• من الأمور المُسَلَّم بها في بنيتنا العقائدية أن الامتحان والابتلاء سُنّة إلهية يختبر الله بها عباده ويمتحن بها خلقه، وأنها سبيل الارتقاء المعنوي والتكامل الروحي والبناء الأخلاقي. لا بد من افتتان واختبار، يُميَّز فيه الخبيث من الطيب، يرقى هذا في مدارج السمو ويأخذ في مراتب الكمال، وينحط ذاك بأهوائه، يسقط في الشهوات وينغمس في المعاصي والملذات، ثم يتقلَّب ـ في المعاد ـ بين أطباقها ويقبع في دركات، ومن أصدق من الله حديثاً: “أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون”؟ “ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون”… والحقيقة التالية أن السواد الأعظم في الساحة الإيمانية، سواء اكانوا رساليين ملتزمين أم من أهل الدنيا والانشغال بالعيش والمعاش، أو حتى من الفسقة الخلعاء، جميع الناس أو غالبيتهم، أعم من أشراف وطغام، كرام ولئام، علماء وعوام، قادة أمراء وأتباع خدَّام، إنما يؤخذون بالقوة ومظاهرها، ويفتنون بالتفوق والبأس، ويبهرون بالمال والجاه، ويحبون النصر والغلبة “وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب”، أكثر من أي معطى آخر، و“الناس مع من غلب”… ويتأكد ذلك في الفئات التي تعيش “الأقلية” وتشكو القهر، تعاني الاستضعاف والاضطهاد، يحقق لهم ما يفتقدون، ويبلغ بهم ما يأملون ويرجون، وفي طليعة ذلك، إنهاء الذل والهوان الذي يعانون، والخروج من الحرمان والازدراء الذي يكابدون. وإنما كسبت الجمهورية الإسلامية وأحزابها قاعدتها الجماهيرية، وحظيت بالمد والتأييد الشعبي في الساحة الإيمانية وحتى بعض الساحات العامة، من تأثير هذا العنصر وفعل ذاك العامل. أما العقيدة الجهادية والفكر الحركي، فهامشه ضئيل يدور في نطاق النخبة، لا يجتذب الطاقات ولا يحقق الإنجازات.

    وقد أُصيب الحزب على هذا الصعيد في مقتل، وناله عطب أشله وأقعده، مع دخوله “حرب الإسناد”، وإصراره على الاستمرار فيها، وهو يتجاهل ما يحشد العدو ويعدُّه للمواجهة وساعة اللقاء! أمسى وكأنه يهوي من قمة بلغها في أربعين عاماً من الكدِّ والعناء، ويتدهور في قعر وقرار لا يبلغه سمع ولا نظر، بل كأنه اعتلى المقصلة بقدميه، ولف حبل المشنقة حول عنقه بيديه. وكان أمره بعد الضربات الأولى التي طالت جميع قادته وكل مخازن أسلحته، قد آل إلى زوال وآذن بتفكك وانحلال، ووقف على أعتاب نهاية مأساوية، وكأنه يقتل صبراً، لا يملك حراكاً ولا رداً، قد نزل به ما أشلَّه وأقعده، فمنعه حتى عن رفس المحتضر، وخمش الهر المحاصر… عندما قرر العدو أن يمضي بخيار الاستمرار، وهو شقٌّ، يذهب إلى اغتيال قائد الحزب ورمزه، في مقابل ما قيل عن خيار آخر يكتفي بتصفية القادة العسكريين، وتدمير الآلة الحربية مع هدم البنية الفوقية والتحتية، وهذا ما تحقق بالفعل وتم، ما ترك معسكر الحزب وخلَّفه مهلهلاً أسمالاً بالية، لا تستر عورة، ناهيك بأن تقي من حرٍّ أو برد، موكلاً لجمهوره وبيئته المثقلة بالدمار والهزيمة، محاسبة المسؤول، ومعايشة المفارقة بين القول والفعل، أو الدعوى والعمل، وفي هذا قضاء على الفكرة والتجربة، وإعدام للقائد المهزوم، وإطفاء للرمز المتألق، وإنهاء للقدوة، وقتل له يتكرر في كل يوم وساعة. لكن نتنياهو وأركان حربه أظهروا سادية فاحشة، وتعطشاً غريباً للدماء، وكأنَّ بتر الأيدي وسمل العيون في “عملية البيجرات”، بعد خراب المدن وتدمير البيوت، ثم آلاف الشهداء الذين سقطوا في أيام معدودات، لم يشف غليلهم، ولم يخمد حقدهم… فذهب إلى تصفية نصرالله وأمر باستهدافه وإعدامه.

    وإن كان مصيباً في تحليله، محقّاً في قراءته بأن لا عاصفة ستجتاح الشرق الأوسط جرَّاء ذلك، ولا طوفان سيُسقط الأنظمة، ولا تعطيل لتدفق النفط ولا اضطراب في أسواقه، ثم لا دمار سيلحق بالكيان ولا انهيار سيجتاح دولته ولا أذى سيصيب أهله.. لكنه أخطأ في جوانب أخرى ستنال منه ومن انتصاره على المدى البعيد، خلافاً لما يرجو ويأمل!

    فقد صرف السيد حسن من موقع المحاسبة على سوء القيادة وترديها، وأعفاه من المثول أمام محاكمة تنظر في تخلُّف إدارته وفشل ريادته، تلاحق آفات روحية أسقطته في الغرور، وأنزلت به الغطش والعمش، بل العمى والكمه، فما عاد يبصر الواضحات، ويلتفت إلى المسلَّمات، حتى مضى إلى الهاوية، وأخذ معه حزبه وجمهوره لتلقِّي الضربة القاضية. وهنا سيحاكمه التاريخ، قبل أن تفعل السماء، على حجج قدَّمها هناك، وكيف ركن إلى رؤى صدَّق بها وأحلام، ووثق بوعود قطعها له ولي أمره، النرجسي المعتَّق والحالم الأخرق، بأنه سيصلِّي في القدس بعد الشام! وعود بالنصر تبخرت وأهداف تحولت، من تحرير الأقصى ومسح تل أبيب عن الخارطة وإخلاء حيفا ويافا من السكان، حتى إنهاء الكيان، في أسابيع وأيام.. تراجع وانكفأ هذا كله إلى إقامة جنازة والتباهي بهذا الإنجاز! والضاحية تتسوَّل الإعمار من دول تصنِّفها ثقافة الحزب بالعمالة وتدرجها أدبياته في الخيانة، تنتظر إحسانها لتعيد بناءها، بل لترفع عنها الركام!

    إن المستفيد الأول والأكبر من قتل نصرالله هو نصرالله نفسه، وحزبه، والقيادة التي خلفته، أما نتنياهو فإنه قبل أن يضرَّ بالسنة في غزة والشيعة في لبنان، أضرَّ باليهود الذين يرون قدرهم في هذه البلاد، وما يلزم ذلك من تعايش مع شعوبها، وتحقيق الأمن والسلام الذي ينهي التوتر والاضطراب، والقلق الخفي الذي يسكن كل يهودي في الشعور منه واللاشعور، يقضُّ مضجعه وينغِّص عيشه، لا يدري متى تأتيه الطعنة من فلسطيني يائس، أو يهوي عليه صاروخ من إيراني مفلس بائس، أو تتزلزل الأرض من تحت ديمونه لقدر وغضب إلهي، فتعود أرض الميعاد كهشيم المحتظر!

    في قراءة المتابعين البصراء إن ما تحقق في الجنازة يشكل خطباً وحدثاً كبيراً على صعيدين:

    الأول: انقلاب المتهم المتسبب بالهزيمة والمدان بسوء التقدير وتردي القيادة، إلى رمز خالد وأيقونة تنتصب على كتف الضاحية الجنوبية، وقبره إلى صرح سيتحول إلى معلم روحي يلجأ إليه المنهكون ويلوذ به المحرومون المضطهدون، ويتخذه الثوار كعبة في جهادهم وقبلة لصلاتهم. طالما كانت الطائفة تتوق إليه وتفتقده، فلا تملك ما يناظر كاتدرائية مار جريس للموارنة في ساحة النجمة، وكنيسة القديس لويس للآباء الكبوشيين في ساحة البرج، ولا ما يضاهي قداسة سان جاورجيوس لدى الأرثوذكس، وعراقة المسجد العمري في قلب بيروت، فكانت تشد الرحال هنا وهناك، تطلب أثراً في بعلبك أو النبي شيث أو النبي ساري في عدلون، وإذا بنتنياهو يمنحهم مقاماً حياً نابضاً للنبي نصرالله، تستقبل قبته كلَّ قادم إلى بيروت وتودع كلَّ مسافر!

    ولم تكن إسرائيل هي المسؤول الوحيد عن هذه النتيجة، فقد لحقتها في الجبهة الداخلية اللبنانية أصوات وممارسات محلية تبتذل الشيعة وتدعو لقمعهم وامتهانهم، وأخرى تطرح مشاريع للجنوب على غرار مشروع ترامب لغزة، إهانات وملاحقات تفتقر لأدنى معايير الوطنية والأخلاق هنا، أو أداء الدولة وشرف المنتصر هناك، ناهيك عن الرحمة لعزيز قوم ذل، مما حمل القاصي والداني إلى اللحاق بركب المشيعيين… ثم زاد في الطنبور نغمة، تحليق طائرات سلاح الجو الإسرائيلي فوق النعش، لا تدري أكانت تريد إرعاب الحشود وصرفها عن الاستمرار في التشييع، أم كانت تواكب الجنازة وتؤدِّي التحية لها، أو لعلَّها تعتذر وتأسف لخطأ جسيم وقعت فيه حين استهدفته بصواريخها! وكأن السفاهة ملازمة للقوة، تنزل بكل من يعيشها فتورثه الطغيان، وإن كان من الديمقراطيات الراقية والمدنيات المتفوقة!

    وإن تعجب فاعجب لأحد العلماء الأعلام الذي نصر الزهراء يوماً ووقَّع عريضة إدانة فضلة الشيطان، وقد رافق بالأمس الوفد الإيراني، وهو ممن لا ناقة له في الثورة ولا جمل في المقاومة، فحضرني قول أميرالمؤمنين “ما زال الزبير منَّا أهل البيت حتى نشأ ابنه عبدالله”، ولا سيما أن “عبدالله” الرجل، نشر “سيلفي” التقطه يظهره وأبيه على مقاعد الصفوف الخلفية!

    الثاني: تحقق الفتنة وسنَّة الابتلاء والامتحان، فمن السذاجة والغفلة بمكان أن يتوهم المؤمن الغيور والناشط البصير انقطاع مسيرة الإغواء والافتتان، ويحسب أن تطوى صفحته، وينتهي دور الشيطان ويتعطَّل قبل قيام الحجة، بل قيام الساعة، هيهات، سيبقى الغربال يميز الخبيث في فكره عن الطيب في معتقده وعمله، لا شك في هذا الأمر ولا شبهة، إن مشهد التشييع المهيب، وهذا الحشد الفخم والحضور الكثيف، هو واحد من أعمق ضروب الفتنة والابتلاء الذي وقعت فيه الطائفة، وهذه النذر والرسل تترى بتصريحات وممارسات ترفع الفقيد إلى مقام الأئمة والأنبياء، تساويه بسيد الشهداء، وتجعل مصرعه كربلاء. بل تستخف بشعائر جامدة وطقوس مخدرة تستدر الدموع على أطلال، وتعطل الحركة وتبقي الأمة في كتب التاريخ وذاك السجال… هكذا يخرج الناس من دين الله أفواجاً، والعلماء بين فقد القدرة ويأس من التأثير فسقوط التكليف، وبين ساقط في فخ الإعلام، يلحق الطغام ويتبع العوام.

