافعين عن الزهراء عليها السلام. وكيف تلقَّاه القائد بهجوم كاسح وطعن لاذع قامع!: “ماذا تفعل يا سيد جعفر؟ ما هذا السُّباب والهراء الذي تنشره بحق السيد محمد حسين فضل الله”!؟ صُدم السيد جعفر وذهل! أدار نظره في أركان الغرفة وكأنه يبحث عن منجد ومعين، فلم يجد إلا متشفياً شامتاً أو خائفاً يختبئ في ثيابه، فأركان المكتب حضور، ولا سيما الصقور، محمدي كلبيكاني وعلي أصغر حجازي! فعاد وتوجه إلى الخامنئي: سيدنا أرجوك أن تقرأ ما كتبت، ولا تعتمد على تقارير ومنقولات؟! فيرد عليه الخامنئي بحسم وغلظة: دعك عن هذا يا سيد، وراح في الاعتراض عليه وملامته إلى حدود “التوبيخ” و”التقريع”، ما أخرج السيد جعفر عن وقاره وهدوئه المعروف به، وحمله على بسط الكتب التي ردَّ بها على فضل الله بينه وبين الخامنئي وقال: “أريد أن تستخرج لي مورداً واحداً فيه سب أو شتم، أو حتى إساءة أدب أو عدم مراعاة للاحترام، وإن كان بالتلويح من بعيد، سأقبل حتى بعبارة غير صريحة في الشتم! بالله عليك دلني على مورد واحد فقط”!

    كان السيد جعفر مسبوقاً بموقف السيد القائد، سواء مما بلغه من الشيخ الآصفي أو من السيد محمود الهاشمي وغيرهما ممن أوفده الخامنئي إلى بيروت لثنيه عن موقفه، والضغط عليه لتغييره، وكانت الوفود على اختلافها وتفاوت خطابها بين ترغيب وتهديد، ووعد ووعيد، تؤكد أن هذا هو رأي الخامنئي وموقف الجمهورية الإسلامية الرسمي، إنَّ فضل الله رقم في صميم الخط والنهج الذي تريد إيران له الرواج والانتشار في الأوساط الشيعية في العالم كله! لكن السيد جعفر، مع كلِّ هذا وذاك، كان يطمع ويتطلع أن يغيِّره، وكان يحسب اللقاء المباشر فرصة لحوار علمي يدور بينه وبين السيد القائد، يطالبه فيه بالأدلة على طعونه بفضل الله ومسببات موقفه منه، فيقدمها موثقة مسندة، فيكسب السيد القائد إلى جبهة الولاء والدفاع عن الزهراء!.. وإذا به ـ من لحظة دخوله وجلوسه ـ يجد نفسه في موقع الإدانة، وفضاء من الإرهاب الفكري لم يعرفه في حياته! لا يُسمح له بالدفاع عن نفسه ولا بالاستدلال على شيء من قوله، بل يواجه بتهمة ملفقة من جذرها حتى رأسها: رميه بالسب والشتم، والافتراء عليه بما تخلو منه كتبه كلها، التي لن تجد فيها نقضاً لهذا الأمر في مورد واحد على نحو الحصر! انتهت الجلسة بأسىً وكدر، وانزعاج وصدمة، فقام السيد جعفر بعد ما يقارب الساعة لينصرف، دون أن يتناول الضيافة ولا أن يرتشف رشفة من الشاي الذي قدِّم له، حتى أن السيد الخامنئي غمز له بأنه فهم الرسالة ولوَّح بما ينتظره قائلاً: لم تتناول شاينا؟! فشكره السيد وانصرف مصراً أن يعبِّر عن سخطه! والحق أن عدم تناوله شيئاً في بيت الخامنئي كان رد فعل طبيعي لم يتكلَّفه السيد جعفر ولا تصنَّعه لإرسال رسائل وإبلاغ مواقف، فالسيد يعيش الأُمور بتلقائية وصفاء نادرين في تلك الأوساط الملوثة والبيئة السياسية القذرة، لقد تقزز الرجل وقرف وما عادت نفسه تشتهي أي فاكهة أو شراب!

    كتم السيد جعفر الأمر وجحده، ومضى في التزامه بولاية الفقيه وإعلانه تأييد النظام في الجمهورية الإسلامية، وإن بوتيرة أضعف وأقل ظهوراً، وهو ما كنت وسائر المؤمنين الولائيين يخالفونه فيه، لكننا لم ننجح في ثنيه وتغيير موقفه العلني، حتى في أعقاب حرب 2006، حين تعرضت داره للقصف والهدم، فذهبت جهود عشرات السنين وضاعت دراسات ثمينة فرغ من إعدادها في ركام طيش أسر الأسيرين! وهو من الحالات النادرة التي رأيته يعلن فيها موقفه ويوجه نقداً لاذعاً لقيادة الحزب والجمهورية الإسلامية، يرميهم بسوء التدبير وافتقاد الحكمة، والاستخفاف بحرمة الدماء ناهيك بتقدير ميزان القوة بيننا والعدو! لكنه سرعان ما عاد للسكوت وكتم الغصَّة وإخفاء الرأي. بقي المرحوم على مُداراته للخامنئي ونصرالله، والتقية من الحزب والجمهورية، وقد همس مرة لأحدهم وهو يعاتبه ويؤاخذه، ويرميه أنه بموقفه هذا يفتتن الموالين ويغويهم ويغرِّر بهم، حين يرون منه هذه المصانعة والمداهنة! وأسهب في بيان التبعات التي يخلِّفها موقفه ويشكِّلها اصطفافه، وبلغ الأمر أن صارح السيد بالعلل التي يحتملها الناس والأسباب التي يعزون إليها موقفه، وكلها مادية مصلحية! فردَّ رحمه الله بحزن وغصَّة، فهو لم يسلم من الثوريين الحركيين ولا من الولائيين المتدينين! قال إنه لا يفكر في ميزانية حوزته ببيروت (حوزة الإمام علي، التي يتكفلها الحزب)، لا في بقائها ولا في رواتب طلابها وأساتذتها، ولا يعنيه ما يتلقاه من دعم إعلامي، ولا سيما بعد أن أسقطه الحزب عن كلِّ دور وموقع، واستعاض به تافهاً مثل الشيخ كاظم ياسين… إن الأمر في رؤية السيد جعفر يتمحور في خطر استغلال جماعة فضل الله تصنيفه “معادٍ للمقاومة”، ماذا سيبقى له من رصيد لإنقاذ الشيعة الذين تستضعفهم الأفكار ويعبث بهم الإعلام!؟

    لم يحل هذا وذاك دون استمراره في نهجه والمضي في عمله ودفاعه عن الزهراء ونصرة أهل البيت عليهم السلام. ولا نال من ولائه ودينه، فبقي رأيه السياسي بحجم دوره المحدود ونطاقه المحصور، لم يسمح له أن ينال من موقفه العقائدي ولا أفسح له ليتمادى فيسقطه في الكذب والدجل والزيف الذي عليه القوم. وما زال في هذا حتى وفاته، رضوان الله عليه.

    كل الخوف والحسرة أن نفقد قامة مثل السيد جعفر، لعمالة ابن له ظهر مؤخراً على الساحة الإعلامية، لا علم وفضيلة ولا ثقافة وأكاديمية، قطعة من نسيج النظام الإيراني بامتياز، أوكلت إليه مسؤولية “مركز نشر وترجمة وحفظ آثار العلامة المحقق السيد جعفر مرتضى”. الاستراتيجية التي سيعمل بها “المركز” ترتكز على أصلين: الأول: محو رمزية السيد وعزل شخصيته عن حاضنة الولاء، إبعاده وفصله عن أوساط الدفاع عن أهل البيت ونصرة المذهب، وإلقائه في مقولات أو متاهة الوحدة الإسلامية، والقرآن الكريم، ودعم المقاومة وولاية الفقيه ونصرة الجمهورية الإسلامية! الثاني: “تنقية” تراث السيد (وجاء التعبير الفارسي بما ترجمته “ترميم”!)، وإعادة نشره خالياً من كلِّ مسٍّ بفضل الله وتيار الحداثة، تحت ذريعة نقل الخطاب إلى كليات تترفع عن تناول الجزئيات ومعالجة الحالات الفردية للشخصيات، وما يحصرها في برهة زمنية وحوادث آنية، وحتى مراحل تاريخية، من هنا سيجري تغيير كل ما يحتمل إعادة الصياغة، وحذف ما لا يحتمل! الرجل مُنح الجنسية الإيرانية، وبات يعيش في بحبوحة ورغد لم يحلم به، ورفاه ورخاء لم يعرفه في حياته، وراح يغرِّد في قفص الجمهورية ويغني على اللحن الذي تعزف، ويحلِّق في سماء الولاية الخامنئية ويسبح في الأفق الذي تريد.. لا يبالي أن يهدم ويقوِّض كلَّ مجدٍ بناه أبوه قدس سره، فيصوِّر طوداً شامخاً مثل السيد جعفر عميلاً رخيصاً للمخابرات الإيرانية، مثله مثل العمائم الحزبية التي تباع في هذا السوق وتُشترى بالأرطال وتكال بالقبان!

    في نهج البلاغة عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنه قال: “ما زال الزبير منَّا أهل البيت حتى نشأ ابنه عبدالله”… يبدو أن “محمد جعفر” نشأ وقام، والويل للدين من جمعة الآلام وحج ينتظرنا بلا إحرام!

  • من الفروق الجوهرية التي تميِّز حقل المعارف الدينية الشيعية عن غيره من العلوم، دينية كانت أو تجريبية، فقهية أو عقائدية… أنها تُلحق بالعلم، في مَن يستنبط أحكامه وتؤخذ منه معارفه، شرط العدالة، فأنت تتحرَّى الأعلم في الطب لعلاج مريضك، وفي الهندسة لبناء دارك، لا يعنيك كثيراً دينه ومدى التزامه وتشرعه، إنما هو الحذق في حقله والتخصُّص والتمرُّس في ميدانه، فتقصده وإن كان يهودياً أو نصرانياً، أو كان مؤمناً فاسقاً، أو منحرفاً في عقيدته، ضالاً في دينه… أما في المرجعية الدينية فلا بد من العدالة التامة، وهذا ما تقرره ـ بعد الأصل العقلي ـ جملة من النصوص الشريفة، من قبيل ما روي عن الإمام العسكري عليه السلام: “فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، ومطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدّوه”، بل المطلوب في المرجع مرتبة عالية من العدالة تفوق ما يشترط في إمام الجماعة وشهود التقاضي وثبوت الهلال وغير ذلك، وللفقيد العزيز السيد محمد سعيد الحكيم رؤية ثاقبة ونظرة مبتكرة، في واحدة من التفاتاته المتميِّزة، يشير فيها إلى الأمر، ويتحسس موطن الخطر، حين يقول: “إنَّ أهمية العدالة في مرجع التقليد نابعة من خطر الأمانة، فكُلَّما عظُمَت الأمانة وجلَّت، احتاجت إلى التحصين بقوَّة ملكَة رادعة عن الخيانة بنحو أقوى وآكد. ولا رادع عن التلاعب بالأحكام وتضييعها والتفريط في الوظائف الدينية المناطة بالمرجعية، إلَّا قوَّة العدالة وشدَّة الخوف من الله تعالى. فالمرجع يتعرَّض لضغوط عدَّة لا سبيل لخروجه منها إلَّا بالتحصُّن بتلك الملكَة والدرجة العالية من العدالة”.

