• قد يطيب لأحدهم طبَق لفائف ورق العريش مع شرائح اللحم ووصلات الضلوع الناضجة على أبخرة المحاشي، أو حزمة من سفافيد الشواء تقلَّب في موقد ليستوي ما شُكَّ فيها على نار هادئة، ويستحسن آخر الخوخ والرمان والتين، أو أكباش التوت ومثاني الكرز وعناقيد العنب، فيتغنى بهذه ويلتقط لتلك الصوَر وينشد فيها الأشعار… ولكنه في النهاية، ومنذ البداية، كان يريد أكلها وما زال ينوي التهامها!

    تُرى، ألا تعرف المرأة إلامَ ينظر الرجل فيها؟ وماذا يريد ويرجو منها؟ هل تثق امرأة بالغة ناضجة وتفرض النزاهة والبراءة والعفوية في رجل أجنبي؟ ولا سيما الذي يدنو منها ويتقرَّب إليها، يدَّعي التحنُّن على ضعفها، أو الإعجاب بمهارتها، أو الاستفادة من علومها والتزوُّد من معارفها؟ هل تصدِّق فتاة وينطلي على امرأة أن رجلاً يهش لها ويبش، يلقاها طلقاً متهللاً، يتودَّد إليها ويتحبب، ويرفق بها ويحنو عليها، قربة إلى الله تعالى؟ أو شغفاً بالعلم الذي تحمل والمعرفة التي تتمتع بها؟ هل ينطلي على امرأة أن الجمع المنتظم على مقاعد المتفرجين في قاعة المسرح الذي انتصبت على خشبته، أو آلاف المتابعين الذين يلاحقون أفلام الفيديو التي تبثها على وسائل التواصل الاجتماعي، يبحثون عن الترفيه البريء، أو الحلول التي تطرحها لمشاكلهم الاجتماعية وأزماتهم الروحية والأخلاقية؟ وأنهم ينتظرون كلماتها وتنظيراتها ونفيس معلوماتها على هذا الصعيد وذاك؟!

    وليس الأمر وليد حرمان وشبق، ولا إفراز بيئة مغلقة ومجتمعات معقدة، كما تحاول بعضهن التبرير، والتذاكي للالتفاف على هذه الحقيقة… بل هو ما يجول في ذهن كل رجل، من مصمم الأزياء الفرنسي الذي  يعيش أعلى درجات الإباحية، يمرح ويرتع، ويزدرد من الجنس ما شاء ويبلع، فتراه يصمم من الثياب ما يثير، يعرف أين يستر وأين يحسر، ويجيد التركيز على ما يأخذ بمجامع قلوب الرجل ويسيل لعابه. إلى البدوي في الصحراء والقروي في الحقل وكل بيئة قاحلة من الجنس مغلقة، تحمل على وطء الدواب وإتيان البهائم! كل الرجال يفكرون في المرأة غرضاً ووسيلة لإشباع الرغبة وإطفاء الشهوة.

    في الغور العميق لكل امرأة، والسرِّ المكنون لكل فتاة، أنَّ الرجل حين ينظر إليها، بلمحة خاطفة، أو يرمقها ويحدق فيها، إنما يسعى جهده ويحفز طاقته ويشحذ خبرته، ويوظف حصيلة تجاربه، ليستشف ثيابها وينفذ إلى ما تحتها مما تستر! الهدف الأول لكل رجل ينظر إلى امرأة أجنبية هو أن يعرِّيها، فيعرف جمال قامتها وتفاصيل محاسنها، مدى انتصاب وتكوُّر أثدائها، وامتلاء سيقانها، والتفاف أفخاذها، واكتناز أردافها! وقد يبدأ من بياض نحرها ونعومة كفِّها، وكل ثغرة (جزء غير مستور) يبني خياله عليها رأس جسر يأخذه إلى بقية الأجزاء والأعضاء المتوارية في حجاب. ويبلغ المرض في بعضهم الذهاب إلى تصوُّر ما ترتدي من ملابس داخلية، تخيُّل أنواعها وألوانها!

    هذه حقيقة تعرفها كل امرأة، فلاحة أُميَّة كانت أم متعلمة تعيش في أرقى المدن وأكثرها انفتاحاً، تعرف بفطرتها وتدرك بعميق إحساسها وفهمها، أن الأمر بينها وبين الجنس الآخر، من نظرة إلى سلام فابتسام، هو حيلة ومكيدة، طُعم وشباك لصيدها، وما يأخذها إلى موعد فلقاء، والهدف النهائي هو نيلها، والسلطان الحاكم على جميع مراحل التواصل هو الطمع في تذوقها والتهامها!

    لم يحظر الإسلام بشريعته السمحاء النظر للمرأة ولمسها ومصاحبتها ومفاكهتها، وحتى الجلوس في مقعد أخلته للتوِّ، ولا نشر عطرها، وسائر ضروب التواصل معها والاقتراب منها، تعسفاً وتشدداً، كما لم يفرض الحجاب والفصل وعدم الاختلاط بين الجنسين، من إفراط وامتهان لهذا المخلوق الذي يمكن أن يرقى فيبلغ قمم الفضل والطاعة والتقوى، كما يمكن أن يتسافل ويكون مجرد النظر إليه “سهماً من سهام إبليس”، ويبلغ أن تصبح المرأة “كلها شر، وشرُّ ما فيها أنه لا بد منها”!

    إنَّ هذا الكم الهائل من دعائم وروافد تزيين المرأة، وإذكاء عوامل الجمال والإغراء والإغواء فيها: حُلي ومجوهرات، أزياء وصرعات، مساحيق وعطور، زراعة وعمليات تجميل، أفلام سينمائية وأعمال تلفزيونية، مجلات ومطبوعات، كلها تشير إلى العنوان الحقيقي لظهور المرأة في الملأ العام، وأنَّ القضية هي الجنس والنكاح والعلاقة الشهوية، وما عدا ذلك فضلة، وما يسجَّل من خلاف له لا يعدو مقدمة أو نتيجة، مصاحبة وملازمة أو تابعة لاحقة. حتى التناسل وطلب الذرية كان الجنس طريقه والشهوة سبيله وسببه… فمن الاستخفاف بالعقول أن تُقحَم المرأة في الملأ العام ولا يلحظ هذا العنوان، وتظهر على الرجال وتختلط بهم، وكأن لا وجود هنا للجنس والشهوة، والبلاء الأعظم أن لا يكون هذا التجاهل والاستغفال من شطط وطيش ونزوة أفراد، فقد انتقل ليتحول إلى خطاب ديني، يعمد إلى فذلكة شرعية، تدعو لدخول المؤمنة المحجبة، بعد حقل الإعلام والتلفزيون، إلى ميادين “اللايف كاوتش”، و”استاند اب كوميدي”!

    قد يكون في النساء من تبلغ بها السذاجة والغباء والغفلة عن طبيعة النوع، مبلغاً يصعب تصوُّره، فتجحد وتنكر الدور الجنسي والعامل الشهواني لظهورها، وتدَّعي أنَّ الحجاب الشرعي كفيل بحفظ عفَّتها ودرء الأعين والنوايا الشيطانية التي تلحظها وترمقها.. و”قد” هذه هي أخت “لو” تلك، التي تفتح عمل الشيطان! ومن نافلة القول أنَّ هذا لا ينفي الحالات الخاصة، و أن لكل قاعدة شواذ ولكل عموم تخصيص ولكل إطلاق تقييد، ولكنه هنا من الضيق ما لم تسعه عصمة نبي، حتى قال “وما أبرئ نفسي إنَّ النفس لأمارة بالسوء”، ولكنه على كل حال لم يسقط “إلا ما رحم ربي”… فالطعن والمؤاخذة على الظاهرة ولا يتوجه لأسماء وأشخاص بعينها.

    لا بضاعة اليوم في سوق الفساد الديني والانحراف العقائدي مثل استمالة قطاع النساء، ودغدغة مشاعر المرأة، إطرائها وكيل المدح لها والثناء على دورها ومكانتها، ودفعها للعمل والمشاركة والظهور، وما إلى ذلك من أسباب كسبها وإلحاقها بسواد الحركة الإسلامية.

    لم يكن هذا السقوط والانحدار إلا بعد تضييع مفهوم الخدر، الذي هُتك تحت عنوان الضرورات التي تبيح المحظورات، وفتح باب تعليم الفتيات لسد فراغ الحاجة إلى القوابل والممرضات والطبيبات اللاتي يعالجن النساء، ويحفظ المؤمنة المريضة من الانكشاف على أطباء رجال… وما زالت الصخور تتدحرج على هذا السفح الخادع وتهوي في الوادي الشيطاني، حتى فاقت أعداد الفتيات ونسبهن في الجامعات وسائر الكليات التي يتخصصن فيها نِسب الفتيان، وصرن يزاحمنهم في مختلف الوظائف وأسواق العمل، والاستثناء الوحيد كان التخصص في  أمراض النساء والولادة! ما زالت نسبة الذكور فيها تفوق على الإناث، فتأمل في الخدعة وانظر إلى الكذبة الكبرى!

    كثيراً ما يحتج الحداثيون والحزبيون وعموم الحركيين الإسلاميين في رفض الشعائر الحسينية بسيرة المراجع العظام، وأنَّ التطبير ـ على سبيل المثال ـ لو كان فضيلة لسبقكم إليها المراجع، لكننا لا نرى أحداً منهم يفعل ذلك… وهنا حق أن يُسألوا ويُحتج عليهم فيُفحموا: هل أبرز أحدٌ من المراجع ابنته أو زوجته في الملأ العام؟ هل عرضها في التلفاز ووسائل التواصل، يتصفح وجهها القريب والبعيد والدنيء والشريف؟!

  • لا يعرف أبناء هذا الجيل الحوادث التي صاحبت نشوء الحركة الشيرازية، وظهور شخص السيد محمد الشيرازي مؤسساً لمرجعية عائلية وراثية، وتيار اجتماعي وسياسي بات حاضراً في غير ساحة وبلد. لم يأت الشيرازي ولم يكن بالحالة السلبية النافرة التي يعكسها عنه خصومه وأعداؤه، وإن صحَّت في كثير من جوانبها وصدقت في أغلب مفرداتها، فكان مريباً في أهدافه وأغراضه، مشبوهاً بالقوة التي تدعمه وتدفعه، متهماً في علاقاته وارتباطاته، كما لم يكن من الخفة والسخرية، ما بلغ التندُّر على طريقة كلامه وعُجمة بيانه، وإن أسعفهم على ذلك حشو مؤلفاته، وتواضع علمه، وانتحاله الفقاهة وادعاؤه المرجعية، مفتقداً شهادة أُستاذ، أو إجازة واعتراف الحوزة.

    فالحق أنه إلى جانب سلسلة السلبيات التي تتابعت وتلاحقت معه، والسيئات التي شانته وأهانته، وأخطرها طامة شكَّلت “أوَّل قارورة كُسرت في المرجعية”، وفوضى خلقها من تجاوز أعراف الحوزة، ما زال المذهب يعاني من تبعاتها ويشكو آثارها وارتداداتها… كان في المقابل ـ وفقاً لمعايير الحركة الإسلامية، لو أنصفت ـ يتمتع بإيجابيات، ويحمل أرقام تميُّز، تبعاً لفكر الحركيين الذين كانوا يحاربونه، ولا سيما في الكويت، مهد انطلاقه ومركز نشاطه، فالحقيقة أنَّ محاربته لم تكن إلا منافسة سياسية وصراعاً حزبياً خاضه وأداره حزب الدعوة، حمل على إغماض “إيجابياته” وتجاهل حسناته! وإلا فالرجل ـ مثلهم ـ جاء يحمل لواء الإصلاح والتطوير، وراية الحركة والعطاء والفعل المنتج، والتمرُّد على الجمود ورفض الرتابة وكل “سلبيات” الواقع الديني آنذاك، التي أُلحقت بالحوزة وأُلصقت بمرجعية النجف الأشرف! كان يحاكي آلام الناس وتطلعاتهم في مرجعية شعبية، قريبة منهم، تتواصل معهم وتتواضع لهم، تنزل إلى مستواهم وتتلمس معاناتهم، وتسد عطشهم وتلبي لهفتهم. كان شاباً، يستثير همَّة الشباب ويحفِّز طاقاتهم. وقد نجح في كثير من الميادين التي طَرَقها والساحات التي ولجها، فأسس مدارس تحفيظ القرآن، وعمل ببراغماتية وعملانية جمعت توظيف الشعائر الحسينية إلى خطاب علي شريعتي والحث على قراءة كتبه! وعزَّز الانتماء الطائفي، بل أسس حزباً سياسياً… ولولا الحرب الشعواء التي ووجه بها، لاكتسح الساحة واحتوى الحركة في كثير من البلدان.

    لم يكن لهذه الحالة المربكة للواقع الشيعي والنموذج الجانح في الساحة الإيمانية، أن يتوقف عند الشيرازي والشيرازية الآخذة في الانحسار والتقوقع، فالأحزاب لم تعقم، والمذاهب المعادية والمحافل المعنية لم تهتدِ وتتخلى عن شيطنتها، فتترك الساحة الإيمانية تنعم بالأمان والاستقرار وما يأخذها إلى التنمية والإنتاج… حتى تضخ فيها نماذج أُخرى وتدسَّ شخصيات وتصنع حالات وظواهر جديدة، وأخطرها النموذج الخفي، المتقن في الزيف والموغل في اللبس.

