• يبدو أن المنحرفين الضلّال، أعداء الحق وأنصار الباطل، صوت النصب وعضد الجور، اتخذوا “كشف العورة” نهجاً لهم في الحركة وطريقة في العمل!

    وكنت أحسب الأمر حادثة وقعت ومضت، أفرزها الدهاء وبعثتها الدناءة، يأبى أن يثنّيها التاريخ، ولن يعود ليكررها، فيعمد إليها دونٌ لئيم، وجاهل وَضيع، ليعِفّ عنه سيدٌ كريم، ويُطلقه تعالياً وأنَفة، وهو يغضي حياءً، ويُعرض ترفّعاً وإباءً، وتنزّهاً عن لوث قد يطال من يزيح وَضَراً ويزيل عَذِرة… لكن ها هي ترتسم في القوم سلوكاً وطريقة، وتخطّ حالة وتتبلور نهجاً، يبدو أنه تمكّن منهم فغدا طبعاً وسجية!.. لا يلبث أحدهم أن يواجَه ويُحاجج، حتى يُحاصَر (من فرط وَهي دليله وعجز فكرته وبطلان عقيدته)، فيقع في مأزق ويسقط في شَرَك… عندها تراه يبادر إلى “كشف عورته”! متخذاً ذلك مطية لنجاته ووَسيلة لخلاصه.

    فعلوها في الحرب والقتال، ما منع الكرام عن الإقدام، وأمسك سيوف الأشراف عن أخذ الرؤوس وضرب الأعناق… وها هم في جبهة الصراع الفكري يلجأون إلى عين الابتذال، ويمارسون نفس الانحدار، يخرصون ويهرفون فيوغلون ويبالغون، فلا يرد عليهم أحد، ويخلى بينهم وبين أتباعهم، كما أخلي من قبل، أو خلوا بأنفسهم مع شياطينهم، طالما تسامروا وتنادموا حتى سقطت الحُجُب بينهم، واتخذ كلٌّ فلاناً خليلاً وخديناً وقريناً…

    من هذا الجُحر المظلم الرطب، والوِجار النتن العفن، والقعر الموبوء الآسن، والوكر المريب الفاسد، يطالعنا بين فترة وأخرى كمال الحيدري، بتسجيل مرئي (فيديو)، يكشف فيه عورته، وهو يطرح مزيد ضلالاته وجديد انحرافاته، ويسوق حجة أخرى على حمقى مستغفلين يقسمون إنها عنزة وإن حلقت وطارت!

    يضع النقاط على الحروف من قديم ما كتمه أسلافه وأخفوه، ويصرّح بما كنّى وأشار إليه مَن سبقه، ويكرر بسماجة نفس الهراء، لكن بلا تنميق يخفي القبح، ودون مناورة تواري السوأة وتدفع العار، ولا أدنى حياء.. آخرها تسجيل يدعي فيه أن “الفقه القرآني” (!) لا يحرّم على النساء تعدد الأزواج! ويدين “فقه الحديث” الذي يتجاوز حصر موارد حرمة المصاهرة في الآية ٢٤ من سورة النساء، (بدليل “وأحلَّ لكم ما وراء ذلكم”.. فيا لله وللاستدلال!) ومقبحاً: كيف له أن يتوسع ليدخل فيها المحرمات بالرضاعة والعقد على ذات البعل وغير ذلك؟!

    الحقيقة إن القضية سابقة قديمة وليست وليدة اليوم، والحيدري فيها ليس مؤسساً ولا منظّراً، بل مجرد رقم صغير، مقلد رخيص، وقَفّة في قُفّة!… نعم، يمكن أن ينسب إليه التميز والتفوق على صعيد واحد: الوقاحة والصلافة، فقد بلغ الرجل كشف العورة.

    إن في واقعنا الإسلامي الشيعي اليوم ـ من حيث ـ منهجان أو مدرستان، واحدة تقليدية علمية متخصصة أصيلة، وأخرى عصرية جهولة التقاطية منحرفة. والخلاف أو النزاع بينهما يرجع إلى مئة عام ونيف، وجوهره استقاء المعارف الدينية، من عقيدة وشريعة وأخلاق وما إلى ذلك… كيف يكون في آليته ومنهجه؟ وما هي أسسه ومنابعه؟ سواء في البناء والتشييد أو في النقض والنفي.

    وقد اشتد النزاع واستعر بعد انتصار الثورة في إيران، لأن المدرسة الثانية اعتبرت الثورة والجمهورية الإسلامية نتاجاً لها وعطاءً من جهدها، وهي مقولة لا تخلو من وَجه، ولكن في نطاق النخَب والكوادر الحركية العليا (الحزبية، كمجاهدي خلق، وسازمان مجاهدان انقلاب إسلامي وغيرها، وهي في نسبة الحضور والتأثير لا تتجاوز ٥٪ إذا أضيف لها اليسار ولا سيما حزب توده)، لا القاعدة والجماهير التي كانت تتبع المدرسة الأولى، ولا في رمز الثورة وقيادتها، التي كانت من صميم الحوزة وتتولى المرجعية وتنهض بها وفق المنهج التقليدي الأصيل. 

    الحيدري، بما يحمل الحمار من أسفار، حلقة في سلسلة، وعنصر في تيار، بل عضو في حزب، مجرد موظف من الدرجة الثانية أو الثالثة… أصل مشروعه وغايته: وضع معارف ومفاهيم مستحدثة، مبتدعة من استحسانات وذوقيات شخصية، بعيدة عن أي قانون وضابطة تحكمها، أو يمكن أن تحاكمها!.. نهج لا علاقة له بالحوزة الشيعية وعلومها، من حديث وأصول وفقه وقواعد وتفسير ورجال ودراية، وحتى كلام وفلسفة، بل لا علاقة له بأصل العلم. 

    إن الأمر بالنسبة للغالبية العظمى من المتدينين الشيعة واضح بيّن، وهم لا يعانون فيه من أي شك أو ترديد، فكلُّ مؤمن يعرف حجمه ويلتزم حده بتواضع وواقعية، دون طغيان وتكبّر، تراه يتبع المرجعية ويستقي منها، منطلقاً من الإذعان بالجهل والقصور، فالخضوع للعلم والتخصص، مدفوعاً بالسعي لإبراء الذمة، والحرص على التماس حجة بينه وبين ربه جل وعلا، وكلٌّ يُعِدّ لرقدته، ويمهّد لآخرته، فهي الحيوان.

    الشيعة في فروع الدين وكل ما يحتاج إلى تخصّص، مقلدون، يتبعون عالماً خبيراً ضليعاً، مرجعاً حقيقياً، لا مزيفاً انقلب بين عشية وضحاها من حجة الإسلام إلى آية الله، وما زال أتباعه يقلبون الدنيا ضجيجاً وصخباً بكمالاته، ويستميتون، فيعجزون عن ذكر شيخ حقيقي له تلقى منه، وعدِّ تلميذ وَاحد له أخذ عنه!..

    لقد حسم السيد الإمام الخميني (وهو قائد الثورة ومؤسس الدولة) الأمر في هذا النزاع ورسم موقفه في تبني المدرسة التقليدية وآلية الاستنباط وفق نهج الحوزة العلمية، وكما عبر قدس سره: فقه الجواهري والشيخ الأنصاري. وكذلك الحال بخصوص المنابع والمصادر، فقد اعتبر جهود السلف من علمائنا، ونتاجاتهم مقدسة، ولا سيما الكتب الأربعة، وطبّقها مصداقاً لمداد العلماء الأفضل من دماء الشهداء، وعظّم جهود وشخصيات أمثال الكليني والصدوق والطوسي والمفيد، الذين يستخف بهم الحيدري وينسبهم وأعمالهم التي خلدت تراث الأئمة إلى “إسلام الحديث” (مستخفاً ومستهزئاً، ومُديناً ومقبِّحاً) مقابل “إسلام القرآن”، في فرضية وَهمية لم يشطح بها فكر شيعي من قبل، على مدى تاريخ النزاع والصراع العلمي المستمر في حوزاتنا المتجددة أبداً، حتى في معركة الأسترابادي مع الوحيد البهبهاني (جُل التوقف كان في آلية فهم القرآن، وهل يمكن الأخذ بظواهره والافتاء بمقتضاها بمعزل عن الثقل الثاني والقرآن الناطق، أم لا؟)..

    إن جميع أرباب مدرسة الحداثة والإصلاح والتنوير، سمِّها ما شئت، من جمال الدين الافغاني ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا وقاسم أمين، إلى مهدي الخالصي وأحمد كسروي، إلى علي شريعتي وعلي الوردي، إلى هاشم معروف الحسني وصالحي نجف آبادي، إلى أبوالفضل البرقعي وموسى الموسوي، إلى محمد حسين فضل الله ومرتضى العسكري، إلى إبراهيم الجناتي ومحمد علي التسخيري، فاليعقوبي والمدرسي، وأحمد الكاتب وأحمد القبنجي، وأسد قصير وكمال الحيدري، وحسين المؤيد وعلي الأمين… ومَن فاتني ذكره أو أغفلته لتقيّـة أو مداراة!

    كل هؤلاء على اختلاف تنظيماتهم وانتماءاتهم الحزبية (المتنازعة أحياناً)، ودرجة محاربتهم المذهب (باسم إصلاحه وتنزيهه وتنقيح تراثه)، تراهم جميعاً يلتقون على قاسم مشترك، ويتوافقون على شيء واحد هو: هدم أسس انتزاع المعارف الدينية الشيعية، أعم من الأحكام أو العقائد، كما تجد فيهم حقداً غريباً، وغلاً غائراً، وضغناً يجيش في صدورهم على أحاديث آل محمد! هؤلاء كلهم منحرفون ضالون، الفرق هو في درجة إعلانهم وجرأتهم، وقل إن شئت وقاحتهم… إن ياسر عودة هو الناطق بما عجز وخاف فضل الله من التصريح به، والحيدري هو الناطق بما يريد أن يقوله ويفشيه سيده، خاف ردة الفعل، فأوكل المهمة إليه وإلى أضرابه من الفراغل والجراء..

    الضلال كما الكفر.. ملّة واحدة، والضُلّال بعضهم أولياء بعض.

    في السبعينات اعترض تيار داخل حزب الدعوة على عقيدة الحزب وأدان أطروحته وفكره على صعيدين: تمييع الهوية الشيعية والتفريط في العقائد الولائية، ثم رفضه للحوزة وعدائه العلماء وعصيانه وتمرده على المرجعية، فأسس حركة يفترض أنها تستدرك وتعالج هاتين الثغرتين… عليك أن لا تتفاجأ اليوم إذا رأيت أن ما تتبناه هذه الحركة (المنشقة عن الأم بشعار الإصلاح) في الإمامة، هو جوهر مقولة السنة (من غير النواصب).. وقد طرحه العسكري في التسعينات من خلال محاضرة ألقاها سامي البدري في لندن أثارت حوله ضجة، فدافع البدري عن نفسه بأنها فكرة سيّده مرتضى العسكري، وأنها توافق نهج الدكتور شريعتي وخطّه الحاكم (لائذاً وآوياً إلى جبل يعصمه)! ومؤدى رأيهم وفكرتهم: أن الغدير ترشيح للإمامة لا نصٌّ ولا تعيين، فرسول الله إنما “نصح” الأمة و”أرشدها” إلى ما فيه خيرها وصلاحها، وأن ذلك في اختيار علي عليه السلام، أما فعلِية ولايته فهي قرار الأمة وشأنها… فلا أمر جاء من السماء بإلزام، ولا وَحي نزل إلى الأرض بوجوب، وتحصيل هذا الحاصل “الإرشادي” هو ما اقتضى جعل أقدام الحجاج تلتهب من رمضاء “الغدير” في حجة الوداع! وجعل القرآن يقرنه بأصل الرسالة: “وإن لم تفعل فما بلغت رسالته”! إنها خباثة تفوق قبح الجحد ولؤم النصب (فالأمر فيه بيّن لا يُلبس ويُريب)… وعندي إنها رؤية تسقط الإمامة عن أخطر مواقعها وأدوارها، أي ولاية الله في الكون، فهذا الدور والمقام، ذكرته الروايات والأحاديث الشريفة، والقوم “قرآنيون”، لا شأن لهم بالكافي ولا الكتب الأربعة!؟ وتظهر الثمرة (التي يريدون) في هذا التعاطي مع الإمامة على صعيدي الطائفة والأمة، ما يورث نظرة وقراءة تختلف تماماً عن مؤدى النصوص التي حكم بها الفقهاء ورسم منها العلماء معالم الإمامة والنظرة الى المتخلفين عنها…

    ليس من الصدفة أن يكرر الحيدري مقولات فضل الله، ولا أن ينسجم حزب الدعوة مع شريعتي، ويخضع الآصفي وهكذا العسكري الذي كان يجاهر بإدانة الثورة والطعن في شخص الخميني، تراه بخع كعبد قِن للقيادة الجديدة!… إنه اتحاد المشرب والتقاء الخط الفكري والاجتماع على الباطل.

    إن الحيدري الذي يستخف بأحكام الشك في ركعات الصلاة وأشواط الطواف، ويجهل حرمة قطع العبادة، ليس مفلساً في الفقه فحسب، بل في العرفان الذي يزعمه ويدعيه… إنه لا يعرف قيمة الولوج في الصلاة والدخول ـ من خلال تكبيرة الإحرام ـ في حرم الله والمعراج إلى الملكوت، وإلا لما هتكها وهدمها بهذه السهولة والاستخفاف. تماماً كما يجهل خطر أحكام الله وحرمة حدوده فيفتي لأتباعه ويلزمهم برسالة عملية “ملطَّفة” وأحكام مخففة لا تمثل حقيقة فتواه!؟ 

    إنها فئة ضالة، أخطر ما فيها هو حركيّتها، نشاطها وإعلامها، ما يلبس على العوام حالها، فتحسبها في عداد الدين وتسجلها على التشيع… فالناس تميل إلى الدعة والراحة، وتحب تخفيف قيود الشريعة، وهؤلاء يوفرون ذلك بلا كلفة ولا مؤونة، فيقع في حبائلهم المغلوب على أمره، دون أن يخزه ضميره وتؤنبه نفسه ويلومه وجدانه، فهو في دائرة الدين ونطاق الملتزمين!

    علينا أن نميز ونفرز أتباع مدرسة الحداثة والضلال هذه، التي تستخف بالحديث وتستهزئ بالتراث، وتهتك الفقه، وتزدري المنهج الحوزوي، يجب أن يفرزوا ليُفصَلوا عن المجتمع ويمنعوا من بث أباطيلهم وأضاليلهم تحت غطاء الأخلاق تارة، والتطور والحداثة أخرى، والحركية ومعارضة الحكومات ثالثة… ورابعة لعلها ستكون الأخطر عندما يُدفع بسيد محمود الهاشمي للمرجعية كما يدبرون ويخططون، فيلبسون على الناس بالعلم والتخصص، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. 

  • كان سكان الجنان إذا أرادوا أن يجدّدوا بالحسن والجمال عهداً، وينظروا إلى شيء يفوق ما بين ظهرانيهم بهاءً وروعة، وكل ما حولهم بهيّ رائع، نظـروا إلى”ملكة جمال الجنان”، ويمّموا شطر: “لعيا”… يغترفون من مرأى الملاحة أنقى صوَرها، ومن الصباحة أزهى ما فيها، ويشربون أقداح نشوة صِرف، تسكرهم صَبوحاً وغَبوقاً.