    دعك عن أخبار الفساد المالي والتكالب على الإثراء التي تطال عدالة الرجل في الصميم، ولا سيما ما ناله وحصَّله من سرقات حزب الفضيلة، وما انتُهب من نفط البصرة بفتواه وإجازته، فكان له ـ عبر اليعقوبي ـ نصيب منها، إلى أموال الوقف الشيعي إبان تولي حزب الدعوة وحسين الشامي لها، مروراً بالبذخ الذي كان في رحلة علاجه إلى لندن ومحطة وقوفه في بيروت، من حجم الوفد المرافق إلى حقيقة الحاجة لهذا السفر وباهظ تكاليفه، وما هي إلا قسطرة عادية جداً كان يسعه إجراؤها في أي مشفى حكومي أو خاص في النجف! انتهاء بما تلقَّاه من أولاد فضل الله وحجي كاظم وعلي المحسن، حتى عرف بلائحة أسعار لكلِّ فتوى، وقيمة مسبقة الدفع لكلِّ موقف وحكم!.. دع عنك ذلك كله، فلم تُشكَّل هنا محكمة لإثبات هذه التهم، ولم يُجرَ التحقيق التام والبحث والتحري الكامل للتثبت من الدعاوى، وإن كانت الأمارات غالبة طاغية، والدلائل جلية واضحة، والآثار والنتائج مشهودة قائمة، لكننا لا نحكم ولا نجزم، ذلك أنه يكفي في خطر المقام وأهمية الدور والرتبة، وقوع الرجل في دائرة الشك ووقوفه في قفص الاتهام… وهلم إلى طامة كبرى لا سبيل للشك فيها، فقد ثبتت بالصوت والصورة عبر فيلم مصور فاضح، حين صار في نهاية المطاف وآخر طريق الخزي ودائرة السوء إلى ما انتزع منه تصريحاً ـ في سياق الحوار ـ يحوِّل ظلامة الزهراء عليها السلام من صميم العقيدة، وموقعها كإحدى أهم أُسس وركائز التبري، إلى مجرد حادثة تاريخية!

    ولا يخفى أن رصد أمرَيْ العدالة وصحَّة العقيدة (أي شرط الإيمان، إذ لا تقليد هنا) هو من صميم عمل الأمة، ودورها الرقابي تجاه المرجعية، فبمقدار الخضوع لاستنباطات الأعلم، والأخذ عنه والانقياد له في جزئيات أحكام الفقه وفروعه وكل ما يفتقر إلى التخصص العلمي الذي يفتقده العوام… فإن لهم ملاحقته في عدالته وبقائها، وفي صحة عقائده وسلامتها، فإذا عرض ما يخرجه عن جادة العدالة، وجب البحث والتثبت، وكذا إذا اختل شرط الإيمان وتضعضعت عقيدة أحدهم، وجب التوقف للفحص حتى ينكشف أمره، فإذا تبين الضعف وانكشف الخلل، سقطت المرجعية وانحل عقد الالتزام بها، وإن كان الرجل الأعلم على الإطلاق.

    ومما ينبغي الوقوف عنده وتسجيله للتاريخ هنا فلا يغفل، ما كان بينه وبين المرحوم الميرزا جواد التبريزي قدس سره، في زيارته قم قبل السقوط، والحوزة في معترك التصدي لفضل الله، والأجواء ساخنة بل ملتهبة، ما تعرض له من تقريع شديد من الميرزا جواد (الذي كان يراه مجرَّد حافظ لأبحاث السيد الخوئي دون قدرة فهم، ناهيك بدقة وتعمق، بل وحتى دون ملكة استنباط!)، ما حمله حين العودة إلى النجف على حث السيد السيستاني ودفعه للتصريح برأيه واتخاذ موقف علني من القضية، لكن مشورة السيد الخرسان حالت دون ذلك، فبقي موقف السيد المرجع من فضل الله شفاهياً يبثه بعض وكلائه، ويعلنه لمن يسأله، ثم صار يسرُّه للخواص أمثال السيد علي الميلاني. وإن صدر عن مكتبه في قم جواب استفتاء يحمل إدانة في منتهى الشدة والصلابة.

    وعلى أي حال، هناك فرق جوهري بين تقدير العالم والفقيه والمرجع لطبيعة موقفه وكيفية مواجهته الضلال، وبين نفيه وقوع الضلال وإنكار صدوره من الضال المضل! فقد يختار بعضهم السكوت وعدم الجهر، فهذا له، فللفقيه أن يشخِّص تكليفه الذي سيُحاسَب عليه أمام ربه وإمامه، وتقدير الكيفية الفضلى في معالجة هذا الخطب وذاك، ولكن ليس له أن يقلب حقائق الدين ويزيِّف في مذهب الحقِّ المبين، لأي سبب كان، اللهم إلا لتقية يعرف المؤمنون وجهها، ويدركون خلفياتها، وكل هذا وذاك منتف في موقف من قبض المال وباع دينه بدنياه!

    على جميع العلماء الكرام، من بلغ منهم مقام المرجعية أو من هو في مظانها، أن يدركوا ويتفهموا ويتقبلوا، أنَّ الأمة لن تتهاون ولن تتسامح في قضية دفعت الزهراء عليها السلام جنينها وضلعها وحُرمتها ثمناً لها، فيسوِّف أحدهم في هذه التي يتزلزل العرش لأدناها، وتكاد القيامة أن تقوم ـ لو يعلمون ـ لأقل درجاتها! وأن الساحة الإيمانية بعلمائها وخطبائها ومثقفيها وكتَّابها وسائر الغيارى في أرجائها طولاً وعرضاً، ستتصدى بكل ما تملك لإسقاط من يعتدي على ظلامة الزهراء، ويفرِّط في الموقع الأعظم الذي يُعجز المخالفين ويسقط في أيديهم، وإن كان الاعتداء لم يبلغ الجحد والإنكار، ووقف عند حدود التشكيك، وما يدفع القضية من موقع التسالم والثبوت، إلى المحتمل والمشكوك، فهذا مما يلحق بذاك…

    كثيراً ما تتداول الصحف، وأحياناً الأوساط الحوزوية، أمر المرجع القادم بعد العمر المديد للسيد السيستاني، الذي يلهج المؤمنون بالدعاء لسلامته وطول عمره ودوام ظله، ولربما طرحت أسماء وروِّج لشخصيات… على كلِّ مَن يهمه الأمر من عدوٍّ وصديق العلم بأن خيار الشيخ الفياض ساقط، ولو كان على نحو المرحلة الانتقالية، تماماً كما هو خيار اليعقوبي لانتفاء العلم والعدالة، وللحزبية، وافتقاد أدنى الشرائط الشرعية.

    كل ما نرجوه، أن لا نضطر لما ينكأ مزيداً من الجراح، ويهيج مزيداً من الآلام…

  • والدة بعض أعزة أصدقائي في لبنان، ائتمنتها على داري، راحت لتتفقَّدها، وخرجت بمشاهد تحكي شتاتها بين بعل وقور ينتظر عودتها لإعداد طعامه، أو ليعاود سكنه إليها واستئناسه، وأبناء في غربة الوطن وشتات أرض الله الواسعة، وأحفاد ما عاد يسعها أن تلاعبهم، من فرط ما غلبها من الأوجاع والأدواء، والهموم، تحاملت المرأة الصالحة وراحت تؤدي الأمانة، ووافتني بصوَر التقطها هاتفها، بعيداً عن أوليات الاحتراف، لكنها كانت خاضعة لقلب وجَّه العدسة، أرغمها فطاوعته، فأبدعت.

    &&&

    ليس السرور والجمال والبهجة والكمال هو الملهم الوحيد، فلربما كانت الكآبة والأحزان والآلام والأرزاء باعثاً لينساب القلم بعد وقدة الفكر وفيض الخاطر.

    وصلتني صور ومشاهد من الضاحية الجنوبية، تكتنز غصصاً وتفيض كآبة، تنبعث منها رائحة الموت، وتجثم في سمائها كأنها تأخذ بخناق سكَّانها، وتكتم أنفاس من ينظر فيها!

    أخذتني للتساؤل: هل هي بعض الأرواح التي ما زالت عالقة هنا بين الركام تنتظر كشف جثامينها، وتشييع جنائزها ومواراة أبدانها؟ أم هي دهشة الحيرة التي وافاها هؤلاء وهم يفارقون الحياة، وفيهم أرواح بريئة لم تحمل سلاحاً ولا انخرطت في مقاومة وجهاد ولا أقحمت نفسها في أتون الدماء، كلُّ ذنبها كان جاراً سكن فوقها أو أو جنبها، في مبنى انهار تحت وطأة الجحود والطغيان والزهو الاستعلاء، قبل أن تنال الصواريخ من عمارته وتفعل القنابل في أحجاره وخرسانته. 

    ودهشة تظلل المشهد من هذا المجاهد الصريع، وقد علق في زحام الحساب وأبطأ في غمار العرض، وبقي أسيراً لقيود الراية التي انضوى تحتها ودعا عمره إليها، وهو يحسب أنه سيسقط حين يسقط في حضن حورية، ويُفتح له من برزخه باب إلى روضة من رياض الجنة، ولا سيما أنه شهد ذلك لبعض إخوانه ورفاقه، ممن لم يفقد جوهر ولائه ولا فرَّط في حقيقة إيمانه…

    حقاً لقد فاز المخفُّون، لا من حطام الدنيا ولذاتها فحسب، بل من انتساب لهذا والتحاق بذاك، عاش مؤمناً بالحق لا يعرف من الدين إلا الولاء لآل محمد والبراء من أعدائهم، لم يقحم نفسه في السياسة ولا ابتلي بالاشتراك في مخمصة الدماء، فارتحل مخفّاً ولا سيما أن الأجل عاجله على يد عدو غلبه البطش والطغيان، ينادي بصوته وطيرانه وصواريخه: أنا ربكم الأعلى، ليس لكم إلا الرضوخ أو التسليم المهين، وأن تدفعوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وإلا فلن يبقى سقف يظلكم دون أن يهوي، ولا أرض تقلكم دون أن تحترق من تحتكم.

