• خارج المجرى العظيم الذي يرسم هوية الشيعة، وفي منأى عن النطاق الذي خطَّ ـ على مرِّ القرون وتعاقب العهود ـ المعْلم الأبرز الذي يميزهم عن غيرهم، يمنع انصهارهم وضياعهم، ويحمي وجود كيانهم: إحياء عاشوراء بالندبة والعزاء.. خارج هذا الإطار، تتحرك فئة محدودة وتسعى جماعة محصورة من أبناء الشيعة، لتغيير الرثاء وتبديله بالجهاد، وقلب العزاء وتحويله إلى شيء آخر، مبتور عن ماضيه ولا يشبه حاضره وباقيه. وفي هذا الاتجاه تُسجَّل مظاهر وظواهر حداثية حسية تدَّعي العقلانية وتزعم الوعي والتنوير، بات من الضروري التعرض لها وكشفها، وبيان مدى الخطأ والضلال في انتهاجها.

    من المعيب أن يعجز “مثقف” قرأ الكوميديا البشرية (الديكاميرون لجيوفاني بوكاشيو) بعد الإلهية لدانتي، وجال في أعمال شكسبير وكافكا، وتولستوي ودوستويفسكي، ونظر في نتاج جورج أوريل وإرنست همنغواي حتى باولو كويلو، كما قرأ الجاحظ وابن المقفع وبديع الزمان، وعرف الرافعي والمنفلوطي والمازني وجبران… ثم يعجز عن فهم فلسفة سرديات كربلاء، وخلفيات الملحمة الحسينية، ومكنونات السيرة المروية في مواقف وحوادث عاشوراء! ودع عنك عجزه عن إدراك وتمييز المرتجل العفوي والتلقائي الطبيعي منها، عن التمثيلي المصطنع والمقصود المستهدف، بظاهره وبأعماقه التي ستخط التاريخ وتكوِّن الصورة التي يريدها كاتب الحادثة وبطلها، وهو يديرها بما يشكِّلها.. فهذا بعيد عن تناوش السطحيين الغارقين في الحسِّ، القابعين في دركات المادية بأخس صورها بدائية!

    تراه يتذوق النحت والعمارة، ويحبُّ الرسم والتصوير، ويأنس بالشعر والأدب، ويتأثر بالمسرح والتمثيل، وهكذا يعيش في عالم الفن السابع ويستغرق في السينما… ثم يضيق أُفقه عن صوَر هذي الفنون وما يحاكي تطبيقاتها في عالم الشعائر الحسينية!؟ يقصر عن ضروب البلاغة والمعاني والبيان ومجاليها هنا، فلا يميِّز أو حتى يعرف الاستعارة والكناية، ولا يحسن الشعر وفنونه، ولا النثر وأنواعه من قصة ومسرح ومقامة، أو خطبة ومقالة. ولا عرف كم اعتمد الدين على الأدب ووظَّفه لإحكام العقيدة والنهوض باحتجاجاتها، ثم الدعوة لترويجها ونشرها، وكم فعلت خطب البلغاء ومقولات الفصحاء وقصائد الشعراء وما سطره الكتَّاب، ونتاجاتها من مختلف النصوص في إثارة المشاعر وتهييجها، وكيف صنعت روافد لأفراح الصدور وأتراحها، رفد الحب وإذكاء البغض فيها، وما إلى ذلك من خبايا النفس البشرية.. كم ربطت على القلوب أو بعثت فيها الشك والريبة؟ وهذه الأعمال المعاصرة وآلياتها (من أفلام سينمائية ومسلسلات تلفزيونية وقصص وروايات) تنتصب ـ وهي توظف هذا وذاك ـ شاهداً على دور فاعل خطير، سواء في نصرة الدين أو حربه. وكم من مشهد اجتماعي وموقف سياسي، وحال مُعاش، صنعته فنون الأدب أو رفدته وآزرته حتى فعَّلته، بعثت في المجتمع السلبية والتشاؤم حيث شاءت، أو الحماسة والتفاؤل أنَّى أرادت، عظَّمت شخصيات ومجَّدت مسلكاً ورفعت خلُقاً فلحق بالقيم المحترمة بل المقدسة، وأزرت بآخر فهوت به حتى وسم بالتخلُّف والرجعية، وأُلحق بالمساوئ والرذائل! رفدت العلم والعقل، أو أخذت العنوان وأفرغته من محتواه، ثم خلعته على الصورة التي تريد وألبسته القالب الذي يطيب لها، فصنعت هذا الخلْق المشوَّه، وولدت هذا العلج، بل المسخ الفاعل باسم البحث والتحقيق، وراحت تحاكم الناس عليه، وهي تقبع في حضيض السفاهة وتربض في قاع الجهالة!

    في هذا الخضم المتلاطم من فعل الأدب ودوره في حياتنا، هناك “مثقفون” يعجزون عن التقاط الصوَر البلاغية في القصائد التي أنشدت في فاجعة الطف، يستنكرون العتاب المتبادل بين زينب والعباس، الحوراء تؤاخذه بعدم جلب الماء، أو بتركها أسيرة في أيدي الأعداء، وأبوالفضل يرد برحيلها دون دفنه أو توديعه، فينحدر التعس في ضحالته وتفاهته ليستنكر: كيف تعتب على صريع؟ فإذا ارتقى شيئاً، تساءل مستنكراً: وهل من متسع لهذا في ذلك المقام المضطرب والحضرة الملتهبة!؟

    من المؤلم أن يحرم جمع من المؤمنين أنفسهم السبح في هذا الفضاء الروحاني، بل الأفق الملكوتي، ويصروا على الركون لأغلال الحس والارتهان لأصفاد المادة، وضحالة تعود بهم إلى بدائيتهم وتأخذهم لتدرجهم في مصاف الهمج الرعاع.

    ودعنا نتوقف عند شاهد طالما سقط فيه “أدعياء الثقافة” وافتُضح “أدباء البلاط”، وهم يجترُّون مقولات أسيادهم وما يملى عليهم، دون أدنى اعتبار لمخزونهم الأدبي وحصيلتهم على هذا الصعيد!..

    إنها قصة زواج القاسم بن الحسن في خضم معركة كربلاء، ومحاكاتها بالتشابيه، وما غدا مفردة أصيلة ونمطاً راقياً في الشعائر الحسينية.. تراهم ينكرون الرواية ويسفهون شعائر إحيائها، ويعمدون لخطاب عامي مبتذل، يتجاوز أوليات العلم والعقل!

    ودعنا عن سائر المعطيات الأدبية والفنية، وما عمد إليه سيد الشهداء في رسم ملحمته وصبها في القالب الذي يريد. ولنخضع الأمر للعلل المنطقية، ولنأخذ بالأسباب والمعطيات الطبيعية، مما يحكم الصراعات والحروب. فمن المسلَّمات التي لا جدال فيها، أن محور الحروب والصراعات في عالمنا يرتكز على الحرب النفسية وإلقاءاتها، من دعاية وإعلام وخلق صور موحية وفضاءات ملقِّنة. وجل ما تراه في عرصة السياسة اليوم بين الدول يرتكز على هذا في خلق عامل الردع، حين توحي الدول بقدراتها وأسلحة فتاكة تملكها ستدمر الخصم وتبيد العدو، ما يبعث فيه الروع والهلع ويسقطه لينكفئ على نفسه فلا يعتدي، فينهزم دون قتال!

    الجيش الأموي في كربلاء في غالبيته العظمى لم يكن عقائدياً ولا مؤمناً بقضية، إنما كانت جموع تتحرَّى الأقوى لتلحق به وتنضم إليه، نجح مسلم بن عقيل في تصوير المشهد ظفراً وخلافة قادمة لسبط النبي، فبايعه الكوفيون والتحقوا به. ولما رأوا أن اليد الطولى ما زالت للحكومة، مما ظهر في تصفية وجوه المعارضة ورؤساء القبائل الشيعية، انتكست الجموع وتراجعت!

    ترى، ما الذي يمنع أن يعمد سيد الشهداء في كربلاء إلى أداء سياسي يوحي لمعسكر العدو بالثقة والطمأنينة المطلقة التي يعيشها معسكره، فهو يزف ابنته لابن أخيه ويقيم عرساً وفرحاً وبهجة، مما لا يكون إلا للمتيقن من الظفر والنصر؟! فيسقط في يد الأعداء ويضطرب معسكرهم، وتتزلزل أركان الجند، فيميلوا إلى جبهته طمعاً وأملاً؟! فلرُبَّ أنصار سيلحقون به قريباً، ورُب قيادات في معكسر الشام تضمر غير ما تظهر، قد تنقلب في أي لحظة، ورُبَّ عزم على إعمال المعجزة وخرق العادة، من قبيل الريح التي قلعت خيام قريش وكفأت القدور وأطفأت النيران وأطارت الحجارة في حرب الأحزاب، وقد يتكرر ما جرى لجده الأعلى مع جيش أبرهة الحبشي؟!

    هذا مشهد منطقي وأداء سياسي يبرر فعلاً أحيته الشيعة على مدى أربعة عشر قرناً، والقدر المتيقن ما أثبتته التواريخ من أن عقداً قد جرى ووصية كانت مضمومة في عوذة، فُضَّت وقرئت، وثياباً للحسن دعيت وطُلبت، تزيَّى بها ابنه القاسم، حتى صاحت الفاطميات وكأن السبط الأكبر تمثَّل لهن بشمائله ومحاسنه وهيئته، وبُعث حياً من جديد!

    تتوسع مخيلات الحداثيين وتكبر حتى تستوعب كل فرضية واحتمال، فتدرجه في نطاق الإمكان، لكنها تضيق وتنحسر هنا لتهزأ وتستخف: كان الحسين في شغل عن عقود الزواج وإقامة الأعراس فدعوا عنكم الخرافات! إن هذا الجمود والقراءة السطحية والعوراء للمشهد لا تعني إلا المرض والغرض الذي يحجب الرؤية، فلا يتقبل الناظر أمراً منطقياً عقلياً طالما أعمله وأخذ به في غير موضع. والأمر في عالم الحقائق لا يعني أكثر من الحرمان والشقاء، فهذا نهر يجري وعين تتدفق، والمحروم يكرع من آسن ما أعد له الشيطان، فلا يروى، وما برح يلهث وقد تدلى لسانه، حتى يهلك، إلى جهنم وبئس المصير.

  • في الكافي الشريف عن علي بن أبي حمزة قال: كان لي صديق من كُتَّاب بني أمية، فقال لي: استأذن لي على أبي عبدالله عليه السلام، فاستأذنت له. فلما دخل سلَّم وجلس، ثم قال: جُعلت فداك، إني كنت في ديوان هؤلاء القوم، فأصبت من دنياهم مالاً كثيراً، وأغمضت (ارتكبت الذنوبَ) في مطالبه. فقال أبوعبدالله عليه السلام: لولا أنَّ بني أمية وجدوا من يكتب لهم، ويجبي لهم الفيء، ويقاتل عنهم، ويشهد جماعتهم، لما سلبونا حقنا، ولو تركهم الناس وما في أيديهم، ما وجدوا شيئاً إلا ما وقع في أيديهم. فقال الفتى: جُعلت فداك فهل لي من مخرج منه؟ قال: إن قلت لك تفعل؟ قال: أفعل. قال: اخرج من جميع ما كسبت في دواوينهم، فمن عرفت منهم رددت عليه ماله، ومن لم تعرف تصدَّقت به، وأنا أضمن لك على الله الجنة. قال: فأطرق الفتى طويلاً، فقال: قد فعلت جعلت فداك. قال ابن أبي حمزة: فرجع الفتى معنا إلى الكوفة، فما ترك شيئاً على وجه الأرض إلا خرج منه، حتى ثيابه التي كانت على بدنه، قال: فقسمنا له قسمة واشترينا له ثياباً، وبعثنا له بنفقة، قال: فما أتى عليه أشهر قلائل حتى مرض، فكُنَّا نعوده، فدخلت عليه يوماً وهو في السياق (الاحتضار والنزع) ففتح عينيه ثم قال: يا علي، وفَى لي والله صاحبك! قال: ثم مات، فولينا أمره. فخرجت حتى دخلت على أبي عبدالله عليه السلام، فلما نظر إليَّ قال: يا علي، وفينا والله لصاحبك. قال: فقلت: صدقت جعلت فداك، هكذا قال لي والله عند موته.

    من النماذج المعاصرة لهذا الضرب العظيم من التوبة، والصورة النادرة من الإنابة والأوبة، ما قام به الفقيد الشيخ علي الكوراني رحمه الله!.. كان من طلائع الحركة الإسلامية وأعمدة حزب الدعوة، ما بلغ تأسيس أفرع للحزب في الإقليم كما في الكويت والبحرين، وقيادة أخرى في المنطقة كما في لبنان، وإذا كان في التصنيف الحزبي يلي طبقة المؤسسين مرتضى العسكري وهادي السبيتي وطالب الرفاعي وغيرهم، فإنه في الميدان العملي، على صعيد الفعل والإنجاز، يعدُّ ـ دون شك ـ في الصدارة والطبقة الأولى.

