• مما يعيبه التاريخ ويتندر به على أهل بغداد حين غزاهم المغول، أنَّ الجندي منهم كان يخط بسيفه أو رمحه دائرة على الأرض، يُدخل في نطاقها أسيره أو أسراه، يتوعدهم بالفتك إن خرج أحد منها. ثم يذهب لشأنه في جمع الغنائم وتناول الطعام، ولربما الاستراحة والمنام! وفي هذه الأثناء يحدِّث الأسير نفسه بالهروب، فيعود ليزجرها على ما تسوِّل له، يحسبها حيلة من الجندي المغولي ومكيدة، فهو في الجوار، لعلَّه يكمن وراء هذا الجدار، أو يترصَّد خلف تلك الدار. يهم آخر بالذهاب لبيته وعياله والإفلات من أسره وإذلاله، فيردُّ على رغبته بإدانة التهور وتقبيح الاندفاع، فالمغولي بدا عاقلاً يحسب لمآل الأُمور، ويدرك أنه في غير ميدانه، بعيد عن وطنه، ولا بد له في ساعة أن يحتاج لنا في أمر نقضيه له، أو لشأن من استقرار ملكه ومنع الفوضى عن بلاد فتحه، فيُبقي علينا لذلك ولن يهلكنا، من هنا فالأمل بالخلاص أرجح من المغامرة والصبر أجدى من التهور.. فيبقون في مكانهم حتى يعود المغولي ويقطع رؤوسهم، أو يبيعهم للنخاسين عبيداً أرقاء وبضاعة مزجاة!

    تُرى بمَ تفرق هذه الحالة عن وضع محور المقاومة في جبهات سوريا ولبنان وإيران، عندما امتدت الحرب وانقلب “الإسناد” إلى جبهة قتال حقيقية، وأخذت الضربات الإسرائيلية تتلاحق على القرى والبلدات اللبنانية؟!

    كان الحزب الذي دخل “الدائرة” التي رسمتها أو استدرجته إليها إسرائيل طوعاً، بين الإقدام على ردٍّ يردع، والخوف من تصعيد لا طاقة له به، بين الحفاظ على مخزون السلاح والذخيرة لحرب قد تطول، ورجاء تدخُّل دولي يكبح جماح العدو ويوقف تماديه… استمر الحزب ملتزماً البقاء داخل “الدائرة المرسومة”، حتى قضت إسرائيل على حماس وانتهت من غزة، فتوجهت شمالاً متفرغة للبنان! كل ذلك في أداء علني تواكبه تصريحات صحفية وتغطية إعلامية مصوَّرة، بلا خفاء ولا مراء! والحزب يباهي بإنجازات “الهدهد” واصور يلتقطها لموانئ حيفا ومطاراتها ومعسكرات العدو وثكناته، ثم بضربات يوجهها لعمود زُرع على السياج الحدودي، نُصبت عليه أجهزة مراقبة ورصد، فلا تسقطه!

    إن الرقم الحاسم في القيادة والدور الحقيقي الذي يميِّز القائد عن غيره، والملَكة التي يجب أن يتمتع بها دون الجندي البسيط أو المدني المغلوب على أمره، هو القدرة على اتخاذ القرار، والشجاعة في الإقدام على ردع العدو، وإرجاع الحرب لمعناها الحقيقي، بعد الهزلي الاستعراضي الذي كانت فيه، وهذا ما لم يكن!

    بل هذا ما قامت به إسرائيل وبادرت إليه،  فاستهدفت المستودعات ودمرت سلاح الحزب وهو في مخازنه، أعطبت الصواريخ قبل تشغيل بطارياتها، ودمرت المدافع والقذائف قبل أن يتسنى إخراجها ونقلها إلى مرابضها، وقتلت القادة وهم في مكاتبهم في بيروت أو مقراتهم المتأخرة عن الخطوط الأمامية للجبهة، وتمت تصفيتهم وهم في دورهم وبيوتهم في الضاحية! يقال أن بين الشجاعة والتهور خيط رفيع، ويقال أيضاً أن الخيط نفسه هو الذي يفصل بين الحكمة والجبن، أو بينها وبين الغرور والغباء. 

    لم تكن المأساة في الدقائق الثلاث التي أخرجت ثلاثة آلاف مقاتل من الميدان، قتلتهم أو ألحقت بهم إعاقة أقعدتهم، عبر رسالة إلكترونية واحدة في ملحمة “البيجرات”، ولا في إسقاط مروحية رئيسي وقطع سبل إنقاذه بالعجز عن تحديد مكانه، ولا بالقضاء على قادة الصف الأول والثاني والثالث، مع أمينهم العام، وكأنهم قرابين تساق إلى المذبح، مستسلمة لقدرها، عاجزة عن الدفاع عن نفسها، قهرت قبل أن تشهر سيوفها وتملأ سماء إسرائيل وتحجب عنها الشمس بصواريخها! 

    إنما المأساة في دعوى تمكين المهدي عليه السلام وتجهيزه بالسلاح وتوفير أسباب ظهوره! وهم يتصورونه في عقيدتهم حيث يصفونه من الصفات، وينزلونه من الإمكانيات، ويحسبونه من الطاقات والقدرات، ثم يرجون أن يصدِّقهم في دعواهم، كما يصدقهم سذج المؤمنين في مقولة التمهيد لظهور المهدي!

    في الحديث الشريف عن مأمون الرقي قال: “كنت عند سيدي الصادق عليه السلام إذ دخل سهل بن الحسن الخراساني، فسلَّم عليه ثم جلس. فقال له: يا ابن رسول الله لكم الرأفة والرحمة، وأنتم أهل بيت الإمامة، ما الذي يمنعك أن يكون لك حق تقعد عنه!؟ وأنت تجد من شيعتك مئة ألف يضربون بين يديك بالسيف!؟ فقال له عليه السلام: اجلس يا خراساني رعى الله حقك. ثم قال: يا حنيفة، أسجري التنور.  فسجرته حتى صار كالجمرة وابيض علوه، ثم قال: يا خراساني! قم فاجلس في التنور! فقال الخراساني: يا سيدي يا ابن رسول الله لا تعذبني بالنار، أقلني أقالك الله! قال: قد أقلتك. فبينما نحن كذلك إذ أقبل هارون المكي، ونعله في سبابته، فقال: السلام عليك يا ابن رسول الله، فقال له الصادق عليه السلام: ألق النعل من يدك، واجلس في التنور. قال: فألقى النعل من سبابته ثم جلس في التنور. وأقبل الإمام عليه السلام يحدِّث الخراساني حديث خراسان حتى كأنه شاهد لها، ثم قال: قم يا خراساني وانظر ما في التنور، قال: فقمت إليه فرأيته متربعاً، فخرج إلينا وسلَّم علينا، فقال له الإمام عليه السلام: كم تجد بخراسان مثل هذا؟ فقال: والله ولا واحداً فقال عليه السلام: لا والله ولا واحداً، فقال: أما إنا في زمان لا نجد فيه خمسة معاضدين لنا، نحن أعلم بالوقت”. 

    ومن لطيف الصدف أنَّ السيد حسن نصرالله ادَّعى قبل هذه الحرب بفترة وجيزة أنَّ لديه مئة ألف يضربون بين يديه، ومن سخرية القدر أنَّ القوم يطلقون على الخامنئي “الخراساني”… ثم لا المئة ألف حضروا للقتال، ولا الخامنئي دخل التنور، فتأمل!

  • هناك عالم خفي، موازٍ لعالمنا المشهود، يخفق فوق رؤوسنا ويواكب حركتنا، يجللنا من حيث لا ندري، ويسبح في سمائنا ولا نراه، يحرِّك الأسباب بعد أن يبعثها، ويدير المقادير بعد أن يقضي بها. وفي مقاربة قد يفهمها السياسيون، هو العالم الوحيد الذي تحكم فيه “حكومة الظل”، لا تكتفي بالنقد والمعارضة من خارج السلطة، ولا بالنشاط الافتراضي بعيداً عن أروقة صنع القرار!.. يداوي المريض بالصدقة، يدفع البلاء بالفداء، يطيل العمر بصلة الرحم، يطهِّر البيت بدخول الضيف، يرزق الأُمم والمجتمعات والحكام بالتزام الحق “وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقاً”، ويمكِّن الدول بإقامة دينه “ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم”، وليس التزام الحق والعمل بكتب السماء والاستقامة عليها، إلا في تعظيم آل محمد، أحباء الله وأولياؤه، وأوداؤه وأصفياؤه، التزلف لهم والتقرب منهم، فهو ما يحقق رضا الله ويورث خيره وينزل نعمته ويرسل بركته. دع عنك الأسباب الظاهرية: النسخة المطوَّرة أو الإصدار الجديد من الربيع العربي، وتأكيد “حقوق” الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الثانية، حين استُبعد الروس في سايكس بيكو بسبب الثورة البلشيفية، بخارطة محدثة للشرق الأوسط، وإعادة استبعادهم اليوم لغزوهم القرم وحربهم أوكرانيا! ودع عنك منابع النفط والأسواق وطريق الحرير والخطر الصيني، وما إلى ذاك من علل منطقية وعوامل فاعلة في مجريات الأُمور ووقائع هذه الأيام… لا يُنكر ذلك ولا يُغمض، ولكن في الوقت نفسه هناك حقيقة عظمى ستفرض أرقامها في المعادلة، وتنفذ من خفي المسالك والدروب بما يخترق تفكير صنَّاع القرار، ويتحكَّم في إرادتهم ويلهمهم في إدارتهم، فتُدار وتنعطف إلى ما يخدم الإمام من آل محمد، السلطان الحقيقي لهذا الكون والولي المطلق لهذا الوجود!

    يروى أنَّ السلطان العثماني مراد الرابع، في غمار حملته لاستعادة العراق من الحكم الصفوي، توجَّه لزيارة النجف الأشرف، فلما قرب منها ولاحت القبة الشريفة، ترجَّل أحد الوزراء الإنكشاريين الذين كانوا معه عن فرسه، وكان يتشيع في الباطن، فسأله السلطان عن السبب؟ فقال هو أحد الخلفاء الراشدين، نزلت إجلالاً له. فقال السلطان: وأنا أنزل أيضاً تعظيماً له. فقال بعض النواصب الذين في معيَّته: إن كان هو خليفة، فأنت أيضاً خليفة ووالٍ على المسلمين، والحيُّ أشد حرمة من الميت! فتردَّد السلطان، ثم تفأل بالقرآن فكانت الآية: “فاخلع نعليك إنك بالوادِ المقدس طوى”، فترجَّل واحتفى، وأمر بضرب عنق الذي نهاه! وأنشد بعضهم في الواقعة: تزاحم تيجان الملوك ببابه * ويكثر عند الاستلام ازدحامها. إذا ما رأته من بعيد ترجَّلت * وإن هي لم تفعل ترجَّل هامها.

    في فهم ذوي البصائر والقراءة الروحانية النورانية، واستجلاء ما يدور في عالم الغيب وعلى صعيد التدبير الإلهي الخفي، هناك علَّتان للثورة السورية، وما انتهى إلى انهيار النظام البعثي وسقوط الدولة الأسدية، الأول: حشد الإرهابيين التكفيريين من شتى بقاع الأرض، تجنيدهم وإرسالهم إلى العراق، ليفسدوا في الأرض ويسفكوا الدم الحرام ويهلكوا الحرث والنسل. والعلة الثانية كانت في هتك حرمة الحرم الزينبي! فبعد خمسين عاماً من الحكم كانت منطقة السيدة هي الأسوأ في سوريا على صعيد الخدمات البلدية والصحية والأشغال المدنية والكهرباء والماء.. كانت أكوام القمامة تسدُّ الشوارع وأزقة الحارات، وكأنها تتظافر مع أسوأ تعبيد للطرق عرفته الشام في إلحاق الأذى بالزائرين والمجاورين، لا ينافس هذا الوضر إلا فساد البلدية التي لم يعفَّ موظفوها عن استثمار مداخل الحرم الشريف “أرضيات” لعربات الباعة المتجولين، تزاحم الزوار وتضيِّق عليهم ما استطاعت، لا يوفرون سبيلاً للأذى ولا حيلة لإهانة الحرم الشريف إلا عملوا به وعمدوا إليه!

    حتى إذا كانت الحرب بين المعارضة والنظام، تحركت إيران لنصرة البعث، تحت عنوان الدفاع عن الحرم الزينبي والعتبات الأخرى في بلاد الشام، وشعار “لن تسبى زينب مرتين”! وهي خدعة كبرى انطلت على جملة من الشيعة السذج، حملتهم على الاصطفاف مع النظام ضد الثوار، الذين لم تكن نوايا جميع فصائلهم بريئة، ولا كانت مقاصد التكفيريين منهم نزيهة!