  • بعد سنين متمادية من ثرثرة السيد القائد ولغوه، تبجُّحه وزهوه، ثم كيده ومكره بل قل بطشه وبأسه، مما قابلته الحوزة والمرجعية بصمت وسلبية، وواجهته بنأي وإعراض، إهمالاً له وترفعاً على سخفه وتفاهته، أو عجزاً أمام قدرته وسطوته، الأمنية والإعلامية والسياسية والاجتماعية، والأخيرة هي التي كانت تكبِّل أغلب البصراء وتقيِّدهم، فالشيعة لا يطيقون معارضة الدولة الشيعية الوحيدة في هذا العالم، والوجدان الإيماني الساذج يستوحش الاصطفاف في جبهة أمريكا وإسرائيل، وحكومات لم يرَ الشيعة من أكثرها إلا الكيد والعداء، والشر والاضطهاد!.. بعد نحو أربعة عقود من الصمت المقدس، يبدو أن الحوزة والمرجعية قررت تدشين مرحلة جديدة في صراعها مع الباطل الخفي، والبدء في سعيها لكشف الزيف والانحراف الذي يتقادم باسم المذهب، يدَّعي تمثيله، وينتحل زعامته، ويستولي على مقدراته، ويدخله في صراعات مهلكة وحروب مدمرة، ما يفسد على الناس دينهم ويزري بدنياهم.. ألقت المرجعية كلمتها بهدوء، تاركة للساحة خياراتها، ومفسحة لها في كيفية التفاعل معها والأخذ بها، أو تركها تطوي مراحلها من تلقائها، لكنها على أي حال، خرجت من شرنقتها، وانطلقت في مسيرة المواجهة والتصحيح.

    وهذا من أبرز معطيات هزيمة إيران في الحرب الأخيرة، وتبعات تهاوي محورها وتفكيك مفاصله، وسقوط جبهاته الواحدة تلو الأخرى، من الحزب في لبنان، إلى البعث في سوريا، ثم تحييد فصائل الحشد في العراق، بانسحاب تكتيكي وانحناء عقلائي، هو في حقيقته اندحار وفرار من الزحف والمواجهة، وكذا ما يعيشه قلب المحور ويعانيه أصل النظام في طهران، من انهيار مأساوي للعملة وتردٍّ غير مسبوق للاقتصاد، وعجز مفضوح للحرس الثوري، مع خروج منظومة الدفاع الجوي عن العمل بعد الضربة الإسرائيلية المدمرة، ما طال أولياته وركائزه، ناهيك بصورته ومظاهره، فالسفور والرقص (وجلُّه من صيغ المعارضة وتحدِّي النظام) بات علنياً في الشوارع، والطعن والاستخفاف بأركان السلطة ورموزها، بما فيهم ولي الفقيه، أصبح طرفة العام والخاص، مُلحة المجالس ونادرة المحافل، وكذا انكشاف فضائح الفساد والسرقات المليارية لا المليونية، الذي أزكم الأنوف، وحصر نطاق أنصار النظام في المستفيدين المباشرين، وشريحة ما زالت تتقلَّص من الأغبياء المخدوعين… إنهم في وضع لا يحسدون عليه، وفي حيرة أقعدتهم، فلا يعرفون للأزمة مخرجاً، فكلما عمدوا إلى حلٍّ وجدوه يفاقم الوضع ويزيده سوءاً، حتى كأنهم عزموا على الاستسلام، وتركوا الأمر للمقادير، ولا أظنها ستقابلهم إلا بانتقام!

    من أهم نتائج ذلك، انحسار نفوذ إيران وتراجع سلطتها على الحوزات العلمية، ولا سيما في النجف الأشرف، وتنفُّس العلماء والفضلاء فيها الصعداء، بعد عقود من تضييق الخناق ورصد الأنفاس، والقهر والحشر في زاوية تفرض على الورعين التقية، وتأخذهم في أشكالها ودرجاتها، وتذهب بضعاف النفوس والمستأكلين إلى الرقص على أنغام المعزوفة الإيرانية، وهؤلاء أيضاً ـ في المقابل ـ على نسب ودرجات، بين ماجن فاضح، ومستخفٍ متستر. 

    وفي سياق هذا الانفراج، يأتي ما صدر منذ حين عن السيد محمد رضا السيستاني حفظه الله من إدانة للنهج الحداثي الذي ترعاه إيران، وما عمد إليه من تسقيط للرموز التي تعمل معها، والعناصر التي تغرسها وتصنع منها بؤر فتنة، ورؤوس جسور لغزوها وإنزال قواتها (الثقافية)، وتحويل النجف إلى قم أُخرى، بعد أن دسَّت هناك قبل عشرين عاماً نحو ستة عشر ألف عنصر مخابرات، أدخلتهم الحوزة وجعلت من طلب العلم والتحصيل الجاد وظيفتهم الوحيدة، فباتوا الآن في الفضلاء وصاروا من المدرسين، ومن ذوي الخبرة والعلماء، الذين سيحدِّدون للأُمة مرجع تقليدها! فتأمل في كيد الشيطان وتدبَّر في مكره وخبثه!

    قال السيد محمد رضا السيستاني في معرض بيان وظيفة الفقيه: “من المعلوم أنَّ وظيفة الفقيه هي استنباط الحكم من أدلَّته الشرعية، وليس هو مشرِّعاً ليحقَّ له أن يغيِّر في الأحكام حسب ما يظنُّه من مستجدَّات، بزعم جعلها بذلك ملائمة للعصر، كما يلاحظ مثله في سلوك بعض أدعياء الفقاهة ممَّن يحاولون إضفاء صيغة صناعيَّة علميَّة على ما يزعمون أنَّه مقتضى ملائمة الدين الإسلامي لكلِّ عصر وزمان، وهذا منحى خطير يجرُّ صاحبه إلى مخالفة أحكام مسلَّمة واضحة الثبات، كما وقع فيها عدد منهم في جملة من الموارد”.

    وسواء كان هذا الحديث عن خطَّة معدَّة، وسابق رسم وتدبير، أو كان عفوياً عارضاً، فمما لا شك فيه أن الأجواء الجديدة أشعرت الرجل، وجملة العلماء في الحوزة، بهامش أكبر من الحرية، وسمحت لهم بمزيد فسحة وسعة للتعبير عن رؤاهم وأفكارهم.

    وعلى الرغم من أن هزيمة إيران وعموم العجز والوهن الذي يصيب المؤمنين هنا وهناك أمر مؤلم للمرجع الأعلى، ما كان نجله السيد محمد رضا يرضاه ولا يتمناه، إلا أنه قد يندرج في “عسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً”، وإن ذهب جمع عريض من النخب الشيعية في الحوزة وخارجها أنها جمهورية بني العباس، وفي سقوطها ستقام الأفراح والمسرات، وفي الأقل الأدنى لن يأسف واع بصير على سقوطها وزوال ملك طاغيتها، فإن حديث سماحة السيد لا ينبغي أن يحمل على ذلك، ولعله جاء بتلقائية، كانعكاس عفوي لشعور عام انتاب الساحات الإيمانية جمعاء، ومنها الحوزة في النجف الأشرف، من زوال السطوة والتهديد، وتراجع الإرهاب والوعيد!

    تماماً كما تستبشر الهيئات الحسينية اليوم بموسم قادم خالٍ من محاربة الشعائر، مما كنا نراه خلال ثلاثين عاماً مضت في فتن منع التطبير، ودس البدع، وزرع الرواديد المستأكلين والخطباء المنحرفين… فلا نظن أن القوم الآن وهم يخلون للسفور ويفسحون للرقص في الطرقات، ولا يتعرضون حتى لثياب البحر على شواطئ قزوين، أن يتصدوا للمواكب الحسينية والهيئات؟! فإن غلبهم السفه والشقاء وفعلوها، فستتفاقم أزمتهم وانفضاض الناس من حولهم، ثم سيكون التصدي لهم أقل مؤونة وكلفة، وسيشارك فيه كثيرون، كانوا حتى الأمس القريب يتحفَّظون ويتوقفون.

    هكذا ستنطلق الحوزة حرة مستقلة، فإن كتب من بعدُ صراع هنا بين تيارات وصدام بين شخصيات، فهو في دائرته الطبيعية، التي طالما وُجدت وسبقت، ولا يكون مقارعة لدولة وسلطان مدجج بالسلاح وبجيش من المخابرات، ويقف على آبار لا تنضب من الذهب الأسود.

    قد لا يكون السيد السيستاني الابن ناظراً إلى نهج إيران وشيطنتها في الحوزة، ولا دافعاً تجاه كشف وإسقاط مرجعيتها المزيفة، ويكون منطلقه بحت المسؤولية الشرعية ومحض استشعارها، مسترسلاً يقدم من حرص على مستقبلها، وحذر وخوف على أصالتها… لكنها على أي حال خطوة للأمام، وبشارة ومَسرَّة، وأول الغيث قطر ثم ينهمر.

  • “هل تريد نقض بناء، رُصَّت لبِناته لبِنة فلبنة بأيدٍ تشققت حتى مجلت وتقرَّحت؟ وخُدم بأشفار العيون حتى ضعفت وكاد يذهب نورها؟ جُبلت خرسانة رفعت قواعده بدماء الشهداء وماء الأماقي، تذرفه أُمهاتهم وأيتامهم؟ هل تريد نسف جهود أربعين سنة أقرب إلى نحت الصخر ونقر الحجر؟ من حفر الأنفاق بالأزاميل، بل بالأيدي والأظافير، حتى لتزول الجبال وتنقل عن مواضعها؟ فقطعة السلاح، من الصواريخ والقذائف إلى رصاص البنادق وطلقات المسدسات، ما كانت لتصل أماكنها وتبلغ المستودعات التي ستخزَّن فيها، إلا بخوض اللجج وسفك المهج، وعدِّد ما شئت من ضروب المشقة والعناء، ومكابدة ولأواء، وأموال ودماء، وقرابين تذبح أمامها، لا احتفاءً بقدومها وإقامة للولائم على شرف وصولها، بل آلة تمهد الطريق، ومدحلة ترصُّ أحجارها وترصفها… وأنت تريد أن تطمس ذلك كله، تتجاوزه وتنساه، تطوي صفحته وتغادره، هكذا ببساطة، وأنت في دارك تتفنن في إعداد القهوة، وارتشافها مع كتبك الصفراء التي سئمتها حتى الأرفف التي رُصت عليها”؟!

    بهذا قابلني أحد “الثوار” الذي لم يغادره الترف ولم يعرف في حياته الشظف، وإن امتاز عني أو اختلف، فبتناول الشاي بدل القهوة، وإلا فكلانا في “القعود” سواء، نعم هو يصرف وقته في مرابع وحانات ابتذال الدين، التي تسمَّى “ديوانيات”، بدل ربيع الكتب وربوع المكتبات!.. ألقى التعس ما عنده بغرور وعمه، ولاقاني بحماقة وسفه، فكان هذا الذي ترى، وهو هذيٌ نمَّقتُه، وهذر هذَّبته، فلا أقدِّم لقرائي هراء عوامٍ وحشو وتخرُّصات طغام.

    لم أُجبه، وواعدته بمقالة، لا بثلاثين ليلة وميقات، فلا هو موسى ولا أنا ربه، ولم أتممها بعشر، إن هي إلا شقشقات تهدر، فلا تقرُّ إلا بحمل القلم والنقش في قرطاس، أو بالنقر على لوحة حاسوب أو هاتف محمول.. والمعني هنا والمراد المقصود يطال النوع، لا شخصاً غارقاً في التنكير..

    سريعاً ما نسي المسكين إسرائيل التي فعلت ذلك بهم، هي التي قضت عليهم لا أنا (النوع أيضاً) في طرفة عين! هاج اللاشعور في وجدانه، وأخذه ليعرض عما يؤلمه ويوجعه، بل يقتله إذا رهف منه الحسُّ ولطُف الشعور، يتناساه ويتوجه إلينا، يرمي الرقم الأضعف في بيئته، فلا سلاح هنا ولا عتاد: “لم تقفوا معنا، فاستوحدونا وتكاثروا علينا، فأنتم شركاء في إنزال المأساة بنا”! لا أريد البحث في علل النكبة وأسباب موت محور المقاومة، فيكفيهم ما هم فيه، والمُثلة حرام، لا سيما في فرخٍ وقع من وكره، تلاعب به الصبيان حتى هلك أو نفق. إنما هي الندبة التي استوقفتني، فيبدو أنهم أُشربوا حب الطاغوت حتى مسخوا في عقولهم، انتقل السوء والداء من الذائقة والحس إلى الفهم والفكر، فباتوا يفكرون بشكل معوج ويفهمون الأمور على نحو مقلوب، على طريقة أهل الشام في صفين حين رأوا عمار بن ياسر شهيداً في عسكر أميرالمؤمنين، وتذاكروا حديث النبي “تقتله الفئة الباغية”، فقيل لهم إنما قتله من أخرجه للقتال، وهو علي! هكذا قيل اليوم للخامنئية “إنه النصر، أوَ لم ينتصر الحسين على الرغم من قتله وأصحابه، وأسر أهله وعياله”؟! وما زالوا بهم حتى صدَّق كثير منهم أنهم منتصرون ومنصورون، فقصد من براءته قريته في الشريط الحدودي قبل أن يأذن له العدو ويسمح، فلاقاه الرصاص، ولم يجد من يرد عنه ويدفع، فتجدد سيل الدماء!