    بعيداً عن أسباب الانقلاب في فكر الرجل والتغيير الجذري في سيرته، التي يأتي في طليعتها انتصار الثورة وتأسيس الجمهورية الإسلامية في إيران، الذي أحدث هزة زلزلت وجدان الدعاة، وأسقطت في أيديهم، وهم يرون سليل الحوزة والمرجعية، التي كانوا يسمونها بالعقم والجمود والرجعية، ويصنفونها العائق الأكبر في طريق الحركية، شهدوا بالحسِّ والوجدان ورأوا بالعيان كيف يحقق نصراً ظافراً، لم يعشه أكثرهم تفاؤلاً إلا رؤيا غير قابلة للتعبير والتأويل، من أضغاث الأحلام!.. انقلب الكوراني على الحزب وانخرط في الحركة الجماهيرية وما كان يُعرف في حينها بتيار حزب الله، وأعلن توبته واستغفاره من هذا الذنب العظيم! حاربه حزب الدعوة بضراوة، وواجه تمرده أو انقلابه بقسوة، لم يوفر سلاحاً إلا وظَّفه ولا وسيلة إلا استخدمها، سحقوا في هذا الشرع، وداسوا في ذاك الأخلاق، واستباحوا كل مبدأ وقيمة، مما يعفُّ عنه الأراذل والأوباش، ما بيَّض صفحة العلمانيين والحكوميين، أمام الملتزمين المنادين بتحكيم الشريعة والدين!

    لا شك أنَّ الدور الحركي الذي لعبه الكوراني، والطوْر الذي عاشه وخاضه مع حزب الدعوة، شكَّل مثلبة وعاراً، لكن خروجه البطولي وانتفاضته الشجاعة وانقلابه “الدراماتيكي”، والنتائج العظيمة التي حققها، ثم الدور والمسيرة الجديدة التي سلكها، والآثار المباركة التي ترتبت عليها… يسدي عليه ثوب الفخر، ويجلله الشرف والتبجيل، ويخلع عليه أوسمة لا يحلم ناقدوه وحاسدوه ومعيِّروه بأدناها! من السهولة بمكان أن ينكفئ أحدهم ليقبع في حضيض السلبية، يرتمي على مقاعد المتفرجين، لا يفعل شيئاً في سبيل حفظ المذهب، ينكفئ ويتقهقر في الدفاع عن الدين.. ثم يباهي بعدم انخراطه في تيار، ويفخر بطهارة ذيله عن لوث الانتساب الحزبي! ولو تدبرت في حاله، لوجدته غارقاً في العمالة للسلطة الحاكمة ومادحاً للسلاطين، أو للنفوذ الإقطاعي والزعماء المستعبدين، وفي أحسن الأحوال متحفزاً في خندق مصالحه الشخصية، ينقلب إذا مُسَّت ثائراً وينسى ذريعة التقية!

    العلماء، بعد المراتب والمدارج والطبقات، أنواع وأنساق وأصناف… يعيش بعضهم ما يناهز مئة عام، لا تحسُّ من أحد منهم أو تسمع لهم ركزاً، أموات في عداد أحياء، تضرب الدين العواصف، وتجتاح المذهب النكبات، وتحلُّ بالطائفة الكوارث وتنزل بها الويلات، وهم صامتون صمت الجدران والخشب المسندة عليها! سيطرت الدولة على الحوزة، وحوَّلت الحسينيات وهيئات العزاء محافل لتلاوة القرآن والتغني بالألحان، وهم منطوون على أنفسهم منصرفون لشأنهم، إما تهذيباً وتزكية، في الصادقين الأصلاء، أو انشغالاً بحطام الدنيا وتأمين مستلزمات العيش في الأدعياء الدخلاء. قطاع عريض لا تعرف لهم رأياً في موضوع وحادثة، ناهيك بموقف، غاية ما يحسنون، والفن الذي يتقنون ويجيدون: التخلص من التموضع والفرار من الاصطفاف، تجنب الخوض في ما يورث خسارة أو يحمِّل تبعات، لا خدمة للدين يؤدون، ولا نصرة أو دفاعاً عن المذهب يمارسون! حتى إذا رحل أحدهم، وطرق سمعك ـ أخيراً ـ خبر عنه، نقَّبت وتفحصت فلم تجد في ثغر خللاً، ولا في جبهة فراغاً، بل لم تشعر بفقد وخسارة، فتحتار في “الثلمة” التي حلَّت بالإسلام بموته! فإما أن تسلِّم بغيب يكتنف الحديث، قصرت عن فهمه وإدراكه، أو تشكِّك في الصغرى، وصدق عنوان العالم في “الفقيد” الراحل؟!

    وقسم تفرح برحيله وتحمد الله على حلول أجله، نذر نفسه للزيغ والعماية، واشتغل في الإضلال والغواية، بالغ في الإفساد والتغرير، وتفنن في التحريف والتزييف… وبين هذا وذاك طائفة من العاملين، والمجاهدين المرابطين في الثغر الذي يلي إبليس وعفاريته، يذودون عن ضعفاء الشيعة، ويمنعون أن يتسلط عليهم جنود الشيطان. والمحور الأساس في هذا التصدِّي هو الخروج من الكليات والعموميات، إلى تشخيص الموضوعات وتحديد المقصود والمراد. إنما تعيش حركات الإضلال في المساحة الصامتة والنطاق الضبابي العائم، فكلُّ الأصوات تنادي بالحق، وكافة الدعوات تهتف بالرضا لآل محمد، وهنا يتطلع الضعفاء إلى من يضع يده على الجرح ويشخِّص الداء ويصف الدواء… وهذا ما فعله الشيخ الكوراني رحمه الله غير مورد وموقع.

    هناك من يمعن في حزب الدعوة طعناً وإدانة وسباً، ويسطر في خطر حركات الضلال وشخصيات الانحراف القصائد والملاحم، ولكن في غرف مغلقة ومن وراء جدر واقية، يصنع دوامة في قدح، ويجتر ويطيل في تحصيل حاصل بما يورث الغثيان! فإذا خرج، تجده في أوثق العلاقات مع الدعاة ورجالات الحزب، وأعظم الصلات مع الضالين المضلين، ملتحقاً بنشاطاتهم، منخرطاً في كياناتهم، ظاهراً فاعلاً في إعلامهم، وفي أدنى الحالات مكثِّراً سوادهم! ثم لا يكتفي حتى يتنطع في إدانة هذا العامل ومؤاخذته، وتصنيف ذاك المجاهد ومعابته!

    من الإجحاف والحيف، ومن الغبن والزيف، عدم التمييز بين من سكت عن الباطل وخرس عند ملاقاة الضلال، وبين من دافع عن الحق ونصر آل محمد، قال تعالى: “وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كلٌّ على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم”؟! وقال: ”ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ومن رزقناه منَّا رزقاً حسناً فهو ينفق منه سراً ،جهراً هل يستوون”؟! وقال تعالى: “ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلَماً لرجل هل يستويان”؟!..

    في بلدته “ياطر”، كان آخر لقاء جمعني به، تداولنا ـ وأنا في موقع الطالب المستفيد والعامل المسترشد ـ في هموم الساحة الإيمانية وعموم الشأن الولائي والخطر الأكبر الذي يتهدده، والتقينا على تشخيص رأس الحربة في هذه الحرب… وكان على موعد قريب مع قائد الحزب، طلبت إليه أن ينصحه من موقعه المتفوِّق، لمكانته العلمية وتاريخه الحركي وخبرته الضاربة في أعماق ما عاد يسبقه إليها أحد، ثم من مصداقية والد قدَّم فلذة كبده (ياسر) شهيداً في المقاومة، فمن المؤكد أنه سيلقى أُذناً صاغية إن لم تكن واعية… أجابني: إنَّ الرجل مؤمن بالسيد القائد ومعتقد به، بما يرقى إلى مرتبة الاتصال بالحجة، ولا سبيل لتغيير قناعته! نصحني بمزيد تقية، وطالبته بالتخفيف من البراغماتية، ثم الكف عن تطبيق روايات الظهور وبشائره على الوقائع والحوادث الجارية.

    كنت عازماً على الكتابة في خدماته المباركة وإنجازاته الكبيرة، ولكن بلغني طعن ظالم طال الرجل من منطلق مظلم، يلخِّص سيرة زاخرة وعطاءً مشرفاً، بسابقة حزب الدعوة، فخشيت أن لا يرد على هذا راد، ما حملني وأخذني لما ترى وتقرأ. رحم الله الكوراني العالم العامل، وألحقه بسادته محمد وآله الأطهار.

  • “إلهي لا تؤدِّبني بعقوبتك، ولا تمكر بي في حيلتك”…

    دع عنك إعلام الجزيرة وأفلام الميادين، ودونك تحليلات الديناصور الدويري وأخبار السمج حسين مرتضى، والهراء الذي يقدَّم حول الحرب الدائرة… فإنَّ المشهد في لبنان كما هو في غزة، من الوضوح في الهزيمة والانكسار ما يقف على أعتاب السقوط والانهيار، والأفق المظلم الذي ينتظر حماس ومستقبل القطاع، لا يختلف كثيراً عن الذي ينتظر الحزب في بيروت ولبنان. هناك خارطة سياسية جديدة تقوم إسرائيل برسمها، وواقع تعمل بإصرار على إعادة تشكيله كضريبة على الحرب التي بدأتها “جبهة المقاومة” وشنَّتها قواها عليها، وكلما مضت في أوارها واضطرامها العسكري، واستمر هدُّها وخبطها السياسي، قرب المشهد من نهايته، ودنت الصفحة الحالية من أن تطوى إلى غير عودة! بعيداً عن المكابرة ومقتضيات المعركة الإعلامية والحرب النفسية، بُعدنا عن الشماتة بانهزام المقاومين والرضا بفشلهم وانتكاس أهدافهم وعودة سهامهم إلى صدورهم، فالمؤمن عندنا له حرمته وحقه، ولسنا ممن يسلب هذا وينتهك تلك، مهما كان منهم الجفاء وبلغ الاعتداء. إنَّ حال الحزب في لبنان لا يقل سوءاً عن شقيقه في فلسطين، والظرف العصيب الذي يمر به، لا يحتاج في إدراكه وبيانه إلى كثير فطنة وكياسة، وحتى يقف المتابع على المعضلة التي يعيشها، بل المأساة والطامة التي ينوء تحت وطأتها، يكفي تنبه المرء ويقظته من سبات الغفلة، وأن ينضو ثوب التعصب والجمود وكل ما يغشي البصر ويذهب بالبصيرة، فيخرج عن قطيع المحازبين وفلك الأنصار التابعين، بثغائهم ونهيقهم ورغائهم، فمع الأغنام التي تُذبح لتُؤكل أو لتُقدَّم قرابين، هناك دواب تُمتطى، ثم هياكل جسيمة يحسبها المغتر “قامات”، وما هي إلا رواحل تنقل الأحمال، ونواضح تجوب بالسقاء، وإبل تُنحر لزوم المهرجانات والاحتفالات، ثم ذباب يدوِّي بطنينه المزعج، يتنطَّع بإنجازاته وإن حامت أسرابه على وضر، أو رابطت في فضاء كنيف!

    هذه حقيقة جلية واضحة يعرفها السياسيون قاطبة، بل كل متابع عاقل لا يقرأ بعاطفته ولا يحلل بأهوائه، يبلغها دون تكلُّف وتعسُّف، ويكفيه دليلاً، أن يحدِّد الجهة التي تعدُّ الأيام وتحسب الساعات، لإعلان انتهاء الحرب أو وقف إطلاق النار. أما الناشط في الساحة الإيمانية، والرسالي المتابع لشؤونها، الذي ينطلق في تحليله للحوادث وقراءته الوقائع من قيم دينية ومعارف إلهية، فهو لا يتردَّد في أن ما جرى ويجري على الحزب في لبنان هو تأديب إلهي، سياط تجلد ظهره، وعصا عقاب تهوي على جسمه، ومعاول هدم تطال كيانه وبُنيته! والأخطر، أنَّ هذا العقاب، في سُنن التاريخ ونواميس حركته، يسبق الغضب والنقمة والهلاك النهائي، إذا لم يرعوِ العاصي عن غيه ويعود عن ضلاله، وينثني عن تماديه وطغيانه، ويكف عن غطرسته واختياله، وما أوقعه في أخطاء بنيوية وأخذه إلى قرارات كارثية، صُمَّت عنها آذان رهفت للمدح والإطراء، ووقرت دونها أسماع اعتادت تشنيف المتملقين الوصوليين، فعاشت أبراجها العاجية، لا تصغي لناصح، بل تنفيه وتقصيه، حتى باتت همَّة “المستشار”، إن أراد البقاء والاستمرار، تصبُّ في تحري ما يدغدغ خيالات القائد ويحاكي جهالاته، ويجاريه في طغيانه واستبداده!