    على أي حال بعد فشل الثورة في جولتها الأولى، التي حسبها القوم النهاية، صار الحزب هو المتولي الشرعي للحرم الزينبي الشريف، والناظر على شؤونه وإدارته. ولهذه الخطوة صورة وأداء مأساوي لعله لم يُسبق ولن يتكرر على مدى تاريخ الحرم. فالتولية التاريخية والشرعية كانت لآل مرتضى، وآخر قيِّم فاعل منهم كان المرحوم الدكتور سيد هاني مرتضى، وهو رجل حكومي علماني، كان يتعامل مع الحرم كمورد مال ووجاهة، ويد لوزارة الأوقاف التي كانت تتحايل بشتى الطرق والذرائع للتضييق على أنشطة الحرم وزوَّاره! وبعد ردع الإرهابيين التكفيريين و”الانتصار” الذي قيل أن الحزب حقَّقه، انتقلت عملياً الولاية والنظارة على الحرم إليه، وهنا دخل الحرم في حقبة جعلت الزوَّار والمجاورين الذين كانوا ينتقدون الأوقاف السورية وآل مرتضى، يترحَّمون على تلك الأيام، على طريقة: “فيا ليت جور بني مروان عاد لنا، وليت عدل بني العبّاس في النار”. فليت ظلم الأوقاف وآل مرتضى دام لنا، وليت عدل حزب الله في النار!

    ومن المفارقات المؤلمة على هذا الصعيد أن منطقة السيدة زينب من ريف دمشق، على الرغم من الكثافة السكانية الشيعية، والحكم العلوي الممتد لخمسة عقود، لم تسمح السلطات ببناء مسجد واحد للشيعة فيها، حذراً من إثارة النعرة الطائفية، وحفاظاً على الهوية المذهبية لعاصمة الأمويين! وكانت طلبات البناء ترد بأن لكم الكفاية في الحرم الزينبي الذي تقام في مصلَّاه الجماعة… وفي استثناء تاريخي شكَّل سابقة، مُنحت ممثلية الخامنئي في الحوزة الزينبية، ترخيص بناء مسجد، اختار له ممثل ولي الفقيه عند وضع حجر الأساس لبنائه اسم “جامع الإمام الخميني”، وقد توجه جملة من وجهاء المنطقة وأعيان الشيعة فيها، بما فيهم أصحاب الحسينيات ومدراء المدارس وممثلي المراجع العظام، بالنصيحة لتجنب التسمية أي مدلول سياسي أو ما يثير نعرة ويشكل استفزازاً، فهو دار عبادة يفترض أن يجمع المؤمنين كافة، وأن يُطلق عليه اسم واحد من أئمة أهل البيت، وكان الرجاء أن يكون الإمام زين العابدين، أو أحد الصحابة الموالين كعمار بن ياسر أو حذيفة بن اليمان، فلم تلق النصائح والتمنيات أُذناً، فالقضية في قاموسهم إتجار سياسي، واستثمار واستئكال، حتى سقطت الدولة ورحل القوم، وها هو يتحوَّل إلى جامع السيدة عائشة!

    في الرؤية الإلهية الغيبية، لا المادية الحسية، لم يكن ترامب هو الذي أردى سليماني، ولا إسرائيل هي التي قتلت نصرالله وأنهت حزب الله، ولم تكن هيئة تحرير الشام والجولاني أو الشرع هو الذي أسقط بشار الأسد، ولا تركيا وأمريكا هي التي أنهت حكم البعث في سوريا، هذه علل ظاهرية وأسباب سطحية… فالعلة الحقيقية كانت تدبَّر في السماء، وترجع إلى الشقاء قبل الغباء، تماماً كما لم تكن البطنة ولا المرض هو الذي قتل معاوية، ولا الزمهرير أو داء الأُكلة هو الذي أجهز على الحجاج، بل هو دم حجر بن عدي هناك، وظلامة سعيد بن جبير هنا، والمؤلم أن شقياً مثل الحجاج، أدرك هذه الحقيقة، فمات وهو يردد “ما لي ولسعيد”؟ بينما الخامنئي يمضي في مسيرته غير عابئ ولا مكترث، ويحشد لجنازة سليماني، حتى يُهلك التدافع في زحام التشييع أكثر من خمسين نفس محترمة، فلا يطرف له جفن!.. إنه اليتيم الذي فقد أباه في تفجير الكرادة الذي ضرب منطقة تجارية تعج بالمتسوقين المدنيين في الأيام الأخيرة من شهر رمضان 2016، حين تسببت سيارة مفخخة في اندلاع نيران هائلة في السيارات والحافلات والمتاجر، نتج عنها مقتل أكثر من 292 وجرح أكثر من 200 شخص، إنها فجعة الأُمهات الثكالى وحسرة الآباء المنكوبين وآهات الأقارب والأصدقاء على مصرع الأحبة الأبرياء. ومن نافلة القول أن هذا لا يعفي أي مباشر للقتل أو الجريمة من المسؤولية، لكنها إلفاتة لسلسلة العلل في عالم التكوين، وخضوع هذه الدائرة للإرادة الربانية، ورجوعها ـ مهما تمردت وشطَّت ـ للسنن الإلهية وفق قاعدة: إنَّ الله يمهل ولا يهمل، وقبلها: “بشر القاتل بالقتل ولو بعد حين”! إنها نقمة “العالم الموازي”، سهام الغيب تقدم من سخط الله على من خرج عن عصمته وولاية حجته عليه السلام، إلى ولاية الخامنئي ودولته. إنه الحزب الذي تاجر بقصَّة سبي الحوراء، ورفع شعارات طائفية وهو ينتصر لفضل الله الذي نكأ جراح أهل البيت وجدَّد آلام الزهراء، فلا يلتفت لتدليسه أحد، ولا يرفع صوته بالنكير غيور! يتباكى على حرم العقيلة وقد قلبه مسرحاً لاستعراضه ومحترَفاً لصوَر زعمائه وشهدائه، قطع عنه شعائر العزاء، بالتضييق على الهيئات والخطباء، وأخذه إلى المهرجانات والاحتفالات، فكانت النتيجة أن سُلب هذا الفخر، وزوي عنه هذا الشرف…

    “الذين إن مكنَّاهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر”، لقد مُكِّن الحزب من الحرم لسنين معدودة، هي أيام في تاريخه، فعاث فساداً، وجال ضلالاً وإضلالاً، قلب البقعة الطاهرة والعتبة المقدسة مركزاً ومقراً حزبياً، وصيرها نادياً لكل نشاط وفعالية، إلا الزيارة والعزاء، الوظيفة الأولى والأصلية لهذا الصرح الملكوتي، “ولئن أمهل الله الظالم فلن يفوت أخذه وهو له بالمرصاد على مجاز طريقه، وبموضع الشجا من مساغ ريقه”…

    لم يرتبط التشيع يوماً بدولة، ناهيك بحزب، فكيف إذا كانت حركة على غرار الحشاشين والقرامطة، يحمل عقيدة خاصة هي فذلكة وتركيب مبتدع، يجمع مدرسة الإخوان وفكر شريعتي، ثم يلتقط من مذهب أهل البيت ما يوافقه، وينبذ ما لا يستسيغ…

    أهم معطيات الأزمة التي لا يمكن أن تقبل سنن التاريخ بأدنى منها: طي هذه الصفحة السوداء من تاريخ أُلحق زوراً بالشيعة، وإنهاء حقبة دفعتهم ليبذروا في مجرى السيل ويبنوا على جرف هار ويقيموا في هاوية!

  • لا غضاضة أن يرغب المرء في الفوز ويرجو الظفر والنصر، ولا يعيب المؤمن أن يحب ذلك ويتخذه أمنية وغاية، فطلبه فطرة بشرية وطبيعة إنسانية، لكن دون أن يتمادى الأمر ويطغى على النية وقصد القربة، فهذه آفة قد تفسد العمل وتبطل السعي. أما إذا تحوَّل النصر إلى شاهد على الحق، واتُّخذ دليلاً على رضا الله، فهذا انحراف خطير ينم عن تردٍّ روحي، وخلل عقائدي.

    إن القوة والكثرة والنصر والغلبة ليست أدلَّة على الحق، ولا هي علامات على رشد المسلك وصواب المذهب، قد يكون المرء أو الجماعة أو الطائفة، مغلوبة مهزومة، مستضعفة مقهورة، قليلة صغيرة، وتكون ـ في نفس الوقت، وهي على تلك الحال ـ محلاً للرضا الإلهي، بل حاملة له وناهضة به، وحاضنة للحق ومن يمثله في الأرض. هذا المفهوم الديني الذي كان حتى الأمس القريب مسلَّماً به في الوسط الشيعي، يبلغ البديهة التي لا تحتاج إلى استدلال، مرتكزاً في الأذهان إلى حدود اليقين… أسقطته أحزاب الحركة الإسلامية وأرباب الحداثة الدينية، وأطاح به التيار الثوري، وقلَبه لصالح فهم آخر! بمغالطات صوَّرت الضعف في حديث “إنَّ الله تعالى ليبغض المؤمن الضعيف”، وحوَّرت العزَّة في قوله تعالى “ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين”، على غير الوجه الصحيح، في جملة ما قلبت من مفاهيم دينية، أنزلتها حيث شاءت من خطابها الحداثي الحركي الثوري. وراحت في هذا إلى حدود التخبُّط الذي يتنكَّر لتاريخ الشيعة والتشيع، مرتكزة على مقاطع استثنائية، وحقب عابرة، خرجت فيها الطائفة عن حالة حَكَمتها فصارت سِمَتها منذ العاشر من محرم عام إحدى وستين، بل منذ وفاة رسول الله وتخلُّف الأُمة وانقلابها على بيعة الغدير. حتى عاد اليوم ليتسرب إلى النفوس ويغلب العقول، ويستقر فيها أن القهر والهزيمة والضعف والعجز والقلة، علامة على بطلان النهج! وأن لو كان الله مع قوم لنصرهم، ولو كانوا على الحق لما هزموا. الفكرة التي كانت تغذي الواقع المتردي الذي واجه دولة أميرالمؤمنين وشاغلها بالصراعات والحروب الداخلية. ولك أن تتصوَّر المعاناة من الإرجاف والارتياب الذي كان يُبث ويُشاع، والعبث الخطير في هذا المفهوم، من كلمة الصحابي الجليل عمار بن ياسر يوم صفين، حين خرج، وهو شيخ كبير طوال قد أخذ الحربة بيده، ويده ترعد، كما تذكر الرواية، فقال: “والذي نفسي بيده لقد قاتلت بهذه الراية مع رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاث مرات، وهذه الرابعة، والذي نفسي بيده، لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر، لعرفت أن صاحبنا على الحق وأنهم على الباطل”.

    من الكوارث الفكرية والمآسي العلمية، إقحام الحسِّ والمادة في الفهم الديني، والتعاطي مع المعارف الإلهية، بل السلوك الروحاني والعبادة والطاعة، بجمود وصلافة، ولغة تجارية وسياسة تعتمد الكسب وتراعي المصلحة. كل ذلك باسم البناء على العقل والتأسيس على المنطق… ما صنع بُنية متداعية وخلق بيئة مريضة وفضاءً موبوءاً، من أبرز معالم انحطاطه أنه يرى البكاء ضعفاً وذلة لا فخراً ورقَّة، فهو صفة النساء، ولغة الخوَر، وعلامة الضراعة والهوان، وأخطر مؤشرات ضلاله أنه يحسب الدعاء والابتهال فشلاً وعاراً لا سلاحاً وعزّاً! ذلك أنه ـ في قاموسهم ـ حيلة العاجز ووسيلة المهزوم الخائب! أما الاعتراف بالعجز وعدم القدرة، والإقرار بالضعف وقلة الحيلة، فهو عين الاندحار وقمة العار، وذروة الهزيمة والفرار!