    و”لعيا” حوراء لها سبعون ألفاً من الوصائف والقصور، ومثلها غرف مرصعة جدرانها، مكلّلة أسقفها بأنواع الجواهر والمرجان… وقد اختصّت لنفسها من بينها بمنزل هو أعلى من كل القصور، بحيث كانت إذا أشرفت نظرت جميع مَن في الجنة، وأضاءت الجنة من ضوء خدّها وجبينها.

    وكان أهل الجنان لا يعرفون لهذه الحوراء دوراً، كما كانت هي لا تعرف لنفـسها وظيفة وعملاً، إلا هذه الإطلالة!

    أن تطلّ بين فينة وأُخرى، فيمتلؤون من جمالها العذري، وينتعشون مـن حسنها البديع، ترقّق إدراكاتهم، وتصفّي أحاسيسهم، وتشفّ ملَكاتهم… فالجمال صيقل القلوب ومجلى النفوس ومشذّبها.

    ورغم وضوح هذا الدور، واقتناع “لعيا” به، وهي قناعة ترسّخت من تقادم الأيام وتكرار الأداء، لا من أسـباب عقلـية وأدلّة علمية… إلا أن نفسها كانت تحدّثها بأن القدر يخفي لها شيئاً آخر، ويدّخرها لمهمة أعظم.

    ولم يخِب ظنّها، فها قد أزف الموعد وظهر الموعود..

    فقد فوجئ “رضوان” يوماً، بأن الأمر صدر لتخرج “لعيا” من قصرها، ولكن، لا لتطلّ على الجنان وسكّانها هذه المرّة، بل لتغادر الجنة، وتطوي السماوات، وتهبط إلى الأرض!

    وعلى طريقة صدور الأوامر والتكاليف، كان هذا الأمر مجملاً مختصراً يخلو من التفصيل وحتى التوضيح، بل كان غامضاً بعض الشيء، تلفّه عمومية وإبهام، إذ لم يعلَّل إلا بعبارة مقتضبة:

    “حبيبة الله، وابنة حبيبه، سترزق بمولود”.

    ولما ألحّت الحاجة وأصرّت، صدرت مذكرة (يفترض أنها تفسيرية!)، تقول: لقد تقرر أن تكون “لعيا” في قوابلها، وعليها أن تهبط لتخدم “ابنة الحبيب”، تؤنـسها وتسلّيها…

    ولا يظننَّ أهل الأرض أن أهل السماء يعرفون تمام علل الشرائع وأسرار التكاليف الإلهية! كلا، فالأمر هناك مثله هنا، تسليم وانقياد، لا يخلو في الأكياس من سعي للكشف عنها واجتهاد للوقوف على فلسفتها.

    من هنا تدفّقت التساؤلات:

    لماذا تحتاج “ابنة الحبيب” للسلوة، ولمَن يمدّ إليها يد العون؟ ماذا دهاها حتى تنبري الحور لنجدتها؟ وماذا أصابها حتى تخفّ الملائكة لإسعافها وإعانتها؟

    أليست هي من “الأنوار” التي تهبنا الفضل، وعنها تصدر الخيرات؟ هل ثمة تبدل في النواميس وانقلاب؟

    ومن التساؤلات يعود الأمر إلى التحليل والبحث والدراسة:

    ترى، هل عاودتها ذكرى أُمها “خديجة”، وتداعى لها ما جرى عليها، حين هَجَرتها نساء مكة عندما وَضعت ابنتها؟ بينما هذه صفية بنت عبدالمطلب وأسماء بنت عميس وأم سلمة، يحضرن فاطمة في ولادتها، ويحففن بها، يرعينها ويسلينها… فأدخلت المقارنة عليها الهمّ، وجدّدت الحزن؟

    أم هو “الأصل البـشري”، الذي غرَس في كل امرأة وزرع فيها الرغبة، قبل الحاجة، إلى من يعينها، فبان أن غياب الأُم في هذا الظرف يخلق في الفتاة ويخلّف ثلمة لا يسدّها شيء؟

    ترى، هل أبرزت عملية الوضع والولادة تلك الطبيعة؟ وسلّطت الضوء على الجانب البشري لهذا الوجود الملكوتي الأقدس جعلته يزداد تألقاً وظهوراً، وبعثته وهيّجته، فتداعت معه لوازمه ومقتضياته الطبيعية، كالحاجات النفسية، ومنها الرغبة في وجود الأُم؟

    وعن هذا ومنه، نشأ الحزن ودخل الهمّ، فكانت الحاجة إلى “لعيا”؟!

    ذلك رغم خصوصية هذه البشرية وطبيعتها، والتناسل الأعم من الحمل والمخاض والولادة، وتميّزه في هذا النسل الطاهر، بميزات وخصوصيات تستل من عالمهم الأول ونشأتهم النورية… فلا دم هنا ولا حيض، واللقاء إيماءة وتداخل نوري، والوضع يكون من الخاصرة اليمنى، أو يُشقّ له في الرجل اليمنى، ولا أثر للحمل إلا في ساعة الوضع أو قبيله، ثم لا نفاس للأُم ولا ختان للوليد، ولا حدَث ولا خَبَث، ولا نجاسة ولا قذارة. إنه ضحضاح البـشرية والحدّ الأدنى منها، وما يناسبها لأبدان الكُمّل. أو قُـل الخط الأخير من نطاق التجرّد والكمال المطلق، وما هم عليه في وجودهم الأول وخلقهم النوري… الخطّ الذي يضطر متجاوزه ـ المسافر، والداخل في عالم العنصر والمادة ـ أن يضع بعض ثيابه الأصلية، ويرتدي ما يناسب هذه النشأة الدنيا.

    لا شك في أنهم بشر… لكن كيف بشر؟

    يأكلون الطعام، لكن دون أن يخلّفوا فضلات، ويؤتى لهم بالغذاء الذي ستتكوّن منه نطفهم من طعام الجنة وثمارها! ويمشون في الأسواق، ولكن دون أن تترك أقدامهم أثراً على الرمل والتراب، بينما تجدها تؤثر فتنطبع على الحجارة والجلاميد! وينامون، ولكن أعينهم، دون قلوبهم وأسماعهم! يُرَون ويُشـاهَدون لكثافة أجسامهم، ولكن لا يُرى لهم على الأرض ظل إذا طلعت عليهم الشمس أو سقط عليهم ضوء! ولهم وُجهة وسَـمْتٌ  فيستقبلون الأشياء والناس بوجوههم ويستدبرونهم إذا مضوا عنهم وعاكسـوهم في الوجهة، ولكنهم ينظرون مَن في القفا، ويرَون عكس وجهتهم كما يرون مَن أمامهم!

    أما الطاقات والقدرات الروحية والكمالات النفسية، فلم تنل منها هذه النشأة شيئاً يذكر، فقد حلّوا بين ظهرانينا وتمثّلوا لنا، وماثلونا في الأشكال والسلوك، فـسكنوا البيوت، حتى صارت أسماؤهم في الأسماء وأجسادهم في الأجـساد، وشُخّصوا وأُشير إليهم… وهم في عليائهم التي لا يقربها أحد، وذُراهم التي لا يدانيها شيء.

    بل إننا إن قلنا بأن “البدن”، هذا الجـسد المرئي المؤلف من لحم ودم، وعـظـام وعروق، وعصب وجلد… هو مـيدان تجلّـي “النـفس الناطقة” وساحة ظهور القوة العقلية، وهو الحق. كونه فرع الصيصة الإنسانية، أي البدن الإنساني الذي خُلق تامّ القوى والآلات، الذي هو باب الأبواب لحياة جميع الأبدان العنصرية.

    فإننا نكون قد التزمنا قانوناً سيحكمنا في طبيعة هذا البدن… تجعله، في شرفه ورفعته وسموّه، وفي قدراته ومَلَكاته، متناسباً مع شرف النفس، وعظمة القوى العقلية، وخطر الطاقات الروحية الحالّة فيه، أو المتعلّقة به… وعندها لا يمتنع عن أبدانهم شيء من الكمال، ولا عجب!

    فكلّما عظمت الروح وكمُلت النفس وسمَت في وجودها، صار البدن أصفى وألطف، ولحقه من تنامي الإمكانات وكمال الطاقات، ما يجعله متمتّعاً بأوصاف تدرجه في التفوّق والخصوصية.

    فلا عجب لبدن شفّ ورقّ ولطُف، أن نَظَرَت عينه الملائكة ورأت الجن وغير الجن من عوالم الغيب… لم لا وهذا البصر يغدو حديداً حين ينفصل عن البدن بالموت ودخول البرزخ. ولا غرابة أن يبلغ صوته أقصى البلاد، فيخاطب أهل المشرق ويرد عليهم جواب أهل المغرب! أو أن يتنقّل بطيّ الأرض، فيقطـع الفيافي ويجوب البلاد التي بينها مسيرة أشهر في لمحة بصر، ويسافر بالأشياء ـ مهما عظمت ـ وينقلها… كما جيء بـ “بلقيس” وعرشها من “سـبأ” إلى “بيت المقدس”. ولا غضاضة أن تنبعث في عضده طاقة تقلع باباً يعجز عن هزّها أربعون من ذوي الأنفس الغـليظة والعقول الواهية أو الناقصة، وبالتالي الأبدان الضعيفة والقوى الخائرة، وإن كانوا من الأبطال والعمالقة…

    ولا غرو أن يصبح ريقه وسؤره شفاءً يفوق عقاقير الأطباء أثراً ونجعاً، ويخترق قواعدهم وضوابط صنعتهم. ولا أن “ترشح” منه “البركة” فتسري في يده ومسحتها، وفي ثوبه ومَلمَسه، وفي تربته والبقعة التي يحلّ فيها…

    بالله كيف تنفعل هذه الأنفـس الكاملة وكيف تتـفاعل؟

    كيف تعيش بشريّتها وتجمعها بنورانيتها الأصلية؟

    حقّ أن تتساءل الملائكة وتكرر وهي أعرف بـ “فاطم”:

    هل دخلها الهمّ والوَجَل من التحسّر على حال أُمها خديجة، أمْ من غيابها وفَقدِها الـساعة؟

    وهل أن الحزن على غيابها لنزعة بشرية وحالة دنيوية، اقتضتها طبيعة هذه النشأة، أم أنها لأمر معنوي، وحالة مرتبطة بالدور الرسالي، والحسرة على عدم شهود خديجة الكبرى وحضورها هذا الحدث العظيم، الذي اضطربت له السماوات وانقلبت؟! أم ترى أن استدعاء “لعيا” من الجنان هو مجرّد تشريف ومحض تعظيم، ومراسم احتفالية ينبغي إجراؤها على أية حال، أي أنها قضية شكلية ومسألة “بروتوكولية”! وأنه لم تكن هناك حاجة لمدد ولا مقتض لِعَون ونجدة، ولا دعا الداعي لشيء من هذا؟

    ثم ماذا لو كان السرّ في المولود المنتظر… لا الأُم، ونحن مستغرقون في البحث عن وضعها والحَوم حول حِمَى حالها؟  

    المولود الذي “بُشّـر” بشهادته قبل استهلاله وولادته! لعلّه هو الذي استنزل الملائكة من الجنان، وقلب الدنيا، وأربك السماوات، وأذهل سكانها… أم أن هذا “البيت”، من الأُم إلى أبيها، فبعلها وبنيها، “بيت” يحلّق فوق البحث والتحليل ولا تطاله دراسة وتفسير؟

    *  *  *

    وبين إعجال تحفّزه فطرة جُبِلت عليها الحور، من طاعـة الأمر وامتثاله، واعتياق تبطؤ به البغتة والمفاجأة… كان شوق “لعيا” لرؤية “ابنة الحبيب” والتلهّف للتعرّف عليها، هو ما يشغلها:

    متى ألقى مَن ينتدبني الله، ويخرجني من الجنان لخدمتها وتسليتها، ويحرم أهل الجنة نعيم مرآي في سبيلها؟ مَن تكون هذه المعظَّمة المكرَّمة؟

    وما إن عرض لها الـسؤال، حتى أُلهمت الجواب!

    فصارت تنادي في وصيفاتها وتصيح:

    إنها “الزهراء”، ربّاه إنها “الزهراء”…

    بهذا الاسم يعرف سكان الملكوت فاطمة…

    إذ انجابت الظلمات وأشرقت السماوات بنور فاطمة. ولم يكن قـبـل ذلك ثمّـة منظـر ولا مرأى، ولا لموجود صورة تُدرك، ولا شكل يُعرَف، بل ظلمة حالكة فوقها ظلمات.

    حتى “لعيا” نفسها، ما تألقت وأزهرت إلا من ذلك النور، الذي شعّ من قنديل علّق في قرط العرش، أضاء به الوجود وأزهر.

    فعرفت فاطمة عليها السلام بـ “الزهراء”.

    لذا تراها إذا قامت في محرابها لتُصلي، أي لـ “تتصل” بالسماء، عالمها الأول ووطنها الأصلي، وهكذا عندما تلتقي بَعلها علياً، شقيق النور الأول، بل نفسه… عاد نورها ليزهر، وضياؤها ليتألق، فتضيء “المدينة” وتطـفأ السرج والمصابيح، حتى إن النساء لتغزل في الليل الحالك على ضوء ذلك النور.

    أخذت “لعيا” تفخر، وتصعّر على الحورخدّها، وتشمخ على الملائكة بأنفها، ولعله زهو لا يحبه الله إلا في مثل هذا الموضع… فمَن مثلها، وقد غدت هي “الخادمة”، لا سواها!

    زُفّت الحوراء “لعيا” في موكب ملائكي عظيم، خرج من الجنان إلى السماوات فالأرض، تحفّها وصيفاتها، يُسَرِّحن شعرها المتهدل فـوق كتـفيها العاجيتين، ثم المنثور المتطاير من فرط نفرتها وسرعة نهضتها، ويصلحن هندامها الذي أهمله انشغالها بالمبادرة وإسراعها بإنفاذ الأمر. فتدلف بينهن بقدّها الأهيَف، في خفة ورشاقة، غرّاء غـيداء، باسمة الثغر، وضّاحة الجبين… فكلّما خطت خطوة، قبّلت الأرضُ قدميها المعروقتين، وكلّما مرّت ببلقع اهتز وربا، وأزهر واعشوشب.

    وفي حين كانت الشغل الشاغل لكل مَن مرّت به ورآها، كانت هي في شغف ولهفـة أذهلتها، وترقُّب وفكرة صرفتها عن كل ما ومَن حولها، تسرع الخطى، وتطوي الطريق، لتبلغ مرامها بأسرع ما يمكن… فـقد تحققت غايتها من الخلق، وبلغت مناها، وأدركت السرّ الذي كانت تبحث عنه عمرها كلّه… ها هي على خطوات من كمالها وتمام شرفها!

    وفي الطريق إلى “البيت”، أزاحت “لعيا” أستار دمقس مُوَشّى بخيوط العسجد عـن عربتها المطهّمة، وهي تعرج في قبة زرقاء من اللازَوَرد، فوجدت الكمالات ورأتها متجسّمة، ناطقة، متجلّية بأروع صورة ومنظر:

    العدالة تواكبها على ظهور الرياح، والعفّة تقودها على الغمام، والجود يسوقها على البراق، والجلال يخفرها من فوقها ومن تحت موكبها، والعزة ترفل في أثوابها الزاهية، تكلل المشهد بأجمعه.

