• يختلف الناس فيما بينهم ويتفاوتون في شتى الأمور، وهي سنة كونية وطبيعة بشرية… ومن يتحرك لتحقيق الوحدة دون الالتفات إلى هذه الحقيقة، أو بقصد إرغامها وتطويعها، مخطئ يلاحق سراباً، ومتوهم سيعود بخُفي حُنين.

    وهذا القرآن الكريم ينطق بالحق: “ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم”، ويؤكد حقيقة الاختلاف العقائدي في قوله تعالى: “ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً”. ما يعني أن الخلف بين الناس في أديانهم واعتقاداتهم، ومللهم ونحلهم، وأفكارهم وآرائهم.. باق ما بقيت الدنيا، حتى يرث الله الأرض ومَن عليها، ويُرغم المعاندين والعصاة، ويقهر أهل النفاق والشقاق، بالقوة والغلبة.

    سيبقى الناس مختلفين في الهدى، كما هم متفاوتون في الرزق يسخّر بعضهم بعضاً، وفي الألوان والأعراق والديار والأوطان جعلهم شعوباً وقبائل، وفي الطبقات والدرجات فضل بعضهم على بعض…

    إنها سنة تاريخية أخبر عنها النبي صلى الله عليه وآله بأن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة واحدة.. وكل سعي تجاه الوحدة، يتجاهل هذه النبوءة، محكوم بالفشل، وعدم الجدوى، مهما كان متقَناً محَكماً. وما زلنا نشهد صدق النبوءة ونعيش تحقق المقولة في كل عصر ومصر، وعهد وجيل، ونرى براهينها تترى حيناً بعد حين…

    لذا تحرك المخلصون والعقلاء في إطار الممكن، وبنوا مشاريعهم “الوحدوية” لتلتزم سقفاً يظللهم ويقيهم شرور الاختلاف وسيئات النزاع والشقاق، ويوقفهم عن التطاول والتطلع إلى المحال (العملي)، وما يستتبع هدر الجهد والمال، وضياع السعي وخيبة المنقلب والمآل.. بعد أن علموا أن لا سبيل إلى اجتثاث الخلاف واقتلاعه، فدعوا ـ على سبيل المثال ـ إلى الالتقاء عند المشتركات، والعمل على بلورة مواقع الاتفاق في المذاهب والأديان، والتركيز على ما تلتقي عليه الإنسانية جمعاء.

    لتعود الفكرة وتأخذ شكلها الشرعي والعقائدي الصحيح، الذي يتحرك في إطار وتحت عنوان “آداب العشرة”… تعامل بالحسنى مع الآخر: عيادة مرضاهم، حضور جنائزهم، حفظ أماناتهم، وفي العموم التزام قيم ومتطلبات وأُصول العيش المشترك، وما يفضي إلى درء المفاسد وكف الشرور، وإخماد الغلواء وتحييدهم عن العداء.

    وبقي السياسيون المخادعون، يعبثون ويتلاعبون، يصرون ويكابرون، يرفعون السقف في شعاراتهم البراقة، ويوهمون العالم ويغررون أتباعهم بمزاعم وحدة وأماني إلغاء المذهبية وتوحيد المسلمين جميعاً تحت راية واحدة… إنهم يتاجرون ويستأكلون!

    في هذا السياق يأتي أداء “المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية”… الذي وقع مؤخراً في ما يناقض فلسفة وجوده، وينفي الغرض من تأسيسه، ويخالف جوهر رسالته ودعوته، أي الوحدة والوئام، ودرء الشقاق وقطع النزاع ومنع الاختلاف!

    وكانت فكرة “المجمع” قد سبقت إليها “دار التقريب بين المذاهب الإسلامية”، وهي دار تأسست في عهد الشاه، وكان يرأسها الشيخ محمد تقي القمي، وكيل المرجع الديني السيد البروجردي قدس سره… وكانت لا تخلو من ثمرة وبركة، ذلك أنها نجحت في إصدار فتوى الشيخ محمود شلتوت (شيخ الأزهر) التاريخية بجواز التعبد بمذهب الشيعة الإمامية. على العكس من أداء “مجمع التقريب” في عهد الجمهورية الإسلامية، الذي تأسس بعد رحيل السيد الإمام الخميني قدس سره… فالمشروع الجديد لم يقدم شيئاً يذكر، وإخفاقاته أكبر بكثير من نجاحاته، وجل عطائه كان في عقد مؤتمرات وتشكيل لجان موازية تستهلك رواتب وميزانيات وعطايا من بيت المال وهبات، ولا تقدم بالفعل شيئاً، وكان آخر نتاجها “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين” الذي نصب الشيخ القرضاوي رئيساً له، حتى انقلب عليهم مع بداية “الربيع العربي” وما لاح في أفقه من مجد يفوق ما مُنحه وأُعطي له هناك.

    وقد سمعت من آية الله العظمى الشيخ الفاضل اللنكراني رحمه الله مشافهة بلا واسطة، أن الرئيس السابق للمجمع، الشيخ واعظ زاده الخراساني، عرض عليه تقريراً تناول علل وأسباب إخفاق المجمع في تحقيق أهدافه.. وقد عزا ذلك إلى أمرين أساسيين: الشعائر الحسينية، كونها طقوساً ينفرد بها الشيعة فيمتازون عن بقية الفرق الإسلامية ويفرزون، ثم التبري واللعن الذي يطال بعض الصحابة، مما هو مبثوث في تراثنا ويتلقاه الشيعة كضرورة من مسلّمات مذهبهم… وأنه أبلغه بخطّة لاجتثاث هذين العاملين واقتلاعهما من الوجود الشيعي! فخالفه ودخل معه في حوار، أترك نقله لمواضع ومناسبات أخرى.  

    والمفاجأة اليوم بعد الطامة التي أرادوها وعملوا لها بالأمس، أن الرئيس الجديد لمجمع “التقريب”، عمد ـ في أداء غير مسبوق ـ إلى خطوات ومواقف، فتحت جبهات داخلية (بعد الخارجية المضطرمة والملتهبة أصلاً) في الصراع والنزاع والاختلاف! ذلك حين انخرط في الحملة التي تُشن على حزب شيعي، تبعاً لخطة وقرار سياسي، ما زال ينفَّذ بوتيرة تصاعدية، وتكتيك مخابراتي، وآلية أمنية مدروسة.

    ولو لم يصل قصفه وتطال إساءته شعائر ديننا، وبقيت معركة “المجمع” مع مشروع عائلي يتجر بالدين، وتيار سياسي يتبع مرجعية مزيفة، لما تعرضنا له ولا أوليناه اهتماماً، ووقفنا متفرجين على انشغال الظالمين بالظالمين، ندعو الله أن يجعلنا بينهم سالمين ويخرجنا غانمين… ولكن الرجل أبى إلا أن يطعن في ديننا، ويتطاول على المؤمنين المعزين، وينال من الشعائر الحسينية ولا سيما التطبير. وأي شخص يتطاول على عقائدنا وشعائرنا سيُرد عليه وسيأتيه الجواب، وذلك من المؤمنين الغيارى على دينهم، العاملين بوظيفتهم وتكليفهم الشرعي، دراسات علمية ومقالات واحتجاجات.. فإذا لم يرتدع الجاني ويكف عن شره وإفساده، سيأتيه الرد الثاني من يد الغيب، التي ستقصم ظهره، إن عاجلاً أو آجلاً، “قصير” الذيل كان أم طويله، مبتدع يرعى الضلالات كان، أم خولي تابع وأجير خانع، جاهل خباط جهالات وركّاب عشَوات كان، أم خبيث لعين عادٍ في أغباش الفتنة.

    ما دام طبل المزيفين وغاصبي الشرعية يقرع بمقولات الظلم والجور، ويرجع صدى الباطل، وينفخ في بوق الضلال، ويبث السموم وهمزات الشياطين… فسيُقطع منه يوماً الوتين، وسيدفع الثمن من دينه مزيد ضلال سيبلغ به الزندقة بعد حين (وانظر أين بلغ الحيدري، وتأمل في العاقبة!)، كما ندفع نحن من دُنيانا بما نتلقى من افتراء وحصار وتشويه، فتبادر يد الرحمة بجبر الكسور والربط على القلوب. بل سيعود ـ بعد حين ـ العقابُ ليطال الباغي في دنياه أيضاً، في نفسه وماله وولده، نكالاً مضاعفاً… سيأتي دوره ليدفع الثمن من دنياه، ويبدو أن هذا هو ما يوجعه، فهو على أعتاب مجد طالما تحرّق إليه، وأثيل جاه لهث وتهالك ليبلغه، وشهرة استمات ليصل إليها.. ومما يقر أعين المؤمنين ويشفي صدورهم، أن تلك الأوجاع والآلام والعقوبات الدنيوية، ستلحق القوم وتنزل بهم، فيألمون كما نألم، دون أن يرجو من الله ما نرجوه، ومن “ولي الله” ما نتلقاه من رعاية وكلاءة. 

    لقد ارتكز رئيس “مجمع التقريب” في إدانة الحزب الذي انبرى لحربه، وعزم على إسقاطه، واختار الصراع معه (بدَل صميم دوره وصُلب عمله، أي تأليف القلوب وجذبها!)… على محورين: التخلف والقصور العلمي لقائد ومرجع ذلك الحزب. ثم العمالة وخدمة العدو والأجنبي…

    وهذا من عجائب الزمان وغرائب الحوادث وسخرية القدر، وإن عشت أراك الدهر عجباً… فالأعور يعيب على الأحول، والأكتع يسخر من الأعرج، والمجذوم يهزأ بالأبرص!

    أما المحور الأول (العلم): فالسؤال والإشكال يرد عليه ويعود إليه، والعار يطاله ويلحق به، قبل غيره ومعه وبعده!.. فأين دروس سيده؟ أين بحوثه الفقهية والأصولية؟ وأين شواهد تحصيله العلمي وتقريراته لما تلقّاه من أساتذته ومشايخه؟ وأين شهاداته وتزكياته (غير التي انتزعت بالترغيب والترهيب)؟ هل يستطيع أن يدلنا على عالِم واحد تلمّذ على سيده وتلقى علومه عنه؟ وكم دورة “بحث خارج” أنهى حتى الآن وأتم؟ ومتى فرغ من الاستدلال على مسائل الفقه وفروعه من الطهارة إلى الديات؟ وأين كتب رسالته العمَلية، وسطر حاشيته على “العروة”؟… الحقيقة المرّة أن لا رسالة عمَلية في البين، ولا بحث فوق السطح، ولا تلاميذ في الحلقة والفصل!

    أما المحور الثاني: فعمدة دليله التسهيلات التي يتلقاها الحزب، والفرَص التي تتاح لأتباعه في بلاد الغرب، ولا سيما بريطانيا!.. وهذا الإشكال أيضاً يرد عليه ويطاله ويعود إليه، قبل غيره ومعه وبعده!

    فالرئيس الحالي للمجمع عاش في بريطانيا ومارس نشاطه هناك ردحاً من حياته مبسوط اليد، قرير العين، آمن السرب! فأسس عام ١٩٩٦م “المركز الإسلامي في إنجلترا”، وأتبع ذلك بتأسيس مراكز في كل من: مانتشستر وبرمنگهام ونيوكاسل، وغلاسكو وغيرها.. وكلها في بريطانيا العظمى، العدو الأخبث للثورة الإسلامية! بل قام الرجل بتأسيس حوزة علمية في لندن (معهد الإمام الحسين للدراسات الإسلامية)! وأسس بعدها كلية العلوم الإسلامية (Islamic College for Advanced Studies). واستمر الشيخ (غير العميل!) في نشاطه الحر، ومضت يده مطلَقة، يصول ويجول كما طاب له وأراد (حتى كان الإقصاء والطرد من بريطانيا جزاء كل مَن يعارضه، ونصيب مَن يزاحمه! صدفة وعفواً، لا إسعافاً ونجدة ودعماً من الـ MI6!)… حتى أسس “جماعة علماء المسلمين في بريطانيا” بالتعاون مع ثلة من المعممين المقيمين في أوروبا. هذا بالإضافة إلى إصدار العديد من المجلات الدينية وبلغات مختلفة (منها: “شؤون إسلامية” و”البلاغ” بالعربية، و”صبا” بالفارسية، و”Discourse” وغيرها بالإنجليزية).

    إذا كان إطلاق قناة “فدك” (التي لا نختلف في سفَه القائمين عليها، وغرقهم في التيه والنرجسية، وأنها تفسد وتدمّر أضعاف ما تخدم وتصلح) في بريطانيا دليلاً على العمالة، فماذا نسمي هذه النشاطات والتسهيلات والإمكانيات؟ وعلى أي محمل يجب أن نأخذها؟!