    إنَّ ما قامت به الحركة الإسلامية والنظام الديني في إيران من زرع الزهو والفخر، ورعته من غرس الغطرسة والطغيان في نفوس هزيلة، غذتها وأذكت الغرور والخيلاء فيها، صنع نماذج خاوية خائرة، من الوهن والضعف ما لا تعف عن نظرة حرام، ولا تأنف من مال حرام، فكيف بهذه الأثقال والأعباء العظام؟! أهملت تهذيب النفس وغادرت جبهة الجهاد الأكبر، وراحت تنفخ وتزرِّق ما أورث القاعدة تخلفاً عقائدياً مهلكاً، وتردياً روحياً فاضحاً، يعيش أحدهم زهو الملوك، ويمضي في غطرسة الطواغيت وخيلاء الجبابرة، وهو ـ في واقعه، كما تبين وظهر ـ مسكين عاجز مغلوب! إنه عطاء ثقافة إخوانية شريعتية، ولك أن تنسبها إلى من شئت، لكنها ليست إمامية إثني عشرية، أفكار تتجاهل سيرة الأئمة الأطهار وهم أعظم خلق الله، كذا الأنبياء والصلحاء، وحتى كبار المصلحين في التاريخ، الذين اعترفوا ـ في غير فترة ومناسبة ـ بالضعف والعجز، واستسلموا لسلاطين أزمنتهم وأباطرة أيامهم وطواغيت عصورهم، لم يأخذهم الفخر والعزة بالزهو، ولا غلبهم الكبر والاستعلاء.

    إنها التربية الخاطئة والنشأة المنحرفة والتلقين الحزبي والفضاء الإعلامي المغلق الذي قاد إلى هذا الهلاك والدمار، ما زالت القيادة، العليا في طهران، والسفلى في لبنان، ومن بعدها فتات ولقاط وسقط متاع في بلاد الخليج وأحزاب العراق، لُقنوا ذلك وأُشربوه، حتى آمنوا به وصدَّقوه، نفخ وضخ يوهم بالقوة والقدرة على تحقيق الانتصارات، أورث تباهٍ وخيلاء، وغطرسة وتجبُّر لم يجعل في حسابه أن ما يحققه قد يكون من الكيد والاستدراج نحو ضربة قاصمة قاضية، أو مما أخلاه العدو من ميادين ونطاقات، لهدف وغرض، ولربما للهو وعبث، كما تسمح لطفل أن يسبقك أو يصرعك، تتأوه من ضربته “الموجعة”، وتتباكى من “هزيمتك” الماحقة، علَّه يشبع غروره ويطفئ تعطشه، يعود إلى مكانه ويلزم حدَّه، فلا يسرف ويغرق!

    فاعرف السر في تغليظ شرائط المرجعية، والتشدُّد في عدالة القيادة. لا بدَّ من نفس مرتاضة وروح مهذَّبة سامية، وعين مشبعة لا ظامية وملأى غير فارغة، تنفتح لها البصيرة وتنحدر عليها الألطاف الخاصة وهي تتصل بقناة الفيض الإلهي: النيابة الحقة عن صاحب العصر والزمان. ذلك أننا حين نستخف بشعائر عزاء سيد الشهداء، فنحن نغلق بأيدينا أبواب السماء، وعندما نزدري المقدسات، ولا نرى قيمة لمقامات وخصائص الأئمة، ننسفها نسفاً ولا نرى لها خطراً وخطباً، فنحن نصدُّ عن الناحية المقدسة ونعرض، بل نظاهر بحرب ساكنها “القاعد” عن القيام، و”الساكت” عن الظلم والقهر وما يعصف بالدنيا من جور وبغي وطغيان! ثم نرجو أن يجبر ضعفنا ويعوِّض نقصنا، وينصرنا بجنود الغيب، الذي نمتهن ونستخف ونسخر!؟

    قبل ألف وأربعة مئة سنة، قال أميرالمؤمنين عليه السلام: “الزموا الأرض، واصبروا على البلاء، ولا تحركوا بأيديكم وسيوفكم في هوى ألسنتكم، ولا تستعجلوا بما لم يعجل الله لكم، فإنه من مات منكم على فراشه وهو على معرفة حق ربه وحق رسوله وأهل بيته مات شهيداً، ووقع أجره على الله، واستوجب ثواب ما نوى من صالح عمله، وقامت النية مقام إصلاته بسيفه، فإنَّ لكل شيء مدة وأجلاً”… ومن نافلة القول أن هذا لا يعني التخلي عن الأحكام الشرعية في وجوب الدفاع عن النفس والعرض والمال، إنما هو إعادة تنظيم لخطاب تحرير القدس والصلاة في الأقصى، الذي تهدر في سبيله كل هذي الدماء، وتهدم الدور والبيوت، وتُدمَّر القرى والبلدات، وتشرَّد المخدرات، وتبتذل الكرامات في الطرقات.

    غابت ثقافة الانتظار وسادت روح القوة والسلطة والانتصار، فطغت الشيطنة وغلبت، تمرَّد الشباب، وظهرت دولة الصبيان وحكومة الرعيان، حفنة من مُحدثي النعمة في عالم الزعامة والسلطة، استفاقوا على دولة عريضة وميزانيات خرافية، وقاعدة مطيعة مضحية، فما عادت تسعهم ثيابهم، ولا تحملهم أرضهم. والبلاء أننا جميعاً علينا أن ندفع الثمن ونتحمل الكُلفة، من عدو طائفي حاقد لا يميِّز بين الإنسان والحجر، ولا يفرِّق بين حق الدفاع عن النفس والمال والعرض، وبين شيطنات سياسية ومناورات تقدم من عالمه وتجري على شاكلته!

    عندما تعجز النوائب عن تذكيرهم بالله، وتخفق الكوارث عن أخذهم للتوبة والإنابة، فإن هذا التيار يكون قد كتب على نفسه الهلاك والهزيمة، وإن خلص ونجا، وأبقت حكومة العالم الخفية على شيء منه وبقية، فهذا لحاجة في نفسها وغرض طالما خدمها!

    على طريقة الوليد بن عبدالملك الذي استفتح بالمصحف الشريف فكانت آية: “واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد”… فأمر بقوسه وأنشب فيها وجعل المصحف غرضاً، ثم سدَّد نحوه وهو ينشد: تهددني بجبار عنيد؟ فها أنا ذاك جبار عنيد، إذا ما جئت ربك يوم حشر فقل يا رب مزَّقني الوليد! يبدو أن الخامنئية يشعرون، أو أنهم يجيبون على من ينادي أن السبب الغيبي والداعي الحقيقي لما يجري عليهم اليوم يرجع إلى جرأتهم على حرمات أهل البيت ومقدساتهم… فأرسلوا صعلوكاً من صعاليكهم يقتبس من شعر أبي طالب عليه السلام في النبي صلى الله عليه وآله: وأبيضَ يُستسقى الغمامُ بوجهه، ثمال اليتامى عصمة للأرامل، ليطبقه على قائدهم، ثم يرفعه ليكون حُسينه، ويلحق به نصرالله ليكون عباسه!.. هكذا يصرُّ وصولي متملِّق على العبث بديننا، ويمعن مداهن متزلِّف في النيل من مقدساتنا، يستأكل بها غير متأثم ولا مستعظم! يبرز بالحرب لأولياء الله، بل يتحدَّى الله، يستنزل غضبه ويستمطر نقمته. حتى إذا رأيت قائده يتململ ويطأطئ برأسه، وكأنه لا يرتضي هذا ويأباه، والقاصي قبل الداني يعلم أنَّ النص قد عُرض عليه قبل إلقائه، فليس لصعلوك مثل هذا أن يرتجل ويهرف بما شاء في محضر هذا السلطان… علمت حجم المأساة ومدى الكارثة، ومن أين أُخذنا؟

    باختصار وإيجاز، يبدو أنهم لم يتلقُّوا الدرس، ولا تعلموا من الكارثة التي جرُّوها على الطائفة…

    ليست هذه ساعة إطالة ولا لحظة محاسبة، إنما هي مشورة حرص وإشارة خطر، أن يبادر من تبقَّى من قيادة هذا التيار المنحرف فكرياً، قبل أن يكون عاجزاً عسكرياً وأمنياً وسياسياً، ويعلن استسلامه واستعداده لتوقيع تسوية، تطوي صفحة القدس وقضايا القومية العربية، في مقابل التمسك بالدين والموت دونه، مما راح في سبيله الشهيد الأول والثاني والثالث، وجميع شهداء الفضيلة في تاريخنا الناصع. لن تكون نهاية الدنيا، ولا آخر العالم وخاتمة الحياة، ولندفع الثمن شماتة، خير من إراقة دماء حقنها الله وكرامات صانها. ولكم في سيرة السيد السيستاني أُسوة حسنة، حين توقَّف في المقاومة المسلحة للاحتلال الأمريكي، ثم أفتى بالدفاع ضد من يكيد بعتباتنا المقدسة، يريد هدم قبابها وتعطيل شعائر ومعالم المذهب الحق… عسى أن يقوم من هذا الحزب رجل رشيد، ينتفض ويعلن تمرده على قائد لا يعبأ أن يُقتل شعب بأسره ويشرَّد، في سبيل أن لا تُكسر كلمته، فيتراجع عنها ويسجَّل مهزوماً مغلوباً؟! 

    ليس الأمر من تهالك على الدنيا وتشبث بها، بل هو الحرص على إصابة الحكم الشرعي، والتثبت من “الراية” التي نكثِّر السواد تحتها، والدعوة التي نخدم ونضحي في سبيلها. وإلا فهذا الحطام الزائل والعمر العليل الراحل، لن تقصِّره حرب ولن يطيله سلم. 

  • من أخطر ما يواجه الأُمم والمجتمعات، ويتهدد المدن والحضارات: الغفلة عن السخط الإلهي، أو قُل عدم إدراك بوادر السخط ونذُر الغضب وما سيحلُّ على العباد والبلاد من نقمة وعذاب! يلوح في أُفقها فلا تلمحها، ويسطع في سمائها فلا تراها، ويبرق في غيمها فلا يجتذب من أهلها الأنظار ناهيك بأن يختطف منهم الأبصار، حتى يحلَّ وينزل ويجتاح ويزلزل! والتحدي الأكبر هنا لدور الطلائع والروَّاد، ولا سيما القائد الأعلى والآمر المطاع، وهو ما يحدد فيه الشروط ويرسم المواصفات، وعمدة ذلك، بعد العلم والعدالة والحكمة والحنكة، ومعرفة الزمان، برجاله وحوادثه وما يحاك ضد دينه وأُمته، ثم كمالات الشجاعة والتواضع وسعة الصدر والخبرة في التدبير والقدرة على إدارة الأزمات… بعد كل هذا وذاك: التمتع بروح شفافة مرتاضة وقوى روحية متعادلة ونفس سامية متعالية. ما يمكِّن الرائد والقائد من التقاط الإشارات واستقبال العلامات وتلقي الوَمضات، وتَعرُّف الموارد والشوارد، وتحسس الخطوب، وتَبيُّن السُّبل والمقاصد، وتمييز الصوَر والأشكال عن الحقائق والجواهر، والمظاهر عن المخابر، لا تغرُّه هذه فينخدع بها عن تلك، هكذا يتنزَّه عن التوافه ويعرض عن الأسقاط والسخافات، وينصرف إلى العظائم الجلائل والجسائم الخطيرات، وينأى بأتباعه عن التردي والانحطاط، وينقذهم من الهلاك، ويأخذ بأيديهم في سبيل النجاة.

    وإنما هلكت الأُمم وماتت المجتمعات، لما تسالمت مع الباطل فظهر، وهادنت الزيغ فغلب وقهر، سكتت عن المنكر فشاعت الفاحشة، حتى إذا تمكَّنت واستحكمت، انقلبت معروفاً وصار النهي عنها منكراً مرفوضاً! وليس الأمر في أضراب الربا والخمر والزنا فحسب، بل يسري إلى الأفكار ويجري في المعتقدات، وأخطرها على الإطلاق صرف الولاية عن أهل بيت النبوة والتنكُّر لحقهم وما حباهم الله من خصائص وصفات ووهبهم من مناقب وكمالات، فقوله تعالى “ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس”، يحكي الحال في الصدر الأول، كما عن الباقر عليه السلام: “ذلك والله يوم قالت الأنصار: منَّا أمير ومنكم أمير”. والأحكام يومئذ ظاهرة نافذة والحدود جارية، الصلاة مُقامة، والصيام بالتزام، والحج بلا تعطيل وانقطاع، والنساء متجلببات بالحجاب، لا حانات وخمَّارات ولا مواخير ودور بغاء، غاية ما هناك أنهم انتكسوا في الولاية وتخلَّفوا عن حق أميرالمؤمنين، فتحقق “ظهر الفساد”!..