    وعلى أعتاب البيت، وقفت الفضيلة تفرش لهذا الركب العظيم بساطاً من الورود، والملائكة ترفرف وتحييه بالحمد والتهليل والتسبيح، والصلاة على ربّ “البيت” وقاطنيه.

    وعلى الباب… تلقّت “لعيا” التـعليمات النهائية من جبرائيل، وأُفهمت أن هذا الميلاد ليس كغيره من المواليد، فقد كان الحمل يحدّث أُمّه، ويكرر عليها: “أنا القتيل، أنا الذبيح”!

    إنه ميلاد ومأتم، فرحٌ وتَرَح، سرور وحزن… فعلَيها أن تحسن أداء مهمتها في السلوى، وأن تـشغل “الأُم” وتصرفها عن الفكرة في ما ينتظر مولودها الأعظم من البلوى.

    وعلى مشارف الطَور الأخير من طـقوس اللقاء وإجراءات الدخول، وقفت “لعيا” تنتظر جواب طلب الإذن الذي رفعه جبرائيل…

    وقد رأت اضطراب الملائكة وإهطاعها، وارتباكاً وهلَعاً يعمّ الأجواء ويلفّها… هذا يعرج وذاك يهبط، وطائفة متحفّزة وأُخرى في خفر، وقبيل يترقّب وآخر يستعد ويتهيأ، والجميع في هيجان واستنفار.

    فجثت على ركبتيها، ونشرت جناحيها، ستراً، أو مبالغة في الضراعة وفي ما هي مقبلة عليه! وأمسكت بعـضادة الباب، وأسندت رأسها على رتاجه، وأخذت تقبّله، وأرسلت زفرات وتنهدات وأطلقت عبرات وأخلت سبيل دموع طال حبسها… وقد سجى طرفها الأخّاذ، فترقرقت من بين أهدابها الوطفاء عبرات لؤلؤية، تتقاطر على صفحة خدّ مورّد أسيل، وراحت مَلِكة الجمال وأميرة الحسن وربة الدلال تتمتم:

    رحماك يا رب… ويح قلبي، أين أنا من هذي الدروب؟ أنا ما عرفت إلا الجنان، والراحة والاطمئنان… وهذه مصائب وويلات، وقُلل دونها تنقطع الأنفاس، وهموم ومحن تندك لها الجبال. إنها أهوال هذي التي يعيشها هذا البيت، وعظائم يُدَبَّر من خلالها الوجود، ورحى تدور عليها النواميس والأقدار، هذا قطبها. وأنا لا عهد لي إلا بركن أنفرد به، وزاوية أنطوي فيها. فأي معترك هذا الذي أقف على أعتابه؟!

    لعمري، أهذه هي حياتكم يا “أهل البيت”؟

    أي قلب يطيق هذا؟ إنني أعجز عن تدبير أُموري وشؤوني الخاصة، على صغرها وتـفاهتها، ولربما وَهَت أركاني وتداعت، وشَرُفتُ على الانهيار، إن علِمتُ بخلاف عارض بين اثنتين من وصيفاتي!

    فكيف تعيشون يا سادتي؟ وكيف تمرّ الأيام عليكم وتـتـوالى الليالي؟… أي قلب حمول للنائبات يخفق في هاتيك الصدور؟ أي روح مضطلعة بالشدائد تدبّ في تلك الحنايا؟ أي جأش تثبتون به على النوازل والخـطـوب؟… أي عرىً للجَلَد، وأساطين للصبر، وأطواداً للأناة قامت هنا؟ فإن أشـرق صباح البِشرِ يوماً، وتهلل وجه الدهر، عن ميلاد تقرّ به الأعين، وتسكن به النفوس… نَعِبَ غراب البين، ورفرفت الهموم، لتخلط سروركم بالمرارة والأسى؟!

    أميلادٌ وقتل؟!… إيه يا مولاتي يا “زهراء”! 

    وكانت قد أهوت إلى الأرض، واستـقرت على هيئة السجود، وصارت تقبّل أعـتاب الباب، قبـل رتاجـه وعضادته… عندما أُبلغت الاسـتجابة لطلبها، وتلقّت صدور الإذن بالدخول.

    دخلت، ليتفتّح فمها الأحوى ومبسمها الجميل، عن تحية عـطـرة، وسلام كامل تام وشامل عام.

    وإن وارت الحزن وغالبت الكمد، وتصنّعت الجلَد وإظهار البشر والسرور، وفقاً لما تقتضيه “المهمة” المناطة بها… فقد قالت في رقّة وعذوبة، ودلال مطبوع، ما تكلّفت منه شيئاً: “السلام على الصديقة الطاهرة فاطمة الزكية، حبيبة حبيب الله ونبـيه، وأُم أحبائـه وأصفيائـه، التي انتجبها الله وفضّلها واختارها على نساء العالمين… ما قرّت عيني ولا هنئت، منذ كنت، كما أنا الساعة في حضرة مولاتي سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين”.

    أجابتها “الزهراء” وردّت السلام… وقد لحقها الحياء من “لعيا” إذ لم تَدرِ ما تفرش لضيفتها الجميلة الكريمة، وبم تستقبل هذه المترفة المنعّمة، القادمة من الفردوس الأعلى؟! إذ ليس في هذه الدار من أثاث ومتاع إلا فراش من جلد كبش، ومخدّة من ليف، وقدر وخوان، وجرّة وكوز، وعود نُصِبَ هنا تتدلى منه قربة وسقاء، ولوح سُمّر في الجدار هناك تُعلّق عليـه الثياب… هذا والبيت مهبط الملائكة، ومعدن الوحي والتنزيل، وفي أكـنافه مقاليد السماوات والأرض، وإليه تهبط ومنه تصدر مقادير الرب الجليل!

    وبينما “سيدة النساء” متفكرة في ما تصنع بضيفتها، حان منها ما صرف شيئاً من إرادتها، دون أن تلتفت، ولا أن تومئ وتشير، ناهيك بأن تأمر أو تطلب… إذ حضرت ـ في الآن ـ حور حسان لتسـعفن الموقـف، وهن يحملن درنوكاً من درانيك الجنة، بسطنه في رحبة الدار، لتجلس عليه “لعيا”.

    ـــــــــــــــــــــــــــــــ

    * مشهد من رواية “القربان”، يناسب حدث الميلاد، ويسطر بعض ما وهبتني الزهراء لأقدمه إليها في ذكرى ميلاد قرة عينها.

  • تعيش الساحة الشيعية ظاهرة خطيرة، ما زالت تنقض عرى الدين والإيمان، وتهدّ في المذهب أصلب القواعد وأقوى الأركان… وبعد هتك المرجعية والعبث بمقام التقليد والإفتاء، ها هي ثورات التغيير وحركات الإصلاح تُهتك وتُبتذل على أيدي عبدة ذواتهم من المعقدين والصبيان!
    بعد أن كان الأمر في الحركات والثورات، وحمل رايات الدعوة والإصلاح، شأن السراة والعِلية والأشراف، من ذوي العلم والنباهة والصيت والوجاهة، الذين تمتد إليهم الأعناق ويطبق ذكرهم الآفاق.. فلا يتسنمه إلا معظَّم في قومه وأهله، موقَّر في بلاده ومصره، مفخَّم بين أترابه وأقرانه، فيقال إذا قام ودعا: أهل ومحل… صار يطمح في الدوْر والمقام كل رذل لئيم، دون خسيس، نكرة تافه، ساقط جاهل، لا يعرف الهر من البر، ولا كوعه من كرسوعه، فُـلْ بن قُـلْ (كما يقال)… غدا ـ فجأة ـ يطمع أن يُطاع، وأصبح ـ بين ليلة وضحاها ـ يروم أن يُلتف حول راية رفعها، وتنقاد الجموع لرئاسة ادعاها، وهو مَن لا يُحفل به ولا يُعبأ، ولا يأبه له ولا يُلتفت! صار أضراب هؤلاء هم مَن يقوم ويعلن الدعوة، ويقود الحركة وينهض بالثورة!..
    والعوام تستهويهم الآمال، وتغويهم الوعود والآماني والأحلام، فيلحقون ويتبعون، ويلوذون بهم ويكثرون سوادهم!
    ولد طائش، نرجسي حالم، يريد أن “يصحح” العقيدة ويعيد رسم منهاج الشيعة!
    وآخر ظالم لنفسه وغيره، مريض معقد، طاغ مستبد، لا يطيق همس معارض له، ناهيك برفع صوته، دون فعله ودوره، فيفتك به ويجهز عليه! تراه يدعي القيام لإزالة الظلم والجور، وطلب الحرية للناس وتحقيق الكرامة لهم!..
    وغيرهما عشرات، تزدحم بهم الساحة وتضج الفضائيات، وتتوالى المواسم وتعج، دون أن يعتمر أحَد أو يحج!

    وإذا أراد متابع أن يحلل الظاهرة بعيداً عن شبهة التحامل، ووفق معطيات حسن الظن، فإنه سيسجلها:
    واحدة من أخطر مَواطن الخطأ والغفلة التي ابتلي بها جملة من المؤمنين، وسقطت فيها جماعات من الغيارى الملتزمين، ولعلها بلغت حد الظاهرة التي تعم الساحة الإيمانية… أن رسموا لأنفسهم ووضعوا أهدافاً كبيرة وغايات ضخمة عظيمة، ليست من شأنهم ولا من مهامهم وتكاليفهم، وبالتالي لا ينبغي أن تكون في مساعيهم وأدوارهم، لا لمجرد أنها قصية، بعيدة المنال، لا يمكنهم أن يقربوا ويدنوا منها، وليس لهم أن يتناوشوها، فضلاً عن أن يطالوها… بل لأنها ـ في صيرورتها ـ تخضع لعلل غيبية، ومسببات خارج نطاق الإرادة البشرية.

    أهداف تحوم في فلك تغيير الأنظمة الحاكمة في هذا العالم، وتبلغ تبديل الخارطة الجيوسياسية المهيمنة على الأرض (ومن ذلك الفتح العقائدي الذي يعيد الحق إلى نصابه وينصف أهله وينهي ظلامتهم)!.. إنها أُمور تخضع لدوران عجلة القضاء وحركة القدر، وانتظام ناموس الكون والحياة وفق طبيعة هذه الدنيا الدنية. إنها شؤون عامة خطيرة، ونطاقات قاهرة منيعة، تحيط بها أسوار عالية، وسدود منيعة، وتحكمها موازين كونية وسنن غيبية تتعلق بغاية الخلق وأصل اتخاذ هذه الدنيا دار امتحان وابتلاء، ثم سنة الصراع والتدافع التي تتكامل من خلالها الأشياء وتبلغ مقاصدها التي أرادها الله لها.

    إن الإخوة الداخلين أو الخائضين في الشأن العام عليهم أن يعوا أحجامهم وقدراتهم، ثم يرعوا ذمم أهلهم وإخوانهم، ومذهبهم وطائفتهم، فلا يهلكوا أنفسهم بلا طائل، ولا يبذلوها في غير موضعها، إنما هي نفس واحدة، ولا سعة لمحاولة ثانية، فليست هناك فرصة لإعادة الكرّة وتجديد التجربة. وقد ورد عن الصادق عليه السلام: “اتقوا الله وانظروا لأنفسكم، فإن أحق من نظر لها أنتم، لو كان لأحدكم نفسان فقدم إحداهما وجرب بها واستقبل التوبة بالأخرى كان، ولكنها نفس واحدة إذا ذهبت فقد ذهبت والله التوبة، إن أتاكم منا آت يدعوكم إلى الرضا منا، فنحن ننشدكم أنا لا نرضى، إنه لا يطيعنا اليوم وهو وحده، فكيف يطيعنا إذا ارتفعت الرايات والاعلام؟” (علل الشرائع: ص 577).

    ولست هنا ـ بطبيعة الحال ـ في وارد التنظير والافتاء وبيان التكليف الشرعي للناس، فهذا مما يأخذه كلٌّ من الفقيه الحق والمرجع الجامع للشرائط (لا المتَّجر المتسلّق والمزيف المستأكل)، ولكني أريد الإضاءة على حقيقة يتجاهلها الخطاب السياسي الذي نعيش، ويتعامى عنها الحركيون، ويغيِّبونها، ليسلم الناس إليهم القياد، ويسهل منهم الانقياد..
    الحقيقة التي يرسمها النبوي الشريف: “يا علي، إن إزالة الجبال الرواسي أهون من إزالة ملك لم تنقض أيامه” (الوسائل:11/38).
    إن للدول والأنظمة الحاكمة، ملكيات وجمهوريات وغير ذلك، آجال وأعمار كما للإنسان، لهم أطوار لا بد أن يقضوها، ومراحل لا بد أن يقطعوها، ليأتي غيرهم ويرتسم المخطط الإلهي، ويتحقق في سعي الجميع وكدحه إلى لقاء ربه وفقاً لما اختاره من دربه.

    دع عنك الشعارات البراقة والدعاوى المغررة التي تخلط بين الثقة بالنفس وبين الطغيان والغرور، وتخلق تداخلاً بين الإيمان بالقدرات الذاتية التي تبعث على السعي والعمل والإنتاج والإبداع، وبين الوهم والخيال الذي يأخذ صاحبه إلى التيه والخيلاء، وتجعله لا يفرّق بين الممكن والمحال، ويخلط بين الوقائع والآمال…
    شعارات تسوّل وتزين وتغري، وتنفخ في كانون النفس وجذوة الأنا حتى تحرقها، وتضخم في الروح وتبعث فيها الأورام، وتُركِب صاحبها منطاداً تقطعت عنه الحبال وأسقطت الأوزان والأثقال، فيعلو ويرتفع، حتى إذا أقلع وحلّق، وطار وارتفع، وتناولته الأهواء وتناوشته التيارات، لم يعد يدري أين يحط وكيف يهبط، ثم يخترق البالون ويتمزق المنطاد، ويهوي الراكب صريعاً على أم رأسه!

