خارج المجرى العظيم الذي يرسم هوية الشيعة، وفي منأى عن النطاق الذي خطَّ ـ على مرِّ القرون وتعاقب العهود ـ المعْلم الأبرز الذي يميزهم عن غيرهم، يمنع انصهارهم وضياعهم، ويحمي وجود كيانهم: إحياء عاشوراء بالندبة والعزاء.. خارج هذا الإطار، تتحرك فئة محدودة وتسعى جماعة محصورة من أبناء الشيعة، لتغيير الرثاء وتبديله بالجهاد، وقلب العزاء وتحويله إلى شيء آخر، مبتور عن ماضيه ولا يشبه حاضره وباقيه. وفي هذا الاتجاه تُسجَّل مظاهر وظواهر حداثية حسية تدَّعي العقلانية وتزعم الوعي والتنوير، بات من الضروري التعرض لها وكشفها، وبيان مدى الخطأ والضلال في انتهاجها.
من المعيب أن يعجز “مثقف” قرأ الكوميديا البشرية (الديكاميرون لجيوفاني بوكاشيو) بعد الإلهية لدانتي، وجال في أعمال شكسبير وكافكا، وتولستوي ودوستويفسكي، ونظر في نتاج جورج أوريل وإرنست همنغواي حتى باولو كويلو، كما قرأ الجاحظ وابن المقفع وبديع الزمان، وعرف الرافعي والمنفلوطي والمازني وجبران… ثم يعجز عن فهم فلسفة سرديات كربلاء، وخلفيات الملحمة الحسينية، ومكنونات السيرة المروية في مواقف وحوادث عاشوراء! ودع عنك عجزه عن إدراك وتمييز المرتجل العفوي والتلقائي الطبيعي منها، عن التمثيلي المصطنع والمقصود المستهدف، بظاهره وبأعماقه التي ستخط التاريخ وتكوِّن الصورة التي يريدها كاتب الحادثة وبطلها، وهو يديرها بما يشكِّلها.. فهذا بعيد عن تناوش السطحيين الغارقين في الحسِّ، القابعين في دركات المادية بأخس صورها بدائية!
تراه يتذوق النحت والعمارة، ويحبُّ الرسم والتصوير، ويأنس بالشعر والأدب، ويتأثر بالمسرح والتمثيل، وهكذا يعيش في عالم الفن السابع ويستغرق في السينما… ثم يضيق أُفقه عن صوَر هذي الفنون وما يحاكي تطبيقاتها في عالم الشعائر الحسينية!؟ يقصر عن ضروب البلاغة والمعاني والبيان ومجاليها هنا، فلا يميِّز أو حتى يعرف الاستعارة والكناية، ولا يحسن الشعر وفنونه، ولا النثر وأنواعه من قصة ومسرح ومقامة، أو خطبة ومقالة. ولا عرف كم اعتمد الدين على الأدب ووظَّفه لإحكام العقيدة والنهوض باحتجاجاتها، ثم الدعوة لترويجها ونشرها، وكم فعلت خطب البلغاء ومقولات الفصحاء وقصائد الشعراء وما سطره الكتَّاب، ونتاجاتها من مختلف النصوص في إثارة المشاعر وتهييجها، وكيف صنعت روافد لأفراح الصدور وأتراحها، رفد الحب وإذكاء البغض فيها، وما إلى ذلك من خبايا النفس البشرية.. كم ربطت على القلوب أو بعثت فيها الشك والريبة؟ وهذه الأعمال المعاصرة وآلياتها (من أفلام سينمائية ومسلسلات تلفزيونية وقصص وروايات) تنتصب ـ وهي توظف هذا وذاك ـ شاهداً على دور فاعل خطير، سواء في نصرة الدين أو حربه. وكم من مشهد اجتماعي وموقف سياسي، وحال مُعاش، صنعته فنون الأدب أو رفدته وآزرته حتى فعَّلته، بعثت في المجتمع السلبية والتشاؤم حيث شاءت، أو الحماسة والتفاؤل أنَّى أرادت، عظَّمت شخصيات ومجَّدت مسلكاً ورفعت خلُقاً فلحق بالقيم المحترمة بل المقدسة، وأزرت بآخر فهوت به حتى وسم بالتخلُّف والرجعية، وأُلحق بالمساوئ والرذائل! رفدت العلم والعقل، أو أخذت العنوان وأفرغته من محتواه، ثم خلعته على الصورة التي تريد وألبسته القالب الذي يطيب لها، فصنعت هذا الخلْق المشوَّه، وولدت هذا العلج، بل المسخ الفاعل باسم البحث والتحقيق، وراحت تحاكم الناس عليه، وهي تقبع في حضيض السفاهة وتربض في قاع الجهالة!