    وهنا وقفة نرجو أن تخلص إلى درس وعبرة…

    هل أدرك الحزب أنَّ للبنان خصوصيته في البنية الروحية والتربية الأخلاقية، سُبل بناء الروح وطرق تهذيب النفس وتزكيتها؟ وأن التداخل المجتمعي والانفتاح على البيئات الأخرى يفسح للتسيُّب والانحلال؟ هل عرف أن الاختيال والتباهي، وما يعبَّر عنه بالعامية “الفشخرة”، داء متأصِّل وآفة مستحكمة من ركائز العمل الشيطاني هنا؟ وهو لم يعالجها ليهذِّبها أو يجتثها من محازبيه وبيئته، بل رفدها وغذَّاها لتطغى، ووظفها آلة استعلاء على خصومه، حتى من المؤمنين! فكانوا يعيِّرون الحسينيين بإحيائهم شعائر العزاء وتركهم الجهاد والركون إلى ما يخلو من خطر وعناء، ويسخرون من المنصرفين لعباداتهم والملتزمين أداء واجباتهم الدينية، يتكبَّرون عليهم بانتصارات موهومة وإنجازات عسكرية مزعومة، مرسِّخين لغة المادية الحسية، بتفوق المعطى الدنيوي المادي على الأُخروي المعنوي، وتقدُّم مغامراتهم على الجهاد الأكبر! لم يسمع مسؤول، ولم يكترث معمم معنيٌّ بالتربية ودروس الأخلاق بأصوات التذكير ونداءات التنبيه والتحذير، ومضى الحزب في إذكاء هذه الآفات وبثِّها، وراح يُهلك النفوس بنزعة التفوُّق وما تفضي إليه من كبر وزهو وخيلاء. ولعمري لم يكتف بالتفوق العسكري والاستعلاء على شعبه بالانتصارات، حتى ألحق ذلك بالرغد والرفاه، وتقدُّم عناصره على صعيد المعاش، وما يتمتعون به من السعة والدعة التي أخذتهم إلى مزيد من السقوط في الشهوات ولوث الملذات، واستغراق في اللهو وانصراف إلى الدنيا! ثم الانفصال عن الشعب الذي يعاني العسر ويكابد الضنك… غافلاً أنَّ هذا ـ بدوره ـ رافد جديد يرسخ آفة التباهي والخيلاء، ويحقق عزل الحزب عن بيئته وأهله!

    هل عرف الحزب أن هتكه حرمات المذهب واستخفافه بمقدَّساته، يفصله عن التشيُّع ويعزله عن الطائفة، ويأخذه إلى البدعة والضلال أو اللامذهبية والانسلاخ عن الهوية؟! فكأنه بعد انفصاله عن بيئته في الحالة والطبقة الاجتماعية، انفصل عن مذهبه في عقائده وأفكاره، فما عاد الشيعة في العالم يبالون بما يجري على الحزب وأتباعه، وهو الذي هتك مقدساتهم، وابتذلها حين رفع قادته إلى رتبة أئمتهم، وساوى بين أعظم رزايا الدين ومصاب الحسين، المحنة التي فجعت السماء والنائبة التي ناح لها العرش، قرنها بتضحيات لو جمعت من أدناها إلى أقصاها لما ناهضت زفرة أطلقتها الزهراء، ولا بلغت دمعة أراقتها رقية! راح يلطم ويجزع لهذه العابرات، ويسخر من تلك الخالدات، يرفض أن يخدمها حتى بذرف العبرات! غرس الحزب الولاء لقادته وأحلَّهم مكان أئمة الهدى في نفوس رعيته، فمسخ فطرتهم وأفسد جبلَّتهم وأعطب هديَهم! ثم لم يكتف حتى قطع الرافدين الأعظمين: زيارة العتبات بذرائع أمنية، ومجالس العزاء بحجة كورونا والوباء، عطَّل الحسينيات والهيئات بالقوة والإرهاب، وذهب بها عريضة حين لاحق حتى المجالس الحسينية الخاصة المحدودة في بيوت أصحابها، قحمها وسجَّل فيها محاضر ضبط وأحالها للقضاء! بحجج واهية، كان ينقضها في تجمعاته ومناسباته الحزبية، كتشييع الشهداء، لا يحسب فيها للوقاية والضوابط الصحية أي حساب!

    هل بان للحزب وانكشف أنه مخترق حتى النخاع، وأن صرف الكوادر الأمنية لملاحقة الهيئات والمجالس الحسينية، وإشغال عناصره بالجبهة الداخلية، له ثمنه من خلو وفراغ أتاح للعدو النفوذ وأفسح له ومكَّنه من تحقيق هذه النتائج الخطيرة؟ هل اتضح له أن المسألة الأمنية لا تعالج بخطاب “جب البلان وأبو طنجرة وأبو دجاجة”؟! وأن الإسرائيلي يعرف جيداً ما يدور في الدور، وما يجري في المقرات وأين يسكن القادة وكيف يتنقلون؟ حتى أصبحوا أهدافاً سهلة، يلتقطهم ويستخرجهم من أوكارهم كما يعثر على إبرة في كومة قش! فما عاد المساكين ينامون ساعة ملء جفونهم، وباتوا كمن نزل به الجرب والجذام، لا يأويهم قريب ولا يرحِّب بهم صديق، خوف صاروخ لا يخطئ الهدف ومُسيَّرة لا تضلُّ الطريق! ثم هل عرف الحزب أن “انتصاراته” السابقة كانت “هبات” و”عطايا” إسرائيلية شيطانية، لزوم ترسيخ حالة ترفد التغرير والإغواء، وتخدم الضلال والإضلال؟! ولو أرادت غير ذلك لأذاقتهم ما سامت به حماساً وفعلته بغزة؟! وأخيراً، هل عرف الحزب أنَّ إسرائيل لو أرادت رأس قائده لطالته، سواء في تحديد مكانه أو في منعة وحصانة مخبئه، لكنها تركته وأخلت سبيله وأطلقت يده، فهي لن تجد أسوأ منه لتدمير الشيعة وتقويض مذهب الحق؟!

    كلنا أمل ورجاء، إذا توقفت الحرب دون أن تقضي على إخوتنا في الحزب، وفي الأقل لم تفض إلى نزع سلاحهم، أنَّ لا يتحول هذا الإذلال والهوان الذي يلقونه على يد اليهود ودولتهم الغاصبة، وهذا العجز والرعب الذي يتملكهم من سطوات إسرائيل وغضبتها، وضرباتها القاصمة التي تلاحقهم في كل جُحْر ووراء كل حَجَر… لا ينقلب نقمة مضاعفة ومزيد تجبُّر وتكبُّر على غير الحزبيين، وأذىً يلحقونه بعموم المؤمنين، والأهم الذي نخشاه، أن لا يكون ثمن وقف إبادتهم، صفقة تنطوي على التعهد بمزيد تزييف للدين وبث للضلال والبدع وما يخدم أهداف الشيطان الرجيم!

    “ومن البليَّة عذْلُ من لا يرعوي عن جهله وخطابُ من لا يفهم”

  • “يا أهل غزة! أنتم الصيام والقيام والتهجد والسلام، أنتم الكعبة وركنها اليماني وماء زمزم والصفا، أنتم رسول الله وأهل بيته وصحابته المنتجبين، أنتم بنو هاشم محاصرون في شعب أبي طالب، أنتم معركة بدر في السابع عشر من رمضان، أنتم ليلة القدر، أنتم رسول الله محاصَر في معركة أُحد، وسيف علي بن أبي طالب يذود عنه وأبو دجانة يفتديه بروحه، أنتم ياسر وسمية يصيحون أحَدٌ أحد رغم السياط اللاهبة، أنتم مصعب بن عمير الفتى الجميل المتنعم الذي بعد إسلامه لا يستطيع أن يجد رداء يقيه من البرد، أنتم ذو الشهادتين وغسيل الملائكة، أنتم الحسين يصرخ في يوم كربلاء: ألا من ذاب يذب عن حرم رسول الله، ألا من ناصر ينصرني، لبيك داعي الله، إن كان لم يجبك بدني عند استغاثتك ولساني عند انتصارك فلقد أجابك سمعي ولحمي وبدني”…

    هذه فقرات من خواطر سجَّلها طبيب كويتي شاب، ينتسب إلى الحركة الإسلامية ويسترشد ـ كما قيل لي ـ بالخامنئية، أُتيح له أن يشارك لأيام في بعثة طبية للهلال الأحمر الكويتي إلى غزة. والحق أني لمست فيها شيئاً من صدق المشاعر وأمانة الانفعال، وعرض رسالي هادف يسمو على الأنا وأغراض الشهرة والانتخابات والتسويق السياسي، وما إلى ذلك من الدجل والإفك الذي عهدناه في هذا التيار.

    كلما طالعتك نماذج من هذا القبيل، تظهر في كتابات القوم ومداخلاتهم ومواقفهم، وتبرز في معاركهم وصراعاتهم… أدركت عظمة حديث آل محمد، وقيمة أسفار الكافي وبصائر الدرجات، وعرفت عمق كتب الاحتجاج وعيون الأخبار وبشارة المصطفى وكامل الزيارات، وتفطنت فخامة مدينة المعاجز وخطر الخصائص الحسينية وجلالة أسرار الشهادة وشرف القطرة، ووقفت على مدى الحرمان الذي يعيشه هذا الجيل بالانفصال عن هذا التراث الزاخر، والذخائر الثقافية الغنية، والمخزون العلمي الباهر الفاخر.

    إنه الفقر في المعارف الإلهية، والإملاق في الروحانية الحقيقية، شظف وجدب وضنك ومحول، جعل أحدهم كقروي في المدينة، ينبهر بالمصباح الكهربائي، أو بدوي قادم من صحراء قاحلة، لم يعرف إلا الخيمة وظلال عريش من جريد النخل، أُدخل بيتاً من لبن أو حجر، فوقه سقف من خرسانة مسلحة تقي الشمس وتمنع المطر، ممهد ببلاط، مفروش ببعض أثاث ومتاع، حتى إذا رأى الماء ينحدر من صنبور ويصرف في تمديدات صحية ويدور… ذهل وأُخذ وراح يهذي، يحسب أنها الجنة وقصورها الموعودة ولا غير!

    لعمري، لو اطلع المعدم وعاش فضاء الأحاديث الشريفة، لأنزل المقدَّسات منزلتها، ولا سيما أهل البيت، في ذواتهم ومكانتهم من عالم الحقائق، ومقامهم عند الله، حيث ينقطع الخطاب، ويرجع البصر خاسئاً وهو حسير. لو قرأ فعاش الفضاء الإيماني، لميَّز بين محن دروب الأرض، وبلايا أهل الدنيا، ومصائب نلقاها في طيف عابر نحسبه الحياة، وبين معارج السماء ومسالك الأولياء وآفاق تذهل عن تصورها العقول، حتى صدق القول بحصر اللفظ فيها ونفيه عن غيرها! “فهل المحن إلا التي لزمتكم، والمصائب إلا التي عمتكم، والفجايع إلا التي خصتكم، والقوارع إلا التي طرقتكم”؟! لوكان هذا الطبيب العليل ابن الحديث والثقافة الإيمانية الأصيلة، لعرف أن تلك تنزل بالقاصي والداني ويبتلى بها من هبَّ ودبَّ من الخلق، بينما هذه الأخرى، اختص بها الصفوة من أولياء الله، وقد خصَّها الله وميَّزها بعنايته، فخلَّد بعضها، في حرارتها وحياتها، فما زالت في قلوب “المؤمنين” كيوم وقعت! وبعث لأُخرى، كحصار شعب أبي طالب، معجزة في دويبة تأكل ميثاق المقاطعة!

    لو نهل هذا المسكين من ثقافة الولاء، واطلع على ما كتب الفاضل الدربندي، لوقف على مكانة وتأثير تلك التضحيات في عالم التكوين، دون هذه التي أُخذ بها، فعرف أنها حملت الشمس ودفعت الكرة الأرضية إلى التباطؤ وما ناهز التوقف، حتى امتد يوم عاشوراء من شروق الشمس إلى غروبها نحو اثنين وسبعين ساعة! لو كان من أهل السبح في هذا الفضاء لعلم الفرق بين ما يجري في غزة اليوم وما جرى عام 61 في كربلاء، ولم يسمح بالمقارنة والمضاهاة! لو فتح الكافي يوماً وطالع في كتاب الحجة، وقرأ “الإمام واحد دهره، لا يدانيه أحد، ولا يعادله عالم، ولا يوجد منه بدل ولا له مثل ولا نظير… فمن ذا الذي يبلغ معرفة الإمام، أو يمكنه اختياره، هيهات هيهات، ضلَّت العقول، وتاهت الحلوم، وحارت الألباب، وخسئت العيون وتصاغرت العظماء، وتحيرت الحكماء، وتقاصرت الحلماء، وحصرت الخطباء، وجهلت الألباء، وكلَّت الشعراء، وعجزت الأدباء، وعييت البلغاء، عن وصف شأن من شأنه، أو فضيلة من فضائله، وأقرَّت بالعجز والتقصير، وكيف يوصف بكلِّه، أو ينعت بكُنهه، أو يفهم شيء من أمره، أو يوجد مَن يقوم مقامه ويغني غناه!”، لغلبه الخجل مما فعل.