    إخواني أرباب العزاء، إن إسرائيل هي التي سوَّت بنيانكم بالأرض، ومسحت كل ما ذكرتم من كلفة وعدَّدتم من جهود خلال أربعين سنة، في أربعة أسابيع أو أيام، حتى لم يبق من “البنائين”، من يتحسر على شيء من البنيان، ذهبوا وذهب، فطويت الصفحة وأغلق الكتاب، وأنتم في تيه التبرير والتماس الأعذار، والبحث عن إبرة في بيدر قمح أو كومة قش، غارقون في فنجان، فإذا خرجتم من دوامته، انشغلتم بقراءته، واستعنتم بالمشعوذين في استشراف طالعكم ومستقبلكم، ما يبقيكم في متاهته!

    وإذا أردت الغيب وعالم الحقائق، فإن هذا ما جنوا على أنفسهم ولم يجن عليهم أحد. ومن راقب “المنار” البارحة، ليلة العزاء باستشهاد الإمام الكاظم عليه السلام، وحضر برامجها اليوم، وأغاني النصر وأفراح الفتح، لعرف علَّة غضب الله، ومن شاهد العائدين إلى قراهم ينفثون دخان النارجيلة، متربعين على ركام بيوتهم المهدمة، يتحدون إسرائيل ويطلبونها للبراز، لعلم سر الهزيمة ومكمن البلاء، وأن الكبر والغرور لا يدع صاحبه حتى يهلكه، فيُصرع في دقائق عشرون ويجرح مئتين لمجرد مناورة إعلامية، دفعت بالعزَّل للتظاهر أمام أعتى جيوش المنطقة والعالم، وكأن دماء الشيعة أنخاب يرفعها القادة في بيروت والأولياء في طهران!

    لعمري، ما زالوا في غيهم يعمهون، وما برحوا في جهالتهم يخوضون ويخرصون، ولك أن تتصوَّر الطغيان الذي كانوا سيعيشونه والكفر الذي سيبثونه لو كتب لهم النصر، فنالوا من إسرائيل، أو غلبوا إرادة أمريكا وأثنوها عن سياساتها؟ أو حتى لو بقيت لهم بقية، كما كان الحال في الحرب الماضية (2006)، حين ألجمت أمريكا إسرائيل ومنعتها من الاستمرار، الذي سمحت به اليوم، فوقع الانكسار التام في أيام!؟

    كأني بهم يخبطون الناس بعصا السلطة ويسوقونهم بالقهر والقوة، ويحملونهم أفكارهم ومعتقداتهم! أين كان الزهو والغطرسة ستبلغ بهم وتأخذهم بالخامنئي، بعد أن نصبوه إماماً وهو يتلقى الضربات ويعيش الهزائم، فكيف إذا وجَّهها وحقق الانتصارات؟ كم كان الإغواء والإضلال سيستحكم؟!

    كأني أرى أعداد “البلوغات” من الفتيات المؤمنات سيبلغ المئات، بعد الآحاد، يملأن وسائل التواصل بعباءاتهن، وابتسامات تُظهر جمال ثغورهن، ومساحيق تجميل دهنت وجوههن بإتقان، حتى لتحسب أن لا مساحيق، وأن الصبية بهذا الجمال! وتخضُّع يفتن الشيوخ قبل الشبان… كانت المعازف والموسيقى ستدخل الصحن الحسيني بعد ما فعلت بين الحرمين، ولعلها وصلت الروضة وارتفع صخبها من جوار الضريح الشريف! كان العزاء واللطم والندب سيهجر مصاب الحسين وينصب على سيد المقاومة وأمينها العام، وصحبه القادة الكرام، وصانعها وبائعها وحاملها وشاربها!

    وبعد، كانت الحوزة والمرجعية ستعود إلى عهود البعث وصدام، لكن باسم الدين وعصا الإسلام! كانت مقامات أهل البيت، وعقائد الناس، وولاؤهم لأئمة الهدى، وبراءتهم من أعدائهم ومخالفيهم، ستعود تاريخاً وقصصاً مأثورة لا حضور لها ولا تأثير، حتى إذا انقضى هذا الجيل نسي القادم ما كان عليه آباؤهم وأسلافهم. والإيرانيون ببابك، كانوا من أشد الناس عداوة لأهل البيت وتعصباً ضدهم، حتى إذا أمرهم السلطان، انقلبوا إلى التشيُّع وصاروا أكبر بلاد الولاء! كانت جولة الصعاليك ستكون دولة، والدين سيؤخذ من كتب الحيدري وفضل الله، وآصف محسني وحب الله، فلا كتب للخامنئي، والمذهب يُستقى من الحركة الإسلامية، من حزب الدعوة والحوثيين وسيد قطب وجمال الدين، فإذا غلبه الجفاف وأعوزته النداوة والنضارة، يمَّموا صوب المولوي وابن عربي… وخذ ما شاء الشيطان من هذا الالتقاط.

    فالحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، ومع آلام البلايا التي حلت بالناس، فإن الخير كل الخير في قضاء الله وما قدَّر سبحانه وتعالى.

  • مما يعيبه التاريخ ويتندر به على أهل بغداد حين غزاهم المغول، أنَّ الجندي منهم كان يخط بسيفه أو رمحه دائرة على الأرض، يُدخل في نطاقها أسيره أو أسراه، يتوعدهم بالفتك إن خرج أحد منها. ثم يذهب لشأنه في جمع الغنائم وتناول الطعام، ولربما الاستراحة والمنام! وفي هذه الأثناء يحدِّث الأسير نفسه بالهروب، فيعود ليزجرها على ما تسوِّل له، يحسبها حيلة من الجندي المغولي ومكيدة، فهو في الجوار، لعلَّه يكمن وراء هذا الجدار، أو يترصَّد خلف تلك الدار. يهم آخر بالذهاب لبيته وعياله والإفلات من أسره وإذلاله، فيردُّ على رغبته بإدانة التهور وتقبيح الاندفاع، فالمغولي بدا عاقلاً يحسب لمآل الأُمور، ويدرك أنه في غير ميدانه، بعيد عن وطنه، ولا بد له في ساعة أن يحتاج لنا في أمر نقضيه له، أو لشأن من استقرار ملكه ومنع الفوضى عن بلاد فتحه، فيُبقي علينا لذلك ولن يهلكنا، من هنا فالأمل بالخلاص أرجح من المغامرة والصبر أجدى من التهور.. فيبقون في مكانهم حتى يعود المغولي ويقطع رؤوسهم، أو يبيعهم للنخاسين عبيداً أرقاء وبضاعة مزجاة!

    تُرى بمَ تفرق هذه الحالة عن وضع محور المقاومة في جبهات سوريا ولبنان وإيران، عندما امتدت الحرب وانقلب “الإسناد” إلى جبهة قتال حقيقية، وأخذت الضربات الإسرائيلية تتلاحق على القرى والبلدات اللبنانية؟!

    كان الحزب الذي دخل “الدائرة” التي رسمتها أو استدرجته إليها إسرائيل طوعاً، بين الإقدام على ردٍّ يردع، والخوف من تصعيد لا طاقة له به، بين الحفاظ على مخزون السلاح والذخيرة لحرب قد تطول، ورجاء تدخُّل دولي يكبح جماح العدو ويوقف تماديه… استمر الحزب ملتزماً البقاء داخل “الدائرة المرسومة”، حتى قضت إسرائيل على حماس وانتهت من غزة، فتوجهت شمالاً متفرغة للبنان! كل ذلك في أداء علني تواكبه تصريحات صحفية وتغطية إعلامية مصوَّرة، بلا خفاء ولا مراء! والحزب يباهي بإنجازات “الهدهد” واصور يلتقطها لموانئ حيفا ومطاراتها ومعسكرات العدو وثكناته، ثم بضربات يوجهها لعمود زُرع على السياج الحدودي، نُصبت عليه أجهزة مراقبة ورصد، فلا تسقطه!

    إن الرقم الحاسم في القيادة والدور الحقيقي الذي يميِّز القائد عن غيره، والملَكة التي يجب أن يتمتع بها دون الجندي البسيط أو المدني المغلوب على أمره، هو القدرة على اتخاذ القرار، والشجاعة في الإقدام على ردع العدو، وإرجاع الحرب لمعناها الحقيقي، بعد الهزلي الاستعراضي الذي كانت فيه، وهذا ما لم يكن!

    بل هذا ما قامت به إسرائيل وبادرت إليه،  فاستهدفت المستودعات ودمرت سلاح الحزب وهو في مخازنه، أعطبت الصواريخ قبل تشغيل بطارياتها، ودمرت المدافع والقذائف قبل أن يتسنى إخراجها ونقلها إلى مرابضها، وقتلت القادة وهم في مكاتبهم في بيروت أو مقراتهم المتأخرة عن الخطوط الأمامية للجبهة، وتمت تصفيتهم وهم في دورهم وبيوتهم في الضاحية! يقال أن بين الشجاعة والتهور خيط رفيع، ويقال أيضاً أن الخيط نفسه هو الذي يفصل بين الحكمة والجبن، أو بينها وبين الغرور والغباء. 

    لم تكن المأساة في الدقائق الثلاث التي أخرجت ثلاثة آلاف مقاتل من الميدان، قتلتهم أو ألحقت بهم إعاقة أقعدتهم، عبر رسالة إلكترونية واحدة في ملحمة “البيجرات”، ولا في إسقاط مروحية رئيسي وقطع سبل إنقاذه بالعجز عن تحديد مكانه، ولا بالقضاء على قادة الصف الأول والثاني والثالث، مع أمينهم العام، وكأنهم قرابين تساق إلى المذبح، مستسلمة لقدرها، عاجزة عن الدفاع عن نفسها، قهرت قبل أن تشهر سيوفها وتملأ سماء إسرائيل وتحجب عنها الشمس بصواريخها! 

    إنما المأساة في دعوى تمكين المهدي عليه السلام وتجهيزه بالسلاح وتوفير أسباب ظهوره! وهم يتصورونه في عقيدتهم حيث يصفونه من الصفات، وينزلونه من الإمكانيات، ويحسبونه من الطاقات والقدرات، ثم يرجون أن يصدِّقهم في دعواهم، كما يصدقهم سذج المؤمنين في مقولة التمهيد لظهور المهدي!

    في الحديث الشريف عن مأمون الرقي قال: “كنت عند سيدي الصادق عليه السلام إذ دخل سهل بن الحسن الخراساني، فسلَّم عليه ثم جلس. فقال له: يا ابن رسول الله لكم الرأفة والرحمة، وأنتم أهل بيت الإمامة، ما الذي يمنعك أن يكون لك حق تقعد عنه!؟ وأنت تجد من شيعتك مئة ألف يضربون بين يديك بالسيف!؟ فقال له عليه السلام: اجلس يا خراساني رعى الله حقك. ثم قال: يا حنيفة، أسجري التنور.  فسجرته حتى صار كالجمرة وابيض علوه، ثم قال: يا خراساني! قم فاجلس في التنور! فقال الخراساني: يا سيدي يا ابن رسول الله لا تعذبني بالنار، أقلني أقالك الله! قال: قد أقلتك. فبينما نحن كذلك إذ أقبل هارون المكي، ونعله في سبابته، فقال: السلام عليك يا ابن رسول الله، فقال له الصادق عليه السلام: ألق النعل من يدك، واجلس في التنور. قال: فألقى النعل من سبابته ثم جلس في التنور. وأقبل الإمام عليه السلام يحدِّث الخراساني حديث خراسان حتى كأنه شاهد لها، ثم قال: قم يا خراساني وانظر ما في التنور، قال: فقمت إليه فرأيته متربعاً، فخرج إلينا وسلَّم علينا، فقال له الإمام عليه السلام: كم تجد بخراسان مثل هذا؟ فقال: والله ولا واحداً فقال عليه السلام: لا والله ولا واحداً، فقال: أما إنا في زمان لا نجد فيه خمسة معاضدين لنا، نحن أعلم بالوقت”. 