    من الضرورة بمكان رصد وفهم بعض الحالات والرجال والحركات، ومعرفة أيها المرشحة لتكون “ظواهر” وخلق تيارات، أشخاص الفتنة ومراكزها المفعَّلة الناشطة، والأُخرى الخامدة الكامنة التي تنتظر التفعيل والبروز. وكذا تشخيص المواقع والجبهات التي يعمل فيها هؤلاء، المتطرِّفة الصارخة، والأُخرى الناعمة الآخذة باللطف المُغوِي والمهادنة الخادعة، حتى يحسبها الساذج في صفِّه وجبهته!

    ولهذه الشخصيات ـ الظواهر، مشاريع الفتنة وبؤر الضلال، علامات، منها: حجم الإمكانيات، أموال متكفِّلة ومراكز مساندة وأندية وجمعيات حاضنة، مع غطاء سياسي ودعم إعلامي مُلفت، إما أن ينجح في حمل الشخص وتسويقه، أو يوحي ويوهم، عبر فضاء افتراضي وجيوش الذباب الإلكتروني، بنجاحه وقدرته على الاستقطاب وكثافة الالتفاف حوله… فالغرض النهائي تحقيق ما يسمح ويفسح لطرح الأفكار، ويتيح قيادة الساحة وأخذها إلى التشكيك في المبذول القائم، وتضعيف الموروث الحاكم، ما يفضي إلى صنع مذهب جديد، ومن بعده بلوغ اللامذهبية، الهدف الأصلي للحركة الإسلامية.

    ولهؤلاء صفات يُعرفون بها، وقواسم مشتركة تجمعهم… أول ما يميزهم، أنها عمائم كاذبة تنتحل هوية علماء الدين الشيعة دون أن تلتزم بثوابت الحوزة ونهجها وعلومها وطُرقها في التحصيل. وهم بين مَن غلبه الجهل، ومَن تركَّب فيه وتحكَّم، عرف شيئاً وحصَّل قدراً يسيراً، فحسب أنه بلغ القمة، وقد طاب له المنزل والمقام هناك، فراح يجتهد ويستنبط على هواه. يزعم أنها ليست علوماً غريبة وطلاسم وأحاجي مبهمة، لتكون حكراً على طبقة، ووقفاً على مشيخة وحلقة، بل هي علوم مبذولة في كتب، باتت متوفرة في تسجيلات، يمكن تناولها من أي موقع ومكان، فإذا تمتَّع المرء بقدرة ذهنية كافية وذكاء، تمكَّن من هضمها ونيلها بسهولة! من هنا، إذا رأيت أحدهم مندفعاً في مواقفه، جازماً بآرائه ونظرياته، يلقيها بثقة الخبير الضليع، وكأنه اطَّلع على اللوح المحفوظ، فاعلم أنه لم يتلق علومه في الحوزة! وما هذا الهزال والخوَر، والتيه والضياع إلا من ذاك الفقد والعدم. وإن كان حوزوياً، فاعلم أنه لم يعش الحوزة على أُصولها، إما كان منعزلاً منطوياً على شياطينه، أو كان متسكِّعاً فيها يمضي على هامش لا يبلغ صميمها، تراه قضى أيامه المعدودة هناك في مدارس خاصة أو نطاقات حزبية مغلقة، تسيِّره بما يسلبه الحرية، لم يعرف الآداب والتقاليد التي أنتجت الفحول وقدمت العظماء.

    إنَّ التلقِّي من أستاذ يخلق مشيخة، والحضور في درس وحلقة يقدح الإشكال ويتيح السؤال، ويفسح لحوار ومناقشة، وبين هذا وذاك تُصحَّح الأخطاء، ويتقوَّم ما تلقَّاه الطالب وحسبه صواباً. فإذا غلب الطمس وحكمت الغفلة، جاءت “المباحثة” سيرة أصيلة لتقوِّم وتنقذ المخطئ الواهم، وتُنجي ابن الميدان من الجهل المركَّب… من هنا لا تجد لعنصر الغواية والضلال، مشايخ وأساتذة، فهو إما مغرق في الجهالة، أو مثقف (معمم) تلقَّى ما لديه من مطالعة وتحصيل ذاتي يشكِّل طامَّة! تعرفهم من جنوح ورهق، ووحشة وغموض، متسلِّقون ينشدون الارتقاء، ومغمورون يعشقون الظهور. ينبتون بلا غرس، ينشأون على قارعة الطريق، لا في الحقول والبساتين، ثم يصعدون بلا سُلَّم، يطفرون فيسحبون ويصنِّفون أنفسهم في العلماء، يطوون المراحل ويجتازون المسافات، كطيِّ السجل، أو كتقليب صحيفة ورقية مليئة بأخبار وإعلانات لا تعني القارئ… لا يطيقون الرتابة فيبعثون الريبة، يتقمصون الإبداع وينتحلون العظمة، ويظهرون مصلحين مجدِّدين، وهم لا يعدون أرباع علماء وأنصاف مثقفين!

    على هذه الشاكلة كان الحيدري وفضل الله وآصف محسني وحب الله، وهو ما تراه من الغزي وياسر في لندن، واليعقوبي والمدرسي في العراق، وحمود والخشن في لبنان، وغيرهم من المفرقعات والمتفجرات، وكذا الألغام الأرضية التي لا تدري متى تدوِّي لتدمِّر… وستجد دائماً مشجباً تُعلَّق عليه دعوى التتلمذ، وغطاءً من عثير يثيره أو يوفِّره اسم وِتْر يُدسُّ في البين، مثل لافتة “حلال” على واجهات المطاعم في أوروبا، يأخذ بها المستخف بدينه، وهو يرى أنواع الخمور تقدَّم لمرتاديها! وعلى نفس الخطى وفي ذات السياق يظهر اليوم في الكويت “بخاري الشيعة”، ومن سخرية القدر، أنه منح بالأمس أحد علماء البلاد شهادة فقاهة! لم يدَّعها السيد الجليل لنفسه، لورعه وإحاطته بالأُصول التي يجب التزامها في المقام، ومنها التواجد في الحوزة والتلمذ على الأساتذة، ثم إجازتهم له… ولا يرتاب حصيف أنَّ المتحاذق خلعها على الرجل مقدمة لادعائها وتمهيداً لإعلان نفسه مجتهداً، فـ “لأمر جدع قصير أنفه”!

    إنَّ هذا المسكين الذي بدأ مسيرته بالالتفاف على الشهادة الثالثة ومحاولة إسقاطها، ومضى ساعياً لجحد معاجز الأئمة والإزراء بمقاماتهم، وراح في عبث صبياني بالحديث وعلومه، كل ذلك بثقة واختيال وغرور، وسفَه وتهوِّر وغفلة، ورعونة الحدث وطيش المراهقة… هو مجرَّد معنى حرفي لا قيمة مستقلة لشخصه ولا كرامة، شأنه شأن غيره من دعاة الضلال وعناصر الإضلال، عواتق تُرقى وظهور تُركب، قناطر تُجتاز وجسور تُعبر، تأخذ إلى مشروع الغواية الذي يقف خلفه أولياء الشيطان. وهم جميعاً يحملون في الجوهر نفس الخطاب، لكنهم يتفاوتون في مهارة صياغة مفرداته المنبوذة، والتحايل على مقولاته المستهجنة، وإخراج الصورة من قبحها، بما يتجنَّب معوقات تسويقها، وينأى بها عن الردِّ والرفض، فالمؤدى واحد، يفضي إلى الاستخفاف بالتراث والاستهانة بنتاجات أعلام الطائفة وما عليه أساطينها، حتى يبلغ الأمر منهم إسقاط معالم المذهب وخصائصه ومميزاته، وإعادة تشكيله بلغة حديثة وخطاب عصري يطيب للماسون وكل ملعون!

    والحسرة هنا على مؤمنين سذَّج يدعمون هؤلاء ويتبنون مشروعهم “الإصلاحي”، حين يكتشفون أيَّ جمَل أصعدوا المئذنة، ولات حين مندم. أما الأذكياء الخبثاء، الموظفون المكلفون بالدعم، فموعدهم المعاد وقبله القبر، الذي حسبوا لكلِّ شيء، وأغفلوه! وبعد، فلا تعجب من لفيف يحفُّ بهذا، ولا تُؤخذ بجمع يصفِّق لذاك، يكفيك التدبُّر في الأرقام الفلكية من المتابعين والمعجبين التي سجلها غناء الرواديد، فتعرف في أي انحطاط يتخبط العوام وأي سياق يخلق هذا “المجد”!

  • من المؤمنين رجال متشرِّعون يُغرقون في التزام التقية ويبالغون في الحرص على حدودها، يتنكَّرون لكل نشاط ديني عام، ويتجنبون أي ممارسة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يعيشون “يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم”، يحسبون أنها تأمرهم بترك ما تركوا، حتى لا يخوضوا مع الخائضين… وفي المقابل هناك آخرون “رساليُّون”، انخرطوا في الدعوة والبلاغ، نهضوا بـ”قوا أنفسكم وأهليكم”، يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ليكونوا من المفلحين. والملحوظ المشهود في عصرنا الحاضر وزماننا الماثل، أنَّ الأكثرية أو الغالبية باتت في صفِّ الحركيين والدعاة العاملين، دون الساكتين السلبيين، ليُسر الاطِّلاع والتواصل، وسهولة اتخاذ الموقف، وهامش الحرية الذي انتقل إليه المجتمع الإنساني قاطبة، ولا سيما حين لا يتجاوز الأمر تكثير السواد أو التفاعل مع المشاهدات، ونصرة بموافقة وعلامة إعجاب! ولعلهم ينكفئون إذا لوحِقوا، ويتوقفون إذا رُصدوا، فوجدوا أنَّ المشاركة قد تضرُّ بدنياهم!

    ومع هذا وذاك، هناك أمر مُلفت يورث الحيرة ويوجب وقفة تطول، وهو أنَّ الساحة الإيمانية الناشطة، تزدحم بأفراد وجماعات تحمل رؤى مختلفة واهتمامات متنوعة، تمارس النشر وتلاحق الدعوة والدعاية، ولكنك إذا نقَّبت وتحريت، تخلَّصت من إطار العقل الجمعي وخرجت من التلقين الخفي، فدقَّقت النظر وأحسنت القراءة، وجدتها كلها تتجاهل أمراً واحداً بعينه، وتعرض عن قضية خاصة دون سواها! إنهم يتحدثون عن كلِّ شيء في الدين، معالمه وشعائره، عقائده وأحكامه، كلياته وتطبيقاته، انتصاراته وإخفاقاته، عيوبه ومميزاته، إيجابياته وسلبياته، ويتناولون صغير الحوادث وكبيرها، وعظيم الشخصيات وحقيرها… ثم ينتابهم صمت القبور، وينزل بهم سكون دكَّات غسل الموتى، تحمل الجثمان تلو الآخر، وتستقطب المفجوعين الفاقدين، يمدون عليها ويحملون عنها الأحباب، يسكبون الماء ويغسلون، وهي ساكنة سكون الحجر وجموده، لا الجبل الذي قد يمرُّ مرَّ السحاب، وقُل إن شئت سكون الريح في بحر كئيب، كتبت أقداره على سفينة بالتيه!.. لا أحد يتحدث عن دور النظام الإيراني ومكانه من الأزمات التي تعصف بديننا وعقائدنا وبلادنا!

    إن الساحة الإعلامية والثقافية اليوم تتناول جميع القضايا الشيعية، إلا القضية الأكبر والأخطر، التي تشكِّل أُم الفساد، ورأس الفتنة وجذرها! وهذا التغييب يعني أنَّ هؤلاء يمارسون دوراً وينهضون بمهمة، أُوكلت إليهم، هي الإشغال والإلهاء!

    إنَّ مَن يحمل همَّ الحرص على المذهب حقاً، ويناضل لدرء الأخطار عنه صدقاً، يخرج لطلب الإصلاح في المجتمع الشيعي، ويعمل على تقويم الزيغ في الساحة الإيمانية، ثم يعيش وعياً بالأخطار وبصيرة بالمراتب والأولويات… لا يمكنه أن يغفل ويتجاهل دور النظام والمخابرات الإيرانية، ويصمت عنه حتى كأن لا وجود له!

    الإخوة الذين يقرأون ما بين السطور، بل يستطلعون الغيب، يستشعرون خطر عودة النهج الأخباري للحوزة، فيحملون فؤوس الهدم وسيوف الطرح والإسقاط، لا يسلم منهم أصحُّ حديث، ولا تنجو أعلى أسانيد، ولم يخلص من كيدهم حتى الدعاء والتاريخ، فأزروا بالتراث الشيعي وخلَّفوه أسمالاً بالية ومادة للتندر والسخرية.. ثم يدركون بوعيهم وتلتقط بصيرتهم خطر تنامي ظاهرة الغلو، فيميلون على الفضائل والكرامات والمعاجز ميلة ناصب يفتت الحقد كبده، ويأكل الحسد قلبه، ويملأ الحنق والغلُّ صدره، فلا يبقون للمعصوم بقية تميزه عن “صحابة عدول”!…

    كيف خمدت مجسَّاتهم عن استشعار خطر حقيقي يتهدد الحوزة من تدخل الدولة والنفوذ الإيراني؟ كيف غاب عنهم تغيير المناهج وما أفضى إلى السطحية وغياب التعمق، وقتل الإبداع وحقيقة الاجتهاد؟ كيف خفي عليهم دور المخابرات في التوجيه وسوق المسارات لصالح مَن يرسمون له من مرجعيات؟ هل تمدُّد اليعقوبي وانتشاره أمر طبيعي عارض؟ هل بناء المراكز وتشييد المباني وتوغل الدعاة وعناصر الاطلاعات في النجف الأشرف أمر عادي بسيط؟ هل اختراق إدارات العتبات المقدسة وتحويل صحن الحرم الحسيني وسوق أعز الطاقات من شباب الجامعات، سلعة وشرعة لكل وارد، أمر يسير عابر؟ هل الاستحواذ على إدارة التبليغ في أعظم شعيرة حسينية (الأربعينية)، قضية تافهة من الترف الفكري؟! كيف عموا فصموا عن يد المخابرات الإيرانية الممتدة في الحوزة ومناهجها وبعض المرجعيات وإدارتها؟ كيف غلبتهم الغمة عن سلاح يتهدَّد أي مشروع مستقل عن إيران، وقد أفتى المرجع الأعلى بتسليمه للدولة؟! كيف يلتقطون بيان مكتب المرجعية في إرشاد الخطباء، فيكررونه في كل عام وكأنه وحي نزلت به السماء، ثم يتناسون حكم المرجعية في تسليم السلاح وما يفضي إلى استقرار البلاد وخدمة الدين والعباد؟!