    إنني شخصياً مع فتح الحوار والسجال، وإقامة المناظرات والاحتجاجات، بين التيارات الشيعية والمدارس الفكرية والعقائدية المختلفة، وأرى أن ذلك ـ في أقله وأدناه ـ يُتِم الحجة، ويخلق الوعي ويذكي البصيرة، ويقطع الطريق على حركات الإضلال والانقياد الأعمى للتيارات المنحرفة والشخصيات الخاوية، ويعيق ـ بعض الشيء ـ تفشي الحزبية والإمعية، ويحد من هيمنة العقل الجمعي، الذي نرى ونشهد كيف جمّد وأحال إسلاميين “كباراً” (كنّا نعرفهم بالصلاح) إلى التقاعد الذهني، وركنهم جانباً عن جادة التعقل والوعي (وهم في عمر حصاد الخبرة وجني التجربة، وينبغي أن يكونوا في ذروة العطاء والإفادة)، وأزرى بهم، فجعلهم عرائس ودمى متحركة، بدل أن يكونوا قادة وعي، وطلائع نصح وتقويم وإرشاد… وأمقت انتظام الساحة ونزعة “الشمولية” التي تحكم التيارات المختلفة حين تدخل في تحالفات تتواطأ على السكوت عن الحق، وإمضاء الباطل، والركون إلى الظلم والظالمين! ولا سيما في الأداء المنافق الذي يسجل الصفقة باسم الوحدة ومنع الشقاق في البيت الشيعي! فإذا اختل الميزان بعض الشيء ورجحت كفة أحدهم فاستغنى عن الحلف، داس بحذائه على شعاراته، وبال على مقولات الوحدة والوئام بول الأباعر (من الخلف، بعد أن يتجاوزها) ومضى دون استنجاء!

    لكن الحوار والمناظرة حالة علمية، ونزعة فكرية يجب أن تخضع لمعايير وضوابط تُجنِّبها الفوضى، وأن تتبع شروط أمن وسلامة تقيها المهالك والمفاسد.. أولها التقيد بأحكام الشرع ومعطيات الأخلاق، فلا افتراء ولا تقوّل ولا قذف، ولا اتهام وإدانة دون دليل وبينة، كما لا بد من فهم طبيعة البيت الشيعي وبُنيته ونزعته الحرة، وهضم التعدد والتنوع والاجتهاد، ومنع التسلط والإكراه والاستبداد، وكذا مراعاة أصول الفن، كالموضوعية، وأدب الحوار… ومن الشروط الفنية: مناسبة العنوان مع الأداء. فكيان أُسس للوحدة وأُوكل به التقريب (كالمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية) لا يصح أن يخوض في هذا الصراع، وليس من شأنه دخول هذه المعركة، ولا سيما بأداء متهتك يرسل التهم جزافاً، ويرمي بها خصمه ويقذفه دون أي ورع واحتياط… 

    إن لكل عملٍ ووظيفة ما يناسبها من عناوين، ولكل عنوان ودوْر، نمط وأداء يجب أن يتوافق مع رسالته وطبيعة مهمته. فلا يُنتخب ـ على سبيل المثال ـ عنوان واسم “ابن سينا” لمحل جزارة (ملحمة)، واسم “الشيخ المفيد” لمطعم، و”النمرود” لصيدلية، و”صدام” لمدرسة، و”يزيد بن معاوية” لملجأ أيتام! و”دار التقريب” لإثارة نزاع وشقاق وفرقة! ولعلي أتوسع وأكون أكثر طموحاً فأقول: ليس من شأن الجمهورية الإسلامية ولا يليق بها، وهي التي يتطلع إليها الشيعة ككل بنظرة أمل وعشم، أن تنجر إلى نزاعات وصراعات، وتتخندق في جبهات، تنحدر بها وتهوي، تحط من قدرها، وتسيء إلى مقامها، وتنال من مكانتها…

    حزب صغير يشاغب.. أشغِلوه بصبيانكم وألهوه بسفهائكم، يكفونكم. أو استميلوه بدَوْر، واخترقوه بمال (كما فعلتم مع غيره)، فأغلبهم للبيع… ولا تجعلوها معركة وفتنة، تولد نتائج عكسية، والشعائر التي حاربتموها طويلاً شاهد ناطق، وما زال يهتف وينادي بأن ما وقع لم يقصد وما قصد لم يقع.

    بعض الحكمة يا قوم، فإن: “مَن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذكر إلا أولوا الألباب”…

    ———–

    🔵 هذه مقالة كانت من جزئين دمجتهما بعد أن تأجل نشر الجزء الأول الأسبوع الماضي الذي وافق أيام الفاطمية، فلا ينشغل المؤمنون عن واجب العزاء بشيء.

  • كيف تعقد شمطاء هزيلة، احدودب ظهرها وتجعدت بشرتها وتحاتّت أسنانها وتلبّد شعرها، وتنفث في “العُقد”!؟ وهل هي الدنيا واستدراجاتها وإملاءات شهواتها التي تواجهنا وتصارعنا؟ أم هناك ساحرة حقيقية تستوطن الغيران، وتعيش في رؤوس أشجار الغابات، أو هي جنيّة تطوي الأرض على ظهر مكنسة أو مسحاة!؟.. كيف تجدّل الظفائر من بقايا ما سُرّح، وتكوّر ما نُمّص من شعور النساء؟ أو من أصواف معِز وجداء ووَبَر نوق سوداء؟ وفي أي الآبار تُدلّي عُقدها، أو في أي الكهوف تدفن أو تُعلّق سحرها؟

    قد يسفِّه علماني أو مادي حسي هذه التساؤلات، ويعجز عن تصديق وجود طاقات غير مرئيّة، وقوى غير ملموسة من نطاقات ما وراء الحس، ولا أقول ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقيا ـ metaphysic)، فهذه في صميمها وجزء واقع منها، يمكن أن تؤثر على سلوك الإنسان وتغيّر من تصرفاته ومواقفه…

    لكن هل لأحد أن ينكر سحر البيان وفتنة الإعلام، وكيف يستلب “التزييف” العقول والأفهام، ويستحوذ “التغرير” على القلوب والأوهام؟ لا أحد يستطيع أن يجحد تسرب الشك إلى النفوس من باب “إعمال الفكر” وتحت غطاء “التدبّر” وإثارة الاحتمالات وطرح الفرضيات، ولا أحد يمكنه أن يتجاهل فعل التشكيك والارتياب وقدرته في التأثير على الحالة العقائدية والركون النفسي والاستقرار الذهني للمؤمن…

    هذا ما تفعله الشياطين… هكذا يعمل الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس، من الجنة والنَّاس! وحين يعجز عن قلع “الحق” في وجود الموالي، ويرى غلَبة النجابة، وكيف تشرّب حب آل محمد قلبه، وضرب أطنابه في حنايا نفسه، وسرى في أرجاء روحه، حتى هيمن عليه وملَكه، فلا سبيل لزحزحته وإزالته… يلجأ إلى سبل أخرى ومكائد وسهام ادخرها وأعدّها لهذا، فهو ـ بطبيعة حاله ودوره ـ لن ييأس ولن يتنحى جانباً ويخلي السبيل للمؤمن ويتركه يتكامل ويتسامى، ويرفل بالنعمة الكبرى ما شاء الله له… بل سيحتال بكل حيلة ويكمن له على صراط الحق في كل مرصد ومقعد. 

    ومن أبرز أسلحته وأخبث أدواته: تغيير الصورة وتبديل المشهد، وهو سبيل خروج الإيمان وتسلل المعتقَد من نفس المؤمن.. صورة الحبيب الجميل الكامل، الذي لا يعتوِره نقص ولا يدانيه عيب، الصورة التي تعلّق بها المحب فعشقها، وأغرِم حتى الوله فهام بها… يهمس الشيطان في أذنه ويوسوس في صدره: لا تتصور يا هذا أنه (وقد يعقبها بـ”عليه السلام”!) يعلم الغيب، وأنه يجمع علوم الأولين والآخرين، وأنه بطرق السماوات أعلم منه بطرق الأرضين، فهذا غلو وتأليه.. لا تتوهم أنه يسمع نداءك وتوسلاتك، ويجيب دعوتك ويقضي طلبتك، فهذا شرك وكفر بالله تعالى.. لا تصدّق ما يتناقله العوام، وتحسب أن لديه قوة تقدّ عدوه من ضربة قدّاً، وتقلع باباً يعجز عن هزها أربعون وأربع، أو قدرة على ردّ الشمس والتحكم بمدارات الأفلاك ومنازل النجوم، أو مُكنة تسمح له بالحضور عند كل روح حال نزعها.. ما هو ـ يا هذا ـ إلا بشر وإنسان محدود، يأكل الطعام ويمشي في الأسواق.

    ولن يقف الشيطان حتى يجعله يتساءل، مجرد تساؤل: أي نبي تتبع؟ أية عصمة تزعمها له وهذا القرآن “يصرح” أنه يذنب؟! ويستوقفه ـ لعنه الله ـ عند “ليغفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر”، وهذا “وَصيّه” يقرّ على نفسه ـ في دعاء كميل ـ باقتراف ما يستحق شديد عقاب الله وأليم عذابه!.. هكذا تضطرب صورة “محمد وعلي” في عين محبهما، ويتشوش المشهد عليه، وينتقل المؤمن من اليقين إلى الظن فالشك والريبة: ترى أي نبي أحبُّ وأتبع؟ أي إمام أعشق وأُوالي؟

    وكان اللعين قد حجب مخاطَبه وضحيته من قبل عن أجواء العلم والفضيلة، وأقصاه عن عالم الحديث والتفسير، وأشغله باللهو والصحافة وقراءات سطحية تمليها الأحزاب الدينية المنحرفة، والسياسية الخاوية، وتروجها الجماعات المتأسلمة، أي سلَبه قوّته وجرّده من سلاحه… فعندها تستحكم الشبهة، وهنالك يستولي الشيطان على أوليائه، ولا ينجو إلا من سبقت له من الله الحسنى. 

    هكذا يتوغل اللعين، عبر أعوانه وأبواقه من الجن والإنس، ممن استحوذ عليهم وتمكن منهم وسخرهم بعد أن أتاهم من حب الجاه والمال والشهرة والرئاسة، فباعوه دينهم، مقابل أن يتوّجهم “مراجع” للدين ويكرسهم ملهمين روحيين، وهم يعرفون حق المعرفة، ويعلمون علم اليقين أنهم خارج دائرة الأهلية والكفاية والاستحقاق، وفي الأقل الأدنى والقدر المتيقن: دائرة الأولوية والأعلمية… هكذا يتحرك من خلالهم ليشوّش أذهان المؤمنين ويلبس عليهم في عقائدهم، وينال من صميم مفاهيم الدين لديهم…

    فواحد يميّع مفهوم البراءة ومصداقها فيبرئ أول الظالمين ويلتمس الأعذار لأكبر لَعين، وآخر ينبري لمحاربة الشعائر الحسينية ويصوّرها بدعاً من الدين، وثالث يتباكى الغيرة على النساء فيمنع زيارة الأربعين، ورابع يريد أن يجعل الفلسفة أساس المرجعية والتقليد، وخامس ينادي بالحداثة والتجديد، وسادس وسابع…

    وهنا لصيق ادعى الاجتهاد وانتحل المرجعية، وهو خالي الوفاض، صفر اليدين، لا عن شيخ تلقى ولا شهادة يحمل، ولا فقاهة في البين، كل رأس ماله صوَر لزيارات وأخبار عن لقاءات جمعته بأعلام، يلتمس من خلالها حشراً يدرجه في عدادهم! ها هو يدخل في الفتنة (ولا أظنه قاصد متآمر، بل مغلوب على أمره، وعبد لطموحه وعنوانه!) ويعمد إلى اللبس في صورة المهدي المنتظر عليه السلام.. فيطرح ويثير ما يشوّش أذهان أتباعه ويربكهم، فلم يعودوا ينتظرون ويندبون: “أين مبيد العتاة والمردة، أين مستأصل أهل العناد والتضليل”! لأن ذلك يخالف ـ كما أوهمهم ـ الصورة الحضارية ومعاني السلم والسماحة التي يقوم عليها الإسلام! ويحمل أنفاساً وأجواءً ورائحة تخالف “عبير الرحمة” الذي ينبغي أن ننتظره، ورسالة عنيفة تناقض “الحب والحياة”، ويعكس عنا صورة تدخلنا التطرّف والمتطرّفين! 