    ومن لطيف الصدف أنَّ السيد حسن نصرالله ادَّعى قبل هذه الحرب بفترة وجيزة أنَّ لديه مئة ألف يضربون بين يديه، ومن سخرية القدر أنَّ القوم يطلقون على الخامنئي “الخراساني”… ثم لا المئة ألف حضروا للقتال، ولا الخامنئي دخل التنور، فتأمل!

  • هناك عالم خفي، موازٍ لعالمنا المشهود، يخفق فوق رؤوسنا ويواكب حركتنا، يجللنا من حيث لا ندري، ويسبح في سمائنا ولا نراه، يحرِّك الأسباب بعد أن يبعثها، ويدير المقادير بعد أن يقضي بها. وفي مقاربة قد يفهمها السياسيون، هو العالم الوحيد الذي تحكم فيه “حكومة الظل”، لا تكتفي بالنقد والمعارضة من خارج السلطة، ولا بالنشاط الافتراضي بعيداً عن أروقة صنع القرار!.. يداوي المريض بالصدقة، يدفع البلاء بالفداء، يطيل العمر بصلة الرحم، يطهِّر البيت بدخول الضيف، يرزق الأُمم والمجتمعات والحكام بالتزام الحق “وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقاً”، ويمكِّن الدول بإقامة دينه “ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم”، وليس التزام الحق والعمل بكتب السماء والاستقامة عليها، إلا في تعظيم آل محمد، أحباء الله وأولياؤه، وأوداؤه وأصفياؤه، التزلف لهم والتقرب منهم، فهو ما يحقق رضا الله ويورث خيره وينزل نعمته ويرسل بركته. دع عنك الأسباب الظاهرية: النسخة المطوَّرة أو الإصدار الجديد من الربيع العربي، وتأكيد “حقوق” الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الثانية، حين استُبعد الروس في سايكس بيكو بسبب الثورة البلشيفية، بخارطة محدثة للشرق الأوسط، وإعادة استبعادهم اليوم لغزوهم القرم وحربهم أوكرانيا! ودع عنك منابع النفط والأسواق وطريق الحرير والخطر الصيني، وما إلى ذاك من علل منطقية وعوامل فاعلة في مجريات الأُمور ووقائع هذه الأيام… لا يُنكر ذلك ولا يُغمض، ولكن في الوقت نفسه هناك حقيقة عظمى ستفرض أرقامها في المعادلة، وتنفذ من خفي المسالك والدروب بما يخترق تفكير صنَّاع القرار، ويتحكَّم في إرادتهم ويلهمهم في إدارتهم، فتُدار وتنعطف إلى ما يخدم الإمام من آل محمد، السلطان الحقيقي لهذا الكون والولي المطلق لهذا الوجود!

    يروى أنَّ السلطان العثماني مراد الرابع، في غمار حملته لاستعادة العراق من الحكم الصفوي، توجَّه لزيارة النجف الأشرف، فلما قرب منها ولاحت القبة الشريفة، ترجَّل أحد الوزراء الإنكشاريين الذين كانوا معه عن فرسه، وكان يتشيع في الباطن، فسأله السلطان عن السبب؟ فقال هو أحد الخلفاء الراشدين، نزلت إجلالاً له. فقال السلطان: وأنا أنزل أيضاً تعظيماً له. فقال بعض النواصب الذين في معيَّته: إن كان هو خليفة، فأنت أيضاً خليفة ووالٍ على المسلمين، والحيُّ أشد حرمة من الميت! فتردَّد السلطان، ثم تفأل بالقرآن فكانت الآية: “فاخلع نعليك إنك بالوادِ المقدس طوى”، فترجَّل واحتفى، وأمر بضرب عنق الذي نهاه! وأنشد بعضهم في الواقعة: تزاحم تيجان الملوك ببابه * ويكثر عند الاستلام ازدحامها. إذا ما رأته من بعيد ترجَّلت * وإن هي لم تفعل ترجَّل هامها.

    في فهم ذوي البصائر والقراءة الروحانية النورانية، واستجلاء ما يدور في عالم الغيب وعلى صعيد التدبير الإلهي الخفي، هناك علَّتان للثورة السورية، وما انتهى إلى انهيار النظام البعثي وسقوط الدولة الأسدية، الأول: حشد الإرهابيين التكفيريين من شتى بقاع الأرض، تجنيدهم وإرسالهم إلى العراق، ليفسدوا في الأرض ويسفكوا الدم الحرام ويهلكوا الحرث والنسل. والعلة الثانية كانت في هتك حرمة الحرم الزينبي! فبعد خمسين عاماً من الحكم كانت منطقة السيدة هي الأسوأ في سوريا على صعيد الخدمات البلدية والصحية والأشغال المدنية والكهرباء والماء.. كانت أكوام القمامة تسدُّ الشوارع وأزقة الحارات، وكأنها تتظافر مع أسوأ تعبيد للطرق عرفته الشام في إلحاق الأذى بالزائرين والمجاورين، لا ينافس هذا الوضر إلا فساد البلدية التي لم يعفَّ موظفوها عن استثمار مداخل الحرم الشريف “أرضيات” لعربات الباعة المتجولين، تزاحم الزوار وتضيِّق عليهم ما استطاعت، لا يوفرون سبيلاً للأذى ولا حيلة لإهانة الحرم الشريف إلا عملوا به وعمدوا إليه!

    حتى إذا كانت الحرب بين المعارضة والنظام، تحركت إيران لنصرة البعث، تحت عنوان الدفاع عن الحرم الزينبي والعتبات الأخرى في بلاد الشام، وشعار “لن تسبى زينب مرتين”! وهي خدعة كبرى انطلت على جملة من الشيعة السذج، حملتهم على الاصطفاف مع النظام ضد الثوار، الذين لم تكن نوايا جميع فصائلهم بريئة، ولا كانت مقاصد التكفيريين منهم نزيهة!

    على أي حال بعد فشل الثورة في جولتها الأولى، التي حسبها القوم النهاية، صار الحزب هو المتولي الشرعي للحرم الزينبي الشريف، والناظر على شؤونه وإدارته. ولهذه الخطوة صورة وأداء مأساوي لعله لم يُسبق ولن يتكرر على مدى تاريخ الحرم. فالتولية التاريخية والشرعية كانت لآل مرتضى، وآخر قيِّم فاعل منهم كان المرحوم الدكتور سيد هاني مرتضى، وهو رجل حكومي علماني، كان يتعامل مع الحرم كمورد مال ووجاهة، ويد لوزارة الأوقاف التي كانت تتحايل بشتى الطرق والذرائع للتضييق على أنشطة الحرم وزوَّاره! وبعد ردع الإرهابيين التكفيريين و”الانتصار” الذي قيل أن الحزب حقَّقه، انتقلت عملياً الولاية والنظارة على الحرم إليه، وهنا دخل الحرم في حقبة جعلت الزوَّار والمجاورين الذين كانوا ينتقدون الأوقاف السورية وآل مرتضى، يترحَّمون على تلك الأيام، على طريقة: “فيا ليت جور بني مروان عاد لنا، وليت عدل بني العبّاس في النار”. فليت ظلم الأوقاف وآل مرتضى دام لنا، وليت عدل حزب الله في النار!

    ومن المفارقات المؤلمة على هذا الصعيد أن منطقة السيدة زينب من ريف دمشق، على الرغم من الكثافة السكانية الشيعية، والحكم العلوي الممتد لخمسة عقود، لم تسمح السلطات ببناء مسجد واحد للشيعة فيها، حذراً من إثارة النعرة الطائفية، وحفاظاً على الهوية المذهبية لعاصمة الأمويين! وكانت طلبات البناء ترد بأن لكم الكفاية في الحرم الزينبي الذي تقام في مصلَّاه الجماعة… وفي استثناء تاريخي شكَّل سابقة، مُنحت ممثلية الخامنئي في الحوزة الزينبية، ترخيص بناء مسجد، اختار له ممثل ولي الفقيه عند وضع حجر الأساس لبنائه اسم “جامع الإمام الخميني”، وقد توجه جملة من وجهاء المنطقة وأعيان الشيعة فيها، بما فيهم أصحاب الحسينيات ومدراء المدارس وممثلي المراجع العظام، بالنصيحة لتجنب التسمية أي مدلول سياسي أو ما يثير نعرة ويشكل استفزازاً، فهو دار عبادة يفترض أن يجمع المؤمنين كافة، وأن يُطلق عليه اسم واحد من أئمة أهل البيت، وكان الرجاء أن يكون الإمام زين العابدين، أو أحد الصحابة الموالين كعمار بن ياسر أو حذيفة بن اليمان، فلم تلق النصائح والتمنيات أُذناً، فالقضية في قاموسهم إتجار سياسي، واستثمار واستئكال، حتى سقطت الدولة ورحل القوم، وها هو يتحوَّل إلى جامع السيدة عائشة!

    في الرؤية الإلهية الغيبية، لا المادية الحسية، لم يكن ترامب هو الذي أردى سليماني، ولا إسرائيل هي التي قتلت نصرالله وأنهت حزب الله، ولم تكن هيئة تحرير الشام والجولاني أو الشرع هو الذي أسقط بشار الأسد، ولا تركيا وأمريكا هي التي أنهت حكم البعث في سوريا، هذه علل ظاهرية وأسباب سطحية… فالعلة الحقيقية كانت تدبَّر في السماء، وترجع إلى الشقاء قبل الغباء، تماماً كما لم تكن البطنة ولا المرض هو الذي قتل معاوية، ولا الزمهرير أو داء الأُكلة هو الذي أجهز على الحجاج، بل هو دم حجر بن عدي هناك، وظلامة سعيد بن جبير هنا، والمؤلم أن شقياً مثل الحجاج، أدرك هذه الحقيقة، فمات وهو يردد “ما لي ولسعيد”؟ بينما الخامنئي يمضي في مسيرته غير عابئ ولا مكترث، ويحشد لجنازة سليماني، حتى يُهلك التدافع في زحام التشييع أكثر من خمسين نفس محترمة، فلا يطرف له جفن!.. إنه اليتيم الذي فقد أباه في تفجير الكرادة الذي ضرب منطقة تجارية تعج بالمتسوقين المدنيين في الأيام الأخيرة من شهر رمضان 2016، حين تسببت سيارة مفخخة في اندلاع نيران هائلة في السيارات والحافلات والمتاجر، نتج عنها مقتل أكثر من 292 وجرح أكثر من 200 شخص، إنها فجعة الأُمهات الثكالى وحسرة الآباء المنكوبين وآهات الأقارب والأصدقاء على مصرع الأحبة الأبرياء. ومن نافلة القول أن هذا لا يعفي أي مباشر للقتل أو الجريمة من المسؤولية، لكنها إلفاتة لسلسلة العلل في عالم التكوين، وخضوع هذه الدائرة للإرادة الربانية، ورجوعها ـ مهما تمردت وشطَّت ـ للسنن الإلهية وفق قاعدة: إنَّ الله يمهل ولا يهمل، وقبلها: “بشر القاتل بالقتل ولو بعد حين”! إنها نقمة “العالم الموازي”، سهام الغيب تقدم من سخط الله على من خرج عن عصمته وولاية حجته عليه السلام، إلى ولاية الخامنئي ودولته. إنه الحزب الذي تاجر بقصَّة سبي الحوراء، ورفع شعارات طائفية وهو ينتصر لفضل الله الذي نكأ جراح أهل البيت وجدَّد آلام الزهراء، فلا يلتفت لتدليسه أحد، ولا يرفع صوته بالنكير غيور! يتباكى على حرم العقيلة وقد قلبه مسرحاً لاستعراضه ومحترَفاً لصوَر زعمائه وشهدائه، قطع عنه شعائر العزاء، بالتضييق على الهيئات والخطباء، وأخذه إلى المهرجانات والاحتفالات، فكانت النتيجة أن سُلب هذا الفخر، وزوي عنه هذا الشرف…

    “الذين إن مكنَّاهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر”، لقد مُكِّن الحزب من الحرم لسنين معدودة، هي أيام في تاريخه، فعاث فساداً، وجال ضلالاً وإضلالاً، قلب البقعة الطاهرة والعتبة المقدسة مركزاً ومقراً حزبياً، وصيرها نادياً لكل نشاط وفعالية، إلا الزيارة والعزاء، الوظيفة الأولى والأصلية لهذا الصرح الملكوتي، “ولئن أمهل الله الظالم فلن يفوت أخذه وهو له بالمرصاد على مجاز طريقه، وبموضع الشجا من مساغ ريقه”…

    لم يرتبط التشيع يوماً بدولة، ناهيك بحزب، فكيف إذا كانت حركة على غرار الحشاشين والقرامطة، يحمل عقيدة خاصة هي فذلكة وتركيب مبتدع، يجمع مدرسة الإخوان وفكر شريعتي، ثم يلتقط من مذهب أهل البيت ما يوافقه، وينبذ ما لا يستسيغ…

    أهم معطيات الأزمة التي لا يمكن أن تقبل سنن التاريخ بأدنى منها: طي هذه الصفحة السوداء من تاريخ أُلحق زوراً بالشيعة، وإنهاء حقبة دفعتهم ليبذروا في مجرى السيل ويبنوا على جرف هار ويقيموا في هاوية!