    تُرى، هل العبث بالحوزة العلمية والمرجعية الدينية أو النيل من الشعائر الحسينية، تعطيل هذه وهتك وابتذال تلك، أو الدسُّ والبدعة فيها، وأخذها في صراعات مُهلكة وإشغالها بأزمات خانقة، خطْب يتطلَّب وقفة وتصدياً، وقضية توجب اصطفافاً ومواجهة؟ أم هو أمر جزئي عابر لا ينبغي اللبث عنده والمكث عليه؟! وكذا التشكيك في ظلامة الزهراء، هل هو كارثة تقتضي النهضة والقيام، وتوجب الاصطفاف وتستدعي الانتفاضة والصدام؟ تفرض نشر البيانات وتأليف الكتب وإصدار الفتاوى والأحكام؟ أم هو أمر هامشي ثانوي، لا يسوغ أن يشغلنا، فنسمح لـ “التاريخ” أن يصرفنا عن حوادث زماننا وما نعيش من قضايا عصرنا وأزمات فاعلة في سائر شؤون الحياة؟! هل من الحكمة الانشغال بأُمور دينية خلافية يعود متعلقها إلى ما تنطوي عليه النفس، وترجع فاعليتها وتأثيرها إلى يوم القيامة والحساب في المعاد؟ ألا يحكم العقل بأولوية أُمور دنيانا ومعايشنا، وفي طليعتها السياسة والاقتصاد وشؤون الدفاع، وعرض الدين من خلال قدرته على معالجة هذه الأزمات والموقف منها؟

    تُرى ما هي الإجابة الصحيحة المحقَّة على هذه التساؤلات؟ بل قل أين وجه المغالطة في طرحها والمكيدة في إثارتها؟ ولا سيما مع ما نلاحظه ونشهده من أكثر هذه القضايا سخونة وكُلفة (في إراقة الدماء وهدر الأموال وخراب الدور ودمار الأمصار)، حين تعود في نهايتها وتظهر وكأنها مقالب في برنامج الكاميرا الخفية الهزلي!؟ فالتلويح بالحرب والتهديد بنهاية العالم ووقوع ما يقلب شرق الكرة الأرضية على غربها، لا يلبث أن ينكشف كفقاعة أو ألعاب نارية، تخبر العدو بساعة توجيه الضربة، وإخلاء المواقع المستهدفة، لتكون النتيجة واحدة، أصابت السهام أم طاشت، فهذا البحر لا يجيش إلا بموج يهمد على الساحل، وزبَد يذهب جفاء، وهذه ناقة طال بها المخاض فلم تلد غير فأر مختبرات!.. وما زال المشهد يتكرر والأداء يُستنسخ، وما برح الانفعال والحماس من الأتباع في أوجه، وكأنهم لم يلدغوا من هذا الجحر مرَّات وكرَّات!

    وبعد الغفلة عن النُذُر، يأتي الجهل بأنواع السخط والعذاب، يحسبه الغافل منحصراً في صاعقة وزلزلة، أو قحط ووباء، والحال أنه ـ وفقاً لمبدأ الكيد والاستدراج والإملاء ـ قد يكون مالاً وسلطاناً وجاهاً! كما في الآية: “فلما نسوا ما ذُكِّروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أُوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون”، وقوله تعالى: “فذرهم في غمرتهم حتى حين أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون”، وآية: “ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خيرٌ لأنفسهم إنما نُملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين”… إنَّ أزمة الساحة الإيمانية اليوم تنبع من عاملي: الغفلة عن نذُر العذاب والخلط بينها وبين مظاهر الرحمة، ثم السهو عن الاستدراج والكيد والإملاء، وكأن الغضب والعذاب محصور في شكل نمطي ونطاق تقليدي! وترجع إليهما. ولو تدبَّر البصير وتأمل الخبير لرأى أن حلول الغضب ونزول البلاء، بدأ في صورة عجز القائد عن الرؤية الصحيحة والأخذ بالرأي السديد، وفشله في التشخيص، التبسَت عليه الأُمور وتداخلت، فلم يرَ فساد الفاسد، ولا شعر بخطأ قراره وموقفه، ومع أنه أمرٌ بيِّن في بطلانه، جليٌّ في زيغه واعوجاجه، لكنه رآه رشداً وصواباً! ثم تصاعد الأمر وتمادى وتعقَّد لينتقل من الخطأ في التشخيص والإصرار عليه، إلى الذهاب في المكابرة والعناد، ليبلغ الغاية حين تنكَّر للدليل الحسي والبرهان الوجداني، فجحده ولم يره، أو رآه مقلوباً معكوساً، على غرار ما يحكيه المثل: “نعجة وإن طارت”! أما الكارثة فهي في الانتقال من تحقُّق المثَل فيه إلى انطباق الآية عليه: “فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا، بل هو ما استعجلتهم به، ريح فيها عذاب أليم”… بوادر عذاب عظيم يقرب، وطلائع غضب وسخط إلهي يلوح في الأفق، ينتصب كجبل يحجب الرؤية ويطمس الفضاء، وهم يقولون: “هذا عارض ممطرنا”! أما الطامة، ففي الغفلة عن سنَّة الاستدراج والإملاء، فهم يقعون في معضلة وتحل بهم أزمة، فإذا خرجوا منها حسبوا أن الله أنجاهم منها!

    فالقوم منذ دخولهم في محاربة الشعائر الحسينية وهم في دائرة السخط وبؤرة الغضب، تسلَّط عليهم الشيطان واستزلهم، فأخذهم إلى إخضاع الحوزة للدولة وتحويلها مؤسسة حكومية، وصرفهم إلى دعم الضلال ونصرة الحداثة، حتى سقطوا في مركز دائرة البلاء وقعر وادي الشقاء، حين نهضوا بإنقاذ فضل الله وإحيائه بعد الهلاك! وما زالوا يرعون كل من يحارب الأصالة ويُسقط التراث، بما فيه من كنوز أحاديث الأئمة الأطهار ونتاج العلماء الأبرار، ودعم كل ساع وعامل في تمييع الهوية الولائية، برجاء أن تُصرف إلى “ولي الفقيه” والجمهورية!.. وهم يسجلون هذه وتلك انتصارات! وهي، لو يعلمون، نقمات تفوق الصواعق والزلازل، وتتجاوز القحط والوباء والقمل والجراد، حلَّ بهم ونزل، وهم لا يشعرون! بل حتى العقوبات المباشرة ومظاهر الغضب الصريح، لم تتوقف ساعة ولا انصرفت لحظة، فالجمهورية الإسلامية ما انفكت في حصار خانق وتدهور مهلك، لم تر يوماً هانئاً ولا ساعة راحة ورغد، منذ أن ناصبت الشعائر الحسينية العداء وصدرت الفتوى المشؤومة، ما زالوا في دوامات متلاحقة تنال من دنياهم ومعاشهم، لا يخرجون من إحداها حتى تأتي التالية، ما أورثهم بعد الشقاء العناء، ولا من متنبه واعظ، أو متيقظ ناصح!

    وبعد ما يعيشونه من فوضى عارمة في معالم الدين، وتداخل في الأفكار والمفاهيم، ما عادوا يعرفون فيها الله من الجبت والطاغوت، ولا بماذا يؤمنون وبماذا يكفرون، مَن يوالون ومَن يعادون، هل هم إلهيون دينيون، يعتقدون بالغيب وينتظرون المعاد، أم هم ماديون حسيون، دهريون يقولون “إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين”؟ لا يدرون ما هو الأساس في الإيمان، وأين العقل من التسليم؟ وأين الغدير والسقيفة والجمل والنهروان؟ كغراب البين، أراد أن يقلِّد مشية الحمامة، فأضاع المشيتين، حتى ما عادوا يعرفون كيف يعزُّون ويبكون، ومتى يفرحون ويضحكون؟! هناك اضطراب بل انهيار عقائدي، فإن منظومة القيم والأخلاق والمبادئ التي قامت لها الثورة وتأسست عليها الجمهورية الإسلامية، هي اليوم في الحضيض، تراجعت إلى أضيق نطاق، ما عادت ظاهرة شعبية ولا حالة جماهيرية كما كانت في العهد الأول للنظام، وهذه حقيقة ظاهرة في الميوعة والاختلاط والانحلال الأخلاقي، وفي حجم الفساد والسرقة وانتهاب المال العام وما إلى ذلك مما بات مشهوداً لا ينكر. فإلى أين يتجه النظام، وكيف عساه أن يتجنب الغضب وينجو من النقمة؟

    على السيد القائد وأعوانه في الأجهزة والأحزاب التابعة، بل على الشيعة في العالم، وهم يسمعون قرع طبول الحرب، ويشهدون الآلة الحربية للعدو الإسرائيلي تلاحق لائحة الأهداف، وكأنها فرغت من القادة العسكريين بعد الأدمغة العلمية، فتوجهت إلى مخازن الأسلحة ومستودعات الذخيرة، والقوم في عجز تام عن أي رد وانتقام، أن يميزوا ويتبيَّنوا: هل هو أوان “فتح خيبر” أم هي ساعة “صلح الحديبية”؟ هل لأحد غير رسول الله أو الإمام الذي يقوم مقامه أن يحدِّد ذلك؟ هل باتت الدنيا مستباحة من هؤلاء القادة والزعماء؟ هل خلع لقب “الولي” على من ادعاه يحققه بالفعل؟! الحقيقة أن علماء الطائفة وحكماءها وكل بصير فيها، في ذهول من هذا الربط الأهوج والاندفاع الأخرق واللهث الذي يريد أن يلحق بالمعركة الدائرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين بأي شكل! وفي صدمة من الأداء المغتر الذي علَّق مصير إيران ولبنان، ويكابد ليلحق بهما العراق، على طيش حماس ومغامرتها. وما يثير مزيد العجب والحيرة هذا الاندفاع واللهفة من إدارة العتبات والمدن المقدسة في العراق والبرنامج التبليغي في زيارة الأربعين للالتحاق بالركب المتداعي المنهار، والإصرار على الدخول في العمل الانتحاري الذي تقوده إيران وأحزابها، كمسافر أرعن يعدو بكل طاقته لركوب حافلة تهوي في وادٍ سحيق!.. مؤتمرات فلسطينية تخترق الأربعين، لافتات وصور لهنية تلوث أعمدة الإنارة في شوارع مدينة أميرالمؤمنين، وأخرى لقادة في هذا الحزب وذاك، تأخذ الشعيرة في خطاب موجَّه، وتصبها في قالب سياسي، نتيجته الوحيدة الدمار والزوال، واستمطار النقمة والغضب!

    إنهم لا يستأثرون بالقرار الإيراني واللبناني ولا يصادرون دور الطوائف الأخرى بحجج عمالة أحزابها وخيانة قادتها، ولا يصادرون كلمة الطائفة ويسرقون موقف مجموع الشيعة فحسب، بل يعتدون على دور صاحب العصر والزمان، إن كانوا يعتقدون بوجوده.

    لعمري، هل لضيف أن يتصرف في الدار؟ يغيِّر مواضع الأثاث ويبدِّل المتاع، بل يعمد إلى الهدم فيها والبناء؟! الفرق الجوهري بيننا وبين غيرنا في العقيدة بالمهدي، أنهم ينتظرون ميلاده، ونحن ننتظر ظهوره، فهو عندنا حي شاهد ناظر، يراقب الأعمال، ويلاحظ السياسات، ولا سيما التي تمس رعيته وتطال شيعته، فهل الوكالة العامة للفقهاء (ودون إثبات الصغرى خرط القتاد) تسمح بهذا العبث والتدمير؟ هلَّا اكتفى القوم وردعتهم النُّذر عن حلول الغضب ونزول النقمة والبلاء؟!.. يا ليت قومي يعلمون. 

  • من موارد العثرة في الفهم والغفلة عن الفكرة، ومواقع الخطأ في تحليل الوضع الديني وقراءة الواقع الإيماني في العراق، تجاهل تعرُّض الالتزام الديني (الشيعي) هناك للبتر عن جذوره والانفصال عن أصوله، والانقطاع عن تراثه وأمجاده، وأنه بات اليوم ـ في عمدته ـ مُحدَثاً طارئاً، عارضاً طارفاً. الحقيقة التي تظهر في غير موقع وتسري في غير مظهر، كتعداد المراكز الدينية من مساجد وحسينيات ومقامات حيَّة مزدهرة ومدارس دينية ومعاهد حوزوية ومكتبات ومؤسسات بحثية، وكأن عجلة الزمن توقفت في هذه وتلك على ما يخدم نحو خمسة ملايين نسمة (كان عدد سكان العراق عام 1950 يقارب ستة ملايين، في حين أنه اليوم يتجاوز الأربعين مليوناً)، وكذا الحال في قطاع رجال الدين وطلبة العلم، وتواضعه كماً وكيفاً، أما في الشعائر الحسينية والممارسات المذهبية، سواء في كثافتها ومدى انتشارها أو في كيفيتها ونوعيتها، فحدِّث عن انخفاض المناسيب وتراجع المؤشرات ولا حرج.