    وأراني كلما قلّبت أمر الضلال والمضلين، وأجلت النظر في نداءات الباطل ومقولات المبتدعين، وتدبرت في عمق هذه وحال أولئك، وجدتهم يستهدفون موقعاً بعينه ويلتقون على قضية دون سواها، ويلاحقون هدفاً دائماً لا يخطئونه: التشكيك في ظلامة الزهراء!…

    إنها صلوات الله عليها أساس الوجود، وجذر التكليف والامتحان الإلهي، وموقع النزاع الأول، وجبهة الصراع الأولى بين الحق والباطل، وقد قال الصادق عليه السلام: “وهي الصدّيقة الكبرى، وعلى معرفتها دارت القرون الأولى”… فاطمة هي محور الحركة، وقطب رحى الحق، وعروة الولاء التي بها تنضد لآلئ عقد الدين، وتنتظم جواهر أحكامه، وتتألق درر مفاهيمه وأفكاره.. وكما يدور حولها ويطوف بها الموالون، ويرابط في حماها المحبّون، ترى الأعداء والخصوم والجهلة، يرمون ويقصفون أسوار قلعتها، ويتطاولون على منيع حياضها، ويسعون بأي نحو للنيل من قدس ساحتها…

    ولعمري، لقد انفصمت تلك العروة وهتك حجاب الله فيها… فعن موسى بن جعفر، عن أبيه عليهما السلام، في حديث طويل عن رسول الله صلى الله عليه وآله عند قرب وفاته: “ألا إن فاطمة بابها بابي، وبيتها بيتي، فمن هتكه فقد هتك حجاب الله”. قال عيسى (راوي الحديث): فبكى أبوالحسن عليه السلام طويلاً وقطع بقية كلامه وقال: هُتك والله حجاب الله، هتك والله حجاب الله، هتك والله حجاب الله”.

    وها هم التَّالُون يتبعون غبّ ما صنع الأوّلون، يحذون حذوهم، ويلتحقون بصفوفهم وينتظمون في جبهاتهم… وإن لم يجمعوا حطباً ويضرموا ناراً ويقحموا باباً وينبتوا مسماراً ويكسروا ضلعاً ويسقطوا جنيناً.. فهم (من أضراب محمد حسين فضل الله) يشككون في الوقائع، ويلتمسون الأعذار للجناة، وآخرون (كالحيدري) رأوها مبالغات وصنفوها تهويلات أذكاها، بل اخترعها “الاستعمار” لتثير الطائفية! هكذا أصبحوا يحومون في فلك النيل من فاطمة والتطاول عليها!

    وكان بعضهم قد وقف ـ في معركة الدفاع عن ظلامة الزهراء ـ على التل والتزم الحياد، وأخضع الأمر لحساباته، فصنفها تصنيفاً سياسياً، من فرط ما يغمر وجوده، مما انخرط في لوثه وبنى عليه حياته وأسس لكيانه، وتوهم أنها الكأس التي أذاقوها أخاه من قبل وجرعوه مرارتها، تملؤها الحوزة والمرجعية من جديد لتسقي بها فضل الله!… فلا تعجب إن ظهرت الآثار الوضعية لهذا الخذلان، ورأيته اليوم يتفلسف وينفي الانتقام للزهراء، ويسقط فكرة أخذ المهدي عليه السلام بثأرها! هكذا لحق بصفوف القوم وانتظم في جبهتهم! ويا لسوء العاقبة. 

    إنهم في الواقع العملي، وفي جوهر الخطاب وكنهه، ينهون القضية، أو يؤجلون الحكم والبت فيها إلى جلسة ومحكمة قادمة، هناك في المعاد! ويطوون الملف ويغلقونه في الدنيا، وكأن لا رجعة ولا قيام ولا انتقام! هذا من أخطر معطيات نتن الرحمة لا عبيرها… نعم، قد يكون للرحمة عفن ونتن عِوَض العبير والعبق! فأنت إذا أشفقت على يزيد، وتكفلت أيتام داعش، وبنيت مسجداً للنواصب، ورحمت انتحارياً يتمنطق بعبوة ناسفة… فقد أسأت للرحمة، وهتكت المسجد، وازدريت الإنفاق في سبيل الله، وشوهت الشفقة، ونلت من كل قيمة إنسانية! إن من يغضي عن جرح غائر تلوث بالجراثيم وأنزل بالجسم “الغرغرينا”، ويشفق أن تُبتر ساق المريض المصابة وتستأصل، رحمة به وشفقة عليه، هو جاهل لا يعرف معنى الرحمة، ومتكلف لا يدري ما الشفقة! أو هو عطار انتحل الطب وزعم أنه جراح!

    أما نحن فنأخذ ديننا من آلِ محمد لا من أفواه الرجال… فعن زكريا بن آدم، قال: إني لعند الرضا إذ جيء بأبي جعفر وسنّه أقل من أربع، فضرب بيده إلى الأرض ورفع رأسه إلى السماء وهو يفكر، فقال له الرضا: «بنفسي أنت لم طال فكرك»؟ فقال: «في ما صنع بأمي فاطمة، أمَ والله لأخرجنّهما ثم لأحرقنهما ثم لأذرينهما ثم لأنسفنهما في اليم نسفاً». فاستدناه عليه السلام وقبّل ما بين عينيه، ثم قال: «أنت لها». 

    نحن ننتظر مهدياً من أسمائه “المنتقم”، يأخذ بثأر فاطمة، وإن أجرى لذلك طوفاناً كطوفان نوح، لكن من دماء، فلم يكن مسرفاً، وما دام يقيم العدالة ويحقق نقمة الله، فهو لم يجانب الرحمة الحقة (لا الجهولة) قيد أنملة.

    إنها “رحمة” كذوبة نعرف مطلقيها حق المعرفة، زيفوا “حسن الخلق” واتّجروا بـ “السماحة” و”الوداعة”، ولو تمكنوا لحظة من خصومهم لقطعوهم إرباً إرباً، ولم يرقبوا فيهم إلّاً ولا ذمة.. ونحن نشهد فجورهم في الخصام حيث طالت أيديهم وتمكنوا، وفي نطاق لا يوفر هتك الحرمات والتعرض للأعراض!.. ومن العنوان يعرف المحتوى والكتاب

     إننا ننتظر “الثائر” لفاطمة، ونتلو في الصلاة عليها: “اللهم كن الطالب لها ممن ظلمها واستخف بحقها، وكن الثائر اللهم بدم أولادها”، ونبايع “المنتقم” في دعاء العهد كل صباح ونردد: “… اللهم إن حال بيني وبينه الموت الذي جعلته على عبادك حتماً مقضياً، فأخرجني من قبري مؤتزراً كفني، شاهراً سيفي، مجرداً قناتي، ملبياً دعوة الداعي في الحاضر والبادي…” . أما القوم، فهم أحرار أن يكونوا سلميين متحضرين، وليرددوا: “…. مرتدياً بدلتي، حاملاً دعوتي، شاهراً وَردتي”.. ولك أن تضيف: مردداً أنشودتي، مقدماً بسمتي، باذلاً قصتي وحكايتي!

    الذين يريدون أن يفتحوا العالم ببراعم الورود، ويستأصلوا الكفر والنفاق تلويحاً بأغصان الزيتون، أصحاب المحبة والسلام، ورسل الحب والحياة، لن يفتحوا إلا أبواب الأمم المتحدة والصليب الأحمر الدولي ومنظمات تسيطر عليها الماسونية… لقد دخلوا هذه المنظومة (ولعل ذلك بحسن نية، وتوهّم القدرة على خداعها واحتلابها)، فغدوا بذلك من أبنائها وأتباعها… والمهدي عليه السلام سيهدمها ويقوضها ويشيد بنيانه على ركامها. 

    إنهم نيام لن يستفيقوا إلا مع ضجة خيل الله تعدو، والسنابك منها تقدح شرراً، وأعين فرسانها تضطرم ناراً، ونفوسهم تتفجر سخطاً وغضباً لا يطفئه إلا طوفان الدماء، تعلو أمواجه الجبال وتغمر سيوله الوديان والسهول… حتى تستقر على الجودي في النجف الأشرف، تكمل وتتم مسيرة ضجيعيه آدم ونوح، وتهدي النصر لجاريه هود وصالح، والملائكة من فوقها ترفرف برايات النصر، وتكبيرات الظفر الإلهي الموعود.. وتشخص بأبصارها إلى جوار العرش تنظر سيدة الكون، وتناديها أن قري عيناً يا زهراء، هذا ابنك أخذ بثأر عمه المحسن، وأبيه الحسين.

  • ما أسهل التشكيك وأيسر بث الشبهة… لن يخسر العدو شيئاً إذا ألقى (مباشرة أو عبر أيديه أو من خلال جهلة الناس) فكرة باطلة وأشغل المؤمنين بدفعها وردّها، فهي في الأقل الأدنى ستعلق ببعض الأذهان وتفعل فعلها في بعض الأوساط…

    هذه تساؤلات تنطلق في حالها ومقالها من “هوان الدهر”، وتصرخ من وَحي “أفي الله شك فاطر السماوات والأرض”… ولكننا تنزلنا إذ نزلوا وهبطنا ما انحدروا، وجاريناهم إلى تخوم مجاريهم…

    🔹تُرى هل كان السيد حيدر الحلي، المؤيد بروح القدس (كما فحول شعرائنا)، والمتشرف بلقاء إمام زمانه، من الذين يتّبعهم الغاوون وتراهم في كل واد يهيمون، وهو ينشد:
    فاشحذ شبا عضـب لـه الأرواحُ مذعنةٌ مطيعة…
    واطلب به بدم القتيل بكربلا فـي خير شيعة…
    إلى أن يستنهض خيل الله فيقول:
    وضبا انتقامك جرِّدي لطلا ذوي البغي التليعة…
    ودعي جنود الله تملأُ هذه الأرض الوسيعة…
    واستأصلي حتى الرضيع لآل حـرب والرضيعة؟!
    أم أنه استل فحوى أبياته “الدموية” و”العنيفة” واستقى نظم معانيها من مداليل أحاديث الأئمة الأطهار؟!

    فعن الهروي، قال: قلت لأبي الحسن الرضا: يا ابن رسول الله، ما تقول في حديث روي عن الصادق أنه قال: إذا خرج القائم قتل ذراري قتلة الحسين بفعال آبائها؟!
    فقال عليه السلام: هو كذلك.
    فقلت: وقول الله عز وجل: (ولا تزِرُ وازِرةٌ وِزْرَ أخرى) ما معناه؟!
    قال عليه السلام: صدق الله في جميع أقواله، ولكن ذراري قتلة الحسين يرضون بفعال آبائهم ويفتخرون بها، ومن رضي شيئاً كان كمن أتاه، ولو أن رجلاً قُتل بالمشرق فرضي بقتله رجلٌ بالمغرب لكان الراضي عند الله عز وجل شريك القاتل، وإنما يقتلهم القائم إذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم…

    🔹هل “الثأر” مفهوم جاهلي وقيمة بدَوية أعرابية، لا وجود ولا محل لها في دين راقٍ ينادي بالعفو والتسامح كالإسلام؟
    لماذا إذاً قضينا حياتنا نندب صباح كل جمعة: أين الطالب بذحول الأنبياء وأبناء الأنبياء؟ أين الطالب بدم المقتول بكربلاء؟
    ترى كم سيكون عدد القتلى إذا أردنا الانتقام والثأر لكل ظلامة وقعت على أهل الحق؟!
    كم عدد المباشرين والراضين والفرحين والمفتخرين بمجزرة “سبايكر”، وبهدم بيوت “الضاحية الجنوبية” على أهلها، وبحرق مسجد “بيشاور”؟ وكذا أعداد الراضين بهدم البقيع وتفجير حرم العسكريين ومئات آلاف الجنايات التي وقعت على أهل البيت وشيعتهم على مدى التاريخ؟…
    هل سينتقم الإمام لهذه الظلامات ويقيم الحد على المجرمين والمفسدين في الأرض؟! أم أن ذلك ليس من الرحمة الإلهية ويخالف سماحة الإسلام وسعة صدر الإمام؟!

    🔹ماذا لو ظهر الإمام غداً فوقفت بين يديه مؤمنة من أهل “الموصل”، سباها أبوبكر البغدادي وتعاقب عليها جنوده القذرين، وقد ذبحوا أولادها ومنهم رضيع أمام عينيها.. فطلبت من إمامها الذي سيعم سلطانه البلاد والعباد، ويُطبق الشرع حتى تمتلئ الأرض قسطاً وعدلاً، أن يأخذ لها حقها ممن ظلمها ومن موّلهم ومكّنهم ورضي بأفعالهم، وهم بالألوف.. فهل سيفعل صلوات الله عليه؟!

    🔹عندما يُخرج المهدي عليه السلام قتلة جده الحسين من قبورهم، الذين باشروا القتل والذين سمعوا بذلك فرضوا به، منذ ذلك العهد حتى عصرنا الحاضر، وهم قد يبلغون الملايين، وينتقم منهم فرداً فرداً.. هل تراه سيكون قد أسرف في القتل، وهو ولي الدم، وقد جعل الله له سلطاناً؟

    أم أن المنتظر عليه السلام سيأتي بالرحمة لا النقمة؟ وأن علينا أن لا “نرعب” الناس ونتوعدهم ونخوّفهم، فهذه ثقافة منفرة والإسلام لين وسماحة؟

    🔹لماذا يحفل القرآن بهذا العدد الهائل من آيات الزجر والوعيد؟ ألا ينفر هذا خلق الله ويرعب عباده؟ أم تراه أراد فعلاً تخويفهم ليزجرهم، وهذا هو مظهر الرحمة في الفهم الصحيح لها؟ أن تزجر عبدك عن السقوط في النار وتخوفه وترعبه حتى لا يدنو منها… فعرّف سبحانه الناس وأنذرهم وأبلغهم “إن زلزلة الساعة شيءٌ عظيم، يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد”.. والظهور الشريف والرجعة هي “القيامة الصغرى” في لسان أهل البيت.