    جميل أن يعيش المؤمن أمل دولة العدل الإلهي، وأمنية تحقق التطبيق التام لأحكام الله على كل البسيطة، ونفوذ الولاية وحاكميتها الشاملة العامة، وهزيمة الكفر والنفاق، وزوال الشرور ونهاية الظلم وانتهاء الفسق والفجور… بل هذا من الأمور المطلوبة، المثاب عليها، ومن روافد تزكية النفس وطرق تهذيب الروح، أن تساق الأماني والآمال، فتصب في الغاية الإلهية من خلق هذه الدنيا. ولكن دون غفلة وخلط، يتجاهل فيه المرء حجمه، ونطاق الممكن والمتاح من عطائه، ويغفل النواميس الكونية والقوانين والسنن الطبيعية التي تحكم تحقق تلك الغايات العظيمة…
    نحن مكلفون بأداء أدوارنا الشخصية وإنقاذ أنفسنا “يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم“، وفي الدائرة الأوسع أهلينا “يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً”، أما الشؤون العامة ومصير البلاد والعباد، وعاقبة الأُمم والشعوب، ومآل الدين في عقائده وأحكامه، وتحقيق العدالة الاجتماعية ونشر الحق والفضيلة… فهذه تحكمها نواميس وسنن، وتخضع لعوالم وقوى، وتتطلب حروباً وصدامات وصراعات، وما أحدنا منها (فرداً كان أو جماعة وحزباً) إلا سِنٌّ ونتوء صغير في واحدة من آلاف التروس الضخمة الكبيرة، التي تتحرك مرتبطة كل منها بالأُخرى، وتدور لتصنع الحدث وتحقق الصيرورة التاريخية!
    وبعد هذه الآلية المتداخلة المترابطة، والتراتبية التي تجعل التالي والقادم محالاً دون آلاف المقدمات، وما أنا وجماعتي وحزبي، إلا مجرّد واحد من هذه الآلاف!.. هناك طاقة ويد محركة، هي التي تدبر الكون وتدير عجلة أقداره، وأين هذا من مبدأ الإرادة وأصل الحرية ونفي الجبرية؟ فكل ما يمكن أن يقال هنا مما تسعه مقالة، أنه أُجيب عنه وتمّ في معالجات العلماء المتخصصين، فذره الآن في سنبله وارجع إليه في محله، أو كما قال الآخوند الخراساني: “كُفَّ اليراع وانثلم حين بلغ هذا الموضع القلم”.
  • إن من شأن الخلق ونزعته الطبيعية ومجاري الأمور العادية أن يكون في الدنيا ظلم وقبح وشر… ظلم سياسي يورث قهراً واستبداداً وقتلاً وتشريداً واضطهاداً، تمارسه أنظمة جور يرأسها فراعنة ويتولاها جبابرة وطواغيت في كل عصر، وظلم اقتصادي يورث فقراً وأمراضاً وجهلاً وتخلّفاً، يقوم به قوارين كل زمان من الفاسدين المترفين البطرين، وظلم اجتماعي يستعبد المستضعفين ويذل أهل الحق، ويعلوا فيه الطلقاء وأبناء الطلقاء، على الأشراف والنجباء…
    وإزالة ذلك والقضاء عليه، وتغييره إلى الحق والصواب، ليس من شأني ولا شأنك، ولا في مقدور أحد من عامة المؤمنين، إنه اختصاص الإمام المعصوم، المتصل بالغيب، المطلع على حركة القدر ومسير عجلة القضاء، والعارف بموقع الحدث من الزمان والمكان المناسبين، وهل آن الأوان وحان الحين للقيام، أم هو زمان “ذي القباء الأصفر”؟ (كان عبدالله بن الحسن قد جمع أكابر العلويين للبيعة لولده، فقال له الصادق: إن هذا الأمر لا يتم! فاغتاظ من ذلك. فقال عليه السلام: “إنه لصاحب القباء الأصفر، وأشار بذلك إلى المنصور! فلما سمع المنصور بذلك فرح لعلمه بوقوع ما يُخبر به، وعلم أن الأمر يصل إليه”).

    ترى، مَن عنده «مصحف فاطمة عليها السلام»؟ أو مَن اطلع على «الجفر الأبيض»؟ ليعرف مَن سيكون له نصيب في الملك، وكيف سيكون ذلك ومتى؟ كما في حديث الفضيل بن سكرة قال: دخلت على أبي عبدالله عليه السلام، فقال: “يا فضيل! أتدرى في أي شيء كنت أنظر قبيل؟ قلت: لا. قال: كنت أنظر في كتاب فاطمة، ليس من ملِك يملك الأرض إلا وهو مكتوب فيه باسمه واسم أبيه، وما وجدت لولد الحسن فيه شيئاً” (الكافي 1 / 242). (وأذكر أن أحد العلماء كان قد “تنبأ” باستشهاد السيد محمد باقر الحكيم بعد سقوط صدام، وقبل أن يستقر العراق فيحكمه، فلما سُئل عن الأمر ذكر هذا الحديث الشريف، فآل الحكيم سادة طباطبائية ينتهي نسبهم إلى السّبط الأكبر عليه السلام). وفي حديث آخر.. قال عبدالملك بن أعين لأبي عبدالله عليه السلام: إن الزيدية قد أطافوا بمحمد بن عبدالله بن الحسن (أي يدعون إليه ويطلبون له البيعة) فهل له سلطان؟ فقال: “والله إن عندي لكتابين فيهما تسمية كل نبي، وكل ملك يملك الارض، لا والله ما محمد بن عبدالله في واحد منهما” (الكافي 1 / 242).

    إن نجاح الحركة (بمعنى تحقيق النصر)، يتوقف على أن تكون موافقة لسنن الكون ومنسجمة مع نواميسه، وهي أعم من الأحكام الشرعية الظاهرية، والعوامل والنطاقات الكونية الحاكمة.
    فإذا أراد أحد ـ بعد هذا ـ أن يعمل بواجب النهي عن المنكر، فيتصدى للظلم، ويسعى لتقويض نظام جائر وإسقاط حاكم ظالم، مرتكزاً على الحكم الشرعي، دون اتصال بالغيب ومعرفة بالمقدرات وآجال الأنظمة والحكومات، فله ذلك، إن “أراد أن يكون المصلوب في الكناسة”! لكن ليس له أن يمنّي الناس بالباطل، ويعدهم بنصر موهوم وعزٍّ قادم.

    هناك أحزاب ومنظمات قامت على نشر هذه الثقافة وترسيخ هذا الداء وتعميقه، داء السعي للملك وطلب الجاه والشهرة والرئاسة، وآفة التمني وحلم تحقيق النصر والظفر والغلبة (مقابل قيام أعظم ثورة وحركة إصلاح في الوجود، وخطاب سيد الشهداء عليه السلام: “مَن لحق بي استشهد ومن تخلّف لم يدرك الفتح” !)، يغرسون في الشباب وَهم القدرة على الفتح، الفتح في شتى الحقول والمجالات (التي تورث الشهرة وتحقق لهم المجد)، يجتذبونهم بهذه الحقن والجرعات المخدرة المسمومة! حتى جعلوهم يعتادون عليها ويدمنونها، صاروا يتبعون ويلحقون من يعدهم ويمنيهم بها، وصدَّقوا أن لهم شأناً ومقدرة، وأن فيهم خصوصية إبداع وعبقرية… أعرف أحدهم كان حزبه ـ وما زال ـ ينفخ فيه كالقربة الفارغة، ويقرع عليه كالطبل الأجوف، حتى صدَّق المسكين نفسه وصار يسطر”الكتب” و “المؤلفات” وهو صبي لم يبلغ الحلم بعد! والولد لم يحصّل أصلاً ليقال أنه قطع أو لم يقطع شوطاً! وقحم آخر لا يختلف عن الأول كثيراً في ميله إلى يسير فهمه، ميدان الثورة العقائدية، وحمل راية ما زالت ساريتها مغروسة في صدر الطائفة، تفري الكبد منها وتدمي القلب!

    وفي الجانب الآخر من مشهد المأساة، تجد مَن يلاحق أخبار الانتفاضة في فلسطين وانتخابات الرئاسة في فنزويلا، ويحفظ كلمات السيد القائد والزعيم الخالد ويرصد ليحتفل بتاريخ ميلاده، وهو لا يحسن أوليات معارف دينه، عقيدة وأحكاماً، ويقف في دنيا الالتزام والأخلاق دون الدرجة الأولى، بل يقبع في حضيض اللوث الروحي وركام الغشاوة والسواد، فإذا سمعته يتحدث عن إصلاح المجتمع والعالم تحسبه طوى العاشرة، وفرغ من الجهاد الأكبر وبلغ في تزكية نفسه وإصلاحها ما يكفيها، فانصرف وتفرّغ للأصغر، وراح يخوض هذي الميادين (وغالباً ما تجد هؤلاء من الثوار الكتبة والكسبة، البعيدين عن سوح القتال الحقيقي والتضحية) تطوعاً وتنوعاً. 

    من المضحك المبكي أن يعمل أحدهم ويجاهد لتحقيق العدالة في الكرة الأرضية، ويسعى لقلب أنظمة سياسية طاغية، بجيوشها وأموالها وإعلامها، وهو صفر اليدين، لا من القوة المادية، بل المعنوية الروحية، فهو متخلف عاجز عن التزام النوافل بعد صلوات يؤيدها كنقر الدجاج! يصرف ساعات يومه وليلته في متابعة الأخبار، ويخوض معارك ضارية على كلمة قيلت فمسّت قائده وزعيمه، ولا يكترث بهتك ناموس الوجود والجرأة على حرمات الله ومقدسات الدين، يحسب أن ذلك من مقولات التاريخ والترف الفكري، والتصدي لها والانشغال بها هدر للطاقة وتضييع للجهد والوقت، وأن السياسة هي الميدان الحقيقي.

    رحم الله عبداً عرف قدره فلم يجاوز طوره أو حدّه، وما هلك من عرف قدره…
    إننا بحاجة إلى وقفة تقطع الطريق على هذا الطيش والزيف والإتجار، وتعرّف المؤمن بحجمه وموقعه، وتصرفه إلى ميدانه الحقيقي، تزكية النفس وتكميلها، ولا ينكر أن الجهاد أحد أبوابها، بل من أسماها وأشرفها، لكن بشروطه وآدابه وما يحقق مقاصده، والأهم الأخطر فيه: دون تغرير وإغواء، واستدراج إلى رايات ضلال ودعوات باطل، واستغلال يشغل ويهدر طاقات النجباء في خدمة مشروع الطلقاء!

  • “ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد، لكم دينكم ولي دين”. 

    هناك انحرافات وضلالات، بدع وشبهات، تصيب الدين في مقتل، وتنال من العقيدة والولاء في الصميم… يضطلع بها تيار ينهض به نوعان، الأول غلبه الجهل البسيط أو المركب فارتكس على أم رأسه، ودُقت عنقه في الهاوية، ولم يشعر! وما زال ينظّر هراءً يحسبه علماً، ويعرض حشواً يظنه ديناً. والآخر تحدوه المصالح وتدفعه المنافع، وقد غلبته آفة حب الجاه والشهرة، وحكمته نزعة الوصولية، وما إلى ذلك من مظاهر وتبعات غلَبة الهوى ومعطيات اللوث الروحي والأخلاقي، الذي يزري بدين الإنسان ويهتك عصمته ويفسد عقيدته، فينمق خبثاً ويزيّن زخرفاً…

    ومما نزل بالساحة الإيمانية مؤخراً فأورث ميوعة في الهوية، ونال من النقاء والأصالة، وكان له دور أساس في الحط من السلوك والعقيدة الخالصة: الخلط في فكرة التبري، والعبث بها بين إفراط الجهلة المستأكلين، يزايدون ويكابرون ويشعلون الساحة ويشغلونها باسم الولاء والحمية لآل محمد، وبين تفريط أقرانهم السياسيين، الذين جعلوها ورقة يلعبونها في مقامراتهم، يطمسونها طوراً باسم الوحدة، ويلقونها على المائدة أخرى حين احتاجتها معاركهم واقتضتها صراعاتهم، وسيعاودون طمسها ثانية حين تنتفي الحاجة وتعود الحالة السابقة!… وقد أزرى هذا الأداء (في جانبي الإفراط والتفريط على السواء) بمفهوم التولي والتبري وميّعه بشكل سلخ عنه جوهره، بل محَقه فما عاد له وجود في حياة المؤمنين وسلوكهم!

    وكان لهذا الواقع المؤلم طريقه الشيطاني المشؤوم، الذي بدأ يسرى ويسلك في ساحتنا الداخلية، ولا بد أن نسلط عليه إضاءة تكشفه، ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيّ عن بينة:

    فقد اضطر العالم الإسلامي (شعوباً وحكومات)، في هذه السنين الأخيرة، التي تفشّى فيها وباء التطرّف الديني، وشاعت وذاعت لغته التكفيرية وأداته الإرهابية، اضطر إلى مواجهته بخطاب يُسقط في يد الغلاة، ويسحب البساط من تحت أقدامهم، فكان خطاب التعددية والانفتاح، ولغة نبذ العنف، والدعوة إلى المحبة والسلام.

    وكان من آفات وتبعات هذه الحالة، والأعراض والآثار الجانبية لهذا الخطاب، أن تسرّب إلى الساحة الإيمانية فكر سقيم وثقافة باطلة، تقول وتنادي بأننا كلنا جميعاً على خير: ليس هناك كفر ولا كفّار، لا ضلال ولا ضُلّال، لا انحراف ولا منحرفين، لا زيف ولا باطل ولا شرك ولا فسق ولا فساد، ولا أي شيء يقتضي التموضع ضد “الآخر” كائناً من كان، ناهيك باتخاذ موقف، وترجمة الأمر إلى فعل وسلوك فيه أي مستوى من الخصومة والعداء! وأصبح مرتكزاً في أذهان الشباب وعامة المؤمنين: أن لا شدة في الدين ولا حِدّة، لا غضب ولا غلظة، لا قوة ولا قسوة… تسامح وسلام، خفض جناح ولين عريكة، والأخطر من كل ذلك، التأسيس لمذهب التشكيك: كلنا على حق، رأيي صحيح يحتمل الخطأ، ورأيك خاطئ يحتمل الصواب، ليس هناك يقين وجزم، لأنه ليست هناك حقيقة ثابتة ولا أحكام قاطعة، كل شيء قابل للتغيير والتبديل، لذا يجب أن تكون مرناً طيّعاً، تجاري الزمان وتحاكي متطلبات العصر.

    وقد جاراهم بعض المؤمنين المخلصين مكرهين مضطرين، عاملين في هامش الالتقاء ومساحات الاشتراك التي تخدم ضرب العدو التكفيري وتعين في الحرب عليه، وتفسح لهم وتفتح أمامهم بعض الميادين.. وإذا بهؤلاء مثلهم بعد حين!

    وفي ظل حاكمية الجهلاء وغلَبة السفهاء.. طال الداء في المنع والحظر حتى ميدان الفكر والبحث العلمي، بذريعة أنه قد يفضي إلى تموضع ويورث حدّة وشدّة! بل ذهب بعضهم إلى ضرورة إزالة مواقع وركائز قائمة في بُـنية الدين، وحذف أصول مُسلّمة يزخر بها التراث.. لأنه صنفها في هذا السياق!

    هكذا اختفت الاصطفافات العقائدية، والمواقف المنبعثة من الغيرة والحمية والغضبة الإلهية، وتداخلت الأمور حتى قربت من: «”سيدنا” معاوية قتل سيدنا حجر»… وصار بعض المؤمنين يفخر ويباهي بأنه يقف في ساحات الصراع الفكري والعقائدي على الحياد، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء! غافلاً أن التذبذب قد يكون منشأ أو علامة للرياء، بل النفاق! وأنه يلتزم نزعة ويعيش هوس حفظ علاقاته مع الجميع، وإن جمع بين النقائض والأضداد، ووَالى أعداء دينه وصاحب خصوم مذهبه.. ويزهو بأنه مرضي عنه عند جميع الأطراف والأحزاب والتيارات!

    وكما أسلفت، هناك جانب مصلحي نفعي وُصولي في هذا الأداء، وهو مأساة، ولكن هناك جانب آخر أكثر مأساوية وأشد خطراً، هو انقلاب المفاهيم وتداخلها. هناك من ينبذ “العصبية” و”الحمية” من رأسها، ويغفل أن منها ممدوح مطلوب، ويرفض “الشدة” و”الحدة” و”القوة” في أي شيء، ويتجاهل آيات قرآنية تدعوا إليها وتحث عليها.