    لا ريب في شرف القضايا العلمية التي يثيرونها، وجدارتها بالبحث والتحقيق، فنعرف الحقيقة في حديث الخيط، وفي أُمِّ صاحب الزمان، وفي موقع المسجد الأقصى من العقيدة والإيمان… ولكن مع أمرين وبشرطين: التزام النطاق العلمي والحوزوي، ثم وعي وبصيرة حقيقية، ونباهة وفطنة متفوقة، تدرك أنها، متى أُلقيت بين العامة، لا تعدو قنابل دخانية تريد إلهاء الساحة وإشغالها عن محل البلاء ومركز الفتنة، أي ما يفعله نظام الجمهورية، سواء على صعيد السياسة والمغامرة بمصير الشيعة في العالم، أو العبث بالقضايا العلمية والأُمور العقائدية التي تأخذ الأمة في اللامذهبية، أو نحو مزيج من الزيدية والوهابية المبطنة.

    يا للمسلمين، لا أحد ينهى عن هذا المنكر الأخطر! ولا أحد يعين الوعي بكلمة وينصر المجاهدين بعون ومدد، فإذا تصدَّى جمع للأمر، أشغلوهم بفتن متتالية وبلاءات متلاحقة، وآخرها فتنة الغلو…

    وظاهرة القنابل الدخانية ليست محدثة أو جديدة، سبق في العصر العباسي إشغال الناس بفتنة خلق القرآن، لحقتها فتنة الفلسفة والتصوف، واستمرت سحب الدخان في عصرنا على غير صعيد، فكانت ظاهرة “أبو طبر” في الأمن، وظاهرة مقتدى في السياسة، وقضية الحجاب والصلاة في الشعائر. وبين هؤلاء ينشط القراد العالق بأعقاب الدواب، ينتفض لتصحيح الحديث ونفي الغلو والدفاع عن المرجعية… والسؤال لأدعياء الرجولة والشجاعة والبطولة: لقد تعرض الموقع الإلكتروني للمرجع الأعلى للقرصنة على يد المخابرات الإيرانية، فخُدع معارض واستُدرج إلى العراق للقاء السيد المرجع، ثم خُطف من بغداد وتم إعدامه في طهران، هل هذا العمل المشين يشكل هتكاً للمرجعية، أم تحفظ مؤمنين غيارى على تأبين ضال مضل تلوثت يده بدماء الشيعة في كابل، ونقد رأي شاذ أزرى بالولاية، أصل الأمر وسنامه حين قدَّم عليها الفرع، فرفض الأحرار هذا الضلال؟!

    لا أحد في الإمامية الإثني عشرية يذهب إلى الغلو، وإن كان، فهُم آحاد شواذ، لا يشكِّلون ظاهرة تقتضي هذه الإثارة، تماماً كما هو الحال في القضايا الأخرى المفتعلة كدعوى الزحف على الشوك والزجاج في الشعائر، وترك المعزين الصلاة، وما إلى ذلك من دخان يحجب البصيرة عن رؤية الخطر الحقيقي.

  • لا يمكن لأحد أن يعبِّر عن أميرالمؤمنين والزهراء والسبط الأكبر بالشكل الذي فعله آبق يمتهن الخطابة في البصرة، وإن كان فاسقاً فاجراً أو ملحداً كافراً، اللهم إلا مبغض حاقد، والرجل ليس من النواصب، فكيف تراه فعل ذلك؟ كيف تنعدم الأخلاق بأحدهم حتى يستخدم هذه اللغة السوقية مع أشرف الكائنات؟! كيف يبلغ الابتذال هذي الحدود؟ ممن تلقَّى الصعلوك وأخذ؟ في أي بيئة ترعرع ونشأ، أين تربَّى وتعلَّم؟.. ويأخذنا الاستغراب والاستنكار وتحرِّي الإجابة فيما يأخذ، إلى أن الأمر كالذاتي في وجود بعضهم، يقدم من جبلَّة، لا يسعه تجاوزها ولا يمكنه الخروج عنها! وإن شئت فعبِّر إنَّ الرجل رذل في فطرته، وضيع في نفسه، عاهر ماجن في طبعه، وسلوك البذاءة ذاك ينبع من هذا الأصل المنحط.

    في البصرة دار لحزب الدعوة تديرها القنصلية، تسمى دار الحسين، الحضور فيها محدود والجماعة المنتسبة صغيرة، لكن أموالاً كثيرة تُضخ هناك وإمكانيات ضخمة تبذل في طوابقها الخمسة، جعلت من هذه البؤرة المريبة مركزاً لبث الفكر الملوَّث، ومحطة لنشر الثقافة المسمومة! المادة الشيطانية نفسها التي تريد تسييس الشعائر الحسينية، الخطوة الأولى في إنهائها والقضاء عليها، والسبيل الأكثر تلبيساً في صرف الناس عن أبواب الجنة، وأخذهم إلى مصالح قدَّروها من رؤى استظهروها، باجتهاد يقابل نصوصاً معصومة، وتأويل يحتال على صريح الظاهر والمتبادر. وهنا حفرة كبا فيها كبير مثل الشهيد مطهري، أفلس وعاد راجلاً حافياً بلا خفين ولا نعلين، يجر أذيال الخيبة، يلحقه فرس الخسران بعد سوء الرهان، ناهيك بمحسن الأمين ولائحة ممتدة من الحداثويين الجهلة، وسلسلة متصلة من التغريبيين الحسيين الذين ينسبون أنفسهم لدين العقلنة، حتى انتهى في أيامنا وبلغ أسلاف الزنج وأبناء الغجر في البصرة، ينطلقون من دار تستقطب الأسقاط، توكل إليهم مهاماً وتكاليف لا ينهض بها إلا حثالات، فوقعوا على صعلوك متسكِّع يحملك على استحضار تحذير الصادق عليه السلام: “فإنَّه خلق مشوَّه” و”إذا جاع سرق وإذا شبع فسق”، ويذكِّرك بقول المتنبي: “لا تشتَرِ العبد إلا والعصا معه، إنَّ العبيد لأنجاسٌ مناكيد. ما كنت أحسَبُني أحيا إلى زمن، يُسيء بي فيه عبد وهو محمود”. ولعمري، فالمماليك اليوم لا يسيئون إلى العلماء والأحرار، بل يتطاولون على حرمات الله، وينالون من مقدَّسات الدين!

    دعك عما قاله نيتشه وابن خلدون وغيرهم من الفلاسفة وعلماء الاجتماع في خصائص العبيد وطباعهم، فالإسلام لا ينطلق من رؤية عنصرية، وقد طويت صفحة العبودية، وانتهت مقولة البناء على ما يسكن هذه الأعراق ويُتوارث في “جيناتها”، وباتت الرؤية تذهب إلى خصال وكمالات قد تظهر في “عبد” تبلغ به قمة ما بعدها شيء، وصفات دونية تكون في أحرار، نشأوا في بيوتات وانتسبوا إلى أشرف الطبقات… أبرز هذه الصفات هي الضعة وهوان النفس، وما يحمل على الاستخفاف بالخطوب والعجز عن إدراك المخاطر، فيلبس الصعلوك غير ثوبه، ويركب السافل غير فرسه، ويقحم حقولاً ليس له أن يدنو من أبوابها أو يستشرف آفاقها، ينفِّذ دَوْراً لا يقوم به غيره، وغرضاً لا يؤديه إلا مثله، فلا يهتك الحقيقة شيء مثل أن يتناولها وغد دون، ولا يزري بحملتها شيء مثل أن يباريهم رذل دنيء!

    فلا تعجب من خطيب هذه الدار أو مغنِّيها، إذا رأيته يخوض في قضية غاية في الخطر والخفر، بلُغة السوقية ونباح السلوقية! يتسكَّع أو يمارس رياضة المشي في حقل ألغام، لا عن شجاعة وإقدام، أو مغامرة وجسارة، بل عن هوج وسفَه وضمور عقل وبَلَه، فهو لا يدرك على شفا أي جرف هارٍ يمضي، ولا قبح ما يتناول وتبعات ما يلقي! كمشرَّد نشأ في الغجر، يعتني بكلابهم، لم يعرف في حياته غير الرقص والتحريش، قاده شقاؤه إلى فلاة للأسود وسهب للسباع، وقع ـ من حظه العاثر ـ في باحة الكولوسيوم، وهو لا يميِّز بين الرمح والقصب، ويحسب مقبض السيف ذراع عود والنصل ريشة طنبور!

    لقد عبَّر السافل البائس عن أميرالمؤمنين وسيد الوصيين، نفس رسول الله وصنوه وصهره، بـ”أبو حسيوِن”، تصغير حسن، السبط الأكبر وسيد شباب أهل الجنة، وقال مستحضراً لغة الغجر (الكواولة) وكأنه يحيي حفلة في حي الطرب، عن زواج النورين واقتران بضعة رسول الله وفلذة كبده، بكفؤ لا نظير له، آدم فما دونه، بزواج “من الدعامية للدعامية”!.. لغة الحشو الطغام تلقى من على أعواد، حين يرتقيها رجس أجير لا يميِّز بينها وبين مجرفة يجمع بها الملح من السباخ، أو الدلو الذي تُنزح بها نقرة الكنيف!

    ولك أن تتصوَّر الانحطاط عندما يتناول هذا الوضيع أسماء أبناء أميرالمؤمنين ويفذلك نظرية الوحدة الإسلامية في ضوء سيرته، أو حين ينظِّر لنهضة سيد الشهداء، ويعمد لتحليل الوضع السياسي للمنطقة والعالم، وقراءة معادلة القوى العظمى في زماننا، وما يخلص إليه من أوهام تنقل مستمعيه على بساط الريح، يجولون في آفاق دولة الإسلام وجمهوريته الظافرة، مصوِّراً أنَّ الصولة والجولة والكلمة العليا في المنطقة لها، والبساط ما برح حلس داره! لا يشعر الفدم بالأزمة المالية والتردِّي الاقتصادي، فمخصصاته لم تنقطع بعد، ولا يأبه بالتفسُّخ الأخلاقي والضياع القيَمي، فلا غيرة هنا تُستثار ولا إحساس ينفعل، ولا يعي العلج الانهيار السياسي الذي يتهرب من استفتاء عام يرقب رأي الشعب في النظام، فغمامة حصان العربة تبقيه في دربه، يجرُّ أحماله أو ينقل ركَّابه، يحدِّد اللجام اتجاهه، فإن تباطأ أتاه السوط يلسع ظهره فيقوِّمه. لذا تراه يحسب القوة في صواريخ مدَّخرة في مرابضها، حتى إذا انطلقت يوماً لتضرب “عين الأسد”، أخطرت عدوها ونبهته ليخلي الهدف، فيتحوَّل المشهد إلى حفلة مفرقعات وألعاب نارية! ويظن السلطة والمُكنة في شغب وفوضى تحدثها إيران في لبنان والعراق وغزة واليمن والبحرين، حتى إذا رُدَّت عليها الصفعة وكالوها بمكيالها ورموها بدائها، اضطربت بمظاهرات أسقطت هيبة النظام وتراجعت شعبيته إلى نطاق جعل المرشد يشكو تزلزل رجاله ويندب تفرقهم من حوله! فعلمت أنَّ القوة والوجود ليس فيما تتوهم، وراحت تستجدي العلاقات مع أعداء الأمس، وتلتمس مخرجاً تلتقط فيه أنفاسها، فتنجو من الغرق!

    الرجل يباهي بالنفوذ والحضور الإيراني في بلاده، ويفخر بإنجازات الجمهورية الإسلامية، ويصوِّر الواقع القائم انتصاراً لها، غافلاً عن فِراشٍ عجزت حربٌ دامت ثماني سنوات طاحنة عن نسجه، بسطته أمريكا لها في العراق وهي تقتلع البعث وتزيح صداماً، ومدَّت لها آخر أفغانستان، حين أزالت طالبان القاعدة، فلما أساء الإخوة التصرُّف ولم يحسنوا الشكر والامتنان، أعادت طالبان بصيغة جديدة تعتمد المذهب الحنفي بدل الوهابي.

    إذا كان العلج يتمتع أو يحمل عُشر دعواه من الشجاعة والرجولة، فليلق هراءه هذا في طهران أو إصفهان أو شيراز أو تبريز، بل حتى في قم ومشهد؟! ولنا أن نرقى ونصعد بالتحدِّي إلى مجرَّد الجرأة على التجوال بعمامته في إحدى هذه المدن! ناهيك بإلقاء خطاباته البصرية، التي ستُقابل هناك بقذف الأحذية والرجم بحجارة الزناة!..

    من الجلي الواضح أنَّ الصعلوك في معايير الفعل وميزان التأثير هو صفر كبير، لكن لربما قارف الذنب الجليل حقير. مرة أُخرى: ولولا الضرورة لم آته، وعند الضرورة آتي الكنيف.