    🔹ماذا نزرع في الناس، وماذا نبث فيهم، وكيف نعرّف المهدي الموعود لهم: هل هو عدل ورحمة ونصر وظفر، ثم عز ورفاه ونعيم، ينتظر البشرية عند ظهوره وقدومه؟ أم هناك شيء آخر يلحق بهذه ويُضم إليها؟ عليهم أن يترقبوه وينتظروه حتى يأخذوا له عدته، ولا يفاجأوا، وينكصوا إن رأوه منه وشاهدوه فيه؟

    وهذا الحديث عن بشير النبال، يقول: لما قدمت المدينة قلت لأبي جعفر عليه السلام: إنهم يقولون إن المهدي لو قام لاستقامت له الأمور عفواً، ولا يهريق محجمة دم،
    فقال: کلا والذي نفسي بيده، لو استقامت لأحد عفواً لاستقامت لرسول الله صلى الله عليه وآله حين أدميت رباعيته، وشج في وجهه، کلا والذي نفسي بيده حتى نمسح نحن وأنتم العرق والعلق (الدم)، ثم مسح جبهته.
    وفي حديث آخر ذُكر القائم عند أبي الحسن الرضا عليه‌ السلام فقال: أنتم اليوم أرخى بالاً منكم يومئذ!
    قالوا: وكيف؟!
    قال: لو خرج قائمنا عليه‌ السلام، لم يكن إلّا العلق والعرق والنوم على السروج…
    ترى ماذا كان الرضا عليه السلام يريد من بث هذه الأحاديث (فأمثال هذا كثير جداً) بين شيعته؟! هل لنا أن نصادر هذا المعنى بتغليب مفهوم الرحمة وعبيرها؟

     🔹هل سيحاور المهدي عليه السلام السفياني و”يتفاهم” مع أتباعه ويقنعهم ويدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة؟!.. أم أن الأمر مسخ ونبش وفتنة وقتل، و”ويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم”، و”لنذيقنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا”، و”لو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب”، “فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيداً خامدين”، وخروج دابة الأرض (وكل هذه الآيات مؤوّلة بالرجعة وعصر الظهور)… ولك أن تقيس بالحال اليوم مع التكفيريين، مع أن ما نراه من وحشية ودموية منهم ليس إلّا جزءاً مما في السفياني، فهم أتباع وهو الأصل!

    🔹هل هذه هي الثقافة المهدوية الصحيحة، أم تلك التي استلهمت من معايير الصوفية (يبثها الذين هم في الظاهر يحاربونها!) والبوذية والكهنوتية، التي تُغلِّب الحب والجمال، وتنكر البغض والقبح، وتنادي بعموم الرحمة والسلام، وتجحد القصاص والعقاب، وتنفي النقمة والعذاب؟!

    🔹علينا أن لا نكترث ولا نعتني بهؤلاء ولا نصغي إليهم ولا نأخذ ديننا منهم، فالقيامة أمر عظيم وخطب مهول، وصفه الله بيوم يكون الناس فيه كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش، وسماه في كتابه العزيز بأسماء مفزعة تبعث الخوف والرعب‏، كالقارعة‏، و‏الواقعة‏، والطامة‏، والصاخة‏، والحاقة‏، والغاشية‏، والهاوية، ويوم الحسرة‏، والآزفة‏، والحساب‏، والوعيد، والتغابن‏، ويوم تبلى السرائر‏، واليوم العظيم‏، والعقيم، والموعود‏… وغير ذلك من أوصاف تضفي على الحدث الجلل ما يستحق من رهبة وهلع، وتوجب ما ينبغي من زجر واتعاظ واستعداد.

    وقبل هذا المعاد وهذه القيامة، هناك في ثقافتنا وعقيدتنا الشيعية، قيامة صغرى، تحمل صفات تلك ومعالمها، لكن بدرجة أدنى ومرتبة أقل ونطاق أصغر يشمل من محَض الإيمان محضاً، ومحَض الكفر محضاً..
    نعم، إن في رسالة الدين خوف ورهبة وقلق ورعب، والله يريدنا أن نعيش الحالتين، الخوف والرجاء، كما هناك جنة ورضوان ونعيم ووعد، هناك جهنم وسعير وعذاب ووعيد… وفي الظهور الشريف هناك عدل ونصر وظفر، وهناك غضب وانتقام ونكال.

    هذا هو المنهج الإلهي، نحن لا نحمل رسالة وردية، ولا نجمع أصوات المقترعين لانتخابات سياسية، ولا نسوّق لبضاعة بدعايات تجارية… نحن كما ندعو إلى جنة عرضها السماوات والأرض، نحذر من ماء كالمهل يشوي الوجوه، وكما ستأتي دولة العدل والحق والإنصاف التي تحقق جنة الله على أرضه، ستأتي فيها ومعها ساعة الانتقام والقتل والإبادة والسيف والدم حتى يقول الضعاف في مهديها: ليس هذا من آل محمّد، لو كان من آل محمّد لرحم!

    هذه عقيدتنا، عليها نشأنا، وبها نتمسك، وعنها نذود، ودونها نضحي… وشعارنا وندبتنا دائماً وأبداً:
    يا هلالاً غائباً عن كل عين
    وضياءً لامعاً في الخافقين
    قم ونادِ: يا لثارات الحسين

  • كان الموضوع في أصله عابراً، ولم يقدّر أن تكون له تداعيات تذكر، ولا تصوّر أحد أنه سيتفاقم ويصبح كرة ثلج تتدحرج، أو قُل يتحول إلى جرثومة سريعة التكاثر والانتشار تنذر بهدم وسقوط قصر مشيد تكلّف عشرات المليارات، وتقويض جهود مضنية ومكابدات مذلة مهينة استمرت خمسين عاماً…

    هكذا بدأ:
    كوادر عليا من حزب إسلامي صغير، لكنه طموح، يتطلع ـ مستلهماً من مرجعيته ـ ليطرح نفسه كبديل عالمي عن “التشيّع الإيراني” كما يسميه الغرب، وعلى الرغم من سذاجة هذه الرؤية، وكم هي خرقاء، وطبقات الخيال التي تتقلب فيها، فالقوم في حقيقتهم مجرد حزب صغير ومرجعية عائلية متوارثة، لا تعترف بها الحوزات العلمية، ولا يتجاوز حضورها في الساحات الشيعية أكثر من ٢ ـ ٣٪ من مجموع المؤمنين الملتزمين (في تقديرات مستقاة من إحصائيات ودراسات ميدانية)…

    إلا أنهم راهنوا على الصولة الإعلامية التي يتمتعون بها، وجولة العناوين المتكثرة للمراكز والمؤسسات والفضائيات التي أسسوها وأغدقوا عليها بإسراف، وما زالت تنفخ فيهم التيه والغرور وتخلق الآفات والأورام.

    كان ذلك الوفد الحزبي يعرض خدماته على الدائرة الأمنية، أو قل المخابراتية، في وزارة خارجية دولة عظمى، ويرجو في المقابل توفير الدعم الحكومي لفروعه في مختلف البلاد، ولا يعني هذا العرض والبيان اتهام القوم بالعمالة، بل هي فكرة استغلالية وخطوة متحذلقة متشيطنة تريد أن توظف “التدافع” بين إيران والغرب، لتحقق لحزبها ومرجعيته أملاً سابقاً طالما خامرها وحلماً متقدماً كثيراً ما راودها.

    في ذلك الاجتماع المشؤوم قدمت للوفد لائحة مواصفات ومعايير (ستاندرد) وشروط ابتدائية سابقة لكل دعم، لا بُـدّ من توفرها قبل أي تبنٍّ واحتضان… مجموعة قيم ومبادئ تتعلق بالمساواة بين البشر وعدم التمييز والتفاضل من منطلق عرقي أو ديني، والموقف من الأديان الأخرى (ولا سيما اليهودية ومسألة عداء السامية)، وكذا قضية المرأة، وما إلى ذلك، (وفي هذا السياق جاءت كلمة أحد قادة الحزب في مؤتمر حوار الأديان الأخير في ديسمبر ٢٠١٤ الذي عقد في الفاتيكان وداس فيه التعس على شريعة جده وأمضى شرعة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان!)…

    وكان مما طولبوا به وأُلزموا: نفي العنف وإدانة جميع أنواعه، والتبري منه في الفكر والممارسة على السواء، ولم تقوَ احتيالات القوم على الصمود أمام نصوص قرآنية ومسلّمات عقدية وفتاوى فقهية تناقض هذا الأصل والأساس الذي لا يسمح دونه للإدارة هناك بدعم ومساندة أية حركة تحرر في العالم.

    ومما وُوجه به الوفد أن دينكم يبث الكراهية ضد اليهود والبوذيين والهندوس ويحتقر الكفار ويراهم أدنى طبقة ودرجة من المسلمين، وكذا المرأة، وتحفظوا على بعض أحكام الحدود والقصاص، والإيمان برب من أسمائه “المنتقم”، والتبشير بإمام سيقوم بالسيف، ويؤسـس دولته على إبادة أعدائه، بل نبش قبور أسلافهم والانتقام منهم بعد إعادة الحياة إليهم وصلبهم!

    خرج الوفد من اللقاء بوعود وتعهدات، تلتزم إصلاح البنية الفكرية والعقدية للحزب، محورها نبذ العنف والقوة، وبث “الحب والحياة” شعاراً وثقافة في أوساطه، وخطاباً ينشر في مجتمعاته.

    في هذا السياق جاءت مهزلة “عبير الرحمة”، وهو كتيّب صغير في حجمه وقدره، متهافت في محتواه، هزيل في استدلاله، ركيك في احتجاجه.. لكنه مع كل هذا التردي والوهن خلص إلى ما يقلب الفهم الشيعي في أمر قيام المهدي عليه السلام إلى ما يقرب من الرؤية والعقيدة السـنّية!

    ولما كان الأمر عقائدياً، ينذر بخروج الشيعي من دائرة التسليم المطلق لإمامه، إلى وضع أُسس ومعايير يحاكِم بها المأمومُ إمامَـه، ثم يحكم عليه (هل سيقوم بالسيف وينهض بالقوة أم بالدعوة والموعظة والحسنى؟ هل هو عنيف أم مسالم؟ هل يرحم أعداءه أم ينتقم منهم؟ هل سيثخن فيهم قتلاً أم يرسلهم طلقاء كما فعل جده؟)! ويغدو ناظراً ـ والعياذ بالله ـ عليه، لا تابعاً له ومنقاداً إليه! وهي حالة حذرت منها الروايات وتنبأت بأن قوماً من أتباع المهدي عليه السلام ينكصون عن بيعته ويتخلون عن نصرته بذريعة النقمة وعدم الرحمة في سيرته… ونحن أمامنا ـ عند الظهور الشريف (القيامة الصغرى) ـ مواقف مهولة ومشاهد مرعبة وأحداثاً يهتز لها ويتزلزل كل مذبذب مُعار الإيمان لا ثابته، مستودَع العقيدة لا راسخها، ولا ينجو إلا من نشأ وترعرع على التسليم المطلق، وترسخ فيه الأمر عقيدة لا تنال منها فتنة ولا يطالها إغواء وتغرير، ممن لا يقول: لم وكيف وما بال؟! ولا يتساءل: فيمَ وعلام ولماذا؟!…

    لذلك انبرى جملة من العلماء الأجلاء، في طليعتهم السيد إمام الجزائري دام ظله والسيد هاشم الهاشمي حفظه الله لرد الشبهة وتصحيح العقيدة، وهكذا عمّ الوعي الساحة الإيمانية بحمد الله وفضله، حتى نهض المؤمنون من النخبة المثقفة الغيورة بالدفاع عن دينهم وإمام زمانهم، فصدرت أخيراً سلسلة “عبير الانتقام” للأستاذ حسن يوسف، وقد أحسن فيها وأجاد.

    لكن المأساة ما كانت لتتوقف!..

    ما زال القوم في حيلة والتفاف، يخرجون من مطب ليسقطوا في حفرة، يجتازون حاجزاً ليهووا في واد.. يزيفون الأقوال ويحرّفون الكلام، يحوّرون الآراء ويقلبون المقولات، يدسّون ويزيدون، يجتزئون ويقتطعون، يغالطون ويصادرون، ثم يعاندون ويكابرون!