    يقرأ في الجامعة الكبيرة: “برئت إلى الله عز وجل من أعدائكم، ومن الجبت والطاغوت، والشياطين وحزبهم الظالمين لكم، الجاحدين لحقكم، والمارقين من ولايتكم، والغاصبين لإرثكم، الشاكين فيكم، المنحرفين عنكم، ومن كل وليجة دونكم”، ولا يفقه أو لا يكترث أنه يقلد ويدعم مرجعاً مزيفاً، ويداهن ويضارع مَن يحمل معولاً يهوي به على أسس الحوزة وركائز المذهب! ويقرأ في القرآن الكريم: “وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم”، وتراه يصاحب جماعة تستهزئ بأعظم آيات الله، وتسخر من شعائر الله، وتجحد مقامات أولياء الله.. ولا يبالي!

    في الحديث الشريف عن سليمان الجعفري أنه قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول لأبي: مالي رأيتك عند عبدالرحمن بن يعقوب؟ قال: إنه خالي. فقال له أبوالحسن عليه السلام: إنه يقول في الله قولاً عظيماً: يصف الله تعالى ويحدّه، والله لا يوصف، فإما جلست معه وتركتنا، وإما جلست معنا وتركته. فقال: إن هو يقول ما شاء، أي شيء عليّ منه إذا لم أقل ما يقول؟ فقال له أبوالحسن عليه السلام: أما تخاف أن تنزل به نقمة فتصيبكم جميعاً؟ وكم هو مؤلم ومفجع أن يتلى هذا الحديث على مؤمن، فلا يقطع علاقته بمنحرف ضال فاسد العقيدة! والسخط الإلهي ليس بالضرورة أن يكون هدماً وخسفاً وصاعقة وفقراً ومرضاً… بل قد يكون بسلب المصاب المبعَد لذة المناجاة، يتهالك على دمعة في جوف الليل فلا يحظى، يستوي في مجلس عزاء سيد الشهداء ويستمع لمصاب يصدّع الجبال، فلا يلين قلبه ولا تسيل عينه، بل يعجب من فجعة بعضهم وصرخته، ويراها بدعة وإغراقاً!…

    نحن مأمورون بمقاطعة أصحاب الأباطيل وأهل البدع وأرباب الضلالات، هناك خطاب جاد وشديد مغفول عنه في تعاطينا الاجتماعي، غيّبته المصالح، وزواه ضعف الهمم وخوَر العزائم، فمَن يطيق الجفوة والخصام؟ ومَن يسعه أن يعيش منفرداً؟ وقل إن شئت مَن يطيق أن يقبض على الجمر؟ وسط نداءات مغررة ومغرضة كلها حث على الالتقاء والتماس للأعذار؟ وتلويح بوحدة الساحة ونبذ الفرقة؟ كيف لك أن تعظ أخاك وتحثه على العزلة والانعزال: لا تجالس هذا، ولا تعاشر ذاك، ولا تكثّر هذا السواد، ولا تروج لهذه العمامة الضالة المضلة؟

    أذكر موقفاً صاعقاً للميرزا جواد التبريزي رضوان الله عليه وقدس سره، حدث في سوريا، في أول زيارة لابنه، أثناء الإعداد لافتتاح مكتب له في جوار السيدة زينب عليها السلام…

    كنت أرافقه، وكنا قد استأجرنا شقة في نفس البناء الذي يقطن فيه السيد عبدالله الغريفي، وهو سيد معروف بوداعته ودماثة خلقه، لكنه من أعمدة الترويج لفضل الله! وممن ينهض باحتجاجه والدفاع عنه، ويستميت في دعمه ونصرته… وقد وافق خروجه يوماً من بوابة العمارة دخولنا أنا وابن الميرزا التبريزي، تنحيت أنا جانباً لأخلّص نفسي من المأزق المرتقب، فبادر الرجل بالسلام على الشيخ جعفر، ففوجئت به يعرض ولا يرد السلام! مضى الرجل في طريقه، وقد ارتسمت علامات الدهشة بل الذهول على وجهه! والتفت أنا إلى الشيخ بين استغراب واستنكار: ألا يجب رد السلام؟

    فنقل الشيخ وصية والده رضوان الله عليه وقال: قبل سفري إلى الشام سألت الوالد عن مواقف قد أتعرض لها هنا، ففي عرف الحوزة والعلاقات بين أهل العلم، سيفِد إلى زيارتي بعض المعممين من أتباع فضل الله، فهل عليَّ أن أرد الزيارة؟ فأجابني: بل ليس لك أن تستقبلهم! إذا جاؤوك اخرج من المجلس وأعرِض عنهم! بل إذا صادفك أحدهم في الحرم أو في الطريق وسلّم عليك، فلا ترد عليه السلام! هذا لكبرائهم من أعوانه المروجين له والناهضين باحتجاجه، أما سائر أتباعه من العوام، فاحتضنهم وارفق بهم، وصلهم ما استطعت، عسى أن تنقذهم وتحييهم، ومن أحيا نفساً فكأنما أحيا الناس جميعاً.

    هذا موقف أحد قمم العلم والتقوى والزهد والورع، والغيرة والحمية، يقابله نفاق ورياء منغمس في الشهوات، غارق في الجهالات، يحجم ويمسك عن اتخاذ موقف حذر الحدة والشدة، وحيطة لدينه الذي باعه من قبل بدنياه أو بدنيا غيره!… قتلنا التقدس الزائف والورع الأجوف، كما قتلتنا الإباحية وهتكنا التسيب. وما زالت صرخة علي عليه السلام تدوي وتعصف لتصفع الأجيال وتوقظها من غفلتها، وتسري في النفوس الحية فتصعقها لتنهض من سباتها وتصحح دربها: “قصم ظهري اثنان: جاهل متنسك وعالم متهتك”.

  • في زمن قحط الرجال، وندرة الأبطال، أبطال ساحة تزكية النفس وميدان الجهاد الأكبر، وقد خاتل الدهر بصروفه وحبائله أهل علم ودين، يعدّون من الأعلام، سرقهم واسترقّهم، فمنهم من كتم الشهادة، ومنهم من زيّف وحرّف وقلَب، وذهب بها آخرون حد شهادة الزور! وخدعت الدنيا بغرورها فهزمت رجال سياسة ومجاهدين يشار إليهم بالبنان، وتملأ صورهم الأركان، فباعوا دينهم بدنياهم، وفرطوا بجوهرة الولاء، وبذلوها رخيصة لمن ابتاعهم من القادة والزعماء، وغرّرت نفس بجنايتها، فأسلمت مؤمنين صالحين، استسلموا للشهوات، وعجزوا عن مقاومة الأهواء والأمنيات… ارتهنهم المال، واستحوذ عليهم حب الجاه والمقام، وغلبهم الطمع في النفوذ والسلطة، وصرعتهم الشهرة وأسقطتهم الأضواء

    وفي خضم هذا المد الكاسح والسيل الجارف، الذي استلب واقعنا وصار سمة زماننا، بقيت قامات صامدة كباسقات السرو، ووارفات السدر، وشامخات النخيل… في وسط هوامد هذه المعاهد، وخاوي تلك البساتين ومجدب هاتيك الحقول، وبين ركام وبقايا الأخلاق المندثرة المضيعة، وأطلال أماني المدينة الفاضلة…

    صمد “رجل”، وأنِفَت هامة، وشمخت قامة، وعلَت نفسٌ، وحلّقت في السماء همّة، وبلغت في المجد قمة…

    رسم دربه بحرص وعناية، واختط طريقه على هدي الأمانة، وراح في سير وسلوك يشعرك أنه منفكٌ من إملاءات المحيط الذي كان يعيش، وتسويلات غمرت وسوّغت لأقرانه، غير مكترث ولا مبال بالمؤثرات التي تريد أن تحتوشه، ولا يعير الأجواء، سواء باعتباراتها المفترضة، أو بمعطياتها المحسوسة، أية قيمة، أمام قيَم آمن بها وعاش لها ديناً، عقيدة وعملاً…

    هكذا عرفت المرحوم السيد محمد علي الحكيم، بل هكذا يظهر ويفرض نفسه على كل من دَنَا منه، وتهيمن روحه أينما حل وارتحل. 

    في الحديث الشريف عن أبي عبدالله عليه السلام: “… ولكن شيعتنا من لا يعدو صوته سمعه، ولا شحناؤه بدنه، ولا يمدح بنا غالياً، ولا يخاصم لنا والياً، ولا يجالس لنا عائباً، ولا يحدث لنا ثالباً، ولا يحب لنا مبغضاً، ولا يبغض لنا محباً… إنما شيعتنا من لا يهر هرير الكلب، ولا يطمع طمع الغراب، ولا يسأل الناس بكفه وإن مات جوعاً… أولئك الخشن عيشهم، المنتقلة دارهم، الذين إن شهدوا لم يُعرفوا، وإن غابوا لم يُفتقدوا، وإن مرضوا لم يُعادوا، وإن خطبوا لم يزوَّجوا، وإن ماتوا لم يشهدوا، أولئك الذين في أموالهم يتواسون، وفي قبورهم يتزاورون، ولا يختلف أهواؤهم وإن اختلفت بهم البلدان”.

    وكلما قرأت هذا الحديث (وكذا خطاب أميرالمؤمنين لـ”همام” في صفات المتقين) وجلت بفكري أبحث عن مصاديق خطبته في زماننا… كان الفقيد العزيز السيد محمد علي الحكيم، ممن يتمثل ويشخص في خاطري. 

    لا أزعم أنه كان عالماً أو من الفضلاء، أنهى السطوح على يد هذا، وطوى المراحل العلمية على يد ذاك، قرّر لأساتذة، وألقى على تلاميذ، وخرّج طلاباً… وإنما كان مؤمناً بسيطاً، مغموراً، بالكاد تميزه عن سائر الناس، وحتى تفعل، عليك أن تكون من الفطنين الأكياس. لم يكن من أهل العلم بالمعنى التخصصي، ولا كان حتى متشرفاً بزيّهم (وكم كان حرياً به دون كثيرين من الأدعياء المستأكلين!)… لكنه كان في طليعة حقله، ومن الأوائل في ميدانه، ميدان التحقيق والدراسات والنشر. ضليعاً في اللغة، خبيراً باستعمالاتها، واقفاً على مواضع لحنها وشائع أخطائها وخفي أسرارها، حتى أنه كان يحفظ بعض كتب الفن كـ “قل ولا تقل” لمصطفى جواد، و”معجم الأخطاء الشائعة” للعدناني (وهو وما تلاه في الباب، عيال على الأول).

    ففي الحوزة ـ كما لا يخفى ـ وكما في كل حقل آخر، هناك نطاق وميدان موازٍ لأصل التخصص، يمثل خدمة مساندة وحركة مؤازرة، توفر ما يحتاجه الحقل الأصلي، ترفده بمستلزمات عمله، وتهيئ له المقدمات التي يفتقر إليها، وتعينه على إتمام وبلورة إنجازاته، وبلوغ ثماره وتحقيق نتائجه. (كما هي نطاقات الأشعة والصور والمختبرات والتعقيم في عالم الطب، ودون هذه يقف أعظم طبيب عاجزاً، وأكبر مشفى مشلولاً أو قاصراً)… هكذا هو الحال في الحوزة العلمية التي تقدم للأمة المعارف الدينية. 

    كان السيد الفقيد ممن يلاحق المخطوطات، والنتاجات العلمية الثمينة القيّمة، التي لم تحظ بما يليق بها من عرض ونشر وتستحقه من عناية ورعاية، فيحققها وينقحها ويصححها ويخرجها ليضعها في متناول العلماء والفقهاء، وعموم الساحة العلمية الشيعية (وآخر إنجازاته كان “دلائل الصدق” للشيخ المظفر بحلته الجديدة القشيبة). وهو أحد الأعمدة والأسس التي قامت عليها “مؤسسة أهل البيت” في قم (من أهم المؤسسات التي تعنى بالتراث الشيعي، وتتبع المرجع الأعلى السيد السيستاني) ونشرتها “تراثنا”، وقد أرسى ركائزها ورصَّ لبناتها الأولى بيديه المباركتين، على نهج وخطى وبرعاية أستاذه الكبير، محقق العصر، الراحل السيد عبدالعزيز الطبطبائي رحمه الله.

    كان مباركاً في ما أُعطي من علم، ورزق من نور وفهم، بعد عمر مديد قضاه مع الكتاب، فيُـلهَم انتزاعات ويقف على وجوه وتأويلات، قل أن ينصرف إليها ذهن ويلتقطها فكر! وما كان يحتفظ بها لنفسه (ويحبسها عنده كما يفعل بعض الأشحة من أنصاف العلماء، يلتفت إلى فذلكة تعالج معضلة، أو يقع على مصدر لنص غريب، فيضن به ويستأثر، ويغلبه عليه البخل حتى يموت فيدفن معه!)… كان مباركاً معطاءً كريماً سخياً، وللعلماء يداً وعضداً ومعيناً، وما زال يرفدهم ويمدهم ويسعفهم بما يحتاجون من شاردات المطالب ووارداتها، التي كانت تخفى على جهابذة وأعلام، فيلتقطها “أبو حسن” أو يهتدي إلى مواقعها ومظانها، بنور إخلاصه وجهد تتبعه، ويقدمها بصمت وامتنان، ودون بهرجة وإعلان، راجياً الأجر من سادته الكرام.

    لقد فقدت الحوزة العلمية، ولا سيما حقل النشر والتحقيق والدراسات، جندياً مجهولاً من خيرة جنودها، وبطلاً صامتاً كتوماً من خيرة فرسانها… رجل آثر عزَّ الآخرة على شُهرة الدنيا وزائل نعيمها، وعاش الزهد بمعناه الواقعي. ولا أزعم أنه كان عارفاً واصلاً ذَا مكاشفات وكرامات، ولا عابداً منقطعاً في صومعة، ومنصرفاً عن زينة الدنيا، متبتلاً عن لذاتها… بل كان مجرد مؤمن متديّن، يحرص ـ ببساطة ـ أن يكون ملتزماً بأحكام الشرع، ومتخلِّقاً برسالة أحاديث آلِ محمد التي كانت أُنسه في ليله ونهاره.

    كان يعيش صخب المدينة، بل في صميم جلبتها الحسية المشهودة، والمعنوية التي يمكن أن تأخذه إلى معترك صنع القرار، وتفسح له تجاه دهاليز السلطة وأروقة النفوذ والشهرة. وكانت له اتصالاته العلمية وعلاقاته الاجتماعية، وبعضها مما يتهالك طلاب الدنيا على الفوز بها وتوطيدها، فهي مفتاح المناصب، وباب إغداق الأموال والمكاسب، أو فتح السبل إليها… لم ينقطع “السيد الفقيد” في صِلاته وعلاقاته إلا من اللهو والفضول، ولم يزهد إلا في الحرام والمكروه، ولم يتجنب إلا مواطن الشبهة والريبة، ولم يتقوقع وينعزل إلا عن المريبين الملوثين…

    ولم يكن من الذين زهدت الدنيا فيهم، فزهدوا فيها! فإذا بُـشّر أحدهم بها، خرج إليها مهرولاً يسعى، وعانقها حتى هوى!.. بل كان من الذين أقبلت عليهم وسعت إليهم، وأتيح له اغتراف ما يشاء منها، فزهد فيها، وأنا واقف بنفسي على موارد وحالات بذلت له فيها الأموال فعفَّ وترفَّع، واحتاط وتنزَّه، على الرغم من كثرة الوجوه المبيحة، وسهولة التحايل، والتماس المخارج، والالتفاف “الشرعي” عليها!