    وهكذا لو بقيت المجالس الحسينية على حالها من الصفاء والأصالة بذكر فضائل أهل البيت وتعظيم مصائبهم، والتوسل بتلاوة فضائلهم، لأنزل هذا وصحبه المقدَّسات منزلتها، ولما انجرف مؤمن وانحرف. لو أُبقي على سيرة تلاوة حديث الكساء، ولم يسمح للمتردية والنطيحة بالتشكيك في الأسانيد، لما خفي على المؤمنين أنَّ الله لم يخلق سماء مبنية ولا أرضاً مدحية ولا قمراً منيراً، ولا شمساً مضيئة، ولا فلكاً يدور، ولا بحراً يجري ولا فلكاً يسري إلا لأجل محمد وآله، ولما سمح أحد لنفسه أن يتجاسر ويتجرأ فيقول ويكتب ما كتب! أخلوا مجالس العزاء من روادها، وقلبوا منابر سيد الشهداء وشوَّهوا محتواها، وأغووا الناس باسم القرآن، كما فعل عبيد الله ابن زياد، فافتقر العوام وأفلسوا، وصاروا يقرنون قادتهم بآل محمد، وهاهم لا يرون غضاضة أن يساووهم بأهل غزة وفلسطين!

    يتهالك أحدهم ويتماوت أن لا يُطلق لفظ “رمضان” على شهر رمضان، فهو من أسماء الله، التي قد تهتك وأنت تقول جاء رمضان وذهب مما يعرض للزائلين، ويتداول حديثاً شريفاً يمنع ذلك… ثم تراه يقع في هذا الخبط والخلط والهتك والهذيان، لا يُبقي حُرمة لمقدَّس من المقدسات، لا صيام ولا قيام، لا كعبة ولا مقام، لا زمزم ولا صفا، لا جهاد أصغر في بدر، ولا أكبر ليلة القدر! وما زال يحسب أنه يرقى ما طيَّب له الشيطان وحسَّن الأعوان، حتى يهتك رسول الله وأهل بيته، ويزرى بدفاع جلجلت به السماوات، واهتز من وقعه العرش، ليرعد نداء “لا فتى إلا علي”، حتى إذا استحكم فيه التعس وغلب الشقاء مزَّق كل مقدَّس ونال من سيد الشهداء، وهو يُنزله إلى مرتبة أناس لا يقرب ملايين منهم من تراب علق بحافر ذي الجناح!.. ثم لا أحد يردعه وينهاه، أو يزجره ويضربه على يده، أو حتى ينبهه وينصحه!

    والبصراء الواعون يعرفون خلفية هذا التعدي، فهناك منظومة متكاملة قامت على هتك المقدسات، وما زالت ترفد ذلك من خلال: تشويه موقع العقل في المعارف الدينية / قراءة سطحية للإمامة تأخذها إلى مستويات القيادات الحزبية / إسقاط الأحاديث عبر التشكيك في أسانيدها والطعن في ثبوت صدورها.

    وبعد، هذه قراءة افتراضية لمؤمن أصيل، أتيح له أن يسعف المغلوب على أمرهم في غزة، فعاش تجربة الطبيب التائه، وعاد ليسجل فيض الخاطر من مزيج اختمر بفاضل الطينة، فكتب: عندما تعجز الآلة العسكرية، ويتفوق العدو بعدته وعديده، باقتصاده وسياسته، بعلوم وتقنيات تسقط في يدك… تتكرر حملة أبرهة ويعود جبروت القوة، فلا سبيل إلا الغيب واللجأ إلى الله. ليس لكم يا أهل غزة إلا ما فعله شيبة الحمد، عبدالمطلب بن هاشم جد النبي صلى الله عليه وآله، وهذا أبوه هاشم بين ظهرانيكم، فالجؤوا إليه! افتحوا أبواب حرمه الشريف، اقصدوه بالزيارة والتقرب، تشفعوا به وتوسلوا، لوذوا به واعتصموا، لعل الله ينجيكم من هذا البلاء. لا نريد تعطيل الأسباب وإلغاء خصائص الأشياء، والتنكر لسيرها الطبيعي، ولكن عند العجز، عند البون الحضاري الشاسع الذي تسبب فيه الذين غصبوا حق آل محمد، لا سبيل لوقف الفيلة إلا طير أبابيل وحجارة من سجيل، ومقاليد هذه بيد آخرين، لا إيران ولا الإخوان المسلمين.

  • لا شيء أكثر لوعة ومرارة من تناول المرجعية العليا بالنقد، وتسليط الضوء على نقاط الضعف، سواء في شخص المرجع الكريم، أو في بيته وإدارته… وذلك لأسباب مختلفة وعلل متعددة، في طليعتها قدسية المقام وحُرمة الدور، ولا سيما في نموذج متفوِّق مثل الذي بين أيدينا، وقد حقَّق أعلى مراتب النجاح، وسجَّل أقصى درجات البراعة والألق في جبهتين، لا تدري أيهما أكثر خطراً وعظمة: مواجهة داعش والقضاء على خطر الإرهاب التكفيري، أم استخلاص المذهب من براثن الجمهورية الإسلامية، والحفاظ على استقلالية الحوزة من تبعية الدولة؟ وهو أداء سيشهد له ويشيد به التاريخ، بعد أن أُدرج من قبل في صحيفة أعمال هذه المرجعية المسدَّدة، وغدا مفخرة لها في السماء قبل الأرض. هكذا تحوَّلت المرجعية إلى واجهة أمامية، وغدت في طليعة من تناصبه داعش وإيران العداء! فلا يسع المنصف أن يلحق بهذه الجبهة الباطلة الظالمة، ويتموضع في خندقها، وهي تشكِّل أكبر تهديد للمذهب وأخطر وعيد للدين.

    لكن بارقة ومضت هنا، حين بادر نجل السيد بإصدار بيان تناول فيه وضع الحوزة وحالها، وما يتهدد مستقبلها، فكأنه فتح الباب وأفسح للدخول فيه، ورفع عن النقد ومساعي الإصلاح الحظر، وأزال عنها التعطيل والمنع… وعلى الرغم مما يُقال عن تأخر صدور البيان، والتسويف الكبير الذي خلق واقعاً وأرسى حالة ما عاد من الهيِّن تجاوزها، سلك بها الوصوليون في طريق الشهرة ما صنع منهم نجوماً في الإعلام الديني، وأعلاماً في شؤون الحوزة والمرجعية، فباتوا من الأرقام التي ينتظر العوام إرشاداتها، أين عساهم يوجِّهون وإلى مَن سوف يُرجِعون؟!.. لكن أن تأتي متأخراً خير من أن لا تأتي أبداً. ومع وجود هذه الثغرة، فإنَّ هذا البيان إذا حظي ببُعد تنفيذي، ونال حصته من التفعيل والإعمال، فإنه قد يوقف التدهور والانحدار، بل ينجح في خلق منعطف تاريخي في مسيرة الحوزة العلمية في النجف الأشرف، يستدرك ما فات.

    بادئ ذي بدء، علينا التوافق أن لا ولاية ولا سلطان لأحد على الحوزة، لا فقيه بعينه ولا مرجع تقليد دون غيره، ناهيك بدولة وحكومة. الحرية قوام أصيل، يمثل جوهراً دونه تتحول الحوزة الى شيء آخر. وهناك أصل يتمسَّك به الحوزويون، يقول بتحمُّل الخسائر ودفع أثمان الفوضى، مقابل مكاسب وإيجابيات التنظيم الذي يفضي إلى هيمنة جهة وسيطرة فئة، والتجربة الإيرانية خير برهان، قاموا بتنظيم الحوزة وضبطها، فغدت حزبية وسقطت في أحضان الدولة!.. غاية ما هناك، مما يمكن ممارسته وجرى إهماله، أو طُبِّق بانتقائية، هو القوة الناعمة والسلطة المعنوية، التي تنظر شزراً وترمق من طرف خفي، تهمس غامزة، وتتساءل طاعنة، فتردع وتوقف، تحاسب وتصنِّف، تعرِّض وتسفِّه، وللمرجع الأعلى وإدارته في هذا اليد الطولى، وكل باع يمكن تصوُّره ومتاع… لكن تحقيق الفعلية مترتِّب على مدى المصداقية، وهذا بدوره فرع الالتزام الشخصي، والنزول على القاعدة النبوية في الدعوة الإلهية، التي أرساها صلى الله عليه وآله في خطبة الوداع: “إنَّ ربا الجاهلية موضوع، وإنَّ أول ربا أبدأ به ربا العباس بن عبدالمطلب. وإنَّ دماء الجاهلية موضوعة، وإنَّ أول دم أبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب”.

    قد لا تملك المرجعية منع اليعقوبي والبديري والبغدادي وأضرابهم من الذين تقف خلفهم أجندات خارجية، دول وأجهزة مخابرات، ومرتزقة من المريدين وشياطين من الأتباع… لكنها تستطيع أن توقف مهزلة الإشكوري وسيد رشيد على سبيل المثال! لا يمكن أن تسمح لرجل بتأسيس جامعة النجف الحوزوية الألكترونية النسوية باسم المرجعية، فينتسب إليها عشرات آلاف النساء والفتيات، ويدعم بميزانية وإمكانيات خرافية، ويولَّى من بعدُ أخطر مرفق إعلامي في الحوزة، ويتصدى لأعظم مناسبة شعائرية على مدار العام… ثم تستنكر انتحاله عنوان “آية الله”، فلا أُستاذ يُعرف له، ولا حضور يُشهد له، لا في قم ولا في النجف، اللهم إلا “حوزة” القائم المُدرسيَّة في طهران؟! لا يمكن أن يُرخى العنان لخطيب الجيلوجيا والكيمياء، ليكتب ما يشاء ويدرج ما يطيب له من تنظيرات في بيان، ثم ينسب البيان إلى المرجعية! حتى إذا غلبه الزهو، وغرَّه التقريب والزلفى التي تخلع العطايا والهبات على كل من حمل كتاب تزكية منه، استُنكر عليه إلقاء البحث، وإطلاق “آية الله”؟! قد تتفهم الحوزة ضرورة هذا الإطلاق على سلطان غشوم، في غمار فورة وحماسة اكتسحت الساحة في ظرف عملية اغتيال بشعة، لم يمكن مقابلتها إلا بالتقية والمداراة، ولكنها لم ولن تتفهم تأبين ضال مضل مثل آصف محسني، أحد أعمدة الانحراف وأقطابه في عصرنا؟! وبعد، فقد يتمتع أحفاد المرجع بنبوغ أو تميُّز فائق يسمح لهم بالاستقلال بالبحث، لكنَّ دور الردع ورسالة النصح والإرشاد، لن تأخذ مكانها حتى يكفَّ الأحفاد عن تبوُّء هذه السدة والتصدِّي لهذا الدور!

    لعل تسديداً إلهياً دفع إدارة المرجعية لإصدار هذا البيان التاريخي، فالمعطيات تلح بأن آن أوان إرجاع الأُمور إلى نصابها، قبل أن تصل إلى ما وصلت إليه في إيران، كما ظهر في الانتخابات الأخيرة، فهذا مرشح (يدعى جلال رشيدي) في مدينة “مرودشت” أسقطت السلطة صلاحيته ولم تدرج اسمه في أوراق الانتخاب، حقق المرتبة الأولى وحظي بأعلى نسبة من أصوات المقترعين! وكأن الشعب دخل في عناد ولجاج، لم يعد يعبأ لشيء ولا يكترث لعائد. إنَّ الساحة الإيمانية تقف على أبواب ردَّة تقطع ثقتها بالحوزة، وهي تراها سلبية تجاه العبث بعقائدها، غير مكترثة ولا مبالية بهتك مقدساتها، وهذه تيارات الضلال تستحوذ على الظهور الإعلامي، وتحظى بدعم “حوزوي” من هنا وهناك، ولا يقتصر ذلك على أدعياء العلم، بل حتى من حظي به وتوفر على شرطه، تراه سقط في العدالة وافتقدها، فراح يُفتي بأنَّ قضية الزهراء هي مجرد واقعة تاريخية لا موقع لها في العقيدة، مقابل ريالات قذرة!..