    هكذا يظهر أنَّ النمو والتطوُّر الديني في العراق يعيش اليوم طفرة كبيرة ويخضع لمنعطف حاد ونمو سريع كثيف، كأنه يستدرك عطباً وتعطيلاً امتد قرابة قرن، يجبر كسراً ويسد ثلماً ناهز الانهيار والزوال والقضاء المبرم!

    العراق مهد التشيع وقلبه النابض، كان في ماضيه عاصمة لعلي عليه السلام، وسيرجع في مستقبله عاصمة للمهدي عجل الله فرجه. منطلق الحوزات العلمية ولبنتها الأولى، مركزها وقاعدتها في بغداد والنجف الأشرف والحلة، وهو بلد العتبات المقدسة ومراقد الأولياء، أبواب السماء ومعارج تنفتح على العرش والملكوت الأعلى، بحر زاخر وتاريخ حافل، موارد بشرية لا تنضب، فرات الولاء ونبعه الفياض، بخصال لا تُبارى وكمالات ولا تُجارى، كرم وشجاعة وغيرة وحمية، ثم ذكاء وألمعية، أفرزت نُخباً فريدة وصفوة متميزة في نوعها وحجمها، وهنا، من بعد، تيار حسيني شعائري عريض، بنى عظمة وشيَّد مجداً، وأقام صرحاً قلَّ له النظير…

    المعضلة في فهم الحالة العراقية تكمن في الغفلة عن البتر والانقطاع، وتجاهل تبعات الانفصال عن المذهب ومعالمه، الذي دام نحو قرن.. بدأ بنزعات القومية والشيوعية، وتلاحق بمقولات الوطنية، حتى إذا وصل الابتذال البعثي، بلغ الانحطاط والانهيار قعره، وتحقق الانقطاع الكامل والبتر الشامل! ثلاثة أجيال متعاقبة نشأت وترعرعت بعيداً عن الهوية الشيعية، في فقهها وعباداتها، وفي شعائرها ومظاهرها، وكل ما يمس روحها ومعالمها! عشرات الملايين من الشباب ألقوا في أتون الحروب، لا يعرفون أوليات الالتزام، لا صلاة ولا صيام، لم يسمعوا مجالس حسينية، ناهيك بالحضور والمشاركة فيها، فشريط “كاسيت” لمجلس حسيني كان يساوي المعتقل والدخول في متاهة إن لم تنته إلى الإعدام، فالتنكيل والاضطهاد والملاحقة في الوظيفة ولقمة العيش… حتى إذا استيقظوا على الدين، اطلعوا عليه من نافذة بعثية، فُتحت في فترة الحصار كمتنفَّس يمنع النظام من الانهيار، يطل على قاعدة مضعضعة وهياكل مهترئة نالت منها ثلاث حروب مدمرة ما نالت!

    إن الشاب العراقي المأخوذ بعاصفة الإعلام وحمَّى الشهرة في دوامة وسائل التواصل الاجتماعي، غريب عن أعماق العبادة في الشعائر الحسينية، وجاهل بأسرار الإخلاص فيها، وكم كان آباؤه وأجداده يعانون في الجمع بين وجوب الإعلان والإذاعة، فهو قوام الشعيرة، وبين ضبط النيات ومنع الرياء! وبعد هذا تراه لا يطيق “ثقيل” عبدالرضا، ولا يدرك عمق “باب من جذوع وثجيلة وزن”، ولا يتذوَّق “جينه ننشد كربلا مضيعينها”، تذوقه وإدراكه للألحان والإيقاعات التي تباهي وتتغنى بالمضايف على امتداد “الوطن”، من الموصل إلى البصرة، فهنا مفردة حاضرة في وجدانه، ثقافة ولحناً، تلقَّاها في المدرسة والإذاعة والتلفزيون، كما لا ينفر من “الله يا دين البهرة”، التي تنساب في وسائل التواصل الاجتماعي، تحملها في عميق خطابها، وهي تسوِّق للتعددية، ما يجعلها مقولة مهضومة، ومفردة مقبولة، ويستغرب المواجهة “الحادة” التي تعرضت لها، وسمحت للرادود أن يحتال، فيسقط الكلمة ويبقى على الفكرة في مشروع الديانة الإبراهيمية!

    هذا جيل لا يعرف عبود غفلة وعبدالحسين الشرع ولا امتدادهما، فمن الطبيعي أن يجتذبه الشور والمور والكور، إنه سليل الانقطاع والبتر الذي نال من هذا الشعب المنكوب، خلافاً ـ على سبيل المثال ـ للخليجي الذي ما زال الجيل المعاصر ينهل من ملا عطية وابن فايز، فالنمو هنا طبيعي والتطور تراكمي، لا يعاني شدَّة الطفرات ولا يكابد حدَّة المنعطفات، اللهم إلا من الأحزاب والمؤامرات!

    على من يريد دراسة الحال في العراق وامتداداته، وفهم ظواهر أزياء الرواديد وتسريحات شعورهم، والتراقص على المنصات، والبرامج التلفزيونية التي تحاكي مسابقات الغناء، وأطوار على ألحان الراب، وجمهور متعطش لتلقُّف ما لُفظ وانحسر في إيران من أنماط محدثة، ليُحتضن ويروج في العراق، كل ذلك تسابقاً على المال والشهرة، وتهالكاً على تسجيل الأرقام القياسية و“الترندات”، وما إلى ذلك من معطيات الطيش والرعونة وفي الأقل الأدنى الخفة وعدم الوقار… لا بد له، باحثاً محققاً كان أو ناقداً، أن يعي تلك الفجوة والفراغ. دون أن يغفل ـ بطبيعة الحال ـ الدور التآمري للدول والأحزاب والتيار الحداثي، وأغراضه في تشويه الشعائر الحسينية، وما يزري بالهوية ويعود بها إلى عهود الظلام والبعثية.

    لم يعد العراق ـ في حقيقته ـ عريقاً في البرهة التي يقطعها اليوم، ولا هو سليل ماضيه التليد وأمجاده الرفيعة، وهو يعيش حالة شبيهة بالواقع الشيعي في لبنان المنفتح للتو (في النطاق الجماهيري العام) في هذا الجيل، على العزاء الحسيني، بعد عقود من الانقطاع والتغييب، فقد الدمعة والجزع، وحصر الأمر في نطاق ضيق لا يتجاوز عشر معشار المجتمع، ثم ـ للعموم ـ في يوم واحد من السنة، سريعاً ما يستدرك ويلحق بـ”الفلة”، أي الفراغ من العزاء والانصراف إلى الحياة والعودة للمعاش!

    من هنا علينا أن نقرأ عزاء “الشور”، ونتعامل معه كظاهرة طارئة في هذا السياق… ومع التسليم بخطأ الظاهرة، بل بالخطيئة في بعض الصور والموارد، إلا أن قطاعاً عريضاً من المؤمنين الولائيين والحسينيين الشعائريين، يتوقفون في آلية المعالجة وطريقة العودة للربط بالماضي والاتصال بالعراقة التي طالما عرف بها عراق المقدسات. والقدر المتيقن أنَّ إدارة العتبة الحسينية غير مؤهلة لهذا الدور، وهناك خطر ومحذور جدِّي، يأتي من كونها مخترقة من حزب الدعوة وعناصر إيرانية تحمل مقولات الحداثة وتسوِّق لها، وهنا سوابق تسجَّل بخجل وعار يندى له الجبين، لم تكن المعازف بين الحرمين أولها، ولن يكون اللطم على غزة في صحن سيد الشهداء آخرها. ولو تنازلنا عن إدراجهم في الضلال ورميهم بالانحراف، فالقدر المتيقن أنهم لا يزنون الشعائر بميزانها، ولا يعرفون حقها وقدرها، ويكفيك في التدليل تبني بيان سيد منير، وتوكيل أمر التبليغ والإرشاد الديني الذي يتولى توجيه عشرين مليون زائر إلى الإشكوري! هذا يعني أن الشعائر والزيارة عندهم لا تساوي دانقاً! فهل يؤتمن هؤلاء عليها؟! لا والله، لا هم ولا أقرانهم في النجف الأشرف، من شعراء ورواديد ينشدون في السياسة وشؤونها، بين إدانة لرئيس الوزراء والمحافظ، وتمجيد لهذا وذاك. إنَّ من يريد أن ينزِّه الشعائر الحسينية عن الأنماط الدخيلة والصوَر المشوَّهة المريبة، عليه أن يكون من الجسم الحسيني روحاً وقالباً، أي “تهذيب” و”تقويم” للشعائر، يجب أن يكون نابعاً من داخل البيت الولائي الشعائري، ويكون بعيداً عن الحداثويين، إيرانيين وحزب دعوة وحزب الله وحزب شيطان وكل من يدور في هذا الفلك المنحرف… هؤلاء لا يؤتمنون على ديننا وشعائرنا، فبعد السياسة والولوغ في الدماء ودفع العالم بأسره وحمله على ملاقاتنا بالعداء، فإنهم ينهلون من الإخوان المسلمين، من سيد قطب وحسن البنا، وفي أحسن الأحوال من علي شريعتي وعلي خامنئي وفضل الله، وهؤلاء لو خلي لهم وأُفسح، لطووا صفحة الشعائر الحسينية وأنهوها من رأسها، وحوَّلوها دروساً ثقافية ومحاضرات سياسية، وأداة تعبئة عسكرية، لا يعنيهم قميص الحسين الممزق بالسهام الذي ينشر في السماء أول ليلة من محرم الحرام، ولا يفقهون ما يعني البكاء واللطم والجزع، وما قال الصادق في الفضيل بن يسار: “من ذُكرنا عنده ففاضت عيناه، ولو مثل جناح الذباب، غفر الله له ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر”. ولا ما قال الرضا: “فعلى مثل الحسين فليبكِ الباكون، فإنّ البكاء يحطّ الذنوب العظام”…

    أما ما يعقب هذا ويلي ذاك من أمر الشور وأهله، فهيِّن يسير، فمصير هذه الهيئات ـ لا محالة ـ الاندماج في الجسم الإيماني، وفي الحد الأدنى النطاق الحسيني الشعائري، فمن غير المعهود أن تتخصص هيئة بنمط شعائري دون غيره، فالهيئات الحسينية تحضر المجلس وتبكي ثم تلطم وتقوم بالتشابيه وتمارس التطبير وتقيم المواكب وتستضيف المعزين، وانصراف الإخوة إلى نمط بعينه لا يُعرفون بغيره سينتهي، وتزول بذلك إحدى أهم مداخل الأزمة وروافدها، ولا سيما إذا انتفى ما يتعلق بارتباطاتهم المريبة، كالعلاقة بالمشعوذ “المولى”، الذي ترجع إليه أغلب هيئات الشور في البصرة والسماوة، فتنتفي جملة أخرى من أسباب التحسس التي تثير الآخرين ولا يعود للحذر ولا للخوف من نزعات صوفية وعلي اللهية تغوي شباب الشيعة وتغرر بهم، محل ومكان، وكذا تنقطع الطعون في تعاطي المنبهات وأنها التي تمكنهم من الاستمرار في اللطم المتواصل لساعات… والرهان على قيادات ملتزمة واعية تشق طريقها بين جموع هذه الهيئات لتقود مسيرة العودة للأصالة والاندماج المبارك في مجموع الشعائريين.  

  • من أخبث أساليب الضلال وأكثرها تلبيساً على العوام وشيطنة، تصوير قضايا خطيرة وحوادث جليلة، معلولة لأسباب وضيعة، كحافز المال، ونشاطات هامشية وفعاليات عابرة من صنع صغار!

    السقوط المدوِّي لفضل الله، الذي صنع زلزالاً في الساحة الإيمانية ما زالت ارتداداته ماثلة فاعلة، ما كان ليكون إلا بعد معركة كبرى حشد فيها الطرفان طاقاتهم وإمكانياتهم، وعبأوا قواهم وأنصارهم، المرجعية والحوزة العلمية والأصالة الشيعية في جبهة، والحركة الإسلامية بأحزابها ومؤسسات النظام الإيراني في أخرى، مع هؤلاء التيار الحداثي العلماني (التنويري والعقلاني)، ومع أولئك جمهور الشيعة وعامة المؤمنين المعظِّمين لمقدساتهم والمتمسكين بعقائدهم وولائهم لأهل البيت علبهم السلام. ناهيك بالبعد الغيبي، وهو العمدة والأساس في الفهم الإيماني، فالمعركة نشبت في ثغر عزيز على الله وأوليائه، فكان انتصار أهل الحق جزماً، وغلبتهم حتماً.