    والعظماء، في اللحظة التي يصنعون فيها المجد، ويخطّون تطبيقات القيم ويمارسون المبادئ ويعيشونها… يفعلون شيئاً آخر، هو إتمام الحُجة على غيرهم، فيُـثبِـتون ـ عملياً ـ أن هذا سلوك ممكن، وأداء قابل للتطبيق، لا يحول بينه فساد الزمان ولوث البيئة وتردي الأجواء.. فقد اخترقها “السيد الفقيد” كلها وتخطّاها إلى قمة تربع عليها، وها هو يلقي درسه وموعظته بأفصح لغة وأبلغ بيان… بيان الموت وكفى به واعظاً. إنه يتمُّ الحجة على غيره ممن عرفه، أو بلغه عمَله ومسلكه… وها أنا أفعل (وأنا أنشر صفاته وخصاله)! ليكون مباركاً حتى في موته، وعبرة في وفاته، ومعلّماً لنا وهو راحل عنا!

    كثيرة سجايا فقيدنا العزيز، فيعجز بيان مقتضب كهذا أن يفي بعض الحق من تأبينه، ولكن مما يُعد سلعة نادرة في عصرنا هذا: الإيثار، ونكران الذات، وجحد الفضل، واختيار الخفاء على الظهور، والغمور على الشهرة والسمعة، وهذه بعض خصاله ولسان حاله “لو كان في يدك لؤلؤة، وقال الناس أنّها جوزة، ما ضرّك وأنت تعلم أنّها لؤلؤة”.

    إيه يا “أبا حسن”، هذه مقالة ما كنت أحسب أنني سأكتبها يوماً، وأسرار أفشيها، أعلم أنك كنت تؤثر طيّها وكتمانها… وكل ما أسألك: شهادة عند أمك الزهراء صلوات الله عليها، بأنني خادم محب، بل عبدٌ قِن لذريتها. 

    الناس للموت كخيل الطّراد، فالسابق السابق منها الجواد

  • يختلف الناس فيما بينهم ويتفاوتون في شتى الأمور، وهي سنة كونية وطبيعة بشرية… ومن يتحرك لتحقيق الوحدة دون الالتفات إلى هذه الحقيقة، أو بقصد إرغامها وتطويعها، مخطئ يلاحق سراباً، ومتوهم سيعود بخُفي حُنين.

    وهذا القرآن الكريم ينطق بالحق: “ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم”، ويؤكد حقيقة الاختلاف العقائدي في قوله تعالى: “ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً”. ما يعني أن الخلف بين الناس في أديانهم واعتقاداتهم، ومللهم ونحلهم، وأفكارهم وآرائهم.. باق ما بقيت الدنيا، حتى يرث الله الأرض ومَن عليها، ويُرغم المعاندين والعصاة، ويقهر أهل النفاق والشقاق، بالقوة والغلبة.

    سيبقى الناس مختلفين في الهدى، كما هم متفاوتون في الرزق يسخّر بعضهم بعضاً، وفي الألوان والأعراق والديار والأوطان جعلهم شعوباً وقبائل، وفي الطبقات والدرجات فضل بعضهم على بعض…

    إنها سنة تاريخية أخبر عنها النبي صلى الله عليه وآله بأن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة واحدة.. وكل سعي تجاه الوحدة، يتجاهل هذه النبوءة، محكوم بالفشل، وعدم الجدوى، مهما كان متقَناً محَكماً. وما زلنا نشهد صدق النبوءة ونعيش تحقق المقولة في كل عصر ومصر، وعهد وجيل، ونرى براهينها تترى حيناً بعد حين…

    لذا تحرك المخلصون والعقلاء في إطار الممكن، وبنوا مشاريعهم “الوحدوية” لتلتزم سقفاً يظللهم ويقيهم شرور الاختلاف وسيئات النزاع والشقاق، ويوقفهم عن التطاول والتطلع إلى المحال (العملي)، وما يستتبع هدر الجهد والمال، وضياع السعي وخيبة المنقلب والمآل.. بعد أن علموا أن لا سبيل إلى اجتثاث الخلاف واقتلاعه، فدعوا ـ على سبيل المثال ـ إلى الالتقاء عند المشتركات، والعمل على بلورة مواقع الاتفاق في المذاهب والأديان، والتركيز على ما تلتقي عليه الإنسانية جمعاء.

    لتعود الفكرة وتأخذ شكلها الشرعي والعقائدي الصحيح، الذي يتحرك في إطار وتحت عنوان “آداب العشرة”… تعامل بالحسنى مع الآخر: عيادة مرضاهم، حضور جنائزهم، حفظ أماناتهم، وفي العموم التزام قيم ومتطلبات وأُصول العيش المشترك، وما يفضي إلى درء المفاسد وكف الشرور، وإخماد الغلواء وتحييدهم عن العداء.

    وبقي السياسيون المخادعون، يعبثون ويتلاعبون، يصرون ويكابرون، يرفعون السقف في شعاراتهم البراقة، ويوهمون العالم ويغررون أتباعهم بمزاعم وحدة وأماني إلغاء المذهبية وتوحيد المسلمين جميعاً تحت راية واحدة… إنهم يتاجرون ويستأكلون!

    في هذا السياق يأتي أداء “المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية”… الذي وقع مؤخراً في ما يناقض فلسفة وجوده، وينفي الغرض من تأسيسه، ويخالف جوهر رسالته ودعوته، أي الوحدة والوئام، ودرء الشقاق وقطع النزاع ومنع الاختلاف!

    وكانت فكرة “المجمع” قد سبقت إليها “دار التقريب بين المذاهب الإسلامية”، وهي دار تأسست في عهد الشاه، وكان يرأسها الشيخ محمد تقي القمي، وكيل المرجع الديني السيد البروجردي قدس سره… وكانت لا تخلو من ثمرة وبركة، ذلك أنها نجحت في إصدار فتوى الشيخ محمود شلتوت (شيخ الأزهر) التاريخية بجواز التعبد بمذهب الشيعة الإمامية. على العكس من أداء “مجمع التقريب” في عهد الجمهورية الإسلامية، الذي تأسس بعد رحيل السيد الإمام الخميني قدس سره… فالمشروع الجديد لم يقدم شيئاً يذكر، وإخفاقاته أكبر بكثير من نجاحاته، وجل عطائه كان في عقد مؤتمرات وتشكيل لجان موازية تستهلك رواتب وميزانيات وعطايا من بيت المال وهبات، ولا تقدم بالفعل شيئاً، وكان آخر نتاجها “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين” الذي نصب الشيخ القرضاوي رئيساً له، حتى انقلب عليهم مع بداية “الربيع العربي” وما لاح في أفقه من مجد يفوق ما مُنحه وأُعطي له هناك.

    وقد سمعت من آية الله العظمى الشيخ الفاضل اللنكراني رحمه الله مشافهة بلا واسطة، أن الرئيس السابق للمجمع، الشيخ واعظ زاده الخراساني، عرض عليه تقريراً تناول علل وأسباب إخفاق المجمع في تحقيق أهدافه.. وقد عزا ذلك إلى أمرين أساسيين: الشعائر الحسينية، كونها طقوساً ينفرد بها الشيعة فيمتازون عن بقية الفرق الإسلامية ويفرزون، ثم التبري واللعن الذي يطال بعض الصحابة، مما هو مبثوث في تراثنا ويتلقاه الشيعة كضرورة من مسلّمات مذهبهم… وأنه أبلغه بخطّة لاجتثاث هذين العاملين واقتلاعهما من الوجود الشيعي! فخالفه ودخل معه في حوار، أترك نقله لمواضع ومناسبات أخرى.  

    والمفاجأة اليوم بعد الطامة التي أرادوها وعملوا لها بالأمس، أن الرئيس الجديد لمجمع “التقريب”، عمد ـ في أداء غير مسبوق ـ إلى خطوات ومواقف، فتحت جبهات داخلية (بعد الخارجية المضطرمة والملتهبة أصلاً) في الصراع والنزاع والاختلاف! ذلك حين انخرط في الحملة التي تُشن على حزب شيعي، تبعاً لخطة وقرار سياسي، ما زال ينفَّذ بوتيرة تصاعدية، وتكتيك مخابراتي، وآلية أمنية مدروسة.

    ولو لم يصل قصفه وتطال إساءته شعائر ديننا، وبقيت معركة “المجمع” مع مشروع عائلي يتجر بالدين، وتيار سياسي يتبع مرجعية مزيفة، لما تعرضنا له ولا أوليناه اهتماماً، ووقفنا متفرجين على انشغال الظالمين بالظالمين، ندعو الله أن يجعلنا بينهم سالمين ويخرجنا غانمين… ولكن الرجل أبى إلا أن يطعن في ديننا، ويتطاول على المؤمنين المعزين، وينال من الشعائر الحسينية ولا سيما التطبير. وأي شخص يتطاول على عقائدنا وشعائرنا سيُرد عليه وسيأتيه الجواب، وذلك من المؤمنين الغيارى على دينهم، العاملين بوظيفتهم وتكليفهم الشرعي، دراسات علمية ومقالات واحتجاجات.. فإذا لم يرتدع الجاني ويكف عن شره وإفساده، سيأتيه الرد الثاني من يد الغيب، التي ستقصم ظهره، إن عاجلاً أو آجلاً، “قصير” الذيل كان أم طويله، مبتدع يرعى الضلالات كان، أم خولي تابع وأجير خانع، جاهل خباط جهالات وركّاب عشَوات كان، أم خبيث لعين عادٍ في أغباش الفتنة.

    ما دام طبل المزيفين وغاصبي الشرعية يقرع بمقولات الظلم والجور، ويرجع صدى الباطل، وينفخ في بوق الضلال، ويبث السموم وهمزات الشياطين… فسيُقطع منه يوماً الوتين، وسيدفع الثمن من دينه مزيد ضلال سيبلغ به الزندقة بعد حين (وانظر أين بلغ الحيدري، وتأمل في العاقبة!)، كما ندفع نحن من دُنيانا بما نتلقى من افتراء وحصار وتشويه، فتبادر يد الرحمة بجبر الكسور والربط على القلوب. بل سيعود ـ بعد حين ـ العقابُ ليطال الباغي في دنياه أيضاً، في نفسه وماله وولده، نكالاً مضاعفاً… سيأتي دوره ليدفع الثمن من دنياه، ويبدو أن هذا هو ما يوجعه، فهو على أعتاب مجد طالما تحرّق إليه، وأثيل جاه لهث وتهالك ليبلغه، وشهرة استمات ليصل إليها.. ومما يقر أعين المؤمنين ويشفي صدورهم، أن تلك الأوجاع والآلام والعقوبات الدنيوية، ستلحق القوم وتنزل بهم، فيألمون كما نألم، دون أن يرجو من الله ما نرجوه، ومن “ولي الله” ما نتلقاه من رعاية وكلاءة. 

    لقد ارتكز رئيس “مجمع التقريب” في إدانة الحزب الذي انبرى لحربه، وعزم على إسقاطه، واختار الصراع معه (بدَل صميم دوره وصُلب عمله، أي تأليف القلوب وجذبها!)… على محورين: التخلف والقصور العلمي لقائد ومرجع ذلك الحزب. ثم العمالة وخدمة العدو والأجنبي…

    وهذا من عجائب الزمان وغرائب الحوادث وسخرية القدر، وإن عشت أراك الدهر عجباً… فالأعور يعيب على الأحول، والأكتع يسخر من الأعرج، والمجذوم يهزأ بالأبرص!

    أما المحور الأول (العلم): فالسؤال والإشكال يرد عليه ويعود إليه، والعار يطاله ويلحق به، قبل غيره ومعه وبعده!.. فأين دروس سيده؟ أين بحوثه الفقهية والأصولية؟ وأين شواهد تحصيله العلمي وتقريراته لما تلقّاه من أساتذته ومشايخه؟ وأين شهاداته وتزكياته (غير التي انتزعت بالترغيب والترهيب)؟ هل يستطيع أن يدلنا على عالِم واحد تلمّذ على سيده وتلقى علومه عنه؟ وكم دورة “بحث خارج” أنهى حتى الآن وأتم؟ ومتى فرغ من الاستدلال على مسائل الفقه وفروعه من الطهارة إلى الديات؟ وأين كتب رسالته العمَلية، وسطر حاشيته على “العروة”؟… الحقيقة المرّة أن لا رسالة عمَلية في البين، ولا بحث فوق السطح، ولا تلاميذ في الحلقة والفصل!

    أما المحور الثاني: فعمدة دليله التسهيلات التي يتلقاها الحزب، والفرَص التي تتاح لأتباعه في بلاد الغرب، ولا سيما بريطانيا!.. وهذا الإشكال أيضاً يرد عليه ويطاله ويعود إليه، قبل غيره ومعه وبعده!

    فالرئيس الحالي للمجمع عاش في بريطانيا ومارس نشاطه هناك ردحاً من حياته مبسوط اليد، قرير العين، آمن السرب! فأسس عام ١٩٩٦م “المركز الإسلامي في إنجلترا”، وأتبع ذلك بتأسيس مراكز في كل من: مانتشستر وبرمنگهام ونيوكاسل، وغلاسكو وغيرها.. وكلها في بريطانيا العظمى، العدو الأخبث للثورة الإسلامية! بل قام الرجل بتأسيس حوزة علمية في لندن (معهد الإمام الحسين للدراسات الإسلامية)! وأسس بعدها كلية العلوم الإسلامية (Islamic College for Advanced Studies). واستمر الشيخ (غير العميل!) في نشاطه الحر، ومضت يده مطلَقة، يصول ويجول كما طاب له وأراد (حتى كان الإقصاء والطرد من بريطانيا جزاء كل مَن يعارضه، ونصيب مَن يزاحمه! صدفة وعفواً، لا إسعافاً ونجدة ودعماً من الـ MI6!)… حتى أسس “جماعة علماء المسلمين في بريطانيا” بالتعاون مع ثلة من المعممين المقيمين في أوروبا. هذا بالإضافة إلى إصدار العديد من المجلات الدينية وبلغات مختلفة (منها: “شؤون إسلامية” و”البلاغ” بالعربية، و”صبا” بالفارسية، و”Discourse” وغيرها بالإنجليزية).

    إذا كان إطلاق قناة “فدك” (التي لا نختلف في سفَه القائمين عليها، وغرقهم في التيه والنرجسية، وأنها تفسد وتدمّر أضعاف ما تخدم وتصلح) في بريطانيا دليلاً على العمالة، فماذا نسمي هذه النشاطات والتسهيلات والإمكانيات؟ وعلى أي محمل يجب أن نأخذها؟!