    مشاهد كئيبة حكتها صوَر، فكيف بالمعايشة، لعمري أي حياة هذه وأي ممات؟ دعوني أهمس في مسامع وجدانكم وأستصرخ، بعد الهمس، ضمائركم وقد انطفأت مواطن الحسِّ وخمدت استشعارات الألم، وطفقت أجول في أزقة الضاحية وشوارع الحارة قد غلبني البهت والذهول وعقدت لساني آلام لا أعرف محلها من بدني، فكأن الوجع ينز وينضح من كل عضو، تحسب لوهلة أنك تفرغه مع نوبات التعرُّق، فيسكن وترتاح، وإذا به يهتف بالمزيد، يستنبط ويرشح ثم يستدعي الجديد… ليس لهذه الحكاية نهاية، جفَّ القلم أو انثلم، وطويت الصحف أو رفعت، لا شيء يفرق، ولا سلام في الختام. 

    ما زلت أحمل حقداً دفيناً وإرث ثأر أنتظره لشفاء غليلي من معلِّم صفعني، وأنا على مقاعد المرحلة المتوسطة التي تسمَّى في بعض البلاد الإعدادية، قد جاوزت لتوِّي العاشرة وأنا الآن أذرف على السبعين!…

    ماذا يزرع هؤلاء وماذا يرجون أن يحصدوا؟ هل يحسبون أنَّ الأيام ستمسح الدماء؟ وتطم ذكريات الدور والأزقة والحارات في ركام ما زال ينتظر الجرافات؟ هل نسوا مجازر النازية وزال حقدهم بعد قرن يكاد يطويها؟ هيهات…

  • من الأمور المُسَلَّم بها في بنيتنا العقائدية أن الامتحان والابتلاء سُنّة إلهية يختبر الله بها عباده ويمتحن بها خلقه، وأنها سبيل الارتقاء المعنوي والتكامل الروحي والبناء الأخلاقي. لا بد من افتتان واختبار، يُميَّز فيه الخبيث من الطيب، يرقى هذا في مدارج السمو ويأخذ في مراتب الكمال، وينحط ذاك بأهوائه، يسقط في الشهوات وينغمس في المعاصي والملذات، ثم يتقلَّب ـ في المعاد ـ بين أطباقها ويقبع في دركات، ومن أصدق من الله حديثاً: “أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون”؟ “ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون”… والحقيقة التالية أن السواد الأعظم في الساحة الإيمانية، سواء اكانوا رساليين ملتزمين أم من أهل الدنيا والانشغال بالعيش والمعاش، أو حتى من الفسقة الخلعاء، جميع الناس أو غالبيتهم، أعم من أشراف وطغام، كرام ولئام، علماء وعوام، قادة أمراء وأتباع خدَّام، إنما يؤخذون بالقوة ومظاهرها، ويفتنون بالتفوق والبأس، ويبهرون بالمال والجاه، ويحبون النصر والغلبة “وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب”، أكثر من أي معطى آخر، و“الناس مع من غلب”… ويتأكد ذلك في الفئات التي تعيش “الأقلية” وتشكو القهر، تعاني الاستضعاف والاضطهاد، يحقق لهم ما يفتقدون، ويبلغ بهم ما يأملون ويرجون، وفي طليعة ذلك، إنهاء الذل والهوان الذي يعانون، والخروج من الحرمان والازدراء الذي يكابدون. وإنما كسبت الجمهورية الإسلامية وأحزابها قاعدتها الجماهيرية، وحظيت بالمد والتأييد الشعبي في الساحة الإيمانية وحتى بعض الساحات العامة، من تأثير هذا العنصر وفعل ذاك العامل. أما العقيدة الجهادية والفكر الحركي، فهامشه ضئيل يدور في نطاق النخبة، لا يجتذب الطاقات ولا يحقق الإنجازات.

    وقد أُصيب الحزب على هذا الصعيد في مقتل، وناله عطب أشله وأقعده، مع دخوله “حرب الإسناد”، وإصراره على الاستمرار فيها، وهو يتجاهل ما يحشد العدو ويعدُّه للمواجهة وساعة اللقاء! أمسى وكأنه يهوي من قمة بلغها في أربعين عاماً من الكدِّ والعناء، ويتدهور في قعر وقرار لا يبلغه سمع ولا نظر، بل كأنه اعتلى المقصلة بقدميه، ولف حبل المشنقة حول عنقه بيديه. وكان أمره بعد الضربات الأولى التي طالت جميع قادته وكل مخازن أسلحته، قد آل إلى زوال وآذن بتفكك وانحلال، ووقف على أعتاب نهاية مأساوية، وكأنه يقتل صبراً، لا يملك حراكاً ولا رداً، قد نزل به ما أشلَّه وأقعده، فمنعه حتى عن رفس المحتضر، وخمش الهر المحاصر… عندما قرر العدو أن يمضي بخيار الاستمرار، وهو شقٌّ، يذهب إلى اغتيال قائد الحزب ورمزه، في مقابل ما قيل عن خيار آخر يكتفي بتصفية القادة العسكريين، وتدمير الآلة الحربية مع هدم البنية الفوقية والتحتية، وهذا ما تحقق بالفعل وتم، ما ترك معسكر الحزب وخلَّفه مهلهلاً أسمالاً بالية، لا تستر عورة، ناهيك بأن تقي من حرٍّ أو برد، موكلاً لجمهوره وبيئته المثقلة بالدمار والهزيمة، محاسبة المسؤول، ومعايشة المفارقة بين القول والفعل، أو الدعوى والعمل، وفي هذا قضاء على الفكرة والتجربة، وإعدام للقائد المهزوم، وإطفاء للرمز المتألق، وإنهاء للقدوة، وقتل له يتكرر في كل يوم وساعة. لكن نتنياهو وأركان حربه أظهروا سادية فاحشة، وتعطشاً غريباً للدماء، وكأنَّ بتر الأيدي وسمل العيون في “عملية البيجرات”، بعد خراب المدن وتدمير البيوت، ثم آلاف الشهداء الذين سقطوا في أيام معدودات، لم يشف غليلهم، ولم يخمد حقدهم… فذهب إلى تصفية نصرالله وأمر باستهدافه وإعدامه.

    وإن كان مصيباً في تحليله، محقّاً في قراءته بأن لا عاصفة ستجتاح الشرق الأوسط جرَّاء ذلك، ولا طوفان سيُسقط الأنظمة، ولا تعطيل لتدفق النفط ولا اضطراب في أسواقه، ثم لا دمار سيلحق بالكيان ولا انهيار سيجتاح دولته ولا أذى سيصيب أهله.. لكنه أخطأ في جوانب أخرى ستنال منه ومن انتصاره على المدى البعيد، خلافاً لما يرجو ويأمل!

    فقد صرف السيد حسن من موقع المحاسبة على سوء القيادة وترديها، وأعفاه من المثول أمام محاكمة تنظر في تخلُّف إدارته وفشل ريادته، تلاحق آفات روحية أسقطته في الغرور، وأنزلت به الغطش والعمش، بل العمى والكمه، فما عاد يبصر الواضحات، ويلتفت إلى المسلَّمات، حتى مضى إلى الهاوية، وأخذ معه حزبه وجمهوره لتلقِّي الضربة القاضية. وهنا سيحاكمه التاريخ، قبل أن تفعل السماء، على حجج قدَّمها هناك، وكيف ركن إلى رؤى صدَّق بها وأحلام، ووثق بوعود قطعها له ولي أمره، النرجسي المعتَّق والحالم الأخرق، بأنه سيصلِّي في القدس بعد الشام! وعود بالنصر تبخرت وأهداف تحولت، من تحرير الأقصى ومسح تل أبيب عن الخارطة وإخلاء حيفا ويافا من السكان، حتى إنهاء الكيان، في أسابيع وأيام.. تراجع وانكفأ هذا كله إلى إقامة جنازة والتباهي بهذا الإنجاز! والضاحية تتسوَّل الإعمار من دول تصنِّفها ثقافة الحزب بالعمالة وتدرجها أدبياته في الخيانة، تنتظر إحسانها لتعيد بناءها، بل لترفع عنها الركام!

    إن المستفيد الأول والأكبر من قتل نصرالله هو نصرالله نفسه، وحزبه، والقيادة التي خلفته، أما نتنياهو فإنه قبل أن يضرَّ بالسنة في غزة والشيعة في لبنان، أضرَّ باليهود الذين يرون قدرهم في هذه البلاد، وما يلزم ذلك من تعايش مع شعوبها، وتحقيق الأمن والسلام الذي ينهي التوتر والاضطراب، والقلق الخفي الذي يسكن كل يهودي في الشعور منه واللاشعور، يقضُّ مضجعه وينغِّص عيشه، لا يدري متى تأتيه الطعنة من فلسطيني يائس، أو يهوي عليه صاروخ من إيراني مفلس بائس، أو تتزلزل الأرض من تحت ديمونه لقدر وغضب إلهي، فتعود أرض الميعاد كهشيم المحتظر!

    في قراءة المتابعين البصراء إن ما تحقق في الجنازة يشكل خطباً وحدثاً كبيراً على صعيدين:

    الأول: انقلاب المتهم المتسبب بالهزيمة والمدان بسوء التقدير وتردي القيادة، إلى رمز خالد وأيقونة تنتصب على كتف الضاحية الجنوبية، وقبره إلى صرح سيتحول إلى معلم روحي يلجأ إليه المنهكون ويلوذ به المحرومون المضطهدون، ويتخذه الثوار كعبة في جهادهم وقبلة لصلاتهم. طالما كانت الطائفة تتوق إليه وتفتقده، فلا تملك ما يناظر كاتدرائية مار جريس للموارنة في ساحة النجمة، وكنيسة القديس لويس للآباء الكبوشيين في ساحة البرج، ولا ما يضاهي قداسة سان جاورجيوس لدى الأرثوذكس، وعراقة المسجد العمري في قلب بيروت، فكانت تشد الرحال هنا وهناك، تطلب أثراً في بعلبك أو النبي شيث أو النبي ساري في عدلون، وإذا بنتنياهو يمنحهم مقاماً حياً نابضاً للنبي نصرالله، تستقبل قبته كلَّ قادم إلى بيروت وتودع كلَّ مسافر!

    ولم تكن إسرائيل هي المسؤول الوحيد عن هذه النتيجة، فقد لحقتها في الجبهة الداخلية اللبنانية أصوات وممارسات محلية تبتذل الشيعة وتدعو لقمعهم وامتهانهم، وأخرى تطرح مشاريع للجنوب على غرار مشروع ترامب لغزة، إهانات وملاحقات تفتقر لأدنى معايير الوطنية والأخلاق هنا، أو أداء الدولة وشرف المنتصر هناك، ناهيك عن الرحمة لعزيز قوم ذل، مما حمل القاصي والداني إلى اللحاق بركب المشيعيين… ثم زاد في الطنبور نغمة، تحليق طائرات سلاح الجو الإسرائيلي فوق النعش، لا تدري أكانت تريد إرعاب الحشود وصرفها عن الاستمرار في التشييع، أم كانت تواكب الجنازة وتؤدِّي التحية لها، أو لعلَّها تعتذر وتأسف لخطأ جسيم وقعت فيه حين استهدفته بصواريخها! وكأن السفاهة ملازمة للقوة، تنزل بكل من يعيشها فتورثه الطغيان، وإن كان من الديمقراطيات الراقية والمدنيات المتفوقة!