    لقد جاء البيان ليضع حداً لهذا التسيُّب، وينهي فصلاً من الهراء الذي تقمَّص لبوس الحوزة والفضيلة! لعلها رسالة لوعة وحسرة من المرجعية، تقف على “خيانة” طبقة استغلت الطابع “النجفي”، فاختلست ما استطاعت في غمرة الغفلة، واغتنمت السكوت الحاكم فسرقت ونهبت ما تمكَّنت! توغل الصعاليك، ونفذوا حتى بلغوا مواقع التأثير، خلقوا فوضى وعاثوا فساداً، فحان حين التصدي، ولزم تصحيح المسار، وإن استدعى الكي بالنار!

    وبعد، فالزهد في المسكن والملبس والمأكل، مشهود لا ينكر، خلق من أبناء المرجع الأعلى قدوة، وصنع نموذجاً أتمَّ على كل طالب وعالم الحجَّة، فجزاهم الله عليه كل خير… لكن الأمر في أعماقه يبلغ غوراً يتجاوز هذا وذاك! وهنا لا يملك الناصح إلَّا أن يقبِّل الأنامل ويهمس في أُذن واعية، بأنه كلما سئل فاضل محترم، معتز بكرامته محافظ على رزانته، نأى بجانبه وأعرض ما استطاع عن الدنو والقرب من بيت المرجع؟ هل صحيح ما يقال أنَّ الموظفين هناك ينظرون في وجه ابن المرجع كل صباح، فيصنِّفونه تبعاً لذلك يوم سعد وإقبال، أو تعس وإدبار؟! بالله كيف تحول مزاج ابن المرجع معياراً يترصَّده المحيطون والمراجعون؟ ماذا أبقينا للسلاطين والملوك؟ وصدق الشاعر حيث قال: إذا كان الحديث عن المعالي، رأيتُ حديثكم فينا شجونا.

  • أقرَّ الإسلام بعض العادات والتقاليد التي كانت سائدة في الجاهلية، وأبقى على أحكام ورثها العرب من ملَّة إبراهيم وإسماعيل، بعضها تفاصيل جزئية من قبيل الاستنجاء من النجاسة وغسل الجنابة وختان الأطفال وقطع يد السارق، وأخرى كبيرة بارزة كتعظيم الكعبة وحج البيت الحرام، وتحريم القتال في الأشهر الحرم. تلقوها كتراث، لكنهم غيَّروا فيها وبدَّلوا، أدخلوا في الحج المُكاء والتصدية، وهو التصفيق والصفير، وأعفوا قريشاً وأهل مكة (وهم الحُمْس) من الوقوف في عرفة، وكانوا لا يأتون البيوت من أبوابها وهم محرمون، بل يتسوَّرونها من ظهورها، كما كان أهل الحِلِّ (سائر الناس من غير سكَّان الحرم) لا يطوفون بالبيت إذا قدموا إلا في ثياب الحُمْس، وكان أهل مكة يتكرمون ويحتسبون على الناس، يعطي الرجلُ الرجلَ الثيابَ يطوف فيها، وتعطي المرأةُ المرأةَ الثيابَ تطوف فيها، فإن لم يجدوا شيئاً طاف الرجال عراة، ووضعت المرأة ثيابها كلها إلا درعاً مفرجاً (مشقوقاً من الأمام والخلف) ثم تطوف فيه.

    كما تلاعب العرب بالأشهر الحرم، وغيَّروا ترتيبها ومواقيتها، يقدِّمون فيها ويؤخِّرون، ثم يحتجُّون بأنهم التزموا عدتها، أربعة! تُلجئهم الحاجة إلى الغزو والقتال، تنفذ ميرتهم وما ادَّخروه من طعام، وغير ذلك من علل وأسباب تطال وضعهم السياسي في مواقف القبائل من بعضها، وتشكيل الأحلاف وتموضع الجبهات، وتخدم مصالحهم الاقتصادية والمعيشية، كأن يعرض لهم “صيد” ثمين يخشون فوته، قافلة مثقلة ببضاعة تحملها من الشرق أو الغرب، يوافي دخولها حمى القبيلة شهر المحرَّم، فيحلونه ويجعلون صفراً بدلاً عنه، ثم يعودون من قابل إلى ما كانوا عليه! وهو النسيء الذي أنزل الله فيه “إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلُّونه عاماً ويحرِّمونه عاماً ليواطئوا عدَّة ما حرَّم الله فيحلُّوا ما حرَّم الله زُيِّن لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين”.

    وهو لو تدبَّرتَ، كالقذَّة بالقذَّة مما يفعله الإسلاميون الحركيون مع شعائر المذهب ومعالم التشيُّع! انقلبوا عليها وبدَّلوها خدمة لقضاياهم السياسية وشعاراتهم في الوحدة الإسلامية، وعوناً لأهدافهم وأغراضهم في تحقيق اللامذهبية، رفعوا القرآن وأفشوا جلسات التلاوة والأنس وحلقات الحفظ والترتيل، جعلوها مقابل الشعائر الحسينية من عزاء ومزار، فلما وجدوا من الشيعة تمسكاً بها، أقحموا في العزاء خطاباً يغيِّر صورته ويبدِّل جوهره، فالشارع المقدَّس ندب إلى البكاء على أهل البيت، عظَّم الدمعة التي تراق في هذا السبيل، ما حمل الشيعة على تأسيس الحسينيات ووقف الأموال عليها والبذل في سبيلها، وتحمَّلوا لتحقيق ذلك المشاق ودفعوا الأثمان… والقوم ينادون بالبكاء على مصائب الانتكاسات السياسية التي نزلت بهم، والرثاء على فجائع طالتهم في حركتهم وتضحياتهم في سبيلها، فيندبون ضحايا غزَّة ويبكون فلسطين!

    فإذا أعوزهم الخطاب السابق والتقت سياستهم معه، خدمت اللغة الولائية مصالحهم ووافقت أغراضهم، عادوا إليها، كما فعلوا في سوريا، صاروا يبكون الحرم الزينبي، ويندبون حرمات أهل البيت التي يتهددها الدواعش الوهابيون! وينادون: لن تسبى زينب مرتين، ولن يسمح عباس الزمان بدنو يزيد العصر من حرم زينب كما هتك خباءها من قبل!

    الحسين سطر معجزة حين نادى رأسه الشريف: إذا سمعتم بشهيد أو قتيل فاندبوني، والقوم إذا سمعوا بشهيد مؤمن أو قتيل مسلم يتركون الحسين ويندبون قتلى حماس وضحايا غزة! ففي الحديث عن الصادق عليه السلام: مَن ذُكرنا عنده ففاضت عيناه حرَّم الله وجهه على النار، لكل شيء ثواب إلَّا الدمعة فينا. وعن الرضا عليه السلام: على مثل الحسين فليبك الباكون، فإنَّ البكاء عليه يحطُّ الذنوب العظام. وفي آخر: من تذكَّر مصابنا وبكى لما ارتكب منَّا كان معنا في درجتنا يوم القيامة، ومن ذكر بمصابنا فبكى وأبكى لم تبك عينه يوم تبكي العيون، ومن جلس مجلساً يُحيى فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب… والأحزاب تعرض عن هذا ومئات مثله، تحضُّ على تركه واستبداله بغيره! وعن الرضا عليه السلام أيضاً: يا بن شبيب، إن كنت باكياً لشيء فابك الحسين بن علي عليه السلام، فإنه ذبح كما يذبح الكبش، وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلاً، ما لهم في الأرض شبيهون، ولقد بكت السموات السبع والأرضون لقتله، إلى أن قال: يا بن شبيب، إن بكيت على الحسين عليه السلام حتى تصير دموعك على خديك غفر الله لك كل ذنب أذنبته، صغيراً كان أو كبيراً، قليلاً كان أو كثيراً… والتيار الحداثي التنويري يدعو لتأويل عصري يأخذ هذه النصوص والأوامر المقدسة لما يرفد الحركة الإسلامية ويخدم الثورة والجهاد، وإلا رمى هذه الشعائر والعبادات بالرجعية، وقذفها بالتخلُّف والجمود!

    بالأمس عقد في دار إحدى المؤمنات مجلس نسائي بمناسبة الفاطمية، نهضت به “ملاية” دعتها صاحبة الدار، لسمعة سبقتها بالاستقامة ورقة الإنشاد والإبكاء. بعد الديباجة والمقدمات، نوَّهت المسكينة، بأنَّ قضية الزهراء ومصيبتها معلومة معروفة، طالما بكيناها وعدَّدنا صوَر المأساة فيها، فدعونا نذهب إلى فاجعة نعيشها، هي مأساة غزة، وراحت تنقل صوَر قناة الجزيرة، وتقارن بأن إحدانا يؤرقها جرح صغير أصاب وليدها، والفلسطينيات يتناولن أطفالهن الرضع أشلاءً من تحت الركام.. فتقوم الضجة من المستمعات، وتنقلب المصيبة وتتبدل صورة وجوهراً!

    إنه النسيء المعاصر، قلب الدين وتبديله على أيدي أتباع إيران وربائب الإخوان!

    الملاية المؤمنة ـ كما علمت ـ ليست منحرفة مندسة بيننا، ولا حزبية متوغلة في صفوفنا، وهي امرأة صالحة، غاية ما هناك أنها متواضعة في مستواها العلمي والثقافي، تمضي على سذاجتها وبساطتها، غلبها الإعلام وأسرتها أجواء العوام، انفعلت وتأثرت، وأخذها العقل الجمعي الحاكم، فطرحت ما حُمِّلت وقالت ما لُقِّنت! فانظر إلى درجة الخطر وحجم الخرق والفتق، وقد غزينا في عقر دارنا، وانظر في مدى تقاعسنا وتهاوننا، الذي أفسح لهذا الخرق وتركه لينمو، وأخلى له حتى اتسع وبلغ هذي الحدود، فجلُّ مجالس الفاطمية الثالثة هذا العام انصرفت إلى غزة، ندبت ظلامتها وبكت قتلاها!

    على خطى الجاهلية، يمضي أرباب الحداثة والتنوير، ويسلك أتباع الحركة الإسلامية!.. عبث في شعائر العزاء، لك أن تقرأه في إعلانات المجالس التي جعلت للراثي الناعي (وهو الأصل) ثلثاً بل ربعاً، بعد قارئ القرآن والمحاضر والرادود! ناهيك بتغيير في ماهية العزاء، خلط اللطم والرثاء بالسياسة والغناء، وتجاهل المصاب وقلبها دعوى، فالحسين في زعمهم يريدها ثورة، والبكاء شأن الضعفاء أو النساء، فإذا قضت السياسة عدم دخولهم في الحرب، عادوا للطقوس التي قبَّحوها، وانخرطوا في اللطم والبكاء! لكن صرفوه لقتلاهم ووجهوه لمحنتهم.

    “إنَّ عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض، منها أربعة حرم، ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم”.. إنها حقائق قرآنية وعبادات توقيفية، ليس لنا أن نزيد فيها أو ننقص، ولا أن نسقطها على حوادث مقطعية، نعبث بالحج كما فعل عبدالملك بن مروان، فنجعله إلى القدس، ولا في شعائر العزاء، نصرفها عن الوجهة التي شُرِّعت لها، إلى مصلحة سياسية نرتئيها، وحكمة نقدِّرها.

    إنما استحل أول ما استحل من دم سيد الشهداء بضربٍ من النسيء، قياس وتطبيق، جعل حفظ بيضة الإسلام، بحرب مَن خرج على “إمام الزمان”، وإباحة دم سبط رسول الله، فقتل “بسيف جدِّه”! وجعل من قبل، ما “اجتمع” عليه المهاجرون والأنصار في السقيفة أهم من حقِّ علي الثابت في الغدير، وصيَّر حفظ النظام واستقرار الدولة وتمركز السلطة، أولى من ضياع حق الزهراء في إرثها وحفظ حُرمتها… هكذا هي السياسة، وهذا ما تفعله بالدين. فنزِّهوا ديننا عن سياستكم يرحمكم الله، وخوضوا فيما شئتم، اخنقوا أنفسكم بالكوفية الفلسطينية، قاطعوا البضائع التي تريدون، اخرجوا في المظاهرات التي ترغبون، أنتم أحرار في دنياكم، لكن إياكم والدنو من ديننا، عقائده وأحكامه وشعائره، سنشير إلى ضلالكم، وندس أصابعنا في عيونكم ونحن ننادي ونحذر أبناءنا: إياكم والبدع وأهل الرأي المخترع.

    مضى الشهداء وقضوا نحبهم، وبقي المنتظرون، لا يبدِّلون ولا يغيِّرون، إمامهم المنتظر في بكاء وجزع على الحسين والزهراء، وهم به مقتدون… غزة قضية محقة لكنها عابرة، والفلسطينيون مظلومون، نتعاطف معهم ونعينهم ما استطعنا، لكننا لا نبيعهم ديننا، ولا نفقد بسببهم آخرتنا.