في هذا الخضم المتلاطم من فعل الأدب ودوره في حياتنا، هناك “مثقفون” يعجزون عن التقاط الصوَر البلاغية في القصائد التي أنشدت في فاجعة الطف، يستنكرون العتاب المتبادل بين زينب والعباس، الحوراء تؤاخذه بعدم جلب الماء، أو بتركها أسيرة في أيدي الأعداء، وأبوالفضل يرد برحيلها دون دفنه أو توديعه، فينحدر التعس في ضحالته وتفاهته ليستنكر: كيف تعتب على صريع؟ فإذا ارتقى شيئاً، تساءل مستنكراً: وهل من متسع لهذا في ذلك المقام المضطرب والحضرة الملتهبة!؟
من المؤلم أن يحرم جمع من المؤمنين أنفسهم السبح في هذا الفضاء الروحاني، بل الأفق الملكوتي، ويصروا على الركون لأغلال الحس والارتهان لأصفاد المادة، وضحالة تعود بهم إلى بدائيتهم وتأخذهم لتدرجهم في مصاف الهمج الرعاع.
ودعنا نتوقف عند شاهد طالما سقط فيه “أدعياء الثقافة” وافتُضح “أدباء البلاط”، وهم يجترُّون مقولات أسيادهم وما يملى عليهم، دون أدنى اعتبار لمخزونهم الأدبي وحصيلتهم على هذا الصعيد!..
إنها قصة زواج القاسم بن الحسن في خضم معركة كربلاء، ومحاكاتها بالتشابيه، وما غدا مفردة أصيلة ونمطاً راقياً في الشعائر الحسينية.. تراهم ينكرون الرواية ويسفهون شعائر إحيائها، ويعمدون لخطاب عامي مبتذل، يتجاوز أوليات العلم والعقل!
ودعنا عن سائر المعطيات الأدبية والفنية، وما عمد إليه سيد الشهداء في رسم ملحمته وصبها في القالب الذي يريد. ولنخضع الأمر للعلل المنطقية، ولنأخذ بالأسباب والمعطيات الطبيعية، مما يحكم الصراعات والحروب. فمن المسلَّمات التي لا جدال فيها، أن محور الحروب والصراعات في عالمنا يرتكز على الحرب النفسية وإلقاءاتها، من دعاية وإعلام وخلق صور موحية وفضاءات ملقِّنة. وجل ما تراه في عرصة السياسة اليوم بين الدول يرتكز على هذا في خلق عامل الردع، حين توحي الدول بقدراتها وأسلحة فتاكة تملكها ستدمر الخصم وتبيد العدو، ما يبعث فيه الروع والهلع ويسقطه لينكفئ على نفسه فلا يعتدي، فينهزم دون قتال!
الجيش الأموي في كربلاء في غالبيته العظمى لم يكن عقائدياً ولا مؤمناً بقضية، إنما كانت جموع تتحرَّى الأقوى لتلحق به وتنضم إليه، نجح مسلم بن عقيل في تصوير المشهد ظفراً وخلافة قادمة لسبط النبي، فبايعه الكوفيون والتحقوا به. ولما رأوا أن اليد الطولى ما زالت للحكومة، مما ظهر في تصفية وجوه المعارضة ورؤساء القبائل الشيعية، انتكست الجموع وتراجعت!
ترى، ما الذي يمنع أن يعمد سيد الشهداء في كربلاء إلى أداء سياسي يوحي لمعسكر العدو بالثقة والطمأنينة المطلقة التي يعيشها معسكره، فهو يزف ابنته لابن أخيه ويقيم عرساً وفرحاً وبهجة، مما لا يكون إلا للمتيقن من الظفر والنصر؟! فيسقط في يد الأعداء ويضطرب معسكرهم، وتتزلزل أركان الجند، فيميلوا إلى جبهته طمعاً وأملاً؟! فلرُبَّ أنصار سيلحقون به قريباً، ورُب قيادات في معكسر الشام تضمر غير ما تظهر، قد تنقلب في أي لحظة، ورُبَّ عزم على إعمال المعجزة وخرق العادة، من قبيل الريح التي قلعت خيام قريش وكفأت القدور وأطفأت النيران وأطارت الحجارة في حرب الأحزاب، وقد يتكرر ما جرى لجده الأعلى مع جيش أبرهة الحبشي؟!
هذا مشهد منطقي وأداء سياسي يبرر فعلاً أحيته الشيعة على مدى أربعة عشر قرناً، والقدر المتيقن ما أثبتته التواريخ من أن عقداً قد جرى ووصية كانت مضمومة في عوذة، فُضَّت وقرئت، وثياباً للحسن دعيت وطُلبت، تزيَّى بها ابنه القاسم، حتى صاحت الفاطميات وكأن السبط الأكبر تمثَّل لهن بشمائله ومحاسنه وهيئته، وبُعث حياً من جديد!
تتوسع مخيلات الحداثيين وتكبر حتى تستوعب كل فرضية واحتمال، فتدرجه في نطاق الإمكان، لكنها تضيق وتنحسر هنا لتهزأ وتستخف: كان الحسين في شغل عن عقود الزواج وإقامة الأعراس فدعوا عنكم الخرافات! إن هذا الجمود والقراءة السطحية والعوراء للمشهد لا تعني إلا المرض والغرض الذي يحجب الرؤية، فلا يتقبل الناظر أمراً منطقياً عقلياً طالما أعمله وأخذ به في غير موضع. والأمر في عالم الحقائق لا يعني أكثر من الحرمان والشقاء، فهذا نهر يجري وعين تتدفق، والمحروم يكرع من آسن ما أعد له الشيطان، فلا يروى، وما برح يلهث وقد تدلى لسانه، حتى يهلك، إلى جهنم وبئس المصير.