    عظماء من قمم الهرم العلمي الشيعي، على رأسهم الميرزا التبريزي والوحيد الخراساني والشيخ بهجت والسيد تقي القمي والسيد صادق الروحاني والسيد محمد الوحيدي، ومعهم نخبة من كبار أساتذة الحوزة العلمية وكوكبة من أعلام الطائفة، بذلوا جهوداً مضنية ومجاهدات يعجز القلم عن بيانها، ولا سيما في ظروف القمع الأمني والاضطهاد العقائدي الذي مارسته المحكمة الخاصة برجال الدين (دادگاه ويژه روحانيت)، ووزارة الاطلاعات (المخابرات) الإيرانية، بأداء بلغ في بعض الموارد التنكيل! لكن رجال الله، من تلك القمم حتى أصغر العناصر وأقل العاملين في سبيل الدين، تصدُّوا بشجاعة ووقفوا بصلابة وثبتوا ببطولة، حتى أسقطوا رأس الضلال وعنوانه وطووا صفحة انحرافاته. في المقابل بذلت مؤسسات الجمهورية الإسلامية، الدينية والإعلامية، من سفارات وملحقيات ثقافية وقنوات فضائية ومراكز تبليغية وصحف ومطبوعات، كل جهدها ووسعها لمنع السقوط، ولحقتها الأحزاب الإسلامية التابعة، التي هالها سحب البساط الشعبي من تحتها لصالح الولاء لأهل البيت وحرمة مقدسات المذهب، وبات يهددها في قاعدتها والمنتسبين إليها، فصدر الأمر بمنع تناقل أخبار الحكم بضلال فضل الله وإسقاطه، ومنع تداول الأمر حتى في المجالس الخاصة المغلقة!

    هذه حقائق موثَّقة في بيانات رسمية، وإصدارات منشورة، ورصد صحفي واجتماعي، لن تطمسه دعاوى ومماحكات تحتال بتصوير الواقعة وكأنها من فعل شخصيات هامشية، ضئيلة في خطبها وخطرها، ضامرة في دورها وتأثيرها. ولسان حالها: “شرف لا أدعيه”!..

    وفي الحديث الشريف أنه قيل للصادق عليه السلام: إن عماراً الدهني شهد اليوم عند ابن أبي ليلى قاضي الكوفة بشهادة، فقال له القاضي: قم يا عمار، فقد عرفناك لا تُقبل شهادتك لأنك رافضي. فقام عمار وقد ارتعدت فرائصه واستفرغه البكاء. فقال له ابن أبي ليلى: أنت رجل من أهل العلم والحديث إن كان يسوؤك أن يقال لك رافضي فتبرأ من الرفض فأنت من إخواننا. فقال له عمار: يا هذا ما ذهبت والله حيث ذهبت، ولكن بكيت عليك وعليَّ، أما بكائي على نفسي فإنك نسبتني إلى رتبة شريفة لست من أهلها زعمت أني رافضي، ويحك لقد حدثني الصادق عليه السلام أنَّ أول من سُمِّي الرفضة السحرة الذين لما شاهدوا آية موسى في عصاه آمنوا به واتبعوه، ورفضوا أمر فرعون، واستسلموا لكل ما نزل بهم، فسماهم فرعون الرافضة لما رفضوا دينه، فالرافضي كل من رفض جميع ما كره الله، وفعل كل ما أمره الله، فأين في هذا الزمان مثل هذا؟ وإن ما بكيت على نفسي خشيت أن يطلع الله عز وجل على قلبي وقد تلقبت هذا الاسم الشريف على نفسي فيعاتبني ربي عزَّ وجل ويقول: يا عمار أكنت رافضاً للأباطيل، عاملاً بالطاعات كما قال لك؟ فيكون ذلك بي مقصراً في الدرجات إن سامحني، وموجباً لشديد العقاب عليَّ إن ناقشني، إلا أن يتداركني موالي بشفاعتهم. وأما بكائي عليك فلعظم كذبك في تسميتي بغير اسمي، وشفقتي الشديدة عليك من عذاب الله، أن صرفت أشرف الأسماء إليَّ، وإن جعلته من أرذلها، كيف يصبر بدنك على عذاب كلمتك هذه؟ فقال الصادق عليه السلام: لو أنَّ على عمار من الذنوب ما هو أعظم من السماوات والأرضين لمحيت عنه بهذه الكلمات، وإنها لتزيد في حسناته عند ربه عز وجل حتى يجعل كل خردلة منها أعظم من الدنيا ألف مرة.

  • خارج المجرى العظيم الذي يرسم هوية الشيعة، وفي منأى عن النطاق الذي خطَّ ـ على مرِّ القرون وتعاقب العهود ـ المعْلم الأبرز الذي يميزهم عن غيرهم، يمنع انصهارهم وضياعهم، ويحمي وجود كيانهم: إحياء عاشوراء بالندبة والعزاء.. خارج هذا الإطار، تتحرك فئة محدودة وتسعى جماعة محصورة من أبناء الشيعة، لتغيير الرثاء وتبديله بالجهاد، وقلب العزاء وتحويله إلى شيء آخر، مبتور عن ماضيه ولا يشبه حاضره وباقيه. وفي هذا الاتجاه تُسجَّل مظاهر وظواهر حداثية حسية تدَّعي العقلانية وتزعم الوعي والتنوير، بات من الضروري التعرض لها وكشفها، وبيان مدى الخطأ والضلال في انتهاجها.

    من المعيب أن يعجز “مثقف” قرأ الكوميديا البشرية (الديكاميرون لجيوفاني بوكاشيو) بعد الإلهية لدانتي، وجال في أعمال شكسبير وكافكا، وتولستوي ودوستويفسكي، ونظر في نتاج جورج أوريل وإرنست همنغواي حتى باولو كويلو، كما قرأ الجاحظ وابن المقفع وبديع الزمان، وعرف الرافعي والمنفلوطي والمازني وجبران… ثم يعجز عن فهم فلسفة سرديات كربلاء، وخلفيات الملحمة الحسينية، ومكنونات السيرة المروية في مواقف وحوادث عاشوراء! ودع عنك عجزه عن إدراك وتمييز المرتجل العفوي والتلقائي الطبيعي منها، عن التمثيلي المصطنع والمقصود المستهدف، بظاهره وبأعماقه التي ستخط التاريخ وتكوِّن الصورة التي يريدها كاتب الحادثة وبطلها، وهو يديرها بما يشكِّلها.. فهذا بعيد عن تناوش السطحيين الغارقين في الحسِّ، القابعين في دركات المادية بأخس صورها بدائية!

    تراه يتذوق النحت والعمارة، ويحبُّ الرسم والتصوير، ويأنس بالشعر والأدب، ويتأثر بالمسرح والتمثيل، وهكذا يعيش في عالم الفن السابع ويستغرق في السينما… ثم يضيق أُفقه عن صوَر هذي الفنون وما يحاكي تطبيقاتها في عالم الشعائر الحسينية!؟ يقصر عن ضروب البلاغة والمعاني والبيان ومجاليها هنا، فلا يميِّز أو حتى يعرف الاستعارة والكناية، ولا يحسن الشعر وفنونه، ولا النثر وأنواعه من قصة ومسرح ومقامة، أو خطبة ومقالة. ولا عرف كم اعتمد الدين على الأدب ووظَّفه لإحكام العقيدة والنهوض باحتجاجاتها، ثم الدعوة لترويجها ونشرها، وكم فعلت خطب البلغاء ومقولات الفصحاء وقصائد الشعراء وما سطره الكتَّاب، ونتاجاتها من مختلف النصوص في إثارة المشاعر وتهييجها، وكيف صنعت روافد لأفراح الصدور وأتراحها، رفد الحب وإذكاء البغض فيها، وما إلى ذلك من خبايا النفس البشرية.. كم ربطت على القلوب أو بعثت فيها الشك والريبة؟ وهذه الأعمال المعاصرة وآلياتها (من أفلام سينمائية ومسلسلات تلفزيونية وقصص وروايات) تنتصب ـ وهي توظف هذا وذاك ـ شاهداً على دور فاعل خطير، سواء في نصرة الدين أو حربه. وكم من مشهد اجتماعي وموقف سياسي، وحال مُعاش، صنعته فنون الأدب أو رفدته وآزرته حتى فعَّلته، بعثت في المجتمع السلبية والتشاؤم حيث شاءت، أو الحماسة والتفاؤل أنَّى أرادت، عظَّمت شخصيات ومجَّدت مسلكاً ورفعت خلُقاً فلحق بالقيم المحترمة بل المقدسة، وأزرت بآخر فهوت به حتى وسم بالتخلُّف والرجعية، وأُلحق بالمساوئ والرذائل! رفدت العلم والعقل، أو أخذت العنوان وأفرغته من محتواه، ثم خلعته على الصورة التي تريد وألبسته القالب الذي يطيب لها، فصنعت هذا الخلْق المشوَّه، وولدت هذا العلج، بل المسخ الفاعل باسم البحث والتحقيق، وراحت تحاكم الناس عليه، وهي تقبع في حضيض السفاهة وتربض في قاع الجهالة!

    في هذا الخضم المتلاطم من فعل الأدب ودوره في حياتنا، هناك “مثقفون” يعجزون عن التقاط الصوَر البلاغية في القصائد التي أنشدت في فاجعة الطف، يستنكرون العتاب المتبادل بين زينب والعباس، الحوراء تؤاخذه بعدم جلب الماء، أو بتركها أسيرة في أيدي الأعداء، وأبوالفضل يرد برحيلها دون دفنه أو توديعه، فينحدر التعس في ضحالته وتفاهته ليستنكر: كيف تعتب على صريع؟ فإذا ارتقى شيئاً، تساءل مستنكراً: وهل من متسع لهذا في ذلك المقام المضطرب والحضرة الملتهبة!؟

    من المؤلم أن يحرم جمع من المؤمنين أنفسهم السبح في هذا الفضاء الروحاني، بل الأفق الملكوتي، ويصروا على الركون لأغلال الحس والارتهان لأصفاد المادة، وضحالة تعود بهم إلى بدائيتهم وتأخذهم لتدرجهم في مصاف الهمج الرعاع.

    ودعنا نتوقف عند شاهد طالما سقط فيه “أدعياء الثقافة” وافتُضح “أدباء البلاط”، وهم يجترُّون مقولات أسيادهم وما يملى عليهم، دون أدنى اعتبار لمخزونهم الأدبي وحصيلتهم على هذا الصعيد!..

    إنها قصة زواج القاسم بن الحسن في خضم معركة كربلاء، ومحاكاتها بالتشابيه، وما غدا مفردة أصيلة ونمطاً راقياً في الشعائر الحسينية.. تراهم ينكرون الرواية ويسفهون شعائر إحيائها، ويعمدون لخطاب عامي مبتذل، يتجاوز أوليات العلم والعقل!

    ودعنا عن سائر المعطيات الأدبية والفنية، وما عمد إليه سيد الشهداء في رسم ملحمته وصبها في القالب الذي يريد. ولنخضع الأمر للعلل المنطقية، ولنأخذ بالأسباب والمعطيات الطبيعية، مما يحكم الصراعات والحروب. فمن المسلَّمات التي لا جدال فيها، أن محور الحروب والصراعات في عالمنا يرتكز على الحرب النفسية وإلقاءاتها، من دعاية وإعلام وخلق صور موحية وفضاءات ملقِّنة. وجل ما تراه في عرصة السياسة اليوم بين الدول يرتكز على هذا في خلق عامل الردع، حين توحي الدول بقدراتها وأسلحة فتاكة تملكها ستدمر الخصم وتبيد العدو، ما يبعث فيه الروع والهلع ويسقطه لينكفئ على نفسه فلا يعتدي، فينهزم دون قتال!

    الجيش الأموي في كربلاء في غالبيته العظمى لم يكن عقائدياً ولا مؤمناً بقضية، إنما كانت جموع تتحرَّى الأقوى لتلحق به وتنضم إليه، نجح مسلم بن عقيل في تصوير المشهد ظفراً وخلافة قادمة لسبط النبي، فبايعه الكوفيون والتحقوا به. ولما رأوا أن اليد الطولى ما زالت للحكومة، مما ظهر في تصفية وجوه المعارضة ورؤساء القبائل الشيعية، انتكست الجموع وتراجعت!