  • حتى نكون على بصيرة من أمرنا في هذه الحرب المحتدمة، وبيِّنة من معاركها الضارية المتلاحقة، نعرف مواضع أقدامنا ومواقع اصطفافنا، وندرك نطاق فعلنا ومدى تأثيرنا، علينا أن نعي حقيقة قد تغيب في خضم التفاعل والحماس، ويُغفل عنها في غمار الإقدام وحمَّى الاندفاع… وهي أنَّ الإعلام القائم والحاكم في عصرنا هو ميدانهم، والنشر والدعاية والترويج ساحتهم، الأجهزة والمعدات من صنعهم، والأدوات في ملكهم، والوسائل والقنوات تحت سيطرتهم، لا يفسحون إلا لمن معهم، ولا يوسِّعون إلا لخدامهم. بل حتى المادة الإعلامية، التي لم تعد شعراً وحكمة أو قصة ومقامة، وصارت فيلماً سينمائياً ومسلسلاً تلفزيونياً وبحوثاً تحقيقية ودراسات وثائقية، وضروباً أخرى من الفن، باتت لهم، وغدوا هم أبطالها…

    من هنا، فإنَّ أي طفرة حادة في شعبية رجل، أي تصاعد شديد في أعداد متابعيه ومعجبيه، أي رواج لشخصية دينية، لا يكون إلا عن توافق واحتضان، وهو مؤشر على دعم خفي وإسناد شيطاني. والقدر المتيقن، أن علينا التوقف والتدبُّر في أسباب الصيت والانتشار، وأسرار الرواج والشهرة التي يحظى بها أحدهم دون أقرانه؟ فإذا بحثت ونقَّبت وجدت أنَّه ابن تلك المدارس والتيارات، وسليل تلك الأحزاب والمنظمات، أو أنه يمضي في خدمتهم ولصالح مشروعهم! إنَّ القنوات الفضائية التي تحسبها شيعية، والمؤسسات والمنظمات والمراكز الدينية الناشطة في الساحة الإعلامية، كلها مخترقة، إن لم تكن ساقطة من رأسها وقائمة على أيديهم من أصلها. حتى إدارة بعض المواقع المقدَّسة كالعتبات العاليات لمراقد الأئمة عليهم السلام، هي مخترقة، تحتضن الأعداء وتتبنى الضلال وتغطي أربابه!

    أمام هذا المدِّ الغامر الكاسح والفضاء الملبَّد الكالح، علينا أن نعرف حجمنا ونعي دورنا، لا نتوهم الندية ولا نتصوَّر في أنفسنا القوة والشدَّة، اللهم إلا بمكان الرهان على المدد الغيبي والنصرة الإلهية، نخوض المعركة بإخلاص، من منطلق أداء التكليف وإفراغ الذمة والسعي لنيل شرف الدفاع عن الحق، واليقين بأن الثمرة والنتيجة هي في يوم الحساب والكتاب والميزان، لا في الدنيا ومتعلقاتها، كل ما هناك، أننا بهذا النزر اليسير الذي لا يعدو تغريدات ومقالات وكتباً ومجالس وزيارات، نرجو أن نُسجَّل في مَن انتصر الله بهم لدينه ولم يستبدل بهم غيرهم، أما حقيقة النصر، وأصل بقاء الدين وحفظ المذهب والذود عن تراثه، ودفع الزيف والتحريف عنه، واستمرار نقائه وأصالته، فأمر غيبي، يتولاه المولى من الناحية المقدسة، هو الذي يدير المعركة من هناك، ويتدخَّل متى اقتضت الحاجة ودعت الضرورة، يرسل جنده ومدده من ملائكة مردفين وجن صالحين، وآيات أخرى لا توفر حتى تسخير الطغاة وبطش الظالمين!

    علينا أن نعي طبيعة المعركة، ولا نغفل عن مرتكزها: تضييع الحق وتغييبه، عبر الحصار والإقصاء والتهميش، وكل ما يصرف الناس عنه، وعن رجاله وعلمائه وحملته والصادحين به… ما زال العدو يعمد إلى المُكاء والتصدية، للتشويش والتخليط على صوت الحق، ويلجأ إلى العُري والإباحية لهتك حرمة المقدسات، وإن اختلفت الذرائع والمبرِّرات، وتفاوتت الوسائل والطرُق، فكانت في صدر الدعوة بالصلاة عرايا، وهي اليوم بدعوى الحريات والحداثة والتطوير، والتنقية والتصحيح والتنزيه!.. ما زالوا يحاصرون المؤمنين ويصدُّون عن الدين، يدسون القطن في آذان الناس، ويغطون بالغمائم عيونهم، تماماً كما كانوا في بدايات الدعوة، مهدها وأيامها الأولى… وفي الرواية أنَّ أسعد بن زرارة وذكوان بن عبد قيس قدما مكة، في موسم من مواسم العرب، وهما من الخزرج، وكان بين الأوس والخزرج حرب بقوا فيها دهراً طويلاً، وكانوا لا يضعون السلاح لا بليل ولا نهار، فخرج أسعد وذكوان إلى مكة يسألان الحلف على الأوس. وكان أسعد بن زرارة صديقاً لعتبة بن ربيعة، فنزل عليه، وقصَّ عليه ما جاء من أجله. فقال عتبة بن ربيعة في جوابه: بعدت دارنا من داركم، ولنا شغلٌ لا نتفرغ لشيء. قال أسعد: وما شغَلكم وأنتم في حرَمكم وأمنكم؟ قال عتبة: خرج فينا رجُل يدَّعي أنه رسول الله، سفَّه أحلامنا، وسبَّ آلهتنا، وأفسد شبابنا، وفرَّق جماعتنا. فقال له أسعد: هو منكم؟ قال: ابن عبدالله بن عبدالمطلب، من أوسطنا شرفاً (من توسط الرئيس المجلس في قومه، فيكون الوسط هو الصدر، لا ما يكون بين الأعلى والأدنى)، وأعظمنا بيتاً. فلمَّا سمع أسعد وذكوان ذلك، أخذا يفكِّران فيه، ووقع في قلبهما ما كانا يسمعانه من اليهود، أنَّ هذا أوانُ نبي يخرج بمكة يكون مُهاجَره بالمدينة. فقال أسعد: أين هو؟ قال عتبة: جالس في الحِجر (حجر إسماعيل) وأنهم (أي المسلمون) لا يخرجون من شِعبهم إلا في المواسم. فلا تسمع منه، ولا تكلِّمه، فإنَّه ساحر يسحرك بكلامه. وكان هذا في وقت محاصرة بني هاشم في الشِّعب. فقال أسعد لعتبة: فكيف أصنع، وأنا مُحرم للعمرة، لا بدَّ لي أن أطوف بالبيت؟ قال: ضَع في أُذنيك القطن! فدخل أسعد المسجد، وقد حشا أُذنيه بالقطن، فطافَ بالبيت ورسول الله جالس في الحجر مع قوم من بني هاشم، فنظر إليه نظرة فجازه. فلمَّا كان في الشوط الثاني قال في نفسه: ما أجد أجهَل منِّي، أيكون مثل هذا الحديثُ بمكة فلا أتعرَّفه حتى أرجع إلى قومي فأُخبرهم؟ فأخذ القطن من أُذنيه ورمى به، وقال لرسول الله صلى الله عليه وآله: أنعِم صباحاً. فرفع رسولُ الله صلى الله عليه وآله رأسه إليه، وقال: قد أبدَلنا الله به ما هو أحسن من هذا، تحية أهل الجنة، السلام عليكم. فقال له أسعد: إلامَ تدعو يا محمد؟ قال النبي صلى الله عليه وآله: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأنِّي رسول الله، وأدعوكم “ألا تُشْرِكُوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ولا تقتلُوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإيَّاهم ولا تقرَبوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النَّفسَ التي حرَّمَ الله إلا بالحق ذلكُم وصَّاكُم به لعلَّكُم تعقِلُون، ولا تَقرَبوا مالَ اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتَّى يبلغ أشُدَّهُ وأوْفُوا الكَيْل والميزانَ بالقسط لا نُكَلِّف نفساً إلا وُسعَهَا وإذا قلتم فاعْدِلوا ولو كان ذا قُربى وبعهد الله أوْفُوا ذلكم وصَّاكُم به لعلَّكُم تذكَّرون”. فلمَّا سمع أسعد هذا قال له: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّك رسول الله. يا رسول الله بأبي أنت وأُمي، أنا من أهل يثرب من الخزرج، وبيننا وبين أُخوتنا من الأوس حبال مقطوعة، فإن وصَلَها الله بك، ولا أجدُ أعزَّ منك، ومعي رجلٌ من قومي، فإن دخل في هذا الأمر رجوت أن يتمِّم الله لنا أمرَنا فيك. والله يا رسول الله، لقد كنُّا نسمع من اليهود خبَرك، يبشروننا بمخرجك، ويخبروننا بصفتك، وأرجو أن تكون دارنا دار هجرتك وعندنا مقامك فقد أعلمنا اليهودُ ذلك، فالحمد لله الذي ساقني إليك، والله ما جئتُ إلا لنطلب الحلفَ على قومنا، وقد آتانا الله بأفضل ممَّا أتيتُ له. ثم أسلم رفيقُ أسعد ذكوان أيضاً.

    إنها المقادير ويد الغيب، التي أزالت القطن من أُذن أسعد وصاحبه، وإلا فالحرب الإعلامية والحصار والغلبة والمكنة هي لحزب الشيطان وأوليائه، كانت، وهي كائنة، وستبقى كذلك إلى يوم الظهور الشريف…

    أيُّ سعي لركوب موجات الإعلام، أيُّ تطلُّع لأداء يحقِّق “الترند” في وسائل التواصل الاجتماعي، أيُّ تكالب على حصد أكبر عدد من المشاهدين والمتابعين في الفضائيات والإذاعات، هو مطيَّة شيطانية تحمل صاحبها إلى الهلاك، والبلاء أنه سيأخذ معه المعجبين به ويسقطهم في الهاوية التي يتدهور فيها!

    وكذا قد يتوغل عامل للحق وينجح في تسخير شبكات الإعلام ووسائله وقنواته، لصالح عقيدته ورسالته، لكنه لن يلبث أن ينكشف ويُرصد كنشاز نافر نابٍ، لذا سيُحجَّم ويُلفظ سريعاً وينبذ عاجلاً، ويعود الضلاليون للعلو والسبق والتربع على عرشهم من جديد، ولن يتركوا هذا المخترق حتى يحتلبوه ويكلِّفوه دفع ثمن.

    لقد وقع في هذا الخطأ وعثر في هذا المطب، بل سقط في هذه الكناسة وانغمس في هذا الوضر، بعض الرواديد والخطباء، وكذا طلبة صغار تهالكوا على الظهور واستماتوا على الشهرة، تسرَّعوا وتعجَّلوا، فلم يكن لهم بدٌّ من الشذوذ اللافت، والانحراف الجاذب، حتى أعادوا صياغة رسائل ضلال سابقة لفضل الله والحيدري وحب الله، ومن قبلهم شريعتي والبرقعي وحكمي زادة وسنگلجي، بخطاب يوهم العوام بأصالة مزيفة وعلم مدَّعىً، فاحتضنهم وسوَّق لهم الشيطان، ورفعتهم محطات ومواقع الإعلام… ولحقهم العوام!

    أخطر ما يواجهنا في الحرب الإعلامية، توهُّم المؤمن العامل أنَّ النصر في تضخم أرقام المتابعين وزيادة أعداد المشاهدين، ما يحمله على السعي للكسب والعمل للجذب، وإغماض الحق ليرضي هذا ويستميل ذاك. والخطر الآخر أن يحسب في ورم النفوس المريضة وتضخم الأرواح السقيمة، قيمة، ويظن أنَّ معيار النجاح ومؤشر الفلاح هو التفاف الجموع وإقبال الناس، وتحقيق الشهرة والنجومية، وكل ذلك من حطام الدنيا، وفي الحديث “يا أبا ذر، والذي نفس محمد بيده لو أن الدنيا كانت تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر والفاجر منها شربة من ماء”.

  • يتفق العقلاء ويتسالم العلماء على اختلاف حقولهم وتخصصاتهم، أنَّ التطوُّر والارتقاء الذي ينشده كل علم ويتوخاه كل فنٍّ وصناعة، لا يبلغ أوجه ومداه فينتج حضارة، إلا بالتداول والانتقال، توارث المعارف بين الأجيال، وحمل العلوم إلى الأُمم، وأنَّ عملية النقل هذه هي من أسمى أهداف العلم وأعز أسبابه، ولا سبيل للبناء والارتقاء دونها، وستتوقف ـ عند توقفها ـ عجلة إعمار الأرض وتقدُّم الإنسان. ومن أهم سُبل انتقال المعارف واتصال العلوم، التسالم على التراث والبناء عليه، كمنطلق وأساس، سواء في مرتكزات التطوير أو في المحفوظ التاريخي. وإذا كان التثبُّت من حقيقة مخرجات العلوم التجريبية ميسوراً، لطبيعتها الحسية وإمكانية البحث فيها والتحقُّق منها، فإنَّ الأمر في العلوم الإنسانية ليس كذلك… ومع ذلك، تجدهم ارتكزوا فيها على التسالم أيضاً، وعمدوا لإغلاق باب الطعن والتشكيك الذي لا يورث إلا “الظن”، اللهم إلا فيما يفضي إلى أدلَّة باتة تنفي، وحجج قاطعة تلغي، وإلا فهو عبث وهدر للوقت وتبديد للطاقة والجهد، فالحياة قائمة على هذا التسالم، والبشرية ماضية عليه، آخذة به في بناء الحاضر وتطويره نحو قادم أكثر زهرة وألقاً. فما نعرفه عن البدايات في العصور الحجرية، إلى العصور التاريخية المقترنة بالكتابة والمدنيات المفقودة، حتى حضارات الهند والصين واليابان، وفارس واليونان، فالرومان والمسيحية وعصر الإيمان، إلى عصر النهضة والإصلاح، فالعصر الحديث، كل هذه الحقب والأزمان وما أفرزته من حضارات، يتم تلقيها عبر التسالم بما كان منها وجرى فيها، لا أحد يشكك في حروب الفايكنغ أو مخاضات العصر الفلورنسي ومعطيات الثورة الصناعية، وإذا كانت الآثار تشهد على ما بلغته الهندسة والعمارة والطب والتعدين، فلا محسوسات تثبت أعيان العلماء، ناهيك بنسبة النتاجات إليهم، وكذا الأمر في العلوم الإنسانية، ومع ذلك لا أحد يشكك في شخص فولتير وروسو وهيغل وكانط، ولا في كتبهم وآرائهم، سواء المنقطع تواترها عنَّا والأخرى المتصل، فـ “الأمير” كتاب لميكافيل، و”روح القانون” لمونتيسكيو، و”الجيوكندا” من أعمال دافنشي، و”فاوست” لجوتيه، و”الأوديسة والإلياذة” لهومر، و”الجريمة والعقاب” لدوستويفيسكي، و”الحرب والسلام” لتولستوي، و”هاملت” لشكسبير، و”الكوميديا الإلهية” لدانتي… هكذا ”القانون” و”الشفاء” و”الإشارات” هي لابن سينا، و”الحاوي” للرازي، و”تهافت التهافت” لابن رشد، و”المستصفى” للغزالي، و”الأسفار” لملا صدرا.