    وإن تعجب فاعجب لأحد العلماء الأعلام الذي نصر الزهراء يوماً ووقَّع عريضة إدانة فضلة الشيطان، وقد رافق بالأمس الوفد الإيراني، وهو ممن لا ناقة له في الثورة ولا جمل في المقاومة، فحضرني قول أميرالمؤمنين “ما زال الزبير منَّا أهل البيت حتى نشأ ابنه عبدالله”، ولا سيما أن “عبدالله” الرجل، نشر “سيلفي” التقطه يظهره وأبيه على مقاعد الصفوف الخلفية!

    الثاني: تحقق الفتنة وسنَّة الابتلاء والامتحان، فمن السذاجة والغفلة بمكان أن يتوهم المؤمن الغيور والناشط البصير انقطاع مسيرة الإغواء والافتتان، ويحسب أن تطوى صفحته، وينتهي دور الشيطان ويتعطَّل قبل قيام الحجة، بل قيام الساعة، هيهات، سيبقى الغربال يميز الخبيث في فكره عن الطيب في معتقده وعمله، لا شك في هذا الأمر ولا شبهة، إن مشهد التشييع المهيب، وهذا الحشد الفخم والحضور الكثيف، هو واحد من أعمق ضروب الفتنة والابتلاء الذي وقعت فيه الطائفة، وهذه النذر والرسل تترى بتصريحات وممارسات ترفع الفقيد إلى مقام الأئمة والأنبياء، تساويه بسيد الشهداء، وتجعل مصرعه كربلاء. بل تستخف بشعائر جامدة وطقوس مخدرة تستدر الدموع على أطلال، وتعطل الحركة وتبقي الأمة في كتب التاريخ وذاك السجال… هكذا يخرج الناس من دين الله أفواجاً، والعلماء بين فقد القدرة ويأس من التأثير فسقوط التكليف، وبين ساقط في فخ الإعلام، يلحق الطغام ويتبع العوام.

  • بعد سنين متمادية من ثرثرة السيد القائد ولغوه، تبجُّحه وزهوه، ثم كيده ومكره بل قل بطشه وبأسه، مما قابلته الحوزة والمرجعية بصمت وسلبية، وواجهته بنأي وإعراض، إهمالاً له وترفعاً على سخفه وتفاهته، أو عجزاً أمام قدرته وسطوته، الأمنية والإعلامية والسياسية والاجتماعية، والأخيرة هي التي كانت تكبِّل أغلب البصراء وتقيِّدهم، فالشيعة لا يطيقون معارضة الدولة الشيعية الوحيدة في هذا العالم، والوجدان الإيماني الساذج يستوحش الاصطفاف في جبهة أمريكا وإسرائيل، وحكومات لم يرَ الشيعة من أكثرها إلا الكيد والعداء، والشر والاضطهاد!.. بعد نحو أربعة عقود من الصمت المقدس، يبدو أن الحوزة والمرجعية قررت تدشين مرحلة جديدة في صراعها مع الباطل الخفي، والبدء في سعيها لكشف الزيف والانحراف الذي يتقادم باسم المذهب، يدَّعي تمثيله، وينتحل زعامته، ويستولي على مقدراته، ويدخله في صراعات مهلكة وحروب مدمرة، ما يفسد على الناس دينهم ويزري بدنياهم.. ألقت المرجعية كلمتها بهدوء، تاركة للساحة خياراتها، ومفسحة لها في كيفية التفاعل معها والأخذ بها، أو تركها تطوي مراحلها من تلقائها، لكنها على أي حال، خرجت من شرنقتها، وانطلقت في مسيرة المواجهة والتصحيح.

    وهذا من أبرز معطيات هزيمة إيران في الحرب الأخيرة، وتبعات تهاوي محورها وتفكيك مفاصله، وسقوط جبهاته الواحدة تلو الأخرى، من الحزب في لبنان، إلى البعث في سوريا، ثم تحييد فصائل الحشد في العراق، بانسحاب تكتيكي وانحناء عقلائي، هو في حقيقته اندحار وفرار من الزحف والمواجهة، وكذا ما يعيشه قلب المحور ويعانيه أصل النظام في طهران، من انهيار مأساوي للعملة وتردٍّ غير مسبوق للاقتصاد، وعجز مفضوح للحرس الثوري، مع خروج منظومة الدفاع الجوي عن العمل بعد الضربة الإسرائيلية المدمرة، ما طال أولياته وركائزه، ناهيك بصورته ومظاهره، فالسفور والرقص (وجلُّه من صيغ المعارضة وتحدِّي النظام) بات علنياً في الشوارع، والطعن والاستخفاف بأركان السلطة ورموزها، بما فيهم ولي الفقيه، أصبح طرفة العام والخاص، مُلحة المجالس ونادرة المحافل، وكذا انكشاف فضائح الفساد والسرقات المليارية لا المليونية، الذي أزكم الأنوف، وحصر نطاق أنصار النظام في المستفيدين المباشرين، وشريحة ما زالت تتقلَّص من الأغبياء المخدوعين… إنهم في وضع لا يحسدون عليه، وفي حيرة أقعدتهم، فلا يعرفون للأزمة مخرجاً، فكلما عمدوا إلى حلٍّ وجدوه يفاقم الوضع ويزيده سوءاً، حتى كأنهم عزموا على الاستسلام، وتركوا الأمر للمقادير، ولا أظنها ستقابلهم إلا بانتقام!

    من أهم نتائج ذلك، انحسار نفوذ إيران وتراجع سلطتها على الحوزات العلمية، ولا سيما في النجف الأشرف، وتنفُّس العلماء والفضلاء فيها الصعداء، بعد عقود من تضييق الخناق ورصد الأنفاس، والقهر والحشر في زاوية تفرض على الورعين التقية، وتأخذهم في أشكالها ودرجاتها، وتذهب بضعاف النفوس والمستأكلين إلى الرقص على أنغام المعزوفة الإيرانية، وهؤلاء أيضاً ـ في المقابل ـ على نسب ودرجات، بين ماجن فاضح، ومستخفٍ متستر. 

    وفي سياق هذا الانفراج، يأتي ما صدر منذ حين عن السيد محمد رضا السيستاني حفظه الله من إدانة للنهج الحداثي الذي ترعاه إيران، وما عمد إليه من تسقيط للرموز التي تعمل معها، والعناصر التي تغرسها وتصنع منها بؤر فتنة، ورؤوس جسور لغزوها وإنزال قواتها (الثقافية)، وتحويل النجف إلى قم أُخرى، بعد أن دسَّت هناك قبل عشرين عاماً نحو ستة عشر ألف عنصر مخابرات، أدخلتهم الحوزة وجعلت من طلب العلم والتحصيل الجاد وظيفتهم الوحيدة، فباتوا الآن في الفضلاء وصاروا من المدرسين، ومن ذوي الخبرة والعلماء، الذين سيحدِّدون للأُمة مرجع تقليدها! فتأمل في كيد الشيطان وتدبَّر في مكره وخبثه!

    قال السيد محمد رضا السيستاني في معرض بيان وظيفة الفقيه: “من المعلوم أنَّ وظيفة الفقيه هي استنباط الحكم من أدلَّته الشرعية، وليس هو مشرِّعاً ليحقَّ له أن يغيِّر في الأحكام حسب ما يظنُّه من مستجدَّات، بزعم جعلها بذلك ملائمة للعصر، كما يلاحظ مثله في سلوك بعض أدعياء الفقاهة ممَّن يحاولون إضفاء صيغة صناعيَّة علميَّة على ما يزعمون أنَّه مقتضى ملائمة الدين الإسلامي لكلِّ عصر وزمان، وهذا منحى خطير يجرُّ صاحبه إلى مخالفة أحكام مسلَّمة واضحة الثبات، كما وقع فيها عدد منهم في جملة من الموارد”.

    وسواء كان هذا الحديث عن خطَّة معدَّة، وسابق رسم وتدبير، أو كان عفوياً عارضاً، فمما لا شك فيه أن الأجواء الجديدة أشعرت الرجل، وجملة العلماء في الحوزة، بهامش أكبر من الحرية، وسمحت لهم بمزيد فسحة وسعة للتعبير عن رؤاهم وأفكارهم.

    وعلى الرغم من أن هزيمة إيران وعموم العجز والوهن الذي يصيب المؤمنين هنا وهناك أمر مؤلم للمرجع الأعلى، ما كان نجله السيد محمد رضا يرضاه ولا يتمناه، إلا أنه قد يندرج في “عسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً”، وإن ذهب جمع عريض من النخب الشيعية في الحوزة وخارجها أنها جمهورية بني العباس، وفي سقوطها ستقام الأفراح والمسرات، وفي الأقل الأدنى لن يأسف واع بصير على سقوطها وزوال ملك طاغيتها، فإن حديث سماحة السيد لا ينبغي أن يحمل على ذلك، ولعله جاء بتلقائية، كانعكاس عفوي لشعور عام انتاب الساحات الإيمانية جمعاء، ومنها الحوزة في النجف الأشرف، من زوال السطوة والتهديد، وتراجع الإرهاب والوعيد!

    تماماً كما تستبشر الهيئات الحسينية اليوم بموسم قادم خالٍ من محاربة الشعائر، مما كنا نراه خلال ثلاثين عاماً مضت في فتن منع التطبير، ودس البدع، وزرع الرواديد المستأكلين والخطباء المنحرفين… فلا نظن أن القوم الآن وهم يخلون للسفور ويفسحون للرقص في الطرقات، ولا يتعرضون حتى لثياب البحر على شواطئ قزوين، أن يتصدوا للمواكب الحسينية والهيئات؟! فإن غلبهم السفه والشقاء وفعلوها، فستتفاقم أزمتهم وانفضاض الناس من حولهم، ثم سيكون التصدي لهم أقل مؤونة وكلفة، وسيشارك فيه كثيرون، كانوا حتى الأمس القريب يتحفَّظون ويتوقفون.

    هكذا ستنطلق الحوزة حرة مستقلة، فإن كتب من بعدُ صراع هنا بين تيارات وصدام بين شخصيات، فهو في دائرته الطبيعية، التي طالما وُجدت وسبقت، ولا يكون مقارعة لدولة وسلطان مدجج بالسلاح وبجيش من المخابرات، ويقف على آبار لا تنضب من الذهب الأسود.

    قد لا يكون السيد السيستاني الابن ناظراً إلى نهج إيران وشيطنتها في الحوزة، ولا دافعاً تجاه كشف وإسقاط مرجعيتها المزيفة، ويكون منطلقه بحت المسؤولية الشرعية ومحض استشعارها، مسترسلاً يقدم من حرص على مستقبلها، وحذر وخوف على أصالتها… لكنها على أي حال خطوة للأمام، وبشارة ومَسرَّة، وأول الغيث قطر ثم ينهمر.