  • لا غضاضة أن يرغب المرء في الفوز ويرجو الظفر والنصر، ولا يعيب المؤمن أن يحب ذلك ويتخذه أمنية وغاية، فطلبه فطرة بشرية وطبيعة إنسانية، لكن دون أن يتمادى الأمر ويطغى على النية وقصد القربة، فهذه آفة قد تفسد العمل وتبطل السعي. أما إذا تحوَّل النصر إلى شاهد على الحق، واتُّخذ دليلاً على رضا الله، فهذا انحراف خطير ينم عن تردٍّ روحي، وخلل عقائدي.

    إن القوة والكثرة والنصر والغلبة ليست أدلَّة على الحق، ولا هي علامات على رشد المسلك وصواب المذهب، قد يكون المرء أو الجماعة أو الطائفة، مغلوبة مهزومة، مستضعفة مقهورة، قليلة صغيرة، وتكون ـ في نفس الوقت، وهي على تلك الحال ـ محلاً للرضا الإلهي، بل حاملة له وناهضة به، وحاضنة للحق ومن يمثله في الأرض. هذا المفهوم الديني الذي كان حتى الأمس القريب مسلَّماً به في الوسط الشيعي، يبلغ البديهة التي لا تحتاج إلى استدلال، مرتكزاً في الأذهان إلى حدود اليقين… أسقطته أحزاب الحركة الإسلامية وأرباب الحداثة الدينية، وأطاح به التيار الثوري، وقلَبه لصالح فهم آخر! بمغالطات صوَّرت الضعف في حديث “إنَّ الله تعالى ليبغض المؤمن الضعيف”، وحوَّرت العزَّة في قوله تعالى “ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين”، على غير الوجه الصحيح، في جملة ما قلبت من مفاهيم دينية، أنزلتها حيث شاءت من خطابها الحداثي الحركي الثوري. وراحت في هذا إلى حدود التخبُّط الذي يتنكَّر لتاريخ الشيعة والتشيع، مرتكزة على مقاطع استثنائية، وحقب عابرة، خرجت فيها الطائفة عن حالة حَكَمتها فصارت سِمَتها منذ العاشر من محرم عام إحدى وستين، بل منذ وفاة رسول الله وتخلُّف الأُمة وانقلابها على بيعة الغدير. حتى عاد اليوم ليتسرب إلى النفوس ويغلب العقول، ويستقر فيها أن القهر والهزيمة والضعف والعجز والقلة، علامة على بطلان النهج! وأن لو كان الله مع قوم لنصرهم، ولو كانوا على الحق لما هزموا. الفكرة التي كانت تغذي الواقع المتردي الذي واجه دولة أميرالمؤمنين وشاغلها بالصراعات والحروب الداخلية. ولك أن تتصوَّر المعاناة من الإرجاف والارتياب الذي كان يُبث ويُشاع، والعبث الخطير في هذا المفهوم، من كلمة الصحابي الجليل عمار بن ياسر يوم صفين، حين خرج، وهو شيخ كبير طوال قد أخذ الحربة بيده، ويده ترعد، كما تذكر الرواية، فقال: “والذي نفسي بيده لقد قاتلت بهذه الراية مع رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاث مرات، وهذه الرابعة، والذي نفسي بيده، لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر، لعرفت أن صاحبنا على الحق وأنهم على الباطل”.

    من الكوارث الفكرية والمآسي العلمية، إقحام الحسِّ والمادة في الفهم الديني، والتعاطي مع المعارف الإلهية، بل السلوك الروحاني والعبادة والطاعة، بجمود وصلافة، ولغة تجارية وسياسة تعتمد الكسب وتراعي المصلحة. كل ذلك باسم البناء على العقل والتأسيس على المنطق… ما صنع بُنية متداعية وخلق بيئة مريضة وفضاءً موبوءاً، من أبرز معالم انحطاطه أنه يرى البكاء ضعفاً وذلة لا فخراً ورقَّة، فهو صفة النساء، ولغة الخوَر، وعلامة الضراعة والهوان، وأخطر مؤشرات ضلاله أنه يحسب الدعاء والابتهال فشلاً وعاراً لا سلاحاً وعزّاً! ذلك أنه ـ في قاموسهم ـ حيلة العاجز ووسيلة المهزوم الخائب! أما الاعتراف بالعجز وعدم القدرة، والإقرار بالضعف وقلة الحيلة، فهو عين الاندحار وقمة العار، وذروة الهزيمة والفرار!

    إنَّ ما قامت به الحركة الإسلامية والنظام الديني في إيران من زرع الزهو والفخر، ورعته من غرس الغطرسة والطغيان في نفوس هزيلة، غذتها وأذكت الغرور والخيلاء فيها، صنع نماذج خاوية خائرة، من الوهن والضعف ما لا تعف عن نظرة حرام، ولا تأنف من مال حرام، فكيف بهذه الأثقال والأعباء العظام؟! أهملت تهذيب النفس وغادرت جبهة الجهاد الأكبر، وراحت تنفخ وتزرِّق ما أورث القاعدة تخلفاً عقائدياً مهلكاً، وتردياً روحياً فاضحاً، يعيش أحدهم زهو الملوك، ويمضي في غطرسة الطواغيت وخيلاء الجبابرة، وهو ـ في واقعه، كما تبين وظهر ـ مسكين عاجز مغلوب! إنه عطاء ثقافة إخوانية شريعتية، ولك أن تنسبها إلى من شئت، لكنها ليست إمامية إثني عشرية، أفكار تتجاهل سيرة الأئمة الأطهار وهم أعظم خلق الله، كذا الأنبياء والصلحاء، وحتى كبار المصلحين في التاريخ، الذين اعترفوا ـ في غير فترة ومناسبة ـ بالضعف والعجز، واستسلموا لسلاطين أزمنتهم وأباطرة أيامهم وطواغيت عصورهم، لم يأخذهم الفخر والعزة بالزهو، ولا غلبهم الكبر والاستعلاء.

    إنها التربية الخاطئة والنشأة المنحرفة والتلقين الحزبي والفضاء الإعلامي المغلق الذي قاد إلى هذا الهلاك والدمار، ما زالت القيادة، العليا في طهران، والسفلى في لبنان، ومن بعدها فتات ولقاط وسقط متاع في بلاد الخليج وأحزاب العراق، لُقنوا ذلك وأُشربوه، حتى آمنوا به وصدَّقوه، نفخ وضخ يوهم بالقوة والقدرة على تحقيق الانتصارات، أورث تباهٍ وخيلاء، وغطرسة وتجبُّر لم يجعل في حسابه أن ما يحققه قد يكون من الكيد والاستدراج نحو ضربة قاصمة قاضية، أو مما أخلاه العدو من ميادين ونطاقات، لهدف وغرض، ولربما للهو وعبث، كما تسمح لطفل أن يسبقك أو يصرعك، تتأوه من ضربته “الموجعة”، وتتباكى من “هزيمتك” الماحقة، علَّه يشبع غروره ويطفئ تعطشه، يعود إلى مكانه ويلزم حدَّه، فلا يسرف ويغرق!

    فاعرف السر في تغليظ شرائط المرجعية، والتشدُّد في عدالة القيادة. لا بدَّ من نفس مرتاضة وروح مهذَّبة سامية، وعين مشبعة لا ظامية وملأى غير فارغة، تنفتح لها البصيرة وتنحدر عليها الألطاف الخاصة وهي تتصل بقناة الفيض الإلهي: النيابة الحقة عن صاحب العصر والزمان. ذلك أننا حين نستخف بشعائر عزاء سيد الشهداء، فنحن نغلق بأيدينا أبواب السماء، وعندما نزدري المقدسات، ولا نرى قيمة لمقامات وخصائص الأئمة، ننسفها نسفاً ولا نرى لها خطراً وخطباً، فنحن نصدُّ عن الناحية المقدسة ونعرض، بل نظاهر بحرب ساكنها “القاعد” عن القيام، و”الساكت” عن الظلم والقهر وما يعصف بالدنيا من جور وبغي وطغيان! ثم نرجو أن يجبر ضعفنا ويعوِّض نقصنا، وينصرنا بجنود الغيب، الذي نمتهن ونستخف ونسخر!؟

    قبل ألف وأربعة مئة سنة، قال أميرالمؤمنين عليه السلام: “الزموا الأرض، واصبروا على البلاء، ولا تحركوا بأيديكم وسيوفكم في هوى ألسنتكم، ولا تستعجلوا بما لم يعجل الله لكم، فإنه من مات منكم على فراشه وهو على معرفة حق ربه وحق رسوله وأهل بيته مات شهيداً، ووقع أجره على الله، واستوجب ثواب ما نوى من صالح عمله، وقامت النية مقام إصلاته بسيفه، فإنَّ لكل شيء مدة وأجلاً”… ومن نافلة القول أن هذا لا يعني التخلي عن الأحكام الشرعية في وجوب الدفاع عن النفس والعرض والمال، إنما هو إعادة تنظيم لخطاب تحرير القدس والصلاة في الأقصى، الذي تهدر في سبيله كل هذي الدماء، وتهدم الدور والبيوت، وتُدمَّر القرى والبلدات، وتشرَّد المخدرات، وتبتذل الكرامات في الطرقات.

    غابت ثقافة الانتظار وسادت روح القوة والسلطة والانتصار، فطغت الشيطنة وغلبت، تمرَّد الشباب، وظهرت دولة الصبيان وحكومة الرعيان، حفنة من مُحدثي النعمة في عالم الزعامة والسلطة، استفاقوا على دولة عريضة وميزانيات خرافية، وقاعدة مطيعة مضحية، فما عادت تسعهم ثيابهم، ولا تحملهم أرضهم. والبلاء أننا جميعاً علينا أن ندفع الثمن ونتحمل الكُلفة، من عدو طائفي حاقد لا يميِّز بين الإنسان والحجر، ولا يفرِّق بين حق الدفاع عن النفس والمال والعرض، وبين شيطنات سياسية ومناورات تقدم من عالمه وتجري على شاكلته!

    عندما تعجز النوائب عن تذكيرهم بالله، وتخفق الكوارث عن أخذهم للتوبة والإنابة، فإن هذا التيار يكون قد كتب على نفسه الهلاك والهزيمة، وإن خلص ونجا، وأبقت حكومة العالم الخفية على شيء منه وبقية، فهذا لحاجة في نفسها وغرض طالما خدمها!