    هذه كتبهم وآثارهم، تحمل آراءهم، على هذا بنى العلماء وعليه ارتكزوا، لم يُلتفت إلى دراسات هنا وبحوث هناك حاولت التشكيك والتضعيف، وإثارة ما يعيق اعتمادها والبناء عليها، وقد تجاهل الوسط العلمي التخصصي كل ما ينتهي لهدم التراث. ومن التناقض والتهافت أنَّ الجهات العلمية أو السياسية التي تقف وراء هذه التضعيفات والتشكيكات، إنما تهدف إلى هدم الموروث وتغيير التاريخ وصنع تراث جديد (يوافق هواها)، تريد له، في المدى البعيد، بعد القريب الماثل، أن يُدرِج وجودها الفكري والعقائدي كتُراث ومسلَّمات للأجيال القادمة، ويكون مرتكزاً لتلقي العلوم والمعارف لعصرنا وما يلينا!

    وحقيقة تلقِّي العلوم من العهود الماضية والتسالم على التراث، تكاد تكون بديهة لا يختلف عليها عاقلان. فهذه وسائل الإعلام تضج بمقدار هائل من الأخبار، ومواقع التواصل تتخم بما لا يحصى من معلومات تشكِّك بعلوم الطب والصحة والكيمياء والغذاء، وتطعن بمنظومة التربية والتعليم، وتنال من الواقع السياسي والنظام المالي والاقتصادي، تطرحها في سياق إبطال الأدلَّة أو غلبة الفساد أو نظرية المؤامرة، وما يقدُم من خلفية هيمنة قوى خفية على المال والاقتصاد، تسعى للتحكُّم بالإنسان والسيطرة التامة عليه. هناك كثيرون يتداولون هذه الأخبار ويتناقلون تلك المعلومات، يتبنون بعضها فيحملونه وينشرونه… لكن لا أحد من هؤلاء يرتب عليها أثراً، فيمنع أبناءه عن المدارس، أو يعزف عن الدواء الموصوف وعن بروتوكول العلاج المطبَّق في المستشفيات، فيعرض عن جراحة تستأصل زائدة دودية يئن من ألم التهابها، أو يكف عن حُقن أنسولين تعدِّل نسبة السكر في دمه، أو يتخلى عن بطارية تنظِّم ضربات قلبه، كل ذلك لصالح خلطات الزنجبيل والكركم، وعصارة أعواد القرفة والحبة السوداء المعجون بالعسل! فالناس ينساقون مع الواقع الماثل، يلتزمونه ويعيشونه، على الرغم من عدم إيمانهم التام ويقينهم المطلق به، يودعون أموالهم البنوك، وينخرطون في النظام التجاري، ويلتزمون الإجراءات والأنظمة المعيشية المعمول بها، ويمتثلون للواقع السائد… ذلك لأن المعلومات المتداولة عن فساده وخطره، والأخبار المنقولة عن بطلانه وخطئه، تبقى في إطار الظن، لا تورث علماً يقارع الماثل، ولا تحقِّق يقيناً ينقض القائم السائد، ولا تغني من الحق شيئاً.

    هكذا تمضي الحياة وتجري أسباب العيش، لا أحد يبني على أُمور ظنية، والتضعيفات والتشكيكات طُرّاً ظنيات ما لم ترقَ إلى أدلة حسيَّة أو براهين عقلية. هناك واقع فرض نفسه في حقله وميدانه، لا يمكن نقضه بظنون. هكذا يتعاطى العلم مع التاريخ، ولا سيما الذي تم تسجيله وتوثيقه، باتت مدوناته هي الأصل الذي لا تنقضه تشكيكات تخلقها تحليلات وأخبار من هنا وهناك، مع العلم أن لا أحد يثق بمدوني التاريخ وموثِّقي حوادثه، لا بصدقهم ونزاهتهم، ناهيك بموضوعيتهم، وكذا الأمر مع دور النشر التي أصدرت الكتب العلمية والمصنفات الفنية، والمطابع التي استنسختها… ومع ذلك يجري التعامل الأكاديمي مع المادة التي قدَّمتها وخلَّفتها بالتسالم والتوافق، والاعتماد والاعتبار.

    وهكذا هو الأمر في تراثنا الديني، ولا سيما الأحاديث الشريفة التي بلغتنا عن أئمة الهدى، موروث قدَّم السلف الصالح تضحيات كبيرة وبذل أثماناً غالية في جمعه وتدوينه، وصرف جهوداً مضنية لتنقيته وتهذيبه، ثم تصنيفه وتبويبه… وعلى هذا ارتكزت معارفنا ونهضت علومنا وقامت حضارتنا. أجراها أئمتنا بحاراً زاخرة من أنوارهم، وفجَّروها عيوناً متدفقة من فيضهم، تلقَّاها الأصحاب ودوَّنوها وضبطوها، فكانت الأُصول الأربعمئة، كتبٌ وأسفار جمعت تراثاً امتد من صدر الإسلام حتى بدايات عصر الغيبة الكبرى أواسط القرن الثالث، لتبدأ بعد ذلك مرحلة التنقية والتصفية والتنقيح، ثم التبويب والتأليف، التهذيب من الشوائب، طرح المدسوس وحذف المكذوب، واعتماد مجموع شكَّل تراث أهل البيت، فكانت الكتب الأربعة، ومعها مصنفات لا تقل مكانة وخطراً، مثل محاسن البرقي واحتجاج الطبرسي وكامل الزيارات وبصائر الدرجات ونهج البلاغة، وبقية كتب الصدوق والطوسي والمفيد وأماليهم، ولحقتها موسوعات البحار والعوالم والوسائل وغيرها، استدركت ما فات وتلاحقت ما سقط. هكذا تلقَّى العلماء هذا الكنز الثمين بالتسالم، وتعاطوا مع هذا التراث العظيم بالتسليم، أنزلوه أحداقهم وبذلوا في سبيل حفظه أرواحهم، وما زالوا على هذا إلى عهدنا القريب.

    ولم تخلُ المسيرة من شيطنات وجهالات، بعناوين بحوث ودراسات، تهدم وتضيِّع وتسقط ما طاب لها، سواء لشيطنة وضلال سعى للخلط بين آلية الاستنباط الفقهي وعملية البناء المعرفي، وموقع التراث في هذا وذاك، أو لسخف وسفاهة وعبث أقحم الصعاليك في هذا الميدان، فإذا واجهت بعضهم نصوص وأحاديث عجزوا عن فهمها، وضاقت صدورهم عن استيعابها، طرحوها زاعمين مخالفتها العقل! ومع أن التطوُّر العلمي فتح آفاقاً لفهم مثل تلك النصوص، ألا أن الحراك السياسي والأيدي الخفية التي تتولى الأُمور وتدبرها، وجَّهت الأنظار إلى التخلُّف الذي يعيشه المسلمون والعجز الذي يعانون، وأرجعته إلى الأصالة والتمسُّك بالتراث، وقد اشتد هذا الحراك وشكَّل ظاهرة مطردة مع تطوُّر العلوم التجريبية والنهضة الصناعية في الغرب، وما صاحبها من ثقافة “العقل” الذي يصارع الإيمان.

    حتى صرنا في أيامنا هذه نواجه حراكاً منظَّماً على الصعيد الإعلامي، وإن زعم لنفسه صفة العلمية، يقوم على أثافي الضلال الثلاث: الحركة الإسلامية (الأحزاب الدينية في مختلف بلاد الشيعة)، جامعة المصطفى (البديل الحكومي عن الحوزة)، “حوزة الأطهار” في قم… أفرز تيار “تصحيح الحديث”. تيار يرجع في عمقه الفكري كما في سطحه التنظيمي، إلى نظام الإخوان المسلمين في إيران، المحتَضن عالمياً، والمرضي عنه ماسونياً، ولا تغرَّنك المناوشات، فهي صراع على الحصص لا يعني نفي الدخول وعدم الالتحاق بالمنظومة والخضوع لها.

    يعتبر التيار صيغة مطوَّرة لحركة الحداثة والتطوير الديني، وإصدار حديث للصدمة التي افتعلها فضل الله والحيدري، ومن الملحوظ في هذا الجديد شبابية عناصره، وحداثة العاملين فيه، فجُلهم من مراهقي العلم والشباب اليافع، سواء العملاء المباشرين للنظام، أم المنخدعين الذين يخدمونه من حيث لا يدرون. واللافت في عملية الإغواء التي يمارسونها، أنَّ جلَّ رواده ورموزه، يعمدون في كسب الشعبية وتحقيق النجومية، خوض معارك صاخبة مع المخالفين أو الملحدين، أو الانخراط في مواقع المقاومة والجهاد، ومن هناك ينعطف كلٌّ في درب وطريق، هذا يشكِّك بالعقائد ومقامات الأئمة الأطهار، يرمي الشيعة بالغلو، وذاك يطعن بالشعائر والسيرة الحسينية، والمجموع يعمل على إسقاط الحديث وهدم التراث، ونقض عرى الحوزة العلمية وتقويض أُسس بناء المعارف الدينية، حتى بلغ الأمر أن امرأة من العاملات مع القوم، تدير مجموعة تواصل (وتساب) نسائية، ردَّت حديث رسول الله في أميرالمؤمنين: “يا أبا الحسن مثلك في أُمتي مثل قل هو الله أحد”، تزعم أن راوي الحديث هو الحافظ البرسي، وأنه يعدُّ من الغلاة (هكذا!)، وتمضي في تفنيد الدلالة بما يسقط الفضيلة والكرامة. والحال أنَّ الحديث رواه الصدوق في فضائل الأشهر الثلاثة وروى الفتال النيشابوري مثله في روضة الواعظين، والبرقي في المحاسن، والقاضي النعمان في شرح الأخبار، وعلَّق عليه جملة من العلماء منهم العلامة الحلي في كشف اليقين والمجلسي في البحار، ثم تأتي أمرأة لا تعرف الهرَّ من البرِّ فتسقط حديثاً وتجحد فضيلة.. وهذا مثال لواقع مزرٍ استطاعوا خلقه في الساحة الإيمانية!

    إنَّ الاسلام ليس صلاة وصياماً وحجاً فحسب، إنه مشروع حضاري ونسيج متكامل يمثل الرسالة الإلهية الخاتمة والدين الوارث، إنه منظومة واحدة تُلحق الفكر بالفقه والعقيدة بالأحكام، وتقوم على التفسير والحديث والتاريخ والسيرة والأخلاق والدعاء، ولو أُعمل التشكيك بالأسانيد، وأُسقط التراث، لانهارت المنظومة ولم يبق منها شيء! ولن تشفع للحمقى والمستغفلين صكوك “براءة” يصدرها شيطان مَريد مثل حيدر حب الله وهو يتساءل: “ماذا أصنع إذا لم يثبت عندي”!.. إنَّ الأداء الذي يمضي فيه القوم سيأخذ الدين وأتباعه إلى حيث يسحقون جميعاً تحت مدحلة العلمانية والإباحية وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

    ليست القضية في إسقاط معجزة الخيط وما يفعله الغزي والغزاوي، ولا في تلبيس هوية والدة إمام الزمان مما يقوم به الأحمدان الكاتب وسلمان، ولا التشكيك بدعاء الجوشن الذي تلوكه ألسنة العوام، ولا الطعن في السيرة والشعائر الحسينية الذي صار حرفة كل بغل وأتان، هذه رؤوس جسور، ونوابض تقرأ المطبات، ومجسَّات تستشعر الحواجز، فإذا وجدت المقاومة ضعيفة، وكانت الطريق سالكة، والقدرة على تخطي العقبات موجودة، انتقلت إلى أهداف عميقة تطال العقيدة السياسية التي تأخذ الإمامية إلى زيدية، والإيمان إلى مادية حسيَّة، والتسليم إلى عقلنة وجدلية، حتى تمحق الهوية الشيعية وتسقطها لصالح اللامذهبية!