  • “هل تريد نقض بناء، رُصَّت لبِناته لبِنة فلبنة بأيدٍ تشققت حتى مجلت وتقرَّحت؟ وخُدم بأشفار العيون حتى ضعفت وكاد يذهب نورها؟ جُبلت خرسانة رفعت قواعده بدماء الشهداء وماء الأماقي، تذرفه أُمهاتهم وأيتامهم؟ هل تريد نسف جهود أربعين سنة أقرب إلى نحت الصخر ونقر الحجر؟ من حفر الأنفاق بالأزاميل، بل بالأيدي والأظافير، حتى لتزول الجبال وتنقل عن مواضعها؟ فقطعة السلاح، من الصواريخ والقذائف إلى رصاص البنادق وطلقات المسدسات، ما كانت لتصل أماكنها وتبلغ المستودعات التي ستخزَّن فيها، إلا بخوض اللجج وسفك المهج، وعدِّد ما شئت من ضروب المشقة والعناء، ومكابدة ولأواء، وأموال ودماء، وقرابين تذبح أمامها، لا احتفاءً بقدومها وإقامة للولائم على شرف وصولها، بل آلة تمهد الطريق، ومدحلة ترصُّ أحجارها وترصفها… وأنت تريد أن تطمس ذلك كله، تتجاوزه وتنساه، تطوي صفحته وتغادره، هكذا ببساطة، وأنت في دارك تتفنن في إعداد القهوة، وارتشافها مع كتبك الصفراء التي سئمتها حتى الأرفف التي رُصت عليها”؟!

    بهذا قابلني أحد “الثوار” الذي لم يغادره الترف ولم يعرف في حياته الشظف، وإن امتاز عني أو اختلف، فبتناول الشاي بدل القهوة، وإلا فكلانا في “القعود” سواء، نعم هو يصرف وقته في مرابع وحانات ابتذال الدين، التي تسمَّى “ديوانيات”، بدل ربيع الكتب وربوع المكتبات!.. ألقى التعس ما عنده بغرور وعمه، ولاقاني بحماقة وسفه، فكان هذا الذي ترى، وهو هذيٌ نمَّقتُه، وهذر هذَّبته، فلا أقدِّم لقرائي هراء عوامٍ وحشو وتخرُّصات طغام.

    لم أُجبه، وواعدته بمقالة، لا بثلاثين ليلة وميقات، فلا هو موسى ولا أنا ربه، ولم أتممها بعشر، إن هي إلا شقشقات تهدر، فلا تقرُّ إلا بحمل القلم والنقش في قرطاس، أو بالنقر على لوحة حاسوب أو هاتف محمول.. والمعني هنا والمراد المقصود يطال النوع، لا شخصاً غارقاً في التنكير..

    سريعاً ما نسي المسكين إسرائيل التي فعلت ذلك بهم، هي التي قضت عليهم لا أنا (النوع أيضاً) في طرفة عين! هاج اللاشعور في وجدانه، وأخذه ليعرض عما يؤلمه ويوجعه، بل يقتله إذا رهف منه الحسُّ ولطُف الشعور، يتناساه ويتوجه إلينا، يرمي الرقم الأضعف في بيئته، فلا سلاح هنا ولا عتاد: “لم تقفوا معنا، فاستوحدونا وتكاثروا علينا، فأنتم شركاء في إنزال المأساة بنا”! لا أريد البحث في علل النكبة وأسباب موت محور المقاومة، فيكفيهم ما هم فيه، والمُثلة حرام، لا سيما في فرخٍ وقع من وكره، تلاعب به الصبيان حتى هلك أو نفق. إنما هي الندبة التي استوقفتني، فيبدو أنهم أُشربوا حب الطاغوت حتى مسخوا في عقولهم، انتقل السوء والداء من الذائقة والحس إلى الفهم والفكر، فباتوا يفكرون بشكل معوج ويفهمون الأمور على نحو مقلوب، على طريقة أهل الشام في صفين حين رأوا عمار بن ياسر شهيداً في عسكر أميرالمؤمنين، وتذاكروا حديث النبي “تقتله الفئة الباغية”، فقيل لهم إنما قتله من أخرجه للقتال، وهو علي! هكذا قيل اليوم للخامنئية “إنه النصر، أوَ لم ينتصر الحسين على الرغم من قتله وأصحابه، وأسر أهله وعياله”؟! وما زالوا بهم حتى صدَّق كثير منهم أنهم منتصرون ومنصورون، فقصد من براءته قريته في الشريط الحدودي قبل أن يأذن له العدو ويسمح، فلاقاه الرصاص، ولم يجد من يرد عنه ويدفع، فتجدد سيل الدماء!

    إخواني أرباب العزاء، إن إسرائيل هي التي سوَّت بنيانكم بالأرض، ومسحت كل ما ذكرتم من كلفة وعدَّدتم من جهود خلال أربعين سنة، في أربعة أسابيع أو أيام، حتى لم يبق من “البنائين”، من يتحسر على شيء من البنيان، ذهبوا وذهب، فطويت الصفحة وأغلق الكتاب، وأنتم في تيه التبرير والتماس الأعذار، والبحث عن إبرة في بيدر قمح أو كومة قش، غارقون في فنجان، فإذا خرجتم من دوامته، انشغلتم بقراءته، واستعنتم بالمشعوذين في استشراف طالعكم ومستقبلكم، ما يبقيكم في متاهته!

    وإذا أردت الغيب وعالم الحقائق، فإن هذا ما جنوا على أنفسهم ولم يجن عليهم أحد. ومن راقب “المنار” البارحة، ليلة العزاء باستشهاد الإمام الكاظم عليه السلام، وحضر برامجها اليوم، وأغاني النصر وأفراح الفتح، لعرف علَّة غضب الله، ومن شاهد العائدين إلى قراهم ينفثون دخان النارجيلة، متربعين على ركام بيوتهم المهدمة، يتحدون إسرائيل ويطلبونها للبراز، لعلم سر الهزيمة ومكمن البلاء، وأن الكبر والغرور لا يدع صاحبه حتى يهلكه، فيُصرع في دقائق عشرون ويجرح مئتين لمجرد مناورة إعلامية، دفعت بالعزَّل للتظاهر أمام أعتى جيوش المنطقة والعالم، وكأن دماء الشيعة أنخاب يرفعها القادة في بيروت والأولياء في طهران!

    لعمري، ما زالوا في غيهم يعمهون، وما برحوا في جهالتهم يخوضون ويخرصون، ولك أن تتصوَّر الطغيان الذي كانوا سيعيشونه والكفر الذي سيبثونه لو كتب لهم النصر، فنالوا من إسرائيل، أو غلبوا إرادة أمريكا وأثنوها عن سياساتها؟ أو حتى لو بقيت لهم بقية، كما كان الحال في الحرب الماضية (2006)، حين ألجمت أمريكا إسرائيل ومنعتها من الاستمرار، الذي سمحت به اليوم، فوقع الانكسار التام في أيام!؟

    كأني بهم يخبطون الناس بعصا السلطة ويسوقونهم بالقهر والقوة، ويحملونهم أفكارهم ومعتقداتهم! أين كان الزهو والغطرسة ستبلغ بهم وتأخذهم بالخامنئي، بعد أن نصبوه إماماً وهو يتلقى الضربات ويعيش الهزائم، فكيف إذا وجَّهها وحقق الانتصارات؟ كم كان الإغواء والإضلال سيستحكم؟!

    كأني أرى أعداد “البلوغات” من الفتيات المؤمنات سيبلغ المئات، بعد الآحاد، يملأن وسائل التواصل بعباءاتهن، وابتسامات تُظهر جمال ثغورهن، ومساحيق تجميل دهنت وجوههن بإتقان، حتى لتحسب أن لا مساحيق، وأن الصبية بهذا الجمال! وتخضُّع يفتن الشيوخ قبل الشبان… كانت المعازف والموسيقى ستدخل الصحن الحسيني بعد ما فعلت بين الحرمين، ولعلها وصلت الروضة وارتفع صخبها من جوار الضريح الشريف! كان العزاء واللطم والندب سيهجر مصاب الحسين وينصب على سيد المقاومة وأمينها العام، وصحبه القادة الكرام، وصانعها وبائعها وحاملها وشاربها!

    وبعد، كانت الحوزة والمرجعية ستعود إلى عهود البعث وصدام، لكن باسم الدين وعصا الإسلام! كانت مقامات أهل البيت، وعقائد الناس، وولاؤهم لأئمة الهدى، وبراءتهم من أعدائهم ومخالفيهم، ستعود تاريخاً وقصصاً مأثورة لا حضور لها ولا تأثير، حتى إذا انقضى هذا الجيل نسي القادم ما كان عليه آباؤهم وأسلافهم. والإيرانيون ببابك، كانوا من أشد الناس عداوة لأهل البيت وتعصباً ضدهم، حتى إذا أمرهم السلطان، انقلبوا إلى التشيُّع وصاروا أكبر بلاد الولاء! كانت جولة الصعاليك ستكون دولة، والدين سيؤخذ من كتب الحيدري وفضل الله، وآصف محسني وحب الله، فلا كتب للخامنئي، والمذهب يُستقى من الحركة الإسلامية، من حزب الدعوة والحوثيين وسيد قطب وجمال الدين، فإذا غلبه الجفاف وأعوزته النداوة والنضارة، يمَّموا صوب المولوي وابن عربي… وخذ ما شاء الشيطان من هذا الالتقاط.

    فالحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، ومع آلام البلايا التي حلت بالناس، فإن الخير كل الخير في قضاء الله وما قدَّر سبحانه وتعالى.

  • مما يعيبه التاريخ ويتندر به على أهل بغداد حين غزاهم المغول، أنَّ الجندي منهم كان يخط بسيفه أو رمحه دائرة على الأرض، يُدخل في نطاقها أسيره أو أسراه، يتوعدهم بالفتك إن خرج أحد منها. ثم يذهب لشأنه في جمع الغنائم وتناول الطعام، ولربما الاستراحة والمنام! وفي هذه الأثناء يحدِّث الأسير نفسه بالهروب، فيعود ليزجرها على ما تسوِّل له، يحسبها حيلة من الجندي المغولي ومكيدة، فهو في الجوار، لعلَّه يكمن وراء هذا الجدار، أو يترصَّد خلف تلك الدار. يهم آخر بالذهاب لبيته وعياله والإفلات من أسره وإذلاله، فيردُّ على رغبته بإدانة التهور وتقبيح الاندفاع، فالمغولي بدا عاقلاً يحسب لمآل الأُمور، ويدرك أنه في غير ميدانه، بعيد عن وطنه، ولا بد له في ساعة أن يحتاج لنا في أمر نقضيه له، أو لشأن من استقرار ملكه ومنع الفوضى عن بلاد فتحه، فيُبقي علينا لذلك ولن يهلكنا، من هنا فالأمل بالخلاص أرجح من المغامرة والصبر أجدى من التهور.. فيبقون في مكانهم حتى يعود المغولي ويقطع رؤوسهم، أو يبيعهم للنخاسين عبيداً أرقاء وبضاعة مزجاة!