    إنني شخصياً مع فتح الحوار والسجال، وإقامة المناظرات والاحتجاجات، بين التيارات الشيعية والمدارس الفكرية والعقائدية المختلفة، وأرى أن ذلك ـ في أقله وأدناه ـ يُتِم الحجة، ويخلق الوعي ويذكي البصيرة، ويقطع الطريق على حركات الإضلال والانقياد الأعمى للتيارات المنحرفة والشخصيات الخاوية، ويعيق ـ بعض الشيء ـ تفشي الحزبية والإمعية، ويحد من هيمنة العقل الجمعي، الذي نرى ونشهد كيف جمّد وأحال إسلاميين “كباراً” (كنّا نعرفهم بالصلاح) إلى التقاعد الذهني، وركنهم جانباً عن جادة التعقل والوعي (وهم في عمر حصاد الخبرة وجني التجربة، وينبغي أن يكونوا في ذروة العطاء والإفادة)، وأزرى بهم، فجعلهم عرائس ودمى متحركة، بدل أن يكونوا قادة وعي، وطلائع نصح وتقويم وإرشاد… وأمقت انتظام الساحة ونزعة “الشمولية” التي تحكم التيارات المختلفة حين تدخل في تحالفات تتواطأ على السكوت عن الحق، وإمضاء الباطل، والركون إلى الظلم والظالمين! ولا سيما في الأداء المنافق الذي يسجل الصفقة باسم الوحدة ومنع الشقاق في البيت الشيعي! فإذا اختل الميزان بعض الشيء ورجحت كفة أحدهم فاستغنى عن الحلف، داس بحذائه على شعاراته، وبال على مقولات الوحدة والوئام بول الأباعر (من الخلف، بعد أن يتجاوزها) ومضى دون استنجاء!

    لكن الحوار والمناظرة حالة علمية، ونزعة فكرية يجب أن تخضع لمعايير وضوابط تُجنِّبها الفوضى، وأن تتبع شروط أمن وسلامة تقيها المهالك والمفاسد.. أولها التقيد بأحكام الشرع ومعطيات الأخلاق، فلا افتراء ولا تقوّل ولا قذف، ولا اتهام وإدانة دون دليل وبينة، كما لا بد من فهم طبيعة البيت الشيعي وبُنيته ونزعته الحرة، وهضم التعدد والتنوع والاجتهاد، ومنع التسلط والإكراه والاستبداد، وكذا مراعاة أصول الفن، كالموضوعية، وأدب الحوار… ومن الشروط الفنية: مناسبة العنوان مع الأداء. فكيان أُسس للوحدة وأُوكل به التقريب (كالمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية) لا يصح أن يخوض في هذا الصراع، وليس من شأنه دخول هذه المعركة، ولا سيما بأداء متهتك يرسل التهم جزافاً، ويرمي بها خصمه ويقذفه دون أي ورع واحتياط… 

    إن لكل عملٍ ووظيفة ما يناسبها من عناوين، ولكل عنوان ودوْر، نمط وأداء يجب أن يتوافق مع رسالته وطبيعة مهمته. فلا يُنتخب ـ على سبيل المثال ـ عنوان واسم “ابن سينا” لمحل جزارة (ملحمة)، واسم “الشيخ المفيد” لمطعم، و”النمرود” لصيدلية، و”صدام” لمدرسة، و”يزيد بن معاوية” لملجأ أيتام! و”دار التقريب” لإثارة نزاع وشقاق وفرقة! ولعلي أتوسع وأكون أكثر طموحاً فأقول: ليس من شأن الجمهورية الإسلامية ولا يليق بها، وهي التي يتطلع إليها الشيعة ككل بنظرة أمل وعشم، أن تنجر إلى نزاعات وصراعات، وتتخندق في جبهات، تنحدر بها وتهوي، تحط من قدرها، وتسيء إلى مقامها، وتنال من مكانتها…

    حزب صغير يشاغب.. أشغِلوه بصبيانكم وألهوه بسفهائكم، يكفونكم. أو استميلوه بدَوْر، واخترقوه بمال (كما فعلتم مع غيره)، فأغلبهم للبيع… ولا تجعلوها معركة وفتنة، تولد نتائج عكسية، والشعائر التي حاربتموها طويلاً شاهد ناطق، وما زال يهتف وينادي بأن ما وقع لم يقصد وما قصد لم يقع.

    بعض الحكمة يا قوم، فإن: “مَن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذكر إلا أولوا الألباب”…

    ———–

    🔵 هذه مقالة كانت من جزئين دمجتهما بعد أن تأجل نشر الجزء الأول الأسبوع الماضي الذي وافق أيام الفاطمية، فلا ينشغل المؤمنون عن واجب العزاء بشيء.

  • كيف تعقد شمطاء هزيلة، احدودب ظهرها وتجعدت بشرتها وتحاتّت أسنانها وتلبّد شعرها، وتنفث في “العُقد”!؟ وهل هي الدنيا واستدراجاتها وإملاءات شهواتها التي تواجهنا وتصارعنا؟ أم هناك ساحرة حقيقية تستوطن الغيران، وتعيش في رؤوس أشجار الغابات، أو هي جنيّة تطوي الأرض على ظهر مكنسة أو مسحاة!؟.. كيف تجدّل الظفائر من بقايا ما سُرّح، وتكوّر ما نُمّص من شعور النساء؟ أو من أصواف معِز وجداء ووَبَر نوق سوداء؟ وفي أي الآبار تُدلّي عُقدها، أو في أي الكهوف تدفن أو تُعلّق سحرها؟

    قد يسفِّه علماني أو مادي حسي هذه التساؤلات، ويعجز عن تصديق وجود طاقات غير مرئيّة، وقوى غير ملموسة من نطاقات ما وراء الحس، ولا أقول ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقيا ـ metaphysic)، فهذه في صميمها وجزء واقع منها، يمكن أن تؤثر على سلوك الإنسان وتغيّر من تصرفاته ومواقفه…

    لكن هل لأحد أن ينكر سحر البيان وفتنة الإعلام، وكيف يستلب “التزييف” العقول والأفهام، ويستحوذ “التغرير” على القلوب والأوهام؟ لا أحد يستطيع أن يجحد تسرب الشك إلى النفوس من باب “إعمال الفكر” وتحت غطاء “التدبّر” وإثارة الاحتمالات وطرح الفرضيات، ولا أحد يمكنه أن يتجاهل فعل التشكيك والارتياب وقدرته في التأثير على الحالة العقائدية والركون النفسي والاستقرار الذهني للمؤمن…

    هذا ما تفعله الشياطين… هكذا يعمل الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس، من الجنة والنَّاس! وحين يعجز عن قلع “الحق” في وجود الموالي، ويرى غلَبة النجابة، وكيف تشرّب حب آل محمد قلبه، وضرب أطنابه في حنايا نفسه، وسرى في أرجاء روحه، حتى هيمن عليه وملَكه، فلا سبيل لزحزحته وإزالته… يلجأ إلى سبل أخرى ومكائد وسهام ادخرها وأعدّها لهذا، فهو ـ بطبيعة حاله ودوره ـ لن ييأس ولن يتنحى جانباً ويخلي السبيل للمؤمن ويتركه يتكامل ويتسامى، ويرفل بالنعمة الكبرى ما شاء الله له… بل سيحتال بكل حيلة ويكمن له على صراط الحق في كل مرصد ومقعد. 

    ومن أبرز أسلحته وأخبث أدواته: تغيير الصورة وتبديل المشهد، وهو سبيل خروج الإيمان وتسلل المعتقَد من نفس المؤمن.. صورة الحبيب الجميل الكامل، الذي لا يعتوِره نقص ولا يدانيه عيب، الصورة التي تعلّق بها المحب فعشقها، وأغرِم حتى الوله فهام بها… يهمس الشيطان في أذنه ويوسوس في صدره: لا تتصور يا هذا أنه (وقد يعقبها بـ”عليه السلام”!) يعلم الغيب، وأنه يجمع علوم الأولين والآخرين، وأنه بطرق السماوات أعلم منه بطرق الأرضين، فهذا غلو وتأليه.. لا تتوهم أنه يسمع نداءك وتوسلاتك، ويجيب دعوتك ويقضي طلبتك، فهذا شرك وكفر بالله تعالى.. لا تصدّق ما يتناقله العوام، وتحسب أن لديه قوة تقدّ عدوه من ضربة قدّاً، وتقلع باباً يعجز عن هزها أربعون وأربع، أو قدرة على ردّ الشمس والتحكم بمدارات الأفلاك ومنازل النجوم، أو مُكنة تسمح له بالحضور عند كل روح حال نزعها.. ما هو ـ يا هذا ـ إلا بشر وإنسان محدود، يأكل الطعام ويمشي في الأسواق.

    ولن يقف الشيطان حتى يجعله يتساءل، مجرد تساؤل: أي نبي تتبع؟ أية عصمة تزعمها له وهذا القرآن “يصرح” أنه يذنب؟! ويستوقفه ـ لعنه الله ـ عند “ليغفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر”، وهذا “وَصيّه” يقرّ على نفسه ـ في دعاء كميل ـ باقتراف ما يستحق شديد عقاب الله وأليم عذابه!.. هكذا تضطرب صورة “محمد وعلي” في عين محبهما، ويتشوش المشهد عليه، وينتقل المؤمن من اليقين إلى الظن فالشك والريبة: ترى أي نبي أحبُّ وأتبع؟ أي إمام أعشق وأُوالي؟

    وكان اللعين قد حجب مخاطَبه وضحيته من قبل عن أجواء العلم والفضيلة، وأقصاه عن عالم الحديث والتفسير، وأشغله باللهو والصحافة وقراءات سطحية تمليها الأحزاب الدينية المنحرفة، والسياسية الخاوية، وتروجها الجماعات المتأسلمة، أي سلَبه قوّته وجرّده من سلاحه… فعندها تستحكم الشبهة، وهنالك يستولي الشيطان على أوليائه، ولا ينجو إلا من سبقت له من الله الحسنى. 

    هكذا يتوغل اللعين، عبر أعوانه وأبواقه من الجن والإنس، ممن استحوذ عليهم وتمكن منهم وسخرهم بعد أن أتاهم من حب الجاه والمال والشهرة والرئاسة، فباعوه دينهم، مقابل أن يتوّجهم “مراجع” للدين ويكرسهم ملهمين روحيين، وهم يعرفون حق المعرفة، ويعلمون علم اليقين أنهم خارج دائرة الأهلية والكفاية والاستحقاق، وفي الأقل الأدنى والقدر المتيقن: دائرة الأولوية والأعلمية… هكذا يتحرك من خلالهم ليشوّش أذهان المؤمنين ويلبس عليهم في عقائدهم، وينال من صميم مفاهيم الدين لديهم…

    فواحد يميّع مفهوم البراءة ومصداقها فيبرئ أول الظالمين ويلتمس الأعذار لأكبر لَعين، وآخر ينبري لمحاربة الشعائر الحسينية ويصوّرها بدعاً من الدين، وثالث يتباكى الغيرة على النساء فيمنع زيارة الأربعين، ورابع يريد أن يجعل الفلسفة أساس المرجعية والتقليد، وخامس ينادي بالحداثة والتجديد، وسادس وسابع…

    وهنا لصيق ادعى الاجتهاد وانتحل المرجعية، وهو خالي الوفاض، صفر اليدين، لا عن شيخ تلقى ولا شهادة يحمل، ولا فقاهة في البين، كل رأس ماله صوَر لزيارات وأخبار عن لقاءات جمعته بأعلام، يلتمس من خلالها حشراً يدرجه في عدادهم! ها هو يدخل في الفتنة (ولا أظنه قاصد متآمر، بل مغلوب على أمره، وعبد لطموحه وعنوانه!) ويعمد إلى اللبس في صورة المهدي المنتظر عليه السلام.. فيطرح ويثير ما يشوّش أذهان أتباعه ويربكهم، فلم يعودوا ينتظرون ويندبون: “أين مبيد العتاة والمردة، أين مستأصل أهل العناد والتضليل”! لأن ذلك يخالف ـ كما أوهمهم ـ الصورة الحضارية ومعاني السلم والسماحة التي يقوم عليها الإسلام! ويحمل أنفاساً وأجواءً ورائحة تخالف “عبير الرحمة” الذي ينبغي أن ننتظره، ورسالة عنيفة تناقض “الحب والحياة”، ويعكس عنا صورة تدخلنا التطرّف والمتطرّفين! 

    وأراني كلما قلّبت أمر الضلال والمضلين، وأجلت النظر في نداءات الباطل ومقولات المبتدعين، وتدبرت في عمق هذه وحال أولئك، وجدتهم يستهدفون موقعاً بعينه ويلتقون على قضية دون سواها، ويلاحقون هدفاً دائماً لا يخطئونه: التشكيك في ظلامة الزهراء!…

    إنها صلوات الله عليها أساس الوجود، وجذر التكليف والامتحان الإلهي، وموقع النزاع الأول، وجبهة الصراع الأولى بين الحق والباطل، وقد قال الصادق عليه السلام: “وهي الصدّيقة الكبرى، وعلى معرفتها دارت القرون الأولى”… فاطمة هي محور الحركة، وقطب رحى الحق، وعروة الولاء التي بها تنضد لآلئ عقد الدين، وتنتظم جواهر أحكامه، وتتألق درر مفاهيمه وأفكاره.. وكما يدور حولها ويطوف بها الموالون، ويرابط في حماها المحبّون، ترى الأعداء والخصوم والجهلة، يرمون ويقصفون أسوار قلعتها، ويتطاولون على منيع حياضها، ويسعون بأي نحو للنيل من قدس ساحتها…

    ولعمري، لقد انفصمت تلك العروة وهتك حجاب الله فيها… فعن موسى بن جعفر، عن أبيه عليهما السلام، في حديث طويل عن رسول الله صلى الله عليه وآله عند قرب وفاته: “ألا إن فاطمة بابها بابي، وبيتها بيتي، فمن هتكه فقد هتك حجاب الله”. قال عيسى (راوي الحديث): فبكى أبوالحسن عليه السلام طويلاً وقطع بقية كلامه وقال: هُتك والله حجاب الله، هتك والله حجاب الله، هتك والله حجاب الله”.

    وها هم التَّالُون يتبعون غبّ ما صنع الأوّلون، يحذون حذوهم، ويلتحقون بصفوفهم وينتظمون في جبهاتهم… وإن لم يجمعوا حطباً ويضرموا ناراً ويقحموا باباً وينبتوا مسماراً ويكسروا ضلعاً ويسقطوا جنيناً.. فهم (من أضراب محمد حسين فضل الله) يشككون في الوقائع، ويلتمسون الأعذار للجناة، وآخرون (كالحيدري) رأوها مبالغات وصنفوها تهويلات أذكاها، بل اخترعها “الاستعمار” لتثير الطائفية! هكذا أصبحوا يحومون في فلك النيل من فاطمة والتطاول عليها!

    وكان بعضهم قد وقف ـ في معركة الدفاع عن ظلامة الزهراء ـ على التل والتزم الحياد، وأخضع الأمر لحساباته، فصنفها تصنيفاً سياسياً، من فرط ما يغمر وجوده، مما انخرط في لوثه وبنى عليه حياته وأسس لكيانه، وتوهم أنها الكأس التي أذاقوها أخاه من قبل وجرعوه مرارتها، تملؤها الحوزة والمرجعية من جديد لتسقي بها فضل الله!… فلا تعجب إن ظهرت الآثار الوضعية لهذا الخذلان، ورأيته اليوم يتفلسف وينفي الانتقام للزهراء، ويسقط فكرة أخذ المهدي عليه السلام بثأرها! هكذا لحق بصفوف القوم وانتظم في جبهتهم! ويا لسوء العاقبة. 