    وما زال الأمر يتفاقم فيهم ومعهم، كملسوع يسرع الحراكُ سريان السم وانتشاره في بدنه، وكحافر الحفرة في عسر خروجه حتى دفنه وطمسه ورمسه!

    وإن أثبت هذا شيئاً وأكّد أمراً، فشبهة الغرض السياسي وحقيقة المرض النفسي والسقوط الروحي في القوم، وإلا فقد كان يكفي الإخوة أن يقفوا موقف إيمان وأخلاق، ويعترفوا بالخطأ دون مكابرة، ويتوبوا إلى الله دون أن تأخذهم العزة بالإثم، فمطلِـق الفكرة، إن اعتقد غافلٌ باجتهاده، وظن ساذج بفقاهته، وصدّق بسيط بأنه متخصص قادر على استنباط المفاهيم الدينية والأحكام الشرعية.. فهو ليس معصوماً لا يخطئ، ولا “أعلمَ” يجوز تقليده!
    وكان يكفيهم الاعتذار وسحب الكلام ومحوه، ليتوقف الجدال وينتهي المراء وتطوى القضية، وعفا الله عما كان وسلف.

    إن الانحراف العقائدي (خلافاً للعملي السلوكي الذي يصعب إثباته في غير المتجاهر بالفسق) هو مقصلة كل مدّع، ومقبرة كل مزيف..

    وما أضمر أحد شيئاً إلا أظهره الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه، ويبدو أن الأمر في هذا النص الشريف لا يتوقف عند الأسرار والأمور المكتومة، بل عموم السجايا والخصال المضمرة، من خبث وكيد وجهل يخفيه المرء، فتفضحه الزلات وتعرّيه السقطات.. ثم يغلبه الكبر ويودي به الإصرار ويهلكه العناد!

    لا شك بأن مقولات القوم وجهودهم ستذهب أدراج الرياح، وأنهم أعجز وأقل شأناً من أن يبدلوا معالم مذهبنا ويغيروا عقيدة شبابنا.. ولكني مشفق على بضعة نفر من المؤمنين المخلصين، يخصني بعضهم برَحم، استغفلهم القوم وأضلوهم…

    أما الشمس فلا يداريها منخل ولو كان بحجم عشر فضائيات ونيف، والحقيقة العقائدية التي صمدت أمام حرب وقمع واضطهاد وطوفان، لن تغيرها زوبعة في فنجان.
    والحمد لله رب العالمين

  • من “أسرار المهنة” وفنون اللعبة التي يمارسها الاستكبار أو القوى المهيمنة على العالم، وتجدها معتمدة كاستراتيجية ثابتة وسياسة مطردة في أدائه: خلق “عناصر قلق” و”مواقع إثارة” و”بؤر اضطراب” في كل منطقة من نطاقات نفوذه وامتدادات سلطته.

    في الشرق الأوسط، على سبيل المثال، زرعت في ليبيا معمر القذافي…
    لا تدري هل كان انقلاباً عسكرياً قاده الضباط الأحرار، أم ثورة وانتفاضة شعبية على السنوسية؟ هل هي اشتراكية تمثل مرحلة تتكامل لاحقاً بالشيوعية، أم “كتاب أخضر” نظّر للجماهيرية وأسقط الدولة ومؤسساتها لصالح لجان شعبية استُنسخت من “الماوية”، كانت سبب انهيار النظام وسقوط البلاد!؟ لا أحد يعرف من أين يستقي الرجل فكره أو يأتيه “وَحيه” أو شيطانه، وأية مدرسة يتبع؟ ثم أين يريد؟ وماذا عسى أن يصدر منه، وماذا تراه سيفعل بعد ساعة؟
    انطلق ناصرياً عروبياً حتى النخاع، ثم فجأة، صار يزدري العروبة ويستخف بالقومية وينادي بالأممية، ثم راح ينزع إلى هوية تتوجه “ملك ملوك أفريقيا” ورئيساً للولايات المتحدة الإفريقية!.. ثم أخيراً، قبيل سقوطه وفي آخر “أدواره”، رفع راية الدعوة الفاطمية، وصار ينادي باستعادة حق أهل البيت، وحمل خطاباً يعري الوهابية ويفضح الناصبية!

    لم يقف أحد على حقيقة ذلك النظام، منذ نشوئه في ١٩٦٩حتى زواله في الربيع العربي عام ٢٠١١… لا في هويته وانتمائه العقائدي، ولا في مواقفه واصطفافاته السياسية، ولا في أهدافه وسلوكه المتأرجح بين الثورية والتطرف، ثم المهادنة والسلمية، بل الاستسلام إلى حد تسليم السلاح والانبطاح، ودائماً: عصيان يتطاول على الثوابت ولا يبالي بأحد، وتمرد على القواعد يضرب بكل شيء عرض الجدار!

    الحقيقة أن هناك توازناً يجب أن يُضبط ويُحفظ، حتى تستمر الخطة وتمضي الهيمنة ولا يُمس تسلط الاستكبار، ويواكب كل طور ومرحلة لوازمها التي تؤمن بقاء نفوذ القوى الكبرى وهيمنتها بنحو أو آخر…

    وهذا التوازن لا يخلقه إلا تدافع وتضاد، صراع واصطدام وجدلية، وهي لا تأتي إلا من إثارة وشحن وإقلاق واضطراب.
    وهو ما كان يفعله “القذافي” ويؤمّنه لهم.. كلما احتاجوا ـ في دوام مشروعهم ـ إلى إثارة وتهييج، ولزم لبقائهم خلق اضطرابات وقلاقل، واقتضى استمرار نفوذهم فتنة ومعضلة وأزمة… حركوا القذافي وهيّجوه، وأرسلوه خلف طرائد لا يعرف أحد ما هي! وقرعوه طبلاً ونفخوا فيه مزماراً وبوقاً!

    🔵 ومما ينبغي للكيّس الفطن أن يكتشفه بوعي ويتحرى الإجابة عنه ببصيرة:
    هل في الحقل الديني شيء من هذا القبيل؟ هل هناك نظير ونسخة دينية لهذه الشيطنة التي تجري في الساحة السياسية؟!
    أو ليكن السؤال بصيغته الأصح والأكثر وَعياً: ألا يحتاج العدو (من استكبار عالمي، أو أنظمة جور حاكمة، أو مذاهب وأديان تناصبنا العداء) إلى عنصر قلق، وموقع اضطراب، وبؤرة فتنة، ومنطلق أزمات في ساحتنا الدينية؟ تثيرها وتهيجها بما يخدم إضعافَ الدين وإقصاءَه عن التأثير الروحي ودوره الفاعل في مجتمعاتنا؟!

    وفرض السؤال تنزّليٌّ يجاري مقولة تجليات النزاع في السياسي والاقتصادي، ويغفل حقيقة الصراع وأصله، الذي يدور في جبهة أخرى أبعد غوراً وأكثر عمقاً، يحتدم بين الحق والباطل، الخير والشر، “الإمام” عليه السلام وشيعته، مقابل الشيطان عليه اللعنة وأوليائه، ولكننا نتجاوز ذلك، ونوفر مؤونة تناوله وإثباته (لمقام آخر)، إلى ما يتسالم عليه الجميع ويتفق، من الصراع على الحكم والسلطة، وعلى استلاب ثروات الشعوب وخيرات البلاد…
    ما يلزمه قطع الطريق على المزاحمين، وإزاحة المنافسين، وتحجيم المعارضين، والقضاء على أي عنصر قد يخل بتلك الهيمنة وينال منها، ومنها، بل على رأسها العنصر والعامل الديني.

    الحقيقة أن حال الاستكبار في الحقل الديني يختلف عنه في السياسي، فهو قاصر هنا وعاجز، قليل الحيلة، مزجيُّ البضاعة، ضعيف الحول والقوة، على عكس وضعه في الميدان السياسي، الذي يهيمن عليه ويقوده ويديره، وله اليد العليا فيه، وأنظمة الحكم في العالم الإسلامي كلها صنائع له… لذا تراه يستدرك هذا العجز هنا ويتلاحقه بسلسلة من عناصر القلق الصغيرة ومواقع الاضطراب المحدودة، تتعاقب على الإثارات وخلق الفتن والأزمات.. كلما أسقط المؤمنون أحدهم ودحروه أقام آخر، وما إن تطفئ الحوزةُ فتنةً وينهي العلماء أزمة وتخمد المرجعية ناراً، أشعل الاستكبار أخرى وافتعل مزيداً وجديداً! ذلك لعجزه عن زرع نظام ديني متكامل وإقامة مدرسة موازية، قائمة ماضية، فاعلة مستمرة، تنهض بالدور “القذافي”! فيستعيض عن ذلك بهذه السلسلة المتلاحقة والعناصر المتعاقبة من رؤوس الضلال، ومواقع الانحراف.

    لا ينبغي للمؤمن الفطن والباحث الكيّس الحصيف، أن يغفل هذه الزاوية في فهم قضية رموز الضلال، بل عليه أن يطل على المشهد ويستشرف ظاهرة القلق والأزمات المتلاحقة وبؤر الاضطراب في الواقع الديني، من هذه الحقيقة… فيعرف حقيقة: الحيدري، وفضل الله، والمؤيد، والقبنجي، والكاتب، وشريعتي، وكسروي، وعلي محمد الشيرازي الباب، وميرزا حسين المازندراني البهاء.. وآخرون معهم لا يسعني ذكرهم، وهناك من سبقهم، وكذا الذين سيلحقون بهم ويأتون من بعدهم.

    ولست ألغي الانتساب الطولي لهذه العناصر، وكون الحيدري مثلاً امتداد لفضل الله واستمرار لشريعتي و”الحركية الشيعية” (منظمة العمل وحزب الدعوة)، وكذا المرجعيات المزيفة التي ما زالت تفجر الأزمات في الساحة الإيمانية وتخلق المعضلات التي يكابد العلماء في سبيل إزاحتها ويصرفون لمعالجتها عزيز وقتهم وثمين طاقتهم…

    فهؤلاء في مجموعهم يشكلون مدرسة وخطاً له معالمه وقواسمه المشتركة، لكنهم على صعيد التنظيم والمشروع، وبعض الخصائص الفكرية، يظهرون منفردين مستقلين، ذلك لعجز الاستكبار عن اختراق الساحة الشيعية وزرع “ثابت” كبير بيننا (مذهب)، وإضفاء الأصالة والمشروعية عليه (كما فعل بالسنّـة)، فصار يعمد إلى مشاريع مستقلة وعناصر منفردة صغيرة ومواقع منفصلة محدودة، في عرض بعضها الآخر، تنهض بالدور وتسد الفراغ.
    كلما رأيتَ رأساً يطل على الساحة وهو يتمتع بتغطية إعلامية كبيرة، ولاحظت شخصاً يحظى بشهرة وزخم شعبي جارف، وتحشيد اجتماعي استثنائي، وتعبئة سياسية لافتة، ووجدت بذلاً وصرفاً وميزانية يحلم المخلصون بعشر معشارها…

    فانتظر وارتقب ـ بعد فترة وجيزة ـ أفكاراً شاذة، وتوقّع عقائد منحرفة، باسم التجديد والحداثة، وبذريعة الإصلاح والتطوير، وبحجة مواكبة العصر.. ليلحق ذلك وتتبعه: فرقعة بل انفجار إعلامي، وإثارة تخلق فتنة وأزمة، فتنشغل الساحة بقضية جديدة وتعيش معضلة لا تدري متى وكيف يكون المخرج منها؟! أو يبقى هذا العامل ينخر كالسوس ويحفر كالقارض ويأكل منسأة الدين وعماده كالحشرة، حتى يدل على موته ويعلن عن خرابه!

    إن المراقب يرصد ارتسام ظواهر الشذوذ والانحراف والضلال في الساحة الإيمانية، ويلاحظ بروز أسماء وشخصيات كما يفقأ الفطر في صحراء قاحلة، أو غابة متوحشة، بعد برق ورعد وعصف وقصف… وفي أغلب الحالات وأكثرها، تكون العناصر من أوساطنا وبيئتنا، وإلا لما خدمت الغرض المراد منها، ولما حققت الهدف المنشود لها.
    ولربما تدرجت وعملت بالمرحلية، فهذا يحارب الوهابية ويرد على السنّـة، وذاك يزعم العرفان ويتباكى على الأخلاق، وثالث يشكو الظلم والاضطهاد ويرفع راية الحركية والجهاد، ورابع يتغنى بالشعائر الحسينية، وخامس ينادي بالفلسفة والكلام وظلامة “الفقه الأكبر” في الحوزات.. فلا يلبثون جميعاً أن ينتكسوا وينقلبوا على أعقابهم، ويرتدوا على دعاويهم، ويفتكوا بالمذهب ويمزقوه شر ممزق، ويورثوا الساحة فتنة تلحقها فتنة!..