    ترى، ما الذي يمنع أن يعمد سيد الشهداء في كربلاء إلى أداء سياسي يوحي لمعسكر العدو بالثقة والطمأنينة المطلقة التي يعيشها معسكره، فهو يزف ابنته لابن أخيه ويقيم عرساً وفرحاً وبهجة، مما لا يكون إلا للمتيقن من الظفر والنصر؟! فيسقط في يد الأعداء ويضطرب معسكرهم، وتتزلزل أركان الجند، فيميلوا إلى جبهته طمعاً وأملاً؟! فلرُبَّ أنصار سيلحقون به قريباً، ورُب قيادات في معكسر الشام تضمر غير ما تظهر، قد تنقلب في أي لحظة، ورُبَّ عزم على إعمال المعجزة وخرق العادة، من قبيل الريح التي قلعت خيام قريش وكفأت القدور وأطفأت النيران وأطارت الحجارة في حرب الأحزاب، وقد يتكرر ما جرى لجده الأعلى مع جيش أبرهة الحبشي؟!

    هذا مشهد منطقي وأداء سياسي يبرر فعلاً أحيته الشيعة على مدى أربعة عشر قرناً، والقدر المتيقن ما أثبتته التواريخ من أن عقداً قد جرى ووصية كانت مضمومة في عوذة، فُضَّت وقرئت، وثياباً للحسن دعيت وطُلبت، تزيَّى بها ابنه القاسم، حتى صاحت الفاطميات وكأن السبط الأكبر تمثَّل لهن بشمائله ومحاسنه وهيئته، وبُعث حياً من جديد!

    تتوسع مخيلات الحداثيين وتكبر حتى تستوعب كل فرضية واحتمال، فتدرجه في نطاق الإمكان، لكنها تضيق وتنحسر هنا لتهزأ وتستخف: كان الحسين في شغل عن عقود الزواج وإقامة الأعراس فدعوا عنكم الخرافات! إن هذا الجمود والقراءة السطحية والعوراء للمشهد لا تعني إلا المرض والغرض الذي يحجب الرؤية، فلا يتقبل الناظر أمراً منطقياً عقلياً طالما أعمله وأخذ به في غير موضع. والأمر في عالم الحقائق لا يعني أكثر من الحرمان والشقاء، فهذا نهر يجري وعين تتدفق، والمحروم يكرع من آسن ما أعد له الشيطان، فلا يروى، وما برح يلهث وقد تدلى لسانه، حتى يهلك، إلى جهنم وبئس المصير.

  • في الكافي الشريف عن علي بن أبي حمزة قال: كان لي صديق من كُتَّاب بني أمية، فقال لي: استأذن لي على أبي عبدالله عليه السلام، فاستأذنت له. فلما دخل سلَّم وجلس، ثم قال: جُعلت فداك، إني كنت في ديوان هؤلاء القوم، فأصبت من دنياهم مالاً كثيراً، وأغمضت (ارتكبت الذنوبَ) في مطالبه. فقال أبوعبدالله عليه السلام: لولا أنَّ بني أمية وجدوا من يكتب لهم، ويجبي لهم الفيء، ويقاتل عنهم، ويشهد جماعتهم، لما سلبونا حقنا، ولو تركهم الناس وما في أيديهم، ما وجدوا شيئاً إلا ما وقع في أيديهم. فقال الفتى: جُعلت فداك فهل لي من مخرج منه؟ قال: إن قلت لك تفعل؟ قال: أفعل. قال: اخرج من جميع ما كسبت في دواوينهم، فمن عرفت منهم رددت عليه ماله، ومن لم تعرف تصدَّقت به، وأنا أضمن لك على الله الجنة. قال: فأطرق الفتى طويلاً، فقال: قد فعلت جعلت فداك. قال ابن أبي حمزة: فرجع الفتى معنا إلى الكوفة، فما ترك شيئاً على وجه الأرض إلا خرج منه، حتى ثيابه التي كانت على بدنه، قال: فقسمنا له قسمة واشترينا له ثياباً، وبعثنا له بنفقة، قال: فما أتى عليه أشهر قلائل حتى مرض، فكُنَّا نعوده، فدخلت عليه يوماً وهو في السياق (الاحتضار والنزع) ففتح عينيه ثم قال: يا علي، وفَى لي والله صاحبك! قال: ثم مات، فولينا أمره. فخرجت حتى دخلت على أبي عبدالله عليه السلام، فلما نظر إليَّ قال: يا علي، وفينا والله لصاحبك. قال: فقلت: صدقت جعلت فداك، هكذا قال لي والله عند موته.

    من النماذج المعاصرة لهذا الضرب العظيم من التوبة، والصورة النادرة من الإنابة والأوبة، ما قام به الفقيد الشيخ علي الكوراني رحمه الله!.. كان من طلائع الحركة الإسلامية وأعمدة حزب الدعوة، ما بلغ تأسيس أفرع للحزب في الإقليم كما في الكويت والبحرين، وقيادة أخرى في المنطقة كما في لبنان، وإذا كان في التصنيف الحزبي يلي طبقة المؤسسين مرتضى العسكري وهادي السبيتي وطالب الرفاعي وغيرهم، فإنه في الميدان العملي، على صعيد الفعل والإنجاز، يعدُّ ـ دون شك ـ في الصدارة والطبقة الأولى.

    بعيداً عن أسباب الانقلاب في فكر الرجل والتغيير الجذري في سيرته، التي يأتي في طليعتها انتصار الثورة وتأسيس الجمهورية الإسلامية في إيران، الذي أحدث هزة زلزلت وجدان الدعاة، وأسقطت في أيديهم، وهم يرون سليل الحوزة والمرجعية، التي كانوا يسمونها بالعقم والجمود والرجعية، ويصنفونها العائق الأكبر في طريق الحركية، شهدوا بالحسِّ والوجدان ورأوا بالعيان كيف يحقق نصراً ظافراً، لم يعشه أكثرهم تفاؤلاً إلا رؤيا غير قابلة للتعبير والتأويل، من أضغاث الأحلام!.. انقلب الكوراني على الحزب وانخرط في الحركة الجماهيرية وما كان يُعرف في حينها بتيار حزب الله، وأعلن توبته واستغفاره من هذا الذنب العظيم! حاربه حزب الدعوة بضراوة، وواجه تمرده أو انقلابه بقسوة، لم يوفر سلاحاً إلا وظَّفه ولا وسيلة إلا استخدمها، سحقوا في هذا الشرع، وداسوا في ذاك الأخلاق، واستباحوا كل مبدأ وقيمة، مما يعفُّ عنه الأراذل والأوباش، ما بيَّض صفحة العلمانيين والحكوميين، أمام الملتزمين المنادين بتحكيم الشريعة والدين!

    لا شك أنَّ الدور الحركي الذي لعبه الكوراني، والطوْر الذي عاشه وخاضه مع حزب الدعوة، شكَّل مثلبة وعاراً، لكن خروجه البطولي وانتفاضته الشجاعة وانقلابه “الدراماتيكي”، والنتائج العظيمة التي حققها، ثم الدور والمسيرة الجديدة التي سلكها، والآثار المباركة التي ترتبت عليها… يسدي عليه ثوب الفخر، ويجلله الشرف والتبجيل، ويخلع عليه أوسمة لا يحلم ناقدوه وحاسدوه ومعيِّروه بأدناها! من السهولة بمكان أن ينكفئ أحدهم ليقبع في حضيض السلبية، يرتمي على مقاعد المتفرجين، لا يفعل شيئاً في سبيل حفظ المذهب، ينكفئ ويتقهقر في الدفاع عن الدين.. ثم يباهي بعدم انخراطه في تيار، ويفخر بطهارة ذيله عن لوث الانتساب الحزبي! ولو تدبرت في حاله، لوجدته غارقاً في العمالة للسلطة الحاكمة ومادحاً للسلاطين، أو للنفوذ الإقطاعي والزعماء المستعبدين، وفي أحسن الأحوال متحفزاً في خندق مصالحه الشخصية، ينقلب إذا مُسَّت ثائراً وينسى ذريعة التقية!

    العلماء، بعد المراتب والمدارج والطبقات، أنواع وأنساق وأصناف… يعيش بعضهم ما يناهز مئة عام، لا تحسُّ من أحد منهم أو تسمع لهم ركزاً، أموات في عداد أحياء، تضرب الدين العواصف، وتجتاح المذهب النكبات، وتحلُّ بالطائفة الكوارث وتنزل بها الويلات، وهم صامتون صمت الجدران والخشب المسندة عليها! سيطرت الدولة على الحوزة، وحوَّلت الحسينيات وهيئات العزاء محافل لتلاوة القرآن والتغني بالألحان، وهم منطوون على أنفسهم منصرفون لشأنهم، إما تهذيباً وتزكية، في الصادقين الأصلاء، أو انشغالاً بحطام الدنيا وتأمين مستلزمات العيش في الأدعياء الدخلاء. قطاع عريض لا تعرف لهم رأياً في موضوع وحادثة، ناهيك بموقف، غاية ما يحسنون، والفن الذي يتقنون ويجيدون: التخلص من التموضع والفرار من الاصطفاف، تجنب الخوض في ما يورث خسارة أو يحمِّل تبعات، لا خدمة للدين يؤدون، ولا نصرة أو دفاعاً عن المذهب يمارسون! حتى إذا رحل أحدهم، وطرق سمعك ـ أخيراً ـ خبر عنه، نقَّبت وتفحصت فلم تجد في ثغر خللاً، ولا في جبهة فراغاً، بل لم تشعر بفقد وخسارة، فتحتار في “الثلمة” التي حلَّت بالإسلام بموته! فإما أن تسلِّم بغيب يكتنف الحديث، قصرت عن فهمه وإدراكه، أو تشكِّك في الصغرى، وصدق عنوان العالم في “الفقيد” الراحل؟!

    وقسم تفرح برحيله وتحمد الله على حلول أجله، نذر نفسه للزيغ والعماية، واشتغل في الإضلال والغواية، بالغ في الإفساد والتغرير، وتفنن في التحريف والتزييف… وبين هذا وذاك طائفة من العاملين، والمجاهدين المرابطين في الثغر الذي يلي إبليس وعفاريته، يذودون عن ضعفاء الشيعة، ويمنعون أن يتسلط عليهم جنود الشيطان. والمحور الأساس في هذا التصدِّي هو الخروج من الكليات والعموميات، إلى تشخيص الموضوعات وتحديد المقصود والمراد. إنما تعيش حركات الإضلال في المساحة الصامتة والنطاق الضبابي العائم، فكلُّ الأصوات تنادي بالحق، وكافة الدعوات تهتف بالرضا لآل محمد، وهنا يتطلع الضعفاء إلى من يضع يده على الجرح ويشخِّص الداء ويصف الدواء… وهذا ما فعله الشيخ الكوراني رحمه الله غير مورد وموقع.

    هناك من يمعن في حزب الدعوة طعناً وإدانة وسباً، ويسطر في خطر حركات الضلال وشخصيات الانحراف القصائد والملاحم، ولكن في غرف مغلقة ومن وراء جدر واقية، يصنع دوامة في قدح، ويجتر ويطيل في تحصيل حاصل بما يورث الغثيان! فإذا خرج، تجده في أوثق العلاقات مع الدعاة ورجالات الحزب، وأعظم الصلات مع الضالين المضلين، ملتحقاً بنشاطاتهم، منخرطاً في كياناتهم، ظاهراً فاعلاً في إعلامهم، وفي أدنى الحالات مكثِّراً سوادهم! ثم لا يكتفي حتى يتنطع في إدانة هذا العامل ومؤاخذته، وتصنيف ذاك المجاهد ومعابته!

    من الإجحاف والحيف، ومن الغبن والزيف، عدم التمييز بين من سكت عن الباطل وخرس عند ملاقاة الضلال، وبين من دافع عن الحق ونصر آل محمد، قال تعالى: “وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كلٌّ على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم”؟! وقال: ”ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ومن رزقناه منَّا رزقاً حسناً فهو ينفق منه سراً ،جهراً هل يستوون”؟! وقال تعالى: “ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلَماً لرجل هل يستويان”؟!..