    الصراع أكبر مما يظهر، وبعض المغرَّر بهم من الملتحقين بتيار التصحيح يجهلون أبعاد القضية ويعيشون أُفقاً محدوداً ونطاقاً ضيفاً لا يوفر لهم رؤية شمولية تمكِّنهم من استيعاب ما يجري وهضم ما يتناولون وإدراك ما يفعلون، لم يسبق لهم العمل في الحركة الإسلامية، وليست لهم خبرة سياسية، ولا عرفوا أحابيل هذا الميدان وأساليب الإخوان.. يحركون الغلاة، أو سفهاء يحكون دورهم، ثم يهاجمون الغلو! يؤسسون هيئات حسينية تعبث بالشعائر ثم يهاجمون العبث بالشعائر!يتبنون الفردوسي وحافظ الشيرازي، ويحتضنون الخطاب القومي ثم يحاربون القوميين! يزرعون ويرعون من يفتك بالحوزة والمرجعية، ثم يدينون فعلتهم!

    ولو صدق الملتحقون بهذا التيار في نزاهة أنفسهم وسلامة دعواهم، لالتفتوا إلى البلاء والمحنة التي يعيشون، وكيف أنهم يهدمون آخرتهم قبل أن ينالوا من المذهب أو ينجحوا في هزِّ أركانه وقلب كيانه! ولكفى في ردعهم عن الفوضى التي يبثون في الساحة التدبر فيما نقله السيد الخوئي عن أُستاذ الفقهاء والمراجع العظام، الميرزا النائيني “إن المناقشة في إسناد روايات الكافي حرفة العاجز”. (معجم رجال الحديث السيد الخوئي ج1 ص81). وكذا ما قاله الرجالي الضليع آغا بزرك الطهراني في التسالم على التراث (كما في محاضرات الشيخ السند الثرية)، ثم بيان السيد محمد سعيد الحكيم (في “من وحي الطف” ص77) في نفس الباب.

    بل لكفاهم أصل حاكم هنا، هو أن التضعيفات كلها حدسية لا حسية، فلا يكون لها أي اعتبار، وأن التوثيقات حجة بخلاف التضعيفات المبنية على آراء ونقولات تفتقر البينات. وكثيراً ما كنت أسمع أحد الفقهاء الضليعين في علم الحديث والرجال يكرر: “الأصل في التضعيفات الضعف”، وكنت أتساءل كيف خلص إلى هذا فأسس عليه قاعدة وأرسى أصلاً؟ حتى عرفت أنه رأي أعلام آخرين، وهو الذي كان سائداً مدى تاريخ حوزاتنا حتى عهد قريب، بل هو القول السديد الذي ترشد إليه سيرة العقلاء.

    هذه دعوة مخلصة للمؤمنين الملتزمين المتشرعين، الذين تورَّطوا باللحاق بهذا التيار، عن جهل أو غفلة، في ساعة طيش أو فورة، لإصلاح حالهم وإرجاع تصحيح أسانيد الحديث لموقعه الأصلي ووضعه الطبيعي، حصره في العلماء المتخصصين والفقهاء المتبحرين، الذين يعرفون مكانه ونطاقه ويدرجونه في مواضعه. حتى لا يؤخذ الدين وتبنى المعارف الإلهية إلا من كل مؤتمن مُسنٍّ في حبهم، كثير قدم في أمرهم، سابق في الحرص على تراثهم. وقصر أيدي المتطفلين الأغرار، بل قطعها عن التطاول وقد تمادت حتى العبث والسفاهة، وغرَّرت حتى الابتداع والغواية.

    هذا دبٌّ ولج مخزن الفخار يبحث عن خم العسل، والقضية ليست رياضيات تحكم بحاصل جمع عددين، ولا هي طبيعية وجدانية كإدراك المرء وجوده أو حاله ومكانه، بل هي نظرية تتحرك وتدور في إطار عريض من الاحتمالات، يفتقر الوصول إلى حكم فيها إلى الفراغ من مقدمات، على رأسها بلوغ ملكة الفقاهة والقدرة على فهم معاريض الكلام ولحن القول والمراد الجدي، ما يتطلب عشرات السنين من التفرغ العلمي وجهوداً مضنية من التعمُّق والبحث المتراكم الذي يولد خبرة… ما زلت أبحث عن شعرة بيضاء في وجه هذا وذاك، فلا أجد إلا السواد.

  • في بداية السبعينات من القرن الماضي، انشقَّت جماعة من حزب الدعوة، أخذت عليه تواضع مستواه الفكري وضعف مبانيه العلمية، وتأثره الشديد بالآخر، وغلبة اللامذهبية أو مسحة التسنن عليه، مما كان مشهوداً في فقر ولائياته، وميوعة هويته الشيعية لصالح الإسلامية، وتنكُّره لعلماء الدين واستخفافه بالحوزة والمرجعية… في التسعينات، انتهى أمر هذا الانشقاق بموقف لسامي البدري، أحد أبرز قادته، أعلنه في ندوة أُقيمت في لندن، ذهب فيها إلى أنَّ ولاية أميرالمؤمنين التي أخذ رسول الله البيعة عليها في الغدير، كانت خياراً قدَّمه للأُمة، مجرَّد ترشيح وترجيح منه، ولم تكن تعييناً مُلزماً من الله تعالى. ولما ضجَّ المؤمنون من مقولته وهاجموه ووبَّخوه، قال إنه استقاها من مرتضى العسكري، فكان كمن عمد لإخماد الحريق بصبِّ الزيت! الغريب الملفت، أنَّ هذا “القائد” كان من عائلة مستبصرة من أهالي سامراء!

    اليوم تعاودنا حمَّى شبيهة تقدم من غزَّة، يقودها أيضاً مستبصر ويذكيها آخر، استيقظ الأول على معضلة “كبرى” يعيشها الشيعة، هي بناء عقيدتهم على أحاديث ضعيفة أو موضوعة، فآلى الصنديد على نفسه إرشادهم وتقويم زيغهم، فقأ في وجهه كحبِّ الرمان من معجزة أو كرامة لآل محمد، فقحم الميدان ليبطلها ويفنِّدها، ويثبت أنَّ المدينة المنوَّرة لم تشهد في عهد الإمام زين العابدين هزَّة أو زلزالاً أحدثه خيط حرَّكه ابنه الباقر! وراح الثاني يصحِّح عقائدنا، ويعلِّمنا مَن تكون والدة إمام زماننا، وأنها ليست ابنة قيصر الروم ولا سليلة شمعون!

    وفي نوبات هذه السخونة ونزلاتها، ترى مَن لا يعقلون لأميرالمؤمنين خطاباً، فيحكمون ـ جازمين ـ ببطلان نسبته إليه! لا لخلل في سنده وسقم في رواته، بل لمخالفته فكراً ارتهنهم يُطلقون عليه “العقل”، أو فهماً مغلوطاً يحسبونه “المنطق”، والحال أنَّ ما “عُبد به الرحمن واكتسب به الجنان” بريء، براءة أرسطو من هزيل بنائهم، وخاوي مقدماتهم وباطل استنتاجاتهم! يمضي بعضهم بسذاجة الذي ابتاع الأهرام والقطار، يحمل قراءة سمجة سخيفة تسقط الحديث على أصلٍ افترضه، فيخلص إلى النفي والإنكار، يرى أنَّ الخطاب فيه تغرير بالمخاطب، يفتح باباً يقود إلى الشرك والغلو، وأميرالمؤمنين منزَّه عن ذلك، لا يغوي الناس، وحاشاه أن يأخذهم إلى الكفر والضلال، فالحديث إذاً مكذوب موضوع! والأمر ليس من تسجيل العثرات والتقاط الزلات، بل هو شاهد عابر على نزعة ومشرب، ويكفيك أن تلاحق “بحوث” الرجل لتجدها في كثير من مواضعها أشبه بتقريرات لمباحث حيدر حب الله ودراساته، ولكن العوام لا يقرأون، فينبهرون، والمثقفون ـ في حقيقتهم ـ حسيُّون غير إيمانيين، يبحثون عن مسعف ينجدهم في صحراء قحولهم ومحولهم، فينتعشون! أما البصراء، المستنيرة قلوبهم بأنوار الولاية، فيكفيهم موقفه من الشهادة الثالثة ليقفوا على الداء، ويميِّزوا بين السعادة والشقاء.

    يتساءل الرجل الذي نشأ في أحضان زائر فضل الله، ومن ورائه المستبصر السامرائي: ما لكم كلما ذكر “سند الحديث” تبكون؟! مستنكراً أو هازئاً، لست أدري. هكذا يريد الفتى أن يمضي في دربه الشاذ، محمولاً على أكتاف الذباب، بحسابات وهمية وأرقام خيالية، صدَّق المسكين أنها بلغت عشرات ومئات الآلاف، يأخذ معه المغترين من أيتام آل محمد، بلا معارضة أو عراقيل، ودون مساءلة تستوقفه عند بدع ومُحدَثات يريد أن تكون نهجاً يغيِّر السائد الذي يمضي عليه الشيعة منذ مئات السنين!

    ولو كان الأمر من مستبصر أو نكرة، مجهول لا يُعرف له أصل ولا انتماء، فِطْر فقعت عنه الأرض، لقاحه الرعد والبرق، ومنبته البراري، وإن باتت له في التطوير الزراعي، محميَّات وبيوت مظلمة يجري استنباته فيها من بكتيريا تُستخلص من عفن الثمار أو روث الأحصنة والبغال.. لما عجب أحدٌ ولا استنكر، ولا استغرب من هتكه المقدسات دون تحرُّز ولا وجل، وبمزيد جرأة واستخفاف، فالصعلوك لا يأنف ولا يتعفف، يقحم ويهتك، ثم ينادي بالفتح والظفر، لم يدفع ثمناً في جمع التراث، ولا كابد آباؤه أو عانى أسلافه في هذا السبيل، فعلامَ يتألَّم وممَّ يتوجع؟! ولكن هذا السيد المسكين الذي جعلوه في الواجهة، واتخذوه مطيَّة، معروف في أصله ومنبته، مشهود له في دينه ونسبه.

    وحتى يفهم ما يُبكينا، عليه أن يعشق سيد الشهداء بعد أن يعرفه، ويتفطَّن أسباب إحلاله سلام الله عليه من إحرامه وإعراضه عن حجه في يوم التروية، فيدرك أن الولاية هي جوهر الإسلام، وأنَّ الإمام أعظم من الأحكام، وحرمته تفوق الحج والكعبة والمسجد الحرام. ويفهم كيف ولماذا سمع النبي خطاب ربه بصوت علي عند سدرة المنتهى؟! وكيف نجَّى أميرالمؤمنين سفينة نوح من الطوفان، وخلَّص إبراهيم من نار النمرود، وعلَّم موسى التوراة، وأنطق عيسى في المهد، وأخرج يوسف من البئر، وسخَّر الريح لسليمان، إذا تخطى حُجب الرجال والأسانيد حين تعمل في غير موردها، واستطاع أن يعقل كيف يباشر “بشرٌ” أدواراً في حياة الأنبياء، ويتدخل فيغيِّر مصائر أُمم وحضارات، وهو لم يولد بعد!.. سوف يفهم لماذا وعلامَ نبكي.

    إننا نبكي ديننا يا هذا، نبكي سماسم لا يلتقطها إلا أهلها، معارف أرق من النسيم، وعقائد ألطف من زجاج القناديل، يهوي عليها حمقى بمعاول جهلهم، يعيث متطفلون في أرجائها فساداً، ويبتدرون في أنحائها خبطاً وتهشيماً. نبكي تراثنا العزيز، كنوزاً من درر نفيسة وجواهر فريدة ولآلئ لا تقدَّر بثمن، يبتذلها صعاليك ويفرِّط بها زعاطيط، عرفوا شيئاً وغابت عنهم أشياء. نبكي مستغفلين ومستضعفين تنطلي عليهم مغالطة نقل بحث أسانيد الحديث، اللازم والضروري في الفقه والواجب في استنباط الأحكام، إلى دائرة التاريخ وتفاصيل العقيدة والتفسير (في غير آيات الأحكام) وحتى الدعاء والمزار.. ويرتهنون الساحة لهذه المغالطة كلما اعترض عليهم فاضل ونهض في وجههم غيور، يرمونه بمحاربة التحقيق ورفض البحث في الأسانيد! يشهِّرون بممتنع عن دواء السعال، ويغفلون أنه يشكو آلاماً في المفاصل، فما شأن عقارهم ومحل دوائهم؟ والهمج الرعاع يرمونه بجحد الطب والتنكُّر للدواء ورفض العلاج!

    إننا نبكي يا سيد لأننا لسنا أنبياء ولا أئمة نعلم الغيب، فنرى مآل دعوتكم الهدامة، والحضيض الذي ستهوون إليه بعد حين، وكيف ستلحقون بمن سبقكم، من الأفغاني ومحمد عبده وسيد قطب وحسن البنا، إلى طالب الرفاعي ومرتضى العسكري، ثم فضل الله وحب الله والحيدري وآصف محسني.. نخشى البداء ومزيد البلاء، نبكي تقصيرنا وذنوبنا، أن نتلقى عليها عقوبة أشد من الطوفان والقمل والجراد، تجتاحنا فتن من ضرب تشريع المثلية والاختلاط والمساواة بين الجنسين وضروب الميوعة التي نراها في غير صعيد، وأشدها على عرى الإيمان أن يسلِّط الله الحداثوية على الدين. إنه بكاء الوريث الذي يرى أو يخاف تبديد التركة وتضييعها. وعندما لا تتخذ دينك لهواً ولعباً، ولا تركبه مطية للشهرة وآلة للرئاسة والإمرة، ستبكي مثلنا، ولن يعيبك هذا أو يشينك، بل يرفعك ويزينك.