    فالمهمة الأصلية والدور الحقيقي لهم هو: النيل من ثبات الثوابت، والسعي لهز الأسس والقواعد، وإضعاف صلابة الأسطوانات والركائز.. فيختل بناء الدين ويتداعى صرح المذهب، لينشغل أربابه في رأب صدعه وسد ثُلمه، ودرء المفاسد وجبران الخسائر التي حلت به ونالته على أيدي أولئك الضلّال الفجرة. أي إشغال الحوزة العلمية والمرجعية وعموم الساحة الإيمانية بالدفاع، وصرفها ـ طبيعياً ـ عن التطوير والتوسع، وعن الهجوم والفتح ونشر الدين وإنقاذ ما استلب واسترداد ما سرق ونهب.

    لا شيء يكافح الضلال ويردعه مثل الوعي، ولا سلاح يقصم ظهور المضلين كالبصيرة بحالهم، ثم فضح أكذوبتهم..
    لن يسمح المؤمنون الواعون لـ “قذافي” الوسط الديني أن ينشر كتابه “الأخضر”، وسيجرعونه نقيع سمِّه ويرجعون كيده إلى نحره، ويورثونه صفرة الملسوع، ثم يسمعونه رنة سياط التعزير، ويصمون أذنه بهتاف الصلوات التي تقهره وتذهب النفاق، ونداءات لعنه والدعاء عليه التي تهلكه وتدمره، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم.

  • تعود جذور المداهنة والمصانعة والركون إلى الظلمة والمنحرفين ومماشاة الضُلّال، وكلّ ما ابتلي به الوسط الإيماني من السلبية في السلوك والميوعة في معالم الهوية.. إلى أمرين، غرض ومرض:

    “غرض”: طمع في مال، فرص للكسب التجاري والإثراء يُـتيحها رمز، ويقدمها وجيه، أو يؤمّنها حزب، أو منصب يتطلع إليه طامح، أو جاه وشهرة يصبو إليها متسلق، يمكن للرمز والوجيه والحزب أن يحققها له، بسلطته النافذة، وآلته الشيطانية (بالأوامر التنظيمية والإعلام).. فتراه يغض عن الضلالات ويتجاهل الانحرافات، ويخرس عن العيوب والسقطات، بل يعمى عن الجرائم والويلات، لا يرى ولا يسمع فلا ينطق، صُمّ بُـكم عُمي!
    إنه عالم المصالح والعلاقات، فلماذا يفسدها بلا طائل، ويفرط في منافعها ويخسر مزاياها دون مردود؟!

    أو “مرض”: خوَر في النفس وضعف في الروح، يورث الشعور بالصَغار والدونية، ويتملك صاحبه العجز وسقوط الهمة، وكذا الجبن.. يوقع المبتلى في المجاملة والتملق، والمداهنة والنفاق مما ينعكس في جانب أساس منه سكوتاً عن الحق وإغضاءً عن المنكر: ما لي والدخول بين السلاطين؟ سيسحقني هؤلاء الكبار الأقوياء، ماذا عساني أفعل قبل أن تأتيني الصفعة فتودي بي؟! إذن دعني أستأكل وأعيش.

    فإن خرج أحدهم عن هاتين الحالتين، لا غرض يدفعه إلى مداهنة المبطلين المنحرفين، ولا مرض يغلبه على الركون إلى الظالمين الجائرين..

    فالفرض والوجه ـ عندها ـ ينحصر في الجهل والاستغفال.

    فقد يكون أحدهم متعلماً، ولكن لم يخرجه تحصيله العلمي عن تخلف الفكر وسذاجة الذهن، وبقي قابعاً في أمية الوعي، معانياً من تيه البصيرة، يشكو ذبذبة الرأي واهتزاز الشخصية والعجز عن اتخاذ القرار والإقدام.. متطلعاً إلى من يلقنه الموقف الشرعي، فلا يأبى أن يكون قائده ورائده الذي يشخّص له تكليفه متمشيخ تتأجج فيه الشهوات وتضطرم النزعات وتتصارع الجهالات، صفر اليدين من المعارف الإلهية والعلوم الدينية!..

    فإن لم يحظَ (لفرط هوانه) بعناية ذاك فأهمله ولم يلتفت إليه، تراه يرتقب إيحاءات العقل الجمعي لترسم له مساره، فيتحرك وفق قرارات الحزب وتعليمات “مراده” تقوده وتأخذ بيده كما يُفعل بالصغار والنساء، لِمَ لا وقد رضي لنفسه طبقة “حلوم الأطفال وعقول ربات الحجال”؟!

    ترى الشيب غزا لحيته وتجاعيد الهرم زحفت إلى عنقه وأحاطت بعينيه.. لكن دون خبرة مكتسبة، ولا ثمرة تجارب معاشة، ولا مسكة من عقل تضفي عليه اتزان الكبار وتهبه وقار الأقوياء؟!

    لا تدري ماذا كان يفعل طيلة حياته وكيف أضاع عمره؟! وأنت لا تراه إلا في سمْت يوحي بالامتلاء ومظهر يشعرك بالتمكن والاكتفاء! وما الأمر فيه ومنه إلا خواء! حوم في مدار واحد، وسبح في فلك وتر، لم يخرج منه يوماً ولا انفك، أُعجب بشخص فلخّص الدين في فكره، وانتسب إلى حزب فرأى الإسلام متمثلاً به لا غيره! و”مراده” في الحوزات ومحافل العلماء وميدان التخصص القادر على الحكم والتقييم، من المجاهيل النكرات، لا يشخصه أحد ولا يعرفه إلا بإقامة قرين له هالك، ومن باب صيتهم السياسي وشهرتهم في صدم العلم وإعاقة حمَلته، والإضرار بالدين وإضعاف خدَمته!

    فلماذا يعشقهم هذا المسكين وماذا وجد فيهم؟! لا تدري!

    يضحي في سبيله ولأجل مشروعه بأشرف الفرائض، أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيبتلى بمداهنة الضُلّال والفجّار، ومجاراة هتَكَة المقدسات، ويقع في معضلة التوجيه لحركات تقوض المذهب وتهدم الدين!.. فيحتضن شخصيات مثل فضل الله والحيدري، وينهض باحتجاجهما، يلتمس الأعذار لهما، ويذود عنهما ويدافع بكل ما أوتي من عزم وقوة، ودهاء..

    ثم يوجّه ويسوّغ لكل ذلك ويعدّه من صميم الدين، لذا لن تمسه النار وإن ركن إلى الظالمين!.. وفي أحسن الحالات، أو قل إذا ضاق عليه الخناق وعجز عن الفذلكات المزخرفة والحيَل الموجهة، اكتفى بالسكوت والحياد، وراح يخلط بين المداراة والتقية وبين المضارعة والمداهنة، وبين الأناة والحكمة وبين الغباء والتسويف وذهاب الغيرة، ثم بين صلاح الدين وعز المذهب وبين تعظيم “رمزه” ومصلحة حزبه…

    يتباكى على وحدة الكلمة وتوفير الجهد والطاقة ورص الصفوف في الجبهة الداخلية، ومنع النزاع والشقاق والفرقة بين الشيعة…
    ثم يسحق كل ذلك بنعله ويدوسه بقدمه حين يتصدى ويثور فجأة، في موقع ما وحالة معينة، لم ير حزبه أن يسكت عنها، فيفتح جبهة ضد تيار شيعي ويشعل حرباً ضروساً ضد جماعة وحزب آخر، تطال رموزه، بل تبدأ بهم، ولا توفر شيئاً ولا أحداً إلا أتت عليه بمعول الهدم ومسحاة القلع والاجتثاث!

    فلماذا سكت نفس هذا المداهن المضارع، المتبجح بهذه الشعارات البراقة، عن فضل الله والحيدري، ثم ثار ضد الشيرازي، على الرغم من اتحاد الملاك؟.. لا أحد يدري!
     

    هنا ميدان الأكياس وذوي البصائر والحكماء، كما هو مهلكة الأغبياء وأحاديي الرؤية والمتقوقعين الجهلاء…

    لقد تركوا أعظم فريضة وأسمى طاعة… وكأن أميرالمؤمنين عليه السلام لم يخاطبنا في قوله: “أمرنا رسول الله أن نلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهرة”.. وهل من معصية أعظم من غصب الولاية وادعاء الفقاهة؟! ومن جحد حق أهل البيت والتشكيك في ظلاماتهم، ثم نسف مباني علومهم وهدم قواعد معارفهم؟! وهم يتلقون أهلها بالبشر والسرور، بل يمدونهم بالعون والنصرة!
    وفي رواية أخرى قال الصادق عليه السلام: “لآخذن البريء منكم بذنب السقيم! ولم لا أفعل ويبلغكم عن الرجل ما يشينكم ويشينني فتجالسونهم وتحدثونهم فيمر بكم المار فيقول: هؤلاء شر من هذا؟! فَلَو أنكم إذا بلغكم ما تكرهونه زبرتموهم ونهيتموهم كان أبر بكم وبي”.. فلا يسمعون ولا يعون! فحق أن يكونوا شراً منهم وأسوأ.

    إن ما بين المداهنة والمداراة، وبين التقية والركون إلى الظلمة.. خيط رفيع لا يميزه إلا الأكياس الحكماء، والبصراء الأتقياء… وإلا فهي شعرة معاوية يرخيها الدهاء هنا ويشدها هناك، وتحكمها المصالح الدنيوية أبداً.
    ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

  • «عبدالجبار» ستيني من «الكرادة»، عاش “الزمن الجميل” بأغلب تفاصيله، ومال شطراً من حياته إلى اللهو، حتى دفعه قمع صدام إلى الدخول في الالتزام الديني والتقيد بالأحكام الشرعية: إن كان هذا عدواً للدين فسأكون أكبر المتدينين!

    مثقف بعض الشيء، قرأ روايات توفيق الحكيم ونجيب محفوظ، أكسبته الحياة خبرة تفوق ثقافته، لكنه يفتقد العمق والغزارة، وتعيبه السطحية ولربما السذاجة، يدّعي الوعي والتنوير، ويرفض التقليدية في الالتزام الديني، ويطلق عليها “رجعية”، بل يرمي أتباعها بنمطية جعلت الدين عندهم شيئاً من التقاليد الاجتماعية وأشكال العيش والحياة ليس إلا، لذا يتهمهم بعدم التديّن الحقيقي، ويشكو صوراً من التسيب الأخلاقي مشهودة في الساحة الإيمانية، لا تنكر.

    ينطلق دائماً من تعال بل كِبر، مسهب في النقد ومفرط في الاعتراض، لا يعجبه شيء، ويعيش اعتداداً بالنفس يناهز الغرور، يصدر الأحكام على الناس ويقيّمهم سريعاً بلا محاكمة: هذا جاهل، ذاك متخلف، والثالث رجعي، والرابع يفتقد الروحانية، وأغلب المؤمنين ليسوا متدينين!..

    أقصاه اللجوء السياسي أو هو في حقيقته لجوء إنساني، إلى بريطانيا، كما فـرّق شمله وشتت عائلته الكبيرة، بين دمشق وبيروت وكوبنهاجن ولندن…

    أكثر ما يحزنه ويؤلمه سقوط ما حمل ويحمل من تعاليم دينية وقيم أخلاقية هجر وطنه بسببها، أمام واقع أصبح يعيشه بالعيان والوجدان، يصرخ بمفارقة بين ما يرى في تعامل “الكفار”، وبين ما يشهد من أبناء ملته، وحديث الحكمة يقول: الدين المعاملة.. هكذا كان يكرر، ويلحق بذلك: كل تعاليم ديننا مدّعيات وشعارات جوفاء، هنا الإسلام الصحيح، إنه في الغرب لا في بلادنا، وفي هؤلاء المسيحيين لا في شعوبنا الغارقة في الكذب والدجل والخداع، والفوضى والجهل…

    كان معجباً بفرض القانون، في حركة المرور، وفي الإجراءات الحكومية، ومأخوذاً بسلوك الغربيين في التعامل، واحترام حق الآخر ومراعاة مشاعره..

    حتى طغى هذا الشعور وحجب عنه رؤية أية سلبية في تلك المجتمعات والبلاد.

    كان السماع آخر ما ترك من المحرّمات، فهجر أم كلثوم وناظم الغزالي والبستات البغدادية على مضض، وما زال الحنين يعاوده، فيختلس مقاطع عابرة تطرق أذنه وهو يقلب محطات التلفزيون يبحث عن الأخبار وبعض المسلسلات، قبل أن يعود إلى فضائيته الدينية المفضلة.

    وهنا “العقدة” الثانية (بعد الغرب وتقدمه وانتظامه) التي يعيشها ويلاحقها في حياته، ولعلها مترتبة على الأولى: الفضائيات الشيعية..