    إنهم في الواقع العملي، وفي جوهر الخطاب وكنهه، ينهون القضية، أو يؤجلون الحكم والبت فيها إلى جلسة ومحكمة قادمة، هناك في المعاد! ويطوون الملف ويغلقونه في الدنيا، وكأن لا رجعة ولا قيام ولا انتقام! هذا من أخطر معطيات نتن الرحمة لا عبيرها… نعم، قد يكون للرحمة عفن ونتن عِوَض العبير والعبق! فأنت إذا أشفقت على يزيد، وتكفلت أيتام داعش، وبنيت مسجداً للنواصب، ورحمت انتحارياً يتمنطق بعبوة ناسفة… فقد أسأت للرحمة، وهتكت المسجد، وازدريت الإنفاق في سبيل الله، وشوهت الشفقة، ونلت من كل قيمة إنسانية! إن من يغضي عن جرح غائر تلوث بالجراثيم وأنزل بالجسم “الغرغرينا”، ويشفق أن تُبتر ساق المريض المصابة وتستأصل، رحمة به وشفقة عليه، هو جاهل لا يعرف معنى الرحمة، ومتكلف لا يدري ما الشفقة! أو هو عطار انتحل الطب وزعم أنه جراح!

    أما نحن فنأخذ ديننا من آلِ محمد لا من أفواه الرجال… فعن زكريا بن آدم، قال: إني لعند الرضا إذ جيء بأبي جعفر وسنّه أقل من أربع، فضرب بيده إلى الأرض ورفع رأسه إلى السماء وهو يفكر، فقال له الرضا: «بنفسي أنت لم طال فكرك»؟ فقال: «في ما صنع بأمي فاطمة، أمَ والله لأخرجنّهما ثم لأحرقنهما ثم لأذرينهما ثم لأنسفنهما في اليم نسفاً». فاستدناه عليه السلام وقبّل ما بين عينيه، ثم قال: «أنت لها». 

    نحن ننتظر مهدياً من أسمائه “المنتقم”، يأخذ بثأر فاطمة، وإن أجرى لذلك طوفاناً كطوفان نوح، لكن من دماء، فلم يكن مسرفاً، وما دام يقيم العدالة ويحقق نقمة الله، فهو لم يجانب الرحمة الحقة (لا الجهولة) قيد أنملة.

    إنها “رحمة” كذوبة نعرف مطلقيها حق المعرفة، زيفوا “حسن الخلق” واتّجروا بـ “السماحة” و”الوداعة”، ولو تمكنوا لحظة من خصومهم لقطعوهم إرباً إرباً، ولم يرقبوا فيهم إلّاً ولا ذمة.. ونحن نشهد فجورهم في الخصام حيث طالت أيديهم وتمكنوا، وفي نطاق لا يوفر هتك الحرمات والتعرض للأعراض!.. ومن العنوان يعرف المحتوى والكتاب

     إننا ننتظر “الثائر” لفاطمة، ونتلو في الصلاة عليها: “اللهم كن الطالب لها ممن ظلمها واستخف بحقها، وكن الثائر اللهم بدم أولادها”، ونبايع “المنتقم” في دعاء العهد كل صباح ونردد: “… اللهم إن حال بيني وبينه الموت الذي جعلته على عبادك حتماً مقضياً، فأخرجني من قبري مؤتزراً كفني، شاهراً سيفي، مجرداً قناتي، ملبياً دعوة الداعي في الحاضر والبادي…” . أما القوم، فهم أحرار أن يكونوا سلميين متحضرين، وليرددوا: “…. مرتدياً بدلتي، حاملاً دعوتي، شاهراً وَردتي”.. ولك أن تضيف: مردداً أنشودتي، مقدماً بسمتي، باذلاً قصتي وحكايتي!

    الذين يريدون أن يفتحوا العالم ببراعم الورود، ويستأصلوا الكفر والنفاق تلويحاً بأغصان الزيتون، أصحاب المحبة والسلام، ورسل الحب والحياة، لن يفتحوا إلا أبواب الأمم المتحدة والصليب الأحمر الدولي ومنظمات تسيطر عليها الماسونية… لقد دخلوا هذه المنظومة (ولعل ذلك بحسن نية، وتوهّم القدرة على خداعها واحتلابها)، فغدوا بذلك من أبنائها وأتباعها… والمهدي عليه السلام سيهدمها ويقوضها ويشيد بنيانه على ركامها. 

    إنهم نيام لن يستفيقوا إلا مع ضجة خيل الله تعدو، والسنابك منها تقدح شرراً، وأعين فرسانها تضطرم ناراً، ونفوسهم تتفجر سخطاً وغضباً لا يطفئه إلا طوفان الدماء، تعلو أمواجه الجبال وتغمر سيوله الوديان والسهول… حتى تستقر على الجودي في النجف الأشرف، تكمل وتتم مسيرة ضجيعيه آدم ونوح، وتهدي النصر لجاريه هود وصالح، والملائكة من فوقها ترفرف برايات النصر، وتكبيرات الظفر الإلهي الموعود.. وتشخص بأبصارها إلى جوار العرش تنظر سيدة الكون، وتناديها أن قري عيناً يا زهراء، هذا ابنك أخذ بثأر عمه المحسن، وأبيه الحسين.

  • ما أسهل التشكيك وأيسر بث الشبهة… لن يخسر العدو شيئاً إذا ألقى (مباشرة أو عبر أيديه أو من خلال جهلة الناس) فكرة باطلة وأشغل المؤمنين بدفعها وردّها، فهي في الأقل الأدنى ستعلق ببعض الأذهان وتفعل فعلها في بعض الأوساط…

    هذه تساؤلات تنطلق في حالها ومقالها من “هوان الدهر”، وتصرخ من وَحي “أفي الله شك فاطر السماوات والأرض”… ولكننا تنزلنا إذ نزلوا وهبطنا ما انحدروا، وجاريناهم إلى تخوم مجاريهم…

    🔹تُرى هل كان السيد حيدر الحلي، المؤيد بروح القدس (كما فحول شعرائنا)، والمتشرف بلقاء إمام زمانه، من الذين يتّبعهم الغاوون وتراهم في كل واد يهيمون، وهو ينشد:
    فاشحذ شبا عضـب لـه الأرواحُ مذعنةٌ مطيعة…
    واطلب به بدم القتيل بكربلا فـي خير شيعة…
    إلى أن يستنهض خيل الله فيقول:
    وضبا انتقامك جرِّدي لطلا ذوي البغي التليعة…
    ودعي جنود الله تملأُ هذه الأرض الوسيعة…
    واستأصلي حتى الرضيع لآل حـرب والرضيعة؟!
    أم أنه استل فحوى أبياته “الدموية” و”العنيفة” واستقى نظم معانيها من مداليل أحاديث الأئمة الأطهار؟!

    فعن الهروي، قال: قلت لأبي الحسن الرضا: يا ابن رسول الله، ما تقول في حديث روي عن الصادق أنه قال: إذا خرج القائم قتل ذراري قتلة الحسين بفعال آبائها؟!
    فقال عليه السلام: هو كذلك.
    فقلت: وقول الله عز وجل: (ولا تزِرُ وازِرةٌ وِزْرَ أخرى) ما معناه؟!
    قال عليه السلام: صدق الله في جميع أقواله، ولكن ذراري قتلة الحسين يرضون بفعال آبائهم ويفتخرون بها، ومن رضي شيئاً كان كمن أتاه، ولو أن رجلاً قُتل بالمشرق فرضي بقتله رجلٌ بالمغرب لكان الراضي عند الله عز وجل شريك القاتل، وإنما يقتلهم القائم إذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم…

    🔹هل “الثأر” مفهوم جاهلي وقيمة بدَوية أعرابية، لا وجود ولا محل لها في دين راقٍ ينادي بالعفو والتسامح كالإسلام؟
    لماذا إذاً قضينا حياتنا نندب صباح كل جمعة: أين الطالب بذحول الأنبياء وأبناء الأنبياء؟ أين الطالب بدم المقتول بكربلاء؟
    ترى كم سيكون عدد القتلى إذا أردنا الانتقام والثأر لكل ظلامة وقعت على أهل الحق؟!
    كم عدد المباشرين والراضين والفرحين والمفتخرين بمجزرة “سبايكر”، وبهدم بيوت “الضاحية الجنوبية” على أهلها، وبحرق مسجد “بيشاور”؟ وكذا أعداد الراضين بهدم البقيع وتفجير حرم العسكريين ومئات آلاف الجنايات التي وقعت على أهل البيت وشيعتهم على مدى التاريخ؟…
    هل سينتقم الإمام لهذه الظلامات ويقيم الحد على المجرمين والمفسدين في الأرض؟! أم أن ذلك ليس من الرحمة الإلهية ويخالف سماحة الإسلام وسعة صدر الإمام؟!

    🔹ماذا لو ظهر الإمام غداً فوقفت بين يديه مؤمنة من أهل “الموصل”، سباها أبوبكر البغدادي وتعاقب عليها جنوده القذرين، وقد ذبحوا أولادها ومنهم رضيع أمام عينيها.. فطلبت من إمامها الذي سيعم سلطانه البلاد والعباد، ويُطبق الشرع حتى تمتلئ الأرض قسطاً وعدلاً، أن يأخذ لها حقها ممن ظلمها ومن موّلهم ومكّنهم ورضي بأفعالهم، وهم بالألوف.. فهل سيفعل صلوات الله عليه؟!

    🔹عندما يُخرج المهدي عليه السلام قتلة جده الحسين من قبورهم، الذين باشروا القتل والذين سمعوا بذلك فرضوا به، منذ ذلك العهد حتى عصرنا الحاضر، وهم قد يبلغون الملايين، وينتقم منهم فرداً فرداً.. هل تراه سيكون قد أسرف في القتل، وهو ولي الدم، وقد جعل الله له سلطاناً؟

    أم أن المنتظر عليه السلام سيأتي بالرحمة لا النقمة؟ وأن علينا أن لا “نرعب” الناس ونتوعدهم ونخوّفهم، فهذه ثقافة منفرة والإسلام لين وسماحة؟

    🔹لماذا يحفل القرآن بهذا العدد الهائل من آيات الزجر والوعيد؟ ألا ينفر هذا خلق الله ويرعب عباده؟ أم تراه أراد فعلاً تخويفهم ليزجرهم، وهذا هو مظهر الرحمة في الفهم الصحيح لها؟ أن تزجر عبدك عن السقوط في النار وتخوفه وترعبه حتى لا يدنو منها… فعرّف سبحانه الناس وأنذرهم وأبلغهم “إن زلزلة الساعة شيءٌ عظيم، يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد”.. والظهور الشريف والرجعة هي “القيامة الصغرى” في لسان أهل البيت.

    🔹ماذا نزرع في الناس، وماذا نبث فيهم، وكيف نعرّف المهدي الموعود لهم: هل هو عدل ورحمة ونصر وظفر، ثم عز ورفاه ونعيم، ينتظر البشرية عند ظهوره وقدومه؟ أم هناك شيء آخر يلحق بهذه ويُضم إليها؟ عليهم أن يترقبوه وينتظروه حتى يأخذوا له عدته، ولا يفاجأوا، وينكصوا إن رأوه منه وشاهدوه فيه؟

    وهذا الحديث عن بشير النبال، يقول: لما قدمت المدينة قلت لأبي جعفر عليه السلام: إنهم يقولون إن المهدي لو قام لاستقامت له الأمور عفواً، ولا يهريق محجمة دم،
    فقال: کلا والذي نفسي بيده، لو استقامت لأحد عفواً لاستقامت لرسول الله صلى الله عليه وآله حين أدميت رباعيته، وشج في وجهه، کلا والذي نفسي بيده حتى نمسح نحن وأنتم العرق والعلق (الدم)، ثم مسح جبهته.
    وفي حديث آخر ذُكر القائم عند أبي الحسن الرضا عليه‌ السلام فقال: أنتم اليوم أرخى بالاً منكم يومئذ!
    قالوا: وكيف؟!
    قال: لو خرج قائمنا عليه‌ السلام، لم يكن إلّا العلق والعرق والنوم على السروج…
    ترى ماذا كان الرضا عليه السلام يريد من بث هذه الأحاديث (فأمثال هذا كثير جداً) بين شيعته؟! هل لنا أن نصادر هذا المعنى بتغليب مفهوم الرحمة وعبيرها؟

     🔹هل سيحاور المهدي عليه السلام السفياني و”يتفاهم” مع أتباعه ويقنعهم ويدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة؟!.. أم أن الأمر مسخ ونبش وفتنة وقتل، و”ويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم”، و”لنذيقنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا”، و”لو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب”، “فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيداً خامدين”، وخروج دابة الأرض (وكل هذه الآيات مؤوّلة بالرجعة وعصر الظهور)… ولك أن تقيس بالحال اليوم مع التكفيريين، مع أن ما نراه من وحشية ودموية منهم ليس إلّا جزءاً مما في السفياني، فهم أتباع وهو الأصل!

    🔹هل هذه هي الثقافة المهدوية الصحيحة، أم تلك التي استلهمت من معايير الصوفية (يبثها الذين هم في الظاهر يحاربونها!) والبوذية والكهنوتية، التي تُغلِّب الحب والجمال، وتنكر البغض والقبح، وتنادي بعموم الرحمة والسلام، وتجحد القصاص والعقاب، وتنفي النقمة والعذاب؟!

    🔹علينا أن لا نكترث ولا نعتني بهؤلاء ولا نصغي إليهم ولا نأخذ ديننا منهم، فالقيامة أمر عظيم وخطب مهول، وصفه الله بيوم يكون الناس فيه كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش، وسماه في كتابه العزيز بأسماء مفزعة تبعث الخوف والرعب‏، كالقارعة‏، و‏الواقعة‏، والطامة‏، والصاخة‏، والحاقة‏، والغاشية‏، والهاوية، ويوم الحسرة‏، والآزفة‏، والحساب‏، والوعيد، والتغابن‏، ويوم تبلى السرائر‏، واليوم العظيم‏، والعقيم، والموعود‏… وغير ذلك من أوصاف تضفي على الحدث الجلل ما يستحق من رهبة وهلع، وتوجب ما ينبغي من زجر واتعاظ واستعداد.

    وقبل هذا المعاد وهذه القيامة، هناك في ثقافتنا وعقيدتنا الشيعية، قيامة صغرى، تحمل صفات تلك ومعالمها، لكن بدرجة أدنى ومرتبة أقل ونطاق أصغر يشمل من محَض الإيمان محضاً، ومحَض الكفر محضاً..
    نعم، إن في رسالة الدين خوف ورهبة وقلق ورعب، والله يريدنا أن نعيش الحالتين، الخوف والرجاء، كما هناك جنة ورضوان ونعيم ووعد، هناك جهنم وسعير وعذاب ووعيد… وفي الظهور الشريف هناك عدل ونصر وظفر، وهناك غضب وانتقام ونكال.

    هذا هو المنهج الإلهي، نحن لا نحمل رسالة وردية، ولا نجمع أصوات المقترعين لانتخابات سياسية، ولا نسوّق لبضاعة بدعايات تجارية… نحن كما ندعو إلى جنة عرضها السماوات والأرض، نحذر من ماء كالمهل يشوي الوجوه، وكما ستأتي دولة العدل والحق والإنصاف التي تحقق جنة الله على أرضه، ستأتي فيها ومعها ساعة الانتقام والقتل والإبادة والسيف والدم حتى يقول الضعاف في مهديها: ليس هذا من آل محمّد، لو كان من آل محمّد لرحم!

    هذه عقيدتنا، عليها نشأنا، وبها نتمسك، وعنها نذود، ودونها نضحي… وشعارنا وندبتنا دائماً وأبداً:
    يا هلالاً غائباً عن كل عين
    وضياءً لامعاً في الخافقين
    قم ونادِ: يا لثارات الحسين