    قد يعيش الرجل ألق طوره السابق، وزهو مرحلة ماضية قطعها، منتشياً بالتهاب الأكف بالتصفيق له، وما كان يلقاه في جولة تصديه للإلحاد ومحاربته مناهجه وواجهاته، فمضى مستصحباً ذلك، متوهماً استمراره وهو في حرب الولاء وجولة إسقاط مراتب الأئمة الأطهار والاستخفاف بالحديث والشعائر الحسينية، فصدم وفوجئ بما لاقى، ثم امتعض واستنكر من “تشدد” الولائيين في مواجهته! وهذا أول السقوط، أن يخلط بين الحقلين، ولا يميز رجال هذه الجبهة عن تلك، فيحسب التخنث الذي لاقاه به الملحدون، والخنوع الذي ظهر من أرباب تلك المقولات، هو الأصل في المعارك العقائدية والصراعات الفكرية. غاب عنه حال رجال هنا كزبر الحديد، لا يزيدهم الطرْق إلا صلابة، ولا الحوادث والخطوب إلا مضاء وحِدَّة، يبترون سُوق الضلال ويقطعون جذوعه، يجتثون جذوره ويقتلعون أصوله، يسحقون حشائشه أو يدوسون حشوه وطغامه بالأقدام، لا يبالون بتبعة ولا يكترثون بعاقبة، قد أعاروا الله جماجمهم، وباعوا أئمتهم أرواحهم. ينتزعون حقهم من عيون أعدائهم، فإن عصت الأعين، فقأوها أو سملوها من محاجرها.

    قد يسجِّل بعض السذج إنجازاً للقوم هنا وخدمة هناك ترحمهم وترفق بهم، تماماً كما كان يجري مع فضل الله في أمر المقاومة، والحيدري ومناظرة المخالفين… غافلين أن هيئة الإذاعة البريطانية البي بي سي، كانت وما زالت تبث تسع حقائق، حتى تدس العاشرة أكذوبة، فتحقق العائد المرجو، على بساط من المصداقية، فرشه الضحايا!

  • من الفروق الجوهرية والميزات المفصلية بين المتصارعين في الساحة الإيمانية، المتموضعين في جبهتين: تيار الأصالة والولاء، مقابل الحداثة والابتداع، أنَّ الأول ينطلق من إيمان راسخ بسلامة فكره ونهجه، على يقين من رشاد آرائه وسداد خياراته، يقينه بفساد دعاوى خصمه، فتراه على ثقة تامة بصواب تموضعه وصحة تخندقه وقداسة حربه ونزاهة معركته، يبني على قاعدة صلبة ويمضي بوتيرة مُحكَمة ونهج متماسك مُتقَن، يزيح الغشاوة في الرؤية، وينفي القلق والاضطراب النفسي، ناهيك بالتزلزل الروحي، الذي يعاني منه الطرف الآخر، وهو ساكن رابض، أو متحفِّز يتحيَّن الفرص، وكذا حين يباشر الحركة ويثور، فيتخبَّط ويتقلَّب، يتكلَّف ويتعسَّف، يخادع ويراوغ، يتحايل ويتصنَّع، وفي جميع مراحل حركته وأطوار نهضته، تراه يفتقد السكينة والوقار الذي يتمتع به الولائي الأصيل. ولسنا هنا بصدد الأدلَّة التي يسوقها الحداثي، وما يقدِّمه المبتدع بين يدي دعواه من حجج واهية داحضة، وإثباتات هزيلة ركيكة، وبراهين باطلة هاوية، بل نريد الحالة النفسية والروحية التي يعيشها أعداء الولاء وخصوم الأصالة وغرماء الحوزة العلمية ومناصبو النمط التقليدي في بناء المعارف الدينية، بأي زيٍّ تلبَّسوا، وأيِّ شعار حملوا، فحقيقتهم واحدة، لا تداريها اللافتات التي يتخفون خلفها، ولا تغطيها الأقنعة التي يظهرون بها، فأكاذيبهم لا تنطلي على الأكياس ولا تخدع الحصفاء ولا تغرر بالحكماء. إنهم يعلمون جيداً أنهم يكذبون ويدلِّسون، ويشعرون في قرارة أنفسهم أنهم يلتفُّون على الحقيقة ويحتالون عليها، وأن استدلالاتهم باطلة، أو ركيكة هزيلة، وحججهم خاوية ساقطة، وأنهم لا يعدون كباشاً تناطح جبالاً راسية! لذا تراهم يتماوتون على نقل الصراع وأخذ النزاع إلى “الشخصنة”، ومواقع إعلامية محضة، بعيدة عن الأجواء العلمية والرصانة الأكاديمية التي قدموا منها، أو تقنَّعوا بها.

    في المقابل، لم تأتِ ثقة الولائيين بأنفسهم من فراغ، فهم ورثة مدرسة تضرب في أعماق ألف عام من الجمع والتصنيف والاحتجاج والاستنباط والتأسيس والبناء، صمدت أمام أعتى التحديات، وقاومت أشرس الهجمات. كما لم يسكنهم اليقين بضلال خصومهم من محض أهواء، بل هناك مرتكزات متينة ومنطلقات مُحكمة، ومن أعمق روافد الطمأنينة في اتخاذ المواقف في جبهات الصراع الإيماني، وأكبر مصادر الثقة بصوابية التموضع ضد المنحرفين، أئمة ضلال كانوا أم أتباعاً من الصعاليك، وانتفاء التجنِّي من افتراض الغرض والمرض فيهم، والركون إلى عدم حملهم على محامل الخير أو التماس الأعذار لهم، وعدم التردد في إدانتهم لجحدهم فضائل آل محمد أو التشكيك فيها… نصٌّ محكم لا يُعارَض، و”رقم ذهبي” يقبل القسمة على جميع الوجوه والمعادلات، ويحسم القرار والموضع على أي حال، ففي الجامعة الكبيرة: “فكُنَّا عنده مسلِّمين بفضلكم، ومعروفين بتصديقنا إياكم، فبلَغ الله بكم أشرف محلِّ المكرَّمين، وأعلى منازل المقرَّبين، وأرفع درجات المرسلين، حيث لا يلحقه لاحق، ولا يفوقه فائق، ولا يسبقه سابق، ولا يطمع في إدراكه طامع، حتى لا يبقى مَلَك مقرَّب، ولا نبيٌّ مرسل، ولا صديق ولا شهيد، ولا عالم ولا جاهل، ولا دنيٌّ ولا فاضل، ولا مؤمن صالح، ولا فاجر طالح، ولا جبار عنيد ولا شيطان مريد، ولا خلق فيما بين ذلك شهيد إلا عرَّفهم جلالة أمركم، وعِظَم خطركم، وكبر شأنكم وتمام نوركم، وصدق مقاعدكم، وثبات مقامكم، وشرف محلِّكم ومنزلتكم عنده، وكرامتكم عليه، وخاصَّتكم لديه، ومنزلتكم منه”.

    قلَّ أن تجد مثل هذا العموم والاستغراق والشمول في الإطلاق! ومن ظاهر العبائر وسعة نطاق مداليلها، يبدو أنَّ الحكم لا يستثني حتى المستضعف! فالخطاب يعمد إلى المقابلة بالنقائض، والبناء على نحو المنفصلة الحقيقية، فالإنسان إما عالم أو جاهل، ثم استدراك بـ “ولا خلق فيما بين ذلك شهيد”، ما يحقق إتمام الحجة على جميع البشر بل كافة المخلوقات! والذهاب في الأمر ـ من بعدُ ـ إلى الرسوخ المؤكد في كلِّ نفس، وسطوع شمس الآية الشريفة: “وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوّاً”، على وجدان كل جاحد ومنكر أو مشكك، وحضور: “كل إنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره” في قرارة كل معاند مكابر. فالقوم في ضمائرهم، أو قُل ما تبقى منها، يعلمون أنَّ الفضائل التي ينكرونها ويرونها غلواً، أو يحسبونها مبتنية على أحاديث مرسلة أو يرويها ضعاف ومجاهيل، أو الأُخرى التي تخالف عندهم العقل، ويخلطون في معالجة مداليلها بين الاستحالة العقلية والمعجزة، أو القدرة الإلهية وتعلقات إرادته سبحانه وتعالى بأمر… يعلمون أن كلَّ هذه وتلك ثابتة، وهي حقائق لا يسع المنصف الفرار منها والتنكر لها، ولكن الشيطان يغلب أولياءه، فالهر القصير الذي سبق أن قدَّم للأمة كمال الحيدري على طبق مشروعية قناة الكوثر وحصانة فلَك النظام، وكان رأس الحربة في ضرب الحوزة والنجف وهتك المرجعية العليا، وكان وراء سلسلة فتن أخرجت الناس من دين الله أفواجاً، حتى إذا توارى شيئاً وغاب، حسبها بعضهم يقظة ضمير وقفت به على خلوِّ وفاضه وفراغ جعبته وتسافله عن أدنى مقومات الدور الذي تسنَّمه أو أُنيط به، فانكفأ عن الإعلام ليتفرَّغ لإدارة أحزاب القوم الناشطة في بلاد الخليج، وإذا به يعود من نافذة الفتنة نفسها، يسرق الإمامة من أهلها ويهوي بولاية الله ورسوله وأهل بيته الأطهار، يجعلها مشاعاً للقاصي والداني، ويبتدع مرتكزاً جديداً للتشيُّع هو الثورية وموافقة سياسات النظام، يرسيه أصلاً يُلحق الإمامية بالزيدية! إنَّ هذا الصعلوك يعلم في قرارة نفسه أنه يكذب ويدلِّس، ولكن الشيطان الذي رفعه إلى موقع لم يكن يحلم فيه مالاً وسلطة وشهرة، اخترقه وسكنه، وبات لسانه الذي يفتري به، ويده التي يبطش بها، وروحه التي تغوي، فيخلط ويُلبس على أيتام آل محمد ويترضى على مَن لعنوه، دون تقية اضطرَّ إليها، اللهم إلا إنعاش إبليس وإدخال السرور على قلبه!… وهكذا يفعل زملاؤه وأقرانه في حوزة الأطهار وجامعة المصطفى، ولكن بآلية مختلفة وعلى نهج مُحدَث جديد! تماماً كما سبق إلى ذلك الحيدري وحب الله، ومن قبلُ فضل الله، لحق هؤلاء وباتوا روَّاد المرحلة الحالية وقادة الحركة الإضلالية.

    لا أحد من هؤلاء تخفى عليه الحقيقة، لا غفلة هنا ولا جهل، لا بسيط ولا مركَّب، وإن كان، فهو مما أخذ المرء نفسه وأوقعها فيه، وذهب من تلقائه إليه، أعرض عن حجة بالغة حاضرة في وجدانه عرَّفها له الله سبحانه وتعالى وأتمَّها عليه، تبعاً لشياطين الإنس والجن، وشهوات ونزوات تزيِّنها له. هذه هي الآفة، لا غير، تدبُّ في أرواح المرضى، مما يسوِّله أولياؤهم: تحقيقاً في الأسانيد وملاحقة للرواة حتى يسقط الحديث وتنتفي الفضيلة، فإذا صُفعوا من أمثال السيد السيستاني الذي يرى أنَّ “في مثل هذه الزيارات لا ينظر إلى صحة السند، وإنما العبرة بالوثوق لصدورها والاطمئنان بها. وزيارة الجامعة كما قال المجلسي (قدس سره) من أصحِّ الزيارات سنداً ومتناً، ومضامينها خير شاهد على صدورها من المعصوم عليه السلام، الذي هو معدن العلم ومهبط الوحي، فإنَّ فقرات هذه الزيارة لا تكون صادرة إلا عن مقام الوحي والإلهام الرباني، ولا يشكك فيها إلا ضال أو منحرف أو مكابر”… أُسقط في أيديهم، وانعطفوا إلى منحىً آخر يفضي إلى تضعيف في الدلالة، والتمسوا وجوهاً تتأوَّل الظاهر وتنقلب على النصِّ، وعمدوا لدعوى العرض على القرآن ومسلَّمات التوحيد وما ينجي من الغلو والسقوط في شِراكه! وراحوا في المراء والجدل، وذهبوا في المكابرة والعناد.

    تعجَّب المأمون وهو يشهد يوماً إكبار أبيه للإمام الكاظم عليه السلام، فسأله: مَن يكون هذا الرجل الذي أعظمته وأجللته، وقمت من مجلسك إليه فاستقبلته وأقعدته في صدر المجلس، وجلست دونه؟ ثم أمرتنا بأخذ الركاب له؟ قال هارون العباسي: هذا إمام الناس، وحجة الله على خلقه، وخليفته على عباده! فقال: يا أمير المؤمنين، أو ليست هذه الصفات كلها لك وفيك؟ فقال: أنا إمام الجماعة في الظاهر والغلبة والقهر، وموسى بن جعفر إمام حق، والله يا بني إنه لأحق بمقام رسول الله مني ومن الخلق جميعاً… ثم استدرك: والله لو نازعتني هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناك، فإنَّ الملك عقيم!

    من هنا لا يحترم المؤمنون الحداثويين، ولا يرون لدعاة الضلال وأرباب البدع حرمة، لأنهم يفترضون فيهم الخبث والعمد، ولا يفسحون لمقولاتهم فرجة في فضاء التعددية واختلاف الاجتهادات وتنوُّع الآراء، أو يتيحون لها محمل خير مما ينبغي أن يُتاح للأخ المؤمن فيُحمل عليه… إنهم دجالون محتالون، طلاب شهرة وسلطة ومال وملك، وهو عقيم، لا يعرف ولداً ولا أخاً ولا تلداً!