    كان يصنّفها، على الصعيد الفني، في الابتذال والتفاهة، وعلى صعيد الرسالة والمحتوى والهدف، في التكسب والاتجار.. ويراها قنوات دعاية عائلية رخيصة، تستغل الدين وتروج لمرجعية مزيفة، وتمارس الإعلام بسوقية السماسرة، وعاميّة تناهز الأُمية.. إنها طرق إثراء وشهرة، وسبل لأصحابها حتى يخلقوا القوة ويبسطوا النفوذ ليس إلا، والدين بضاعتها ومادتها، ترفع نكرات وتعظم حقراء، تسلط الأضواء على ظلام دامس يضيع فيه المشاهد ليضل ويتيه، ثم تتجاهل نجوماً متألقة في سماء العلم والفضيلة، وتغفل مواقع التقوى ونماذج الورع والزهد والعفة في الطائفة، مما يعدّ مفخرة للدين وعزاً للمذهب.

    كان في هذا السأم والضجر، والنقد والشـكوى، حتى ظهرت فضـائية جديـدة ـ على حين غفلة ـ مثّـلت له طوق النجاة.. فهذه الجديدة عقلائية وروحانية، متزنة ورصينة، ثرية بمادتها وجادّة في برامجها، والأهم أنها بعيدة عن إسفاف تلك الخاوية العاجزة، التي قلبت جوهر البرامج التلفزيونية إلى حسينيات يرقى منابرها أسوأ الخطباء، فما أسهل أن تكرر تلاوة القرآن وقراءة مجالس العزاء، وتقول إنك تقدم أثرى وأفضل موضوع، وأعظم وأغنى مادة إعلامية، ودلني على من يرفض أو يتحفظ على ذلك لأهوي عليه بالدرة وأعلوه بالعصا!..

    قتلتنا هذه الحزبية المتاجرة بالشعائر والمجالس، كرّهتنا بكل ما يقرب منها، وهي تمجّد عائلة وتعظّم أطفال هذه الأسرة وتخلق نجوماً من شخصيات بالكاد تضيء بقوة شمعة واحدة أو حجر طاقة سريعاً ما ينفد، فيخبو وينطفئ، فتلجأ للتكرار وتدخل في الإسفاف، وسرد قصص وحكايات وكأنها ديوانية وليست منبراً ومحاضرة ودرساً يفترض أن يبث علماً.

    كان «عبدالجبار» متحمساً لفضائيته الناهضة وبديله المتألق الجديد، عاشقاً لصاحبها، فهو روحاني حكيم، وتربوي رصين، وعرفاني متفوق، يبث الأخلاق والالتزام بين الناس، وهو ليس من المعممين الانتهازيين الدجالين الذين يستغلون عمامتهم وحب الناس للدين الذي يمثلونه، فيعيشون عيشة الترف والبطر، يثرون ويصبحون من أصحاب الملايين، ويأكلون ما لذ وطاب، ويتمتعون بفاتنات النساء، ويركبون فاره السيارات… إنه ليس من هؤلاء، إنه معمم أصيل، ومتدين حقيقي، ملتزم صادق، وعابد زاهد… إنه يكتفي بالحشائش والخضار، ولا يأكل اللحم إلا مرة كل أربعين يوماً، ويقال إنه يبكي على إزهاق روح الدجاجة والذبيحة التي يأكل!

    وكان قد آلىٰ على نفسه أن ينهض بالدعاية لهذه القناة، وحث معارفه وأصدقائه على متابعتها، وكان جل استدلاله على فلاحها ينطلق من مفاضلة ومقارنة يعقدها بينها وبين المبذول في الساحة من التي تتجر بالدين وتتبع حزب عائلة تدعي العلم وتزعم المرجعية… ثم من هالة نورية كان يراها تحيط بعمامة صاحب القناة وهو يلقي دروسه الأخلاقية… ووجه يتلألأ!

    وكان ابنه يشاكسه ويمازحه، ويخلط الجد بالهزل فيعارض أباه: إنها قناة تدس السم في العسل يا أبتاه، تروج لحق، تلحقه بباطل… وصاحبها دجال من نوع جديد، أكثر دهاءً وإحكاماً في عمله من أقرانه وسابقيه.. كلهم جنود الشيطان، أولئك يغوون العوام، ويدلسون على السذج البسطاء، وهذا يخاطب المثقفين من أمثالك، ويلتقط ما يسقط من جعبة أولئك ويفلت من شباكهم.. وكلكم صيد إبليس وحصاد منجله!

    : ألا تخاف الله؟! كيف تتهم بلا دليل؟!

    : إنك تفعل هذا مع غيره! تتهم وتهاجم ولا تكترث! كيف تحمل هنا على الظاهر، وتقرأ ما بين السطور هناك؟!

    : لا تقارن، إنها هناك مدرسة باطلة بنيت على مرجعية مزيفة.. وهذا هنا ابن الحوزة.

    : بل ابن الدعوة.. هذا حزب وذاك حزب، كل ما هناك نزاع النجف وكربلاء!

    : ألا ترى النور في وجهه؟! ألا ترى الهالة فوق عمامته؟!

    : إنها خدع تصويرية ومساحيق مبيضة، لا نور طاعة ولا ضياء بصيرة وإيمان.. إنني أعرف هذا الرجل على حقيقته وأنت تعرف صورته التي يريد أن يظهر بها.

    ما كان «عبدالجبار» يطيق سماع ابنه الأكبر «سرمد» الذي صار جَدّاً بسببه، وينهره أمام أحفاده وينصحهم: لا تسمعوا لأبيكم، هذا المغرور المتكبر! وكان يلحق ذلك أحياناً فيقول: متهتك لا يعرف الورع.

    في صباح يوم الاثنين السادس من أكتوبر ٢٠١٤، بعد الفراغ من زيارة سيد الشهداء عليه السلام في عرفة، توجه «عبدالجبار» وابنه إلى مطار النجف الأشرف، واستقلا طائرة الخطوط الجوية العراقية المغادرة إلى بيروت..

    تحركت الطائرة وهما يتلوان أدعية السفر وأذكار الحفظ والأمان، حتى استقرت عند بداية المدرج، فأطلق الطيار كل طاقتها، لتنطلق بأقصى سرعة تجاه الإقلاع فالتحليق…

    فجأة! ضغط الطيار مكابح الطائرة المندفعة بقوة، وألجمها بكل ما أوتي من عزم وقدرة، ليوقفها.. ففعل، ولكن بشق الأنفس، وما تيسر ذلك حتى مالت عن مسارها وانحرفت بعض الشيء وكادت أن تنزلق وتخرج من المدرج…

    توقفت مع الطائرة قلوب المسافرين الذين كانوا يملأون مقاعدها، وتنفسوا الصعداء، وهدأ الصياح.. وقبل أن يبدأ السؤال والاستفهام عن السبب، أخذ سخط الركاب وسبابهم يعلو! فقد شاهد المطلّون على النوافذ موكب سيارات مظللة، ومعها شاحنة تقطر سلّماً وضع ليترجل الراكب العزيز من السيارة ويصعد ليستقل الطائرة..

    كان الركاب يشتمون الوزراء وحتى رئيس الوزراء ويلعنون استغلالهم للسلطة، وأين وصل ذلك وأية حدود بلغ..

    ولكن الجميع فوجئ أن “المسؤول” الذي كاد الطيار أن يضحي لأجله بما يقرب من مئتي نفس محترمة، كان هذه المرة شيخاً معمماً!

    انفجر «عبدالجبار» وفقد صوابه وأخذ يصيح:

    لا يغرنكم هؤلاء المشايخ، إنهم ليسوا رجال دين حقيقيين، إنهم دجالون، هذا ما يشوه ديننا، هذا ما يجعل الناس تنتكس في التزامها، حين يرَوْن عمامة لا تبالي أن تقع كارثة في سبيل لحاقها برحلتها..

    أين كنت يا حضرة الشيخ، لماذا علينا أن نبكر إلى المطار ونحرم من مزيد وقت للزيارة، وأنت تصل متى شئت وأنّىٰ طاب لك؟! ألا يفترض في المعمم التقوى؟! أليس من أوليات التقوى مراعاة حقوق المؤمنين واحترام مشاعرهم ووقتهم، وأن لا يبخس الناس أشياءهم؟!

    كان «عبدالجبار» يحاول الإفلات من ابنه ليتوجه نحو بوابة الطائرة ليلقن الشيخ درساً لن ينساه..

    وفجأة أُسقط في يده وهوى على مقعده، وقد ارتدت أنفاسه كمن دلق عليه دلو من الماء البارد فجأة، شهق شهقة ولم يزفر، ثم استلقى عاجزاً عن الحراك… فقد رأى «عبدالجبار» الراكب المميز والشيخ الخطير…

    لم يكن الشيخ إلا مثله الأعلى!

    صاحب القناة والمشروع والنهج الذي طالما بشّر به ودعا إليه! إنه الشيخ المتقدس والعرفاني الورع!

    عندها لم يملك إلا أن بصق، وقال: أشهد أنك دجال! أشهد أنك أحكمت اللعبة وأتقنت الحيلة حتى غررت بي وخدعتني! “المعارف” طلعت أنجس…

    وراح يكررها، وبقي على هذا طوال الرحلة، وهو يلفظ الجيم بالعامية العراقية، وهي في هذه المفردة كالمصرية واليمنية: أنگس.

    🔵 مرتكز القصة وأصلها حقيقة، والواقعة حصلت ظهر الاثنين ٦/ ١٠/ ٢٠١٤، على متن الخطوط الجوية العراقية في رحلتها المتجهة من النجف إلى بيروت.. أما نسجها وسبكها فخيال وأدب.

  • استوقفني رجل كبّ على وجهه في حماقة عُدم نظيرها، شتم بها جميع الشيعة بأقذع سبة.. ثم عجز عن أدنى اعتذار، وضعف عن أقل توبة واستغفار، ومضى الأمر بلا حساب ولا عقاب، وكأن العقول تعطلت والمشاعر تيبَّست، وما زالت عرائض التسويف ولوائح التسويغ والتعليل تترى.. حتى تحسب أن الطائفة أخطأت في غضبتها حين قال فيها صاحب النيافة: أبناء حرام!

    وقد سبقه كثيرون، منهم “معمم” آخر (عربي شيعي) يكابر بصلافة النواصب ويعاند بجلافة الأعراب، فيهتك كل القيم والمبادئ التي عرفها ودرسها ونشرها، لأن وضع ـ ما يسميه ـ بالمؤسسة الدينية لم يسمح له بتحقيق طموحه في الزعامة والرئاسة… فحمل عموداً من حديد، وراح يخبط كل شيء ويحطم كل بناء، حتى نسب التشيع إلى اليهودية والمجوسية؟!

    ولا من بصيص ضمير يضيء في آخر هذا النفق المظلم بالنفاق، ولا من عِرق حياء ينبض في هذه الجثة المنتنة وهي على قيد الحياة!؟.. ووجهٌ بال عليه إبليس وأقسم أن لن يفلح أبداً.

    ترى ما السر في عجز شعوبنا العربية عن ممارسة الاعتراف بالخطأ ثم الاعتذار؟ وكذا الاعتراف بالهزيمة ثم البناء؟!

    لماذا نهضت شعوب وبلاد هزمت في حروب وانهارت في محن وبلاءات، حتى قربت من المحق والزوال، فتلقت النتيجة بتعقل وإذعان، استسلمت وطأطأت برأسها، وخضعت، وقل إن شئت ذلت.. حتى لعقت جراحها وعالجت آلامها واستجمعت قواها ونهضت من جديد… فكانت ألمانيا واليابان، وكوريا وتايوان، وحتى فيتنام، هذه المغلوبة على أمرها، لها اليوم موقع في العطاء والإنتاج، ما يميزها ويجعلها في معايير الإنسانية متفوقة على انحطاط العرب وذلهم الواقعي الذي يدارونه
    بنفخ الصدور وفتل الشوارب، وتبختر هرٍّ يحكي انتفاخاً صولة الأسد؟! لا علم ولا فضل ولا عطاء، لا تطور ولا صناعة ولا إنتاج، لا علاج ولا دواء ولا اكتشاف، استهلاك واستنزاف، هدر وتخلف وسرقات، لهو وفسق وفساد.. ثم تعالٍ وزهو ومكابرة تأبى الاستسلام، ولا تريد الخضوع والاعتراف!
    من أين جاء هذا الكبر والخيلاء؟!
    وما هذه الصلافة والوقاحة والغباء؟!

    والمفجع أنه سلوك عام و”ظاهرة” لا تقف عند القادة والزعماء والمسؤولين والوزراء، بل تسري حتى إلى البيوت والعائلات، فلا أحد يعترف بخطئه ولا أحد يقدم اعتذاراً على ظلم وقع منه، لا الزوجة تقيل زوجها، ولا الأب يتنازل عن سلطانه، ولا الأبناء يشعرون بجرائمهم وما يسببونه من مآسٍ، الجميع ماض في دربه، معانداً مكابراً… يتجاوز أحدهم مركبتك ويتخطى حقك في المرور، وهو يشمخ بأنفه، فسيارته الفارهة تكشف عن طبقته المحصنة التي تقيه رد فعلك، ويخبطك آخر وهو يسير في السوق حتى يكاد يخلع كتفك، ولا يجشّم نفسه عناء كلمة: آسف! بل يرمقك شزراً، مستنكفاً متأففاً، لكن ليس متأسفاً، وحاشا أن يكون معتذراً، فهو ذو بسطة في الجسم، تحصنه من خطر العراك وتأمنه الانتقام.