    على طريقة الوليد بن عبدالملك الذي استفتح بالمصحف الشريف فكانت آية: “واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد”… فأمر بقوسه وأنشب فيها وجعل المصحف غرضاً، ثم سدَّد نحوه وهو ينشد: تهددني بجبار عنيد؟ فها أنا ذاك جبار عنيد، إذا ما جئت ربك يوم حشر فقل يا رب مزَّقني الوليد! يبدو أن الخامنئية يشعرون، أو أنهم يجيبون على من ينادي أن السبب الغيبي والداعي الحقيقي لما يجري عليهم اليوم يرجع إلى جرأتهم على حرمات أهل البيت ومقدساتهم… فأرسلوا صعلوكاً من صعاليكهم يقتبس من شعر أبي طالب عليه السلام في النبي صلى الله عليه وآله: وأبيضَ يُستسقى الغمامُ بوجهه، ثمال اليتامى عصمة للأرامل، ليطبقه على قائدهم، ثم يرفعه ليكون حُسينه، ويلحق به نصرالله ليكون عباسه!.. هكذا يصرُّ وصولي متملِّق على العبث بديننا، ويمعن مداهن متزلِّف في النيل من مقدساتنا، يستأكل بها غير متأثم ولا مستعظم! يبرز بالحرب لأولياء الله، بل يتحدَّى الله، يستنزل غضبه ويستمطر نقمته. حتى إذا رأيت قائده يتململ ويطأطئ برأسه، وكأنه لا يرتضي هذا ويأباه، والقاصي قبل الداني يعلم أنَّ النص قد عُرض عليه قبل إلقائه، فليس لصعلوك مثل هذا أن يرتجل ويهرف بما شاء في محضر هذا السلطان… علمت حجم المأساة ومدى الكارثة، ومن أين أُخذنا؟

    باختصار وإيجاز، يبدو أنهم لم يتلقُّوا الدرس، ولا تعلموا من الكارثة التي جرُّوها على الطائفة…

    ليست هذه ساعة إطالة ولا لحظة محاسبة، إنما هي مشورة حرص وإشارة خطر، أن يبادر من تبقَّى من قيادة هذا التيار المنحرف فكرياً، قبل أن يكون عاجزاً عسكرياً وأمنياً وسياسياً، ويعلن استسلامه واستعداده لتوقيع تسوية، تطوي صفحة القدس وقضايا القومية العربية، في مقابل التمسك بالدين والموت دونه، مما راح في سبيله الشهيد الأول والثاني والثالث، وجميع شهداء الفضيلة في تاريخنا الناصع. لن تكون نهاية الدنيا، ولا آخر العالم وخاتمة الحياة، ولندفع الثمن شماتة، خير من إراقة دماء حقنها الله وكرامات صانها. ولكم في سيرة السيد السيستاني أُسوة حسنة، حين توقَّف في المقاومة المسلحة للاحتلال الأمريكي، ثم أفتى بالدفاع ضد من يكيد بعتباتنا المقدسة، يريد هدم قبابها وتعطيل شعائر ومعالم المذهب الحق… عسى أن يقوم من هذا الحزب رجل رشيد، ينتفض ويعلن تمرده على قائد لا يعبأ أن يُقتل شعب بأسره ويشرَّد، في سبيل أن لا تُكسر كلمته، فيتراجع عنها ويسجَّل مهزوماً مغلوباً؟! 

    ليس الأمر من تهالك على الدنيا وتشبث بها، بل هو الحرص على إصابة الحكم الشرعي، والتثبت من “الراية” التي نكثِّر السواد تحتها، والدعوة التي نخدم ونضحي في سبيلها. وإلا فهذا الحطام الزائل والعمر العليل الراحل، لن تقصِّره حرب ولن يطيله سلم. 

  • من أخطر ما يواجه الأُمم والمجتمعات، ويتهدد المدن والحضارات: الغفلة عن السخط الإلهي، أو قُل عدم إدراك بوادر السخط ونذُر الغضب وما سيحلُّ على العباد والبلاد من نقمة وعذاب! يلوح في أُفقها فلا تلمحها، ويسطع في سمائها فلا تراها، ويبرق في غيمها فلا يجتذب من أهلها الأنظار ناهيك بأن يختطف منهم الأبصار، حتى يحلَّ وينزل ويجتاح ويزلزل! والتحدي الأكبر هنا لدور الطلائع والروَّاد، ولا سيما القائد الأعلى والآمر المطاع، وهو ما يحدد فيه الشروط ويرسم المواصفات، وعمدة ذلك، بعد العلم والعدالة والحكمة والحنكة، ومعرفة الزمان، برجاله وحوادثه وما يحاك ضد دينه وأُمته، ثم كمالات الشجاعة والتواضع وسعة الصدر والخبرة في التدبير والقدرة على إدارة الأزمات… بعد كل هذا وذاك: التمتع بروح شفافة مرتاضة وقوى روحية متعادلة ونفس سامية متعالية. ما يمكِّن الرائد والقائد من التقاط الإشارات واستقبال العلامات وتلقي الوَمضات، وتَعرُّف الموارد والشوارد، وتحسس الخطوب، وتَبيُّن السُّبل والمقاصد، وتمييز الصوَر والأشكال عن الحقائق والجواهر، والمظاهر عن المخابر، لا تغرُّه هذه فينخدع بها عن تلك، هكذا يتنزَّه عن التوافه ويعرض عن الأسقاط والسخافات، وينصرف إلى العظائم الجلائل والجسائم الخطيرات، وينأى بأتباعه عن التردي والانحطاط، وينقذهم من الهلاك، ويأخذ بأيديهم في سبيل النجاة.

    وإنما هلكت الأُمم وماتت المجتمعات، لما تسالمت مع الباطل فظهر، وهادنت الزيغ فغلب وقهر، سكتت عن المنكر فشاعت الفاحشة، حتى إذا تمكَّنت واستحكمت، انقلبت معروفاً وصار النهي عنها منكراً مرفوضاً! وليس الأمر في أضراب الربا والخمر والزنا فحسب، بل يسري إلى الأفكار ويجري في المعتقدات، وأخطرها على الإطلاق صرف الولاية عن أهل بيت النبوة والتنكُّر لحقهم وما حباهم الله من خصائص وصفات ووهبهم من مناقب وكمالات، فقوله تعالى “ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس”، يحكي الحال في الصدر الأول، كما عن الباقر عليه السلام: “ذلك والله يوم قالت الأنصار: منَّا أمير ومنكم أمير”. والأحكام يومئذ ظاهرة نافذة والحدود جارية، الصلاة مُقامة، والصيام بالتزام، والحج بلا تعطيل وانقطاع، والنساء متجلببات بالحجاب، لا حانات وخمَّارات ولا مواخير ودور بغاء، غاية ما هناك أنهم انتكسوا في الولاية وتخلَّفوا عن حق أميرالمؤمنين، فتحقق “ظهر الفساد”!..

    تُرى، هل العبث بالحوزة العلمية والمرجعية الدينية أو النيل من الشعائر الحسينية، تعطيل هذه وهتك وابتذال تلك، أو الدسُّ والبدعة فيها، وأخذها في صراعات مُهلكة وإشغالها بأزمات خانقة، خطْب يتطلَّب وقفة وتصدياً، وقضية توجب اصطفافاً ومواجهة؟ أم هو أمر جزئي عابر لا ينبغي اللبث عنده والمكث عليه؟! وكذا التشكيك في ظلامة الزهراء، هل هو كارثة تقتضي النهضة والقيام، وتوجب الاصطفاف وتستدعي الانتفاضة والصدام؟ تفرض نشر البيانات وتأليف الكتب وإصدار الفتاوى والأحكام؟ أم هو أمر هامشي ثانوي، لا يسوغ أن يشغلنا، فنسمح لـ “التاريخ” أن يصرفنا عن حوادث زماننا وما نعيش من قضايا عصرنا وأزمات فاعلة في سائر شؤون الحياة؟! هل من الحكمة الانشغال بأُمور دينية خلافية يعود متعلقها إلى ما تنطوي عليه النفس، وترجع فاعليتها وتأثيرها إلى يوم القيامة والحساب في المعاد؟ ألا يحكم العقل بأولوية أُمور دنيانا ومعايشنا، وفي طليعتها السياسة والاقتصاد وشؤون الدفاع، وعرض الدين من خلال قدرته على معالجة هذه الأزمات والموقف منها؟

    تُرى ما هي الإجابة الصحيحة المحقَّة على هذه التساؤلات؟ بل قل أين وجه المغالطة في طرحها والمكيدة في إثارتها؟ ولا سيما مع ما نلاحظه ونشهده من أكثر هذه القضايا سخونة وكُلفة (في إراقة الدماء وهدر الأموال وخراب الدور ودمار الأمصار)، حين تعود في نهايتها وتظهر وكأنها مقالب في برنامج الكاميرا الخفية الهزلي!؟ فالتلويح بالحرب والتهديد بنهاية العالم ووقوع ما يقلب شرق الكرة الأرضية على غربها، لا يلبث أن ينكشف كفقاعة أو ألعاب نارية، تخبر العدو بساعة توجيه الضربة، وإخلاء المواقع المستهدفة، لتكون النتيجة واحدة، أصابت السهام أم طاشت، فهذا البحر لا يجيش إلا بموج يهمد على الساحل، وزبَد يذهب جفاء، وهذه ناقة طال بها المخاض فلم تلد غير فأر مختبرات!.. وما زال المشهد يتكرر والأداء يُستنسخ، وما برح الانفعال والحماس من الأتباع في أوجه، وكأنهم لم يلدغوا من هذا الجحر مرَّات وكرَّات!

    وبعد الغفلة عن النُذُر، يأتي الجهل بأنواع السخط والعذاب، يحسبه الغافل منحصراً في صاعقة وزلزلة، أو قحط ووباء، والحال أنه ـ وفقاً لمبدأ الكيد والاستدراج والإملاء ـ قد يكون مالاً وسلطاناً وجاهاً! كما في الآية: “فلما نسوا ما ذُكِّروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أُوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون”، وقوله تعالى: “فذرهم في غمرتهم حتى حين أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون”، وآية: “ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خيرٌ لأنفسهم إنما نُملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين”… إنَّ أزمة الساحة الإيمانية اليوم تنبع من عاملي: الغفلة عن نذُر العذاب والخلط بينها وبين مظاهر الرحمة، ثم السهو عن الاستدراج والكيد والإملاء، وكأن الغضب والعذاب محصور في شكل نمطي ونطاق تقليدي! وترجع إليهما. ولو تدبَّر البصير وتأمل الخبير لرأى أن حلول الغضب ونزول البلاء، بدأ في صورة عجز القائد عن الرؤية الصحيحة والأخذ بالرأي السديد، وفشله في التشخيص، التبسَت عليه الأُمور وتداخلت، فلم يرَ فساد الفاسد، ولا شعر بخطأ قراره وموقفه، ومع أنه أمرٌ بيِّن في بطلانه، جليٌّ في زيغه واعوجاجه، لكنه رآه رشداً وصواباً! ثم تصاعد الأمر وتمادى وتعقَّد لينتقل من الخطأ في التشخيص والإصرار عليه، إلى الذهاب في المكابرة والعناد، ليبلغ الغاية حين تنكَّر للدليل الحسي والبرهان الوجداني، فجحده ولم يره، أو رآه مقلوباً معكوساً، على غرار ما يحكيه المثل: “نعجة وإن طارت”! أما الكارثة فهي في الانتقال من تحقُّق المثَل فيه إلى انطباق الآية عليه: “فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا، بل هو ما استعجلتهم به، ريح فيها عذاب أليم”… بوادر عذاب عظيم يقرب، وطلائع غضب وسخط إلهي يلوح في الأفق، ينتصب كجبل يحجب الرؤية ويطمس الفضاء، وهم يقولون: “هذا عارض ممطرنا”! أما الطامة، ففي الغفلة عن سنَّة الاستدراج والإملاء، فهم يقعون في معضلة وتحل بهم أزمة، فإذا خرجوا منها حسبوا أن الله أنجاهم منها!