  • هذه وقفة تفكُّر وتدبُّر على هامش الجولة الأخيرة بين الفلسطينيين وإسرائيل، أخذت إلى أُفق لا يملك المرء إلا أن يرثي فيه لحال هذا الشعب المقهور والمأساة التي يعيشها، فيتألم ويشفق ويرقُّ ويرفق، ولا سيما أنَّ الطيران الحربي الإسرائيلي لا يكفُّ عن دكِّ بيوت غزَّة وتقويضها على رؤوس أصحابها، حتى يستأنف عدوانه ويُعاود طغيانه، وكأنه أخذ على نفسه تخريبها كلَّما رُمِّمت وأُعيد بناؤها. فإذا وسَّع المتأمل نطاق رؤيته وتعمَّق في المشهد، غرق في المحنة والنكسة بعد النكبة، وهو يستعرض سيرة شعب يقف على أبواب قرن من الشتات والتشريد، والتيه والتهجير، وهوان التسكُّع في بلاد الآخرين، وذلِّ مخيمات اللاجئين، ومن بقي في أرضه ولم يترك بلاده، بات محاصراً بحائط فصل عنصري، أمضاه العالم المتمدِّن، ولم يثر حفيظة الذين ثاروا على حائط برلين!.. هذا في جانب، وفي الآخر مصيبة أعظم، وهي أنَّ كلَّ ما يجري على هذا الشعب المنكوب يقع دون أدنى أجر وثواب، وبلا عوَض ولا خلَف! فما ينتظر “الضحايا” في عقباهم، أسوأ مما قاسوه في دنياهم! فالموت على حالهم، والانتقال إلى الآخرة بعقيدتهم ودينهم، يعني أنهم راحلون ـ مع الأسف الشديد ـ إلى جهنم وبئس المصير! والنصوص في هذه الحقيقة لا تحتال عليها فذلكات رجالية، ولا تتلاعب بها مهارات شيطانية، تلتف على أصل الدين ومحوره، وانحصار النجاة في الفرقة المحقَّة. فإذا نظر باحث أو مراقب واستعرض ما نزل بالعراق منذ سقوط الطاغية، من مآسٍ وويلات حمَّلت العراقيين من الضحايا والقرابين والدمار ـ في فترة وجيزة ـ ما حمَّلت، لوجد أرقاماً فلكية تفوق مأساة فلسطين على امتدادها الذي يناهز قرناً!.. لكن فارقاً جوهرياً هنا يغيِّر المشهد ويقلب المعادلة، فالمظلوم الذي قضى في انفجار انتحاري تكفيري، تناثرت أشلاؤه وهو في طريق زيارة سيد الشهداء، أو يتسوَّق لعياله، أو يتوجَّه إلى عمله، يرحل بإيمان وولاية لآل محمد وبراءة من أعدائهم، تنجيه في برزخه ناهيك بمعاده، بينما الفلسطيني المنكوب، يرحل بغير هذا، فيهلك وقد حبط عمله!

    من هنا يأخذ التأمل والتدبُّر المرء ليرجو ويتمنى أن ينهض أحد أبناء هذا الوطن السليب ليصحِّح المعادلة فينجي شعبه ويخلِّص أُمته، ليت بعض أبناء فلسطين الحبيبة يعرف الحق ويستبصر، ثم ينفر إلى الحوزة العلمية، فإذا قطع شوطاً وبلغ كفاية، عاد لينذر قومه إذا رجع إليهم… يهتف فيهم بقول رسول الله: “ذروة الأمر وسنامه ومفتاحه وباب الأشياء ورضا الرحمن، الطاعة للإمام بعد معرفته، إن الله عز وجل يقول: «من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً»، أما لو أن رجلاً قام ليله وصام نهاره وتصدق بجميع ماله وحج جميع دهره ولم يعرف ولاية ولي الله فيواليه ويكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على الله جل وعز حق في ثوابه، ولا كان من أهل الإيمان”، فيدعوهم إلى ما تسمو به الأرواح، وتزكو الأعمال، وقبل هذا وذاك، ما يطهرهم ويأخذهم إلى النجابة وطيب الولادة.

    ليت أحد أبنائهم ينبري لينقذهم من مذاهب باطلة ترتهنهم، وعقائد فاسدة تضلُّهم، فيزيح من قلوبهم غلّاً يضطرم على آل محمد، ويطفئ حقداً وحنقاً على شيعتهم، فإنَّ الناصب مخلَّد في النار، وفي الحديث عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال: “ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت، لأنك لا تجد رجلاً يقول: أنا أُبغض محمداً وآل محمد، ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم أنكم تتولونا وتتبرؤون من عدونا وأنكم من شيعتنا”، وقد روي عنهم عليهم السلام: “لو أنَّ كلَّ ملك خلقه الله عزَّ وجل، وكلَّ نبي بعثه الله، وكلَّ صدِّيق، وكلَّ شهيد شفعوا في ناصب لنا أهل البيت أن يخرجه الله عزَّ وجل من النار ما أخرجه الله أبداً”. فإن نجا بعضهم من النصب، وسلمت نفسه من البغض،  سقط في حبِّ أعداء آل محمد وموالاة غاصبي حقهم، وفي تفسير العياشي عن أبي عبدالله عليه السلام في قوله تعالى «وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء»، قال: “حقيق على الله أن لا يُدخل الجنة مَن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من حبهما”. ولو قلبت تلك البلاد رأساً على عقب وركستها لتفرغ سكَّانها في غربال ينخل ويصفي الموالين لآل محمد، لما خلص إلا آحاد!

    ليت عالماً عادلاً ورعاً زاهداً في الدنيا غير مكبٍّ عليها ولا متهالك على حطامها، يقف على جذور الولاية وأعماق الإيمان، ويعرف تبعات الأعمال وآثار الأفعال، القلبية الخفية منها والجوارحية العلنية، يحذِّر قومه من الهلكة التي تنتظرهم لطلبهم الاشتراك ـ الطوعي ـ في جرائم صدام، حين يرضون بفعاله ويهيمون بحبه، ومن قبله وبعده، يعشقون التكفيريين الذين لا تعمل أحزمتهم الناسفة إلا في الشيعة ومراقد أئمة أهل البيت وعتباتهم المقدَّسة، لم تنل يوماً من يهوديٍّ ولا صهيوني! ليت في أبناء فلسطين مَن يبصِّرهم أنَّ إقامة الأفراح في مآتم الشيعة على فجائع أنزلتها بهم داعش، هو تدهور أخلاقي وتردٍّ إنساني، وانحطاط وحقارة، سيعقبها خزي ونكال، ثم سقر لا تبقي ولا تذر، ونار موقدة تطَّلع على الأفئدة.

    والداء عضالٌ والعلَّة مستحكمة، فبعد اللتيا والتي، ظهر مَن يُفترض أنه عرف الحق والصواب وأدرك الخطر والبلاء، فاستبصر أحدهم! لكنه بدل أن يرجع لينذر قومه وينقذ شعبه، وينهض بما هو الحق من الجهاد، آثر أن يقضي وادعاً فاكهاً مترفاً، لاهياً عابثاً مضارباً… اندسَّ في الحوزة كما أُريد له وتوغل، انصرف لبناء الشهرة وخلق الوجاهة، وانهمك في كسب الإجازات وجمع الشهادات، ثم انغمر في البحث عن زلات علماء المذهب، وتلقُّط عثرات في حنايا التراث وزوايا المؤلَّفات، والتنقيب عن هفوات هنا وهناك، تظهره ناقداً محققاً، وباحثاً فاحصاً، مجتهداً لا يقلِّد، وقائداً لا يُقاد، ثم رائداً ومُصلحاً لمذهب لم يعرفه إلا بالأمس، اللهم إلا ما تلقَّاه عنه في نشأته، وانغرس فيه وسكنه مع تربيته!

    هكذا التحق الرجل بمنظومة الحداثة في إصدارها الجديد ونسختها المتطوِّرة، التي وإن اختلفت مع آباء الحركة في آليات العمل وأساليب الدعوة، لكنها تحدو نفس الأهداف التي لاحقها رواد الإصلاح الديني الأوائل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والطهطاوي والكواكبي ورشيد رضا وعلي شريعتي: عقلنة الدين، والاقتصار على القرآن والأحاديث الصحيحة فحسب، ونبذ المعتقدات الخرافية والتقاليد الرجعية، وتطوير الخطاب بما يوائم العصر، والعمدة في ذلك السعي نحو “اللامذهبية”! قام حزب الائتلاف بين جامعة المصطفى وحوزة الأطهار وطرف ثالث، على هذا النهج، وتبنَّى منظومة تلحق الحيدري وحب الله، وتخلُف شريعتي وفضل الله، دون أن تجاهر بضلالات أولئك وانحلالهم، أو تتبنى بصراحة آراءهم، فتقول بإباحة السماع، أو التنكُّر لمصاب الزهراء،  كما فعل لكع مثل علي الصالح ومنحطٌّ مثل رحيم أبورغيف، وتذهب في إسقاط الحوزة وعلومها على طريقة سافل مثل الغزي.. بل هم على نهج حزب الدعوة والإخوان المسلمين، في الأخذ بالمرحلية، وسياسة الخطوة فخطوة، وهم الآن في طور التشكيك، وإثارات تستدعي إعادة بناء المعارف الدينية، بعد تنقيح المصادر الموروثة، سواء من تراث أئمة الهدى، أو نتاجات أعلام الطائفة.

    والطامة هنا أنَّ الخطة أو الخديعة الجديدة انطلت على فضلاء، وخدعت سذَّجاً أغرتهم الظواهر، وخفي عنهم الدعم السري المريب الذي يحظى به هؤلاء، ما سمح لهم بحرية الحركة في أوساط المثقفين، ليشكِّلوا بعد حين حزباً ضمَّ أنواعاً: الأول: غثاء رعاع، سواد كلِّ جديد مبتدَع، وحاضنة كلِّ محدَث وشاذ وغريب، مصروعون بحمَّى “الحركة الشبابية”، وهوس ”الدماء الجديدة”، والهراء الذي يخلق مدّاً، كان حتى الخمسينات أحمر يحكي اليسار، صار في السبعينات إسلامياً، وهو اليوم هجين ينطلق من الحداثة ويريد تطوير الدين، ليصنع علمانية (دينية لا سياسية) مبطَّنة! وهؤلاء، كما يغلبهم هوس النزعة الشبابية، تراهم مسكونين بقاعدة “مغنية الحي لا تطرب”! يرقصون فرحاً بأجنبي أسلم أو تشيَّع، يرون دخول غريب في مذهبهم فتحاً ومغنماً يباهون به. الثاني: حسيُّون يحملون لواء العقل، يحاربون الغيب وما وراء الطبيعة، وينكرون المعجزة وخرق العادة، ويستهزؤون بالفضائل والمنازل والمراتب التي رتَّب الله فيها أئمة الهدى… يرون أنَّ ذلك كله يزري بالعقل ويجانب العلم. فهم في حقيقتهم وأعماق نفوسهم “تنويريون” (ولك أن تراجع جذور هذا الإطلاق لتقف على خلفية الدعم الذي يحظون به!)، ينشطون في البيت الشيعي والساحة الإيمانية، وقد توغل بعضهم في الحوزة. الثالث: حركيون إسلاميون، من شتات الأحزاب الشيعية المنخرطة في السياسة، المنادية بتكييف الشريعة وتحويرها، وتغيير العقيدة وتبديلها، والتهالك على صيغة متطوِّرة مرنة، ولك أن تقول رخوة متميعة، تتيح لهم بلوغ السلطة، وتمكِّنهم من تحقيق “الحكم الإسلامي”!

    إنَّ هذا الحزب وإن تواضع حجمه وتضعضع تنظيمه قبل أن يشتدَّ عوده، نتيجة تهور واغترار أقطابه، فهان خطبه ولم يستحق الإرصاد والاستهداف، لكن الناهضين بالدفاع عن الأصالة والمرابطين على ثغور الساحة الإيمانية، لا يلحظونه بما هو هو، بل بما يمثل من امتداد، ويتمتع به من دعم، ويحمل من خطاب، هو تكرار لخطاب الضلال، ومحاكاة ذكية لجوهر الأهداف التي يتوخاها.

    عوداً على بدء… نريد فلسطينياً مستبصراً، ونريده نزيهاً واضحاً صريحاً، على نهج الحوزة وطريقة طلب العلم السائدة فيها، بعيداً عن مواطن الريبة، سواء في الانتماء الحزبي والدور السياسي، أو الارتباط بدوائر المخابرت والأغراض الخفية الغامضة والسرية. نريده مستشعراً حال شعبه المنتهكة حرمته، المغتصبة أرضه، المشتت في تيه كان صفة أعدائه. نريده أن ينصرف عن الترف الفكري بعد المعيشي، وأن يدرك بديهية الأولويات ويحسن ترتيبها، ثم ينصرف للعمل والأخذ بها. وليته يجعل فتح حرم سيدنا هاشم بن عبدالمناف، جد نبينا الأعظم، وإخراجه من الإهمال والتعطيل، رأس اهتماماته وباكورة إنجازاته، فهذا من الحسرات التي لا يتعلق بها عذر، ولعل ببركة هذا القبر الشريف، سيعم الخير ويتدفق الحق ويغمر الولاء تلك الأرض المقدسة ويشمل شعبها المظلوم. قد لا تطيق البيئة الفلسطينية الناصبية ذلك، وستلفظ من يجاهر بتشيُّعه، ناهيك بأن يكون داعية، نفرَ ليتفقه في الدين وها هو يرجع إلى قومه لينذرهم! ولكن هذا هو ميدان الشجاعة وساحتها الحقيقية، لا ما يفعله الذي عاد بمعوله على التشيع وراح خبطاً في تراثه وهدماً في شعائره ومقدساته ونيلاً من مراجعه وأعلامه!