    تُرى بمَ تفرق هذه الحالة عن وضع محور المقاومة في جبهات سوريا ولبنان وإيران، عندما امتدت الحرب وانقلب “الإسناد” إلى جبهة قتال حقيقية، وأخذت الضربات الإسرائيلية تتلاحق على القرى والبلدات اللبنانية؟!

    كان الحزب الذي دخل “الدائرة” التي رسمتها أو استدرجته إليها إسرائيل طوعاً، بين الإقدام على ردٍّ يردع، والخوف من تصعيد لا طاقة له به، بين الحفاظ على مخزون السلاح والذخيرة لحرب قد تطول، ورجاء تدخُّل دولي يكبح جماح العدو ويوقف تماديه… استمر الحزب ملتزماً البقاء داخل “الدائرة المرسومة”، حتى قضت إسرائيل على حماس وانتهت من غزة، فتوجهت شمالاً متفرغة للبنان! كل ذلك في أداء علني تواكبه تصريحات صحفية وتغطية إعلامية مصوَّرة، بلا خفاء ولا مراء! والحزب يباهي بإنجازات “الهدهد” واصور يلتقطها لموانئ حيفا ومطاراتها ومعسكرات العدو وثكناته، ثم بضربات يوجهها لعمود زُرع على السياج الحدودي، نُصبت عليه أجهزة مراقبة ورصد، فلا تسقطه!

    إن الرقم الحاسم في القيادة والدور الحقيقي الذي يميِّز القائد عن غيره، والملَكة التي يجب أن يتمتع بها دون الجندي البسيط أو المدني المغلوب على أمره، هو القدرة على اتخاذ القرار، والشجاعة في الإقدام على ردع العدو، وإرجاع الحرب لمعناها الحقيقي، بعد الهزلي الاستعراضي الذي كانت فيه، وهذا ما لم يكن!

    بل هذا ما قامت به إسرائيل وبادرت إليه،  فاستهدفت المستودعات ودمرت سلاح الحزب وهو في مخازنه، أعطبت الصواريخ قبل تشغيل بطارياتها، ودمرت المدافع والقذائف قبل أن يتسنى إخراجها ونقلها إلى مرابضها، وقتلت القادة وهم في مكاتبهم في بيروت أو مقراتهم المتأخرة عن الخطوط الأمامية للجبهة، وتمت تصفيتهم وهم في دورهم وبيوتهم في الضاحية! يقال أن بين الشجاعة والتهور خيط رفيع، ويقال أيضاً أن الخيط نفسه هو الذي يفصل بين الحكمة والجبن، أو بينها وبين الغرور والغباء. 

    لم تكن المأساة في الدقائق الثلاث التي أخرجت ثلاثة آلاف مقاتل من الميدان، قتلتهم أو ألحقت بهم إعاقة أقعدتهم، عبر رسالة إلكترونية واحدة في ملحمة “البيجرات”، ولا في إسقاط مروحية رئيسي وقطع سبل إنقاذه بالعجز عن تحديد مكانه، ولا بالقضاء على قادة الصف الأول والثاني والثالث، مع أمينهم العام، وكأنهم قرابين تساق إلى المذبح، مستسلمة لقدرها، عاجزة عن الدفاع عن نفسها، قهرت قبل أن تشهر سيوفها وتملأ سماء إسرائيل وتحجب عنها الشمس بصواريخها! 

    إنما المأساة في دعوى تمكين المهدي عليه السلام وتجهيزه بالسلاح وتوفير أسباب ظهوره! وهم يتصورونه في عقيدتهم حيث يصفونه من الصفات، وينزلونه من الإمكانيات، ويحسبونه من الطاقات والقدرات، ثم يرجون أن يصدِّقهم في دعواهم، كما يصدقهم سذج المؤمنين في مقولة التمهيد لظهور المهدي!

    في الحديث الشريف عن مأمون الرقي قال: “كنت عند سيدي الصادق عليه السلام إذ دخل سهل بن الحسن الخراساني، فسلَّم عليه ثم جلس. فقال له: يا ابن رسول الله لكم الرأفة والرحمة، وأنتم أهل بيت الإمامة، ما الذي يمنعك أن يكون لك حق تقعد عنه!؟ وأنت تجد من شيعتك مئة ألف يضربون بين يديك بالسيف!؟ فقال له عليه السلام: اجلس يا خراساني رعى الله حقك. ثم قال: يا حنيفة، أسجري التنور.  فسجرته حتى صار كالجمرة وابيض علوه، ثم قال: يا خراساني! قم فاجلس في التنور! فقال الخراساني: يا سيدي يا ابن رسول الله لا تعذبني بالنار، أقلني أقالك الله! قال: قد أقلتك. فبينما نحن كذلك إذ أقبل هارون المكي، ونعله في سبابته، فقال: السلام عليك يا ابن رسول الله، فقال له الصادق عليه السلام: ألق النعل من يدك، واجلس في التنور. قال: فألقى النعل من سبابته ثم جلس في التنور. وأقبل الإمام عليه السلام يحدِّث الخراساني حديث خراسان حتى كأنه شاهد لها، ثم قال: قم يا خراساني وانظر ما في التنور، قال: فقمت إليه فرأيته متربعاً، فخرج إلينا وسلَّم علينا، فقال له الإمام عليه السلام: كم تجد بخراسان مثل هذا؟ فقال: والله ولا واحداً فقال عليه السلام: لا والله ولا واحداً، فقال: أما إنا في زمان لا نجد فيه خمسة معاضدين لنا، نحن أعلم بالوقت”. 

    ومن لطيف الصدف أنَّ السيد حسن نصرالله ادَّعى قبل هذه الحرب بفترة وجيزة أنَّ لديه مئة ألف يضربون بين يديه، ومن سخرية القدر أنَّ القوم يطلقون على الخامنئي “الخراساني”… ثم لا المئة ألف حضروا للقتال، ولا الخامنئي دخل التنور، فتأمل!

  • هناك عالم خفي، موازٍ لعالمنا المشهود، يخفق فوق رؤوسنا ويواكب حركتنا، يجللنا من حيث لا ندري، ويسبح في سمائنا ولا نراه، يحرِّك الأسباب بعد أن يبعثها، ويدير المقادير بعد أن يقضي بها. وفي مقاربة قد يفهمها السياسيون، هو العالم الوحيد الذي تحكم فيه “حكومة الظل”، لا تكتفي بالنقد والمعارضة من خارج السلطة، ولا بالنشاط الافتراضي بعيداً عن أروقة صنع القرار!.. يداوي المريض بالصدقة، يدفع البلاء بالفداء، يطيل العمر بصلة الرحم، يطهِّر البيت بدخول الضيف، يرزق الأُمم والمجتمعات والحكام بالتزام الحق “وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقاً”، ويمكِّن الدول بإقامة دينه “ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم”، وليس التزام الحق والعمل بكتب السماء والاستقامة عليها، إلا في تعظيم آل محمد، أحباء الله وأولياؤه، وأوداؤه وأصفياؤه، التزلف لهم والتقرب منهم، فهو ما يحقق رضا الله ويورث خيره وينزل نعمته ويرسل بركته. دع عنك الأسباب الظاهرية: النسخة المطوَّرة أو الإصدار الجديد من الربيع العربي، وتأكيد “حقوق” الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الثانية، حين استُبعد الروس في سايكس بيكو بسبب الثورة البلشيفية، بخارطة محدثة للشرق الأوسط، وإعادة استبعادهم اليوم لغزوهم القرم وحربهم أوكرانيا! ودع عنك منابع النفط والأسواق وطريق الحرير والخطر الصيني، وما إلى ذاك من علل منطقية وعوامل فاعلة في مجريات الأُمور ووقائع هذه الأيام… لا يُنكر ذلك ولا يُغمض، ولكن في الوقت نفسه هناك حقيقة عظمى ستفرض أرقامها في المعادلة، وتنفذ من خفي المسالك والدروب بما يخترق تفكير صنَّاع القرار، ويتحكَّم في إرادتهم ويلهمهم في إدارتهم، فتُدار وتنعطف إلى ما يخدم الإمام من آل محمد، السلطان الحقيقي لهذا الكون والولي المطلق لهذا الوجود!

    يروى أنَّ السلطان العثماني مراد الرابع، في غمار حملته لاستعادة العراق من الحكم الصفوي، توجَّه لزيارة النجف الأشرف، فلما قرب منها ولاحت القبة الشريفة، ترجَّل أحد الوزراء الإنكشاريين الذين كانوا معه عن فرسه، وكان يتشيع في الباطن، فسأله السلطان عن السبب؟ فقال هو أحد الخلفاء الراشدين، نزلت إجلالاً له. فقال السلطان: وأنا أنزل أيضاً تعظيماً له. فقال بعض النواصب الذين في معيَّته: إن كان هو خليفة، فأنت أيضاً خليفة ووالٍ على المسلمين، والحيُّ أشد حرمة من الميت! فتردَّد السلطان، ثم تفأل بالقرآن فكانت الآية: “فاخلع نعليك إنك بالوادِ المقدس طوى”، فترجَّل واحتفى، وأمر بضرب عنق الذي نهاه! وأنشد بعضهم في الواقعة: تزاحم تيجان الملوك ببابه * ويكثر عند الاستلام ازدحامها. إذا ما رأته من بعيد ترجَّلت * وإن هي لم تفعل ترجَّل هامها.

    في فهم ذوي البصائر والقراءة الروحانية النورانية، واستجلاء ما يدور في عالم الغيب وعلى صعيد التدبير الإلهي الخفي، هناك علَّتان للثورة السورية، وما انتهى إلى انهيار النظام البعثي وسقوط الدولة الأسدية، الأول: حشد الإرهابيين التكفيريين من شتى بقاع الأرض، تجنيدهم وإرسالهم إلى العراق، ليفسدوا في الأرض ويسفكوا الدم الحرام ويهلكوا الحرث والنسل. والعلة الثانية كانت في هتك حرمة الحرم الزينبي! فبعد خمسين عاماً من الحكم كانت منطقة السيدة هي الأسوأ في سوريا على صعيد الخدمات البلدية والصحية والأشغال المدنية والكهرباء والماء.. كانت أكوام القمامة تسدُّ الشوارع وأزقة الحارات، وكأنها تتظافر مع أسوأ تعبيد للطرق عرفته الشام في إلحاق الأذى بالزائرين والمجاورين، لا ينافس هذا الوضر إلا فساد البلدية التي لم يعفَّ موظفوها عن استثمار مداخل الحرم الشريف “أرضيات” لعربات الباعة المتجولين، تزاحم الزوار وتضيِّق عليهم ما استطاعت، لا يوفرون سبيلاً للأذى ولا حيلة لإهانة الحرم الشريف إلا عملوا به وعمدوا إليه!