    في بلدته “ياطر”، كان آخر لقاء جمعني به، تداولنا ـ وأنا في موقع الطالب المستفيد والعامل المسترشد ـ في هموم الساحة الإيمانية وعموم الشأن الولائي والخطر الأكبر الذي يتهدده، والتقينا على تشخيص رأس الحربة في هذه الحرب… وكان على موعد قريب مع قائد الحزب، طلبت إليه أن ينصحه من موقعه المتفوِّق، لمكانته العلمية وتاريخه الحركي وخبرته الضاربة في أعماق ما عاد يسبقه إليها أحد، ثم من مصداقية والد قدَّم فلذة كبده (ياسر) شهيداً في المقاومة، فمن المؤكد أنه سيلقى أُذناً صاغية إن لم تكن واعية… أجابني: إنَّ الرجل مؤمن بالسيد القائد ومعتقد به، بما يرقى إلى مرتبة الاتصال بالحجة، ولا سبيل لتغيير قناعته! نصحني بمزيد تقية، وطالبته بالتخفيف من البراغماتية، ثم الكف عن تطبيق روايات الظهور وبشائره على الوقائع والحوادث الجارية.

    كنت عازماً على الكتابة في خدماته المباركة وإنجازاته الكبيرة، ولكن بلغني طعن ظالم طال الرجل من منطلق مظلم، يلخِّص سيرة زاخرة وعطاءً مشرفاً، بسابقة حزب الدعوة، فخشيت أن لا يرد على هذا راد، ما حملني وأخذني لما ترى وتقرأ. رحم الله الكوراني العالم العامل، وألحقه بسادته محمد وآله الأطهار.

  • “إلهي لا تؤدِّبني بعقوبتك، ولا تمكر بي في حيلتك”…

    دع عنك إعلام الجزيرة وأفلام الميادين، ودونك تحليلات الديناصور الدويري وأخبار السمج حسين مرتضى، والهراء الذي يقدَّم حول الحرب الدائرة… فإنَّ المشهد في لبنان كما هو في غزة، من الوضوح في الهزيمة والانكسار ما يقف على أعتاب السقوط والانهيار، والأفق المظلم الذي ينتظر حماس ومستقبل القطاع، لا يختلف كثيراً عن الذي ينتظر الحزب في بيروت ولبنان. هناك خارطة سياسية جديدة تقوم إسرائيل برسمها، وواقع تعمل بإصرار على إعادة تشكيله كضريبة على الحرب التي بدأتها “جبهة المقاومة” وشنَّتها قواها عليها، وكلما مضت في أوارها واضطرامها العسكري، واستمر هدُّها وخبطها السياسي، قرب المشهد من نهايته، ودنت الصفحة الحالية من أن تطوى إلى غير عودة! بعيداً عن المكابرة ومقتضيات المعركة الإعلامية والحرب النفسية، بُعدنا عن الشماتة بانهزام المقاومين والرضا بفشلهم وانتكاس أهدافهم وعودة سهامهم إلى صدورهم، فالمؤمن عندنا له حرمته وحقه، ولسنا ممن يسلب هذا وينتهك تلك، مهما كان منهم الجفاء وبلغ الاعتداء. إنَّ حال الحزب في لبنان لا يقل سوءاً عن شقيقه في فلسطين، والظرف العصيب الذي يمر به، لا يحتاج في إدراكه وبيانه إلى كثير فطنة وكياسة، وحتى يقف المتابع على المعضلة التي يعيشها، بل المأساة والطامة التي ينوء تحت وطأتها، يكفي تنبه المرء ويقظته من سبات الغفلة، وأن ينضو ثوب التعصب والجمود وكل ما يغشي البصر ويذهب بالبصيرة، فيخرج عن قطيع المحازبين وفلك الأنصار التابعين، بثغائهم ونهيقهم ورغائهم، فمع الأغنام التي تُذبح لتُؤكل أو لتُقدَّم قرابين، هناك دواب تُمتطى، ثم هياكل جسيمة يحسبها المغتر “قامات”، وما هي إلا رواحل تنقل الأحمال، ونواضح تجوب بالسقاء، وإبل تُنحر لزوم المهرجانات والاحتفالات، ثم ذباب يدوِّي بطنينه المزعج، يتنطَّع بإنجازاته وإن حامت أسرابه على وضر، أو رابطت في فضاء كنيف!

    هذه حقيقة جلية واضحة يعرفها السياسيون قاطبة، بل كل متابع عاقل لا يقرأ بعاطفته ولا يحلل بأهوائه، يبلغها دون تكلُّف وتعسُّف، ويكفيه دليلاً، أن يحدِّد الجهة التي تعدُّ الأيام وتحسب الساعات، لإعلان انتهاء الحرب أو وقف إطلاق النار. أما الناشط في الساحة الإيمانية، والرسالي المتابع لشؤونها، الذي ينطلق في تحليله للحوادث وقراءته الوقائع من قيم دينية ومعارف إلهية، فهو لا يتردَّد في أن ما جرى ويجري على الحزب في لبنان هو تأديب إلهي، سياط تجلد ظهره، وعصا عقاب تهوي على جسمه، ومعاول هدم تطال كيانه وبُنيته! والأخطر، أنَّ هذا العقاب، في سُنن التاريخ ونواميس حركته، يسبق الغضب والنقمة والهلاك النهائي، إذا لم يرعوِ العاصي عن غيه ويعود عن ضلاله، وينثني عن تماديه وطغيانه، ويكف عن غطرسته واختياله، وما أوقعه في أخطاء بنيوية وأخذه إلى قرارات كارثية، صُمَّت عنها آذان رهفت للمدح والإطراء، ووقرت دونها أسماع اعتادت تشنيف المتملقين الوصوليين، فعاشت أبراجها العاجية، لا تصغي لناصح، بل تنفيه وتقصيه، حتى باتت همَّة “المستشار”، إن أراد البقاء والاستمرار، تصبُّ في تحري ما يدغدغ خيالات القائد ويحاكي جهالاته، ويجاريه في طغيانه واستبداده!

    وهنا وقفة نرجو أن تخلص إلى درس وعبرة…

    هل أدرك الحزب أنَّ للبنان خصوصيته في البنية الروحية والتربية الأخلاقية، سُبل بناء الروح وطرق تهذيب النفس وتزكيتها؟ وأن التداخل المجتمعي والانفتاح على البيئات الأخرى يفسح للتسيُّب والانحلال؟ هل عرف أن الاختيال والتباهي، وما يعبَّر عنه بالعامية “الفشخرة”، داء متأصِّل وآفة مستحكمة من ركائز العمل الشيطاني هنا؟ وهو لم يعالجها ليهذِّبها أو يجتثها من محازبيه وبيئته، بل رفدها وغذَّاها لتطغى، ووظفها آلة استعلاء على خصومه، حتى من المؤمنين! فكانوا يعيِّرون الحسينيين بإحيائهم شعائر العزاء وتركهم الجهاد والركون إلى ما يخلو من خطر وعناء، ويسخرون من المنصرفين لعباداتهم والملتزمين أداء واجباتهم الدينية، يتكبَّرون عليهم بانتصارات موهومة وإنجازات عسكرية مزعومة، مرسِّخين لغة المادية الحسية، بتفوق المعطى الدنيوي المادي على الأُخروي المعنوي، وتقدُّم مغامراتهم على الجهاد الأكبر! لم يسمع مسؤول، ولم يكترث معمم معنيٌّ بالتربية ودروس الأخلاق بأصوات التذكير ونداءات التنبيه والتحذير، ومضى الحزب في إذكاء هذه الآفات وبثِّها، وراح يُهلك النفوس بنزعة التفوُّق وما تفضي إليه من كبر وزهو وخيلاء. ولعمري لم يكتف بالتفوق العسكري والاستعلاء على شعبه بالانتصارات، حتى ألحق ذلك بالرغد والرفاه، وتقدُّم عناصره على صعيد المعاش، وما يتمتعون به من السعة والدعة التي أخذتهم إلى مزيد من السقوط في الشهوات ولوث الملذات، واستغراق في اللهو وانصراف إلى الدنيا! ثم الانفصال عن الشعب الذي يعاني العسر ويكابد الضنك… غافلاً أنَّ هذا ـ بدوره ـ رافد جديد يرسخ آفة التباهي والخيلاء، ويحقق عزل الحزب عن بيئته وأهله!

    هل عرف الحزب أن هتكه حرمات المذهب واستخفافه بمقدَّساته، يفصله عن التشيُّع ويعزله عن الطائفة، ويأخذه إلى البدعة والضلال أو اللامذهبية والانسلاخ عن الهوية؟! فكأنه بعد انفصاله عن بيئته في الحالة والطبقة الاجتماعية، انفصل عن مذهبه في عقائده وأفكاره، فما عاد الشيعة في العالم يبالون بما يجري على الحزب وأتباعه، وهو الذي هتك مقدساتهم، وابتذلها حين رفع قادته إلى رتبة أئمتهم، وساوى بين أعظم رزايا الدين ومصاب الحسين، المحنة التي فجعت السماء والنائبة التي ناح لها العرش، قرنها بتضحيات لو جمعت من أدناها إلى أقصاها لما ناهضت زفرة أطلقتها الزهراء، ولا بلغت دمعة أراقتها رقية! راح يلطم ويجزع لهذه العابرات، ويسخر من تلك الخالدات، يرفض أن يخدمها حتى بذرف العبرات! غرس الحزب الولاء لقادته وأحلَّهم مكان أئمة الهدى في نفوس رعيته، فمسخ فطرتهم وأفسد جبلَّتهم وأعطب هديَهم! ثم لم يكتف حتى قطع الرافدين الأعظمين: زيارة العتبات بذرائع أمنية، ومجالس العزاء بحجة كورونا والوباء، عطَّل الحسينيات والهيئات بالقوة والإرهاب، وذهب بها عريضة حين لاحق حتى المجالس الحسينية الخاصة المحدودة في بيوت أصحابها، قحمها وسجَّل فيها محاضر ضبط وأحالها للقضاء! بحجج واهية، كان ينقضها في تجمعاته ومناسباته الحزبية، كتشييع الشهداء، لا يحسب فيها للوقاية والضوابط الصحية أي حساب!

    هل بان للحزب وانكشف أنه مخترق حتى النخاع، وأن صرف الكوادر الأمنية لملاحقة الهيئات والمجالس الحسينية، وإشغال عناصره بالجبهة الداخلية، له ثمنه من خلو وفراغ أتاح للعدو النفوذ وأفسح له ومكَّنه من تحقيق هذه النتائج الخطيرة؟ هل اتضح له أن المسألة الأمنية لا تعالج بخطاب “جب البلان وأبو طنجرة وأبو دجاجة”؟! وأن الإسرائيلي يعرف جيداً ما يدور في الدور، وما يجري في المقرات وأين يسكن القادة وكيف يتنقلون؟ حتى أصبحوا أهدافاً سهلة، يلتقطهم ويستخرجهم من أوكارهم كما يعثر على إبرة في كومة قش! فما عاد المساكين ينامون ساعة ملء جفونهم، وباتوا كمن نزل به الجرب والجذام، لا يأويهم قريب ولا يرحِّب بهم صديق، خوف صاروخ لا يخطئ الهدف ومُسيَّرة لا تضلُّ الطريق! ثم هل عرف الحزب أن “انتصاراته” السابقة كانت “هبات” و”عطايا” إسرائيلية شيطانية، لزوم ترسيخ حالة ترفد التغرير والإغواء، وتخدم الضلال والإضلال؟! ولو أرادت غير ذلك لأذاقتهم ما سامت به حماساً وفعلته بغزة؟! وأخيراً، هل عرف الحزب أنَّ إسرائيل لو أرادت رأس قائده لطالته، سواء في تحديد مكانه أو في منعة وحصانة مخبئه، لكنها تركته وأخلت سبيله وأطلقت يده، فهي لن تجد أسوأ منه لتدمير الشيعة وتقويض مذهب الحق؟!

    كلنا أمل ورجاء، إذا توقفت الحرب دون أن تقضي على إخوتنا في الحزب، وفي الأقل لم تفض إلى نزع سلاحهم، أنَّ لا يتحول هذا الإذلال والهوان الذي يلقونه على يد اليهود ودولتهم الغاصبة، وهذا العجز والرعب الذي يتملكهم من سطوات إسرائيل وغضبتها، وضرباتها القاصمة التي تلاحقهم في كل جُحْر ووراء كل حَجَر… لا ينقلب نقمة مضاعفة ومزيد تجبُّر وتكبُّر على غير الحزبيين، وأذىً يلحقونه بعموم المؤمنين، والأهم الذي نخشاه، أن لا يكون ثمن وقف إبادتهم، صفقة تنطوي على التعهد بمزيد تزييف للدين وبث للضلال والبدع وما يخدم أهداف الشيطان الرجيم!

    “ومن البليَّة عذْلُ من لا يرعوي عن جهله وخطابُ من لا يفهم”