    فالقوم منذ دخولهم في محاربة الشعائر الحسينية وهم في دائرة السخط وبؤرة الغضب، تسلَّط عليهم الشيطان واستزلهم، فأخذهم إلى إخضاع الحوزة للدولة وتحويلها مؤسسة حكومية، وصرفهم إلى دعم الضلال ونصرة الحداثة، حتى سقطوا في مركز دائرة البلاء وقعر وادي الشقاء، حين نهضوا بإنقاذ فضل الله وإحيائه بعد الهلاك! وما زالوا يرعون كل من يحارب الأصالة ويُسقط التراث، بما فيه من كنوز أحاديث الأئمة الأطهار ونتاج العلماء الأبرار، ودعم كل ساع وعامل في تمييع الهوية الولائية، برجاء أن تُصرف إلى “ولي الفقيه” والجمهورية!.. وهم يسجلون هذه وتلك انتصارات! وهي، لو يعلمون، نقمات تفوق الصواعق والزلازل، وتتجاوز القحط والوباء والقمل والجراد، حلَّ بهم ونزل، وهم لا يشعرون! بل حتى العقوبات المباشرة ومظاهر الغضب الصريح، لم تتوقف ساعة ولا انصرفت لحظة، فالجمهورية الإسلامية ما انفكت في حصار خانق وتدهور مهلك، لم تر يوماً هانئاً ولا ساعة راحة ورغد، منذ أن ناصبت الشعائر الحسينية العداء وصدرت الفتوى المشؤومة، ما زالوا في دوامات متلاحقة تنال من دنياهم ومعاشهم، لا يخرجون من إحداها حتى تأتي التالية، ما أورثهم بعد الشقاء العناء، ولا من متنبه واعظ، أو متيقظ ناصح!

    وبعد ما يعيشونه من فوضى عارمة في معالم الدين، وتداخل في الأفكار والمفاهيم، ما عادوا يعرفون فيها الله من الجبت والطاغوت، ولا بماذا يؤمنون وبماذا يكفرون، مَن يوالون ومَن يعادون، هل هم إلهيون دينيون، يعتقدون بالغيب وينتظرون المعاد، أم هم ماديون حسيون، دهريون يقولون “إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين”؟ لا يدرون ما هو الأساس في الإيمان، وأين العقل من التسليم؟ وأين الغدير والسقيفة والجمل والنهروان؟ كغراب البين، أراد أن يقلِّد مشية الحمامة، فأضاع المشيتين، حتى ما عادوا يعرفون كيف يعزُّون ويبكون، ومتى يفرحون ويضحكون؟! هناك اضطراب بل انهيار عقائدي، فإن منظومة القيم والأخلاق والمبادئ التي قامت لها الثورة وتأسست عليها الجمهورية الإسلامية، هي اليوم في الحضيض، تراجعت إلى أضيق نطاق، ما عادت ظاهرة شعبية ولا حالة جماهيرية كما كانت في العهد الأول للنظام، وهذه حقيقة ظاهرة في الميوعة والاختلاط والانحلال الأخلاقي، وفي حجم الفساد والسرقة وانتهاب المال العام وما إلى ذلك مما بات مشهوداً لا ينكر. فإلى أين يتجه النظام، وكيف عساه أن يتجنب الغضب وينجو من النقمة؟

    على السيد القائد وأعوانه في الأجهزة والأحزاب التابعة، بل على الشيعة في العالم، وهم يسمعون قرع طبول الحرب، ويشهدون الآلة الحربية للعدو الإسرائيلي تلاحق لائحة الأهداف، وكأنها فرغت من القادة العسكريين بعد الأدمغة العلمية، فتوجهت إلى مخازن الأسلحة ومستودعات الذخيرة، والقوم في عجز تام عن أي رد وانتقام، أن يميزوا ويتبيَّنوا: هل هو أوان “فتح خيبر” أم هي ساعة “صلح الحديبية”؟ هل لأحد غير رسول الله أو الإمام الذي يقوم مقامه أن يحدِّد ذلك؟ هل باتت الدنيا مستباحة من هؤلاء القادة والزعماء؟ هل خلع لقب “الولي” على من ادعاه يحققه بالفعل؟! الحقيقة أن علماء الطائفة وحكماءها وكل بصير فيها، في ذهول من هذا الربط الأهوج والاندفاع الأخرق واللهث الذي يريد أن يلحق بالمعركة الدائرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين بأي شكل! وفي صدمة من الأداء المغتر الذي علَّق مصير إيران ولبنان، ويكابد ليلحق بهما العراق، على طيش حماس ومغامرتها. وما يثير مزيد العجب والحيرة هذا الاندفاع واللهفة من إدارة العتبات والمدن المقدسة في العراق والبرنامج التبليغي في زيارة الأربعين للالتحاق بالركب المتداعي المنهار، والإصرار على الدخول في العمل الانتحاري الذي تقوده إيران وأحزابها، كمسافر أرعن يعدو بكل طاقته لركوب حافلة تهوي في وادٍ سحيق!.. مؤتمرات فلسطينية تخترق الأربعين، لافتات وصور لهنية تلوث أعمدة الإنارة في شوارع مدينة أميرالمؤمنين، وأخرى لقادة في هذا الحزب وذاك، تأخذ الشعيرة في خطاب موجَّه، وتصبها في قالب سياسي، نتيجته الوحيدة الدمار والزوال، واستمطار النقمة والغضب!

    إنهم لا يستأثرون بالقرار الإيراني واللبناني ولا يصادرون دور الطوائف الأخرى بحجج عمالة أحزابها وخيانة قادتها، ولا يصادرون كلمة الطائفة ويسرقون موقف مجموع الشيعة فحسب، بل يعتدون على دور صاحب العصر والزمان، إن كانوا يعتقدون بوجوده.

    لعمري، هل لضيف أن يتصرف في الدار؟ يغيِّر مواضع الأثاث ويبدِّل المتاع، بل يعمد إلى الهدم فيها والبناء؟! الفرق الجوهري بيننا وبين غيرنا في العقيدة بالمهدي، أنهم ينتظرون ميلاده، ونحن ننتظر ظهوره، فهو عندنا حي شاهد ناظر، يراقب الأعمال، ويلاحظ السياسات، ولا سيما التي تمس رعيته وتطال شيعته، فهل الوكالة العامة للفقهاء (ودون إثبات الصغرى خرط القتاد) تسمح بهذا العبث والتدمير؟ هلَّا اكتفى القوم وردعتهم النُّذر عن حلول الغضب ونزول النقمة والبلاء؟!.. يا ليت قومي يعلمون. 

  • من موارد العثرة في الفهم والغفلة عن الفكرة، ومواقع الخطأ في تحليل الوضع الديني وقراءة الواقع الإيماني في العراق، تجاهل تعرُّض الالتزام الديني (الشيعي) هناك للبتر عن جذوره والانفصال عن أصوله، والانقطاع عن تراثه وأمجاده، وأنه بات اليوم ـ في عمدته ـ مُحدَثاً طارئاً، عارضاً طارفاً. الحقيقة التي تظهر في غير موقع وتسري في غير مظهر، كتعداد المراكز الدينية من مساجد وحسينيات ومقامات حيَّة مزدهرة ومدارس دينية ومعاهد حوزوية ومكتبات ومؤسسات بحثية، وكأن عجلة الزمن توقفت في هذه وتلك على ما يخدم نحو خمسة ملايين نسمة (كان عدد سكان العراق عام 1950 يقارب ستة ملايين، في حين أنه اليوم يتجاوز الأربعين مليوناً)، وكذا الحال في قطاع رجال الدين وطلبة العلم، وتواضعه كماً وكيفاً، أما في الشعائر الحسينية والممارسات المذهبية، سواء في كثافتها ومدى انتشارها أو في كيفيتها ونوعيتها، فحدِّث عن انخفاض المناسيب وتراجع المؤشرات ولا حرج.

    هكذا يظهر أنَّ النمو والتطوُّر الديني في العراق يعيش اليوم طفرة كبيرة ويخضع لمنعطف حاد ونمو سريع كثيف، كأنه يستدرك عطباً وتعطيلاً امتد قرابة قرن، يجبر كسراً ويسد ثلماً ناهز الانهيار والزوال والقضاء المبرم!

    العراق مهد التشيع وقلبه النابض، كان في ماضيه عاصمة لعلي عليه السلام، وسيرجع في مستقبله عاصمة للمهدي عجل الله فرجه. منطلق الحوزات العلمية ولبنتها الأولى، مركزها وقاعدتها في بغداد والنجف الأشرف والحلة، وهو بلد العتبات المقدسة ومراقد الأولياء، أبواب السماء ومعارج تنفتح على العرش والملكوت الأعلى، بحر زاخر وتاريخ حافل، موارد بشرية لا تنضب، فرات الولاء ونبعه الفياض، بخصال لا تُبارى وكمالات ولا تُجارى، كرم وشجاعة وغيرة وحمية، ثم ذكاء وألمعية، أفرزت نُخباً فريدة وصفوة متميزة في نوعها وحجمها، وهنا، من بعد، تيار حسيني شعائري عريض، بنى عظمة وشيَّد مجداً، وأقام صرحاً قلَّ له النظير…

    المعضلة في فهم الحالة العراقية تكمن في الغفلة عن البتر والانقطاع، وتجاهل تبعات الانفصال عن المذهب ومعالمه، الذي دام نحو قرن.. بدأ بنزعات القومية والشيوعية، وتلاحق بمقولات الوطنية، حتى إذا وصل الابتذال البعثي، بلغ الانحطاط والانهيار قعره، وتحقق الانقطاع الكامل والبتر الشامل! ثلاثة أجيال متعاقبة نشأت وترعرعت بعيداً عن الهوية الشيعية، في فقهها وعباداتها، وفي شعائرها ومظاهرها، وكل ما يمس روحها ومعالمها! عشرات الملايين من الشباب ألقوا في أتون الحروب، لا يعرفون أوليات الالتزام، لا صلاة ولا صيام، لم يسمعوا مجالس حسينية، ناهيك بالحضور والمشاركة فيها، فشريط “كاسيت” لمجلس حسيني كان يساوي المعتقل والدخول في متاهة إن لم تنته إلى الإعدام، فالتنكيل والاضطهاد والملاحقة في الوظيفة ولقمة العيش… حتى إذا استيقظوا على الدين، اطلعوا عليه من نافذة بعثية، فُتحت في فترة الحصار كمتنفَّس يمنع النظام من الانهيار، يطل على قاعدة مضعضعة وهياكل مهترئة نالت منها ثلاث حروب مدمرة ما نالت!

    إن الشاب العراقي المأخوذ بعاصفة الإعلام وحمَّى الشهرة في دوامة وسائل التواصل الاجتماعي، غريب عن أعماق العبادة في الشعائر الحسينية، وجاهل بأسرار الإخلاص فيها، وكم كان آباؤه وأجداده يعانون في الجمع بين وجوب الإعلان والإذاعة، فهو قوام الشعيرة، وبين ضبط النيات ومنع الرياء! وبعد هذا تراه لا يطيق “ثقيل” عبدالرضا، ولا يدرك عمق “باب من جذوع وثجيلة وزن”، ولا يتذوَّق “جينه ننشد كربلا مضيعينها”، تذوقه وإدراكه للألحان والإيقاعات التي تباهي وتتغنى بالمضايف على امتداد “الوطن”، من الموصل إلى البصرة، فهنا مفردة حاضرة في وجدانه، ثقافة ولحناً، تلقَّاها في المدرسة والإذاعة والتلفزيون، كما لا ينفر من “الله يا دين البهرة”، التي تنساب في وسائل التواصل الاجتماعي، تحملها في عميق خطابها، وهي تسوِّق للتعددية، ما يجعلها مقولة مهضومة، ومفردة مقبولة، ويستغرب المواجهة “الحادة” التي تعرضت لها، وسمحت للرادود أن يحتال، فيسقط الكلمة ويبقى على الفكرة في مشروع الديانة الإبراهيمية!

    هذا جيل لا يعرف عبود غفلة وعبدالحسين الشرع ولا امتدادهما، فمن الطبيعي أن يجتذبه الشور والمور والكور، إنه سليل الانقطاع والبتر الذي نال من هذا الشعب المنكوب، خلافاً ـ على سبيل المثال ـ للخليجي الذي ما زال الجيل المعاصر ينهل من ملا عطية وابن فايز، فالنمو هنا طبيعي والتطور تراكمي، لا يعاني شدَّة الطفرات ولا يكابد حدَّة المنعطفات، اللهم إلا من الأحزاب والمؤامرات!