  • لا جدال في  أحقية القضية الفلسطينية، ولا ريب في ظلامة أطفال غزَّة، كما أنه لا شكَّ في “لتجدنَّ أشدَّ الناس عداوة للذين آمنوا اليهود”، وحقدهم الدفين على الإسلام والمسلمين، هذه قضية لا تحتمل التوقف والتأمل، وهي تمتثل في الوجدان الشيعي كحالة عقائدية ومسلَّمة تاريخية، انعكست في المواقف التي يتخذون، وظهرت في سلوكٍ غير مظنون. ولا يخفى أنَّ الخيارات المبذولة والنطاقات المتاحة على هذا الصعيد محدودة، فالقضية الفلسطينية وإن بدأت نزيهة، لكنها لم تستمر كذلك بسبب خيانات بعضهم وصفقات بيع الأراضي، وتفريط العرب وتخلُّفهم، وسرعان ما تحوَّلت إلى سياسية واستعراضية، مع شعار إلقاء اليهود في البحر، الذي أطلقه عبدالرحمن عزام أول أمين عام لجامعة الدول العربية وكرَّره عبدالناصر وجملة من الزعماء العرب، وانتهت عند مقولة السيد الخميني “إسرائيل غدَّة سرطانية”… نكص العروبيون على مقولتهم وارتدُّوا عنها، وتنكَّر الإيرانيون لشعارهم وتبرَّؤوا منه، وبات الجميع يدعون لمشروع الدولتين، والنزول على حكم سكان فلسطين من مختلف الأديان والأعراق، فهم وما يرون في مستقبل بلادهم، وهذا اعتراف بدولة إسرائيل وشرعية الكيان الصهيوني.

    في ظل هذا الواقع المرير، وما نشهده من تعاطٍ دولي وإقليمي، حكومي وشعبي، خلق حالة وفرض معادلة لا يمكن تجاوزها، اللهم إلا بفعل ثوري، لن يلبث ـ بدوره ـ أن يخمد ويؤول للانزواء ثم الزوال (كما كان من الخمينية، والماركسية من قبل، والماوية من بعد)، أو مغامرة تفضي إلى الانتحار وتحميل النفس ما لا يُطاق، من قبيل ما يجري في لبنان، الذي قدَّم ـ حتى الآن ـ نحو مئة نفس محترمة في هذا الطوفان، ما زالت “الجزيرة” تستنكف أو “تتورَّع” أن تطلق عليهم شهداء! هذا هو الأداء الذي يريده أتباع إيران وحلفاء الإخوان، وإن في نطاق محدود، يشكِّل صندوق بريد لرسائلهم، ولعمري كم هي مكلفةٌ القرابين، وأثمان “الطوابع البريدية” لهذه الرسائل! وفي هذا السياق تجد أحد الأبواق الرخيصة، يغني “الصولة العراقية”، وكأنَّ العراق ينقصه القردة، تنزو على منابره، حتى أسرجوا لهذا البغل الذي دمَّر بلده من قبل، وأرسلوه ليشعلها حرباً على القواعد الأمريكية، لا يبالي أن يحترق العراق ويُدمَّر، ولا يعنيه رأي المرجع الأعلى وموقفه، الرافض للمواجهة المسلحة. وماذا عسى نتائج هذه الأغاني والمسيَّرات والمفرقعات أن تكون، غير الفوضى التي تعبِّد الطريق، وهي تخلق حالة وأزمة ترسم الحل في عودة النظام السابق أو نظير له، سبيلاً حصرياً لتحقيق الأمان والاستقرار؟!

    إنَّ واقع الحال يجعل الممكن المتاح، عقلاً وشرعاً، يدور بين تقديم تبرعات نقدية وعينية، والتزام مقاطعة السلع والشركات التي أعلنت تأييدها للصهيونية، ثم أنشطة وفعاليات رمزية كالتظاهرات السلمية والاعتصامات المدنية. هذا ما فعله المسلمون كافة، شيعة وسنة على السواء، في مختلف بلادهم وشتى بقاع الأرض، ما خلا اليمن والعراق ولبنان، التي يحاول فيها ويناور أتباعُ إيران.

    أما الخيار الأسوأ عقائدياً والأخطر دينياً، فهو الانخراط في الأداء الإعلامي والخطاب الثقافي الذي تبنَّته الجمهورية الإسلامية والأحزاب التابعة لها، الذي يجعل فلسطين هي القضية الدينية والاجتماعية الأُولى، عقيدة في النفوس وحضوراً في الحياة، ما يتهدد معالم المذهب الإمامي بالطمس، والهوية الشيعية بالدفن، والسمة الروحية والشخصية الولائية لأبناء الطائفة بالتقويض والمحق… لقد أقحموا فلسطين في شعائرنا الدينية، من أقصاها، في المنابر الحسينية ولطميات العزاء، إلى أدناها، في الزي المتعارف لرجال الدين، أضافوا إلى العمامة والجبة والعباءة، كوفية فلسطينية تلف الأعناق، وسمِّها إن شئت طوق استرقاق!

    والأمر لا يقدم من تعصُّب وتحسُّس وريبة، بقدر ما هو وعي وحكمة وبصيرة، إذ لا بأس أن نشارك الآخر إحياء مناسباته، ما دامت حقاً، فلا ضير أن نحتفل بميلاد المسيح، على سبيل المثال، لكن في حدود ونطاق يُبقي على مكانة أئمتنا، ولا يمس شعائرنا الخاصة، ولا قضايانا الأصلية وتراثنا وتقاليدنا الموروثة، لا يُخلُّ بها ولا يغيِّر طابعها، من هنا لا يسمح الشيعة لأي شخصية أو قضية أو حادثة، ماضية أو حاضرة، أن تكون الأُولى ولا الدائمة الثابتة، على حساب معالم المذهب الحق وشعائره.

    إنَّ هذا المسعى المريب الذي يريد إقحام فلسطين في الدين، ينطلق من حيثيتين، أو هو قيح ينزُّ من ورمين خبيثين أو بؤرتين ملتهبتين، الأولى حزبية تؤمن باللامذهبية، تجمع الإخوان المسلمين (حماس والجهاد وغيرها) بحزب الدعوة بالخامنئية، والثانية نفسيَّة مرَضيَّة، تنطلق من الضعة والهوان وعقدة الدونية التي تتملك بعض الشيعة، يستشعرون وجوب “إثبات” إيجابيتهم للآخر، وإظهار التحاقهم بالركب العام في سبيل تحقيق ذواتهم، شخصيات مهزوزة وروحيات خاوية، عقول ضحلة وأفهام سخيفة، والمؤلم أنَّ بعض هؤلاء هم من الأكاديميين والمثقفين، وإن جاء أغلبهم وقدُم أكثرهم من بيئة حزبية، عاش في حماها ودار في فلكها ومضى في ركبها، متأثراً بالبؤرة والعامل الأول… حالة خلقت ثقافة مشوَّهة وأورثت انقياداً وإمعيَّة أو رعاعية إن صحَّ التعبير، تذكِّرك بأهل الشام حين أقام فيهم معاوية الجمعة يوم الأربعاء!

    ومن غريب أحوال هذه الشريحة الناشطة في الساحة الإيمانية، أنَّ منطلقاتها تقدمية ومزاعمها حداثوية وخطابها علمي، بينما سلوكها مغرق في الرجعية والشعبوية الغبية، وفعلها مسرف في الجهالة والفوضوية! ترى أحدهم يحمل شهادة عُليا، تفرض فهمه لأوَّليات العلم وضرورة التخصُّص، وإذا به يقحم ميادين لا علاقة له بها، ويخوض في حقول لا يُحسن، ناهيك بأن يُتقن، ألِف بائها! لا يرون في هذا عيباً ولا نقصاً، فلا غضاضة أن يشخِّص مهندس المرض، ويصف ممرض العلاج والدواء، الذي ركَّبه من قبل شاعر مفلق! من هنا يقحمون الحقل الديني، ويخوضون في مواقع تتطلب رتبة علمية عالية، ولربما ملكة اجتهاد، ويتبعون في تكتلاتهم نكرات، يلوذون بشباب مغامر قفز على المراحل، أخذ عن المخالفين، وحمل وهو بعدُ غرٌّ راية إصلاح الدين، ويلوذون بمستبصرين مشبوهين ومعقَّدين، يلهثون وراء الأضواء، يترصَّدون كلَّ مفخرة للمذهب ومأثرة ومعجزة للأئمة الأطهار، ويتتبعون كلَّ يد لهم على المخالفين وفضل على سائر الأُمم، فيُجحد ويُنكر! هذا ينفي تتلمذ أبي حنيفة على الصادق، وذاك يتهالك ليثبت أن جابر بن حيان شخصية وهمية، ويتحايل ليُسقط فضل الإمام الصادق على علم الكيمياء، وإبطال ما يعترف به الغرب في أعرق الجامعات! والقوم يتبعون ويصفقون ويرقصون… ومن هذا السبيل يلحقون بالدبكة الحمساوية.

    وللإنصاف، فإنَّ حركة حماس ليست تنظيم الدولة الإسلامية، وما يجري في غزَّة ليس من قبيل أفعال القاعدة، ولا هم يتبعونها تنظيمياً، هذه حقيقة يقرُّ بها التحليل والتحقيق الموضوعي، ولكنهم ـ من جهة أُخرى ـ مدرسة ومذهب واحد في العقيدة، وحتى في الموقف والاصطفاف السياسي، ذلك أنَّ حماس متى رأت الحاضنة التي تؤويها، أكثر حقداً ونصباً من داعش، فهي ستميل إلى التكفير، وتبني طرحهم العقائدي، وترتب على خطابهم الثقافي، وتتخذ موقفهم السياسي، وقد فعلت في سوريا.

    ببساطة شديدة، هؤلاء أبناء الرنتيسي الذي أُبعد عام 1992 إلى لبنان ومعه نحو أربعمئة ناشط إسلامي، من الضفة وغزة المحتلتين آنذاك، جلُّهم من حماس وقلَّة من الجهاد، أقاموا مخيماً في مرج الزهور، وصاحب رباطهم هذا حملة إعلامية وسياسية عربية وعالمية أرغمت سلطات الاحتلال على إرجاعهم، وقد باشرت إسرائيل بإعادتهم إلى وطنهم عام 1993 على دفعات. ولك أن تتلمس طبيعة هذه الجماعة، وتقف على هويتهم الحقيقية، دون تكلُّف أو تعسُّف، ودون كُره لهذا الشعب ولا حقد عليه، وأنت ترى هؤلاء المبعدين، الذين كانوا ضيوفاً على الجنوب الشيعي، يأتيهم المدد من مأكل وملبس إلى وقود تدفئة، إلى ميزانية حرَّة وأموال غير مشروطة، كلها من الشيعة، الذين ألحقوا ذلك بتسخير أجهزتهم الإعلامية، إذاعة وتلفزيون وصحافة، نصرة لهم ودفاعاً عنهم… ثم تشهد بعد كلِّ هذا، كيف غلبهم التعصُّب وأعماهم الحقد حتى أدخلهم في معركة وهمية حملتهم على تسمية مدرسة دينية أسسوها في مخيمهم (من الأموال التي بذلها لهم الشيعة)، باسم “ابن تيمية”! لم يختاروا غيره من الصحابة الذين يقدِّسون، والتابعين والعلماء الذين يحبُّون ويجلُّون! وليست هذه حالة فردية ولا استثناءً عارضاً لا ينبغي البناء عليه، بل هي الأصل في الإسلاميين (دون العلمانيين وسائر الشعب الفلسطيني)، ولو نظرت في أحوالهم الداخلية وتتبعت انشغالاتهم الحالية، لوجدت الهامش الأكبر من جدالهم اليوم يتوجَّه لمعضلة تلقِّي العون من الرافضة؟! وأكثرهم اعتدالاً يفتي بالجواز مستدلاً باستعانة رسول الله والخلفاء الراشدين بـ “الكفار”! لا كريم فيهم يستحي، ولا شهم يعتذر، ولا عاقل يقول كم هو معيب هذا البحث والجدال، والشيعة هم الجهة الوحيدة التي تعيننا!