    ووزير يدمر البلاد ويهلك العباد نتيجة فشله وتقصيره، بل فساده وخيانته، فيخسر الوطن ملياراً في مشروع سلقه فبلعه وأهدره، وكان في أحسن صورة عرضه وصوّره.

    ويلقم آخر البحر مئات الأرواح، في طائرة منكوبة وسفينة وعبّارة غارقة، حمّلها حجاجاً أو مهاجرين يفرون من جحيمه، فلا يسهر له جفن، ولا تطرف له عين! وما زال يقدم عرائض الحجج والتعليلات ومعلقات الأعذار التي تجعله في النهاية دائناً لا مديناً… فإذا قارنته بوزير المواصلات الياباني الذي قدم استقالته لخطأ تقني أو عطل فني تسبب في حادث قطار نتج عنه ستة جرحى وتأخر الموظفين عن الوصول إلى مكاتبهم! فاستقال الرجل ثم وضع نفسه في عهدة القضاء وحرك الدعوى الجزائية ضد نفسه لينال جزاءه (ناهيك بقرينه الذي انتحر كساموراي شريف!)… تعلم أن هناك خللاً في البنية الفكرية، بل في الروح والطبيعة، وأن ثمة مسخاً حيوانياً أو شيطانياً طال هذه الأمة واستحوذ عليها! وهي ما زالت تتبجح وتتفلسف.

    هل عليك أن تكون بوذياً يؤمن بالتناسخ، فيتطلع إلى حياة أفضل في دنياه القادمة التي ستنتقل إليها روحه، حتى تتأدب في سلوكك وتحترم الآخرين في حقوقهم ومشاعرهم؟!

    هل عليك أن تكون راهباً في أحد أديرة اليونان أو بطريقاً في إنطاكية أو أسقفاً في الفاتيكان، أو ضليعاً في علم اللاهوت الكنسي، حتى تدرك قبح الخطيئة وتعيش مفهوم التوبة والاستغفار عبر طقس وسر “الاعتراف”؟!

    إنني أعتقد أن هذه الأمة مغضوب عليها، سُلبت الرحمة، ونزلت بها نقمة خفية جعلتها ملعونة! ما زالت تُسكنها خسة الحضيض ولوث الضلال، وتمنعها أي نمو وارتقاء، وكل تسامٍ وصفاء!

    إنها لعنة لازمت الأمة مذ أعرضت عن الحق وغصبت وارث نبيها وأزالته عن مقامه.. نزلت بها وأصابتها، وقد أطلقتها الزهراء عليها السلام عقيب مأساة وفاجعة عظمى حلت في بيت النبي بعد وفاته مباشرة.

    نعم، هي لعنة فاطمة عليها السلام تطال أعداءها… فبعد أن أرجأت نزول العذاب، حين ارتفعت حوائط المسجد وعلا الغبار بعد العج… اكتفت عليها السلام بالدعاء وإعلان السخط وإرسال اللعنة:

    أمَا لَعَمْري، لَقَدْ لقحَتْ، فَنَظِرَة رَيْثُمَا تُنْتِج، ثم احْتَبَلُوا مِلْءَ القَعْبِ دَماً عَبيطاً، وَذعَافاً مُبِيداً، هُنالِكَ يَخسَرُ المُبْطِلُونَ، وَيُعْرَفُ التَّالُونَ، غبَّ مَا سَنَّ الأوَّلُونَ، ثُمَّ طِيبُوا عَن دُنْيَاكُم أنْفُساً، وَاطْمَئِنُّوا للفِتْنَةِ جَأشاً، وأبْشِرُوا بِسَيفٍ صَارِمٍ، وَسَطْوَةِ مُعْتَدٍ غَاشِمٍ، وَهَرَجٍ شَامِلٍ، وَاسْتِبْدَادٍ مِنَ الظَّالِمِينَ. يَدَعُ فَيئَكُمْ زَهيداً، وَزَرْعَكُم حَصِيداً، فَيَا حَسْرَتي لَكُمْ، وَأنَّى بِكُمْ {فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ}.

    فَدُونَكُمُوها فَاحْتَقِبُوها دَبِرَةَ الظَّهْرِ، نَقِبَةَ الْخُفِّ، باقِيَةَ الْعارِ، مَوْسُومَةً بِغَضَبِ اللهِ وَشَنارِ الْأَبَدِ، مَوْصُولَةً بِنارِ اللهِ الْمُوقَدَةِ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ. فَبعَيْنِ اللهِ ما تَفْعَلُونَ {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ منقلب ينْقَلِبُونَ}، وَأَنَا ابْنَةُ نَذِيرٍ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَديدٍ، {فَاعْمَلُوا إنّا عامِلُونَ وَانْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ}.

    وبعد قريش وخيلائها، والعرب من أتباعها وحملة روحها الطاغوتية ونفسها الشيطانية، التي أورثتها هذا الانتكاس والانحطاط…

    ها نحن نرى تلك الروح المريضة تسري وتسكن في مواقع تنسب إلى التشيع والولاء!.. تشكك في مصاب الزهراء وتريد أن تضيع حقها، فينبري هذا ليسوّغ للجاحد الضال، ويقوم ذاك ليزوره ويعوده، وثالث يعزي به ويؤبّـنه، ورابع ينصره ويؤازره وينهض باحتجاجه، وخامس يلحق التشكيك بالمصاب بجحد كل دين الزهراء ومذهبها!.. وهكذا.

    لست أدري كيف يعالَج هذا الداء؟ وما السبيل لإخراج القوم من هذا البلاء؟ فأنا لا أفصل هذه الروحية الشيطانية والنفسية الاستكبارية،
    عن همجية الإرهاب، وشراسة نحر البشر وتقطيع الأوصال ولوْك الأكباد، ونسف المساجد والحسينيات، وتفجير المدارس والأسواق.. وأمام هذا، لا سبيل إلا أن أقتبس وأقول لهؤلاء، كما قال موسى عليه السلام لقومه:
    يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ.
    وأعلم أنهم لن يفعلوا.. حتى يحصدهم سيف الحجة عليه السلام (فممن يعود في الرجعة، الذين محضوا الكفر وحملوا راية الضلال) فينكّل بهم مرة بعد مرة، ويثخن فيهم، ويسقي الأرض من دمائهم حتى تروى، ثم يعودون في القيامة الكبرى حصب جهنم هم لها واردون، ثم خالدين فيها أبداً.

  • عندما ترِد أحاديث شريفة ونصوص معصومة توكل أمر الدين إلى الأئمة الأطهار وتمنحهم مقام التشريع والتقنين وبيان الأحكام بمعنى تحديدها، ثم إبلاغها، وتعطيهم حق الرئاسة والقيادة والإدارة، وحق تقدير المصلحة ورسم أُطر الحكمة (من قبيل ما جاء في الجامعة الكبيرة، وفي قوله عليه السلام: إرادة الرب في مقادير أموره تهبط إليكم، وتصدر من بيوتكم، والصادر عما فصل من أحكام العباد)… تجد بعضهم يتردد ويشكك، ويرى ذلك مبالغة وإفراطاً في التمجيد والتقديس، وغلواً في الحب والولاء!

    فإذا نحّوْا أهل البيت جانباً وزوَوْهم عن حقهم وأقصوهم عن دَورهم، تراهم يمنحون قادتهم وكبراءهم ما كانوا يستكثرونه على حجج الله وأوليائه في أرضه، ويأبونه للأئمة المعصومين من آل محمد!… فيعودون ليمنحوه أنفسهم، فيفعلونه ويمارسونه كحق ثابت لهم! وكأنهم هم أولياء الله، وولاة الأمر والنهي، وأصحاب الفصل، وورثة الدين، والقوّام بالحق.

    يغيرون ما يشاؤون من الأحكام والعقائد، يزيدون في الشريعة وينقصون، يبتدعون ويخترعون، أو يحذفون ويغيرون، كل ذلك لمصالح ارتأوها، وحِكَم قدّروها، وظروف قرأوها، وتحليلات توصلوا إليها… ولك أن تحكم وتقيّم كم أصابوا في هذا أو أخطأوا.

    قدّر أحدهم أمراً، واستحسن رأياً، ورجّح حالة ووضعاً، فقرر تغيير حكم شرعي كما يهوى وتبديله كما يشاء، وإنزال الأمة على رأيه وتقديره! فأصدر قراره، ليأخذ أمره مداه وسعته وحظه من التطبيق والنفاذ بما يتناسب مع قدراته وإمكانياته… اشمأز الرجل من الدماء ورآها شيناً، فمنع التطبير والإدماء، وحتى اللطم الشديد، بل الصرخة والنواح (وكلها مشروعة راجحة في فقة أهل البيت ومذهب الشيعة وشريعتهم) وجنّـد الجند لمحاربة الشعائر الحسينية، فخلق فتنة عمياء وزرع البلاء، وأدخل الشيعة في متاهة من النزاع والشقاق، ما زالوا فيها من عقدين ونيف ولم يخرجوا من أذيالها ولا تخلصوا من عقدها وحبائلها!

    وآخر رأى ألَقه ومجده وموقعه من الصيت والشهرة أو جمع ثروته وتكديس أمواله، يكمن في كسب ودّ المخالفين وتسجيل نقاط الإدانة على مذهبه، فجحد ظلامة الزهراء، وشكك في أصل البلاء وأساس النصب والعداء، ثم أراد توسيع دائرة أتباعه فلم يجد أهون من الميوعة وأيسر من التسيب والتهتك، فأجاز بيع الخمور وأباح الاستمناء، وحلل أكل الجري والمحار والصدف البحري، وحكم بطهارة السيخ والنواصب، حتى هلك وما زالت ضلالاته حية، وما زال الناس يفسدون صيامهم وعيدهم وطهارتهم ويملأون بطونهم من حرام حلّله لهم!

    وثالث لم يجد “زمزم” يبول فيها ليلفت الأنظار ويحظى بالشهرة التي يتمنى، فحرم زيارة الأربعين على النساء وراح يستخف بالعزاء!

    ورابع ضليع بالتجارة والمال، يتربع على إمبراطورية استيراد وتصنيع السكر، أفتى بنقل ذباحة الهدي من منى إلى بلده عملاً بالاقتصاد ومنعاً للإسراف.

    وخامس أفلست مسرحياته الهزلية وغلبت السوداوية على تهريجاته السمجة، ففجر فرقعة على حجم ما يتقرقر في بطنه من أرياح وغازات… تريد نقل المرجعية الدينية من الفقهاء إلى الفلاسفة! فلما عجز وبان سخفه وهزاله، دخل في الهذيان وصار يطعن الدين الحق وينسبه إلى الإسرائيليات!

    وسادس لم يجد ما يسوّغ زيفه وضحالته، وخلو وفاضه من أي علم وإبداع، فقال بالسلمية في قيام القائم عليه السلام، ونفى القوة والسيف في الظهور الشريف!

    وسابع وثامن… وعاشر…

    حتى ظهر لنا بالأمس في لبنان من رأى “المصلحة” وقرر خدمة الدولة وإرضاء مفتي السنة بقذف الشيعة كلهم بأنهم أبناء حرام!
    هكذا يفتري، من يتبوّأ مقام رئاسة الطائفة في لبنان، على الله والدين والحقيقة فينزل أعداء آل محمد منزلة علي عليه السلام، والمعيار الذي جعله رسول الله له من أن بغضه علامة النفاق وعدم النجابة…

    بهذه البساطة واليسر والطيش والرعونة تهتك أحكام الدين والشريعة، وتقلب العقائد والأفكار، ويُعبث في أمر الله…

    إنهم يمسخون ديننا، ويتّجرون بمذهبنا، ويستأكلون بآل محمد، ويستبيحون التشيع… وكأنهم يبذلون من حرِّ مالهم، ويصرفون من مؤونة بيتهم ودارهم، ويقتطعون ويهبون ويمنحون ويتصدقون من تركة آبائهم وإرث أجدادهم… لا يبالون ولا يكترثون، لا يعتنون بأحد ولا يخشون ردة فعل ومحاسبة، ناهيك بانتقام!

    قهرتنا المداراة فخنعنا، وهزمتنا مصالحنا فداهنّا، ثم دارينا ذلك بزعم الحكمة والروية، وتسترنا بدعوى الفطنة والكياسة، فغُلبنا على أثمن ما نملك، واستبيح أعز حمى وأمنع ذمار.. والجناة يوغلون في الوقاحة وسوء الأدب، لم لا وقد أمنوا العقوبة وضمنوا السلامة!
    ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.