    حتى إذا كانت الحرب بين المعارضة والنظام، تحركت إيران لنصرة البعث، تحت عنوان الدفاع عن الحرم الزينبي والعتبات الأخرى في بلاد الشام، وشعار “لن تسبى زينب مرتين”! وهي خدعة كبرى انطلت على جملة من الشيعة السذج، حملتهم على الاصطفاف مع النظام ضد الثوار، الذين لم تكن نوايا جميع فصائلهم بريئة، ولا كانت مقاصد التكفيريين منهم نزيهة!

    على أي حال بعد فشل الثورة في جولتها الأولى، التي حسبها القوم النهاية، صار الحزب هو المتولي الشرعي للحرم الزينبي الشريف، والناظر على شؤونه وإدارته. ولهذه الخطوة صورة وأداء مأساوي لعله لم يُسبق ولن يتكرر على مدى تاريخ الحرم. فالتولية التاريخية والشرعية كانت لآل مرتضى، وآخر قيِّم فاعل منهم كان المرحوم الدكتور سيد هاني مرتضى، وهو رجل حكومي علماني، كان يتعامل مع الحرم كمورد مال ووجاهة، ويد لوزارة الأوقاف التي كانت تتحايل بشتى الطرق والذرائع للتضييق على أنشطة الحرم وزوَّاره! وبعد ردع الإرهابيين التكفيريين و”الانتصار” الذي قيل أن الحزب حقَّقه، انتقلت عملياً الولاية والنظارة على الحرم إليه، وهنا دخل الحرم في حقبة جعلت الزوَّار والمجاورين الذين كانوا ينتقدون الأوقاف السورية وآل مرتضى، يترحَّمون على تلك الأيام، على طريقة: “فيا ليت جور بني مروان عاد لنا، وليت عدل بني العبّاس في النار”. فليت ظلم الأوقاف وآل مرتضى دام لنا، وليت عدل حزب الله في النار!

    ومن المفارقات المؤلمة على هذا الصعيد أن منطقة السيدة زينب من ريف دمشق، على الرغم من الكثافة السكانية الشيعية، والحكم العلوي الممتد لخمسة عقود، لم تسمح السلطات ببناء مسجد واحد للشيعة فيها، حذراً من إثارة النعرة الطائفية، وحفاظاً على الهوية المذهبية لعاصمة الأمويين! وكانت طلبات البناء ترد بأن لكم الكفاية في الحرم الزينبي الذي تقام في مصلَّاه الجماعة… وفي استثناء تاريخي شكَّل سابقة، مُنحت ممثلية الخامنئي في الحوزة الزينبية، ترخيص بناء مسجد، اختار له ممثل ولي الفقيه عند وضع حجر الأساس لبنائه اسم “جامع الإمام الخميني”، وقد توجه جملة من وجهاء المنطقة وأعيان الشيعة فيها، بما فيهم أصحاب الحسينيات ومدراء المدارس وممثلي المراجع العظام، بالنصيحة لتجنب التسمية أي مدلول سياسي أو ما يثير نعرة ويشكل استفزازاً، فهو دار عبادة يفترض أن يجمع المؤمنين كافة، وأن يُطلق عليه اسم واحد من أئمة أهل البيت، وكان الرجاء أن يكون الإمام زين العابدين، أو أحد الصحابة الموالين كعمار بن ياسر أو حذيفة بن اليمان، فلم تلق النصائح والتمنيات أُذناً، فالقضية في قاموسهم إتجار سياسي، واستثمار واستئكال، حتى سقطت الدولة ورحل القوم، وها هو يتحوَّل إلى جامع السيدة عائشة!

    في الرؤية الإلهية الغيبية، لا المادية الحسية، لم يكن ترامب هو الذي أردى سليماني، ولا إسرائيل هي التي قتلت نصرالله وأنهت حزب الله، ولم تكن هيئة تحرير الشام والجولاني أو الشرع هو الذي أسقط بشار الأسد، ولا تركيا وأمريكا هي التي أنهت حكم البعث في سوريا، هذه علل ظاهرية وأسباب سطحية… فالعلة الحقيقية كانت تدبَّر في السماء، وترجع إلى الشقاء قبل الغباء، تماماً كما لم تكن البطنة ولا المرض هو الذي قتل معاوية، ولا الزمهرير أو داء الأُكلة هو الذي أجهز على الحجاج، بل هو دم حجر بن عدي هناك، وظلامة سعيد بن جبير هنا، والمؤلم أن شقياً مثل الحجاج، أدرك هذه الحقيقة، فمات وهو يردد “ما لي ولسعيد”؟ بينما الخامنئي يمضي في مسيرته غير عابئ ولا مكترث، ويحشد لجنازة سليماني، حتى يُهلك التدافع في زحام التشييع أكثر من خمسين نفس محترمة، فلا يطرف له جفن!.. إنه اليتيم الذي فقد أباه في تفجير الكرادة الذي ضرب منطقة تجارية تعج بالمتسوقين المدنيين في الأيام الأخيرة من شهر رمضان 2016، حين تسببت سيارة مفخخة في اندلاع نيران هائلة في السيارات والحافلات والمتاجر، نتج عنها مقتل أكثر من 292 وجرح أكثر من 200 شخص، إنها فجعة الأُمهات الثكالى وحسرة الآباء المنكوبين وآهات الأقارب والأصدقاء على مصرع الأحبة الأبرياء. ومن نافلة القول أن هذا لا يعفي أي مباشر للقتل أو الجريمة من المسؤولية، لكنها إلفاتة لسلسلة العلل في عالم التكوين، وخضوع هذه الدائرة للإرادة الربانية، ورجوعها ـ مهما تمردت وشطَّت ـ للسنن الإلهية وفق قاعدة: إنَّ الله يمهل ولا يهمل، وقبلها: “بشر القاتل بالقتل ولو بعد حين”! إنها نقمة “العالم الموازي”، سهام الغيب تقدم من سخط الله على من خرج عن عصمته وولاية حجته عليه السلام، إلى ولاية الخامنئي ودولته. إنه الحزب الذي تاجر بقصَّة سبي الحوراء، ورفع شعارات طائفية وهو ينتصر لفضل الله الذي نكأ جراح أهل البيت وجدَّد آلام الزهراء، فلا يلتفت لتدليسه أحد، ولا يرفع صوته بالنكير غيور! يتباكى على حرم العقيلة وقد قلبه مسرحاً لاستعراضه ومحترَفاً لصوَر زعمائه وشهدائه، قطع عنه شعائر العزاء، بالتضييق على الهيئات والخطباء، وأخذه إلى المهرجانات والاحتفالات، فكانت النتيجة أن سُلب هذا الفخر، وزوي عنه هذا الشرف…

    “الذين إن مكنَّاهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر”، لقد مُكِّن الحزب من الحرم لسنين معدودة، هي أيام في تاريخه، فعاث فساداً، وجال ضلالاً وإضلالاً، قلب البقعة الطاهرة والعتبة المقدسة مركزاً ومقراً حزبياً، وصيرها نادياً لكل نشاط وفعالية، إلا الزيارة والعزاء، الوظيفة الأولى والأصلية لهذا الصرح الملكوتي، “ولئن أمهل الله الظالم فلن يفوت أخذه وهو له بالمرصاد على مجاز طريقه، وبموضع الشجا من مساغ ريقه”…

    لم يرتبط التشيع يوماً بدولة، ناهيك بحزب، فكيف إذا كانت حركة على غرار الحشاشين والقرامطة، يحمل عقيدة خاصة هي فذلكة وتركيب مبتدع، يجمع مدرسة الإخوان وفكر شريعتي، ثم يلتقط من مذهب أهل البيت ما يوافقه، وينبذ ما لا يستسيغ…

    أهم معطيات الأزمة التي لا يمكن أن تقبل سنن التاريخ بأدنى منها: طي هذه الصفحة السوداء من تاريخ أُلحق زوراً بالشيعة، وإنهاء حقبة دفعتهم ليبذروا في مجرى السيل ويبنوا على جرف هار ويقيموا في هاوية!

  • لا غضاضة أن يرغب المرء في الفوز ويرجو الظفر والنصر، ولا يعيب المؤمن أن يحب ذلك ويتخذه أمنية وغاية، فطلبه فطرة بشرية وطبيعة إنسانية، لكن دون أن يتمادى الأمر ويطغى على النية وقصد القربة، فهذه آفة قد تفسد العمل وتبطل السعي. أما إذا تحوَّل النصر إلى شاهد على الحق، واتُّخذ دليلاً على رضا الله، فهذا انحراف خطير ينم عن تردٍّ روحي، وخلل عقائدي.

    إن القوة والكثرة والنصر والغلبة ليست أدلَّة على الحق، ولا هي علامات على رشد المسلك وصواب المذهب، قد يكون المرء أو الجماعة أو الطائفة، مغلوبة مهزومة، مستضعفة مقهورة، قليلة صغيرة، وتكون ـ في نفس الوقت، وهي على تلك الحال ـ محلاً للرضا الإلهي، بل حاملة له وناهضة به، وحاضنة للحق ومن يمثله في الأرض. هذا المفهوم الديني الذي كان حتى الأمس القريب مسلَّماً به في الوسط الشيعي، يبلغ البديهة التي لا تحتاج إلى استدلال، مرتكزاً في الأذهان إلى حدود اليقين… أسقطته أحزاب الحركة الإسلامية وأرباب الحداثة الدينية، وأطاح به التيار الثوري، وقلَبه لصالح فهم آخر! بمغالطات صوَّرت الضعف في حديث “إنَّ الله تعالى ليبغض المؤمن الضعيف”، وحوَّرت العزَّة في قوله تعالى “ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين”، على غير الوجه الصحيح، في جملة ما قلبت من مفاهيم دينية، أنزلتها حيث شاءت من خطابها الحداثي الحركي الثوري. وراحت في هذا إلى حدود التخبُّط الذي يتنكَّر لتاريخ الشيعة والتشيع، مرتكزة على مقاطع استثنائية، وحقب عابرة، خرجت فيها الطائفة عن حالة حَكَمتها فصارت سِمَتها منذ العاشر من محرم عام إحدى وستين، بل منذ وفاة رسول الله وتخلُّف الأُمة وانقلابها على بيعة الغدير. حتى عاد اليوم ليتسرب إلى النفوس ويغلب العقول، ويستقر فيها أن القهر والهزيمة والضعف والعجز والقلة، علامة على بطلان النهج! وأن لو كان الله مع قوم لنصرهم، ولو كانوا على الحق لما هزموا. الفكرة التي كانت تغذي الواقع المتردي الذي واجه دولة أميرالمؤمنين وشاغلها بالصراعات والحروب الداخلية. ولك أن تتصوَّر المعاناة من الإرجاف والارتياب الذي كان يُبث ويُشاع، والعبث الخطير في هذا المفهوم، من كلمة الصحابي الجليل عمار بن ياسر يوم صفين، حين خرج، وهو شيخ كبير طوال قد أخذ الحربة بيده، ويده ترعد، كما تذكر الرواية، فقال: “والذي نفسي بيده لقد قاتلت بهذه الراية مع رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاث مرات، وهذه الرابعة، والذي نفسي بيده، لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر، لعرفت أن صاحبنا على الحق وأنهم على الباطل”.