    إنها طبيعة في الإسلاميين، فلسطينيين وغير فلسطينيين، لا وفاء للحزبيين ولا مروءة، لا نبل فيهم ولا كرامة. إنَّ سهك البحر ونتنه لا تذهب به قارورة طيب تدلقها في مياهه، وفساد هذه البُنية لا يصلحه إحسان ولا يداويه إفضال… إنَّ الأحزاب الدينية والحركات الإسلامية تتاجر بقيم الدين وتعبث بحرمات الله وتمارس ما يهز العرش، فلا ترجُ من اللئام خيراً ولا ترقب منهم إنصافاً وعدلاً. الشيعة المنخرطون في رقصة أو دبكة الموت هذه، يخبطون الأرض بأقدامهم، ويلوِّحون بسبحات صلاتهم، وآخرون يشرعون صدورهم لتلقي الرصاص، ويستشهدون في سبيل إشغال الجيش الإسرائيلي وصرف تركيزه ومنع تفرُّغه لغزَّة، ولا أحد منهم يسأل: مَن هم هؤلاء الذين نضحِّي في سبيلهم؟ هل نبض عرق إنسانية في أحدهم يوماً فسمعتم منه استنكاراً أو إدانة لجريمة واحدة اقترفها الإرهاب التكفيري؟ أو حتى مواساة ومجاملة، لظلامة نزلت بنا، دون نزال ومعركة، من قبيل تفجير حرم الإمامين العسكريين عليهما السلام في سامراء! صدق المتنبي إذ قال: إذا أنت أكرمت الكريم ملكته، وإن أنت أكرمت اللئيم تمرَّدا.

    بين اندفاع الإسلاميين وتهورهم، وبين سلبية المتدينين الذين لم ولن يشاركوا في مظاهرة، ولا تعنيهم المقاطعة، ولا يبذلون فلساً لغير إخوانهم، تأتي المرجعية الشيعية نمرقة وسطى.

  • لن يكون هذا من مؤمن شريف، ولا من حسيب عفيف، لن يسقط في هذا اللوث نجيب، لن يبلغ هذا التسافل طاهر، ولن يجرؤ على هذا الانحطاط عريق، هناك حدود وخطوط لا يتجاوزها الكرام الأُصلاء مهما بلغ بهم الفسق والانحلال، قد يستخف أحدهم بصلاته، ويتهاون بأحكام دينه، حتى يقع في الربا وشرب الخمر وغيرها من الكبائر.. لكنه لن يفرِّط في عقيدته! لن يهتك شيعي حرمة آل محمد ويتطاول على ولايتهم، لن يساوم في هذا ويماكس مهما بلغ فيه الأمر واضطرب الحال، لن يبيع جوهراً تلقاه أباً عن جد، ونشأ عليه خلفاً عن سلف، بحصى أو حجارة من وقود النار… فإذا فعل، فاعلم بأنَّ الشقاء قد وقع والتعس قد استحكم، وأنَّ الشوه قد غلب والمسخ قد تحقق، فما عاد البائس الهالك كما كان، لا بات حيث هدهدته أُمه وأوْدعه أبوه، لقد خلع ثوبه وتعرَّى عن زيِّه، ترك بيته وخرج عن داره! انتقل إلى ماخور شأنه البغاء والفجور، وملهى لازمه السكر والعهر، فما عاد يقبل سابق الطهر، ولا يطيق ماضي السمو، ولا يريد الرفعة التي كان فيها.

    ألا فضَّ الله فاك يا لُكع، وسوَّد وجهك يا وضيع، أتقرن مصاب قرَّة عين الرسول وسيدة الإنس والحور، بغزَّة وسكانها؟! أيعدل حرق بيتها الذي رفعت منه ـ وهي تقف في محرابها ـ عمود نور يحمل العرش، بهدم دور في غزَّة ما عُبد الله فيها ـ حق عبادته ـ لحظة، ولا أُدِّيت فيها من الصلاة ـ كما أمر الله ـ ركعة؟! أتساوي ثالث الأسباط المحسن الشهيد، بوليد سُمِّي تيمناً بصدام؟! الزهراء التي تستنزل بزفرتها الأملاك، وتدير بإشارة من سبابتها الأفلاك، وما برحت متشعشعة في الصقع الأول، مع باكورة الوجود، أُمّاً لأبيها وحليلة لصاحب الحوض واللواء، وأصلاً للأئمة الأطهار النجباء، سادة الخلق طرّاً، ممن سكن الأرض وعاش في السماء.. تقاس مصيبتها بمصيبة فلسطين! أُلعوبة الجامعة العربية وعبدالخالق حسونة، وكورت فالدهايم الأمم المتحدة، مهزلة القرن العشرين وصفقة الدولتين!؟.. ألا شُلَّت أيدٍ تصفِّق بخبط صدورها على هذا الهراء، وقُبِّحت وجوهٌ تنتظم في صفوف، تتمايل وتتراقص، على هذا الكفر والفجور.

    اللهم إنا براء من هؤلاء، لا علاقة لنا بهم، لا شأن لنا بأحزابهم، لا نرضى بفعالهم، هم ملَّة ونحن ملَّة، اللهم فاشهد! وها نحن ننكر ما وسعنا، ونجاهر ما استطعنا، فأخرجنا اللهم من القرية الظالم أهلها، ولا تجعلنا من خصماء آل محمد ولا من أعدائهم، ولا من أهل الحنق والغيظ عليهم، فإنَّا نعوذ بك من ذلك فأعذنا، ونستجير بك فأجرنا. ثم المعذرة الصديقة الكبرى والإنسية الحوراء فاطمة الزهراء، فلا سبيل لمنع هذا الاعتداء، ولا قدرة لنا على إسكات الأشقياء.

    كيف هانت المقدَّسات وسقطت الحُرُمات وهوى وانحدر الإحساس حتى بلغوا هذا الانحطاط والانتكاس؟ كيف سمح مؤمن لنفسه أن ينتقل من قمم ولاء الزهراء إلى حضيض ولاء الإخوان المسلمين، ومن رثاء مصاب آل محمد إلى ندبة حماس؟

    يحسب بعضهم أنَّ غضب الله وسخطه لا يكون إلا في ظواهر كونية أو بلاءات مادية حسِّية… تظهر في الوباء والطوفان والجراد والقمَّل والضفادع والدم، أو في حاصب وزلزلة، وخسف وغرق وريح صرصر تجعلهم أعجاز نخل منقعر، وصيحة تخمد الأصوات وتسكت الحركات. أو تراه فقراً ومجاعة وبلاءً، حبساً وتشريداً وتنكيلاً… ولكن الغضب الإلهي له وجوه أُخرى يغفل عنها حتى من تحلُّ به وتنزل عليه، فقد تكون استدراجاً وإملاءً، ذهاباً في المعصية وإغراقاً في المكابرة والعناد، يُسلب شقي نعمة الإيمان، وهو يتبع خطوات الشيطان، خطوة فخطوة، ينكر معاجز أهل البيت وفضائلهم، ويجحد مقاماتهم ودرجاتهم التي أنزلهم الله فيها، ويلحق ذلك بالمصائب التي حلَّت بهم والرزايا والخطوب التي نالتهم، وهو يحسب أنه يحكِّم العقل، أو يُعمِل الضابطة العلمية في التثبت من سند الفضيلة وحقيقة الرزية! حتى يقع في الجحد والإنكار، فيستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، يطيب له القثاء والفوم والبصل، بدل المنِّ والسلوى ومائدة من السماء! يرحل من رحاب الكساء وأنوار العترة الطاهرة والصراط المستقيم، إلى لوث السياسة وقذارة صفقاتها ومتعرِّج مسالكها ومعوج دروبها، وينقلب من ولاء فاطمة والمهدي، إلى نصرة الإخوان وحماس!

    على ظهر أبي رغال يُحمل، ومن جسر أبي مُرَّة يعبر، يأخذه اللعين من الشك الذي زرعه فضلته بظلامة الزهراء، إلى التسليم واليقين، لما رأى التغني بالظلامة يخدم قضية فلسطين! إنهم يخرجون من دين الله أفواجاً وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، هل من مصداق أعظم لوقوعهم محلّاً لغضب الله، ومثالاً صارخاً لسخطه؟! أن يخسر المرء جوهرة الولاء، يستبدلها بهذا الهراء؟! جموع الهمج الرعاع تلطم وتلدم، حتى تخال نئيم صدورها وهمهمة أنفاسها تصدع أو تهدم البيت الحرام، وتدمي قلوب حملة العرش، وهم يرون كيف يُستخف بحرمات الله، وتستقبل ألحان الكفر بإيقاع اللطم، فتنزل النقمة بالمرء ويعيش “وأفئدتهم هواء”، وهو حي يرزق، لم يُقبر بعد ولم يُنشر! سرق الأُولى أرضها واغتصبوا إرثها، وهذا الشقي يسلبها مصائبها، ويبذلها نهباً لكل شارد ووارد!

    قد نختلف في الفهم السياسي لحقيقة القضية الفلسطينية، ونتفاوت بيننا في القدرة على تحليل حرب غزة وعاصفة الأقصى، بين تعقُّل ورصانة تضع الأُمور في مواضعها المنطقية والشرعية والتاريخية، وبين حماقة وسفاهة قلَّ لها النظير، وحزبية في ذرى الانقياد والإمعية… التيار الضلالي في البحرين، الذي وقف مع فضل الله في تشكيكاته، ومع تعطيل ذكر مصائب الزهراء لسنين، انقلب فجأة لما وجدها فرصة سانحة تخدم مشروعه السياسي بإسقاط مصائب الزهراء على فلسطين! الآن ثبت عندهم كسر الضلع وإسقاط المحسن وإحراق الدار! ليست شطحة ولا أول قارورة تكسر في البحرين، من الواضح الجلي أنَّ هذا نهج، ابتدعه صعاليك كالجانح السهوان، وسار به المستأكل المرتزق الأكرف، وبات طابعاً للفصيل الإيراني هناك وهوية لتيار الضلال في هذا البلد المنكوب بهؤلاء، هذا هو نتاج عيسى قاسم وعبدالله الغريفي، ومن ورائهما فضل الله ومناة الثالثة الأخرى.

    وهنا جرائم ثلاث، بحق الزهراء وشعائر العزاء، ثم بحق هذا البلد الطاهر، حاضرة كانت موئلاً للولاء ومركزاً للعزاء، سقطت في الحضيض مذ تولت الحزبية أمرها، من حزب الدعوة إلى فضل الله إلى الخامنئية العمياء.

    هناك ألف سبيل وسبيل لنصرة غزة وفلسطين، ليبذل من شاء من جيبه ويصرف من حرِّ ماله، لا ننازع في هذا ولا نمانع… قم بما يسعك، وافعل ما طاب لك، ولكن إياك أن تبذل من ديننا ومذهبنا، وتصرف من رأس مالنا. إنَّ أصل القضية الفلسطينية يعود لوعد بلفور، ومن المحفوظات المدرسية، قصيدة للشاعر القروي، يهاجم فيها بلفور هذا على وعده المشؤوم، وفيها بيت يقول: “لو كنت من أهل المكارم لم تكن، من جيب غيرك محسناً يا بلفرُ”! وها هي الأزمة تعود بوجهها القبيح، وتتكرر على أيدي الذين ينصرون غزَّة باللطم! فالإخوة المضحين، والمجاهدين المستأسدين، يبذلون لها من دينهم وعقيدتهم، ويقدِّمون على مذبح معبدها، وتحت أقدام لاتها وهُبلها، قرابين من أعزِّ حرمات الله وأرفع مقدَّسات الدين! ولو كانوا رجالاً حقاً، لقدَّموا أنفسهم وأبناءهم، وغامروا بأرواحهم كما يفعل اليمنيون! حتى اللفيف الناشط منهم في لبنان، فرَّ مع نذر الحرب إلى إيران، والمعركة ما زالت في أيامها الأولى! فتمَّت المصداقية وظهرت الشجاعة وصدقت التضحية!

  • إلى جانب نخبة أصيلة من علماء الدين الربانيين، وصفوة من العاملين المخلصين، حمَلة المعتقد الصحيح وناشري أحكام الشرع المبين، الذين طلبوا العلم وانتسبوا للحوزة قربة إلى الله، لا يريدون من كسب المعارف الدينية والانخراط في هذا السلك المقدَّس إلا وجهه تعالى، وشرف خدمة إمام زمانهم، والنهوض بواجب تكفُّل أيتام آل محمد… إلى جانب هؤلاء، هناك طائفة من أهل العلم ـ يتبعون مرجعيات مختلفة ـ فيهم أساتذة وفضلاء، وجملة من أبناء الأُسر العلمية، وآخرون منسوبون لمشاهير وأعلام، يسعون لتكوين بيوتات تحاول اللحاق، ثم سواد من طلبة صغار، غرَّهم وهْم الوقار وطاب لهم سمت الكبار! يشكِّلون في المجموع تكتلاً ويصنعون محوراً، يسعى للسيطرة على الحوزة العلمية، ويكافح ليظفر بتمثيل الروحانية الشيعية. هذا التكتُّل، هو العنصر الثالث في ساحة تتفاعل فيها اليوم وتتنافس مع النفوذ الإيراني ودور الأحزاب.