    على من يريد دراسة الحال في العراق وامتداداته، وفهم ظواهر أزياء الرواديد وتسريحات شعورهم، والتراقص على المنصات، والبرامج التلفزيونية التي تحاكي مسابقات الغناء، وأطوار على ألحان الراب، وجمهور متعطش لتلقُّف ما لُفظ وانحسر في إيران من أنماط محدثة، ليُحتضن ويروج في العراق، كل ذلك تسابقاً على المال والشهرة، وتهالكاً على تسجيل الأرقام القياسية و“الترندات”، وما إلى ذلك من معطيات الطيش والرعونة وفي الأقل الأدنى الخفة وعدم الوقار… لا بد له، باحثاً محققاً كان أو ناقداً، أن يعي تلك الفجوة والفراغ. دون أن يغفل ـ بطبيعة الحال ـ الدور التآمري للدول والأحزاب والتيار الحداثي، وأغراضه في تشويه الشعائر الحسينية، وما يزري بالهوية ويعود بها إلى عهود الظلام والبعثية.

    لم يعد العراق ـ في حقيقته ـ عريقاً في البرهة التي يقطعها اليوم، ولا هو سليل ماضيه التليد وأمجاده الرفيعة، وهو يعيش حالة شبيهة بالواقع الشيعي في لبنان المنفتح للتو (في النطاق الجماهيري العام) في هذا الجيل، على العزاء الحسيني، بعد عقود من الانقطاع والتغييب، فقد الدمعة والجزع، وحصر الأمر في نطاق ضيق لا يتجاوز عشر معشار المجتمع، ثم ـ للعموم ـ في يوم واحد من السنة، سريعاً ما يستدرك ويلحق بـ”الفلة”، أي الفراغ من العزاء والانصراف إلى الحياة والعودة للمعاش!

    من هنا علينا أن نقرأ عزاء “الشور”، ونتعامل معه كظاهرة طارئة في هذا السياق… ومع التسليم بخطأ الظاهرة، بل بالخطيئة في بعض الصور والموارد، إلا أن قطاعاً عريضاً من المؤمنين الولائيين والحسينيين الشعائريين، يتوقفون في آلية المعالجة وطريقة العودة للربط بالماضي والاتصال بالعراقة التي طالما عرف بها عراق المقدسات. والقدر المتيقن أنَّ إدارة العتبة الحسينية غير مؤهلة لهذا الدور، وهناك خطر ومحذور جدِّي، يأتي من كونها مخترقة من حزب الدعوة وعناصر إيرانية تحمل مقولات الحداثة وتسوِّق لها، وهنا سوابق تسجَّل بخجل وعار يندى له الجبين، لم تكن المعازف بين الحرمين أولها، ولن يكون اللطم على غزة في صحن سيد الشهداء آخرها. ولو تنازلنا عن إدراجهم في الضلال ورميهم بالانحراف، فالقدر المتيقن أنهم لا يزنون الشعائر بميزانها، ولا يعرفون حقها وقدرها، ويكفيك في التدليل تبني بيان سيد منير، وتوكيل أمر التبليغ والإرشاد الديني الذي يتولى توجيه عشرين مليون زائر إلى الإشكوري! هذا يعني أن الشعائر والزيارة عندهم لا تساوي دانقاً! فهل يؤتمن هؤلاء عليها؟! لا والله، لا هم ولا أقرانهم في النجف الأشرف، من شعراء ورواديد ينشدون في السياسة وشؤونها، بين إدانة لرئيس الوزراء والمحافظ، وتمجيد لهذا وذاك. إنَّ من يريد أن ينزِّه الشعائر الحسينية عن الأنماط الدخيلة والصوَر المشوَّهة المريبة، عليه أن يكون من الجسم الحسيني روحاً وقالباً، أي “تهذيب” و”تقويم” للشعائر، يجب أن يكون نابعاً من داخل البيت الولائي الشعائري، ويكون بعيداً عن الحداثويين، إيرانيين وحزب دعوة وحزب الله وحزب شيطان وكل من يدور في هذا الفلك المنحرف… هؤلاء لا يؤتمنون على ديننا وشعائرنا، فبعد السياسة والولوغ في الدماء ودفع العالم بأسره وحمله على ملاقاتنا بالعداء، فإنهم ينهلون من الإخوان المسلمين، من سيد قطب وحسن البنا، وفي أحسن الأحوال من علي شريعتي وعلي خامنئي وفضل الله، وهؤلاء لو خلي لهم وأُفسح، لطووا صفحة الشعائر الحسينية وأنهوها من رأسها، وحوَّلوها دروساً ثقافية ومحاضرات سياسية، وأداة تعبئة عسكرية، لا يعنيهم قميص الحسين الممزق بالسهام الذي ينشر في السماء أول ليلة من محرم الحرام، ولا يفقهون ما يعني البكاء واللطم والجزع، وما قال الصادق في الفضيل بن يسار: “من ذُكرنا عنده ففاضت عيناه، ولو مثل جناح الذباب، غفر الله له ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر”. ولا ما قال الرضا: “فعلى مثل الحسين فليبكِ الباكون، فإنّ البكاء يحطّ الذنوب العظام”…

    أما ما يعقب هذا ويلي ذاك من أمر الشور وأهله، فهيِّن يسير، فمصير هذه الهيئات ـ لا محالة ـ الاندماج في الجسم الإيماني، وفي الحد الأدنى النطاق الحسيني الشعائري، فمن غير المعهود أن تتخصص هيئة بنمط شعائري دون غيره، فالهيئات الحسينية تحضر المجلس وتبكي ثم تلطم وتقوم بالتشابيه وتمارس التطبير وتقيم المواكب وتستضيف المعزين، وانصراف الإخوة إلى نمط بعينه لا يُعرفون بغيره سينتهي، وتزول بذلك إحدى أهم مداخل الأزمة وروافدها، ولا سيما إذا انتفى ما يتعلق بارتباطاتهم المريبة، كالعلاقة بالمشعوذ “المولى”، الذي ترجع إليه أغلب هيئات الشور في البصرة والسماوة، فتنتفي جملة أخرى من أسباب التحسس التي تثير الآخرين ولا يعود للحذر ولا للخوف من نزعات صوفية وعلي اللهية تغوي شباب الشيعة وتغرر بهم، محل ومكان، وكذا تنقطع الطعون في تعاطي المنبهات وأنها التي تمكنهم من الاستمرار في اللطم المتواصل لساعات… والرهان على قيادات ملتزمة واعية تشق طريقها بين جموع هذه الهيئات لتقود مسيرة العودة للأصالة والاندماج المبارك في مجموع الشعائريين.  

  • من أخبث أساليب الضلال وأكثرها تلبيساً على العوام وشيطنة، تصوير قضايا خطيرة وحوادث جليلة، معلولة لأسباب وضيعة، كحافز المال، ونشاطات هامشية وفعاليات عابرة من صنع صغار!

    السقوط المدوِّي لفضل الله، الذي صنع زلزالاً في الساحة الإيمانية ما زالت ارتداداته ماثلة فاعلة، ما كان ليكون إلا بعد معركة كبرى حشد فيها الطرفان طاقاتهم وإمكانياتهم، وعبأوا قواهم وأنصارهم، المرجعية والحوزة العلمية والأصالة الشيعية في جبهة، والحركة الإسلامية بأحزابها ومؤسسات النظام الإيراني في أخرى، مع هؤلاء التيار الحداثي العلماني (التنويري والعقلاني)، ومع أولئك جمهور الشيعة وعامة المؤمنين المعظِّمين لمقدساتهم والمتمسكين بعقائدهم وولائهم لأهل البيت علبهم السلام. ناهيك بالبعد الغيبي، وهو العمدة والأساس في الفهم الإيماني، فالمعركة نشبت في ثغر عزيز على الله وأوليائه، فكان انتصار أهل الحق جزماً، وغلبتهم حتماً.

    عظماء من قمم الهرم العلمي الشيعي، على رأسهم الميرزا التبريزي والوحيد الخراساني والشيخ بهجت والسيد تقي القمي والسيد صادق الروحاني والسيد محمد الوحيدي، ومعهم نخبة من كبار أساتذة الحوزة العلمية وكوكبة من أعلام الطائفة، بذلوا جهوداً مضنية ومجاهدات يعجز القلم عن بيانها، ولا سيما في ظروف القمع الأمني والاضطهاد العقائدي الذي مارسته المحكمة الخاصة برجال الدين (دادگاه ويژه روحانيت)، ووزارة الاطلاعات (المخابرات) الإيرانية، بأداء بلغ في بعض الموارد التنكيل! لكن رجال الله، من تلك القمم حتى أصغر العناصر وأقل العاملين في سبيل الدين، تصدُّوا بشجاعة ووقفوا بصلابة وثبتوا ببطولة، حتى أسقطوا رأس الضلال وعنوانه وطووا صفحة انحرافاته. في المقابل بذلت مؤسسات الجمهورية الإسلامية، الدينية والإعلامية، من سفارات وملحقيات ثقافية وقنوات فضائية ومراكز تبليغية وصحف ومطبوعات، كل جهدها ووسعها لمنع السقوط، ولحقتها الأحزاب الإسلامية التابعة، التي هالها سحب البساط الشعبي من تحتها لصالح الولاء لأهل البيت وحرمة مقدسات المذهب، وبات يهددها في قاعدتها والمنتسبين إليها، فصدر الأمر بمنع تناقل أخبار الحكم بضلال فضل الله وإسقاطه، ومنع تداول الأمر حتى في المجالس الخاصة المغلقة!

    هذه حقائق موثَّقة في بيانات رسمية، وإصدارات منشورة، ورصد صحفي واجتماعي، لن تطمسه دعاوى ومماحكات تحتال بتصوير الواقعة وكأنها من فعل شخصيات هامشية، ضئيلة في خطبها وخطرها، ضامرة في دورها وتأثيرها. ولسان حالها: “شرف لا أدعيه”!..

    وفي الحديث الشريف أنه قيل للصادق عليه السلام: إن عماراً الدهني شهد اليوم عند ابن أبي ليلى قاضي الكوفة بشهادة، فقال له القاضي: قم يا عمار، فقد عرفناك لا تُقبل شهادتك لأنك رافضي. فقام عمار وقد ارتعدت فرائصه واستفرغه البكاء. فقال له ابن أبي ليلى: أنت رجل من أهل العلم والحديث إن كان يسوؤك أن يقال لك رافضي فتبرأ من الرفض فأنت من إخواننا. فقال له عمار: يا هذا ما ذهبت والله حيث ذهبت، ولكن بكيت عليك وعليَّ، أما بكائي على نفسي فإنك نسبتني إلى رتبة شريفة لست من أهلها زعمت أني رافضي، ويحك لقد حدثني الصادق عليه السلام أنَّ أول من سُمِّي الرفضة السحرة الذين لما شاهدوا آية موسى في عصاه آمنوا به واتبعوه، ورفضوا أمر فرعون، واستسلموا لكل ما نزل بهم، فسماهم فرعون الرافضة لما رفضوا دينه، فالرافضي كل من رفض جميع ما كره الله، وفعل كل ما أمره الله، فأين في هذا الزمان مثل هذا؟ وإن ما بكيت على نفسي خشيت أن يطلع الله عز وجل على قلبي وقد تلقبت هذا الاسم الشريف على نفسي فيعاتبني ربي عزَّ وجل ويقول: يا عمار أكنت رافضاً للأباطيل، عاملاً بالطاعات كما قال لك؟ فيكون ذلك بي مقصراً في الدرجات إن سامحني، وموجباً لشديد العقاب عليَّ إن ناقشني، إلا أن يتداركني موالي بشفاعتهم. وأما بكائي عليك فلعظم كذبك في تسميتي بغير اسمي، وشفقتي الشديدة عليك من عذاب الله، أن صرفت أشرف الأسماء إليَّ، وإن جعلته من أرذلها، كيف يصبر بدنك على عذاب كلمتك هذه؟ فقال الصادق عليه السلام: لو أنَّ على عمار من الذنوب ما هو أعظم من السماوات والأرضين لمحيت عنه بهذه الكلمات، وإنها لتزيد في حسناته عند ربه عز وجل حتى يجعل كل خردلة منها أعظم من الدنيا ألف مرة.