    من الكوارث الفكرية والمآسي العلمية، إقحام الحسِّ والمادة في الفهم الديني، والتعاطي مع المعارف الإلهية، بل السلوك الروحاني والعبادة والطاعة، بجمود وصلافة، ولغة تجارية وسياسة تعتمد الكسب وتراعي المصلحة. كل ذلك باسم البناء على العقل والتأسيس على المنطق… ما صنع بُنية متداعية وخلق بيئة مريضة وفضاءً موبوءاً، من أبرز معالم انحطاطه أنه يرى البكاء ضعفاً وذلة لا فخراً ورقَّة، فهو صفة النساء، ولغة الخوَر، وعلامة الضراعة والهوان، وأخطر مؤشرات ضلاله أنه يحسب الدعاء والابتهال فشلاً وعاراً لا سلاحاً وعزّاً! ذلك أنه ـ في قاموسهم ـ حيلة العاجز ووسيلة المهزوم الخائب! أما الاعتراف بالعجز وعدم القدرة، والإقرار بالضعف وقلة الحيلة، فهو عين الاندحار وقمة العار، وذروة الهزيمة والفرار!

    إنَّ ما قامت به الحركة الإسلامية والنظام الديني في إيران من زرع الزهو والفخر، ورعته من غرس الغطرسة والطغيان في نفوس هزيلة، غذتها وأذكت الغرور والخيلاء فيها، صنع نماذج خاوية خائرة، من الوهن والضعف ما لا تعف عن نظرة حرام، ولا تأنف من مال حرام، فكيف بهذه الأثقال والأعباء العظام؟! أهملت تهذيب النفس وغادرت جبهة الجهاد الأكبر، وراحت تنفخ وتزرِّق ما أورث القاعدة تخلفاً عقائدياً مهلكاً، وتردياً روحياً فاضحاً، يعيش أحدهم زهو الملوك، ويمضي في غطرسة الطواغيت وخيلاء الجبابرة، وهو ـ في واقعه، كما تبين وظهر ـ مسكين عاجز مغلوب! إنه عطاء ثقافة إخوانية شريعتية، ولك أن تنسبها إلى من شئت، لكنها ليست إمامية إثني عشرية، أفكار تتجاهل سيرة الأئمة الأطهار وهم أعظم خلق الله، كذا الأنبياء والصلحاء، وحتى كبار المصلحين في التاريخ، الذين اعترفوا ـ في غير فترة ومناسبة ـ بالضعف والعجز، واستسلموا لسلاطين أزمنتهم وأباطرة أيامهم وطواغيت عصورهم، لم يأخذهم الفخر والعزة بالزهو، ولا غلبهم الكبر والاستعلاء.

    إنها التربية الخاطئة والنشأة المنحرفة والتلقين الحزبي والفضاء الإعلامي المغلق الذي قاد إلى هذا الهلاك والدمار، ما زالت القيادة، العليا في طهران، والسفلى في لبنان، ومن بعدها فتات ولقاط وسقط متاع في بلاد الخليج وأحزاب العراق، لُقنوا ذلك وأُشربوه، حتى آمنوا به وصدَّقوه، نفخ وضخ يوهم بالقوة والقدرة على تحقيق الانتصارات، أورث تباهٍ وخيلاء، وغطرسة وتجبُّر لم يجعل في حسابه أن ما يحققه قد يكون من الكيد والاستدراج نحو ضربة قاصمة قاضية، أو مما أخلاه العدو من ميادين ونطاقات، لهدف وغرض، ولربما للهو وعبث، كما تسمح لطفل أن يسبقك أو يصرعك، تتأوه من ضربته “الموجعة”، وتتباكى من “هزيمتك” الماحقة، علَّه يشبع غروره ويطفئ تعطشه، يعود إلى مكانه ويلزم حدَّه، فلا يسرف ويغرق!

    فاعرف السر في تغليظ شرائط المرجعية، والتشدُّد في عدالة القيادة. لا بدَّ من نفس مرتاضة وروح مهذَّبة سامية، وعين مشبعة لا ظامية وملأى غير فارغة، تنفتح لها البصيرة وتنحدر عليها الألطاف الخاصة وهي تتصل بقناة الفيض الإلهي: النيابة الحقة عن صاحب العصر والزمان. ذلك أننا حين نستخف بشعائر عزاء سيد الشهداء، فنحن نغلق بأيدينا أبواب السماء، وعندما نزدري المقدسات، ولا نرى قيمة لمقامات وخصائص الأئمة، ننسفها نسفاً ولا نرى لها خطراً وخطباً، فنحن نصدُّ عن الناحية المقدسة ونعرض، بل نظاهر بحرب ساكنها “القاعد” عن القيام، و”الساكت” عن الظلم والقهر وما يعصف بالدنيا من جور وبغي وطغيان! ثم نرجو أن يجبر ضعفنا ويعوِّض نقصنا، وينصرنا بجنود الغيب، الذي نمتهن ونستخف ونسخر!؟

    قبل ألف وأربعة مئة سنة، قال أميرالمؤمنين عليه السلام: “الزموا الأرض، واصبروا على البلاء، ولا تحركوا بأيديكم وسيوفكم في هوى ألسنتكم، ولا تستعجلوا بما لم يعجل الله لكم، فإنه من مات منكم على فراشه وهو على معرفة حق ربه وحق رسوله وأهل بيته مات شهيداً، ووقع أجره على الله، واستوجب ثواب ما نوى من صالح عمله، وقامت النية مقام إصلاته بسيفه، فإنَّ لكل شيء مدة وأجلاً”… ومن نافلة القول أن هذا لا يعني التخلي عن الأحكام الشرعية في وجوب الدفاع عن النفس والعرض والمال، إنما هو إعادة تنظيم لخطاب تحرير القدس والصلاة في الأقصى، الذي تهدر في سبيله كل هذي الدماء، وتهدم الدور والبيوت، وتُدمَّر القرى والبلدات، وتشرَّد المخدرات، وتبتذل الكرامات في الطرقات.

    غابت ثقافة الانتظار وسادت روح القوة والسلطة والانتصار، فطغت الشيطنة وغلبت، تمرَّد الشباب، وظهرت دولة الصبيان وحكومة الرعيان، حفنة من مُحدثي النعمة في عالم الزعامة والسلطة، استفاقوا على دولة عريضة وميزانيات خرافية، وقاعدة مطيعة مضحية، فما عادت تسعهم ثيابهم، ولا تحملهم أرضهم. والبلاء أننا جميعاً علينا أن ندفع الثمن ونتحمل الكُلفة، من عدو طائفي حاقد لا يميِّز بين الإنسان والحجر، ولا يفرِّق بين حق الدفاع عن النفس والمال والعرض، وبين شيطنات سياسية ومناورات تقدم من عالمه وتجري على شاكلته!

    عندما تعجز النوائب عن تذكيرهم بالله، وتخفق الكوارث عن أخذهم للتوبة والإنابة، فإن هذا التيار يكون قد كتب على نفسه الهلاك والهزيمة، وإن خلص ونجا، وأبقت حكومة العالم الخفية على شيء منه وبقية، فهذا لحاجة في نفسها وغرض طالما خدمها!

    على طريقة الوليد بن عبدالملك الذي استفتح بالمصحف الشريف فكانت آية: “واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد”… فأمر بقوسه وأنشب فيها وجعل المصحف غرضاً، ثم سدَّد نحوه وهو ينشد: تهددني بجبار عنيد؟ فها أنا ذاك جبار عنيد، إذا ما جئت ربك يوم حشر فقل يا رب مزَّقني الوليد! يبدو أن الخامنئية يشعرون، أو أنهم يجيبون على من ينادي أن السبب الغيبي والداعي الحقيقي لما يجري عليهم اليوم يرجع إلى جرأتهم على حرمات أهل البيت ومقدساتهم… فأرسلوا صعلوكاً من صعاليكهم يقتبس من شعر أبي طالب عليه السلام في النبي صلى الله عليه وآله: وأبيضَ يُستسقى الغمامُ بوجهه، ثمال اليتامى عصمة للأرامل، ليطبقه على قائدهم، ثم يرفعه ليكون حُسينه، ويلحق به نصرالله ليكون عباسه!.. هكذا يصرُّ وصولي متملِّق على العبث بديننا، ويمعن مداهن متزلِّف في النيل من مقدساتنا، يستأكل بها غير متأثم ولا مستعظم! يبرز بالحرب لأولياء الله، بل يتحدَّى الله، يستنزل غضبه ويستمطر نقمته. حتى إذا رأيت قائده يتململ ويطأطئ برأسه، وكأنه لا يرتضي هذا ويأباه، والقاصي قبل الداني يعلم أنَّ النص قد عُرض عليه قبل إلقائه، فليس لصعلوك مثل هذا أن يرتجل ويهرف بما شاء في محضر هذا السلطان… علمت حجم المأساة ومدى الكارثة، ومن أين أُخذنا؟

    باختصار وإيجاز، يبدو أنهم لم يتلقُّوا الدرس، ولا تعلموا من الكارثة التي جرُّوها على الطائفة…

    ليست هذه ساعة إطالة ولا لحظة محاسبة، إنما هي مشورة حرص وإشارة خطر، أن يبادر من تبقَّى من قيادة هذا التيار المنحرف فكرياً، قبل أن يكون عاجزاً عسكرياً وأمنياً وسياسياً، ويعلن استسلامه واستعداده لتوقيع تسوية، تطوي صفحة القدس وقضايا القومية العربية، في مقابل التمسك بالدين والموت دونه، مما راح في سبيله الشهيد الأول والثاني والثالث، وجميع شهداء الفضيلة في تاريخنا الناصع. لن تكون نهاية الدنيا، ولا آخر العالم وخاتمة الحياة، ولندفع الثمن شماتة، خير من إراقة دماء حقنها الله وكرامات صانها. ولكم في سيرة السيد السيستاني أُسوة حسنة، حين توقَّف في المقاومة المسلحة للاحتلال الأمريكي، ثم أفتى بالدفاع ضد من يكيد بعتباتنا المقدسة، يريد هدم قبابها وتعطيل شعائر ومعالم المذهب الحق… عسى أن يقوم من هذا الحزب رجل رشيد، ينتفض ويعلن تمرده على قائد لا يعبأ أن يُقتل شعب بأسره ويشرَّد، في سبيل أن لا تُكسر كلمته، فيتراجع عنها ويسجَّل مهزوماً مغلوباً؟! 

    ليس الأمر من تهالك على الدنيا وتشبث بها، بل هو الحرص على إصابة الحكم الشرعي، والتثبت من “الراية” التي نكثِّر السواد تحتها، والدعوة التي نخدم ونضحي في سبيلها. وإلا فهذا الحطام الزائل والعمر العليل الراحل، لن تقصِّره حرب ولن يطيله سلم.