    إنَّ هذه الشريحة العلمائية، التي تشكِّل إحدى المحاور الأساس في الحوزة العلمية، الفاعلة في تكوين العقل الجمعي لطلابها، والنافذة في صنع القرار فيها، والعمدة في رسم طابعها وما يشار به إليها… هي من أكبر أسباب عجز الحوزة ووهنها، وعلل هزالها وتقصيرها، مما يظهر في اضطراب أطروحتها وتخبُّط خطابها بين الحداثة والتطوير مقابل الأصالة، وبين الثورية والحركية مقابل التقية، ما مكَّن الأحزاب من التفوُّق، وأعان النظام في مغالبته وإخضاعه هذا الكيان العريق! بل إليها يرجع التردِّي المشهود في عموم الساحة الإيمانية، فضلاً عن الحوزوية. وما تراه من طغيان الضلال والبدع، وتفشِّي الرأي المخترع، هو انعكاس لهذه الحقيقة، وثمرة سوء لهذا الواقع المرير. والمعضلة أنها ليست فئة دخيلة ولا عميلة، بل حالة تحكي تاريخاً متقدِّماً، غاية الأمر أنها كانت بين جزر ومد، تغلب الحكمة والأصالة والإخلاص تارة، أو تنحسر لصالح التكسب والاستئكال، ثم الخُرق والغباء أُخرى، وهي تعيش اليوم أوْجاً في المنسوب وارتفاعاً غير مسبوق!

    لذا، من الضرورة بمكان تسليط الضوء عليها، والتفتيش في دورها وتأثيرها، بعد معرفة مواصفاتها وبيان معالمها. إنها كتلة الحياد والامتناع… لا يجيب هؤلاء على سؤال، ولا يردُّون شبهة ولا يتصدُّون لضلال! وأوَّل ما يستوقف الباحث، ويلزم المؤمن الفاحص، التنبُّه والالتفات إلى أنَّها جماعة تتوارى وراء خمودها، وتختبئ خلف سلبيتها، التي تجنِّبها الصدام وتوفِّر لها السلامة والأمان، وتتكفَّل بقاءها في موضع يؤمِّن دنياها ورغد عيشها، كما يحقِّق عنوان الالتزام الشرعي (في المنظور العام). ثم يلحق ذلك البراغماتية، الأخذ بالمصالح ودرء المفاسد، سمة غالبة وصفة لازمة، ما يعينها على التكيُّف الذي لا يلتزم مبدأ، ولا تحكمه قيمة وأُمثولة، فكلُّ تكليف شرعي يمكن تجاوزه وتخطيه تحت عنوان المصلحة والتقية، بتفريعات هذه واشتقاقات تلك، وكلُّ خطْب، مهما كان جللاً، يمكن إغفاله وتجاهله، بذريعة ضيق الخناق وعدم الوسع، والمشجب الحمول: “القدرة شرط التكليف”… فتقع الكوارث على الدين، وتحلُّ المصائب بالمذهب، وتنزل الرزايا على المقدَّسات، ولا أحد يحرِّك ساكناً! هناك حقائق بمنتهى الخطورة يجري تزييفها باسم التطوير، وعقائد في صلب المذهب وقوامه، يطالها التحريف بغطاء الاعتدال ونفي الغلو، وحرب شرسة ضد الشعائر الحسينية في العزاء والمزار، بدعوى التنزيه وذريعة مواكبة العصر.. وهذا تراث لاقى السلف في جمعه وتصنيفه الأمرَّين، وتحمَّل لحفظه ونقله الأقورين، بات مادة للعبث ومسرحاً للاستعراض! ساحة قحمها غرٌّ سفيه اتخذ الأحاديث ألعوبة يلهو بها باسم التصحيح، وآخر غلبه الزهو والغرور، حسب أنه يفوق الأولين والآخرين، راح يحكِّم سقيم ذائقته ومريض مزاجه، ويطلق العنان لعُقده النفسية وآفاته الروحية، يهدم ويسقط ما شاء من التراث المعصوم!

    والقوم في سبات، وكأن الأحد يلي السبت والخميس يسبق الجمعة!.. ومن هنا تظهر الصفة الأهم ويرتسم المعلم الأخطر: إسقاط التبري من سلوك القوم وقاموسهم! فالسعي للمكانة الاجتماعية وكسب المال، وجمع المريدين وحشد الأنصار، بناء المؤسسات وإرساء المرجعيات، يفرض تقوية “الجذب”، ويقتضي نفي التبري والطرد، واختفاء المواجهة، حتى إذا حكمت موازينهم الباهتة بضلال أحد، فلا صدام ولا قطيعة! كأن سلب التشيُّع جوهره، وتقويض أُسسه ونفي ثوابته وهدم مسلَّماته، مسألة فيها نظر! فلا غضاضة إذا رأيت الأضداد يمرحون في رحابهم، والنقائض يتآلفون في أجوائهم! حرائق شبَّت، وعواصف هبَّت، وبقاع زلزلت، والإخوة الكرام في شغل، بين فرار بذريعة حرِّ التنازع بين المؤمنين، وقعودٍ بحجة برد الفتنة وشقِّ عصا المسلمين، وتقريع أميرالمؤمنين يدوِّي في كلِّ أُذن واعية: “فتواكلتم وتخاذلتم حتى شُنَّت عليكم الغارات…… فقبحاً لكم وترَحاً حين صرتم غرَضاً يُرمى، يُغار عليكم ولا تغيرون، ويُعصى الله وترضون! فإذا أمرتكم بالسير إليهم أيام الحرِّ قلتم: هذه حمارَّة القيظ أمهلنا يُسبَّخ عنَّا الحر، وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء قلتم: هذه صبَّارة القُرِّ، أمهلنا ينسلخ عنَّا البرد… فإذا كنتم من الحرِّ والقرِّ تفرُّون، فأنتم والله من السيف أفرُّ”! وهنا أصدر صلوات الله عليه حكمه الخالد وأرسل سهمه النافذ، يخترق الآفاق ويعبر الدهور، ويتم الحجة على الأجيال، وما زال نئيم رميته يدوي، ورنين قوسه ينادي: “يا أشباه الرجال ولا رجال، حلوم الأطفال وعقول ربَّات الحجال، لوددت أني لم أرَكُم ولم أعرفكم، معرفة ـ والله ـ جرَّت ندماً وأعقبت سدماً، قاتلكم الله، لقد ملأتم قلبي قيحاً وشحنتم صدري غيظاً، وجرَّعتموني نُغب التهمام أنفاساً”.

    الكارثة أنَّ هذه السلبية القاتلة ما زالت تُجلَّل بالتعقل والوقار، وأربابها يظهرون حكماء استبقوا الحوادث وأحسنوا قراءتها، حين خلصوا إلى التروي والتأني، يدَّعون التنبُّه للاستدراج واليقظة عن الاحتيال، ويزعمون الوعي بالكمائن والدسائس! وهم بين حريص على دنياه، وموافق لأرباب الضلال! وعلى سبيل المثال الذي ضربه بعض الفضلاء، لولا العلَمان، التبريزي والوحيد، ثم الشيخ بهجت وآغا تقي القمي، لكانت مقولات فضل الله الضلالية سائدة في الوسط الشيعي، ولكنت رأيت‎ جمعاً من الصامتين اليوم، ناطقين ومجاهرين بأنَّ الرجل لم يقل كفراً ولا أتى بدعة ومنكراً، وأنَّ الذهاب إلى تفسيقه والحكم بضلاله، كان تسرُّعاً من الأعلام، وتوثباً حملتهم عليه الغضبة وغلبتهم الغفلة!

    يعمل هؤلاء على استقطاب بقية الطلبة والعلماء، وإخضاعهم لهيمنتهم وسلطتهم المعنوية، وقد نجحوا في ذلك إلى حدٍّ كبير، فهناك كثرة منتظمة في سلكهم، ماضية في ركبهم!.. وباستثناء ثلة مباركة من الطلبة الأحرار المستقلين، فإنَّ البقية يعيشون حالة أشبه بالحزبية، يتحركون بانضباط، وينساقون بانقياد، وإن لم ينتسبوا لتنظيم يحكمهم، ولا قيادة تصدر أوامر أو تعليمات تديرهم! تكفيهم تلميحات خاطفة، وإشارات صامتة، يلتقطونها وهي تسبح في الفضاء، يحملها أثير يبث في دائرة مغلقة، ويتردَّد في نطاق خاص، يستمطرونها وإن كانت سحب صيف، يستنطقون إرشادات وتوجيهات تحملها، ثم يغالون في التزامها، حتى تجعلهم ملكيين أكثر من قيصر!

    إنَّ مجسَّات الخطر عند هذه الجماعة لا تعمل أو تنبض ولا تشير للتهديدات الحقيقية التي تتوجَّه إلى الدين، وصافرات الإنذار لا تدق، وأجراس التحذير لا تقرع عند الاختراقات التي تطال عقائد المؤمنين، ولا مع حرائق تشتعل في معالم وثوابت مذهب الحق المبين، كأن التحسُّس والانزعاج والامتعاض، ناهيك بالمواجهة والتصدي، وقفٌ على ما يمسُّ مصالحهم ويطال أشخاصهم، وحكر على ما ينال من هيمنتهم ونفوذهم، ويتهدَّد سيطرتهم وصبغة الحوزة بطابعهم! ترى الحالة العائلية والشخصية هي ما يحكم الأداء، والأعراف السائدة بينهم هي ما يحدِّد المواقف ويرسم المواضع. إنهم يتمتعون بقدرة خاصة وطاقة غريبة على امتصاص الصدمات واحتواء المعضلات! وهم أبرع الناس في المناورة، وأكثرهم كفاية في المراوغة والالتفاف، فكل ما يتحايلون به ويتذرعون ويعتذرون، يُنسب إلى الدين ومصلحة الإسلام والمسلمين!

    ولك أن تتأمل في نفوذ شيرازي جاهل يُدعى رشيد، وتوغله الذي بلغ تولي بيان الأحكام باسم الحوزة، قادماً من قلبها ومن قِبلها، يلحق به أخوه حميد، رجل الإطلاعات الإيرانية، لينظِّم حراك الحوزة وأنشطة العتبات في قضية غزة! وثالثهم الأشكوري رأس الجسر في انتقال المناهج والمشارب الإيرانية للحوزة، والثلاثي يشكِّلون بطانة المرجعية المرشحة بعد الحاضرة، فيا لله والمستقبل المرجو والآمال المعقودة! وهنا حقَّ الدعاء للمرجع الأعلى بطول العمر والابتهال إلى الباري تعالى أن يقيِّض للأُمة من بعده مَن يعي الخطر ويدرك أبعاد المؤامرة، فلا يكون من النيام ومن ميِّتي الأحياء!

    خذها ممن عاش القضية بتفاصيلها، وقرأ “الكتاب” حتى نهايته: لا ترجو من هذه الكتلة المنطوية على مصالحها موقفاً فيه صدام ومواجهة، إنهم لا يشعرون بقضيتنا ولا تعنيهم همومنا، لن ينصر هؤلاء الدين، ولن ينجدوا عقيدة للتشيع ولا فضيلة لأميرالمؤمنين، طالما خذلونا عند الوثبة، فرُّوا من الزحف وتخلَّفوا عن القتال، قبل أن يحمى الوطيس ويستعر النزال، عرفناهم في فتنة فضل الله متربِّصين، وفي عاصفة الحيدري على مقاعد المتفرِّجين.. أبناؤنا يُسرقون، ومجتمعاتنا في تيه، يعبث بها المتردية والنطيحة، يأخذون دينهم من اليعقوبي وأمير، وپناهيان وقصير، عشرات الملايين يقلِّدون مرجعيات زائفة باطلة، لو قارنت الموقف منها، بالانتفاضة التي صاحبت مرجعية سيد محمد الشيرازي في السبعينات، لعرفت حجم الكارثة التي تعيشها الطائفة اليوم. وهذه أمواج الضلال تعصف بنا، تقدم من لندن وطهران والبصرة ولبنان، بين بابية مقنَّعة، ووهابية مبطَّنة، و”العلماء” في صمت القبور! ولو سبرت موقف الحوزة في عهد الشيخ محمد حسن الجواهري والشيخ علي كاشف الغطاء والفاضل الدربندي وآغا رضا الهمداني وعشرات من علمائنا الأعلام، حماة المذهب وجنود صاحب الزمان، لما تردَّدت في لفظ من يدبِّر الأمر، وإدانة هذه الكتلة الميتة التي تقود المسيرة اليوم! والبلاء الأكبر، كما الشيطان الأكبر، أن يحسب أحدهم نفسه الخضر أو العبد الصالح! يريدنا أن نُمضي خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار، نمتثل ونصمت، ونحن نرى كم هو مكبٌّ على دنياه، مطيع لهواه، مخالف لمولاه…

    لن يلبث الأطهار في سدوم، سيرحلون مع إمامهم، ولن يكونوا في قوم لوط.. ولا نامت أعين الجبناء.